Indexed OCR Text

Pages 241-260

الآية : ٢٣
٢٤١
سُؤَةُ الأَجْزَانِ
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المؤمنين بالإخلاص مطلقاً، لا الذين حُكيت محاسنُهم
خاصة ﴿رِجَالٌ﴾ أيُّ رجالٍ ﴿صَدَقُواْ مَا عَهَدُوا اللَّهَ عَلَيَّةِ﴾ من الثبات مع الرسول ◌َّهـ
والمقاتلة للأعداء. وقيل: من الطاعات مطلقاً، ويدخل في ذلك ما ذكر دخولاً
أوَّلِيًّا .
وسبب النزول ظاهرٌ في الأول؛ أخرج الإمام أحمد ومسلمٌ والترمذيُّ والنسائيُّ
وجماعة عن أنس قال: غاب عمِّي أنس بن النضر عن بدرٍ، فشقَّ عليه وقال: أولُ
مشهدٍ شهده رسول الله ◌َ﴿ غبتُ عنه، لئن أراني الله تعالى مشهداً مع رسول الله وَليه
فيما بعدُ لَيَرَيَنَّ اللهُ تعالى ما أصنع. فشهد يوم أحدٍ، فاستقبله سعد بن معاذ ﴿ته،
فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: واهاً لريح الجنة أجدُها دون أحدٍ. فقاتَلَ حتى قُتل،
فؤُجِد في جسده بضعٌ وثمانون من ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ، ونزلت هذه الآية: (مِنَ
الْمُؤْمِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ) وكانوا يرون أنها نزلت فيه وأصحابه(١) .
وفي ((الكشاف)): نذر رجالٌ من الصحابة أنهم إذا لَقُوا حرباً مع رسول الله وَّل
ثبتوا وقاتلوا حتى يُسْتَشْهَدوا، أي: نذروا الثباتَ التامّ والقتالَ الذي يفضي بحسب
العادة إلى نيل الشهادة، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن
زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم(٢).
وعن الكلبي ومقاتل أنَّ هؤلاء الرجال هم أهلُ العقبة السبعون أهلُ البيعة.
وقال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة.
والمعوَّلُ عليه عندي ما قدَّمتُه.
ومعنى ((صدقوا)): أتوا بالصدق، من صَدَقني: إذا قال الصدق، ومحلُّ
(ما عاهدوا)) النصبُ إما على نزع الخافضِ وهو ((في)) وإيصالِ الفعل إليه، كما في
(١) مسند أحمد (١٣٠١٥)، وصحيح مسلم (١٩٠٣)، وسنن الترمذي (٣٢٠٠)، وسنن النسائي
الكبرى (١١٣٣٨)، وهو عند البخاري (٢٨٠٥). قوله: يا أبا عمرو ... ، القائل هو أنس بن
النضر ﴿، وأبو عمرو هي كنية سعد بن معاذ ﴿ه، ثم قال أنس: واهاً ... ، قال
المباركفوري في تحفة الأحوذي ٩/ ٦١: لم ينتظر جوابه لغلبة اشتياقه إلى إيفاء ميثاقه وعهده
لربِّه.
(٢) الكشاف ٢٥٦/٣.

سُوَّةُ الأَجْزَابِ
٢٤٢
الآية : ٢٣
قولهم: صَدَقني سنَّ بَكْرِه(١)، على روايةِ النصب، أي: في سنِّ بَكْرِهِ، والمفعولُ
محذوفٌ، والأصلُ: صدقوا اللهَ فيما عاهدوه، وإمَّا على أنه هو المفعولُ الصريحِ،
وجَعْلِ ((ما عاهدوا عليه)) بمنزلةٍ شخصٍ معاهَدٍ على طريق الاستعارة المكنية، وجَعْلُه
مصدوقاً تخييلٌ أو على (٢) الإسناد المجازيِّ.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ تفصيلٌ لحالِ الصادقين، وتقسيمٌ لهم إلى قسمين،
والنَّحْبُ على ما قال الراغب: النذرُ المحكومُ بوجوبه، يقال: قَضَى فلانٌ نَحْبَه،
أي: وَفی بنَذْرِه(٣).
وقال أبو حيان: [النحب] النذر والشيءٌ(٤) الذي يلتزمه الإنسان ويعتقد الوفاء
به؛ قال الشاعر:
عشية فرَّ الحارثيون بعد ما قضى نَحْبَه في ملتقى القوم هوبرُ(٥)
وقال جرير:
بطَخْفةَ جالَدْنا الملوكَ وخيلُنا عشيةَ بسطامٍ جَرَيْنَ على نَحْبٍ (٦)
أي: على أمرٍ عظيم التزم القيام به. وشاع: قضى فلانٌ نحبه، بمعنى مات، إمّا
(١) البَكر: الفَتيُّ من الإبل، وهذا مثلٌ أصله أن رجلاً ساوم رجلاً ببعير وسأله عن سنّه، فزعم
أنه بازل، فبينما هما كذلك نفر فدعاه: مِدَعْ مِدَعْ، فسَگن، وهذه كلمة تسگَّن بها صغارُ
الإبل، فقال المشتري ذلك، يريد أنه صَدَق في سنّه الآن لمَّا دعاه بتلك الكلمة، وقد كان
كاذباً، ويقال أيضاً: صدقني سنُّ، بالرفع. المستقصى ٢/ ١٤٠، ومجمع الأمثال ١/ ٣٩٢.
(٢) في الأصل و(م): وعلى، والمثبت من حاشية الشهاب ١٦٧/٧، والكلام منه.
(٣) مفردات الراغب (نحب).
(٤) في (م): الشيء، والمثبت من الأصل والبحر، وهو الصواب.
(٥) البحر ٢٠٨/٧، وما سلف بين حاصرتين منه. والبيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ٢/ ٦٤٧،
وذكره أيضاً القرطبي ١١٤/١٧، والسمين في الدر المصون ١١١/٩. قال شارح الديوان:
يعني يزيد بن هوبر الحارثي، فقال: هوبر، للقافية.
(٦) ديوان جرير ٢/ ٦٣٢. قال السهيلي في الروض الأنف ٢٧٣/٣: طخفة موضع بطريق
البصرة. وبسطام هو ابن قيس بن مسعود الشيباني، وقوله: على نحب، أي: على نذر كانت
نذرت أن تقتله فقتلته. اهـ. وقوله: عشية بسطام، أي: العشية التي قتل فيها بسطام. الإملاء
المختصر في شرح غريب السير لأبي ذر الخشني ٣/ ١١.

