Indexed OCR Text
Pages 81-100
الآية : ٢٧ ٨١ سُورَةُ لِقْغَمَانٌ أولُ فارسٍ، وهذا أفضلُ عالم، يراد: من الآيات، و: من الرحمات، و: من الدواب، و: أولُ الفرسان، و: أفضل العلماء، ذُكِرَ المفردُ النكرةُ وأريدَ به معنى الجمع المعرَّف باللام، وهو مهيعٌ في كلام العرب معروفٌ، وكذلك يقدَّرُ هنا: من الشجرات، أو: من الأشجار(١). اهـ، فلا تغفل. وقال الزمخشريُّ: إنه قال سبحانه: (شَجَرَةٍ) على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجرٌ؛ لأنه أُريدَ تفصيلُ الشجر شجرةً شجرةً حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بُرِيَتْ أقلاماً(٢). وتعقّب بأنَّ إفادة المفرد التفصيلَ بدون تكرارٍ غيرُ معهودٍ، والمعهودُ إفادته ذلك بالتكرير، نحو: جاؤوني رجلاً رجلاً، فتأمل. واختيارُ جمع القلة في ((أقلام)) مع أنَّ الأنسب للمقام جمعُ الكثرة؛ لأنه لم يُعهد للقلم جمعٌ سواه، وقِلَامٌ غيرُ متداوَلٍ، فلا يحسُنُ استعماله. ﴿وَالْبَحْرُ﴾ أي: المحيط، فـ ((أل)) للعهد لأنه المتبادرُ، ولأنه الفردُ الكامل(٣)، إذ قد يُظْلَقُ على شُعَبِهِ وعلى الأنهار العظام كدجلة والفرات، وجوِّز إرادةُ الجنس، ولعل الأولَ أبلغُ. ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد نفادِه، وقيل: من ورائه ﴿سَبْعَةُ أَنْجُرٍ﴾ مفروضةٍ، كلٌّ منها مثلُه في السعة والإحاطة وكثرةِ الماء، والمراد بالسبعة الكثرةُ بحيث تشملُ المئةَ والألفَ مثلاً، لا خصوصُ العددِ المعروفِ، كما في قوله ◌َّ : ((المؤمنُ يأكلُ في معَّى واحدٍ، والكافرُ يأكل في سبعة أمعاء)» (٤) واختيرتْ لها لأنها عددٌ تامٌّ كما عرفْتَ عند الكلام في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَثَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكثيرٌ من المعدودات التي لها شأنٌ كالسماوات والكواكب السيارة والأقاليم : الحقيقية وأيام الأسبوع إلى غير ذلك منحصرٌ في سبع، فلعل في ذكرها هنا دون (١) البحر ٧/ ١٩٢. (٢) الكشاف ٢٣٦/٣. (٣) في (م): للكامل، وهو تصحيف. (٤) أخرجه أحمد (٤٧١٨)، والبخاري (٥٣٩٤)، ومسلم (٢٠٦٠) من حديث ابن عمر سُورَةُ لِقُغَمَان ٨٢ الآية : ٢٧ سبعين - المتجوَّزِ به عن الكثرة أيضاً - رمزاً إلى شأن كون تلك الأبحر عظيمةً ذاتَ شأنٍ، ولمَّا لم تكن موضوعةً في الأصل لذلك، بل للعدد المعروفِ القليلِ جاء تمييزُها ((أبحر)) بلفظ القلَّةِ دون بحور - وإن كان لا يراد به إلا الكثرةُ - ليناسبَ بين اللفظين، فكما تجوِّز في السبعة واستُعملت للتكثير، تجوّز في ((أبحر)» واستُعمل فيه أيضاً. وكان الظاهرُ بعد جَعْلٍ ما في الأرض من شجرةٍ أقلاماً أن يقال: والبحرُ مدادٌ، لكنْ جيء بما في النظم الجليل لأنَّ ((يمده)) يغني عن ذكر المداد؛ لأنه من قولك: مَدَّ الدواةَ وأمدَّها، أي: جعلها ذاتَ مدادٍ وزاد في مدادها، ففيه دلالةٌ على المداد مع ما يزيد في المبالغة، وهو تصويرُ الإمداد المستمرِّ حالاً بعد حالٍ كما تُؤْذِنُ به صيغةُ المضارع، فأفاد النظمُ الجليل جَعْلَ البحر المحيط بمنزلةِ الدواة، وجَعْلَ أبحٍ سبعةٍ مثلَه مملوءةً مداداً، فهي تصبُّ فيه مدادَها أبداً صبّاً لا ينقطع. ورُفع (البحر)) - على ما استظهره أبو حيان فيه (١) - على الابتداء، وجملةُ يمدُّه خبرُه، والواوُ للحال، والجملةُ حالٌ من الموصول أو الضميرِ الذي في صلته، أي: لو ثبت كونُ ما في الأرض من شجرةٍ أقلاماً في حال كون البحر ممدوداً بسبعةٍ أبحر، ولا يضرُّ خلوُّ الجملة عن ضمير ذي الحال، فإنَّ الواو يحصلُ بها من الربط ما لا يتقاعد عن الضمير؛ لدلالتها على المقارنة. وأشار الزمخشريُّ(٢) إلى أنَّ هذه الجملةَ وما أشبهها كقوله: وقد أغتدي والطيرُ في وكناتها بمنجريٍ قيدِ الأوابد هيكلٍ(٣) و: جئتُ والجيشُ مصطفٍّ، من الأحوال التي حُكْمُها حكمُ الظروف لأنها في معناها؛ إذ معنى: جئتُ والجيشُ مصطفٍّ، مثلاً، ومعنى: جئتُ وقتَ اصطفافٍ الجيش، واحدٌ، وحيث إنَّ الظرف يربطه بما قبله تعلُّقُه به وإن لم يكن فيه ضميرٌ وهو إذا وقع حالاً استقرَّ فيه الضمير، فما يشبهُه كأنه فيه ضميرٌ مستقرٌّ. (١) أي: في البحر ٧/ ١٩١. (٢) في الكشاف ٢٣٦/٣. (٣) البيت لامرئ القيس، وهو من ديوانه ص١٩. قوله: بمنجردٍ، هو الفرس القصير الشعر. والأوابد: الوحش. والهيكل: الفرس الضخم. قاله شارح الديوان. الآية : ٢٧ ٨٣ سُورَةُ القُغَمَانٌ ولا يَرِدُ عليه اعتراضُ أبي حيان(١) بأنَّ الظرف إذا وقع حالاً ففي العامل فيه ضميرٌ ينتقل إلى الظرف، والجملةُ الاسمية إذا كانت حالاً بالواو فليس فيها ضميرٌ منتقل، فكيف يقال إنها في حكم الظرف؟ نعم الحقُّ أنَّ الربط بالواو كافٍ عن الضمير، ولا يحتاجُ معه إلى تكلُّف هذه المؤونة. وجوِّز أن تكون الجملةُ حالاً من ((الأرض))، والعاملُ فيه معنى الاستقرار، والرابطُ ما سمعتَ، أو ((أل)) التي في ((البحر)) بناءً على رأي الكوفيين من جواز كونِ (أل)) عوضاً عن الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ تُفَتَّحَةٌ لَهُ الْأَنْوَبُ﴾ [ص: ٥٠] أي: ولو ثبت كونُ الذي استقرَّ في الأرض من شجرةٍ أقلاماً حالَ كونِ بحرِها ممدوداً بسبعةِ أبحرٍ . قال في ((الكشف)): ولا بدَّ أن يُجعل ((من شجرة)) بياناً للضمير العائد إلى ((ما)) لئلا يلزم الفصلُ بين أجزاء الصلة بالأجنبي، و ((البحر)) على تقديرِ جَعْلِ ((أل)» فيه عوضاً عن المضاف إليه العائدِ إلى ((الأرض)» يحتمل أن يراد به المعهود وأن يراد به غيره. وقال الطيبيُّ: إنَّ (البحر)) على ذلك يعمُّ جميعَ الأبحُرِ؛ لقرينة الإضافة، ويفيدُ أنَّ السبعة خارجةٌ عن بحر الأرض، وعلى ما سواه يحتملُ الحصةَ المعهودة المعلومةَ عند المخاطب(٢). ورُدَّ بأنه لا فَرْقَ بينهما، بل كونُ بحرها للعهد أظهرُ؛ لأنَّ العهد أصل الإضافة، ولا ينافيه كونُ الأرض شاملةً لجميع الأقطار؛ لأنَّ المعهود البحرُ المحيطُ وهو محيطٌ بها كلِّها. وجوَّز الزمخشريُّ كونَ رَفْعِه بالعطف على محلِّ («أنَّ) ومعمولها، وجملة «يمدُّه)» حالٌ، على تقدير: لو ثبت كونُ ما في الأرض من شجرة أقلاماً وثبت البحرُ ممدوداً بسبعةِ أبحر(٣). (١) في البحر ٧/ ١٩١- ١٩٢. (٢) بنحوه في حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٣) الكشاف ٢٣٦/٣. لالقضَّان ٨٤ الآية : ٢٧ وتعقِّب بأنَّ الدالَّ على الفعل المحذوفِ هو ((أنَّ) وخبرُه على ما قرِّر في بابه، فإذَنْ لا يمكن إفضاءُ المحذوف إلى المعطوف دون ملاحظةِ دالٌ، وفي هذا العطف إخراجٌ عن الملاحظة. وأجيبَ بأنه يُحتَمَلُ في التابع ما لا يُحتَمَلُ في المتبوع، ثم لا يخفى أنَّ العطف على هذا من عَطْفِ المفردِ على المفرد، لا المفردِ على الجملة كما قيل، إذ الظاهرُ أنَّ المعطوف عليه إنما هو المصدرُ الواقِعُ فاعلاً لـ ((ثَبَتَ)) وهو مفردٌ لا جملة. وجوِّز أن يكون العطفُ على ذلك أيضاً بناءً على رأي مَن يجعلُه مبتدأً. وتعقّب بأنه يلزمُ أن يلي (لو)» الاسمُ الصريحُ الواقعُ مبتداً؛ إذ يصير التقدير: ولو البحرُ، وذلك على ما قال أبو حيان(١) لا يجوز إلا في ضرورةٍ شعرٍ، نحو قوله : لو بغيرِ الماء حَلْقي شَرَق كنتُ كالغصَّانِ بالماء اعتصاري(٢) وأجيبَ بأنه يُغَفَرُ في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع، كما في نحو: ربَّ رجلٍ وأخيه يقولان ذلك. وقال بعضهم: إنه يلزم على العطف السابق أن يلي ((لو)) الاسمُ الصريحُ، وهو أيضاً مخصوصٌ بالضرورة. وأجاب بما أُجيب، وفيه عندي تأمُّلٌ. وجوِّز كونُ الرفع على الابتداء، وجملةُ ((يمدُّه)) خبر المبتدأ، والواوُ واوُ المعية، وجملة المبتدأ وخبرِه في موضع المفعول معه، بناءً على أنه يكونُ جملةً كما نُقل عن ابن هشام(٣)، ولا يخفى بعدُه. وجوز كونُ الواو على ذلك للاستئناف، وهو استئنافٌ بیانيٌّ، كأنه قيل: ما المداد حينئذ؟ فقيل: ((والبحر)) إلخ. (١) في البحر ٧/ ١٩١ . - (٢) البيت لعدي بن زيد، وسلف ٣٦٦/١٢. وجاء في حاشية (م): الاعتصار بالماء أن يشربه قليلاً قليلاً ليسيغ ما غصَّ به من الطعام. اهـ منه. (٣) في المغني ص٦٠٦. الآية : ٢٧ ٨٥ سُورَةُ لِقْغَمَانٌ وتعقّب بأنَّ اقتران الجواب بالواو وإن كانت استئنافيةً غيرُ معهود، وما قيل: إنه يقترن بها إذا كان جواباً للسؤال على وجه المناقشة لا للاستعلام، مما لا يُعتمد عليه، ومن هنا قيل: الظاهرُ على إرادة الاستئناف أن يكون نحويّاً . وجوِّز في هذا التركيب غيرُ ما ذكر من أوجُهِ الإعراب أيضاً. وقرأ البصريان: ((والبحرَ)) بالنصب(١) على أنه معطوفٌ على اسم ((أنَّ» و«يمدُّه)) خبرٌ له، أي: ولو أنَّ البحر ممدودٌ بسبعة أبحر. قال ابن الحاجب في ((أماليه)): ولا يستقيمُ أن يكون («يمده)) حالاً؛ لأنه يؤدّي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال، ولا يجوز؛ لأنها لبيان الفاعل أو المفعول، والمبتدأ ليس كذلك، ويؤدِّي أيضاً إلى كون المبتدأ لا خبر له، ولا يستقيم أن يكون ((أقلام)) خبراً له؛ لأنه خبر الأول. اهـ، ولم يَذكُر احتمالَ تقدير الخبر لظهور أنه خلافُ الظاهر. وجوِّز أن يكون منصوباً على شريطة التفسير عطفاً على الفعل المحذوف، أعني ثبت، ودخولُ ((لو)) على المضارع جائز، وجملة («يمدُّه)) إلخ حينئذٍ لا محلَّ لها من الإعراب. وقرأ عبد الله: ((وبحرٌ)) بالتنكير والرفع(٢)، وخرَّج ذلك ابن جنِّي على أنه مبتدأ وخبرُه محذوفٌ، أي: هناك بحرٌ يمدُّه .. إلخ، والواوُ واوُ الحال لا محالةً، ولا يجوز أن يعطف على ((أقلام)) لأنَّ البحر وما فيه ليس من حديث الشجر والأقلام، وإنما هو من حديث المداد(٣). وفي ((البحر)): أن الواو على هذه القراءة للحال أو للعطف على ما تقدَّم، وإذا كانت للحال كان ((بحر)) مبتدأً، وسوَّغ الابتداءَ به مع كونه نكرةً تقدُّمُ تلك الواو، فقد عُدَّ من مسوِّغات الابتداء بالنكرة، كما في قوله: (١) التيسير ص١٧٧، والنشر ٣٤٧/٢. (٢) المحتسب ١٦٩/٢، والبحر ١٩١/٧. (٣) المحتسب ١٦٩/٢ . سُورَةٌ لِقْنَمَانٌ ٨٦ الآية : ٢٧ سَرَيْنا ونجمٌ قد أضاء فمذ بدا محيَّاكَ أَخْفَى ضوؤُه كلَّ شارقٍ(١) اهـ. ولا يَخْفَى أنه إذا عُطف على فاعل ((ثبت)) فجملةُ ((يمده)) في موضع الصفة له لا حالٌ منه، وجوَّز ذلك مَن جوَّز مجيءَ الحال من النكرة. والظاهرُ على تقدير كونه مبتدأَ جَعْلُ الجملة خبرَه، ولا حاجةَ إلى جَعْلٍ خبره محذوفاً كما فعل ابن جنِّي. وقرأ ابن مسعود وأبيٌّ: («تَمدُّه)) بتاء التأنيث من مدَّ كالذي في قراءة الجمهور(٢). وقرأ ابن مسعود أيضاً والحسنُ وابن مصرِّفٍ وابن هرمز: «يُمِدُّه)» بضم الياء التحتية من الإمداد(٣). قال ابن الشيخ: يَمُدُّ بفتحِ فضمٌ ویُمِدُّ بضمِّ فكسر لغتان بمعنَى. وقرأ جعفر بن محمد طًا: ((والبحر مدادُه)(٤) أي: ما يُكتب به من الحبر، وقال ابن عطية: هو مصدر(٥). ﴿مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ الَّهُ﴾ جواب ((لو))، وفي الكلام اختصارٌ يسمَّى حَذْفَ إِیجازٍ، ويدلُّ على المحذوف السياقُ، والتقدير: ولو أنَّ ما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ ممدودٌ بسبعةٍ أبحُرٍ وكتبتْ بتلك الأقلام وبذلك المدادِ كلماتُ الله تعالى ما نَفِدَتْ لعَدَمِ تناهيها ونَفَدَ تلك الأقلامُ والمدادُ لَتناهيها، ونظير ذلك في الاشتمال على إيجاز الحذف قولُه تعالى: ﴿أَوْ بِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فحَلَقَ رأسَه لدَفْعِ ما به من الأذى فقديةٌ. والمراد بكلماته تعالى كلماتُ عِلْمِه سبحانه وحكمتِهِ جلَّ شأنه، وهو الذي يقتضيه سببُ النزول على ما أخرج ابنُ جريرٍ (٦) عن عكرمة قال: سأل أهلُ الكتاب رسولَ الله وَّ عن الروح، فأنزل سبحانه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوَجْ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ (١) البحر ١٩١/٧، والبيت سلف ٦٩/٥. (٢) البحر ٧/ ١٩١ عن ابن مسعود وابن عباس، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١١٧ عن بعضهم. (٣) المحتسب ١٦٩/٢، والبحر ٧/ ١٩١. (٤) المحتسب ١٦٩/٢، والمحرر الوجيز ٣٥٤/٤، والبحر ١٩١/٧. (٥) المحرر الوجيز ٣٥٤/٤. (٦) في تفسيره ١٨/ ٥٧٣ . الآية : ٢٧ ٨٧ سُورَةُ الْقُضَمَانٌ وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فقالوا: تزعم (١) أنَّا لم نُؤْتَ من العلم إلَّا قليلاً وقد أُوتينا التوراةَ وهي الحكمةُ ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِيَ خَبْرًا كَثِيرَاً﴾ [البقرة: ٢٦٩] فنزلت: (وَلَوْ أَنَّمَا) إلخ. وظاهر هذا أنَّ اليهود قالوا ذلك له عليه الصلاة والسلام مشافهةً، وهو ظاهرٌ في أنَّ الآية مدنيةٌ. وقيل: إنهم أَمروا وفدَ قريشٍ أن يقولوا له وَّ ذلك، وهذا القائلُ يقول: إنها مكية. وحاصل الجواب أنه: وإنْ كان ما أُوتِيتُموه خيراً كثيراً لكونه حكمةً إلا أنه قليلٌ بالنسبة إلی حکمته عز وجل. وفي روايةٍ أنه نزل بمكة قوله تعالى: (وَيَسْتَلُونَ) إلخ، فلمَّا هاجر عليه الصلاة والسلام أتاه أحبارُ اليهود فقالوا: بلغنا أنك تقول: (وَمَّ أُوْتِلْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) أفعنيتَنا أم قومك؟ فقال ◌َله: ((كلّ عَنَيْتُ)) فقالوا: ألستَ تتلو فيما جاءك أَنَّا أوتينا التوراة وفيها علمُ كلِّ شيء؟ فقال عليه الصلاةُ والتحيةُ: ((هي في عِلْم الله تعالى قليلٌ، وقد أتاكم ما إنْ عَمِلْتُم به نَجَوْتُم)) قالوا: يا محمد، كيف تزعُم هذا وأنت تقول: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْقِيَ خَيْرً كَثِيراً) فكيف يجتمع؟ فقال ◌َّى: ((هذا علمٌ قليلٌ وخيرٌ كثيرٌ))، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٢). وهذا نصٌّ في أنَّ الآية مدنية. وقيل: المرادُ بها مقدوراتُه جل وعلا وعجائبُه عزَّ وجلَّ التي إذا أراد سبحانه شيئاً منها قال تبارك وتعالى له: (كُنْ فَيَكُونُ)، ومن ذلك قولُه تعالى في عيسى: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَلِهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] وإطلاقُ الكلمات على ما ذكر من إطلاق السبب على المسبَّب، وعلى هذا وجهُ ربط الآية بما قبلها أظهرُ على ما قيل، وهو أنه سبحانه لمَّا قال: (لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ) وكان موهِماً لتناهي ملكه جلَّ جلالُه، أَرْدَفَ سبحانه ذلك بما هو ظاهرٌ بعدم التناهي. وهذا ما اختاره الإمام في المراد بكلماته تعالى(٣)، إلا أنَّ في انطباقه علىَ سبب النزول خفاءٌ. (١) جاء في حاشية (م): قوله: فقالوا: تزعم، عن ابن جريج أن القائل حيي بن أخطب. اهـ منه. (٢) أخرجه بنحوه الطبري ٥٧٢/١٨-٥٧٣، وابن أبي حاتم كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية من حديث ابن عباس مضـ (٣) تفسير الرازي ١٥٦/٢٥ -١٥٧ . سُورَةٌ لِقْغَضَانٌ ٨٨ الآية : ٢٨ وعن أبي مسلم: المرادُ بها ما وَعَدَ سبحانه به أهلَ طاعته من الثواب، وما أَوْعَدَ جلَّ شأنُه به أهلَ معصيته من العقاب، وكأنَّ الآية عليه بيانٌ لأكثرية ما لم يظهر بعدُ من ملكه تعالى بعدَ بيانٍ كثرة ما ظهر. وقيل: المرادُ بها ما هو المتبادرُ منها، بناءً على ما أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن قتادة قال: قال المشركون: إنما هذا كلامٌ يوشك أن ينفد، فنزلت: (وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةِ أَقْلَهٌ) الآية(١). وفي وجهِ رَبْطِ الآية عليه بما قبلها وكذا بما بعدها خفاءٌ جدّاً، إلا أنه لا يقتضي كونَها مدنيةً. وإيثارُ الجمع المؤنَّث السالم بناءً على أنه كجمع المذكَّر جمعُ قلَّة؛ لإشعاره - وإن اقترن بما قد يفيدُ معه الاستغراق والعمومَ من ((أل)) أو الإضافة نظراً لأصل وَضْعِه وهو القلَّة - بأنَّ ذلك لا يفي بالقليل، فكيف بالكثير؟ وقرأ الحسن: ((ما نَفِدَ)) بغير تاءِ ((كلامُ الله)) بدل ((كلمات الله))(٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُه جلَّ شأنُه شيءٌ ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ لا يخرج عن علمه تعالى وحكمتِّه سبحانه شيءٌ، والجملةُ تعليلٌ لعدم نفادٍ كلماته تبارك وتعالى. ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ أي: إلا كخَلْقِها وبَعْثِها في سهولةٍ التأِّي بالنسبة إليه عزَّ وجلَّ؛ إذ لا يشغله تعالى شأنٌ عن شأنٍ؛ لأنَّ مناط وجود الكلِّ تعلُّقُ إرادته تعالى الواجبة أو قولُه جلَّ وعلا: ((كن)) مع قدرته سبحانه الذاتية وإمكان المتعلق، ولا توقُّفَ لذلك على آلةٍ ومباشَرةٍ تقتضي التعاقُّبَ ليختلف عنده تعالى الواحدُ والكثيرُ كما يختلفُ ذلك عند العباد. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيْعٌ﴾ يسمعُ كلَّ مسموعِ ﴿بَصِيرُ ﴾﴾ يبصرُ كلَّ مُبصَرٍ في حالةٍ واحدةٍ لا يشغلُه إدراكُ بعضها عن إدراك بعضٍ، فكذا الخلقُ والبعثُ، وحاصله: كما أنه تعالى شأنُه ببصرٍ واحدٍ يدرك سبحانه المبصَراتِ وبسَمْعٍ واحدٍ يسمعُ جلَّ وعلا المسموعات ولا يشغلُه بعضُ ذلك عن بعضٍ، كذلك فيما يرجع إلى القدرة (١) تفسير عبد الرزاق ١٠٦/٢، وتفسير الطبري ٥٧٢/١٨، والكلام من الدر المنثور ١٦٨/٥. (٢) البحر ٧/ ١٩٢. الآية : ٢٩ ٨٩ سُورَةُ لِقْغَمَانُ والفعل، فهو استشهادٌ بما سلَّموه، فشبَّه المقدورات فيما يراد منها بالمدرّكات فيما يُدْرَكُ منها، كذا في ((الكشف)). واستشكل كونُ ذلك مسلَّماً بأنه قد كان بعضُهم إذا طعنوا في الدين يقول: أسرُّوا قولكم لئلا يسمع إلهُ محمد نَّهِ. فنزل: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَرِ أَجْهَرُواْ بُِّ إِنَّهُ عَلِمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]. وأجيبَ بأنه لا اعتداد بمثله من الحماقة بعد ما رُدَّ عليهم ما زعموا وأُعْلِموا بما أَسرُّوا. وقيل: إنَّ الجملة تعليلٌ لإثبات القدرة الكاملة بالعلم الواسع، وأنَّ شيئاً من المقدورات لا يشغله سبحانه عن غيره؛ لعِلْمِه تعالى بتفاصيلها وجزئياتها فيتصرّفُ فيها كما يشاء، كما يقال: فلانٌ يجيدُ عَمَلَ كذا لمعرفته بدقائقه ومتمِّماته. والمقصودُ من إيراد الوصفين إثباتُ الحشر والنشر لأنهما عمدتان فيه، ألا ترى كيف عقّب ذلك بما يدلُّ على عظيم القدرة وشمول العلم؟ وأيّاً ما كان يندفعُ توهُّمُ أنَّ المناسب لِمَا قبلُ أن يقال: إنَّ الله قويٌّ قديرٌ، أو نحوُ ذلك، دون ما ذُكر؛ لأنَّ الخَلْقَ والبعث ليسا من المسموعات والمبصَرات. وعن مقاتلٍ أنَّ كفار قريش قالوا: إنَّ الله تعالى خَلَقَنا أطواراً؛ نطفةً علقةً مضغةً لحماً، فكيف يبعثُنا خلقاً جديداً في ساعةٍ واحدة؟ فنزلت. وذكر النقّاش أنها نزلت في أبيّ بن خلف وأبي الأسود ونبيهٍ ومنبوٍ ابني الحجاج، وذَكر في سبب نزولها فيهم نحوَ ما ذُكر، وعلى كون سبب النزول ذلك قيل: المعنى: إنه تعالى سميعٌ بقولهم ذلك بصيرٌ بما يُضْمِرونه، وهو كما ترى. ﴿أَلَّ تَّرَ﴾ قيل: خطابٌ لسيد المخاطبين ◌َِّ. وقيل: عامٌّ لكلِّ مَن يَصْلُحُ للخطاب، وهو الأوفَقُ لِمَا سبق وما لَحِقَ، أي: ألم تعلم ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّلَ فِى النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ﴾ أي: يُدْخِلُ كلَّ واحدٍ منها في الآخر ويضيفُه سبحانه إليه، فيتفاوتُ بذلك حالُه زيادةً ونقصاناً. وعَدَلَ عن: يولجُ أحدَ المَلَوَيْنِ (١) في (١) الملوان: الليل والنهار. القاموس (ملو). سُورَة ◌ُ القَمَانٌ ٩٠ الآية : ٢٩ الآخر، مع أنه أخصرُ؛ للدلالة على استقلال كلٌّ منهما في الدلالة على كمال القدرة. وقدَّم الليل على النهار لمناسبته لعالَم الإمكان المظلم من حيث إمكانُه الذاتي، وفي بعض الآثار: ((كان العالم في ظلمةٍ فرشَّ الله تعالى عليهم من نوره))(١). وهذا الإيلاجُ إنما هو في هذا العالَم، ليس عند ربِّك صباحٌ ولا مساءٌ. وقدَّم الشمس على القمر في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ مع تقديم الليل الذي فيه سلطانُ القمر على النهارِ الذي فيه سلطانُ الشمس لأنها کالمبدأ للقمر، ولأنَّ تسخيرها لغايةِ عظمها أعظمُ من تسخير القمر، وأيضاً آثارُ ذلك التسخير أعظمُ من آثار تسخيره. وقال الإمامُ في تعليل تقديم كلٍّ على ما قدِّم عليه: لأنَّ الأنفس تطلب سببَ المقدَّم أكثر مما تطلب سببَ المؤشّر، وبيَّن ذلك بما بيَّن(٢). ولعل ما ذكرناه أولى، لا سيما إذا صحَّ أنَّ نور القمر مستفادٌ من ضياء الشمس. وعطف قوله سبحانه: (وَسَخَّرَ) على قوله تعالى: (وَيُولِجُ) والاختلافُ بينهما صيغةً لِمَا أَنَّ إِيلاجَ أحدِ المَلَويْنِ في الآخر متجدِّدٌ في كلِّ حيٍ، وأمَّا التسخيرُ فأمرٌ لا تعدُّدَ فيه ولا تجدُّدَ، وإنَّمَا التعدُّدُ والتجدُّدُ في آثاره كما يشير إلى ذلك قولُه تعالى: ﴿كُلِّ﴾ أي: كلُّ واحدٍ من الشمس والقمر ﴿يَجْرِىّ﴾ يسير سيراً سريعاً مستمرّاً ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ أي: منتهَى للجَرْي ﴿ُسَنَّى﴾ سمَّاه الله تعالى وقدَّره لذلك، وهو كما قال الحسن: يوم القيامة، فإنه لا ينقطعُ جَرْيُ النيِّرين وتبطلُ حركتُهما إلا في ذلك اليوم. والظاهرُ أنَّ هذا الجريَ هو هذه الحركةُ التي يشاهدها كلُّ ذي بصرٍ من أهل المعمورة، وهي عند الفلاسفة بواسطةِ الفلك الأعظم فإنَّ حركته كذلك، وبها حركةٌ (١) سلف ٤٦٧/١ و٢٤٥/٢٠. (٢) تفسير الرازي ١٦٠/٢٥ وفيه: أن تقديم الليل كان لأن الأنفس تطلب سببه أكثر مما تطلب سبب النهار، وكذلك فإن الشمس لما كانت أكبر وأعظم كانت أعجب، والنفس تطلب سبب الأمر العجيب أكثر مما تطلب سبب الأمر الذي لا يكون عجيباً. الآية : ٢٩ ٩١ سُورَةُ القُنَّان سائر الأفلاك وما فيها من الكواكب، وتسمَّى: حركةَ الكلِّ، والحركةَ اليومية، والحركةَ السريعة، والحركةَ الأولى، والحركة على خلاف التوالي، والحركة الشرقية، وبعضُهم يسمِّيها الحركة الغربية. وقيل: ما يعمُّ هذه الحركةَ وحركتَهما الخاصةَ بهما، وهي حركتُهما بواسطة فلكيهما على التوالي من المغرب إلى المشرق، وهي للقمر أسرعُ منها للشمس، وليس في العقل الصريح والنقلِ الصحيح ما يأبى إثباتَ هاتين الحركتين لكلٍّ من النّيِّرين كما لا يخفى على المنصف العارف، ومنتهى هذا الجري العامِّ لهاتين الحركتين يومُ القيامة أيضاً. والجملةُ على تقدير عموم الخطاب اعتراضٌ بين المعطوفين لبيان الواقع بطريق الاستطراد، وعلى تقدير اختصاصه به وله يجوزُ أن تكون حالاً من الشمس والقمر؛ فإن جَرْيَهما إلى يوم القيامة من جملة ما في حيِّز رؤيته وَّر. وقيل: جَرْيُهما عبارةٌ عن حركتهما الخاصةِ بهما، والأجلُ المسمَّى لجري الشمس آخِرُ السنة المسمّاة بالسنة الشمسية الحقيقية، وهي زمانُ مفارقة الشمس أيَّةً نقطةٍ تُفْرَضُ من فَلَكِ البروجِ إِلى عَوْدِها إليها بحركتها الخاصةِ، وجَعَلوا ابتداءها من حين حلول الشمس رأس الحمل، ومدتُها عند بعضٍ ثلاثُ مئةٍ وخمسةٌ وستُّون يوماً بليلته وربعُ يومٍ كذلك، وعند بطليموس ثلاثُ مئةٍ وخمسةٌ وستُّون يوماً بليلته وخمسُ ساعاتٍ وخمسّةٌ وخمسون دقيقةً واثنتا عشرة ثانيةً، وعند بعض المتأخِّرين ثلاثُ مئةٍ وخمسةٌ وستُّون يوماً وخمسُ ساعاتٍ وستٌّ وأربعون دقيقةً وأربعٌ وعشرون ثانيةً. وعند الحكيم محيي الدِّين الكَسْرُ الزائد خمسُ ساعات ودقيقةٌ، وبالرصد الجديد الذي تولاه الطوسيُّ بمراغة: خمسُ ساعاتٍ وتسعٌ وأربعون دقيقةً، ووُجِدَ برصدِ سمرقند أزيد من هذا بربع دقيقة. وأما الاصطلاحيةُ فاعتبرها بعضٌ كالروم والأقدمين من الفرس ثلاثَ مئةٍ وخمسةً وستين(١) يوماً بليلته وربعَ يومٍ كذلك، وأخذ الكسر ربعاً تامًّا إلّا أنَّ الروم يجعلون ثلاثَ سنين ثلاثَ مئةٍ وخمسةً وستِّين، ويكبسون في الرابعة بيومٍ، والفرس (١) في (م): وستون. سُورَةٌ لْقْغَمَانٌ ٩٢ الآية : ٢٩ كانوا يكبسون في مئةٍ وعشرين سنةً بشهر. واعتبرها بعضٌ آخَرُ كالقِبْطِ والمستعمِلين لتاريخ الفرس من المحدّثين ثلاثَ مئةٍ وستِين يوماً بليلته، وأَسْقَطَ الكسر رأساً. ولجري(١) القمر آخرُ الشهر القمريِّ الحقيقيّ، وهو زمانُ مفارقةِ القمرِ أيَّ وضعٍ يَعْرِضُ له من الشمس إلى عوده إليه، وجَعَلوا ابتداءَه من اجتماع الشمس والقمر، وزمان ما بين الاجتماعين المتتاليين كـ ((ط لا ن)) من الأيام ودقائقها وثوانيها تقريباً. وأمَّا الشهر الغيرُ الحقيقيِّ فالمعتبرُ فيه الهلالُ، ويختلف زمانُ ما بين الهلالين كما هو معروفٌ. قيل: وعلى هذا فالجملةُ بيانٌ لحُكُم تسخيرهما، أو تنبيهٌ على كيفية إيلاج أحد الملوين في الآخر، وكونٍ ذلك بحسب اختلاف جريان الشمس على مداراتها اليومية، فكلَّما كان جريانُها متوجِّهاً إلى سمت الرأس تزداد القوسُ التي فوق الأرض كبراً، فيزدادُ النهارُ طولاً بانضمام بعض أجزاء الليل إليه، إلى أن يبلُغَ المدارَ الذي هو أقربُ المدارات إلى سمت الرأس، وذلك عند بلوغها إلى رأس السرطان، ثم ترجعُ متوجِّهةً إلى التباعد عن سمت الرأس، فلا تزال القسيُّ التي فوق الأرض تزداد صغراً فيزدادُ النهار قصراً بانضمام بعض أجزائه إلى الليل إلى أن يبلغ المدار الذي هو أبعدُ المدارات اليومية عن سمت الرأس، وذلك عند بلوغها رأسَ الجدي(٢). وأنت تعلم أنه لا مدخل لجريان القمر في الإيلاج، فالتعرُّض له في الآية الكريمة يُبْعِدُ هذا الوجه، ولعل الأظهر على تقديرِ جَعْلٍ جَرْيِهما عبارةً عن حركتهما الخاصَّةِ بهما أنْ يُجعل الأجلُ المسمَّى عبارةً عن يوم القيامة، أو يُجْعَلَ عبارةً عن آخِرِ السنة والشهرِ المعروفَيْنِ عند العرب، فتأمَّل. وجَرَى يتعدَّى بإلى تارةً وباللام أخرى، وتعديتُهُ بالأول باعتبارِ كونِ المجرور غايةً، وبالثاني باعتبارٍ كونه غرضاً، فتكون اللامُ لامَ تعليلٍ أو عاقبةٍ، وجَعَلَها الزمخشريُّ للاختصاص(٣)، ولكلٍّ وجهٌ. ولم يظهر لي وجهُ اختصاص هذا المقام (١) معطوف على ((لجري) في قوله: والأجلِ المسمَّى لجري الشمس ... (٢) في تفسير أبي السعود ٧٦/٧ (والكلام منه): برج الجدي، بدل: رأس الجدي. (٣) الكشاف ٢٣٧/٣. الآية : ٣٠ ٩٣ سورة لقمان بإلى وغيره باللام. وقال النيسابوريُّ: وَجْهُ ذلك أنَّ هذه الآيةَ صدِّرَتْ بالتعجيب فناسَبَ التطويل(١)، وهو كما ترى فتدبّر. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ عطفٌ على قوله: (أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ) إلخ داخلٌ معه في حيِّز الرؤية على تقديرَيْ خصوص الخطاب وعمومِه، فإنَّ مَن شاهَدَ مثلَ ذلك الصُّنْعِ الرائق والتدبيرِ اللائق لا يكاد يغفلُ عن كون صانعه عزَّ وجلَّ محيطاً بجلائل أعماله ودقائقها . وقرأ عياش عن أبي عمرو: ((بما يعملون)) بياء الغيبة(٢). ﴿وَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تضمَّنَتْه الآياتُ وأشارت إليه من سعة العلم، وكمالٍ القدرة، واختصاصِ الباري تعالى شأنُه بها . ﴿َبِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: بسبب أنه سبحانه وحده الثابتُ المتحقِّقُ في ذاته، أي: الواجب الوجود. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ إلهاً ﴿الْبَطِلُ﴾ المعدومُ في حدٍّ ذاته، وهو الممكنُ الذي لا يوجدُ إلا بغيره، وهو الواجبُ تعالى شأنُه. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ﴾ على الأشياء ﴿الْكَبِيرُ ﴾﴾ عن أن يكون له سبحانه شريكٌ، أو يتَّصفَ جل وعلا بنقصٍ، لا شيءَ(٣) أعلى منه - تعالى شأنُه - شأناً وأكبرَ سلطاناً . ووجهُ سببية الأول لِمَا ذُكر: أنَّ كونه تعالى وحده واجبَ الوجود في ذاته يستلزمُ أن يكون هو سبحانه وحده الموجِدَ لسائر المصنوعات البديعة الشأنِ، فيدلُّ على كمال قدرته عزَّ وجلَّ وحده، والإيجابُ قد أبطل في الأصول، ومَن صَدَرتْ عنه جميعُ هاتيك المصنوعات لا بدَّ من أن يكون كاملَ العلم على ما بيِّن في الكلام. (١) غرائب القرآن النيسابوري ٢١/ ٥٧ . (٢) القراءات الشاذة ص ١١٧، والبحر ١٩٣/٧. (٣) في (م): بشيء. سُوَدَّةٌ لِقْنَمَّانُ ٩٤ الآية : ٣٠ ووجهُ سببية الثالث لذلك أنَّ كونه تعالى وحده عليّاً على جميع الأشياء، متسلِّطاً عليها، متنزِّهاً عن أن يكون له سبحانه شريكٌ أو يتَّصفَ بنقصٍ عزَّ وجلَّ، يستلزمُ كونَه تعالى وحده واجبَ الوجود في ذاته، وقد سمعتَ الكلام فيه. وأمَّا وجهُ سببيةٍ كونِ ما يدعونه من دونه إلهاً باطلاً ممكناً في ذاته لذلك، فهو أنَّ إمكانه - على علوِّ شأنه عندهم على ما عَدَاه ممَّا لم يعتقدوا إلهيته - يستلزمُ إمكانَ غيره ممَّا سوى الله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّ ما فيه ممَّا يدلُّ على إمكانه موجودٌ في ذلك حَذْوَ القذَّةِ بالقذَّة؛ ومتى كان ما يدعونه إلهاً من دونه تعالى وغيرِه ممَّا سوى الله سبحانه وتعالى ممكناً، انحصر وجوبُ الوجود في الله تعالى، فيكون جلَّ وعلا وحده واجبَ الوجود في ذاته، وقد علمتَ إفادته للمطلوب، وكأنه إنما قيل: ((أنَّ ما يدعون من دونه الباطلُ)) دون: أنَّ ما سواه الباطلُ مثلاً، نظير قول لبيد: ألَا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ(١) تنصيصاً على فظاعةِ ما هم عليه، واستلزامُ ذلك إمكانَ ما سوى الله تعالى من الموجودات من باب أولى، بناءً على ما يزعمُ المشركون في آلهتهم من علوِّ الشأن. ولم يَكْتفِ في بيان السبب بقوله سبحانه: (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) بل عَطَفَ عليه ما عَطَفَ، - مع أنه ممَّا يعود إليه وتُشْعِرُ تلك الجملة به - إظهاراً لكمال العناية بالمطلوب، وبما يفيدُه منطوقُ المعطوف من بطلان الشريك، وكونِه تعالى هو العليّ الكبير. وقيل: أي: ذلك الاتصافُ بما تضمَّنته الآياتُ من عجائب القدرة والحكمة بسبب أنَّ الله تعالى هو الإله الثابتُ إلهيتُه، وأنَّ مَن دونه سبحانه باطلُ الإلهية، وأنَّ الله تعالى هو العليُّ الشأنِ الكبيرُ السلطان(٢). ومدارُ أمر السببية على كونه سبحانه هو الثابتَ الإلهيةِ، وبيَّن ذلك الطيبيُّ(٣) بأنه قد تقرَّر أنَّ مَن كان إلهاً كان قادراً خالقاً عالماً، إلى غير ذلك من صفات الكمال، ثم قال: إنَّ قوله تعالى: (١) ديوان لبيد ص٢٥٦، وسلف ١٤٩/٢ . (٢) الكشاف ٢٣٧/٣. (٣) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. الآية : ٣٠ ٩٥ سُورَةُ القَمَانٌ (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقّ) كالفذلكة لِمَا تقدَّم من قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوَا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ) إلى هذا المقام، وقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ) كالفذلكة لتلك الفواصل المذكورة هنالك كلِّها. ولعل ما قدَّمنا أولى بالاعتبار. وقال العلّامةُ أبو السعود في الاعتراض على ذلك: وأنت خبيرٌ بأنَّ حقِّيْتَه تعالى وعلوَّه وكبرياءه وإنْ كانت صالحةً لمناطيَّةِ ما ذكر من الصفات، لكنَّ بطلان إلهية الأصنام لا دَخْلَ له في المناطية قطعاً، فلا مساغ لنَظْمِه في سلك الأسباب، بل هو تعكيسٌ للأمر ضرورةً أنَّ الصفات المذكورة هي المقتضيةُ لبطلانها، لا أنَّ بطلانها يقتضيها(١). انتهى، وفيه تأمُّلٌ، والعَجَبُ منه أنه ذكر مثل ما اعترض عليه في نظير هذه الآية في سورة الحجِّ، ولم يتعقّبْه بشيءٍ(٢). وجوَّز أن يكون المعنى: ذلك - أي: ما تُلي من الآيات الكريمة - بسبب بيانٍ أنَّ الله هو الحقُّ إلهيتُه فقط ولأَجْلِه؛ لكونها ناطقةً بحقِّيةِ التوحيد، ولأَجْلِ بیانِ بطلان إلهية ما يدعون من دونه لكونها شاهدةً [بذلك] شهادةً بينةً لا ريب فيها، ولأَجْلٍ بيانِ أنه تعالى هو المرتفعُ على كلِّ شيءٍ المتسلِّطُ عليه، فإنَّ ما في تضاعيف تلك الآيات الكريمة مبيِّنٌ لاختصاص العلوِّ والكبرياء به أيَّ بيانٍ (٣). وهو وجهٌ لا تكلُّف فيه سوى اعتبارٍ حذف مضافٍ كما لا يخفى. وكأنه إنما قيل هنا: ((وأنَّ ما يدعون من دونه الباطل)) بدون ضمير الفصل، وفي سورة الحج: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ﴾ [الآية: ٦٢] بتوسيط ضمير الفصل؛ لِمَا أنَّ الحظّ على المشركين وآلهتهم في هذه السورة دون الحطّ عليهم في تلك السورة. وقال النيسابوريُّ في ذلك: إنَّ آية الحجِّ وقعت بين عَشْرِ آيَاتٍ، كلُّ آيةٍ مؤَّدةٌ مرةً أو مرتين، فناسَبَ ذلك توسيط الضمير بخلاف ما هنا . ويمكن أن يقال: تقدَّم في تلك السورة ذكرُ الشيطان مراتٍ، فلهذا ذُكرت تلك (١) تفسير أبي السعود ٧٦/٧-٧٧. (٢) تفسير أبي السعود ١١٧/٦. (٣) تفسير أبي السعود ٧٦/٧، وما سلف بين حاصرتين منه. سُورَةُ لِقْنَمَانٌ ٩٦ الآية : ٣١ المؤكِّدات، بخلافِ هذه السورة فإنه لم يتقدَّم ذكرُ الشيطان فيها نحوَ ذكره