Indexed OCR Text

Pages 441-460

الآية : ٢٥
٤٤١
سُورَةُ الْرّوْضِْ
والإمام ذهب إلى أنَّ القيام بمعنى الوقوف وعدم النزول، ثم قال على ما لخَّصه
بعضهم: ذُكرت ((أنْ)) ها هنا دون قوله تعالى: (وَمِنْ ءَايَئِهِ، يُرِيكُمُ الْبَقَ) لأنَّ
القيام لمَّا كان غيرَ متغيِّرٍ أخرج الفعل بـ ((أنْ)) العَلَم في الاستقبال، وجُعل مصدراً
ليدلَّ على الثبوت، وإراءةُ البرق لمَّا كانت من الأمور المتجدّدة جيء بلفظ المستقبل
ولم يذكر معه ما يدلُّ على المصدر(١). اهـ.
((إذا)» الأولى شرطيةٌ،
٢٥
◌َ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ
والثانيةُ فجائيةٌ نائبةٌ منابَ الفاء في الجزاء لاشتراكهما في التعقيب. والجملةُ
الشرطية قيل: معطوفةٌ على ((أن تقوم)) على تأويل مفردٍ، كأنه قيل: ومن آياته قيامُ
السماء والأرض بأمره ثم خروجُكم من قبوركم بسرعةٍ إذا دعاكم.
وصاحب ((الكشف)) يقول: إنها أُقيمت مقام المفرد من حيث المعنى، وأمَّا من
حيث الصورةُ فهي جملةٌ معطوفة على قوله تعالى: (وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنْ تَقُومَ) وذلك على
أسلوب ﴿مَّقَامُ إَِهِيمٌ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧] وفائدته ما سمعتَه قريباً.
وظاهرُ كلام بعض الأفاضل أنَّ العطف عليه ظاهرٌ في عدم قَصْدِ عدِّ ما ذكر آية.
واختار أبو السعود عليه الرحمةُ كونَ العطف مِن عَطْفِ الجمل، وأنَّ المذكور
ليس من الآيات، قال: حيث كانت آيةُ قيام السماء والأرض بأمره تعالى متأخِّرةً
عن سائر الآيات المعدودة، مثَّصلةً بالبعث في الوجود، أخِّرتْ عنهنَّ وجُعلت
متصلةً به في الذكر أيضاً، فقيل: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ) الآيةَ، والكلامُ مسوقٌ للإخبار
بوقوع البعث ووجودِه بعد انقضاءِ أجلِ قيامهما، مترتِّبٌ على تعدُّدٍ آياته تعالى الدالَّةِ
عليه، غيرُ منتظمٍ في سلكها كما قيل، كأنه قيل: ومن آياته قيامُ السماء
والأرض على هيأتهما بأمره عز وجل إلى أجلٍ مسمَّى قدَّره الله تعالى لقيامهما، ثم
إذا دعاكم - أي: بعد انقضاء الأجل في الأرض وأنتم في قبوركم - دعوةً واحدةً بأن
قال سبحانه: أيها الموتى اخرجوا، فَجَأْتُم الخروجَ منها(٢).
ولعل ما أشار إليه صاحب ((الكشف)) أدقُّ وأبعدُ مغزّى، فتأمل.
(١) تفسير الرازي ١١٤/٢٥-١١٥.
(٢) تفسير أبي السعود ٥٨/٧ .
:

سُورَةُ الرُّومِ
٤٤٢
الآية : ٢٥
و((من الأرض)) متعلَّقٌ بـ ((دعا))، و((من)) لابتداء الغاية، ويكفي في ذلك - إذا كان
الداعي هو الله تعالى نفسه لا المَلَك بأمره سبحانه - كونُ المدعوِّ فيها، يقال: دعوتُه
من أسفل الوادي فطلع إليَّ، لا بـ ((دعوة) فإنه إذا جاء نَهْرُ الله جل وعلا بَطَلَ نهرُ
معقل(١). نعم جوِّز كونُ ذلك صفةً لها، وأنْ يكونَ حالاً من الضمير المنصوب.
ولا بـ ((تخرجون)) لأنَّ ما بعد ((إذا)) لا يعمل فيما قبلها.
وقال ابن عطية: إنَّ ((من)) عندي لانتهاء الغاية(٢). وأثبت ذلك سيبويه(٣). وقال
أبو حيان: إنه قولٌ مردودٌ عند أصحابنا (٤).
وظواهرُ الأخبار أنَّ الموتى يُدْعَون حقيقةً للخروج من القبور، وقيل: المراد
تشبيهُ ترتّبِ حصول الخروج على تعلَّقِ إرادته بلا توقُّفٍ واحتياجٍ إلى تجثُّمٍ عملٍ
بسرعةِ ترتُّبٍ إجابة الداعي المطاع على دعائه، ففي الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ أو
تخييليةٌ ومكنية بتشبيه الموتى بقومٍ يريدون الذهاب إلى محلِّ ملكٍ عظيم متهيئين
لذلك، وإثباتُ الدعوة لهم قرينتها، أو هي تصريحيةٌ تبعيةٌ في قوله تعالى: (دَعَاكُمْ)
إلى آخرها .
و(ثم)) إمَّا للتراخي الزمانيِّ، أو للتراخي الرتبيِّ والمرادُ عظمُ ما في المعطوف
من إحياء الموتى في نفسه وبالنسبة إلى المعطوف عليه، فلا ينافي قولَه تعالى
الآتي: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةِ) وكونُه أعظمَ من قيام السماء والأرض؛ لأنه المقصود من
الإيجاد والإنشاء، وبه استقرارُ السعداء والأشقياء في الدرجات والدركات، وهو
المقصودُ من خَلْقِ الأرض والسماوات، فاندفع ما قاله ابن المنير من أنَّ مرتبة
المعطوف عليه هنا هي العليا(٥)، مع أنَّ كونَ المعطوف في مثله أرفعَ درجةً أكثريٌّ
(١) هذا مثل، ومثْلُه: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى، ونهر معقل بالبصرة ونهر عيسى ببغداد،
وعليهما أكثر الضياع الفاخرة، وإنما يريدون بنهر الله: البحر والمطر والسيل، فإنها تغلب
سائر المياه والأنهار وتطم عليها. ثمار القلوب للثعالبي ص٣١.
(٢) المحرر الوجيز ٣٣٤/٤.
(٣) ينظر الكتاب ٢٢٥/٤.
(٤) البحر ١٦٨/٧.
(٥) الانتصاف ٢١٩/٣، وذكر فيه أن ((ثم)) على بابها في تراخي الزمان، وإن سلِّم أنها
التراخي المراتب، فعلى أن تكون مرتبة المعطوف عليه العليا، ومرتبة المعطوف هي

