Indexed OCR Text

Pages 461-480

الآية : ٣٨
٤٦١
سُورَةُ الرُّومِ
على مَن فرح بالنعمة عن شكر المنعم، ويئس عند زوالها عنه، والظاهرُ على ما ذكره
الإمام أنَّ المراد بالحقِّ الحقُّ الماليُّ، وكذا المرادُ به في جانب المسكين وابنٍ
السبيل.
وحمل ذلك بعضُهم على الزكاة المفروضة. وتعقِّب بأنَّ السورة مكيةٌ والزكاةُ
إنما فُرِضَتْ بالمدينة، واستثناءُ هذه الآية ودعوى أنها مدنيَّةٌ يحتاج إلى نقلٍ صحيحٍ،
وسَبْقُ النزول على الحُكْم بعيدٌ، ولذا لم يذكر هنا بقية الأصناف.
وحُكي أنَّ أبا حنيفة استدلَّ بالآية على وجوب النفقة لكلِّ ذي رحمٍ محرمٍ ذكراً
كان أو أنثى، إذا كان فقيراً أو عاجزاً عن الكسب. ووجَّه بأنَّ ((آتِ)) أمرٌ للوجوب،
والظاهرُ من الحقِّ بقرينةٍ ما قبله أنه ماليٍّ، ولو كان المراد الزكاةَ لم يقدَّم حقُّ ذوي
القربى؛ إذ الظاهرُ من تقديمه المغايرةُ.
والشافعيةُ أنكروا وجوبَ النفقة على مَن ذُكر، وقالوا: لا نفقةً بالقرابة إلَّا على
الولد والوالدين على ما بيِّن في الفقه، والمرادُ بالحقِّ المصرَّحِ به في ذي القربى
صلةُ الرحم بأنواعها، وبالحقِّ المعتبر في جانب المسكين وابن السبيل صدقةٌ كانت
مفروضةً قبل فرض الزكاة، أو الزكاةُ المفروضة، والآيةُ مدنيةٌ، أو مكيةٌ والنزولُ
سابقٌ على الحكم.
واعتُرِضَ على هذا بأنه إذا فسِّر حُّ الأخيرين بالزكاة وَجَبَ تفسيرُ الأول بالنفقة
الواجبة؛ لئلا يكون لفظُ الأمر للوجوب والندب، ولذا استدلَّ أبو حنيفة عليه
الرحمةُ بالآية على ما تقدَّم، وفيه بحثٌ.
وقال بعض أجلَّة الشافعية رادًّا على الاستدلال: إنه كيف يتمُّ مع احتمال أن
يكون الأمر بإيتاء الصدقة أيضاً بدليل ما تلاه؟ ثم إنَّ ((ذا القربى)) مجملٌ عند
المستدلِّ، ومِن أين له أنه بيِّن بذي الرَّحِم المحرم؟ وكذلك قوله تعالى: ((حقَّ))، ثم
قال: والحقُّ أنه أمرٌ بتوفير حقِّه من الصلة لا خصوصِ النفقة، وصلةُ الرحم من
الواجبات المؤكَّدة. انتهى، والحقُّ أحقُّ بالاتِّبَاعِ، ودليلُ الإمام عليه الرحمةُ لیس
هذا وحده كما لا يخفى على علماء مذهبه.
وخصَّ بعضٌ الخطابَ بِهِوَلَّ، وقال: المرادُ بذي القربى بنو هاشم وبنو
المطلب، أُمِرَ بَّهِ أن يؤتيهم حقَّهم من الغنيمة والفيء.

سُوَدَةُ الروضِ
٤٦٢
الآية : ٣٨
وفي ((مجمع البيان)) للطبرسيِّ من الشيعة: المعنى: وآتِ يا محمد ذوي قرابتك
حقوقَهم التي جعلها الله تعالى لهم من الأخماس، ورَوَى أبو سعيد الخدريُّ وغيرُه
أنه لمَّا نزلت هذه الآيةُ أعطى عليه الصلاة والسلام فاطمةَ ◌ِؤُهَا فَدَكاً وسلَّمه إليها،
وهو المرويُّ عن أبي جعفر وأبي عبد الله(١). انتهى.
وفيه أنَّ هذا ينافي ما اشتهر عند الطائفتين من أنها ﴿ّها ادَّعت فَدَكاً بطريق
الإرث. وزعم بعضهم أنها ادَّعت الهبةَ أولاً (٢)، وأتت على ذلك بعليٍّ والحسنِ
والحسين ضِّه، وبأمِّ أيمن ◌ّا، فلم يُقبل منها لمكان الزوجية والبنوَّة، وعدم كفاية
المرأة الواحدة في الشهادة في هذا الباب، فادَّعت الإرثَ، فكان ما كان(٣)، وهذا
البحثُ مذكورٌ على أتمٍّ وجه في ((التحفة))(٤) إنْ أَرَدْتَه فارْجِع إليه.
وخصَّ بعضهم ابن السبيل بالضيف، وحقّه بالإحسان إليه إلى أن يرتحل،
والمشهورُ أنه المنقطِعُ عن ماله، وبين المعنيين عمومٌ من وجهٍ. وقدِّم ذو القربى
اعتناءً بشأنه، وهو السرُّ في تقديم المفعول الثاني على العطف، والعدولِ عن: وآتٍ
ذا القُربى والمسكينَ وابنَ السبيل حقَّهم.
وعبَّر عن القريب بذي القربى في جميع المواضع ولم يعبِّر عن المسكين بذي
المَسْكَنة؛ لأنَّ القرابة ثابتةٌ لا تتجدَّد، وذو كذا، لا يقال في الأغلب إلا في
الثابت، ألا ترى أنهم يقولون لمن تكرَّر منه الرأي الصائب: فلانٌ ذو رأي، ويكاد
لا تسمعُهم يقولون لمن أصاب مرةً في رأيه كذلك، وكذا نظائرُ ذلك من قولهم:
فلانٌ ذو جاهٍ، وفلانٌ ذو إقدام. والمسكنةُ لكونها مما تطرأُ وتزولُ لم يقل في
المسكين: ذو مَسْكَنةٍ، كذا قال الإمام(٥).
(١) مجمع البيان ٣١/٢١، وحديث أبي سعيد أخرجه أبو يعلى (١٠٧٥). قال الهيثمي في
مجمع الزوائد ٤٩/٧: فيه عطية العوفي، وهو متروك.
(٢) قوله: أولاً، ساقط من (م).
(٣) ينظر ما سلف ٣٤٥/٥ وما بعدها.
(٤) هو التحفة الاثنا عشرية، لعبد العزيز بن شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي
الهندي، المتوفى سنة (١٢٣٩ هـ)، ونقله إلى العربية الشيخ الحافظ غلام محمد بن محيي
الدين بن عمر الأسلمي. ينظر هدية العارفين ٥٨٥/١ .
(٥) في تفسيره ١٢٥/٢٥ .

