Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٦ ٢٠١ سُؤَدَّةُ الأَجْزَاءِ طلقتُك! فَأَخْبِرْنا يا مولانا عن معنى الطلاق الذي فوَّضَ حُكْمَه رسولُ اللهِ وَّه إلى أمير المؤمنين. فقال: إنَّ الله تقدَّس اسمُه عظّم شأن نساء النبيِّ وَّرِ فخصَّهنَّ بشرف الأمهات، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا الحسن إنَّ هذا الشرف باقٍ ما دمن(١) على طاعة الله تعالى، فأيَّتهنَّ عَصَتِ الله تعالى بعدي بالخروج عليك فطلِّقها من الأزواج، وأسقِظْها من شرف أمهات المؤمنين(٢). ثم قال: ورَوَى الطبرسيُّ أيضاً في ((الاحتجاج)) عن الباقر أنه قال: لمَّا كان يومُ الجمل وقد رُشِقَ هودجُ عائشةَ بالنَّبْلِ قال عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: واللهِ ما أراني إلَّا مطلِّقَها، فَأَنْشُدُ الله تعالى رجلاً سمع رسول الله وَّهِ يقول: يا عليّ أَمْرُ نسائي بيدك من بعدي، لمَّا قام فشهد. فقام ثلاثةَ عشر رجلاً فشهدوا بذلك، الحديث(٣). ورأيتُ في بعض الأخبار التي لا تحضرني الآن ما هو صريحٌ في وقوع الطلاق. اهـ ما قاله البحراني(٤) عامَلَه الله تعالى بعَدْلِهِ. وهذا لعمري من السفاهة والوقاحة والجسارة على الله تعالى ورسوله وَليقول بمكانٍ، وبطلانُه أظهرُ من أن يَخْفَى، وركاكةُ ألفاظه تنادي على كذبه بأعلى صوتٍ، ولا أظنُّه قولاً مَرْضيًّا عند مَن له أدنى عقلٍ منهم، فلعن الله تعالى مَن اختلقه، وكذا مَن يعتقدُه. وأخرج الفريابيُّ والحاكم وابن مردويه والبيهقيُّ في ((سننه)) عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ((النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم وأزواجُه أمَّهاتُهم))(٥). وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قال: كان في الحرف الأول: ((النبيُّ أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم))(٦). (١) في (م): دمنا، وهو تصحيف. (٢) الاحتجاج ٢/ ٤٦٢-٤٦٣ لأحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، من فقهاء الإمامية، وله أيضاً: تاريخ الأئمة، وفضائل فاطمة الزهراء، توفي نحو سنة (٥٦٠هـ). الأعلام ١/ ١٧٣ . (٣) الاحتجاج ١/ ١٦٤ . (٤) تحتها في الأصل: البحراني الكذاب. (٥) المستدرك ٤١٥/٢، وسنن البيهقي ٦٩/٧، وعزاه للفريابي وابن مردويه السيوطي في الدر ١٨٣/٥. (٦) الدر المنثور ١٨٣/٥. سُورَةُ الأَجْزَابِ ٢٠٢ الآية : ٦ وفي مصحف أبيٍّ ◌ُه كما روى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما: ((النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتُهم وهو أبٌّ لهم)»(١). وإطلاقُ الأبِ عليهِ وَِّ لأنه سببٌ للحياة الأبدية كما أن الأبَ سببٌ للحياة أيضاً، بل هو عليه الصلاة والسلام أحقُّ بالأبوَّة منه. وعن مجاهد: كلُّ نبيِّ أبٌّ لأَمَّته. ومن هنا قيل في قول لوط: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِ): إنه أراد المؤمنات، ووَجْهُه ما ذكر. ويلزم من هذه الأبوَّة - على ما قيل - أُخوَّةُ المؤمنين. ويُعلم مما روي عن مجاهد أنَّ الأبوة ليست من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، وهذا ليس كأمومة أزواجه فإنها - على ما في ((المواهب)) - من الخصوصيات، فلا يَخْرمُ نكاحُ أزواجِ مَن عَدَاه ◌َّه من الأنبياء عليهم السلام من بعدهم على أحدٍ من أممهم. ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ﴾ أي: ذوو القرابات الشاملون للعَصَبات لا ما يقابلهم ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في النفع بميراثٍ وغيره من النفع المالي، أو في التوارُثِ ويؤيِّده سببُ النزول الآتي ذِكْرُه. ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ أي: فيما كتبه في اللوح، أو: فيما أنزله، وهي آيةُ المواريث، أو هذه الآية، أو: فيما كتبه سبحانه وفَرَضَه وقضاه. ﴿مِنَ اَلْمُؤْمِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ صلةٌ لـ ((أَوْلَى)) فمدخولُ ((مِن)) هو المفضَّل عليه، وهي ابتدائيةٌ مثلُها في قولك: زيد أفضلُ من عمرو، أي: أولو الأرحام بحقِّ القرابة أَوْلَى في كلِّ نفعٍ - أو بالميراث - من المؤمنين بحقِّ الدِّين، ومن المهاجرين بحقٌ الهجرة. وقال الزمخشريُّ: يجوز أن يكون بياناً لـ ((أولو الأرحام)) أي: الأقرباء من هؤلاء بعضُهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب(٢). والأولُ هو الظاهر. وكان في المدينة توارثٌ بالهجرة وبالموالاة في الدِّين، فنُسخ ذلك بآية آخِرٍ (١) تفسير عبد الرزاق ١١٢/٢، وذكرها الفراء في معاني القرآن ٣٣٥/٢، والنحاس في معاني القرآن ٣٦٨/٣. (٢) الكشاف ٢٥١/٣. الآية : ٦ ٢٠٣ سُوَرَّةُ الأَجْزَانَ ((الأنفال)) أو بهذه الآية، وقيل: بالإجماع، وأرادوا كَشْفَه عن الناسخ، وإلا فهو لا یکون ناسخاً كما لا يخفى. ورَفْعُ ((بعضهم)) يجوز أن يكون على البدلية وأن يكون على الابتداء، و((في كتاب)) متعلُّقٌ بـ ((أَوْلَى))، ويجوز أن يكون حالاً والعاملُ فيه معنى ((أَوْلَى))، ولا يجوز - على ما قال أبو البقاء - أن يكون حالاً من ((أولو)) للفصل بالخبر، ولأنه لا عاملَ إذاً(١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَّابِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ إما استثناءٌ متصلٌ من أعمِّ ما تقدَّر الأولوية فيه من النفع، كأنه قيل: القريبُ أولى من الأجنبيِّ من المؤمنين والمهاجرين في كلِّ نفعٍ من ميراث وصدقةٍ وهديةٍ ونحوِ ذلك، إلا في الوصية فإنها المرادةُ بالمعروف،َ فالأجنبيُّ أحقُّ بها من القريب الوارث، فإنها لا تصُّ لوارثٍ. وإما استثناءٌ منقطعٌ بناءً على أنَّ المراد بما فيه الأولوية هو التوارثُ، فيكون الاستثناءُ من خلاف الجنس المدلولِ عليه بفحوى