الآية : ٢٦ - ٢٧
٤٤٣
سُورَةُ الرّومِ
لا كلِّيٍّ كما صرَّح به الطيبيُّ(١)، فلا مانع من اعتبار التراخي الرُّتْبي لو لم يكن
المعطوفُ أرفعَ درجة. ويجوزُ حملُ التراخي على مطلق البعد الشامل للزمانيِّ
والرتبي .
وقرأ السبعة ما عدا حمزة والكسائيَّ: ((تُخْرَجون)) بضم التاء وفتح الراء(٢).
وهذه الآيةُ ذُكر أنها ممَّا تقرأ على المصاب؛ أخرج ابن أبي حاتم عن الأزهر بن
عبد الله الحَرَازيِّ قال: يقرأ على المصاب إذا أُخذ ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ تَقُوَمَ السَّمَآءُ
﴾﴾(٣).
٢٥
وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَّخْرُونَ
وذكر الإمام وأبو حيان في وجه ترتيب الآيات وتذييلٍ كلٍّ منهما بما ذيِّل كلاماً
طويلاً (٤)، إن احْتَجْتَه فَارْجِعْ إليه.
﴿وَلَهُ﴾ عز وجل خاصةً كلُّ ﴿مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالأَرْضِ﴾ من الملائكة والنَّقَلين
خَلْقاً وملكاً وتصرُّفاً ليس لغيره سبحانه شركةٌ في ذلك بوجهٍ من الوجوه.
﴿كُلٌّ لَّهُ﴾ لا لغيره جل وعلا ﴿قَشِئُونَ ﴾﴾ منقادون لفعله، لا يمتنعون
عليه - جلَّ شأنُه - في شأنٍ من الشؤون وإن لم يَنْقَدْ بعضُهم لأمره سبحانه، فالمرادُ
طاعةُ الإرادة لا طاعةُ الأمر بالعبادة، وهذا حاصلُ ما روي عن ابن عباس. وقال
الحسن: ((قانتون)): قائمون بالشهادة على وحدانيته تعالى، كما قال الشاعر:
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحد(٥)
وقال ابن جبير: ((قانتون)) مُخْلِصون. وقيل: مقرُّون بالعبودية. وعليهما ليس
العمومُ على ظاهره ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد الموت؛ والتكريرُ لزيادة
= الدنيا، وذلك نادر في مجيئها لتراخي المراتب. ونقل المصنف كلامه بواسطة الشهاب
في الحاشية ١١٩/٧ .
(١) ينظر حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، والكلام من حاشية الشهاب ١١٩/٧ .
(٢) التيسير ص ١٧٥ . وقرأ بفتح التاء وضم الراء مثل حمزةً والكسائيِّ خلفُ وابنُ ذكوان كما في
النشر ٢٦٧/٢.
(٣) الدر المنثور ١٥٤/٥-١٥٥ .
(٤) تفسير الرازي ١١٤/٢٥-١١٥، والبحر ١٦٨/٧.
(٥) سلف ٢٧١/١ .

سُورَةُ الُومِنْ
٤٤٤
الآية : ٢٧
التقرير لشدَّة إنكارهم البعثَ، والتمهيدِ لِمَا بعده من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ
عَلَيْهِ﴾ الضميرُ المرفوع للإعادة، وتذكيرُه لرعاية الخبر، أو لأنها مؤوَّلةٌ بـ ((أنْ))
والفعلِ وهو في حكم المصدر المذكَّر، أو لتأويلها بالبعث ونحوِه. وكونُه راجعاً
إلى مصدرٍ مفهوم من ((يعيد))، وهو لم يُذْكَر بلفظ الإعادة، لا يفيدُ - على ما قيل - لأنه
اشتهر به، فكأنه إذا فُهم منه يلاحَظُ فيه خصوصُ لَفْظِه. والضمير المجرورُ لله تعالى
شأنه .
و((أهون)) للتفضيل، أي: والإعادة أسهلُ على الله تعالى من المبدأ، والأسهليةُ
على طريقة التمثيل بالنسبة لِمَا يفعلُه البشر مما يقدرون عليه، فإنَّ إعادة شيءٍ من
مادته الأولى أهونُ عليهم من إيجاده ابتداءً، والمراد التقريبُ لعقول الجهلة
المنكرين للبعث، وإلا فكلُّ الممكنات بالنسبة إلى قدرته عز وجل سواءٌ، فكأنه
قيل: وهو أهونُ عليه بالإضافة إلى قُدَرِكم (١) والقياسِ على أصولكم.
وذكر الزمخشريُّ وجهاً آخر للتفضيل، وهو أنَّ الإنشاء من قَبيل التفضُّل الذي
يتخيَّر فيه الفاعلُ بين أن يفعله وأن لا يفعله، والإعادةُ من قبيل الواجب الذي لا بدَّ
من فِعْلِه لأنها لجزاء الأعمال، وجزاؤها واجب، والأفعالُ إمَّا محالٌ والمحالُ
ممتنعٌ أصلاً خارجٌ عن المقدور، وإما ما يَصْرِفُ الحكيمَ عن فِعْلِهِ صارفٌ وهو
القبيحُ، وهو رديفُ المحال لأنَّ الصارف يمنع وجودَ الفعل كما تمنعه الإحالة،
وإمَّا تفضُّلٌ والتفضُّل حالةٌ بَيْنَ بَيْنَ، للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله، وإما واجبٌ
لا بدَّ من فِعْلِه ولا سبيل إلى الإخلال به، فكان الواجبُ أبعد الأفعال من الامتناع
وأقربَها من الحصول، فلمَّا كانت الإعادة من قبيل الواجب كانت أبعدَ الأفعال من
الامتناع، وإذا كانت أبعدَها منه كانت أَدْخَلَها في التأتِّي والتسهُّلِ، فكانت أهونَ
منها، وإذا كانت كذلك كانت أهونَ من الإنشاء(٢). اهـ.
قال في ((التقريب)): وفيه نظرٌ؛ لأنه مبنيٌّ على الوجوب العقليّ، ولأنَّ الوجوب
إذا كان بالذات نافَى القدرة كالامتناع، وإلَّا كان ممكناً فتساوى الفعلان
لاشتراكهما في مصحِّح المقدورية وهو الإمکان.
(١) جمع قدرة. حاشية الشهاب ٧/ ١٢٠.
(٢) الكشاف ٣/ ٢٢١.