الآية : ٢٣
٢٤٣
سِوَةُ الأَجْزَارِ
على أنَّ النحب مستعارٌ استعارةً تصريحيةً للموت لأنه كنذرٍ لازم في رقبة كلِّ
إنسان، والقرينةُ حاليةٌ والقضاءُ ترشيحٌ، وإمَّا على أنَّ قضاء النحب مستعارٌ له.
وجوِّز أن يراد بالنحب في الآية النذرُ، وأن يراد الموت. وقال بعض
الأجلَّة(١): يجوز أن يكون مستعاراً لالتزام الموت شهيداً إما بتنزيل التزام أسبابه
التي هي أفعالٌ اختياريةٌ للناذر منزلةَ التزام نفسه، وإما بتنزيل نَفْسِه منزلةً أسبابه
وإيرادِ الالتزام عليه، وهو الأنسبُ بمقام المدح. وجَعْلُه استعارةً للموت لأنه كنذرٍ
لازم مسخٌ للاستعارة، وذهابٌ(٢) برونقها، وإخراجٌ للنظم الكريم عن مقتضى
المقام بالكلِّية. انتهى، وفيه منعٌ ظاهر كما لا يخفى على المنصف.
والذي يقتضيه ظاهرُ بعض الأخبار أن النحب هنا بمعنى النذر، وقضاؤه أداؤه
والوفاء به، فقد أخرج ابن أبي عاصم والترمذيُّ وحسَّنه وابنُ جريرٍ والطبرانيُّ وابن
مردويه عن طلحة أنَّ أصحاب النبيِّ بَِّ قالوا لأعرابيٌّ جاهلٍ: سَلْه عمَّن قضى نحبه
مَن هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته، يوقِّرونه ويهابونه، فسأله الأعرابيُّ، ثم
إِنِّي اطّلعتُ من باب المسجد، فقال: ((أين السَّائلُ عمَّن قَضَى نَحْبَه))؟ قال
الأعرابيُّ: أنا. قال: ((هذا ممن قضى نحبه))(٣).
وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: دخل طلحةُ بنُ
عبيد الله على النبيِّ وَله، فقال: ((يا طلحة، أنت ممن قضى نحبه)) (٤). وأخرج
الحاكم عن عائشةَ نحوه(٥).
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٩٨/٧.
(٢) في الأصل و(م): وإذهاب، والمثبت من تفسير أبي السعود.
(٣) السنة لابن أبي عاصم إثر الحديث (١٣٩٩)، وسنن الترمذي (٣٢٠٣) و(٣٧٤٢)، وتفسير
الطبري ٦٦/١٩، والمعجم الأوسط للطبراني (٥٠٠٠)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في
الدر ٥/ ١٩١.
(٤) الدر المنثور ١٩١/٥، وهو في تاريخ ابن عساكر ٨٢/٢٥ من طريق إسحاق بن يحيى بن
طلحة بن عبيد الله عن عمه موسى بن طلحة عن أسماء ؤنا، وإسحاق بن يحيى ضعيف
كما ذكر الحافظ في التقريب، وينظر التعليق الذي بعده.
(٥) المستدرك ٢/ ٤١٥ من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة عن موسى بن طلحة عن عائشة،
وقد صححه الحاكم، وقال الذهبي: بل إسحاق متروك؛ قاله أحمد.

سُورَةُ الأَجْزَاب
٢٤٤
الآية : ٢٣
وأخرج الترمذيُّ وغيره عن معاوية أنه قال: سمعتُ رسول الله عليه الصلاة
والسلام يقول: ((طلحة ممن قضى نحبه))(١).
وكأنّ عليّاً کرم الله تعالی وجهه عنی مدحه بذلك في قوله - وقد قيل له: حدِّثنا
عن طلحة ـ: ذاك امرؤٌ نزل فيه آيةٌ من كتاب الله: (فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَّن
يَنْتَظِّ). وقد أخرج ذلك عنه كرم الله تعالى وجهه أبو الشيخ وابن عساكر(٢).
وکان خُه قد ثبت يوم أحدٍ حتى أصیبت يدُه.
وإلى حَمْلِ النحب على حقيقته ذهب مجاهدٌ، فالمعنى: منهم مَن وفى بعهده
وأدَّى نَذْرَه ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: وبعضهم ﴿مَن يَنْتَظِرٌ﴾ يوماً فيه جهادٌ فيقضي نحبه ويؤدِّي
نذره ويفي بعهده.
ومَن حَمَل ((ما عاهدوا الله)) على العموم وأبقَى النحبَ على حقيقته قال:
المعنى: منهم مَن وفى بعهود الإسلام وما يلزمُ من الطاعات، ومنهم مَن ينتظر
الحصولَ في أعلى مراتب الإيمان والصلاح.
واستشكل إبقاءُ النحب على حقيقته؛ لأن وفاء النذر عينُ صِدْقِ العهد، فيكون
مآلُ المعنى: من المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى وصَدَقوا، أي: فعلوا ووفوا
بما عاهدوا الله تعالى عليه، فمنهم مَن فعل ووفى بما عاهد، وفيه تقسيمُ الشيء إلى
نفسه. ويُشْكِلُ على هذا المعنى قولُه تعالى: (وَمِنْهُم مَن يَنَظِرٌ) لأنَّ المنتظِرَ غير وافٍ
فكيف يجعلُ قسماً من الذين صدقوا، أي: وفوا.
وأجيب بأنَّ المراد بالصدق في الآية مطابقةُ النسبة الكلامية للنسبة الخارجة(٣)،
وهذا الكلامُ المتضمِّن لهذه النسبة هو ما اقتضاه عهدُهم على الثبات من نحو
قولهم: لئن أرانا الله مشهداً مع رسول الله وَلَه لَنَشْبتنَّ ولنقاتلنَّ. واتصافُ الخبر
بالصدق وكذا المخبر به لا يقتضي أكثر من مطابقة نسبته للواقع في أحد الأزمنة،
(١) سنن الترمذي (٣٢٠٢) من طريق إسحاق بن يحيى بن طلحة عن موسى بن طلحة عن
معاوية. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإنما روي عن
موسى بن طلحة عن أبيه.
(٢) الدر المنثور ١٩١/٥، وهو في تاريخ ابن عساكر ٨٥/٢٥.
(٣) في الأصل: الخارجية.

الآية : ٢٣
٢٤٥
سُورَةُ الأَجْزَابِ
فنحو: يقوم زيد، صادقٌ، وكذا المخبِرُ به وقتَ الإخبار به، وإن كان وقوعُ القيام
بعد ألف سنةٍ مثلاً، وكذا نحوُ: إن كانت الشمس طالعةً فالنهارُ موجودٌ، صادقٌ وإن
كان التكلُّم به ليلاً، فهؤلاء الرجالُ لمَّا أَخبروا عن أنفسهم أنهم إن أراهم الله تعالى
مشهداً مع رسوله عليه الصلاة والسلام ثبتوا وقاتلوا، وعَلِمَ سبحانه أنَّ هذا مطابقٌ
للواقع أخبر تعالى عنهم بأنهم صدقوا، ثم قسمهم عز وجل إلى قسمين: قِسْم أدَّى
ما أخبر عن نفسه أنه يؤدِّيه، وقِسْم ينتظرُ وقتاً يؤدِّيه فيه، ولا يتَّصفُ هذا القِسْمُ
بالكذب إلا إذا مات وقد أراه الله تعالى ذلك ولم يؤدِّ، ومَن أخبر الله تعالى عنهم
بالصدق ما ماتوا حتى أدَّوا، فلا إشكال.
نعم الإشكالُ على تقدير أنْ يراد بالصدق فيما عاهدوا تحقيقُ العهد فيما أظهروه
من أفعالهم كما فسَّره الراغب، ويراد من قضاء النحب وفاءُ النذر أو العهد
كما لا يخفى.
وقيل: المراد بصدقهم المذكور مطابقةُ ما في ألسنتهم لما في قلوبهم، على
خلاف المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ولا إشكال في التقسيم
حينئذ.
وقيل: الصدق بالمعنى المشهور بين الجمهور إلا أنَّ المراد بـ ((صَدَقوا)):
يَصْدُقون، وعبّر عن المضارع بالماضي لتحقُّق الوقوع. وكِلَا القولين كما ترى.
وعن ابن عباس أنَّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى: (قَضَى نَحْبَهُ) فقال:
أَجلَه الذي قدِّر له. فقال: وهل تعرفُ العرب ذلك؟ قال: نعم، أَمَا سمعتَ قول
لبید :
أَلَا تسألان المرء ماذا يحاولُ أَنَحْبٌ فيقضَى أم ضلالٌ وباطلٌ (١)
وأخرج جماعةٌ عنه أنه فسَّر ذلك بالموت(٢)، ورُوي نحوُه عن ابن عمر ﴿مًا.
وعليه لا مانع من أن يراد بـ ((صدقوا ما عاهدوا الله عليه)) كما ذُكر عن الراغب:
(١) أخرجه الطستي في مسائله كما في الدر المنثور ١٩١/٥، ومن طريق الطستي أخرجه
السيوطي في الإتقان ٣٩٦/١، والبيت في ديوان لبيد ص١٣١.
(٢) أخرجه الطبري ١٩/ ٦٤ .