الآية : ٣٩
٤٦٣
سُورَةُ الْتُوفِ
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الإيتاءُ المفهومُ من الأمر ﴿خَيْرٌ﴾ في نفسه، أو خير من غيره
﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَبَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: ذاتَه سبحانه، أي: يقصدونه عزَّ وجل بمعروفهم
خالصاً، أو جهتَه تعالى، أي: يقصدون جهة التقرُّب إليه سبحانه لا جهةً أخرى،
والمعنيان كما في ((الكشاف))(١) متقاربان، ولكنَّ الطريقةَ مختلفة(٢) .
﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ المتَّصفون بالإيتاء ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ حيث حصّلوا بإنفاقٍ ما يَفْنَى
النعيمَ المقيمَ، والحصرُ إضافيٍّ على ما قيل، أي: أولئك هم المفلحون لا الذين
بخلوا بمالهم ولم ينفقوا منه شيئاً .
وقيل: هو حقيقيٍّ على أنَّ المتَّصفينَ بالإيتاء المذكورِ هم الذين آمنوا وأقاموا
الصلاة، وأنابوا إليه تعالى، واتَّقَوْه عزَّ وجل، فلا منافاة بين هذا الحصرِ والحصرِ
المذكور في أول سورة البقرة، فتأمَّل.
وَوَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا﴾ الظاهر أنه أريدَ به الزيادةُ المعروفة في المعاملة التي
حرَّمها الشارع، وإليه ذهب الجبّائيُّ، وروي ذلك عن الحسن، ویشهد له ما روي
عن السدِّيِّ من أنَّ الآية نزلت في ربا ثقيف؛ كانوا يُرْبُون وكذا كانت قريش.
وعن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب القرظيِّ
وطاوس وغيرهم أنه أريد به العطيةُ التي يتوقَّع بها مزيدُ مكافأة. وعليه فتسميتُها رباً
مجازٌ لأنها سببٌ للزيادة. وقيل: لأنها فضلٌ لا يجب على المعطَى.
وعن النخعيِّ أنَّ الآية نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانَهم على معنى
نَفْعِهم وتمويلهم والتفضيل(٣) عليهم، وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع لهم(٤).
وهي روايةٌ عن ابن عباس، فالمرادُ بالربا العطيةُ التي تُعطَى للأقارب للزيادة في
أموالهم، ووجهُ تسميتها بما ذُكر معلومٌ مما ذكرنا. وأيًّا ما كان فـ ((مِن)) بيانٌ لـ ((ما))
لا للتعليل.
(١) في (م): الكشف.
(٢) الكشاف ٢٢٣/٣.
(٣) كذا في الأصل و(م)، وفي البحر ١٧٤/٧ (والكلام منه): والتفضل.
(٤) جاءت العبارة في البحر: وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع به، فذلك النفع لهم.

فَ الُوْمِنْ
٤٦٤
الآية : ٣٩
وقرأ ابن كثير: (أَتيْتُم)) بالقصر(١). ومعناه على قراءة الجمهور: أَعْطَيتُم، وعلى
هذه القراءة: جئتم، أي: ما جئتم به من عطاء رباً ﴿لِيرَّبُواْ فِّ أَمَوَّلِ النَّاسِ﴾ أي:
ليزيد ذلك الربا ويزكو في أموال الناس الذين آتيتُموهم إياه. وقال ابن الشيخ:
المعنى على تفسير الربا بالعطية: ليزيد ذلك الربا في جَذْبٍ أموال الناس وجَلْبِها.
وفي معناه ما قيل: ليزيد ذلك بسبب أموال الناس وحصولِ شيء منها لكم بواسطة
العطية .
وعن ابن عباسٍ والحسن وقتادةً وأبي رجاء والشعبيِّ ونافع ويعقوب وأبي حيوة:
(لتُرْبُوا)) بالتاء الفوقية مضمومةً وإسنادِ الفعل إليهم(٢)، وهو بابُ الأفعال المتعدِّية
لواحدٍ بهمزةٍ التعدية، والمفعولُ محذوفٌ، أي: لِتُرْبُوه وتَزِيدُوه في أموال الناس،
أو هو من قبيل:
يَجْرَحْ في عراقيبها نَصْلي(٣)
أي: لتُربوا وتَزيدوا أموالَ الناس. ويجوز أن يكون ذلك للصيرورة، أي:
لتَصِيروا ذوي رباً في أموال الناس.
وقرأ أبو مالك: (لتُرْبوها)) بضمير المؤنَّثِ(٤)، وكأنَّ الضمير للربا على تأويله
بالعطية أو نحوِها .
﴿فَلاَ يَرُواْ عِندَ اللهِ﴾ أي: فلا یبارَكُ فيه في تقديره تعالی وحُكْمِه عز وجل.
﴿وَمَآ ءَنْيْتُم مِّنِ زَّكَوْمْ﴾ أي: من صدقةٍ ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللَّهِ﴾ تبتغون به وجهَه
تعالى خالصاً ﴿فَأْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ أي: ذوو الإضعاف، على أنَّ مُضْعِفاً
اسمُ فاعلٍ من أَضْعَفَ، أي: صار ذا ضِعْفٍ بكَسْرٍ فسكون، بأنْ يضاعفَ له ثوابُ
ما أعطاه، كأَقْوَى وأَيْسَرَ إذا صار ذا قوَّةٍ ويسارٍ، فهو لصيرورة الفاعل ذا أصله.
(١) التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢.
(٢) التيسير ص ١٧٥، والنشر ٢/ ٣٤٤ عن نافع وأبي جعفر ويعقوب، والكلام من البحر ٧/ ١٧٤ .
(٣) قطعة من بيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٥٦/١، وسلف ٢٣/١٠، وتمامه:
٠٠
وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها على الضيف يَجْرخ.
(٤) البحر ٧ / ١٧٤ .

الآية : ٣٩
٤٦٥
سُؤَةُ الُوجِز
ويجوز أن يكون من أَضْعفَ والهمزةُ للتعدية والمفعولُ محذوفٌ، أي: الذين
ضَعَّفوا ثوابَهم وأموالهم ببركة الزكاة. ويؤيِّد هذا الوجهَ قراءةُ أبيٍّ: ((المضعَفون))
اسم مفعول(١).
وكان الظاهرُ أن يقال: فهو يربو عند الله؛ لأنه الذي تقتضيه المقابلةُ، إلا أنه
غيّر في العبارة إذ أثبت غيرَ ما قبله، وفي النَّظْم إذ أتى فيما قبلُ بجملةٍ فعليةٍ وهنا
بجملةٍ اسميةٍ مصدَّرةٍ باسم الإشارة مع ضمير الفَصْلِ لقَصْدِ المبالغة، فأثبت لهم
المضاعفةَ التي هي أبلغُ من مطلق الزيادة على طريق التأكيد بالاسمية والضمير،
وحَصَر ذلك فيهم بالاستحقاق، مع ما في الإشارة من التعظيم لدلالته على علوِّ
المرتبة، وترك ما آتوا وذكر المؤتي، إلى غير ذلك.
والالتفاتُ عن الخطاب حيث قيل: ((فأولئك)) - دون: فأنتم - للتعظيم، كأنه
سبحانه خاطب بذلك الملائكة عليهم السلام وخواصَّ الخلق تعريفاً لحالهم.
ويجوزُ أن يكون التعبيرُ بما ذكر للتعميم، بأنْ يُقْصَدَ بأولئك هؤلاء وغيرُهم.
والراجعُ في الكلام إلى ((ما)) محذوفٌ إنْ جُعِلَتْ موصولةً، وكذلك إن جُعلت
شرطيةً على الأصح؛ لأنه خبرٌ على كلِّ حال، أي: فأولئك هم المضعِفون به، أو:
فمؤتُوهُ(٢) - على صيغة اسم الفاعل - أولئك هم المضعفون، والحذفُ لِمَا في
الكلام من الدليل عليه. وعلى تقدير مؤتوه العامّ لا يكون هناك التفاتٌ بالمعنى
المتعارف، واعتبارُ الالتفات أولى، وفي ((الكشاف)) أنَّ الكلام عليه أَمْلأُ
بالفائدة(٣).
وبيِّن ذلك بأنَّ الكلام مسوقٌ لمدح المؤتِينَ حثًّا في الفعل، وهو على تقدير
الالتفات من وجوه:
أحدهما: الإشارةُ بأولئك تعظيماً لهم.
(١) البحر ١٧٤/٧، وذكرها الزمخشري في الكشاف ٢٢٣/٣ دون نسبة.
(٢) في (م): فمؤتوا، والمثبت من الأصل وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ١٢٤،
والكلام منهما .
(٣) الكشاف ٢٢٤/٣، وقوله: عليه، أي: على الوجه الأول، أي: على تقدير: فأولئك هم
المضعفون به.