الآية : ٢٧
٤٤٥
سُوَرَةُ الْرّومِن
وتعقَّبه في ((الكشف)) بقوله: أقول: إنه غيرُ واجبٍ بالذات، ولا يلزمُ منه
المساواةُ مع التفضُّل في سهولة التأتيِّ، وأما المساواةُ في مصحِّح المقدورية
فلا مدخل لها فيما نحن فيه، والحاصلُ منه أنه لو سلِّم منه أنَّ الداعيَ إلى فِعْله
أقوى فلا شكَّ أنه أقرب إلى الوجود مما لا يكون الداعي كذلك. نعم إذا خلص
الداعي إلى القسمين صارا سواءً، وليس البحثُ على ذلك التقدير. اهـ.
والحقُّ ما قاله أبو السعود(١) من أنه ليس المراد بأهونية الفعل أقربيتَه إلى
الوجود باعتبارٍ كثرة الأمور الداعية للفاعل إلى إيجاده، وقوةٍ اقتضائها لتعلُّق قدرته
به، بل أسهليةً تأتِّيه وصدورِه عنه عند(٢) تعلُّق قدرته بوجوده وكونه واجباً بالغير،
ولا تفاوتَ في ذلك بين أن يكون ذلك التعلُّق بطريقة الإيجاب أو بطريقِ الاختيار.
وروى الزّجَّاج عن أبي عبيدة وكثيرٍ من أهل اللغة أنَّ ((أهون)) هاهنا بمعنى
هَيِّن(٣). وروي ذلك عن ابن عباس والربيع، وكذا هو في مصحف عبد الله (٤)،
وهذا كما يقال: اللهُ تعالى أكبرُ، أي: كبيرٌ، و: أنت أَوْحَدُ الناس، أي:
واحدهم، و: إنِّي لأَوْجَلُ، أي: وَجِلٌ.
وفي ((الكشف)): التحقيقُ أنه من باب الزيادة المطلقة، وإنما قيل: بمعنى
الهين؛ لأنه يؤدِّي مؤدَّاه.
وقيل: أفعل على ظاهره، وضميرُ ((عليه)) عائدٌ على ((الخلق))، على معنى أنَّ
الإعادة أيسرُ على المخلوق؛ لأنَّ البداءة فيها تدريجٌ من طورٍ إلى طورٍ إلى أن يصير
إنساناً، والإعادةُ لا تحتاج إلى التدريجات في الأطوار، إنما يدعوه اللهُ تعالى
فيخرج. وإمَّا على معنى أنَّ الإعادة أسهلُ على المخلوق، أي: أنْ يُعيدوا شيئاً
ويفعلوه ثانياً بعدَ ما زاولوا فعلَه وعرفوه أولاً أسهلُ من أن يفعلوه أولاً قبل
المزاولة، وإذا كان هذا حالُ المخلوق فما بالك بالخالق. ولا يخفى أنَّ الظاهر
رجوعُ الضمير إليه تعالى.
(١) في تفسيره ٥٨/٧ .
(٢) في تفسير أبي السعود: بعد.
(٣) معاني القرآن للزجاج ١٨٣/٤، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٢١/٢.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢٥٦/٥، والمحرر الوجيز ٣٣٥/٤، والبحر ١٦٩/٧.

سُورَةُ الروضة
٤٤٦
الآية : ٢٧
ثم إنَّ الجارَّ والمجرور صلةُ ((أهون))، وقدِّمت الصلةُ في قوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَّ
هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] وأخِّرت هنا لأنه قَصَدَ هنالك الاختصاصَ وهو محزُّه، فقيل: هو
عليَّ هيِّنٌّ وإن كان صعباً عندكم أن يولد بين هِمِّ(١) وعاقر، وأمَّا هاهنا فلا معنى
للاختصاص، كيف والأمرُ مبنيٌّ على ما يعقلون من أنَّ الإعادة أسهلُ من الابتداء،
فلو قدِّمت الصلة لتغيّر المعنى.
ولمَّا أخبر سبحانه بانَّ الإعادة أهونُ عليه على طريق التمثيل عقَّب ذلك بقوله
تعالى: ﴿وَلَهُ﴾ تعالى شأنهُ خاصةً ﴿اٌلْمَثَلُ﴾ أي: الوصف العجيبُ الشأنِ، كالقدرة
العامة، والحكمةِ التامة، وسائرٍ صفات الكمال ﴿ الْأَعْلَى﴾ الذي ليس لغيره ما يدانيه
فضلاً عمَّا يساويه، فكأنه قيل: هذا لتفهيم العقول القاصرة، إذ صفاتُه تعالى
عجيبةٌ، وقدرتُه جلَّ شأنُه عامةٌ، وحكمتُه سبحانه تامةٌ، فكلُّ شيءٍ بَدْءاً وإعادةً
وإيجاداً وإعداماً على حدٍّ سواءٍ، ولا مِثْلَ له تعالى ولا ندّ.
وعن قتادة ومجاهدٍ أنَّ ((المثل الأعلى)): لا إله إلا الله. ولعلهما أرادا بذلك
الوحدانيةَ في ذاته تعالى وصفاتِه سبحانه، والكلامُ عليه مرتبطٌ بما قبله أيضاً، كأنه
قيل: ما ذكر لتفهيم العقول القاصرة لأنه تعالى لا يشاركه أحدٌ في ذاته تعالى
وصفاته عزَّ وجل.
وقيل: مرتبطٌ بما بعده من قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ).
وقال الزَّجاج(٢): المثلُ قولُه تعالى: (وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيَّةٍ) قد ضربه الله تعالى
مثلاً فيما يسهلُ ويصعبُ عندكم، وينقاسُ على أصولكم، فاللامُ في ((المَثَل)) للعهد،
وهو محمولٌ على ظاهره غيرُ مستعارٍ للوصف العجيب الشأن.
﴿فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ متعلِّقٌ بمضمون الجملة المتقدِّمة، على معنى أنه سبحانه
قد وُصِفَ بذلك وعُرِفَ به فيهما على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل.
وقيل: بـ ((الأعلى)). وقيل: بمحذوفٍ هو حالٌ منه، أو من ((المثل)) أو من
ضميره في ((الأعلى)).
(١) الهِمُّ والهِمَّة بكسرهما: الشيخ الفاني. القاموس (همم)
(٢) في معاني القرآن ١٨٤/٤ .