سُورَةُ الأَجْزَاءِ
٢٤٦
الآية : ٢٣
حقَّقوا العهدَ فيما أظهروه من أفعالهم (١). فيكون المعنى: من المؤمنين رجالٌ
عاهدوا الله تعالى على الثبات والقتال إذا لَّقُوا حرباً مع رسول الله وَّهِ وحقَّقوا ذلك
وثبتوا، فمنهم مَن مات ومنهم مَن ينتظر الموت. والذي يقتضيه السياق أنَّ المراد:
قضى نحبه ثابتاً، بأن يكون قد استُشهِدَ كأنس بن النضر ومصعب بن عمير. ويحتمل
أن يراد ما هو (٢) أعمُّ من ذلك، فيدخل مَن مات بعد الثبات حَتْفَ أنفه قبل نزول
الآية إن كان هنالك من هو كذلك.
وعدُّوا ممن ينتظر عثمان وطلحة، وأوِّل ما ورد في طلحة من أنه ممن قضى
نحبه بأنَّ المراد أنه في حكم مَن استُشْهِدَ، وأَوْجَبوا ذلك فيما أخرج سعيد بن
منصور وأبو يعلى وابن المنذر وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة أن رسول الله وله
قال: ((مَن سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى
طلحة))(٣). وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله مثله(٤).
وفي ((إرشاد العقل السليم)) عن عائشة بلفظ: ((مَن سرَّه أن ينظر إلى شهيدٍ يمشي
في الأرض، وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة))(٥).
وفي ((مجمع البيان)) عن أبي إسحاق عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال:
نزلت فينا (رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ) الآية، وأنا والله المنتظِرُ(٦).
وفي وَصْفِهم بالانتظار المنبئ عن الرغبة في المنتظَر شهادةٌ حقَّةٌ بكمال
اشتياقهم إلى الشهادة، وقيل: إلى الموت مطلقاً، حبّاً للقاء الله تعالى ورغبةً
فيما عنده عز وجل.
(١) مفردات الراغب (صدق).
(٢) قوله: هو، ساقط من (م).
(٣) مسند أبي يعلى (٤٨٩٨)، والحلية ٨٨/١، وعزاه لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه
السيوطي في الدر ١٩١/٥. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٤٨/٩: فيه صالح بن موسى،
وهو متروك.
(٤) الدر المنثور ١٩١/٥.
(٥) تفسير أبي السعود ٩٩/٧، وفيه: على الأرض، بدل: في الأرض.
(٦) مجمع البيان ١٢٤/٢١ بزيادة: وما بدَّلتُ تبديلاً.

الآية : ٢٤
٢٤٧
سُورَةُ الأَجْرَانِ
﴾ عطفٌ على ((صدقوا)) وفاعلُه فاعلُه، أي: وما بدَّلوا
﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا
عهدَهم وما غيَّروه تبديلاً ما، لا أصلاً ولا وصفاً، بل ثبتوا عليه راغبين فيه مراعين
لحقوقه على أحسن ما يكون، أما الذين قَضَوا فظاهرٌ، وأما الباقون فيشهد به
انتظارُهم أصدقَ شهادة، وتعميمُ عدم التبديل للفريق الأول مع ظهور حالهم للإيذان
بمساواة الفريق الثاني لهم في الحكم.
وجوِّز أن يكون ضمير ((بدَّلوا)) للمنتظِرِين خاصةً بناءً على أنَّ المحتاج إلى البيان
حالهم، وفي الكلام تعريضٌ بمن بدَّل من المنافقين، حيث ولَّوا الأدبار وكانوا
عاهدوا لا يولُّون الأدبار، فكأنه قيل: وما بدلوا تبديلاً كما بدَّل المنافقون، فتأمَّل
جميع ذاك والله تعالى يتولَّى هُدَاك.
﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ﴾ أي: الذين صَدَقوا ما عاهدوا الله تعالى عليه
﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: بسبب صدقهم، وصرَّح بذلك مع أنه يقتضيه تعليقُ الحكم
بالمشتقِّ اعتناءً بأمر الصدق، واكتفى(١) بما يقتضيه التعليق في قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ
الْمُنَفِقِينَ﴾ لأنه الأصل ولا داعي إلى خلافه، والمراد: ويعذُّب المنافقين بنفاقهم
﴿إِن شَآءَ﴾ أي: تعذيبهم ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فلا يعذُّبهم بل يرحمهم سبحانه إن
شاء عز وجل، كذا قيل، وظاهره أن كلَّا من التعذيب والرحمة للمنافقين يوم
القيامة - ولو ماتوا على النفاق - معلَّقٌ بمشيئته تعالى.
واستشكل بأن النفاق أقبحُ الكفر كما يؤذن به قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الُّْفِقِينَ فِى
الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] وقد أخبر عز وجل أنه سبحانه يعذِّب الكفرة
مطلقاً حتماً لا محالةً، فكيف هذا التعليق؟
وأجيب بأنه لا إشكال، فإنَّ الله جل جلاله لا يجب عليه شيءٌ، والتعليق
لذلك، فهو جلَّ شأنه إن شاء عذَّب المنافق وإن شاء رحمه، لكنَّ المتحقّق أنه تبارك
وتعالى شاء تعذيبه ولم يشأ رحمته، فكأنه قيل: إن شاء يعذِّبُ المنافقين في الآخرة
لكنه سبحانه شاء تعذيبهم فيها، أو يتوبُ عليهم إن شاء، لكنه جلَّ وعلا لم يشأ،
ورفعُ مقدَّم الشرطية الثانية في مثل هذه القضية يُنتجُ رفعَ التالي.
(١) في (م): ويكتفي.