الكلام، كأنه قيل: لا تورِّثوا غيرَ أولي الأرحام لكنْ فعلُكم إلى أوليائكم من المؤمنين والمهاجرين الأجانبِ معروفاً وهو أن توصوا لمن أحبيتم منهم بشيء جائزٌ، فيكون ذلك له بالوصية لا بالميراث. ويجوز أن يكون المعروف عامًّا لِمَا عدا الميراث. والمتبادرُ إلى الذهن انقطاعُ الاستثناء، واقتَصَر عليه أبو البقاء ومكي(٢)، وكذا الطَّبْرَسيُّ، وجعَلَ المصدر مبتدأً محذوفَ الخبر(٣) كما أشرنا إليه. وتفسير الأولياء بمن كان من المؤمنين والمهاجرين هو الذي يقتضيه السياق، فهو مِن وَضْع الظاهر موضعَ الضمير بناءً على أنَّ ((مِن)) فيما تقدَّم للابتداء لا للبيان. وأخرج ابن جرير وغيرُه عن مجاهد تفسيره بالذين والىَ بينهم النبيُّ وَّر من المهاجرين والأنصار (٤). (١) الإملاء ١٨٨/٤. (٢) الإملاء ١٨٩/٤، ومشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ٥٧٣/٢. (٣) مجمع البيان ٩٩/٢١. (٤) تفسير الطبري ١٩/ ٢٠. سُورَةُ الأَجْزَابِ ٢٠٤ الآية : ٧ وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية أنه قال: نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهوديِّ والنصرانيّ(١). وأخرجوا عن قتادة أنه قال: الأولياء: القرابةُ من أهل الشرك، والمعروفُ الوصيةُ(٢). وحَكَى في ((البحر)) عن جماعةٍ منهم الحسن وعطاء أن الأولياء يشملُ القريب والأجنبيَّ، المؤمنَ والكافرَ، وأنَّ المعروف أعمُّ من الوصية(٣). وقد أجازها للكافر القريب وكذا الأجنبي جماعةٌ من الفقهاء، والإماميةُ يجوِّزونها لبعض ذوي القرابة الكفار، وهم الوالدان والولد لا غير. والنهي عن اتخاذ الكفار أولياء لا يقتضي النهي عن الإحسان إليهم والبرِّ لهم. وعدِّي ((تفعلوا)) بـ ((إلى)) لتضمُّنه معنى الإيصال والإسداء، كأنه قيل: إلا أن تفعلوا مُسْدِينَ إلى أوليائكم معروفاً. ﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر في الآيتين أعني (آدّعُوهُمْ لَّبَآَبِهِمْ) و(النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمٌ). وجوِّز أن يكون إشارةً إلى ما سبق من أول السورة إلى هنا، أو إلى ما بعدَ قوله تعالى: (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ)، أو إلى ما ذكر في الآية الأخيرة، وفيه بحث. ﴿فِي الْكِتَبِ﴾ أي: في اللوح، أو القرآن، وقيل: في التوراة ﴿مَسْطُورًا ٦ أي: مثبتاً بالأسطار، وعن قتادة أنه قال: في بعض القراءات: ((كان ذلك عند الله مكتوباً)) أنْ لا يرثَ المشركُ المؤمنَ(٤). فلا تغفل. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ مِشَقَهُمْ﴾ مقدَّرٌ باذكر على أنه مفعولٌ لا ظرفٌ؛ لفساد المعنى، وهو معطوفٌ على ما قبله عَطْفَ القصة على القصة، أو على مقدَّرٍ كـ : خذ هذا. وجوِّز أن يكون ذلك عطفاً على خبرِ ((كان))، وهو بعيدٌ وإن كان قريباً. (١) تفسير الطبري ١٩/١٩، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٨٣/٥. (٢) تفسير الطبري ١٩/١٩ . (٣) البحر ٢١٣/٧. (٤) أخرجه الطبري ٢٢/١٩. الآية : ٧ ٢٠٥ سُورَةُ الأَخْزَابِ ولمَّا كان ما سبق متضمِّناً أحكاماً شرعها الله تعالى، وكان فيها أشياءُ مما كان في الجاهلية وأشياءُ مما كان في الإسلام أُبطلت ونُسخت، أَتْبعَه سبحانه بما فيه حتّ على التبليغ، فقال عزَّ وجلَّ: ((وإذ)) إلخ، أي: واذكر وقتَ أخذنا من النبيين كافةً عهودَهم بتبليغ الرسالة والشرائع، والدعاءِ إلى الدِّين الحقِّ، وذلك ـ على ما قال الزجَّاج وغيرُه - وقتَ استخراج البشر من صلب آدم عليه السلام كالذرِ(١). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سبحانه أخذ من النبيين عهودهم بتصديق بعضِهم بعضاً واتِباع بعضِهم بعضاً (٢). وفي روايةٍ أخرى عنه (٣): أنه أخذ الله تعالى ميثاقَهم بتصديق بعضِهم بعضاً، والإعلانِ بأنَّ محمداً رسولُ الله، وإعلانِ رسولِ الله وَل ◌ِ أنْ لا نبيَّ بعده. ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُِّ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَحِسَى أَبْنِ مَرْيمٌ﴾ تخصيصُهم بالذكر مع اندراجهم في ((النبيين)) اندراجاً بيِّناً للإيذان بمزيدٍ مزيَّتهم وفَضْلِهم، وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع، واشتهر أنهم هم أولو العزم من الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين، وأخرج البزار عن أبي هريرة أنهم خِيَارُ ولد آدم عليهم الصلاة السلام(٤). وتقديمُ نبيِّنَا وَّهِ مع أنه آخِرُهم بعثةً للإيذان بمزيدِ خطره الجليل، أو لتقدُّمه في الخلق، فقد أخرج ابن أبي عاصم، والضياء في ((المختارة)) عن أبيّ بنِ كعب مرفوعاً: (بُدِىءَ بي الخَلْقُ وكنتُ آخِرَهم في البعث))(٥). وأخرج جماعةٌ عن الحسن عن أبي هريرةً عن النبيِّ نَّه قال: ((كنتُ أوَّلَ النبيين في الخلق وآخرَهم في البعث)»(٦). (١) معاني القرآن للزجاج ٢١٦/٤، والبحر ٢١٣/٧، والكلام منه. (٢) الدر المنثور ١٨٣/٥، وهو في تفسير الطبري ٢٣/١٩. (٣) ذكرها أبو حيان في البحر ٧/ ٢١٣، وعنه نقل المصنف. (٤) كشف الأستار (٢٣٦٨)، وهو من طريق حمزة الزيات، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: موقوف، وحمزة ضعيف. (٥) لم نقف عليه من حديث أبيٍّ ◌ُه، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٣٠/١٣ من طريق قتادة عن النبي ◌َّ مرسلاً، بلفظ: ((بدئ بي في الخير، وكنت آخرهم ... )). وينظر الدر المنثور ١٨٤/٥، وينظر كذلك التعليق الذي بعده. (٦) أخرجه ابن عدي ٩١٩/٣ و١٢٠٩، وتمام في فوائده (١٣٩٩)، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٣)، والواحدي في الوسيط ٤٥٩/٣- ٤٦٠، وهو من طريق قتادة عن الحسن به. وأخرجه سُورَةُ الأَجْزَائِ ٢٠٦ الآية : ٧ وكذا في الاستنباء، فقد جاء في عدَّةِ رواياتٍ أنه عليه الصلاة والسلام قال: (كنتُ نبيّاً وآدمُ بين الروح والجسد))(١). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ قال: قيل: يا رسول الله، متى أُخذ ميثاقك؟ قال: ((وآدم بين الروح والجسد))(٢). ولا يضرُّ فيما ذُكر تقديم نوح عليه السلام في آية ((الشورى)) أعني قولَه تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الَّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] إذ لكلِّ مقام مقالٌ، والمقامُ هناك وَصْفُ دين الإسلام بالأصالة، والمناسبُ فيه تقديمُ نوحٍ، فكأنه قيل: شَرَعَ لكم الدِّينَ الأصيل الذي بُعِثَ عليه نوحٌ في العهد القديم، وبُعث عليه محمدٌ عليه الصلاة والسلام خاتمُ الأنبياء في العهد الحديث، وبُعث عليه مَن توسّط بينهما من الأنبياء والمشاهير. وقال ابنُ المنير (٣): السرُّ في تقديمه وَّر أنه هو المخاطَب والمنزلُ عليه هذا المتلوُّ، فكان أحقَّ بالتقديم. وفيه بحثٌ. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِثَقًّا غَلِظًا ﴾﴾ أي: عهداً عظيمَ الشأن، أو وثيقاً قويًّا، وهذا هو الميثاقُ الأول وأَخْذُه هو أَخْذُه، والعطفُ مبنيٌّ على تنزيل التغايُرِ العنوانيِّ منزلةً التغايُرِ الذاتي كما في قوله تعالى: ﴿وَيْنَهُ مِنْ عَذَابٍ غَلِظِ﴾ إثر قوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْنَا نَّنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ [هود: ٥٨] وفي ذلك من تفخيم الشأن ما فيه، = ابن سعد ١٤٩/١ - وعنده: ((كنت أول الناس ... )) - والطبري ٢٣/١٩ من طريق قتادة عن النبي * مرسلاً. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفاً . اهـ. (١) أخرجه أحمد (٢٠٥٩٦) من حديث ميسرة الفجر، والترمذي (٣٦٠٩) من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح غريب. (٢) الدر المنثور ١٨٤/٥، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٢٦٤٦) من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس به، وجويبر متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. وأخرجه البزار (٢٣٦٤ - كشف)، والطبراني في الأوسط (٤١٧٥)، والكبير (١٢٥٧١) من طريق جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله، متى كُتبت نبيًّا؟ قال: ((وآدم ... )) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٣/٥: فيه جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف. (٣) في الانتصاف ٣/ ٢٥٢. الآية : ٨ ٢٠٧ سُورَةُ الأَجْزَاب ولهذا لم يقل عز وجل: وإذ أخذنا من النبيين ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ميثاقاً غليظاً، مثلاً، وقال سبحانه ما في النظم الكريم. وقيل: المیثاق الغليظ: الیمینُ بالله تعالی، فیکون بعدما أخذ الله سبحانه من النبيين الميثاقَ بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الحقِّ أكَّد باليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا، فالميثاقان متغايران بالذات. وقوله عز وجل: ﴿لِيَسْتَّلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ قيل: متعلِّقٌ بمضمَرٍ مستأنفٍ مسوقٍ لبيان علَّة الأخذ المذكور وغايته، أي: فَعَلَ الله تعالى ذلك ليسأل .. إلخ. وقيل: متعلِّقٌ بـ ((أخذنا). وتعقّب بأنَّ المقصود تذكيرُ نفسِ الميثاق ثم بيانُ علَّتِهِ وغايته بياناً قصديّاً كما ينبئ عنه تغييرُ الأسلوب بالالتفات إلى الغيبة. والمراد بـ ((الصادقين)) النبيُّون الذين أخذ ميثاقهم، ووُضع موضعَ ضميرهم للإيذان من أول الأمر بأنهم صادقون(١) فيما سئلوا عنه وإنما السؤال لحكمة تقتضيه، أي: ليسأل الله تعالى يومَ القيامة النبيين الذين صَدَقوا عهودهم عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم، أو عن تصديق أقوامهم إياهم. وسؤالُهم عليهم السلام عن ذلك على الوجهين لتبكيت الكفرة المكذِّبين كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]. أو المراد بهم المصدِّقون بالنبيين، والمعنى: ليسأل المصدِّقين للنبيين عن تصدیقھم إياهم، فيقال: هل صدقتُم؟ وقيل: يقال لهم: هل كان تصدیقُكم لوجه الله تعالى؟ ووجهُ إرادة ذلك أنَّ مصدِّق الصادق صادقٌ، وتصديقُه صِدْقٌ. وقيل: المعنى: ليسأل المؤمنين الذين صَدَقوا عَهْدَهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صِدْقِهم عهدَهم. وتعقّب بأنه يأباه مقامُ تذكير ميثاق النبيين. ﴿وَأَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ قيل: عطفٌ على فعلٍ مضمَرٍ متعلِّقاً فيما قبلُ. وقيل: على مقدَّرٍ دلَّ عليه ((ليسأل))، كأنه قيل: فأثاب المؤمنين وأعدَّ للكافرين .. إلخ. وقيل: على ((أخذنا))، وهو عطفٌ معنويٌّ، كأنه قيل: أكَّد الله (١) في الأصل و(م): صادقوا، والمثبت من تفسير أبي السعود ٩٢/٧، والكلام منه. سُورَةُ الأَخْتَارِ ٢٠٨ الآية : ٩ تعالى على النبيين الدعوةَ إلى دينه لأَجْلِ إثابةِ المؤمنين، وأعدَّ للكافرين .. إلخ. وقيل: على ((يسأل)) بتأويله بالمضارع، ولابدَّ من ملاحظةٍ مناسَبةٍ ليَحْسُنَ العطفُ. وقيل: على مقدَّرٍ، وفي الكلام الاحتباك، والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعدَّ لهم ثواباً عظيماً، ويسألَ الكاذبين عن كذبهم وأعدَّ لهم عذاباً أليماً، فحُذف من كلٌّ منهما ما ثبت في الآخر. وقيل: إن الجملة حالٌ من ضمير ((يسأل)) بتقديرِ ((قد)) أو بدونه. ولا يَخْفَى أقلُّها تكلُّفاً . ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ شروعٌ في ذكر قصة الأحزاب، وهي وقعةُ الخندق، وكانت - على ما قال ابن إسحاق - في شوال سنة خمس(١). وقال مالك: سنة أربع(٢). والنعمة إن كانت مصدراً بمعنى الإنعام فالجارُّ متعلِّقٌ بها، وإلا فهو متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً منها، أي: كائنةً عليكم. وقولُه تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتَّكُمْ جُدٌ﴾ ظرفٌ لنفس النعمة أو لثبوتها لهم، وقيل: منصوبٌ بـ: اذكر على أنه بدلُ اشتمالٍ من ((نعمة))، والمراد بالجنود الأحزاب، وهم قريشٌ يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودُهم عيينة، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلميُّ، وبنو النضير رؤساؤهم حُييّ بنُ أخطب وابنا أبي الحقيق، وبنو قريظة سيِّدُهم كعب بن أسد، وكان بينه(٣) وبين رسول الله وَ ﴿ عهدٌ فنبذه بسعي حُييّ. وكان مجموعُهم عشرة آلافٍ في قولٍ، وخمسةَ عَشَرَ ألفاً في آخر. وقيل: زهاءَ اثني عشر ألفاً. (١) سيرة ابن هشام ٢١٤/٢. (٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣٩٧/٣، وقال: لا اختلاف بينهم في الحقيقة ... فمن قال: سنة أربع، أراد بعد أربع سنين وقبل بلوغ الخمس، ومن قال: سنة خمس، أراد بعد الدخول في السنة الخامسة وقبل انقضائها . (٣) في الأصل و(م): بينهم، وهو خطأ، والمثبت من البحر ٢١٦/٧، والكلام منه. الآية : ٩ ٢٠٩ سُوَّةُ الأَخْزَادَ فلما سمع رسول الله وَل﴿ بإقبالهم حفر خندقاً قريباً من المدينة محيطاً بها بإشارة سلمان الفارسيِّ، أعطى كلّ أربعين ذراعاً لعشرة، ثم خرج عليه الصلاة والسلام في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب معسكره والخندقُ بينه وبين القوم، وأَمَر بالذراري والنساء فدُفعوا في الآطام. واشتدَّ الخوفُ، وظنَّ المؤمنون كلَّ ظنٍّ، ونَجمَ (١) النفاقُ كما قصَّ الله تعالى، ومضى قريبٌ من شهر على الفريقين لا حربَ بينهم سوى الرمي بالنبل والحجارةِ من وراء الخندق، إلا أنَّ فوارسَ من قريش منهم عمرو بن عبد ودٌّ - وكان يعدُّ بألف فارس - وعكرمةٌ بن أبي جهل وضرار بنُ الخطاب وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله قد ركبوا خيولهم وتيمَّموا من الخندق مكاناً ضيقاً، فضربوا بخيولهم فاقتحموا، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسَلْعٍ، فخرج علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه في نفرٍ من المسلمين ﴿ه حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها، فأقبلت الفرسان معهم، وقَتَلَ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه عَمْراً في قصةٍ مشهورةٍ، فانهزمت خيلُه حتى اقْتَحَمتْ من الخندق هاربةً، وقُتل مع عمرو منبه بن عثمان بن عبد الدار ونوفل بن عبد العزى. وقيل: وُجد نوفل في جوف الخندق فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة، فقال لهم: قِتْلةً أجملَ من هذه، ينزلُ بعضكم أقاتله. فقتله الزبير بن العوام. وذكر ابن إسحاق أنَّ عليّاً كرم الله تعالى وجهه طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقِّه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله ◌َّليه يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((هو لكم، لا نأكلُ ثمنَ الموتى))(٢). ثم أنزل الله تعالى النصرَ، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ عطف على ((جاءتكم)) مسوقٌ لبيان النعمة إجمالاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيتُها في آخر القصة. (١) أي: ظهر وطلع. القاموس (نجم). (٢) ذكره عن ابن إسحاق البيهقي في دلائل النبوة ٤٣٨/٣، وذكر نحوه عن ابن إسحاق ابن هشام في السيرة النبوية ٢٥٣/٢، ولم يذكر أن القاتل عليٍّ ظُه. واسمه في المصدرين: نوفل بن عبد الله بن المغيرة. الآية : ٩ ٢١٠ سُورَةُ الآخْرَائِ ﴿وَحُّدًا لَّمْ تَرَوَّهَأْ﴾ وهم الملائكة عليهم السلام، وكانوا على ما قيل ألفاً، رُوي أنَّ الله تعالى بعث عليهم صَبَاً باردةً في ليلةٍ باردةٍ، فأخصرتهم وسَفتِ الترابَ في وجوههم، وأمر الملائكة عليهم السلام فقلَّعت الأوتاد، وقطّعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدورَ، وماجت الخيلُ بعضُها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكَبَّرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدي: أمَّا محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاءَ النجاءَ. فانْهَزَموا. وقال حذيفة ظُه وقد ذهب ليأتي رسولَ الله وَّر بخبر القوم: خرجتُ حتى إذا دنوتُ من عسكر القوم نظرتُ في ضوءِ نارٍ لهم توقَّدُ، وإذا رجلٌ أدهمُ ضخمٌ يقول بيده على النار ويمسحُ خاصرته، ويقول: الرحيلَ الرحيلَ، لا مقام لكم. وإذا الرجل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً، فوالله إني لأسمعُ صوتَ الحجارة في رحالهم وفُرُشِهم والريحُ تضربهم، ثم خرجتُ نحو النبي عليه الصلاة والسلام، فلمَّا صرتُ في نصف الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحوٍ عشرين فارساً متعمِّمين فقالوا : أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم(١). وقرأ الحسن: ((وجَنودا) بفتح الجيم(٢). وقرأ أبو عمرو في روايةٍ، وأبو بكر في رواية أيضاً: ((لم يَروها)) بياء الغيبة(٣). ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مِن حَفْرِ الخندق وترتيبٍ مبادي الحرب إعلاءً لكلمة الله تعالى، وقيل: من التجائكم إليه تعالى ورجائكم من فضله عز وجل. وقرأ أبو عمرو: ((يعملون)) بياء الغيبة(٤)، أي: بما يعمله الكفار من التحرُّز والمحارَبةِ، وإغراءِ بعضهم بعضاً عليها حرصاً على إبطال حقِّكم. وقيل: من الكفر والمعاصي. ﴿بَصِيرًا ﴾﴾ ولذلك فَعَلَ ما فَعَلَ من نصركم عليهم، والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لِمَا قبله. (١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٤٥٢/٣ مطولاً، وفيه أن الرجل الضخم الأدهم هو أبو سفيان. (٢) البحر ٢١٦/٧. (٣) القراءات الشاذة ص١١٨، والبحر ٢١٦/٧، وعنه نقل المصنف. (٤) التيسير ص١٧٧، والنشر ٣٤٧/٢. الآية : ١٠ ٢١١ سُورَةُ الأَخْزَاب ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ﴾ بدلٌ من (إذ جاءتكم)) بدلَ كلٍّ من كلِّ. وقيل: هو متعلِّقٌ بـ ((تعملون)) أو بـ ((بصيراً)). ﴿مِّنِ فَوْقِكُمْ﴾ من أعلى الوادي من جهة المشرق، والإضافةُ إليهم لأدنى ملابسةٍ، والجائي من ذلك بنو غطفان ومَن تابعهم من أهل نجد، وبنو قريظةً وبنو النضير. ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب، والجائي من ذلك قريشٌ ومَن شايعهم من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة، وقيل: الجائي من فوق بنو قريظة، ومن أسفل قريش وأسد وغطفان وسليم. وقيل غير ذلك. ويحتمل أن يكون (من فوق)) و((من أسفل)) كنايةً عن الإحاطة من جميع الجوانب، كأنه قيل: إذا جاؤوكم محيطين بكم، كقوله تعالى: ﴿يَغْشَئُهُمُ اٌلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن ◌َّحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]. ﴿وَإِذِ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ﴾ عطفٌ على ما قبله داخلٌ معه في حكم التذكير، أي: حين مالت الأبصار عن سننها وانحرفت عن مستوى نظرها حيرةً ودهشةً. وقال الفرَّاء: أي: حين مالت عن كلِّ شيءٍ فلم تلتفت إلَّا إلى عدوِّها(١). ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي: خافت خوفاً شديداً وفزعت فزعاً عظيماً، لا أنها تحركت عن موضعها وتوجَّهت إلى الحناجر لتخرج؛ أخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه قال في الآية: إنَّ القلوب لو تحرَّكتْ وزالتْ خرجتْ نَفْسُه، ولكن إنما هو الفزع (٢). فالكلام على المبالغة. وقيل: القلبُ عند الغضب يندفع، وعند الخوف يجتمع فيتقلَّص فيلتصقُ بالحَنْجَرة، وقد يفضي إلى أن يسدَّ مخرج النَّفَس، فلا يقدِرُ المرء أن يتنفس ويموتُ خوفاً . وقيل: إنَّ الرئة تنتفخُ من شدة الفزع والغضب والغمِّ الشديد، وإذا انتفخت (١) معاني القرآن للفراء ٣٣٦/٢. (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٥٧١/١٣. سُوَرَّةُ الأَجَْانِ ٢١٢ الآية : ١٠ رَبَتْ وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحَنْجرة، ومن ثم قيل للجبان: انْتَفَخَ سَخْرُه(١) . وإلى حَمْلِ الكلام على الحقيقة ذهب قتادة؛ أخرج عنه عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم أنه قال في الآية: أي: شَخَصَتْ عن مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقومُ عنها أن تخرج لخرجت(٢). وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قلنا: يا رسول الله، هل من شيءٍ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: ((نعم، اللهمَّ استُرْ عَوْراتِنا وآَمِنْ رَوْعاتِنا)) قال: فضرب الله تعالى وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم الله تعالى بالريح(٣). والخطابُ في قوله تعالى: ﴿وَتَظُونَ بِاللَّهِ اَلُونَ ﴾﴾ لمن يُظْهِرُ الإيمانَ على الإطلاق، والظنونُ جمع الظنِّ، وهو مصدرٌ شاملٌ القليل والكثير، وإنما جُمع للدلالة على تعدُّد أنواعه، وقد جاء كذلك في أشعارهم؛ أنشد أبو عمرو في كتاب ((الألحان)»: ظننتُ بآلٍ فاطمةَ الُنونا (٤) إذا الجوزاءُ أردفت الثريًّا أي: تظنّون بالله تعالى أنواعَ الظنون المختلفة، فيظنُّ المخلصون منكم الثابتون في ساحة الإيمان أن ينجِزَ سبحانه وعدَه في إعلاء دينه ونصرةٍ نبيِّهِ وَِّ، ويُعْرِبُ عن ذلك ما سيُحْكَى عنهم من قولهم: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية، أو أنْ يمتحنهم فيخافون أن تَزِلَّ أقدامهم، فلا يتحمَّلون ما نزل بهم، وهذا لا ينافي الإخلاص والثباتَ كما لا يخفى. ويظنُّ المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما حُكي عنهم في قوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ) الآية. (١) أي: رئته. وذكر هذا القول الواحدي في الوسيط ٤٦١/٣، والزمخشري ٢٥٣/٣، والبغوي ٥١٦/٣. (٢) تفسير عبد الرزاق ١١٣/٢، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٨٧/٥، وعنه نقل المصنف. (٣) مسند أحمد (١٠٩٩٦). (٤) البيت لخزيمة بن نهد، كما في الأغاني ٧٨/١٣، وجمهرة الأمثال ١٢٣/١، ومجمع الأمثال ٧٥/١. وجاء في كتاب الأمثال لأبي عبيد ص ٣٤٥: حزيمة بالحاء، وأشار لذلك الآية : ١٠ ٢١٣ سُوَّةُ الأَجْزَابِ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية: ظنونٌ مختلفةٌ؛ ظنَّ المنافقون أنَّ محمداً نَّهِ وأصحابَه يُستأصَلون، وأيقن المؤمنون أنَّ ما وَعَدَ اللهُ ورسولهُ حقٌّ، وأنه سيَظْهَرُ على الدِّين كله(١). وقد يُختار أنَّ الخطاب للمؤمنين ظاهراً وباطناً، واختلافُ ظنونهم بسبب أنهم يظنُّون تارةً أنَّ الله سبحانه سينصرُهم على الكفار من غير أن يكون لهم استيلاءٌ عليهم أولاً، وتارةً أنه عز وجل سينصر الكفار عليهم فيستولون على المدينة ثم ينصرهم عليهم بعدُ، وأخرى أنه سبحانه سينصر الكفار بحيث يستأصلونهم وتعودُ الجاهلية. أو بسبب أن بعضهم يظنُّ هذا وبعضهم يظنُّ ذاك وبعضهم يظنُّ ذلك. ويلتزم أنَّ الظنَّ الذي لا يليق بحالِ المؤمن كان من خواطر النفس التي أوجبها الخوفُ الطبيعيُّ ولم يمكن البشرَ دفعُها، ومثلُها عفوٌ. أو يقال: ظنونُهم المختلفةُ هي ظنُّ النصر بدون نيل العدوِّ منهم شيئاً، وظنُّه بعد النيل، وظنُّ الامتحان، وعلى هذا لا يحتاج إلى الاعتذار. وأيًّا ما كان فالجملةُ معطوفةٌ على ((زاغت))، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار. وكتب ((الظنونا)) وكذا أمثالُه من المنصوب المعرَّف بـ ((أل)) كـ (السَّيِيلاً) و(الرَّسُولَا) في المصحف بألفٍ في آخره، فحذفها أبو عمرو وقفاً ووصلاً، وابنُ کثیر