سُؤَدَّةُ الُوفِْ
٤٦٦
الآية : ٣٩
والثاني : تقريعُ الملائكة عليهم السلام بمدحهم.
والثالث: ما في نفس الالتفات من الحسن.
والرابع: ما في ((أولئك)) على هذا من الفائدة المقرَّرة في نحو:
فذلك إن يَهْلِكْ فِحُسْنَى(١) ثناؤه(٢)
بخلافه إذا جُعِلَ وصفاً للمؤتين، وعلى ذلك التقدير يفيدُ تعظيمَ الفعل
لا الفاعلِ، وإنْ لَزِمَ بالعرض فلا يُعارِضُ ما يفيده بالأصالة، فتأمل.
والآية على المعنى الأول للربا في معنى قوله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اَللَّهُ الْرَّوْ وَيُرْبى
الضَدَفَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] سواءٌ بسواءٍ، والذي يقتضيه كلام كثيرِ أنها تُشْعِرُ بالنهي عن
الربا بذلك المعنى، لكنْ أنت تعلم أنها لو أَشعرتْ بذلك لأشْعَرتْ بحرمة الربا
بمعنى العطية التي يتوقَّع بها مزيدُ مكافأة على تقدير تفسير الربا بها، مع أنهم
صرَّحوا بعدم حُرْمةِ ذلك على غيره وَِّ وحُرْمِتها عليه عليه الصلاة والسلام؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] وكذا صرَّحوا بأنَّ ما يأخذه المعطي لتلك
العطيةٍ من الزيادة على ما أعطاه ليس بحرام، ودافعُه ليس بآئم لكنه لا يثاب على
دفع الزيادة؛ لأنها ليست صلةً مبتدأةً بل بمقابلةِ ما أُعطي أولاً ولا ثوابَ فيما يُدفع
عِوَضاً، وكذا لا ثوابَ في إعطاء تلك العطية أولاً لأنها شبكةُ صيدٍ، ومعنى قولٍ
بعض التابعين: الجانبُ المستغزِرُ يثابُ من هبته(٣)، أنَّ الرجل الغريب إذا أهدى
(١) في (م): فحسبي، وهو تصحيف.
(٢) وعجزه: وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمَّما، وهو من قصيدة لحاتم الطائي كما في الانتصاف
مع الكشاف ١٤١/١- ١٤٢، والإيضاح في علوم البلاغة ٤١/١، والخزانة ١٢٧/٣،
والقصيدة في ديوانه ص٧٩ دون ذكر هذا البيت.
قال الزمخشري في الكشاف ١٤١/١ عند تفسير قوله تعالى: ﴿أُوْلَتِكَ عَ هُدِّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ :
وفي اسم الإشارة الذي هو (أولئك)) إيذانٌ بأن ما يَرِدُ عقيبه فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه
من أجل الخصال التي عدِّدت لهم، كما قال حاتم: ولله صعلوك، ثم عدَّد له خصالاً
فاضلة، ثم عقّب تعديدها بقوله: فذلك إن يهلك ...
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٦٥٢٣) عن شريح القاضي. والمستغزر: الذي يطلب أكثر مما يعطي.
والجانب: الغريب، يقال: جَنَبَ فلان في بني فلان يَجْنُبُ جنابةً فهو جانب: إذا نزل فيهم
غريباً. النهاية (جنب) و(غزر).

الآية : ٤٠
٤٦٧
سُؤَدَّةُ الُوضِ
إليك شيئاً لتكافئه وتَزِيدَه شيئاً فَأَثِيْه من هديته وزِدْه.
﴿اَللَّهُ الَّذِ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيَكُمْ هَلْ مِن شُرَّبِكُمْ مَّن
يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٌ﴾ الظاهرُ أنَّ الاسم الجليل مبتدأ و ((الذي)) خبرُه،
والاستفهامُ إنكاريٌّ، و((من شركائهم)) خبرٌ مقدَّمٌ، و((مَن)) مبتدأ مؤخّر، و((مِن)) فيه
للتبعيض، و((مِن ذلكم)) صفةُ ((شيء)» قدِّمت عليه فأعربت حالاً، و((مِن)) فيه
للتبعيض أيضاً، و((شيءٍ) مفعولُ ((يفعل))، و((من)) الداخلةُ عليه مزيدةٌ لتأكيد
الاستغراق.
وجوَّز الزمخشريُّ أن يكون الاسم الجليل مبتدأ، و((الذي)) صفتُه، والخبر ((هل
من شركائكم)) إلخ، والرابطُ اسم الإشارة المشارُ به إلى أفعاله تعالى السابقة، فـ((من
ذلكم)) بمعنى: من أفعاله(١). ووقعت الجملة المذكورة خبراً لأنها خبرٌ منفيٍّ معنّى
وإن كانت استفهاميةً ظاهراً، فكأنه قيل: الله الخالقُ الرازقُ المميتُ المُحيي
لا يشاركه شيءٌ ممَّن لا يفعل أفعاله هذه.
وبعضُهم جَعَلَها خبراً بتقدير القول، فكأنه قيل: اللهُ الموصوفُ بكونه خالقاً
ورازقاً ومميتاً ومحيياً مقولٌ في حقِّه: هل من شركائكم مَن هو موصوفٌ بما هو
موصوفٌ به؟!
وتعقّب ذلك أبو حيان بأنَّ اسم الإشارة لا يكون رابطاً إلَّا إذا أشير به إلى
المبتدأ، وهو هنا ليس إشارةً إليه، لكنه شبيهٌ بما أجازه الفراء من الربط بالمعنى
وخالفه الناس، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾
[البقرة: ٢٣٤] فإنَّ التقدير: يتربَّصن(٢) أزواجهم، فقدَّر الضمير(٣) بمضافٍ إلى
ضمير ((الذين)) فحَصَلَ به الربطُ، وكذلك قدَّر الزمخشريُّ((من ذلكم)) بمن أفعاله،
(١) الكشاف ٢٢٤/٣.
(٢) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر، وفي الدر المصون ٩/ ٤٨ نقلاً عن أبي حيان: يتربصُ،
وهو الصواب، ومثله في إعراب القرآن للنحاس ٣١٧/١، ومغني اللبيب ص٦٥٢، ونسب
النحاس وابن هشام هذا القول للكسائي، ولم نقف عليه في معاني القرآن للفراء.
(٣) كذا في الأصل و(م) ومطبوع البحر، وفي الدر المصون ٤٨/٩، وحاشية الشهاب ١٢٥/٧،
نقلاً عن البحر: فقدّر الربط.