سُوَّةُ الأَخْزَابِ
٢٤٨
الآية : ٢٤
وإنما لم تقيّد مجازاةُ الصادقين بالمشيئة كما قيِّد تعذيبُ المنافقين والتوبةُ عليهم
بها - مع أنه تعالى إن شاء يجزي الصادقين وإن شاء لم يَجْزِهم؛ لمكانٍ نفي وجوب
شيءٍ عليه تعالى - لمجموع أمرين هما تحقُّقُ مشيئة المجازاة، وكونُ الرحمة
مقصودةً بالذات بخلافِ العذاب، وكأنه سبحانه لهذا الأخير لم يقل: ليثيب، أو:
لينعم، وقال سبحانه في المقابل: ((ويعذِّب)).
وقال بعض الأجلَّة: إنَّ التوبة عليهم مشروطةٌ بتوبتهم، ومعنى توبته تعالى على
العباد قبولُ توبتهم، فكأنه قيل: أو يقبل توبتَهم إن تابوا، وحذف الشرط لظهور
استلزام المذكور له. ويجوز أن تفسّر توبته تعالى عليهم بتوفيقه تعالى إياهم للتوبة
إليه سبحانه.
وكِلَا هذين المعنيين لتوبته تعالى واردٌ كما في ((القاموس))(١)، وأيّاً ما كان
فالأمرُ معلَّقٌ بالمشيئة ضرورةً أنه لا يجب عليه سبحانه قبولُ التوبة ولا التوفيقُ لها،
والمراد من تعليق تعذيب المنافقين بالمشيئة أنه تعالى إن شاء عذَّبهم بإبقائهم
منافقين، وإن شاء سبحانه لم يعذّبهم بأنْ يسلبَ عنهم وصف النفاق بالتوفيق إلى
الإخلاص في الإيمان.
وقال ابن عطية(٢): تعذيبُ المنافقين ثمرةُ إقامتهم على النفاق وموتِهم عليه،
والتوبةُ موازٍنةٌ(٣) لتلك الإقامة، وثمرتُها تركُهم بلا عذاب، فهناك أمران: إقامةٌ على
النفاق، وتوبةٌ منه، وعنهما ثمرتان: تعذيبٌ ورحمةٌ، فذكر تعالى على جهة الإيجاز
واحدةً من هاتين وواحدةً من هاتين، ودلَّ ما ذُكر على ما تُرك ذِكْرُه، ويدلُّك على
أنَّ معنى قوله تعالى: (وَيُعَذِّبَ): ليديم على النفاق، قولُه سبحانه: (إِن شَآءَ)
ومعادلته بالتوبة وحرفٍ ((أو)). انتهى.
وأراد بذلك حلَّ الإشكال، وكأنَّ ما ذكره يؤول إلى أنَّ التقدير: ليقيموا على
النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذِّبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم، فحذف سبب
التعذيب وأثبت المسبّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف
(١) مادة (تاب).
(٢) في المحرر الوجيز ٣٧٨/٤.
(٣) في المحرر: موازية، ومثله في البحر ٢٢٣/٧ نقلاً عن المحرر.

الآية : ٢٤
٢٤٩
سُورَةُ الأَجْزَاءِ
المسبَّب وهو الرحمة والغفران، وذلك من قبيل الاحتباك(١). قال في ((البحر)):
وهذا من الإيجاز الحسن(٢).
وقال السديُّ: المعنى: ويعذِّب المنافقين إن شاء أن يميتهم على نفاقهم، أو
يتوب عليهم بنقلهم من النفاق إلى الإيمان. وكأنه جَعَل مفعول المشيئة الإماتةَ على
النفاق دون التعذيب كما هو الظاهر؛ لِمَا سمعتَ من استشكال تعليقٍ تعذيبهم
بالمشيئة مع أنه متحتّمٌ.
وقيل لذلك أيضاً: إن المراد: يعذبهم في الدنيا إن شاء أو يتوب عليهم
فلا يعذُّبهم فيها، وحُكي هذا عن الجبائي، والكلامُ عليه في غاية الظهور.
وقد يقال: المراد بالمنافقين الجماعةُ المخصوصون القائلون ((ما وعدنا الله
ورسولُه إلا غروراً» على أنَّ ذلك كالاسم لهم، فلا يلاحَظُ فيه مبدأ الاشتقاق،
ولا يُجعَلُ علَّةً للحكم، بل العلَّة له ما يفهم من سياق الكلام، فيكون المعلَّق
بالمشيئة تعذيبَ أناسٍ مخصوصين، ويكون المعنى: يعذِّب فلاناً وفلاناً - مثلاً - إن
شاء بأن يميتهم سبحانه مصرِّين على ما هم عليه مما يقتضي التعذيب، أو يتوبُ
عليهم بأن يوفِّقهم للتوبة فيرحمهم، ويجوز أن يراد بالصادقين نحوُ هذا، وحينئذٍ
يكون قوله سبحانه: (بِصِدْقِهِمْ) تصريحاً بما يفهم من السياق.
ويُقْهَم من كلام شيخ الإسلام أنَّ ذكر الصدق وحده من باب الاكتفاء(٣)، حيث
قال في معنى الآية: ليجزي الله الصادقين بما صدر عنهم من الأقوال والوفاء قولاً
وفعلاً، ويعذِّب المنافقين بما صدر عنهم من الأعمال والأقوال المحكية (٤). قيل:
(١) هو أن يُحذف من الأول ما أُثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
الإتقان ٢/ ٨٣١.
(٢) البحر ٢٢٣/٧.
(٣) هو أن يقتضي المقام شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفَى بأحدهما عن الآخر لنكتة،
ويختص غالباً بالارتباط العَظفي، كقوله تعالى: ﴿سَرِلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١]
أي: والبرد، وخصِّص (الحر) بالذكر لأن الخطاب للعرب، وبلادهم حارَّةٌ، فالوقاية عندهم
من الحر أهم. وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] أي: والشر، وخصَّ الخير بالذكر
لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم. الإتقان ٨٣٠/٢.
(٤) تفسير أبي السعود ٧ /٩٩.
:

سُورَةُ الأَجْزَائِ
٢٥٠
الآية : ٢٤
ولم يقل في جانب المنافقين: بنفاقهم؛ لقوله سبحانه: (أَوْ يَتُوبَ) إلخ فإنه يستدعي
فعلاً خاصّاً بهم. فتأمل.
والظاهر أن اللام في ((ليجزي)) للتعليل، والكلامُ عند كثيرٍ تعليلٌ للمنطوق من نفي
التبديل عن الذين صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه، والمعرَّضِ به من إثبات التعريض(١)
لمن سواهم من المنافقين، فإن الكلام على ما سمعت في قوة: وما بدَّلوا تبديلاً
كما بذَّل المنافقون، فقوله: ((ليجزي)) ((ويعذِّب)) متعلّقٌ بالمنفيِّ والمثبَتِ على اللفّ
والنشر التقديريٌّ، وجَعْلُ تبديل المنافقين علةً للتعذيب مبنيٌّ على تشبيه المنافقين
بالقاصدين عاقبةَ السوء على نهج الاستعارة المكنية، والقرينةُ إثباتُ معنى التعليل.
وقيل: إنَّ اللام للعلة حقيقةً بالنظر إلى المنطوق، ومجازاً بالنظر إلى المعرَّض
به، ويكون من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز، وقد جوَّزه مَن جوَّزه.
وقيل: لا يَبْعُدُ جَعْلُ ((ليجزي)) إلخ تعليلاً للمنطوق المقيَّد بالمعرَّض به، فكأنه
قيل: ما بدَّلوا كغيرهم ليجزيهم بصِدْقِهم ويعذِّبَ غيرهم إن لم يتب، وأنه يظهر
بحسن صنيعهم قبحُ غيره، وبضدِّها تتبيّن الأشياء.
وقيل: تعليلٌ لـ ((صَدَقوا))، وحُكي ذلك عن الزجَّاجِ (٢).
وقيل: لِمَا يُفْهَم من قوله تعالى: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَنَا وَتَّلِمًا).
وقيل: لِمَا يستفاد من قوله تعالى: (وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَخْزَابَ) كأنه قيل:
ابتلاهم الله تعالى برؤية ذلك الخطب ((ليجزي)) الآية، واختاره الطيبي(٣) قائلاً: إنه
طريقٌ أسهلُ مأخذاً، وأبعدُ عن التعسُّف، وأقربُ إلى المقصود، من جَعْلِه تعليلاً
للمنطوق والمعرَّضِ به.
واختار شيخ الإسلام كونَه متعلِّقاً بمحذوفٍ، والكلامُ مستأنفٌ مسوقٌ بطريق
الفذلكة لبيانِ ما هو داعٍ إلى وقوع ما حُكي من الأقوال والأفعال على التفصيل
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: التبديل، بدل: التعريض. وينظر تفسير البيضاوي مع
حاشية الشهاب ٧/ ١٦٧ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢٢٣/٤.
(٣) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية.