والكسائيُّ وحفصٌ يحذفونها وصلاً خاصةً، ويثبتُها باقي السبعة في الحالين(٢). واختار أبو عبيد والحذَّاقُ أن يوقَفَ على نحو هذه الكلمة بالألف، ولا توصَلَ فتحذفَ أو تثبتَ؛ لأنَّ حَذْفَها مخالفٌ لِمَا اجتمعت عليه مصاحفُ الأمصار، ولأن إثباتها في الوصل معدومٌ في لسان العرب نَظْمِهم ونثرِهم، لا في اضطرارٍ ولا في غيره، أما إثباتها في الوقف ففيه اتِّاعُ الرسم وموافقةٌ لبعض مذاهب العرب؛ لأنهم = الميداني فقال: ويروى: حزيمة، كذا روى أبو الندى في أمثاله. وفاطمة هي بنت يَذْكُر بن عَنزَة، وکان خزيمة يهواها . (١) تفسير الطبري ٣٥/١٩-٣٦، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٨٧/٥. (٢) التيسير ص١٧٨، والنشر ٣٤٧/٢-٣٤٨. وقرأ حمزة ويعقوب مثل قراءة أبي عمرو، وقرأ خلف مثل قراءة ابن كثير والكسائي وحفص. الأَخْزَاب ٢١٤ الآية : ١١ يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم ومصاريعها، ومن ذلك قوله: أقلِّي اللومَ عاذلُ والعتابا(١) والفواصلُ في الكلام كالمصاريع. وقال أبو عليٍّ: إنَّ رؤوس الآي تشبَّه بالقوافي، من حيث كانت مقاطعَ كما كانت القوافي مقاطع(٢). ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفُ مكانٍ ويُستعمل للزمان، وقيل: إنه مجازٌ، وهو أنسبُ هنا. وأيًّا ما كان فهو ظرفٌ لِمَا بعده لا لـ ((تظنون)) كما قيل، أي: في ذلك الزمان الهائل، أو في ذلك المكان الدَّحض(٣) ﴿أَبَتِىَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: اختبرهم الله تعالى، والكلامُ من باب التمثيل، والمراد: عامَلَهم سبحانه وتعالى معاملةَ المختبِرِ، فظهر المخلصُ من المنافق، والراسخُ من المتزلزل. وابتلاؤهم على ما روي عن الضحاك: بالجوع. وعلى ما روي عن مجاهد: بشدَّة الحصار. وعلى ما قيل: بالصبر على الإيمان. ﴿وَزُلْزِلُوْ زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾﴾ أي: اضْطَرَبوا اضطراباً شديداً من شدة الفزع وكثرةٍ الأعداء، وعن الضحاك أنهم زلزلوا عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضعُ الخندق. وقيل: أي: حرِّكوا إلى الفتنة فعُصِموا. وقرأ أحمد بن موسى اللؤلؤيُّ عن أبي عمرو: ((زلزلوا)) بكسر الزاي، قاله ابن خالويه(٤). وقال الزمخشريُّ: وعن أبي عمرو إشمامُ زاي ((زلزلوا))(٥). وكأنه عَنَى إشمامَها الكسرَ، ووجهُ الكسر أنه أتْبَعَ حركةَ الزاي الأولى لحركةِ الثانية، ولم يعتدَّ بالساكن كما لم يَعتدَّ به مَن قال: مِنْتِن بكسر الميم إتباعاً لحركة التاء، وهو اسمُ فاعلٍ من أَنْتَنَّ . (١) جاء في هامش الأصل و(م): في رواية. اهـ منه. والبيت لجرير، وهو في ديوانه ٨١٣/٢، وعجزه: وقولي إن أصبتُ لقد أصابا، وسلف ١٧٦/١٦ . (٢) الحجة لأبي علي الفارسي ٤٦٩/٥. (٣) في (م): المدحض، والمثبت من الأصل والدر المصون ٩٩/٩، وتفسير أبي السعود ٧/ ٩٤. وفي القاموس (دحض): مكان دَخْضٌ - ويحرك - ودحوض: زَلِق. (٤) كما في البحر ٧/ ٢١٧، وعنه نقل المصنف. (٥) الكشاف ٢٥٤/٣، والبحر ٢١٧/٧. الآية : ١٢ ٢١٥ سُورَةُ الأُخْرَان وقرأ الجحدريُّ وعيسى: ((زَلْزالاً)) بفتح الزاي(١)، ومصدرُ فعلل من المضاعَفِ يجوز فيه الفتحُ والكسر، نحو: قلقل قَلْقالاً، وقد يرادُ بالمفتوح اسمُ الفاعل نحو صَلْصال بمعنى مُصَلْصِل، فإنْ كان من غير المضاعَف فما سُمع منه على فعلال مكسورُ الفاء، نحو: سرهفه (٢) سِرهافاً. ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ﴾ عطفٌ على ((إذ زاغت)) وصيغةُ المضارعِ لِمَا مرَّ من الدلالة على استمرار القول واستحضارٍ صورته. ﴿وَلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ﴾ ظاهرُ العطف أنهم قومٌ لم يكونوا منافقين؛ فقيل: هم قومٌ كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة عليهم. وقيل: قومٌ كانوا ضعفاءَ الاعتقاد لقرب عهدهم بالإسلام. وجوِّز أن يكون المراد بهم المنافقين أنفسَهم، والعطفُ لتغايُرِ الوصف، كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام(٣) ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُ:﴾ من الَّفَر وإعلاء الدِّين ﴿إِلَّا غُرُورًا ﴾ أي: وَعْدَ غرورٍ، وقيل: أي: قولاً باطلاً. وفي ((البحر)): أي: أمراً يغرُّنا ويُؤْقِعُنا فيما لا طاقةً لنا به (٤). روي أن الصحابة بينما يحفرون الخندق عَرَضَتْ لهم صخرةٌ بيضاءُ مدوَّرٌ شديدةٌ جدًّا لا تدخل فيها المعاولُ، فشكَوْا إلى رسول الله وَله، فأخذ المِعْول من سلمان ه فضربها ضربةً صدعها(٥) وبرقت منها برقةٌ أضاء منها ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف ليلٍ مظلم، فكبّر رسول الله ێ و کبَّر المسلمون، ثم ضربها الثانيةَ فصَدعها وبرقت منها برقةٌ أضاء منها ما بين لابتيها، فكبَّر عليه الصلاة والسلام وكَبَّر المسلمون، ثم ضربها الثالثةَ فكسرها وبرقت برقة أضاء منها ما بين لابتيها، فكَبَّر بَّ وكَبَّر المسلمون، فسئل عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: ((أضاء لي في الأولى قصورُ الحيرة ومدائنُ كسرى كأنها أنيابُ (١) القراءات الشاذة ص ١١٨، والبحر ٢١٧/٧. (٢) أي: أَحْسَنَ غذاءَه ونعَّمه. القاموس (سرهف). (٣) وعجزه: وليث الكتيبة في المزدحم، وسلف ٣٥٠/٢. (٤) البحر ٢١٧/٧. (٥) في (م): دعها، ولم تجود في الأصل، والمثبت من المصادر على ما يأتي. سُوَّةُ الأَخْزَاءُ ٢١٦ الآية : ١٢ الكلاب، فأخبرني جبريل عليه السلام أنَّ أمتي ظاهرةٌ عليها، وأضاء لي في الثانية قصورُ الحُمْر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أنَّ أمتي ظاهرةٌ عليها، وأضاء لي في الثالثة قصورُ صنعاء كأنها أنيابُ الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أنَّ أمتي ظاهرةٌ عليها، فأبشِروا بالنصر)» فاستبشر