سُوُدَّةُ الُوضِ
٤٦٨
الآية : ٤١
المضاف إلى ضمير المبتدأ(١). لكنْ لا يخفى أنَّ الإضافة غيرُ معتبرةٍ، وعلى تقدير
اعتبارها يلزمُ تقدير مضافٍ آخَرَ.
وجوِّز أن تكون ((مِن)) الأولى لبيانِ ((مَن يَفْعَلُ))، ومتعلَّقُها محذوفٌ، و((مَن
يفعلُ)) فاعلٌ لفعلٍ محذوف، أي: هل حَصَلَ واستقرَّ مَن يفعلُ كائناً من شركائكم.
وكذا جوِّز في ((مِن)) الثانية أن تكون لبيان المستغرق.
وقيل: إنَّ (من)) الأولى و((من)) الثانيةَ زائدتان كالثالثة، وهو كما ترى.
والآية على ما قلناه أولاً متضمِّنةٌ جملتين دلَّت الأولى على إثبات ما هو من
اللوازم المُساوية للألوهية - من الخلق والرزق والإماتة والإحياء - له عز وجل،
وأفادت الثانية بواسطة عكس السالبة الكلِّية نَفْيَها رأساً عن شركائهم الذين اتخذوهم
شركاء له سبحانه من الأصنام وغيرها مؤكّداً بالإنكار، والعقلُ حاكمٌ بأن ما يُتَّخَذُ
شريكاً كالذي اتخذ في الحكم المذكور، أعني نفيَ تأتِّي تلك الأفعالِ منه، وإن
شئتَ جَعَلْتَ («شركائكم)) شاملاً للصنفين، ويُفهَمُ من ذلك عدمُ صحة الشركة؛ إذ
لا يُعْقَلُ شركةُ ما ليس بإلهِ لعَدَمِ وجودٍ لازمِ الألوهيةِ فيه لمن هو إلهٌ في الألوهية،
ولتأكيدِ ذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾ أي: عن
شِرْكِهم، والتعبيرُ بالمضارع لِمَا في الشِّرك من الغرابة، أو للإشعار باستمراره
وتجدُّدِه منهم. وأشار بعضهم إلى أنَّ تينك الجملتين يؤخذُ منهما مقدِّمتان: موجبةٌ،
وسالبةٌ كلِّيةٌ، مرتّبتان على هيئةٍ قياس من الشكل الثاني، وأنَّ قوله تعالى:
(سُبْحَانَهُ) إلخ يؤخَذُ منه سالبةٌ كلِّيةٌ هي نتيجةُ ذلك القياس، فتكون الجملتان
المذكورتان في حكم قياسٍ من الشكل الثاني، وقوله تعالى: (سُبْحَانَهُ) إلخ في
حكم النتيجة له، ولا يخفى احتياجُ ذلك إلى تكلَّفٍ فتأمَّل جدًّا.
وقرأ الأعمش وابن وثاب: ((تشركون)) بتاء الخطاب(٢).
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ كالجَدْبِ والمُؤْتان(٣)، وكثرةِ الحَرْقِ والغَرَقِ،
(١) البحر ٧ / ١٧٥.
(٢) البحر ١٧٦/٧ .
(٣) بضم الميم وسكون الواو: كثرة الموت. حاشية الشهاب ١٢٥/٧ .

الآية : ٤١
٤٦٩
سُؤَدَةُ الُوفِ
وإخفاق الصيادين والغاصَة(١)، ومَحْقِ البركات من كلِّ شيء، وقلَّةِ المنافع في
الجملة، وكثرة المضارِّ.
وعن ابن عباس: أجْدَبتِ الأرضُ وانقطعت مادةُ البحر، وقالوا: إذا انقطع
القطرُ عَمِيتْ دوابُّ البحر.
وقال مجاهد: ظهر الفساد في البرِّ بقتل ابنِ آدمَ أخاه، وفي البحر بأَخْذِ السفن
غصباً. وفي روايةٍ عن ابن عباس: بأَخْذِ جُلَنْدَى(٢) كلَّ سفينةٍ غصباً. ولعل المراد
التمثيلُ، وكذا يقال في قَتْلِ ابن آدمَ أخاه، وكان أولَ معصيةٍ ظهرت في البر؛ قال
الضحاك: كانت الأرض خضرةً مُونِقَةً لا يأتي ابنُ آدم شجرةً إلا وجد عليها ثمرةً،
وكان ماء البحر عذباً، وكان لا يفترسُ الأسد البقرَ، ولا الذِّئبُ الغنمَ، فلمَّا قَتَلَ
قابيلُ هابيلَ اقشعرَّ ما في الأرض، وشاكت الأشجارُ، وصار ماءُ البحر ملحاً
زعافاً، وقَصَدَ الحيوانُ بعضه بعضاً. وذُكر أنَّ أول معصيةٍ في البحر غَصْبُ جُلَنْدَى
كلَّ سفينةٍ تمرُّ عليه، فكأنَّ تخصيص الأمرين بالذكر لذلك. وأيًّا ما كان فالبرُّ
والبحرُ على ظاهرهما.
وعن مجاهدٍ: البرُّ: البلاد البعيدة من البحر، والبحرُ: السواحلُ والمدنُ التي
عند البحر والأنهار.
وقال قتادة: البرُّ الفيافي ومواضعُ القبائل وأهلُ الصحارى والعمودُ،
والبحرُ: المدن. والعربُ تسمِّي الأمصارَ بحاراً لسعتها، ومنها قولُ سعد بن
عبادة في عبد الله بن أبيّ بن سلول: ولقد أجمع أهل هذه البحيرة - يعني
المدينةَ - ليتوِّجُوه(٣).
(١) بتخفيف الصاد كسادة: جمع أو اسم جمع لغائص، وهو من ينزل لقعر البحر لإخراج اللؤلؤ
ونحوه؛ فإنه إذا لم يقع المطر لم يتكون اللؤلؤ في الصدف؛ لأنه قيل: إنه يحصل من
قطرات المطر التي يتلقاها الصدف في نيسان. حاشية الشهاب ٧/ ١٢٥ .
(٢) بضم الجيم وفتح اللام وسكون النون وفتح الدال ثم ألف مقصورة، وقيل فيه وفي اسمه غير
ذلك. حاشية الشهاب ٦ / ١٢٧ .
(٣) أخرجه أحمد (٢١٧٦٧)، والبخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨).

سُورَةُ الرُّومِنْ
٤٧٠
الآية : ٤١
وقال أبو حيان: ويؤيد هذا قراءةُ عكرمة: ((والبحور)) بالجمع، ورُويتْ عن ابن
(١)
(١) .
عباس
وجوَّز النحاسُ أن يكون ((البحر)) على ظاهره إلَّا أنَّ الكلام على حذف مضافٍ،
أي: مدن البحر، فهو مثل ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وجوَّز أيضاً أن يراد
بالفساد المعاصي من قَطْعِ الطريق والظلم وغيرهما(٢).
و ((أل)) في (البر والبحر)) للجنس، وكذا في ((الفساد)) أي: ظهر جنسُ الفساد من
الجدب والمؤتان ونحوِهما في جنس البرِّ وجنس البحر ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾
أي: بسبب ما فَعَله الناسُ من المعاصي والذنوب وشؤمه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَاً
أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وهو على التفسير الأول
للفساد ظاهرٌ، وأمَّا على تفسيره بالمعاصي فالمعنى: ظهرت المعاصي في البرِّ
والبحر بكَسْبٍ الناس إياها وفِعْلِهم لها .
ومعنى قوله تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِ عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾﴾ على الأول
ظاهرٌ، وهو أنَّ الله تعالى قد أفسد أسباب دنياهم ومَحَقَها [ليذيقهم] (٣) وبالَ بعض
أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، لعلهم يرجعون عمَّا هم
عليه، وأمَّا على الثاني فاللامُ مجازٌ على معنى أنَّ ظهور المعاصي بسببهم
مما استَوْجَبوا به أن يذيقهم الله تعالى وبالَ أعمالهم إرادةَ الرجوع، فكأنهم
إنما أفسدوا (٤) وتسيَّبوا لفشوِّ المعاصي في الأرض لأجل ذلك.
وقرأ السلميُّ والأعرج وأبو حيوة وسلام وسهل وروح وابن حسان، وقنبل من
طريق ابن مجاهد وابن الصباح وأبي الفضل والواسطيِّ عنه، ومحبوبٌ عن
أبي عمرو: ((لنذيقهم)) بالنون(٥).
(١) البحر ١٧٦/٧، والقراءة عن ابن عباس في القراءات الشاذة ص١١٦.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٧٥/٣.
(٣) ما بين حاصرتين من الكشاف ٢٢٤/٣، والكلام منه.
(٤) في (م): فسدوا، والمثبت من الأصل والكشاف.
(٥) التيسير ص ١٧٥ عن قنبل، والنشر ٢/ ٣٤٥ عن قنبل وروح، وذكرها عنهم جميعاً أبو حيان
في البحر ٧/ ١٧٦، وعنه نقل المصنف.

الآية : ٤١
٤٧١
سُؤَدَّةُ الْرُوفِ
وظهورُ الفساد المذكورِ على ما أخرج ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عن قتادة كان
قبل أن يُبعث النبيُّ وَطِّ، فلمَّا بُعِثَ عليه الصلاة والسلام رَجَعَ مَن رَجَعَ مِن الناس
عن الضلال والظلم(١) .
وقيل: كان أوائلَ البعثة، وذلك أنَّ كفار قريشٍ فعلوا ما فعلوا من المعاصي
والإصرار على الشرك وإيذاءِ الرسولِوَ ﴿، فدعا وَّهِ عليهم فأقحطوا وحلَّ بهم من
البلاء ما حلَّ، فأخبر الله سبحانه أنَّ ذلك بسبب معاصيهم ليذيقهم بعض الذي
عملوا لعلهم يرجعون (٢). وفسَّر هذا القائل: ((الناس)) بكفار قريش.
وقيل: كان في زمانٍ سابقٍ على زمان النزول أعمّ من أن يكون الزمانَ الذي
قبيل البعثة أو بعيدها أو غيرَ ذلك.
وحُكُمُ الآية عامٌّ في كلِّ فسادٍ يظهر إلى يوم القيامة، ومن هنا قيل: مَن أذنب
ذنباً يكونُ جميعُ الخلائق من الإنس والدوابِّ والوحوشِ والطيور والذرِ خُصَماءَه
يومَ القيامة؛ لأنه تعالى يمنع المطر بشؤم المعصية فيتضرَّر بذلك أهلُ البرِّ والبحر
جميعاً .
وروي عن شقيقٍ الزاهدِ أنه قال: مَن أكل الحرام فقد خان جميع الناس.
ووجهُ تعلُّق الآية بما قبلها أنَّ فيها نعيَ ما يعمُّ الشرك وغيرَه من المعاصي،
وفيما قبلُ نعيُ الشرك، وفيها من تخويف المشركين ما فيها .
وقال الإمام في وجه التعلّق: هو أنَّ الشرك سببُ الفساد، كما قال تعالى: ﴿لَوْ
كَانَ فِهِمَا ءَاِهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وإذا كان الشركُ سَبَبَه جَعَلَ الله تعالى
إظهارهم الشركَ مُؤْرِثاً لظهور الفساد، ولو فعل بهم ما يقتضيه قولُهم لفَسَدتِ
السماوات والأرضُ كما قال سبحانه: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ
(١) تفسير الطبري ١٨/ ٥١٠-٥١١، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٥/ ١٥٧، وأخرجه
أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٢/ ١٠٤ .
(٢) لم نقف عليه بهذا السياق، وينظر في دعاء النبي ◌َّر على المشركين بسبب عنادهم وإيذائهم
له ما سلف ١٨/ ١٢٢-١٢٤.

سُؤُدَّةُ الرُّومِنْ
٤٧٢
الآية : ٤٢ - ٤٣
وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا﴾ [مريم: ٩٠] وإلى هذا أشار عز وجل بقوله سبحانه: (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ
الَّذِى عَمِلُوا)(١) انتهى. فتأمَّل وأنْصِفْ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلٌ﴾ مسوقٌ
لتأكيد تسبُّبِ المعاصي لغَضَبِ الله تعالى ونكالِه، حيث أُمروا بأن يسيروا فينظروا
كيف أَهْلكَ الله تعالى الأممَ وأذاقهم سوءَ العاقبة بمعاصيهم، ويتحقَّقوا صِدْقَ
ما تقدَّم.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُرِ مُشْرِكِينَ ﴾﴾ استئنافٌ للدلالة على أنَّ الشرك
وحده لم يكن سَبَبَ تدميرٍ جميعهم، بل هو سببٌ للتدمير في أكثرهم، وما دونه من
المعاصي سببٌ له في قليل منهم. وجوِّز أن يكون للدلالة على أنَّ سوء عاقبتهم
لفشوِ الشرك وغَلَبته فيهم، ففيه تهويلٌ لأمرِ الشرك بأنه فتنةٌ لا تصيبُ الذين ظلموا
خاصةً.
﴿فَأَقِّرِ وَجْهَكَ لِلِّينِ الْقَيِّمِ﴾ أي: إذا كان الأمرُ كذلك فأقم، وتمامُ الكلام
فيما هنا يُعلم مما تقدَّم في هذه السورة الكريمة(٢).
﴿مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ جوِّز أن يتعلق بـ ((مردّ» وهو مصدرٌ بمعنى
الردِّ، والمعنى: لا يردُّه سبحانه بعد أن يَجيء به ولا ردَّ له من جهته عز وجل،
فيفيدُ انتفاءَ ردِّ غيره تعالى له بطريقٍ برهانيٍّ.
واعتُرض بأنه لو كان كذلك للزم تنوينُ ((يوم))(٣) لمشابهته للمضاف.
وأجيب بأنه مبنيٌّ على ما قال ابن مالك في ((التسهيل)) من أنه قد يعامَلُ الشبيهُ
بالمضافِ معاملتَه، فيُتْرَكُ تنوينُهُ(٤)، وحُمِلَ عليه قولُه عليه الصلاة والسلام: ((لا مانعَ
لِمَا أَعْطَيْتَ)»(٥). وتفصيلُه في شرحه.
(١) تفسير الرازي ٢٥/ ١٢٧.
(٢) ص ٤٥٠-٤٥٢ من هذا الجزء.
(٣) كذا في الأصل و(م)، وهو سبق قلم من المصنف رحمه الله، والصواب: ((مرد))، ينظر الدر
المصون ٤٩/٩، وحاشية الشهاب ٧/ ١٢٥.
(٤) التسهيل ص٦٨، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٢٥/٧ .
(٥) حديث صحيح، وسلف ١٢/ ٤٨٣.

الآية : ٤٣
٤٧٣
سُؤَةُ الُوَمِنُ
وبعضُهم جَعَلَه متعلِّقاً بمحذوفٍ يدلُّ عليه ((مردّ))، أي: لا يردُّ من جهته تعالى،
أي: لا یردُّه هو عز وجل.
وقيل: هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والتقدير: هو - أي: الردُّ المنفيُّ - كائنٌ من الله
تعالى، والجملةُ استئناف جواب سؤالٍ تقديره: ممن ذلك الردُّ المنفيُّ؟
وقيل: هو متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير في الظرف الواقع خبراً
( ((لا)).
وقيل: متعلِّقٌ بالنفي أو بما دلَّ عليه.
وقيل : متعلقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ (یوم)).
وجوَّز كثيرٌ تعلُّقَه بـ ((يأتي))، أي: من قبل أن يأتي من الله تعالى يومٌ لا يقدرُ
أحدٌ أن يردَّه.
وتعقِّب بأنَّ ذلك خلافُ المتبادر من اللفظ والمعنى، وهو مع ذلك قليلُ
الفائدة، وارتضاه الطيبيُّ فقال: هذا الوجهُ أبلغُ لإطلاق الردِّ وتفخيم ((اليوم))، وأن
إتيانه من جهةٍ عظيمٍ قادرٍ ذي سلطانٍ قاهر (١). ومنه يُعلم أنَّ ذلك ليس قليلَ
الفائدة، نعم إنَّ فيه الفَصلَ الملبس، وحالُ سائرِ الأوجُهِ لا يخفى على ذي تمييز.
﴿يَوْمَيِدٍ﴾ أي: يومَ إذ يأتي ﴿يَصَّدَّعُونَ ﴾﴾ أصله: يتصدَّعون، فقُلبت تاؤه
صاداً وأُدغمت، والتصدُّع في الأصل: تَفرُّقُ أجزاءِ الأواني، ثم استُعْمِلَ في مطلق
التفرُّق. أي: يتفرَّقون؛ فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
وقيل: يتفرَّقون تفرُّق الأشخاص على ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ
النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْئُوثِ﴾ [القارعة: ٤] لا تفرُّقَ الفريقين، فإنَّ المبالغة في التفرُّق
المستفادةَ من ((يصَّدَّعون)) إنما تناسبُ الأول، ورجِّح الثاني بأنه المناسبُ للسياق
والسباق؛ إذ الكلام في المؤمنين والكافرين، فما ذُكر بيانٌ لتباينهم في الدارين،
ويكفي للمبالغة شدةً بُعْدُ ما بين المنزلتين حسًّا ومعنّى، وهو تفسيرٌ رواه عبد بن
حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة(٢). وروي أيضاً عن ابن زيد.
(١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٢) تفسير الطبري ٥١٥/١٨، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ١٥٧/٥.