الآية : ٢٥
٢٥١
سُوَّةُ الأَجْزَائِ
وغايةً [له] كما في قوله تعالى: (لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمٌ)، كأنه قيل: وقع جمیعُ
ما وقع ليجزي الله .. إلخ(١). وهو عندي حسنٌ وإن كان فيه حذفٌ، فتأمَّل ذاك
والله تعالى يتولَّى هُداك.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ أي: لمن تاب، وهذا اعتراضٌ فيه بعثٌ إلى التوبة.
وقوله سبحانه: ﴿وَرَدَّ اللّهُ﴾ إلخ رجوعٌ إلى حكايةِ بقيةِ القصة، وتفصيلٌ لتتمة
النعمة المشارِ إليها إجمالاً بقوله تعالى: (فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمَّ تَرَوَهَأ) وهو
معطوف على ((أرسلنا))، وقد وسِّط بينهما بيانُ كون ما نزل بهم واقعةٌ طامَّة تحيَّرت
بها العقولُ والأفهام، وداهيةٌ تحاكّت فيها الركبُ وزلَّت الأقدام، وتفصيلُ ما صدر
عن فريقي أهل الإيمان وأهل الكفر والنفاق من الأحوال والأقوال، لإظهار عظم
النعمة وإبانةِ خطرها الجليل ببيانٍ وصولها إليهم عند غاية احتياجهم إليها، أي:
فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها، وَرَدَدْنا بذلك ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. والالتفاتُ إلى
الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة.
وجوَّز شيخ الإسلام(٢) - ولعل صنيعه يشير إلى أولويته حيث بدأ به - كونَه
معطوفاً على المقدَّر قبل: ((ليجزيَ الله))، كأنه قيل إثر حكاية الأمور المذكورة: وقع
ما وقع من الحوادث وردّ الله الذين كفروا .
وقيل: هو معطوفٌ من حيث المعنى على قوله تعالى: (لِيَجْزِىَ) كأنه قيل: فكان
عاقبة الذين صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه أن جزاهم الله تعالى بصدقهم وردًّ أعداءهم،
وهذا الردُّ من جملة جزائهم على صدقهم. وهو كما ترى.
والمراد بـ ((الذين كفروا)): الأحزابُ على ما روى غير واحدٍ عن مجاهد،
والظاهرُ أنه عنى المشركين واليهود الذين تحزَّبوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السديِّ أنه فسَّر ذلك بأبي سفيان وأصحابه(٣)، ولعله
الأَوْلی.
(١) تفسير أبي السعود ٩٩/٧، وما بين حاصرتين منه.
(٢) في تفسيره ٩٩/٧، والكلام الذي قبله منه.
(٣) الدر المنثور ٥/ ١٩٢.

سُورَةُ الأَخْزَانِ
٢٥٢
الآية : ٢٥
وعلى القولين المراد: ردَّ الله الذين كفروا من محلِّ اجتماعهم حول المدينة
وتحزُِّهم إلى مساكنهم ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ حالٌ من الموصول لا من ضمير ((كفروا)) والباءُ
للملابسة، أي: ملتبسين بغيظهم، وهو أشدُّ الغضب.
وقوله تعالى: ﴿لَّ يَنَالُواْ خَيرٌ﴾ حالٌ من ذاك أيضاً، أو من ضمير ((بغيظهم))
أي: غيرَ ظافرين بخيرٍ أصلاً. وفسَّر بعضهم الخير بالظّفَرِ بالنبيِّ ◌ِّر والمؤمنين،
وإطلاقُ الخير عليه مبنيٌّ على زعمهم. وفسَّره بعضهم بالمال كما في قوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدُ﴾ [العاديات: ٨]. والأَوْلَى أن يراد به كلُّ خير عندهم،
فالنکرةُ في سياق النفي تعمُّ .
وجوِّز أن تكون الجملةُ مستأنفةً لبيانِ سببٍ غيظهم، أو بدلاً.
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اُلْفِتَالُ﴾ أي: وقاهم سبحانه ذلك، و((كفى)) هذه تتعدَّى لاثنين.
وقيل: هي بمعنى أَغْنَى، وتتعدَّى إلى مفعولٍ واحد، والكلام هنا على الحذف
والإيصال، والأصلُ: وكفى الله المؤمنين عن القتال، أي: أغناهم سبحانه عنه.
ولا وجه له.
وهذه الكفايةُ كانت - كما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة - بالريح
والملائكة عليهم السلام(١).
وقيل: بقتلٍ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه عمرو بنَ عبد ودٌّ. وأخرج ابن أبي حاتم
وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود الله أنه كان يقرأ هذا الحرف: ((وكفى الله
المؤمنين القتال بعليٍّ بن أبي طالب))(٢). وفي ((مجمع البيان)): هو المرويُّ عن
أبي عبد الله رڅ(٣). ولا یکاد يصحُّ ذلك.
(١) تفسير الطبري ٦٩/١٩، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٩٢/٥.
(٢) الدر المنثور ١٩٢/٥، وهو في تاريخ ابن عساكر ٣٦٠/٤٢، والميزان ٣٨٠/٢. وفي إسناده
الفضل بن القاسم، قال الذهبي: لا أعرفه. ويرويه عنه عباد بن يعقوب، قال الذهبي: من
غلاة الشيعة ورؤوس البدع، لكنه صادق الحديث، وقال ابن عدي: روى أحاديث في
الفضائل أنكرت عليه.
(٣) لم نقف عليه في مجمع البيان، وليس فيه سوى الإشارة إلى القول المذكور، حيث قال
١٢٥/٢١: وقيل: بعلي بن أبي طالب.

الآية : ٢٦
٢٥٣
سِوَرَّةُ الأَجْزَائِ
والظاهر ما روي عن قتادة لمكانٍ قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لََّ
تَرَوَّهَأ) وكأنَّ المراد بالقتال الذي كفاهم الله تعالى إياه القتالُ على الوجه المعروف
من تعبية الصفوف والرمي بالسهام والمقارعةِ بالسيوف، أو القتالُ الذي يقتضيه ذلك
التحزُّب والاجتماع بحُكم العادة.
وفي (البحر))(١) ما هو ظاهرٌ في أنَّ المراد: كفى الله المؤمنين مداومةً القتال
وعودتَه، فإنَّ قريشاً هُزموا بقوة الله تعالى وعزَّته عز وجل، وما غزوا المسلمين بعد
ذلك، وإلا فقد وقع قتالٌ في الجملة.
وقُتل من المشركين على ما روي عن ابن إسحاق ثلاثةُ نفرٍ: من بني عبد الدار بن
قصيٍّ: منبه بنُ عثمان بن عبيد بن السبّاق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه
بمكة. ومن بني مخزوم بن يَقَظة: نوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق فتورَّط
فيه فقتل. ومن بني عامر بن لؤيٍّ ثم من بني مالك بن حِسْل: عمرو بن عبد ودٌّ،
نازله عليٍّ كرم الله تعالى وجهه كما علمتَ فقتله. وروي عن ابن شهاب أنه «
عَبْه
قَتَل يومئذٍ ابنَه حِسْل أيضاً(٢). فيكون مَن قُتل من المشركين أربعةً.
واستُشهد من المؤمنين بسبب هذه الغزوة: سعد بنُ معاذٍ، وأنس بنُ أوس بنِ
عتيك، وعبد الله بن سهل، وهم من بني عبد الأشهل، والظُفيل بن النعمان
وثعلبة بن عَنّمة، وهما من بني جشم بن الخزرج من بني سلمة، وكعب بن زيد،
وهو من بني النجار ثم من بني دينار، أصابه سهم غرب(٣) فقتله، قال ابن إسحاق:
ولم يستشهد إلا هؤلاء الستة
﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ على إحداث كلِّ ما يريد جلَّ شأنه ﴿عَزِيزًا ﴾﴾ غالباً على
كلِّ شيءٍ.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُمْ﴾ أي: عاونوا الأحزاب المردودة ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾
وهم بنو قريظة عند الجمهور. وعن الحسن أنهم بنو النضير، وعلى الأوَّلِ المعوَّلُ.
(١) ٢٢٤/٧.
(٢) سيرة ابن هشام ٢٥٣/٢. والراوي عن ابن شهاب هو ابن هشام.
(٣) قوله: سهم غرب، قال ابن هشام: سهمُ غربٍ وسهمٌ غربٌ، بإضافةٍ ومن غير إضافة: هو
الذي لا يعرف من أين جاء، ولا مَن رمَی به.