المسلمون، وقال رجل من الأنصار يُدْعى معثِّب بن قشير وكان منافقاً: أيعدُنا محمدٌ وَ﴿ أن يفتح لنا مدائنَ اليمن وبيضَ المدائن وقصورَ الروم وأحدُنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قُتل؟! هذا والله الغرورُ. فأنزل الله تعالى في هذا: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُتَفِقُونَ) إلخ(١). وفي رواية: قال المنافقون حين سمعوا ذلك: ألا تَعْجَبون! يحدِّثُكم ويعدُكم ويمنِّكم الباطلَ، أنه يبصر من يثرب قصورَ الحيرة ومدائنَ كسرى، وأنها تفتحُ لكم وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا. فأنزل الله تعالى قوله سبحانه: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ)(٢). ووجهُ الجمع على القول بأنَّ القائل واحدٌ أنَّ الباقين راضون بذلك قابلوه منه. والظاهر أن نسبة الوعد إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة من المنافقين الذين لا يعتقدون اتِّصافه وَّهِ بالرسالة، ولا أنَّ الوعد وعدُ الله تعالى شأنُه، كانت من باب المماشاة أو الاستهزاء، وإن كانت قد وقعت من غيرهم فهي بالتبعية(٣) لهم. (١) أخرجه الطبري ٣٩/١٩-٤٢، والبيهقي في الدلائل ٤١٨/٣-٤٢٠ من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده. وكثير بن عبد الله متروك، وينظر التعليق الذي بعده. وقصة تبشير النبي 18 للصحابة بمدائن كسرى وقيصر عند كسر الصخرة أخرجها أيضاً النسائي في المجتبى ٤٣/٦ من طريق أبي سكينة - رجلٍ من المحرَّرين - عن رجل من أصحاب النبي ◌َله. وأخرجها أحمد (١٨٦٩٤)، والنسائي في الكبرى (٨٨٠٧) من حديث البراء بن عازب . (٢) هذه قطعة من خبر كثير بن عبد الله السالف وردت في آخره بدل: وقال رجل من الأنصار يدعى معتِّب بن قشير ... إلخ. والرواية التي فيها أن القائل هو معتب بن قشير ذكرها ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢٢٢/٢، ودلائل النبوة للبيهقي ٤٣٥/٣. (٣) في (م): بالتبيعة. الآية : ١٣ ٢١٧ سُورَةُ الأَجْزَائِ ويجوز أن يكون وقوعُ ما ذكر في الحكاية لا في كلامهم، ويستأنس له بما وقع في بعض الآثار، وبعضُهم بحث عن إطلاق الرسول عليه - وَلير - فقال: إنه في الحكاية لا في كلامهم كما يشهد بذلك ما رُوي عن معتِّبٍ، أو هو تَقِيَّةٌ لا استهزاءٌ لأنه لا يصحُّ بالنسبة لغير المنافقين، فتأمَّل ولا تغفل. ﴿وَإِذْ قَالَت ◌َبِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ قال السدي: هم عبد الله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه. وقال مقاتل: هم بنو سلمة. وقال أوس بن رومان(١): هم أوس بن قيظي وأصحابه بنو حارتة. وضمير ((منهم)) للمنافقين أو للجميع. ﴿يَأَهْلَ يَذْبَ﴾ هو اسمُ المدينة المنوَّرة، وقال أبو عبيدة: اسمُ بقعةٍ وقعت المدينة في ناحيةٍ منها. وقيل: اسم أرضها، وهو عليها ممنوعٌ من الصرف للعَلَمية ووزنِ الفعلِ أو التأنيث، ولا ينبغي تسميةُ المدينة بذلك؛ أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب قال: قال رسول اللّهِ وَاله: ((مَن سمَّى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى، هي طابة هي طابة هي طابة))(٢). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((لا تَدْعوها يثرب فإنها طَيْبَة - يعني المدينة - ومَن قال: يثرب، فليستغفر الله تعالى (١) كذا نقل المصنف عن أبي حيان في البحر ٢١٨/٧، والصواب: يزيد بن رومان، كما في تفسير الطبري ٢٣/١٩، ودلائل النبوة للبيهقي ٤٣٥/٣، وتفسير القرطبي ١٧ / ٩٧. (٢) مسند أحمد (١٨٥١٩) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء به. قال الحافظ ابن حجر في القول المسدَّد في الذبِّ عن مسند الإمام أحمد ص٩٤ : أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات وأعله بيزيد بن أبي زياد، ولم يُصِبْ؛ فإن يزيد وإن ضعَّفه بعضهم من قِبَلٍ حفظه، وبكونه كان يلقّن فيتلقَّن في آخر عمره، فلا يلزم من شيء من ذلك أن يكون كل ما يحدث به موضوعاً ... وشاهِدُه حديث أبي هريرة: ((أمرتُ بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة ... )). اهـ. وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري (١٨٧١)، ومسلم (١٣٨٢)، وقوله: ((يقولون: يثرب ... )) قال الحافظ في الفتح ٤/ ٨٧: أي أن بعض المنافقين يسمونها يثرب، واسمها الذي يليق بها: المدينة. وقال السندي في شرحه لحديث البراء كما في حاشية المسند: قوله: يثرب، كره هذا الاسم لأن التثريب: التوبيخ، وجاء الفعل في هذا المعنى: ثرب مخفَّفاً ومشدَّداً، فهو ينبئ بمادته عن معنّى غير لائق، فلا ينبغي إطلاقه على بلدةٍ خصها الله تعالى نيَّهِوَ ﴿، وشرَّفها به. سُوَّةُ الأَجْزَانَ ٢١٨ الآية : ١٣ ثلاث مرات، هي طيبة هي طيبة هي طيبة))(١). وفي الحواشي الخفاجية: أن تسميتها به مكروهةٌ كراهةً تنزيهيةً، وذكر في وجه ذلك أن هذا الاسم يُشْعِرُ بالتثريب، وهو اللومُ والتعبير(٢). وقال الراغب: التثريبُ: التقريعُ بالذنب، والثَّرْبُ: شحمةٌ رقيقة، ویثرب یصحُ أن یکون أصله من هذا الباب والياء تكون فيه زائدة(٣). انتهى. وقيل: يثرب اسمُ رجلٍ من العمالقة، وبه سمِّيت المدينة، وكان يقال لها : أثرب أيضاً، ونقل الطبرسيُّ عن الشريف المرتضى أنَّ للمدينة أسماءً، منها: يثرب، وطيبة، وطابة، والدار، والسكينة، وجائزة، والمحبورة، والمحبة، والمحبوبة، والعذراء، والمرحومة، والقاصمة، ويندد(٤). انتهى. وكأن القائلين اختاروا يثرب من بين الأسماء مخالفةً له ◌َّر؛ لما علموا من كراهيته عليه الصلاة والسلام لهذا الاسم من بينها. ونداؤهم أهل المدينة بعنوان أهليتهم لها ترشيحٌ لِمَا بَعْدُ من الأمر بالرجوع إليها . ﴿لَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: لا مكانَ إقامةٍ، أو: لا