الآية : ٢٨
٤٤٧
سُورَةُ الرُّوْضِ
وقيل: متعلِّقٌ بما تعلَّق به ((له))، أي: له في السماوات والأرض المثلُ الأعلى،
والمراد أنَّ دلالة خَلْقِهما على عظيم القدرة أتمُّ من دلالة الإنشاء، فهو أدلُّ على
جواز الإعادة، ولهذا جُعل أعلى من الإنشاء، فتأمل.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القادرُ الذي لا يعجز عن بدءٍ ممكنٍ وإعادته ﴿الْحَكِيمُ
الذي يُجري الأفعال على سَنَنِ الحكمة والمصلحة.
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا﴾ يتبيَّن به بطلانُ الشرك ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: منتزعاً من أحوالها
التي هي أقربُ الأمور إليكم وأعرفُها عندكم، وأظهرُها دلالةً على ما ذكر من بطلان
الشرك؛ لكونها بطريق الأولوية. و((من)) لابتداء الغاية.
وقوله تعالى: ﴿هَل لَّكُمْ﴾ إلى آخره تصويرٌ للمَثَل، والاستفهامُ إنكاريٌّ بمعنى
النفي، و((لكم)) خبرٌ مقدَّمٌ، وقولُه تعالى: ﴿مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ في موضع الحال
من ((شركاء)» بعدُ لأنه نعتُ نكرةٍ تقدَّم عليها، والعاملُ فيها كما في ((البحر)) هو
العاملُ في الجارِّ والمجرور الواقع خبراً، و ((من)) للتبعيض، و ((ما)» واقعةٌ على
النوع، وقولُه تعالى: ﴿مِّنِ شُرَكَآءَ﴾ مبتدأ، و ((من)) مزيدةٌ لتأكيد النفي المستفادِ من
الاستفهام، وقولُه تعالى: ﴿فِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ((شركاء))، أي: هل شركاءُ
فيما رزقناكم من الأموال وما يجري مجراها ممَّا تتصرَّفون فيه كائنون من النوع
الذي ملكته أيمانُكم من نوع العبيد والإماء كائنون لكم(١).
وجوّز أن يكون ((لكم)) متعلِّقاً بـ ((شركاء))، ويكون ((فيما رزقناكم)) في موضع
الخبر، كما تقول: لزيدٍ في المدينة مبغض، فـ ((لزيد)) متعلقٌ بـ ((مبغض)) الذي هو
مبتدأ، و((في المدينة)) الخبر، أي: هل شركاءُ لكم كائنون ممَّا ملكته أيمانكم كائنون
فیما رزقناكم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾ جملةٌ في موضع الجواب للاستفهام
الإنكاريٌّ، و((فيه)) متعلُّقٌ بـ ((سواء)»، وفي الكلام محذوفٌ معطوفٌ على ((أنتم))،
أي: فأنتم وهم - أي: المماليك - مستوون فيه لا فرق بينكم وبينهم في التصرُّف
فيه .
(١) البحر ٧ / ١٧٠ -١٧١.

رَةُ الْرّوْمِنْ
٤٤٨
الآية : ٢٨
وقيل: لا حَذْفَ، و((أنتم)) شاملٌ للمماليك بطريق التغليب.
وقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ خبرٌ آخَرُ لـ ((أنتم)). وقال أبو البقاء: حالٌ من ضمير
(أنتم)) الفاعلِ في ((سواء))(١).
وقوله تعالى: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ في موضع الصفة لمصدرٍ محذوفٍ، أي:
تخافونهم أنْ تستبدُّوا بالتصرُّف فيه بدون رأيهم خيفةً كائنةً مثلَ خيفتكم مَن هو من
نوعكم، يعني الأحرارَ المساهمين لكم.
والمقصودُ نفي مضمون ما فضِّل من الجملة الاستفهامية، أي: لا تَرضَون بأن
يشارككم فيما رزقناكم من الأموال ونحوِها مماليكُكُم وهم أمثالُكم في البشرية غيرُ
مخلوقينَ لكم بل لله تعالى، فكيف تُشْرِكون به سبحانه في المعبودية التي هي من
خصائصه تعالى الذاتية مخلوقَه سبحانه، بل مصنوعَ مخلوقه جلَّ وعلا حيث
تصنعونه بأیدیکم ثم تعبدونه.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((أنفسُكم)) بالرفع(٢) على أنَّ المصدر مضافٌ للمفعول
و((أنفسُكم)) فاعلُه؛ قال أبو حيان: وهو وجهٌ حسنٌ، ولا قبحَ في إضافة المصدر إلى
المفعول مع وجود الفاعل(٣).
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التفصيلِ الواضح ﴿نُفَصِّلُ الْأَيَتِ﴾ أي: نبيِّنها
ونوضِّحها، لا تفصيلاً أدنى منه، فإنَّ التمثيل تصويرٌ للمعاني المعقولة بصورة
المحسوس، وإبرازٌ لأوابد المدرَكاتِ على هيئة المأنوس، فيكون في غاية الإيضاح
والبيان.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: يستعملون عقولهم في تدبُّر الأمثال. وقيل: في
تدبُّر (٤) الأمور مطلقاً، ويدخلُ في ذلك الأمثالُ دخولاً أوَّلِيًّا، وخصَّهم بالذكر مع
عموم تفصيل الآيات للكلِّ لأنهم المنتفعون بها .
(١) الإملاء ٤/ ١٧٥ .
(٢) البحر ١٧١/٧، والدر المصون ٤٣/٩، وتحرَّف: عبلة، في مطبوع البحر إلى: عبيدة.
(٣) البحر ٧/ ١٧١ .
(٤) في (م): تدبير، في الموضعين، وهو تصحيف.

الآية : ٢٩
٤٤٩
سُوَدَّةُ المُرُوفِ
وذكر العلّامة الطيبيُّ أنه لما كان ضربُ الأمثال لإدناء المتوهَّم إلى المعقول،
وإراءةِ المتخيَّل في صورة المحقَّق، ناسب أن تكون الفاصلةُ: ((لقوم يعقلون))(١).
وهذه النكتةُ هنا أظهرُ منها فيما تقدَّم (٢)، فتذكره.
وقرأ عباس عن أبي عمرو: ((يفضِّل)) بياء الغيبة(٣) رَغْياً لـ ((ضَرَبَ))؛ إذ هو مسندٌ
لِمَا يعود للغائب. وقراءةُ الجمهور بالنون للحَمْلِ على ((رزقناكم)).
وذكر بعض العلماء أنَّ في هذه الآية دليلاً على صحة أصل الشركة بين
المخلوقينَ لافتقار بعضهم إلى بعض، كأنه قيل: الممتنعُ المستقبَحُ شركةُ العبيد
الساداتهم، أمَّا شركةُ السادات بعضهم لبعض فلا تمتنعُ ولا تُستقبح.
﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ إعراضٌ عن مخاطبتهم ومحاولةِ إرشادهم إلى الحقِّ
بضَرْبِ المثل وتفصيلِ الآيات واستعمالِ المقدِّمات الحقَّةِ المعقولةِ، وبيانٌ لاستحالة
تبعيتهم للحقِّ، كأنه قيل: لم يعقلوا شيئاً من الآيات المفصّلة بل اتَّبعوا ﴿أَهْوَآءَهُم﴾
الزائغةَ، ووضع الموصول موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بأنهم في ذلك الاتِّباع
ظالمون واضعون للشيء في غير موضعه، أو ظالمون لأنفسهم بتعريضها للعذاب
الخالد.
﴿يِغَيْرِ عِلَّمٍ﴾ أي: جاهلين ببطلان ما أتوا، منكبِين عليه لا يصرفُهم عنه صارفٌ
حَسْبَما يَصْرِفُ العالمَ إذا اتَّبع الباطلَ عِلْمُه ببطلانه.
﴿فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللّهُ﴾ أي: خَلَقَ فيه الضلال وجَعَلَه كاسباً له باختياره
﴿وَمَا لَمْ﴾ أي: لمن أضلَّه الله تعالى، والجمعُ باعتبار المعنى ﴿مِّن نَّصِرِينَ
٢٩
يخلّصونهم من الضلال، ويحفظونهم من تَبِعاته وآفاته، على معنى: ليس لواحدٍ
منهم ناصرٌ واحدٌ على ما هو المشهور في مقابلة الجمع بالجمع.
(١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٢) عند تفسير الآية (٢٤) من هذه السورة.
(٣) البحر ٧/ ١٧١، وعباس هو ابن الفضل بن عمرو الواقفي الأنصاري، من أكابر أصحاب
أبي عمرو في القراءة. غاية النهاية ٣٥٣/٢. والقراءة في القراءات الشاذة ص١١٦ عن ابن
عباس.