سُوَّةُ الأَجْزَابِ
٢٥٤
الآية : ٢٦
﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ أي: من حصونهم، جمع صِيْصِيَة، وهي كلُّ ما يمتنع به،
وتقال لقَرْنِ الثور والظبي(١)، ولشوكة الديك التي في رجله كالقرن الصغير، وتطلق
الصياصي على الشوك الذي للنساجين ويتَّخذ من حديدٍ، قاله أبو عبيدة، وأنشد
لدريد بن الصمة الجشمي:
نظرتُ إليه والرماحُ تَنُوشُه
كوَفْعِ الصياصي في النسيج الممدَِّ (٢)
وتطلق على الأصول أيضاً؛ قال أبو عبيدة: إنَّ العرب تقول: جدًّ الله تعالى
صِتصئه(٣)، أي: أصله.
﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أي: الخوف الشديد، بحيث أسلموا أنفسهم للقتل
وأهليهم وأولادَهم للأسر، حسبما ينطق به قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ
فَرِيقًا ﴾ أي: من غير أن يكون من جهتهم حراٌ، فضلاً عن المخالفة
والاستعصاء.
وفي ((البحر)) أنَّ قذف الرعب سببٌ لإنزالهم، ولكن قدِّم المسبّب لِمَا أن
السرور بإنزالهم أكثر والإخبار به أهمّ(٤).
وقدِّم مفعول ((تقتلون)) لأنَّ القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان
الاعتناء بحالهم أهمَّ، ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء، بل الاعتناءُ هناك
بالأسر أشدّ، ولو قيل: وفريقاً تأسرون، لربما ◌ُنَّ قبل سماع ((تأسرون)) أنه يقال
بعدُ: تهزمون، أو نحو ذلك.
وقيل: قدِّم المفعول في الجملة الأولى لأنَّ مساق الكلام لتفصيله، وأخّر في
الثانية لمراعاة الفواصل.
وقيل: التقديم لذلك، وأما التأخير فلئلا يَفصل بين القتل وأخيه وهو الأسرُ
فاصلٌ.
(١) في (م): والظباء.
(٢) مجاز القرآن ١٣٦/٢، وهو في الديوان ص٤٨، وصدره في المجاز: فما راعني إلا الرماح
تنوشه، وفي الديوان: فجئت إليه والرماح.
(٣) في مجاز القرآن: جذّ الله صيصة فلان. وينظر اللسان والقاموس (صاصاً).
(٤) البحر ٧/ ٢٢٤.

الآية : ٢٦
٢٥٥
سُوَّةُ الأَخْزَابِ
وقيل: غُوِيِرَ بين الجملتين في النظم لتغايُر حال الفريقين في الواقع، فقد قدِّم
أحدهما فقُتِلَ، وأُخْرَ الآخَر فأُسر.
وقرأ ابن عامر والكسائي: ((الرعُب)) بضم العين(١).
وقرأ أبو حيوة: ((تأسُرون)) بضم السين. وقرأ اليماني: ((يأسرون)) بياء الغيبة (٢).
وقرأ ابن أنس عن ابن ذكوان بها فيه وفي ((يقتلون))(٣)، ولا يظهر لي وجهٌ وجيهٌ
لتخصيص الاسم بصيغة الغيبة، فتأمل.
وتفصيل القصة على سبيل الاختصار(٤): أنه لمَّا كانت صبيحةُ الليلة التي انهزم
فيها الأحزاب، أو ظُهْرُ يوم تلك الليلة على ما في بعض الروايات، وقد رجع
رسول الله ◌َ﴿ والمسلمون إلى داخل المدينة، أتى جبريلُ عليه السلام - مُعْتَجِراً
بعمامةِ إستبرق على بغلةٍ عليها رِحَالةٌ(٥)، عليها قطيفةٌ من ديباج - رسولَ اللهِ وٍَّ وهو
عند زينب بنت جحش تغسلُ رأسه الشريف وقد غسلت شقَّه،َ فقال: أَوَ قد وضعتَ
السلاح يا رسول الله؟ قال: ((نعم)). فقال: عفا الله تعالى عنك، ما وضعت الملائكةُ
عليهم السلام السلاحَ بعدُ، وما رجعت إلَّا الآن (٦) من طلب القوم، وإنَّ الله تعالى
يأمرك بالمسير إلى بني قريظةً، وإنِّي عامٌ إليهم فمزلزلٌ بهم حصونَهم.
فأَمَر عليه الصلاة والسلام مؤذِّناً فأذَّن في الناس: مَن كان سامعاً مطيعاً
فلا يصلِّينَّ العصر إلا ببني قريظةً، واستعمل على المدينة ابنَ أمُّ مكتوم، وقَدَّمَ
عليّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه برايته إليهم، وابتدرها الناس، فسار كرم الله
تعالى وجهه حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالةً قبيحةً لرسول الله وَّ، فرجع
(١) التيسير ص٩١، والنشر ٢١٦/٢، وهي قراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة.
(٢) القراءتان في القراءات الشاذة ص١١٩، والبحر ٢٢٥/٧.
(٣) البحر ٢٢٥/٧.
(٤) ينظر ما سيأتي من هذه القصة في السيرة النبوية لابن هشام ٢٣٣/٢، وتاريخ الطبري ٥٨١/٢،
ودلائل النبوة للبيهقي ٥/٤، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص٢٠١،
والاكتفاء للكلاعي ١٧٦/٢، وتفسير الطبري ١٩/ ٧٢، وتفسير البغوي ٥٢١/٣، وما سيأتي
بين حاصرتين من هذه المصادر.
(٥) الرِّحالة: السرج. القاموس (رحل).
(٦) في المصادر: الآن إلا .