إقامةً لكم، أي: لا ينبغي - أوْ لا يمكنُ - لكم الإقامةُ ها هنا. وقرأ أبو جعفر وشيبةٌ وأبو رجاء والحسنُ وقتادةُ والنخعيُّ وعبد الله بن مسلم وطلحةُ وأكثر السبعة: ((لا مَقام)) بفتح الميم(٥)، وهو يحتمل أيضاً المكان، أي: لا مكانَ قيامٍ. والمصدرَ، أي: لا قيامَ لكم، والمعنى على نحوٍ ما تقدَّم. (١) ذكره ابن حجر في القول المسدد ص ٩٥ في تعليقه على حديث البراء السالف، فقال: وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من طريق أبي يوسف القاضي، عن يزيد بن أبي زياد، فقال: عن ابن عباس، بدل البراء. (٢) حاشية الشهاب ٧/ ١٦٢ - ١٦٣. (٣) مفردات الراغب (ثرب). (٤) مجمع البيان ١١٦/٢١، وخبر ذِكْر أسماء المدينة أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة المنورة ١٦٢/١ عن زيد بن أسلم مرفوعاً مع اختلاف في بعض أسمائها، وورد فيه وفي الروض المعطار ص٤٠١: جابرة، بدل: جائزة، المذكورة أعلاه. (٥) ولم يقرأ بضم الميم من العشرة سوى حفص، كما في التيسير ص١٧٨، والنشر ٣٤٨/٢. والكلام من البحر ٢١٨/٧ . الآية : ١٣ ٢١٩ سُورَةُ الأَجْزَانِ ﴿فَرْجِعُواْ﴾ أي: إلى منازلكم بالمدينة ليكون ذلك أَسْلَمَ لكم من القتل، أو ليكون لكم عند هذه الأحزاب يدٌ؛ قيل: ومرادُهم أمرُهم بالفرار على ما يُشْعِرُ به ما بعدُ، لكنهم عبّروا عنه بالرجوع ترويجاً لمقالتهم، وإيذاناً بأنه ليس من قبيل الفرار المذموم. وقيل: المعنى: لا مقام لكم في دين محمدٍ، فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك، أو: فارجعوا عمَّا بايعتموه عليه وأَسْلِموه إلى أعدائه عليه الصلاة والسلام. أو: لا مقام لكم بعد اليوم في يثرب أو نواحيها لغلبةِ الأعداء، فارجعوا كفاراً ليتسنَّى لكم المقامُ فيها لارتفاعِ العداوة حينئذ. وقيل: يجوزُ أن يكونوا خافوا من قتل النبيِّ وَلّ إياهم بعد غلبته عليه الصلاة والسلام حيث ظهر أنهم منافقون، فقالوا: ((لا مقام لكم)) على معنى: لا مقامَ لكم مع النبيِّ ◌ََّ لأنه إن غَلَبَ قَتَلَكم، فارجعوا عمَّا بايعتموه عليه، وأَسْلِموه عليه الصلاة والسلام. أو: فارجعوا عن الإسلام واتَّفقوا مع الأحزاب، أو: ليس لكم محلٌّ إقامةٍ في الدنيا أصلاً إن بقيتُم على ما أنتم عليه، فارجعوا عمَّا بايعتُموه عليه عليه الصلاة والسلام .. إلى آخره. والأول أظهرُ وأنسبُ بما بعدَه، وبعض هذه الأوجُهِ بعيدٌ جدًّا كما لا يخفى. ﴿وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ﴾ عطفٌ على ((قالت))، وصيغةُ المضارعِ لِمَا مَرَّ من استحضار الصورة، والمستأذِنُ على ما روي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله بنو حارثة بن الحارث(١)؛ قيل: أرسلوا أوس بن قيظيٍّ أحدَهم للاستئذان. وقال السديُّ: جاء هو ورجلٌ آخَرُ منهم يُدْعَى أبا عرابة بن أوس(٢). (١) أخرجه عن ابن عباس الطبري ١٩/ ٤٤. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ١٨٨/٥، وفيه نظر، حيث إن أوس بن قيظي وأبو عرابة بن أوس واحدٌ كما يفهم كلام بعض العلماء، فقد ذكر ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير ص١٩٤، والسهيلي في التعريف والإعلام ص١٣٧ أن أوس بن قيظي هو والد عرابة بن أوس الذي يقول فيه الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين وعرابة ترجم له الحافظ في الإصابة ٤٠٩/٦، فقال: عرابة - بفتح أوله، والراء الخفيفة - بن أوس بن قيظي، قال ابن حبان: له صحبة، وقال ابن إسحاق: استصغره النبي ◌َ﴾ هو سُؤَدَّةُ الأَجْزَانِ ٢٢٠ الآية : ١٣ وقيل: المستأذِن بنو حارثة وبنو سلمة، استأذَنوه عليه الصلاة والسلام في الرجوع ممثلین بأمر أولئك القائلین: ((یا أهل يثرب». وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ بدلٌ من ((يستأذن))، أو حالٌ من فاعله، أو استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال عن كيفية الاستئذان: ﴿إِنَّ بُتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي: ذليلةُ الحيطان يُخاف عليها السُّرَّاق كما نُقل عن السدي، وقال الراغب: أي: متخرِّقةٌ مُمكِنةٌ لمن أرادها(١). وقال الكلبيُّ: أي: خاليةٌ من الرجال ضائعةٌ. وقال قتادةُ: قاصيةٌ يُخشى عليها العدوُّ. وأصلها - على ما قيل - مصدر بمعنى الخلل، ووُصف بها مبالغةً، وتكون صفةً للمؤنَّث والمذكَّر والمفرد وغيره كما هو شأنُ المصادر. وجوِّز أن تكون صفةً مشبَّهةً على أنها مخفَّفُ عَوِرة بكسر الواو كما قرأ بذلك هنا وفيما بعدُ ابن عباس وأبو يعمر وقتادة وأبو رجاء وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو طالوت وابن مقسم، وإسماعيل بن سليمان عن ابن كثير(٢)، من عَوِرَتِ الدار: إذا اختلَّتْ، قال ابن جنِّي: صحةُ الواو على هذا شانَّةٌ، والقياس قَلْبُها ألفاً فيقال: عارة، كما يقال: كبشٌ صافٌ، ونعجةٌ صافةٌ، ويومٌ راحٌ، ورجلٌ مالٌ، والأصل: صَوِفٌ وصَوِفَةٌ ورَوِحٌ ومَوِلٌ(٣) . وتعقِّب بأن القياس إنما يقتضي القَلْبَ إذا وقع القَلْبُ في الفعل، وعَوِرَ هنا قد صحَّتْ عينُهُ حملاً على اعورَّ المشدَّد(٤). ورجّح كونُها مصدراً وصف به للمبالغة بأنه الأنسب بمقام الاعتذار، كما يُفْصِحُ عنه تصديرُ مقالتهم بحرف التحقيق، لكنْ ينبغي أن يقال في قوله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ﴾ إذا أجري فيه هذا اللفظ كما أجري فيما قبله: إن المراد المبالغةُ في النفي، = والبراء بن عازب وغير واحد فردَّهم يوم أحد، وفيه يقول الشماخ: إذا ما راية ... (١) مفردات الراغب (عور). (٢) المحتسب ١٧٦/٢، والبحر ٢١٨/٧. (٣) المحتسب ١٧٦/٢. وكبشٌ صافٌ: كثير الصوف. ويومٌ راحٌ: شديد الريح. ورجلٌ مالٌ: كثير المال. التاج (صوف) و(روح) و(مول). (٤) اعورَّت عينه: ذهب بصرها. معجم متن اللغة (عور).