سُورَةُ الْرُوفِ
٤٧٤
الآية : ٤٤
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرَةٌ﴾ أي: وبالُ كُفْرِهِ وهي النارُ المؤبَّدَةُ، ففي الكلام مضافٌ
مقدَّرٌ، أو الكفرُ مجازٌ عن جزائه بل عن جميع المضارِّ التي لا ضَرَرَ وراءها.
وإفرادُ الضمير باعتبارٍ لفظِ ((مَن))، وفيه إشارةٌ إلى قلَّة قَدْرِهم عند الله تعالى
وحقارتهم مع ما عُلِمَ من كثرة عددهم، وجمعُه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (®﴾ باعتبارِ معناها، وفيه مع رعاية الفاصلة إشارةٌ إلى كثرة
قَدْرِهم وعظمهم عند الله تعالى.
و ((يَمْهَدون)) من مَهَدَ فراشَه: وظَأه، أي: يوطّؤون لأنفسهم كما يوطِّئُ الرجلُ
لنفسه فراشَه لئلا يُصيبَه في مضجعه ما يُنْبيه وينغِّصُ عليه مرقَده من نتوءٍ أو
قَضَض(١)، أو بعض ما يؤذي الراقد، فكأنه شبَّه حالةَ المكلّف مع عمله الصالح
وما يتحصَّلُ به من الثواب ويتخلَّصُ من العقاب بحالةٍ مَن يَمْهَدُ فراشَه ويوظّتُه
ليستريحَ عليه، ولا يصيبه في مضجعه ما ينغِّصُ عليه.
وجوِّز أن يكون المعنى: فعلى أنفسهم يشفقون، على أنَّ ذلك من قولهم في
المَثَلِ للمشفق: أمّ فَرَشَتْ فأنامَتْ(٢)، فيكون الكلام كنايةً إيمائيةً عن الشفقة
والمرحمة، والأولُ أظهر.
والظاهرُ أنَّ هذه التوطئة لِمَا بعد الموت من القبر وغيره. وأخرج جماعةٌ عن
مجاهد أنه قال: ((فلأنفسهم يمهدون)) أي: يسوُّون المضاجع في القبر. وليس
بذاك.
وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص، وقيل: للاهتمام.
ومقابلةُ (مَن كَفَر)) بـ ((مَن عَمِلَ صالحاً)) لا بـ: مَن آمَنَ، إمَّا للتنويهِ بشأن الإيمان بناءً
على أنه المرادُ بالعمل الصالح، وإمَّا لمزيدِ الاعتناء بشأن المؤمن العاملِ بناءً على
أنَّ المراد بالعمل الصالح ما يشمل العمل القلبيَّ والقالبيَّ.
ويُشْعِرُ بأنَّ المراد بـ ((مَن عَمِلَ صالحاً)) المؤمنُ العاملُ قولُه تعالى: ﴿لِجْزِئَ الَّذِينَ
(١) القضض: التراب يعلو الفراش. القاموس (قضض).
(٢) مجمع الأمثال ٢٢/١، وجمهرة الأمثال ١/ ١٥٢، والمستقصى ٣٦٨/١. قال العسكري:
يضرب مثلاً للرجل يبالغ في البر بالقوم والعطف عليهم، حتى كأنه أمّ فرشت لابنها فنام.

الآية : ٤٥
٤٧٥
تُوَةُ الْتُومِنُ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِن فَضْلَِّ﴾ فإنه علةٌ لـ ((يمهدون))، وأقيم فيه الموصولُ مقام
الضمير تعليلاً للجزاء؛ لِمَا أنَّ الموصول في معنى المشتقِّ، والتعليقُ به يفيدُ علِّيَةَ
مبدأ الاشتقاق، وذكر ((من فضله)) للدلالة على أنَّ الإثابة تفضُّلٌ محضّ، وتأويلُه
بالعطاء أو الزيادة على ما يستحقُّ من الثواب عدولٌ عن الظاهر.
وجوِّز أن يكون ذلك علةً لـ ((يصَّدَّعون))، والاقتصارُ على جزاء المؤمنين للإشعار
بأنه المقصودُ بالذات، والاكتفاءِ بفحوى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَفِرِينَ ﴾
فإنَّ
عدم المحبةِ كنايةٌ عن البغض في العرف، وهو يقتضي الجزاء بموجبه، فكأنه قيل:
وليُعاقِبَ الكافرين.
وفي ((الكشاف)): أنَّ تكرير ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) وتَرْكَ الضمير إلى
الصريح؛ لتقريرِ أنه لا يفلح عنده تعالى إلَّا المؤمنُ الصالح، وقولُه تعالى: ((إنه)) إلخ
تقريرٌ بعد تقريرٍ على الطرد والعكس (١). ويعني بذلك كلَّ كلامين يقرِّرُ الأول الثاني
وبالعكس، سواءٌ كان صريحاً وإشارةً، أو مفهوماً ومنطوقاً، وذلك كقول ابن هانئ:
فما جازه جودٌ ولا حلَّ دونه ولكن يصيرُ الجودُ حيث يصيرُ(٢)
وبيانُه فيما نحن فيه: أنَّ قوله تعالى: (لِجْزِئَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) يدلُّ بمنطوقه - على
ما قرِّر - على اختصاصهم بالجزاء التكريمي، وبمفهومه على أنهم أهلُ الولاية
والزّلفى، وقوله سبحانه: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَفِينَ) لتعليل الاختصاص يدلُّ بمنطوقه على
أنَّ عدم المحبة يقتضي حرمانَهم، وبمفهومه على أنَّ الجزاء الأضدادهم موقَّرٌ، فهو
جلَّ وعلا محبٌّ للمؤمنين.
وذكر العلّامة الطيبيُّ: الظاهر أنَّ قوله تعالى: (فَأَقِْ وَجْهَكَ لِذِينِ الْقَيِّمِ) الآيةَ
بتمامها كالمُؤْرِدِ للسؤالِ، والخطابُ لكلِّ أحدٍ من المكلَّفين، وقوله تعالى: (مَن
كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرٌُّ) الآيةَ واردٌ على الاستئناف منطوٍ على الجواب، فكأنه لمَّا قيل:
أقيموا على الدِّين القيِّم قبل مجيءٍ يومٍ يتفرَّقون فيه، فقيل: ما للمقيمين على الدِّين،
وما على المنحرفين عنه، وكيف يتفرَّقون؟ فأجيب: (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرٌَّ) الآيةَ.
(١) الكشاف ٣/ ٢٢٥.
(٢) البيت لابن هانئ، وسلف عند تفسير الآية (١٠٥) من سورة الأعراف.