سُورَةُ الُّومِنْ
٤٥٠
الآية : ٣٠
و (من)) مزيدةٌ لتأكيد النفي، والكلام مسوقٌ لتسلية رسوله وَلِهِ، وتوطئةً لأَمْرِه
عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفًاْ﴾ قال العلّامة
الطيبيُّ: إنه تعالى عقيبَ ما عدَّد الآيات البيّنات، والشواهدَ الدالّة على الوحدانية
ونفي الشرك وإثباتِ القول بالمعاد، وضَرَبَ سبحانه المَثَلَ، وقال سبحانه:
(كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أراد جلَّ شأنه أن يُسلِّي حبيبه صلوات الله
تعالى وسلامه عليه، ويوطّنه على اليأس من إيمانهم، فَأَضْرَبَ تعالى عن ذلك وقال
سبحانه: (بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَهْوَآءَهُم) وجَعَلَ السبب في ذلك أنه عزَّ وجل ما أراد
هدايتهم، وأنه مختومٌ على قلوبهم، ولذلك رتَّب عليه قولَه تعالى: (فَمَن يَهْدِى مَنْ
أَضَلَّ اللَّهُ) على التقريع والإنكار، ثم ذيَّل سبحانه الكلَّ بقوله تعالى: (وَمَا لَهُم مِّن
نَّصِرِينَ) يعني: إذا أراد الله تعالى منهم ذلك فلا مخلِّصَ لهم منه، ولا أحدَ ينقذهم
لا أنت ولا غيرُك، فلا تذهب نفسُك عليهم حسرات، فاهتمَّ بخاصَّةِ نفسِك ومَن
تَبِعِكَ، وأقم وجهك .. إلخ(١). اهـ، ومنه يُعلم حالُ الفاء في قوله تعالى: ((فَمَن))،
وكذا في قوله سبحانه: ((فأقِمْ)).
وقدَّر النيسابوريُّ للثانية: إذا تبيَّن الحقُّ وظهرت الوحدانية فأقم .. إلخ(٢).
ولعل ما أشار إليه الطيبيُّ أَوْلَى، ثم إنه يلوح من كلامه احتمال أن يكون
الموصولُ قائماً مقام ضمير ((الذين ظلموا)) فتدبّر.
و((أقم)) مِن أقام العود، ويقال: قوَّم العود أيضاً، إذا عدَّله، والمراد الأمرُ
بالإقبال على دين الإسلام والاستقامةِ والثبات عليه، والاهتمام بترتيب أسبابه على
أنَّ الكلام تمثيلٌ لذلك، فإنَّ مَن اهتمَّ بشيءٍ محسوسٍ بالبصر عقد إليه طَرْفَه، وسدّد
إليه نظره، وأقبل عليه بوجهه (٣) غيرَ متلفتٍ عنه، فكأنه قيل: فعدِّل وجهَكَ الدِّين
وأَقْبِلْ عليه إقبالاً كاملاً غيرَ ملتفتٍ يميناً وشمالاً .
وقال بعض الأجِلَّة: إنَّ إقامة الوجه للشيء كنايةٌ عن كمال الاهتمام به. ولعله
(١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٢) غرائب القرآن للنيسابوري ٣٣/٢١.
(٣) في (م): بوجه.

الآية : ٣٠
٤٥١
سُوَّةُ الُوفِ
أراد بالكناية المجازَ المتفرِّعَ على الكناية؛ فإنه لا يُشترط فيه إمكانُ إرادة المعنى
الحقيقيّ.
ونُصب ((حنيفاً)) على الحال من الضمير في ((أقم))، أو من ((الدِّين))، وجوَّز
أبو حيان كونَه حالاً من الوجه (١).
وأصل الحَنَفِ: الميلُ من الضلال إلى الاستقامة، وضدُّه الجَنَفُ بالجيم.
﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ﴾ نصبٌ على الإغراء، أي: الْزَموا فطرةَ الله تعالى، ومَن أجاز
إضمارَ أسماء الأفعال جوَّز أن يقدَّر هنا ((عليكم)) اسم فعل.
وقال مكِّي: هو نصبٌ بإضمارٍ فعلٍ، أي: اتَّبع فطرةَ الله، ودلَّ عليه قولُه
تعالى: (فَأَقِرْ وَجْهَكَ لِلذِينِ) لأنَّ معناه: اتَّبع الدِّين(٢). واختاره الطيبيُّ وقال: إنه
أقربُ في تأليف النظم؛ لأنه موافقٌ لقوله تعالى: (بَلِ أَنَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَ هُم)،
ولترتُّب قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ) عليه بالفاءِ(٣).
وجوِّز أن يكون نصباً بإضمارِ أعني، وأن يكون مفعولاً مطلقاً لفعلٍ محذوفٍ دلَّ
عليه ما بعدُ، أي: فَطَرَكم فطرةَ الله. ولا يصحُّ عَملُ ((فَطَرَ)) المذكورِ بعدُ فيه؛ لأنه
من صفته. وأن يكون منصوباً بما دلَّ عليه الجملة السابقة على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ
لنفسه. وأن يكون بدلاً من ((حنيفاً)).
والمتبادرُ إلى الذهن النصبُ على الإغراء، وإضمارُ الفعل على خطاب الجماعة
مع أنَّ المتقدِّم ((فأقم)) هو ما اختاره الزمخشريُّ(٤)؛ ليطابق قوله تعالى: (مُنِينَ إِلَيْهِ)
وجَعَلَه حالاً من ضمير الجماعة المسندِ إليه الفعلُ، وجَعَلَ قوله تعالى: (وَأَتَّقُوهُ
وَأَقِيمُوا) (وَلَا تَكُونُواْ) معطوفاً على ذلك الفعل.
وقال الطيبيُّ بعد ما اختار تقديرَ: أَّبِعْ، ورجَّحه بما سمعتَ: وأمَّا قوله تعالى:
(١) البحر ١٧١/٧.
(٢) مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ٢/ ٥٦١ .
(٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية.
(٤) في الكشاف ٣/ ٢٢٢، وقدَّر فيه الفعل: الزموا فطرة الله، أو: عليكم فطرة الله.
:

سُوَّةُ الُوضِ
٤٥٢
الآية : ٣٠
(مُنِيِينَ) فهو حالٌ من الضمير في ((أقم))، وإنما جُمع لأنه مردودٌ(١) على المعنى؛
لأنَّ الخطاب للنبيِّ وَّهِ وهو خطابٌ لأمته، فكأنه قيل: أقيموا وجوهكم منيبين.
وقال الفرَّاء: أي: أقم وجهك ومَن اتَّبعك، كقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَّا أُمِرْتَ وَمَنْ
تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] فلذلك قال سبحانه: (مُنِينَ). وفي ((المرشد)) أنَّ ((منيبين))
متعلِّقٌ بمضمرٍ، أي: كونوا منيبين؛ لقوله تعالى بعدُ: (وَلَا تَكُونُواْ مِنَ
اُلْمُشْرِكِينَ)(٢). اهـ.
ولا يخفى على المنصِفِ حُسْنُ كلام الزمخشريِّ، وما ذكر من أنَّ خطابه وَله
خطابُ الأمة يؤكّد الدلالة على ذلك المضمر، لا أنه يجوز أن يكون ((منيبين)) حالاً
من الضمير في ((أقم)). وظاهرُ كلام الفرَّاء يقتضي كونَ الحال من مذكورٍ ومحذوفٍ،
وهو قليلٌ في الكلام، وإضمارُ ((كونوا)) مع إضمار فعلٍ ناصب لـ ((فطرة الله)) موجبٌ
لكثرة الإضمار، وإضمارُه دون إضمارٍ فيما قبلُ موجبٌ لارتكاب خلافِ المتبادر
هناك.
والفطرةُ على ما قال ابن الأثير للحالة، كالجِلْسة والرِّكبة، من الفَظْرِ بمعنى
الابتداء والاختراع(٣). وفسَّرها الكثير هنا بقابلية الحقِّ والتهيُّؤْ لإدراكه، وقالوا:
معنى لزومِها الجريانُ على موجبها وعدمُ الإخلال به باتِّباع الهوى وتسويلٍ شياطين
الإنس والجنِّ، ووَصْفُها بقوله تعالى: ﴿الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ لتأكيد وجوب امتثال
الأمر.
وعن عكرمةَ تفسيرُها بدين الإسلام، وفي الخبر ما يدلُّ عليه؛ أخرج ابن مردويه
عن حماد بن عمر الصفَّار قال: سألتُ قتادةَ عن قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيَهًا﴾ فقال: حدَّثني أنس بن مالك ◌َُّه قال: قال رسول الله بَّهُ: ((فطرةُ اللهِ
التي فَطَرَ الناسَ عليها دينُ الله تعالى))(٤).
(١) في (م): مردد، وهو تصحيف.
(٢) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وقول الفراء في معاني القرآن ٣٢٥/٢.
(٣) النهاية (فطر).
(٤) الدر المنثور ٥/ ١٥٥.

الآية : ٣٠
٤٥٣
سُورَةُ الُوفِ
والمرادُ بفَظْرِهم على دين الإسلام: خَلْقُهم قابلينَ له غيرَ نابينَ عنه ولا منكرين
له؛ لكونه مجاوباً للعقل مُساوِقاً للنظر الصحيح، حتى لو تُركوا لَمَا اختاروا عليه
ديناً آخر، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقر: ((ما من مولودٍ
يولَدُ إلَّا على الفطرة، فأبواه يهوِّدانِهِ أو ينصِّرانِهِ أو يمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً
جمعاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاءَ؟))(١).
والمراد بـ ((الناس)) على التفسيرين جميعهم، وزعم بعضهم أنَّ المراد بهم على
التفسير الثاني المؤمنون، وليس بشيءٍ.
واستشكل الاستغراق بأنه ورد في الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام أنه طُبع
على الكفر. وأجيب بأنَّ معنى ذلك أنه قدِّر أنه لو عاش يصير كافراً بإضلال غيره
له، أو بآفةٍ من الآفات البشرية، وهذا - على ما قيل - هو المرادُ من قوله عليه
الصلاة والسلام: ((الشقيُّ شقيٌّ في بطن أمه))(٢) وذلك لا ينافي الفَظْرَ على دين
الإسلام بمعنَى خَلْقِهِ متهيًّ له مستعدًّا لقبوله، فتأمَّلْ فالمقامُ محتاج بعدُ إلى تحقيق.
وقيل: فطرة الله: العهدُ المأخوذُ على بني آدم، ومعنى فَظْرِهم على ذلك - على
ما قيل - خَلْقُهم مركوزاً فيهم معرفتُه تعالى كما أُشير إليه بقوله سبحانه: ﴿وَلَپن
سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨].
وقوله سبحانه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ﴾ تعليلٌ للأمر بلزوم فطرته تعالى، أو
لوجوب الامتثال به، فالمرادُ بخَلْقِ الله فطرتُه المذكورةُ أوَّلاً، ففيه إقامةُ المظهَرِ
مقامَ المضمَرِ من غير لَفْظِه السابق، والمعنى: لا صحةَ ولا استقامةً لتبديل فطرة الله
تعالى بالإخلال بموجبها، وعَدَمِ ترتيب مقتضاها عليها باتِّباع الهوى وقبولٍ وسوسة
الشياطين.
وقيل: المعنى: لا يقدرُ أحدٌ على أن يغيِّر خَلْقَ الله سبحانه وفطرته عز وجل،
فلا بدَّ مِن حَمْلِ التبديل على تبديل نفس الفطرة بإزالتها رأساً، ووَضْعِ فطرةٍ أخرى
(١) صحيح البخاري (١٣٥٨)، وصحيح مسلم (٢٦٥٨)، وهو عند أحمد (٧٧١٢).
(٢) قطعة من حديث أخرجه ابن ماجه (٤٦) عن ابن مسعود ظله بلفظ: ((ألا إنما الشقي مَن
شَقِي ... ))، وسلف ١٢/ ١٢٤ .