هناك(١). وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو بكر: ((تدعون)) بتاء الخطاب(٢). ﴿أَلَ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَّجْرِى فِ اَلْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اَللَّهِ﴾ استشهادٌ آخَرُ على باهرٍ قدرتِهِ جلَّ وعلا، وغايةٍ حكمته عزَّ وجلّ، وشمول إنعامه تبارك وتعالى، والمرادُ بنعمة الله تعالى إحسانُه سبحانه في تهيئة أسباب الجري من الريح وتسخيرها، فالباءُ للتعدية كما في: مررتُ بزيدٍ، أو سببيةٌ متعلّقة بـ ((تجري)). وجوِّز أن يراد بنعمته تعالى ما أَنْعَمَ جلَّ شأنُه به مما تحملُه الفلك من الطعام والمتاع ونحوِهِ، فالباءُ للملابسة والمصاحبة متعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من ضمير ((الفُلْك))، أي: تجري مصحوبةً بنعمته تعالى. وقرأ موسى بن الزبير: ((الفُلُك)) بضم اللام(٣)، ومثلُه معروفٌ في ((فُعْل)) مضموم الفاء؛ حُكي عن عيسى بن عمر (٤) أنه قال: ما سُمع فُعْل بضمِّ الفاء وسكونَ العين إلَّا وقد سمع فيه فُعُل بضمِّ العين. وفي ((الكشاف)): كلُّ ((فُعْل)) يجوز فيه ((فُعُل)، كما يجوزُ في كلِّ ((فُعُل)) ((فُعْل))(٥). وجُعِل ضمُّ العين للإتباع وإسكانُها للتخفيف . وقرأ الأعرج والأعمش وابن يعمر: ((بنِعْماتِ الله)) بكَسْرِ النون وسكونِ العين جمعاً بالألف والتاء(٦)، وهو جمعُ نِعْمة بكَسْرٍ فسكون، ويجوزُ كما قال غيرُ واحد في كلِّ جمعٍ مثلِه تسكينُ العين على الأصل، وكَسْرُها إتباعاً للفاء، وفتحُها تخفيفاً. (١) غرائب القرآن للنيسابوري ١٧/ ١١٥ (٢) التيسير ص١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. (٣) المحتسب ٢/ ١٧٠، والبحر ١٩٣/٧. ولم نقف على ترجمة موسى بن الزبير، ولكن الطيبي في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية نقل عن ابن جني أنه قال: هي قراءة ابن موسى بن الزبير، فلعله على هذا: أحمد بن موسى بن الزبير السلمي، وقد ذكره ابن حبان في الثقات ٨/ ٥ وقال: يروي عن الدراوردي وحاتم بن إسماعيل، عداده في أهل المدينة، قدیم الموت، روى عنه يعقوب بن محمد الزهري. (٤) كما في المحتسب ٢/ ١٧٠، وحاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٥) الكشاف ٢٣٧/٣ . (٦) القراءات الشاذة ص ١١٧، والمحتسب ١٧٠/٢، والبحر ١٩٣/٧. الآية : ٣٢ ٩٧ سُورَةُ لِقْغَمَّان وقرأ ابن أبي عبلة: ((بنَعِمات الله)) بفَتْح النون وكَسْرِ العين جمعاً لنَعْمةٍ بفتح النون (١)، وهي اسمٌ للتنعُم. وقيل: بمعنى النِّعْمةِ بالكسر. ﴿لِيُرِيَّكُ مِنْ ءَايَتٍِ﴾ أي: بعضَ دلائل ألوهيته تعالى، ووحدته سبحانه، وقدرته جلَّ شأنُه، وعِلْمِه عز وجل. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ®﴾ تعليلٌ لِمَا قبله، أي: إنَّ فيما ذُكر لآياتٍ عظيمةً في ذاتها كثيرةً في عددها لكلِّ مُبالغٍ في الصبر على بلائه سبحانه، ومبالغٍ في الشكر على نعمائه جلَّ شأنُه. و (صبار شكور)) كنايةٌ عن المؤمن، من باب: حيٍّ مستوي القامةِ عريضُ الأظفار؛ فإنه كنايةٌ عن الإنسان، لأنَّ هاتين الصفتين عُمْدتا الإيمان؛ لأنه وجميعَ ما يتوقَّفُ عليه إمَّا ترٌ للمألوف غالباً وهو بالصبر، أو فِعْلٌ لِمَا يُتقرَّبُ به وهو شكرٌ لعمومه فِعْلَ القلب والجوارح واللسان، ولذا ورد: الإيمانُ نصفان: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكر(٢). وذِكْرُ الوصفين بعد الفُلْكِ فيه أتمُّ مناسبةٍ؛ لأنَّ الراكب فيه لا يخلو عن الصبر والشكر. وقيل: المراد بالصبَّار: كثيرُ الصبر على التعب في كَسْبِ الأدلَّة من الأنفس والآفاق، وإلا فلا اختصاصَ للآيات بمن تَعِبَ مطلقاً . وكِلَا الوصفين بُنيا بناءَ مبالغةٍ، وفعَّال ـ على ما في ((البحر)) - أبلغُ من فَعُول لزيادة حُروفه(٣). قيل: وإنما اختير زيادةُ المبالغة في الصبر إيماءً إلى أنَّ قليلَه لشدَّة مرارته وزيادةٍ ثقله على النفس كثيرٌ. ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ﴾ أي: عَلَاهم وغطّاهم، من الغشاء بمعنى الغطاء من فوق، وهو المناسبُ هنا. وقيل: أي: أتاهم، من الغشيان بمعنى الإتيان. وضمير ((غشيهم)) إن أنَّحد بضمير المخاطبين قبله ففي الكلام التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، وإلَّ فلا التفات. (١) البحر ١٩٣/٧ . (٢) حديث ضعيف، وسلف ٣٧٢/١١. (٣) البحر ١٩٣/٧. سُورَةُ لقمان ٩٨ الآية : ٣٢ والموجُ ما يعلو من غوارب الماء، وهو اسمُ جنسٍ واحدُه موجة، وتنکیرُه للتعظيم والتكثير، ولذا أُفرد مع جَمْع المشبَّهِ به في قوله تعالى: ﴿كَلظلَلِ﴾ وهو جمعُ ظلَّةٍ، كغُرْفَةٍ وَغُرَف، وقُرْبة وقُرَب، والمرادُ بها ما أظلَّ من سحابٍ أو جبلٍ أو غيرهما . وقال الراغب: الظلَّة: السحابة تُظِلُّ، وأكثرُ ما يقال فيما يُسْتَوْخَمُ ويُكْرَه(١). وفسّر قتادةُ الظللَ هنا بالسحاب، وبعضُهم بالجبال. وقرأ محمد بن الحنفية مظ لته: ((كالظلال)(٢) وهو جمعُ ظلَّة أيضاً، كعُلْبةٍ وعِلَاب، وجُفْرةٍ وجِفَار(٣). و ((إذا)) ظرفٌ لقوله تعالى: ﴿وَعَوًا﴾ أي: دعوا ﴿ اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إذا غشيهم موجٌّ كالظلل، وإنما فعلوا ذلك حينئذٍ لزوال ما ينازعُ الفطرةَ من الهوى والتقليدِ بما دهاهم من الخوف الشديد. ﴿فَلَّا نَّنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ﴾ سالكُ القَصْدِ - أي: الطريقِ المستقيم - لا يعدلُ عنه لغيره، وأصلُه: استقامةُ الطريق، ثم أُطلق عليه مبالغةً، والمرادُ بَالطريق المستقيم التوحيدُ مجازاً، فكأنه قيل: فمنهم مقيمٌ على التوحيد، وقولُ الحسن: أي: مؤمنٌ يعرِفُ حقَّ الله تعالى في هذه النعمة، يرجعُ إلى هذا. وقيل: ((مقتصد)) من الاقتصاد بمعنى التوسُّطِ والاعتدال، والمرادُ حينئذٍ على ما قيل: متوسّطٌ في أقواله وأفعاله بَيْنَ الخوفِ والرجاء، مُؤْفٍ بما عاهَدَ عليه اللهَ تعالی في البحر، وتفسيره بموفيٍ بعهده مرويٌّ عن ابن عباس ويدخل في هذا البعضِ على هذا المعنى عكرمةُ بن أسٍ جهل، فقد روى السدِّيُّ عن مصعب بن سعدٍ عن أبيه قال: لمَّا كان فتحُ مكة أمر رسول الله وَ ﴿ الناسَ أن يكفُّوا عن قَتْلِ أهلها إلا أربعةَ نفرٍ منهم، قال: ((اقتلوهم وإنْ وجدتُموهم متعلِّقين بأستار الكعبة)) عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بنُ خَطَلَ، ومقيس بن ضُبابة (٤)، (١) مفردات الراغب (ظلل). (٢) القراءات الشاذة ص ١١٧، والبحر ٧/ ١٩٣ . (٣) الجُفْرة: جوف الصدر، وسعةٌ من الأرض مستديرةٌ، ومن الفرس: وسَطُه. القاموس (جفر). (٤) في الأصل و(م): وقيس بن ضبابة، والصواب في الأول ما أثبتناه، أما الثاني فقال الحافظ = الآية : ٣٢ ٩٩ سُورَة ◌ُ القُغَمَانٌ وعبد الله بن أبي سرح، فأما عكرمةُ فركب البحر فأصابتهم ريحٌ عاصفةٌ، فقال أهلُ السفينة: أَخْلِصوا فإنَّ آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا. فقال عكرمة: لئن لم ينجِّني في البحر إلا الإخلاصُ ما ينجِّني في البر غيرُه، اللهم إنَّ لك عليَّ عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أنْ آتَيَ محمداً وَّ حتى أضع يدي في يده، فلأجدنَّه عفوًّا كريماً. فجاء وأسلم(١). وقيل: متوسِّطُ في الكفر لانزجاره بما شاهد بعضَ الانزجار. وقيل: متوسطً في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، فإنَّ الإخلاص الحادث عند الخوف قلَّما يبقى لأحدٍ عند زوال الخوف. وأيّاً ما كان فالظاهرُ أنَّ المقابل لقِسْم المقتصد محذوفٌ دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْعَدُ بِحَايَئِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾. والآيةُ دليلُ ابن مالك ومَن وافقه على جوازٍ دخول الفاء في جواب («لمَّا)» (٢)، ومَن لم يجوِّز قال: الجوابُ محذوفٌ، أي: فلما نجَّاهم إلى البرِّ انقسموا قسمين فمنهم مقتصدٌ ومنهم جاحد. والخثَّارُ من الختر، وهو أشدُّ الغَدْر، ومنه قولهم: إنك لا تمدُّ لنا شبراً من غَدْرٍ إلا مَدَدْنا لك باعاً من خَتْرِ (٣). وبنحو ذلك فسَّره ابن عباس ◌ًَّا لابن الأزرق، وأنشد قولَ الشاعر : بأنْ لا تخافَ الدهرَ صَرْمي ولا خَتْري(٤) لقد علمتْ واستیقنتْ ذات نفسها ونحوه قولُ عمرو بن معدي کرب: = في الإصابة ٢٤٥/١٠: هو بضم المهملة وموحَّدتين عند أكثر أهل اللغة، وقال ابن دريد: بالضاد المعجمة. اهـ. وجاء في القاموس وشرحه: حُبابة، بالحاء. (١) أخرجه النسائي في المجتبى ١٠٥/٧- ١٠٦، وسلف ٩١/١١. (٢) مغني اللبيب ص ٣٧٠، وذكر ابن مالك جواز دخول الفاء في جواب ((لما)) في التسهيل ص٢٤١. (٣) في الأصل و(م): غدر، وهو خطأ، والمثبت من أساس البلاغة ((ختر)). (٤) أخرجه السيوطي في الإتقان ١/ ٤١٠ ضمن الخبر الطويل في سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس ـ سُورَةُ القُئِمَّان ١٠٠ الآية : ٣٣ مَلَأَتَ بديك من غَدْرٍ وخَتْرٍ (١) وإنَّك لو رأيتَ أبا عُميرٍ. وفي ((مفردات)) الراغب: الخترُ غدرٌ يَخْتِرُ فيه الإنسان، أي: يَضْعُفُ ويكسر لا جتهاده فیه(٢) . أي: وما يجحد بآياتنا ويكفُر بها إلا كلُّ غدَّارِ أشدَّ الغدر؛ لأنَّ كفره نقضُ للعهد الفطري. وقيل: لأنه نقضٌ لِمَا عاهد الله تعالى عليه في البحر من الإخلاص له عز وجل. ﴿كَفُورٍ ﴾ مبالغ في كفران نِعَمِ الله تعالى. و((ختَّار)) مقابلٌ لـ ((صبَّار)؛ لأنَّ مَن غَدَرَ لم يَصْبِرْ على العهد، و((كفور)) مقابل لـ ((شكور)». ﴿ يَّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَأَخْتَوْ بَّوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَن وَلَدِهِ﴾ أمرٌ بالتقوى على سبيل الموعظة والتذكير بيومٍ عظيم بعد ذِكْرٍ دلائل الوحدانية، و ((يجزي)) من جَزَی بمعنى قضى، ومنه قيل للمتقاضي: المتجازي، أي: لا يقضي والدٌ عن ولده شيئاً. وقرأ أبو السَّمَّال وعامر بنُ عبد الله وأبو السَّوَّار: ((لا يُجزِئُ)) بضم الياء وکَسْرِ الزاي مهموزاً (٣)، ومعناه: لا يغني والدٌ عن ولده ولا يُفيدُه شيئاً، من أَجْزَأْتُ عنك مجزاً فلانٍ، أي: أَغْنَيْتُ. وقرأ عكرمة: ((لا يُجْزَى)) بضمِّ الياء وفَتْحِ الزاي مبنيًّا للمفعول (٤). والجملةُ على القراءات صفةٌ ((يوماً)) والراجعُ إلى الموصوف محذوفٌ، أي: فيه، فإمَّا أن يحذف برمّته، وإمَّا على التدريج بأنْ يُحذَفَ حرفُ الجرِّ فيعُدَّى الفعلُ إلى الضمير، ثم يحذف منصوباً . وقوله تعالى: ﴿وَلَا مَوْلُودُ﴾، إمّا عطفٌ على ((والدٍ)) فهو فاعلُ ((يجزي))، وقولُه تعالى: ﴿هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ في موضع الصفة له، والمنفيُّ عنه هو الجزاءُ في (١) مجاز القرآن ١٢٩/٢، وتفسير الطبري ٥٨٠/١٨، والكشاف ٢٣٨/٣، وتفسير القرطبي ١٦ / ٤٩٤. (٢) مفردات الراغب (ختر). (٣) القراءات الشاذة ص ١١٧، والبحر ١٩٤/٧. (٤) البحر ٧ /١٩٤.