سُؤَةُ الْرُوفِ
٤٧٦
الآية : ٤٦
وأما قوله سبحانه: (لِجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) الآيةَ فينبغي أن يكون تعليلاً للكلِّ؛ ليفصّل
ما يترتَّب على ما لَهم وعليهم، لكن يتعلَّق بـ ((يَمْهَدون)) وحده لشدة العناية بشأن
الإيمان والعملِ الصالح وعَدَمِ الإعباء بعمل الكافر، ولذلك وُضع موضعَه: (إِنَّهُ لَا
يُحُبُّ الْكَفِرِينَ)(١) انتهى، فلا تغفل.
وفي الآية لطيفةٌ نَّه عليها الإمامُ قدِّس سرُّه، وهي أنَّ الله عز وجل عندما أسند
الكفر والإيمان إلى العبيد قدَّم الكافر، وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدَّم المؤمن؛
لأن قوله تعالى: (مَن كَفَرَ) وعيدٌ للمكلَّف ليمتنع عمَّا يضرُّه لينقذه سبحانه من الشرِّ،
وقوله تعالى: (وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا) تحريضٌ له وترغيبٌ في الخير ليوصِلَه إلى الثواب،
والإنقاذُ مقدَّمٌ عند الحكيم الرحيم، وأما عند الجزاء فابتدأ جلَّ شأنُه بالإحسان
إظهاراً للكرم والرحمة(٢).
هذا ولمَّا ذكر سبحانه ظهورَ الفساد والهلاك بسبب المعاصي، ذكر ظهورَ
الصلاح ولم يذكر عزَّ وجل أنه بسبب العمل الصالح؛ لأنَّ الكريم يذكر لعقابه سبباً
لئلا يتوهّم منه الظلمُ، ولا يذكرُ ذلك لإحسانه، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿وَمِنْ ءَايَلِهِ أَنْ
يُرْسِلَ الْرِيَجَ﴾ الجنوب، ومهبُّها من مطلع سهيلٍ إلى مطلع الثريا، والصبا ومهبُّها من
مطلع الثريا إلى بناتِ نعشٍ، والشمال ومهُّها من بناتِ نعشٍ إلى مسقط النسر الطائر
فإنها رياحُ الرحمة، وأما الدَّبُور ومهبُّها من مسقط النسر الطائر إلى مطلع سهيل
فريحُ العذاب، وذُكر أنَّ الثلاثة الأُوَلَ تلقحُ السحاب الماطِرَ وتجمعُه فلذا كانت
رحمةً.
وعن أبي عبيدة: الشمال عند العرب للروح، والجنوب للأمطار والأنداء،
والصبا لإلقاح الأشجار، والدَّبور للبلاء، وأهونُه أن تثير غباراً عاصفاً يقذي العينَ،
وهي أقلُّهنَّ هبوباً .
وروى الطبرانيُّ، والبيهقيُّ في ((سننه)) عن ابن عباس من حديثٍ ذكر فيه ما كان
يفعله ويقولُهُ وَّهِ إذا هاجت ريحٌ: ((اللهمَّ اجعلها رياحاً ولا تَجْعَلْها ريحاً))(٣) وهو
(١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٢) تفسير الرازي ١٣٠/٢٥.
(٣) المعجم الكبير (١١٥٣٣) من طريق الحسين بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس، وهذا

الآية : ٤٦
٤٧٧
سُورَةُ الرُّومِنْ
مبنيٌّ على أنَّ الرياح للرحمة والريحَ للعذاب.
وفي ((النهاية)): العرب تقول: لا تُلقح السحابُ إلا من رياح مختلفة، فكأنه
قال ◌َّهِ: اللهمَّ اجْعَلْها لقاحاً للسحاب ولا تجعلها عذاباً، ثم قال: وتحقيقُ ذلك
مجيءُ الجمع في آيات الرحمة والواحدِ في قصص العذاب، كـ ﴿اَلْرِّيحَ الْمَقِيمَ﴾
[الذاريات: ٤١] و﴿رِيحًا صَرْصَرً﴾ [القمر: ١٩](١).
وقال بعضهم: إنَّ ذاك لأنَّ الريح إذا كانت واحدةً جاءت من جهةٍ واحدةٍ،
فصَدَمتْ جسم الحيوان والنبات من جهةٍ واحدة، فتؤثِّر فيه أثراً أكثر من حاجته
فتضرُّه، ويتضرَّرُ الجانب المقابلُ لعكس ممرِّها، ويفوتُه حظّه من الهواء فيكون داعياً
إلى فساده، بخلافِ ما إذا كانت رياحاً، فإنها تعمُّ جوانب الجسم فيأخذ كلُّ جانبٍ
حظّه فيحدث الاعتدال.
وأنت تعلم أنه قد تُفْرَدُ الريحُ حيث لا عذابَ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم
بِيج طَنِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] وقوله سبحانه: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرّيَ﴾ [الأنبياء: ٨١] والحديثُ
مختلفٌ فيه؛ فرمزَ السيوطيُّ لحُسْنِهِ (٢)، وقال الحافظ الهيثميُّ: في سنده حسينُ بن
قيسٍ وهو متروكٌ، وبقية رجاله رجال الصحيح(٣). ورواه ابن عديٍّ في ((الكامل)) من
هذا الوجه وأعلَّه بحسينٍ المذكور، ونَقَلَ تضعيفه عن أحمد والنسائي(٤)، نعم إنَّ
الحافظ عزاه في ((الفتح)) لأبي يَعْلَى وحدَه عن أنس رَفَعَه، وقال: إسنادُه
صحيح(٥). فليُحْفَظ ذلك.
= إسناد ضعيف كما سيرد قريباً. ولم نقف عليه في سنن البيهقي، وإنما أخرجه في معرفة
السنن والآثار ١٨٩/٥ من طريق الشافعي قال: أخبرني مَن لا أنَّهم قال: حدثنا العلاء بن
راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهو في الأم ١/ ٢٢٤. قال الحافظ في تخريج أحاديث
الكشاف ص١٢٩: وهذا المبهم هو إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف.
(١) النهاية (روح).
(٢) كما في فيض القدير ١٦٥/٥-١٦٦ .
(٣) مجمع الزوائد ١٣٦/١٠، ونقله المصنف عنه بواسطة المناوي في فيض القدير ١٦٦/٥.
(٤) الكامل ٧٦٣/٢، والكلام من فيض القدير ١٦٦/٥.
(٥) فتح الباري ٢/ ٥٢٠، وفيض القدير ١٦٦/٥، والحديث في مسند أبي يعلى (٢٩٠٥). ولكن
هذا الحديث الذي ذكره ابن حجر وصححه، وأخرجه أبو يعلى ورد بقطعة أخرى من حديث
ابن عباس، وليس فيه: ((اللهم اجعلها رياحاً ... )).