سُوَرَةُ الأَجْتَارِ
٢٥٦
الآية : ٢٦
حتى لقيه عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، لا عليك أن [لا] تَدْنُوَ من
هؤلاء الأخابث. قال: ((لم؟ أظنُّك سمعتَ لي منهم (١) أذّى)) قال: نعم يا رسول الله.
قال: ((لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً) فلما دنا رسول الله وخلفه من حصونهم قال:
((يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله تعالى وأنزل بكم نقمته))؟ قالوا: يا أبا القاسم
ما كنتَ جهولاً . وفي روايةٍ: فخَّاشاً.
وكان عليه الصلاة والسلام قد مرَّ بنفرٍ من أصحابه بالصَّوْرين(٢) قبل أن يصل
إليهم فقال: ((هل مرَّ بكم أحدٌ)) قالوا: يا رسول الله، قد مرَّ بنا دحيةُ بن خليفة
الكلبيُّ على بغلةٍ بيضاءَ عليها رحالةٌ، عليها قطيفةُ ديباج. فقال عليه الصلاة
والسلام: ((ذلك جبريل عليه السلام بُعث إلى بني قريظة يزلزلُ بهم حصونَهم،
ويقذف الرعب في قلوبهم)).
ولمَّا أتاهم وَّه نزل على بئرٍ من آبارها من ناحيةِ أموالهم يقال لها: بئر أنا (٣)،
وتلاحَقَ الناس فأتى رجالٌ من بعد العشاء الآخرة ولم يُصَلَّوا العصر لقول
رسول الله وَله: ((لا يصلِّينَّ أحدٌ العصرَ إلا ببني قريظة)) وقد شغلهم ما لم يكن لهم
منه بدٌّ في حربهم، فلما أتوا صلَّوها بعد العشاء فما عابهم الله تعالى بذلك في
كتابه، ولا عنَّفهم رسوله عليه الصلاة والسلام(٤).
وحاصرهم وَّ خمساً وعشرين ليلةً. وقيل: إحدى وعشرين. وقيل: خمسَ
عَشْرةَ. وجهدهم الحصارُ وخافوا أشدَّ الخوف، وقد كان حيي بن أخطب دخل
معهم في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاءً لكعب بن أسد بما عاهده
عليه، فلمَّا أيقنوا بأنَّ رسول الله وَّرِ غيرُ منصرفٍ عنهم حتى يناجزهم قال لهم
كعب: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنِّ عارضٌ عليكم
(١) في السيرة وبعض المصادر: منهم لي.
(٢) موضع قرب المدينة. معجم البلدان ٣/ ٤٣٤.
(٣) كهُنَا، أو كحتَّى، أو بكسر النون المشدَّدة. القاموس (أنى).
(٤) أخرج البخاري (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠) من حديث ابن عمر ﴿يا قال: قال النبي ◌َّ يوم
الأحزاب: ((لا يصلِّينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق،
فقال بعضهم: لا نصلِّ حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلِّي، لم يُرِدْ منَّ ذلك. فذُكر ذلك
للنبي ◌َ﴾ فلم يعنِّف واحداً منهم.

الآية : ٢٦
٢٥٧
سُورَةُ الأَجْزَاءَ
خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي؟ قال: نتابعُ هذا الرجل ونصدّقُه،
فوالله لقد تبيَّن لكم أنه نبيٍّ مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمَنون على
دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارقُ حكم التوراة أبداً،
ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتُم عليَّ هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى
محمد وَطاهر وأصحابِه رجالاً مُصْلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلاً، حتى يحكم الله
تعالى بيننا وبينهم، فإنْ نَهْلكْ نهلكْ ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه، وإن نظهر
فلعمري لنتَّخِذنَّ النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خيرُ العيش
بعدهم. قال: فإن أبيتُم عليَّ هذه فإنَّ الليلة ليلةُ السبت، وإنه عسى أن يكون
محمدٌ وَّهِ وأصحابُه قد أَمِنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيبُ منهم غرَّةً. قالوا: نفسدُ
سبتنا ونُحْدثُ فيه ما لم يُحدِثْ مَن كان قبلنا إلا مَن قد علمتَ، فأصابه ما لم
يَخْفَ عليك من المسخ. قال: فما بات رجلٌ منكم منذ ولدته أمُّه ليلةً واحدةً من
الدهر حازماً .
ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﴾: أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني
عمرو بن عوف - وكانوا حلفاءً الأوس - نستشيرُه في أمرنا. فأرسله عليه الصلاة
والسلام إليهم، فلمَّا رأوه قام إليه الرجال وجَهَش إليه النساء والصبيان يبكون في
وجهه، فَرَقَّ لهم وقالوا له: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد وَّر. قال:
نعم. وأشار بيده إلى حَلْقِه أنه الذبح، فعرف أنه قد خان الله تعالى ورسوله عليه
الصلاة والسلام، فلم يرجع إلى رسول الله وَلتر، وذهب إلى المدينة وربط نفسه
بجذع في المسجد حتى نزلت توبتُه ظـ
ثم إنه عليه الصلاة والسلام استنزلهم، فتواثب الأوس فقالوا: يا رسول الله،
إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلتَ في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمتَ. وقد
كان رسول الله وَّر قبل بني قريظة حاصَرَ بني قينقاع وقد كانوا حلفاءَ الخزرج،
فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بنُ أبيّ ابن سلول فوهبهم له، فلما كلَّمته
الأوس قال عليه الصلاة والسلام: ((ألا ترضون يا معشر الأوس أن يَحكُم فيهم
رجل منكم))؟ قالوا: بلى. قال: ((فذاك إلى سعد بن معاذ)) وكان رسول الله وَلاه قد
جعله في خيمةٍ لامرأة من أسلم يقال لها: رُفَيْدة، في مسجده كانت تداوي الجرحى

سُورَةُ الأخْتَانِ
٢٥٨
الآية : ٢٦
وتحتسبُ بنفسها على خدمة مَن كانت به صنيعةٌ من المسلمين، وقد كان څته قد
أصيب يومَ الخندق، رماه رجلٌ من قريش - يقال له: ابن العَرِقَةُ (١) - بسهم فأصاب
أَكْحَله فقطعه، فدعا الله تعالى فقال: اللهم لا تُمِتْني حتى تقرَّ عيني من قريظة.
وروي أن بني قريظةً هم اختاروا النزول على حكم سعد ورضي رسول الله وَّ
بذلك، فأتاه قومه وهو في المسجد فحملوه على حمارٍ وقد وّؤوا له بوسادةٍ من
أَدَم، وكان رجلاً جسيماً جميلاً، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله وَّر وهم يقولون:
يا أبا عمرو، أَحْسِنْ في مواليك فإنَّ رسول الله وَّهِ إنما ولَّاك ذلك لتُحْسِنَ فيهم.
فلمَّا أكثروا عليه قال: لقد آن لسعدٍ أن لا تأخذه في الله تعالى لومةُ لائم، فرجع
بعضُ مَن كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى إليهم رجالَ بني قريظة
قبل أن يصل إليهم سعدٌ عن كلمته التي سمع منه، فلمَّا انتهى سعد إلى رسول الله
عليه الصلاة والسلام والمسلمين قال بَّطاهر: ((قوموا إلى سيِّدكم)) فأما المهاجرون من
قريش فقالوا: إنما أراد رسول الله وَ﴿ الأنصارَ، وأما الأنصارُ فيقولون: قد عمَّ بها
عليه الصلاة والسلام المسلمين. فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله واله
قد ولّاك أمرَ مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم عهدُ الله تعالی ومیثاقُه أنَّ
الحكم فيهم لَمَا حكمتُ؟ قالوا: نعم. قال: وعلى مَن هاهنا؟ في الناحية التي فيها
رسول الله وَّ﴿، وهو معرِّضٌ برسول الله عليه الصلاة والسلام(٢)؟ فقال وَّةٍ: ((نعم))
قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجالُ وتقسّم الأموال وتُسبى الذراري
والنساء. فكبَّر النبيُّ وَّ وقال: ((لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبعة
أرقعة)»(٣).
(١) هو حبَّان بن العرقة، كما في صحيح البخاري (٤١٢٢)، وصحيح مسلم (١٧٦٩) من حديث
عائشة، وقال ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢٢٧/٢: رماه كما حدثني عاصم بن
عمر بن قتادة: حبان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي ... وحدثني مَن لا أنَّهم عن
عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: ما أصاب سعداً يومئذ إلا أبو أسامة الجُشّمي
حليف بني مخزوم.
(٢) في المصادر: وهو معرِضٌ عن رسول الله ◌َّټ إجلالاً له.
(٣) أي: سماوات. المفهم ٥٩٥/٣، والحديث أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨)
عن أبي سعيد الخدري ﴿ه، ولفظ البخاري: ((لقد حكمت فيهم بحكم الملك)).