سُورَةُ الْرُوفِزْ
٤٧٨
الآية : ٤٧
وقرأ ابن كثير والكسائيُّ والأعمش: ((الريحَ)) مفرداً (١) على إرادة معنى الجمع،
ولذا قال سبحانه: ﴿مُبَشِّرَتٍ﴾ أي: بالمطر ﴿وَلِيُذِيقَكُ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ يعني المنافعَ التابعةَ
لها، كتَذْرِيةِ الحبوب وتخفيفِ العفونة وسَقْي الأشجار، إلى غير ذلك من اللطف
والنعم .
وقيل: الخصب التابع لنزول المطر المسبَّب عنها، أو الروح الذي هو مع
هبوبها. ولا وجهً للتخصيص.
والواو للعطف، والعطفُ على علَّةٍ محذوفةٍ دلَّ عليها ((مبشِّرات))، أي:
ليبشِّركم وليذيقكم، أو على ((مبشرات)) باعتبارِ المعنى، فإنَّ الحال قد يُقْصَدُ بها
التعليلُ، نحو: أهِنْ زيداً مسيئاً، أي: لإساءته، فكأنه قيل: لتبشِّركم وليذيقكم،
وكونُه من عَظْفِ التوهُم توهُمٌ، أو على ((يرسل)) بإضمارٍ فعلٍ معلَّل، والتقدير:
ويرسلها ليذيقكم، وكونُ التقدير: ويُجري الرياحَ ليُذيقكم، بعيدٌ.
قيل: أو على جملة ((ومن آياته)) إلخ بتقدير: وليذيقكم أرسلها، أو: فَعَلَ
ما فَعَلَ، ولم يعتبره بعضُهم لأنَّ المقصود اندراجُ الإذاقةِ في الآيات.
وقيل: الواو زائدة.
﴿وَلِتَجْرِىَ اَلْفُّلْكُ﴾ في البحر عند هبوبها ﴿يَأَمْرِوٍ﴾ عز وجل، وإنما جيء بهذا
القيدِ لأنَّ الريح قد تهبُّ ولا تكون مُواتيةً، فلا بدَّ من انضمام إرادته تعالى وأمره
سبحانه للريح حتى يتأتّى المطلوبُ. وقيل: للإشارة إلى أنَّ هبوبها مواتيةً أمرٌ من
أموره تعالى التي لا يقدِرُ عليها غيرُه عز وجل.
﴿وَلَبْتَغُوْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بتجارة البحر ﴿ وَمَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾ أي: ولتشكروا نعمةَ الله
تعالى فيما ذكر.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُّلًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ اعتراضٌ لتسليته بَّهِ بِمَن قبله على وجهٍ
يتضمَّن الوعدَ له عليه الصلاة والسلام والوعيدَ لمن عصاه، وفي ذلك أيضاً تحذيرٌ
عن الإخلال بمواجب الشكر. والمراد بـ ((قومهم)): أقوامُهم، والإفرادُ للاختصار
(١) التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٣/٢ عن ابن كثير وحمزة والكسائي، وهي قراءة خلف من
العشرة.

الآية : ٤٧
٤٧٩
◌ُوَرَّةُ الْرُوفِنْ
حيث لا لَيْسَ، والمعنى: ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى أقوامهم كما أرسلناك إلى
قومك ﴿لَءُوُهُم بِلْبَيْنَتِ﴾ أي: جاء كلَّ قومٍ رسولُهم بما يخصُّه من البَيِّئَات كما جئتَ
قومك ببيناتك.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ الفاء فصيحةٌ، أي: فآمَنَ بعضُ وكذَّبَ بعضِّ
فانتقمنا، وقيل: أي: فكذّبوهم فانتقمنا منهم، ووُضع الموصول موضعَ ضميرهم
للإشعار بالعلَّة، والتنبيه على مكان المحذوف. وجوِّز أن تكون(١) تفصيلاً للعموم
بأنَّ فيهم مجرماً مقهوراً، ومؤمناً منصوراً.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِينَ ﴾﴾ فيه مزيدُ تشريفٍ وتكرمةٍ للمؤمنين، حیث
جُعلوا مستحقِّين على الله تعالى أن ينصرهم، وإشعارٌ بأنَّ الانتقام لأَجْلهم، والمراد
بهم ما يشملُ الرسل عليهم الصلاة والسلام، وجوِّز تخصيصُ ذلك بالرسل بجَعْلٍ
التعريف عهديًّا .
وظاهرُ الآية أنَّ هذا النصر في الدنيا، وفي بعض الآثار ما يشعر بعدم
اختصاصه بها، وأنه عامٌّ لجميع المؤمنين فيشمل مَن بعد الرسل من الأمة.
أخرج ابن أبي حاتم والطبرانيُّ وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: سمعتُ
رسول الله وَل﴿ يقول: ((ما من امرئٍ مسلم يردُّ عن عِرْضٍ أخيه إلَّا كان حقًّا على الله
تعالى أن يردّ عنه نارَ جهنم يومَ القيامة)) ثم تلا عليه الصلاة والسلام: (وَكَانَ حَقًّا
عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)(٢). وفي هذا إشعارٌ بأنَّ ((حقًّا)) خبرُ ((كان))، و((نصر المؤمنين))
الاسمُ كما هو الظاهر، وإنما أخِّر الاسمُ لكون ما تعلَّق به فاصلةً، وللاهتمام
بالخبر إذ هو محظّ الفائدة على ما في ((البحر))(٣).
(١) يعني الفاء. حاشية الشهاب ١٢٦/٧.
(٢) مكارم الأخلاق للطبراني (١٣٤)، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه السيوطي في الدر
١٥٧/٥، وأخرجه أحمد (٢٧٥٣٦) دون ذكر الآية. وهو عندهم من طريق ليث، عن
شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء به. وهذا إسناد ضعيف لضعف
ليث - وهو ابن أبي سليم - وشهر بن حوشب. وأخرجه من طريق آخر عن أبي الدرداء
الترمذي (١٩٣١) بلفظ: ((مَن ردَّ عن عرض أخيه ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة)) قال
الترمذي: هذا حديث حسن.
(٣) ١٧٨/٧ .

سُوَّةُ الُوضِ
٤٨٠
الآية : ٤٨
قال ابن عطية (١): ووقف بعض القراء على ((حقًّا)) على أنَّ اسم ((كان)) ضمير
الانتقام، أي: وكان الانتقامُ حقًّا وعدلاً لا ظلماً، ورجوعُه إليه على حدٍّ: ﴿أَعْدِلُواْ
هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٌ﴾ [المائدة: ٨]، و((علينا نصر المؤمنين)) جملةٌ مستأنفةٌ، وهو خلافُ
الظاهر المؤيَّدِ بالخبر، وإن لم يكن فيه محذورٌ من حيث المعنى.
﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان ما أُجمل فيما سبق(٢) من أحوال
الرياح ﴿فَيُثِيرُ سَحَابًا﴾ تحرِّكُه وتنشرُه ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ بسطاً تامًّا متصلاً تارةً ﴿فِىِ السَّمَاءِ﴾
في سَمْتها(٣)، لا في نفس السماء بالمعنى المتبادر ﴿كَيْفَ يَشَآءُ﴾ سائراً وواقفاً،
مطبقاً (٤) وغير مطبقٍ، من جانب دون جانب(٥)، إلى غير ذلك، فالجملةُ الإنشائية
حال بالتأويل.
﴿وَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أي: قطعاً تارةً أخرى.
وقرأ ابن عامر بسكون السين(٦) على أنه مخفَّفٌ من المفتوح، أو جمعُ كِسْفةٍ،
أي: قطعةٍ، أو مصدرٌ كعِلْم وُصف به مبالغةً، أو بتأويله بالمفعول، أو بتقديرٍ: ذا
کِسْفٍ.
﴿فَرَى﴾ يا مَن يصحُّ منه الرؤيةُ ﴿الْوَدَقَ﴾ أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ﴾ أي:
فُرَجِه - جمع خَلَل - في التارتين: الاتِّصالِ والتقطّع، فالضمير للسحاب، وهو اسمُ
جنسٍ يجوز تذكيرُه وتأنيثه. وجوِّز على قراءة ((كِسْفَاً)) بالسكون أن يكون له، وليس
بشيء.
﴿فَإِذْآَ أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِهِ﴾ بلادِهم وأراضيهم، والباء في ((به)) للتعدية
(١) في المحرر الوجيز ٣٤١/٤.
(٢) في (م): سيق، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٧/ ٦٤.
(٣) قوله: في سمتها، أراد به جهة العلوِّ. حاشية الشهاب ٧/ ١٢٧.
(٤) قوله: مطبقاً، اسم مفعول من الإفعال أو التفعيل، يقال: أطبقه وطبّقه: إذا غشّاه وغطاه،
ويجوز كونه بزنة اسم الفاعل. حاشية الشهاب ٧/ ١٢٧ .
(٥) قوله: من جانب دون جانب، تفسير لغير المطبق. حاشية الشهاب ١٢٧/٧ .
(٦) التيسير ص ١٧٥، والنشر ٣٠٩/٢ عن ابن عامر بخلاف عن هشام، وهي قراءة أبي جعفر من
العشرة.