الآية : ٢٦
٢٥٩
سُورَةُ الأَجْزَاءُ
فحبسهم رسول الله وَ ﴿ في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار، ثم خرج إلى
سوق المدينة - التي هي سوقُها اليومَ(١) - فخَنْدَقَ بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب
أعناقهم في تلك الخنادق، يُخْرَجُ بهم إليها(٢) أرسالاً، وفيهم عدوُّ الله تعالى حييّ بنُ
أخطب، وكعب بنُ أسد رأسُ القوم، وهم ستُّ مئة أو سبعُ مئة، والمستكثرُ لهم
يقول: كانوا بين الثمان مئة والتسع مئة. وقد قالوا لكعب وهم يُذهب بهم إلى
رسول الله ﴿ أرسالاً: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كلِّ موطنٍ لا تعقلون،
أما ترون الداعي لا ينزع، ومَن ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتلُ. فلم يزل ذلك
الدأبُ حتى فرغ منهم رسول الله وَّه، وأتى بحييّ بن أخطب عدوِّ الله تعالى وعليه
حلَّة تفاحية(٣) قد شقّها عليه من كلِّ ناحيةٍ قَدْرَ أنملةٍ أنملةٍ لئلا يُسْلَبها، مجموعةٌ
يداه إلى عنقه بحبلٍ، فلما نظر إلى رسول الله وَّل﴿ قال: أَمَا والله ما لمتُ نفسي في
عداوتك، ولكنه مَن يَخْذِلِ الله تعالى يُخْذَلْ. ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس
إنه لا بأسَ بأمر الله تعالى، كتابٌ وقَدَرٌ وملحمةٌ كُتبت على بني إسرائيل. ثم جلس
فضُربت عنقه، فقال فيه جَبَل بن جَوَّال(٤) الثعلبيّ:
ولكنه مَن يَخْذِل الله يُخْذَل
لعمرُكَ ما لام ابنُ أخطبَ نفسَه
وقَلْقَلَ يبغي العزَّ كلَّ مُقَلْقَلٍ(٥)
لجاهَدَ حتى أبلغ النفسَ عُذْرَها
وروي أنَّ ثابت بن قيس بن شماس ◌َّهِ اسْتَوْهَبَ من رسول الله وَّهِ الزَّبِيرَ بنَ
باطا القرظيَّ لأنه منَّ عليه في الجاهلية يوم بُعَاث، فقال ◌َّ: ((هو لك)) فأتاه فقال:
إنَّ رسول الله وَ ◌ّ﴿ قد وهب لي دمك، فهو لك. قال: شيخٌ كبيرٌ فما يصنعُ بالحياة
(١) أي: زمن ابن إسحاق كما ذكر القرطبي ٨٦/١٧.
(٢) في الأصل و(م): يخرج إليهم بها، والمثبت من المصادر.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): قال ابن هشام: تفاحية ضرب من الوشي. اهـ منه. والذي في
السيرة وغيرها من المصادر: فُقَّاحية، وقال السهيلي في الروض الأنف ٢٨٤/٣: نُسبت إلى
الفقَّاح، وهو الزهر إذا انشقَّت أكمتُه، وانْضَرجت براعيمه، وتفتَّقت أَخْفِيَتُه. وفي اللسان
(فقح): فقاحية، أي على لون الورد حين همَّ أن يتفتح.
(٤) في (م): جدال، وهو تصحيف.
(٥) السيرة ٢/ ٢٤١، وتاريخ الطبري ٥٨٩/٢، والاكتفاء ١٨٣/٢. وجبل بن جوَّال الشاعر
الذبياني ثم الثعلبي، قال عنه الكلبي: كان يهوديّاً مع بني قريظة فأسلم، وقال الدارقطني في
المؤتلف: له صحبة. الإصابة ٥٩/٢.

سُورَةُ الأَجْزَاءِ
٢٦٠
الآية : ٢٦
ولا أهلَ له ولا ولد؟ فأتى ثابتٌ رسولَ الله عليه الصلاة والسلام، فقال: بأبي أنت
وأمِّي يا رسول الله امرأته وولده. قال: ((هم لك)) فأتاه فقال: قد وهب لي
رسول اللهِ وَ﴿ أهلك وولدك، فهم لك. قال: أهلُ بيتٍ بالحجاز لا مالَ لهم،
فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى رسولَ الله عليه الصلاة والسلام فقال: مالَه. قال: ((هو
لك)) فأتاه فقال: قد أعطاني رسول الله وَّر مالَكَ، فهو لك. فقال: أيْ ثابت،
ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية يتمرَّأ فيها عذارى الحي كعب بنُ أسد؟ قال:
قُتل. قال: فما فعل مقدِّمتُنا إذا شَدَدْنا وحاميتُنا إذا فررنا عزال بن شموال(١)؟ قال:
قتل. قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة،
قال: قتلوا. قال: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك إلَّا أَلْحقتني بالقوم، فوالله ما في
العيش بعد هؤلاء من خيرٍ، فما أنا بصابرٍ لله تعالى فتلة دَلْوِ ناضج (٢) حتى ألقى
الأحبّة. فقدَّمه ثابتٌ فضرب عنقه، فلما بلغ أبا بكر رؤيته قوله: ألقى الأحبة، قال:
يلقاهم والله في جهنم خالدين فيها مخلَّدين.
واستوهبت سلمى بنتُ قيس أمُّ المنذر أختُ سليط بن قيس، وكانت إحدى
خالات رسول الله وَله قد صلَّت معه القبلتين، وبايعتْه مبايعةَ النساء، رفاعةً بن
سموأل القرظيَّ، وقالت: بأبي أنت وأمِّي يا نبيَّ الله، هَبْ لي رفاعةً فإنه زعم أنه
سيصلِّي ويأكلُ لحم الجمل. فوهبه عليه الصلاة والسلام لها فاستحيته(٣).
وقتل منهم(٤) كلَّ مَن أنبت من الذكور. وأما النساء فلم يقتل منهم إلا امرأة
يقال لها: لبابة، زوجة الحكم القرظي، وكانت قد طرحت الرَّحى على خلَّاد بن
(١) في السيرة: سموأل، وفي تاريخ الطبري: شمويل، والمثبت من الأصل و(م) والاكتفاء.
(٢) في الأصل و(م): ذكر ناصح، والمثبت من المصادر. والناضح: الجمل الذي يُستخرج عليه
الماء من البئر، والمعنى: مقدار ما يأخذ الرجل الدلو إذا خرجت فيصبّها في الحوض ثم
يفتلها، أي: يردُّها إلى موضعها. وقال ابن هشام: هي قَبْلَة دلو، بالقاف والباء، أي:
بمقدار ما يقبل الرجل الدلو فيصبها في الحوض ثم يصرفها، وهذا كله لا يكون إلا عن
استعجال وسرعة، وذكر أبو عبيد غير ذلك، فقال: إفراغة دلو. الروض الأنف ٢٨٤/٣،
والإملاء المختصر لأبي ذر الخشني ١٠/٣ .
(٣) قال ابن عبد البر في الدرر ص٢٠٧: فأسلم رفاعة، وله صحبة ورواية.
(٤) في (م): منه.