سُوَّةُ الُومِن
٤٥٤
الآية : ٣٠
مكانَها غيرِ مصحّحةٍ لقبول الحقِّ والتمكّنِ من إدراكه ضرورةً، فإنَّ التبديل بالمعنى
الأولِ مقدورٌ بل واقعٌ قطعاً، فالتعليلُ حينئذٍ من جهةِ أنَّ سلامة الفطرة متحقِّقةٌ في
كلِّ أحدٍ، فلا بدَّ من لزومها بترتيب مقتضاها عليها، وعدم الإخلال به بما ذكر من
اتِّباع الهوى ووسوسةِ الشياطين.
وقال الإمام(١): يحتمل أن يقال: إنَّ الله تعالى خَلَقَ خَلْقَه للعبادة، وهم كلُّهم
عبيدُه، ((لا تبديل لخلق الله)) أي: ليس كونُهم عبيداً مثلَ كونِ المملوك عبداً
للإنسان، فإنه ينتقل عنه إلى غيره ويخرج عن ملكه بالعتق، بل لا خروجَ للخلق عن
العبادة والعبودية. وهذا لبيانِ فسادٍ قولِ مَن يقول: العبادةُ لتحصيلِ الكمال، وإذا
كمل العبدُ بها لا يبقى عليه تكليفٌ. وقولِ المشركين: إنَّ الناقص(٢) لا يصلُحُ
لعبادة الله تعالى، وإنما يعبد نحوَ الكواكبِ وهي عبيد الله تعالى. وقولِ النصارى:
إنَّ عيسى عليه السلام كمل بحلول الله تعالى فيه وصار إلهاً. اهـ، وفيه ما فيه.
ومما يُستغرَبُ ما رُوي عن ابن عباس من أنَّ معنى ((لا تبديل لخلق الله)): النهيُ
عن خصاء الفحول من الحيوان.
وقيل: إنَّ الكلام متعلِّقٌ بالكفرة، كأنه قيل: فأقِمْ وجهك للدِّين حنيفاً والْزَمْ
فطرةَ الله التي فَطَرَ الناس عليها، فإنَّ هؤلاء الكفرةَ خَلَقَ الله تعالى لهم الكفرَ،
ولا تبديل لخلق الله، أي: إنهم لا يفلحون. وأنت تعلمُ أنه لا ينبغي حملُ كلام الله
تعالى على نحو هذا.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الدِّين المأمور بإقامة الوجهِ له، أو إلى لزوم فطرة الله تعالى
المستفادِ من الإغراء، أو إلى الفطرة، والتذكيرُ باعتبارِ الخبر، أو بتأويلِ المشارِ إليه
بمذكَّرٍ. ﴿الَّذِيْثُ الْقَيِّرُ﴾ المستوي الذي لا عوج فيه ولا انحرافَ عن الحقِّ بوجهٍ من
الوجوه كما يُنْبئُ عنه صيغة المبالغة، وأصلُه: قَيْوِمِ على وَزْنِ فَيْعِل، اجتمعت الواوُ
والياء وسُبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياءً وأدغمت الياء فيها .
(١) في تفسيره ٢٥/ ١٢٠، وذكره عنه أيضاً النيسابوري في غرائب القرآن ٣٤/٢١.
(٢) في (م): الناقض، وهو تصحيف. وجاء في غرائب القرآن بدلاً من المشركين: الصابئة
وبعض أهل الشك.

الآية : ٣١ - ٣٢
٤٥٥
سُورَةُ الرّومِنُ
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ ذلك فيصدُّون عنه صدوداً. وقيل:
أي: لا عِلْمَ لهم أصلاً، ولو علموا لعلموا ذلك، على أنَّ الفعل منزَّلٌ منزلةَ اللازم.
﴿مُنِنَ إِلَيْهِ﴾ أي: راجعين إليه تعالى بالتوبة وإخلاص العمل، من ناب نوبةً
ونوباً: إذ رجع مرةً بعد أخرى. ومنه النُّوْبُ، أي: النحل؛ سمِّيت بذلك لرجوعها
إلى مقرِّها .
وقيل: أي: منقطعين إليه تعالى، من الناب: السنُّ خلفَ الرباعية؛ لما يكون
بها من الانقطاع ما لا يكون بغيرها. وتُعقّب بأنه بعيدٌ؛ لأنَّ الناب يائيٍّ وهذا
واويٌّ، وقد تقدَّم غيرَ بعيدٍ عدَّةُ أقوالٍ في وجه نَصْبِهِ، وزاد عليها في ((البحر)(١)
القول بكونه نصباً على الحال من ((الناس)) في قوله تعالى: (فَطَرَ النَّاسَ) وقدَّمه على
سائر الأقوال، وهو كما ترى.
وتقدَّم أيضاً ما قيل في عَظْفِ قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُوهُ﴾ أي: من مخالفة أمره
تعالى: ﴿وَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ المبدِّلين لفطرة الله سبحانه
تبديلاً، والظاهرُ أنَّ المراد بهم كلُّ مَن أشرك بالله عز وجل. والنهيُ متصلٌ بالأوامر
قبله. وقيل: بـ ((أقيموا الصلاة))، والمعنى: ولا تكونوا من المشركين بتركها، وإليه
ذهب محمد بن أسلم الطوسيُّ(٢)، وهو كما ترى.
وقولُه تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ بدلٌ من ((المشركين)) بإعادة الجارِّ،
وتفريقُهم لدينهم اختلافُهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم. وقيل: اختلافُهم في
اعتقاداتهم مع اتحاد معبودهم. وفائدةُ الإبدال التحذيرُ عن الانتماء إلى حزبٍ من
أحزاب المشركين ببيانِ أنَّ الكلَّ على الضلال المبين.
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((فارَقوا))(٣) أي: تركوا دينهم الذي أُمروا به، أو الذي
اقتضته فطرتُهم .
(١) ٧/ ١٧٢.
(٢) أبو الحسن، الكندي مولاهم، الإمام الحافظ الرباني، سمع يزيد بن هارون، وأبا نعيم،
والنضر بن شُميل، وغيرهم، وحدث عنه ابن خزيمة وغيره. صنف المسند، والأربعين، وغير
ذلك، توفي (٢٤٢هـ). التاريخ الصغير للبخاري ٣٧٧/٢، وسير أعلام النبلاء ١٩٥/١٢ .
(٣) التيسير ص١٠٨، والنشر ٢٦٦/٢.

سُوَدَةُ الُومِنْ
٤٥٦
الآية : ٣٣
﴿وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ أي: فرقاً تُشايعُ كلُّ فرقةٍ إمامها الذي مهدَ لها دينَها وقرّره
ووضع أصوله.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الدِّين المعوجِّ المؤسَّسِ على الرأي الزائغ والزَّعْمِ
الباطل ﴿فَرِعُونَ (®﴾ مسرورون ظنًّا منهم أنه حقٌّ. والجملة قيل: اعتراضٌ مقرِّرَ
لمضمون ما قبله من تفريق دينهم وكونهم شيعاً. وقيل: في موضع نصبٍ على أنها
صفةُ (شيعاً)) بتقدير العائد، أي: كلُّ حزبٍ منهم. وزعم بعضُهم كونَها حالاً .
وجوِّز أن يكون ((فرحون)) صفةً لـ ((كل))، كقول الشمَّاخ:
لوصلٍ خليلٍ صارمٌ أو مُعارِزُ(١)
وكلُّ خليلٍ غيرُ هاضٍ نفسِه
والخبرُ هو الظرف المتقدِّم، أعني قولَه تعالى: (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ)،
فيكون منقطعاً عمَّا قبله. وضعِّفَ بأنه يوصف المضافُ إليه في نحوه، صرَّح به
الشيخُ ابن الحاجب في قوله:
وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه لعَمْرُ أبيك إلا الفرقدان(٢)
وفي ((البحر)): أنَّ وصف المضاف إليه في نحوه هو الأكثر، وأنشد قوله:
فتركْنَ كلَّ حديقةٍ كالدرهم (١)
جادتْ عليه كلُّ عينٍ ثرَّةٍ
وما قيل: إنه إذا وُصف به ((كل)) دلَّ على أنَّ الفرح شاملٌ للكلِّ وهو أبلغ، ليس
بشيءٍ، بل العكسُ أبلغُ لو تؤمِّلَ أدنى تأمُّلٍ .
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ﴾ أي: شدَّةٌ ﴿رَعَوْاْ رَّهُمْ تُنِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه تعالى من
دعاء غيره عزَّ وجل من الأصنام وغيرها .
﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةٌ﴾ خلاصاً من تلك الشدّة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِيِّهِمْ﴾ الذين
(١) ديوان الشماخ ص١٧٣، والمعاني الكبير لابن قتيبة ١٢٥٦/٣، وأمالي القالي ١٩٨/١،
وفيه: هاضم: كاسر، والمعارز: المجانب. وقال القالي: يقال: رأيت فلاناً اعترز مني،
أي: انقبض، يقول: كلُّ مَن لم يظلم نفسه لأخيه ويحمل عليها فإنه قاطعٌ أو منقبضٌ.
(٢) سلف ٣/ ٣٧٠ و١١٧/١٢.
(٣) البحر ١٧٢/٧، والبيت لعنترة، وسلف عند تفسير الآية (١١١) من سورة الأنعام. ووقع في
الأصل و(م) والبحر: ترة، والصواب ما أثبتناه.
:

الآية : ٣٤ - ٣٥
٤٥٧
سُوَرَةُ الُضْ
كانوا دعَوْه منيبين إليه ﴿يُشْرِكُونَ ﴾ أي: فاجأ فريقٌ منهم الإشراكَ، وذلك بنسبةٍ
خلاصهم إلى غيره تعالى من صنمٍ أو كوكبٍ أو نحو ذلك من المخلوقات.
وتخصيصُ هذا الفعل ببعضهم لِمَا أنَّ بعضهم ليسوا كذلك. وتنكيرُ ((ضرّ)) و((رحمة))
للتعليل إشارةً إلى أنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبةٍ، ويَظْغَون لأدنى نعمةٍ،
و(ثم)) للتراخي الرُّتْبي أو الزمانيِّ.
﴿ِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَانَيْنَهُمْ﴾ اللامُ فيه للعاقبة. وكونُها (١) تقتضي المهلةَ ولذا سمِّيت
لامَ المآل، والشركُ والكفرُ متقاربان لا مهلةً بينهما كما قيل، لا وجه له.
وقيل: للأمر، وهو للتهديد، كما يقال عند الغضب: اعْصِني ما استطعتَ،
وهو مناسبٌ لقوله سبحانه: ﴿فَتَمَثَّعُواْ﴾، فإنه أمرٌ تهديدي، واحتمالُ كونه ماضياً
معطوفاً على ((يشركون)) لا يخفى حالُه، والفاءُ للسببية، والتمتُّع: التلذُّذ، وفيه
التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (9) وبالَ تَمتُّعِكم.
وقرأ أبو العالية: ((فُيُمثَّعوا)) بالياء التحتية مبنيًّا للمفعول، وهو معطوف على
(يكفروا))، ((فسوف يعلمون)) بالياء التحتية أيضاً(٢).
وعن أبي العالية أيضاً: ((فيتمثّعوا)) بياءٍ تحتيةٍ قبل التاء، وهو معطوفٌ على
(يكفروا)) أيضاً(٣).
وعن ابن مسعود: ((وليتمتعوا)» باللام والياء التحتية(٤)، وهو عطفٌ على
((لیكفروا)).
مَ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة إيذاناً بالإعراض عنهم،
وتعديداً لجناياتهم لغيرهم بطريق المباثَّة(٥)، و((أم)) منقطعة، والسلطانُ: الحجةُ،
فالإنزالُ مجازٌ عن التعليم أو الإعلام، وقولُه تعالى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ بمعنى: فهو
(١) أي: لام العاقبة.
(٢) المحتسب ١٦٤/٢، والبحر ١٧٣/٧، وقراءة (يعلمون)) في القراءات الشاذة ص١١٦.
(٣) البحر ١٧٣/٧ .
(٤) الكشاف ٢٢٢/٣.
(٥) من بائَّه الخبر: أطلعه عليه. معجم متن اللغة (بثث).

سُورَةُ الُوضِ
٤٥٨
الآية : ٣٦
يدلُّ، على أنَّ التكلُّم مجازٌ عن الدلالة، ولك أن تعتبر هنا جميعَ ما اعتبروه في
قولهم: نطقت الحال، من الاحتمالات.
ويجوز أن يراد بـ ((سلطاناً)): ذا سلطان، أي: مَلَكاً معه برهانٌ، فلا مجازَ أوَّلاً
وآخِراً.
وجملة ((هو يتكلّم)) جوابٌ للاستفهام الذي تضمَّنته ((أم))؛ إذ المعنى: بل أأنزلنا
عليهم سلطاناً فهو يتكلّم ﴿بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُنَ (9)﴾ أي: بإشراكهم بالله عز وجل
وصحَّته، على أنَّ ((ما)) مصدرية وضمير ((به)) له تعالى، أو بالأمر الذي يشركون
بسببه وألوهيته(١)، على أنَّ ((ما)) موصولةٌ، وضمير ((به)) لها، والباءُ سببيةٌ، والمراد
نفيُ أن يكون لهم مستمسكٌ يعوَّلُ عليه في شركهم.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ﴾ أي: نعمةً، من صحةٍ وسعةٍ ونحوهما ﴿فَرِحُواْ بَِّ﴾
بطراً وأشراً، فإنه الفرحُ المذمومُ دون الفرح حمداً وشكراً. وهو المراد في قوله
تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]. وقال الإمام: المذمومُ
الفرحُ بنفس الرحمة، والممدوحُ الفرحُ برحمة الله تعالى من حيث إنها مضافةٌ إلى الله
تعالی(٢).
٣٦)
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَِّئَةٌ﴾ شدَّةٌ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيِهِمْ﴾ بشؤم معاصيهم ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
أي: فاجَؤوا القنوطَ من رحمته عزَّ وجلَّ.
والتعبير بـ ((إذا)) أوَّلاً لتحقُّق الرحمة وكثرتها دون المقابل. وفي نسبة الرحمة إليه
تعالى دون السيئة تعليمٌ للعباد أن لا يُضاف إليه سبحانه الشرُّ، وهو كثيرٌ كقوله
تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ﴾ و﴿الْمَغْضُوبِ﴾ في ((الفاتحة)). وعدمُ بيانِ سبب إذاقة الرحمة
وبيانُ سبب إصابة السيئة إشارةٌ إلى أن الأول تفضُّلٌ والثاني عدلٌ. والتعبيرُ
بالمضارع في ((إذا هم يقنطون)) لرعاية الفاصلة والدلالةِ على الاستمرار في القنوط.
(١) قوله: وألوهيته، كذا في إحدى نسخ البيضاوي كما ذكر الشهاب في الحاشية ٧/ ١٢٢
وقال: وهو معطوف على الأمر، والضمير للشريك، وجاء في غيرها من النسخ: في
ألوهيته.
(٢) تفسير الرازي ١٢٣/٢٥.

الآية : ٣٧
٤٥٩
سُوَّةُ الُوضِ
والمراد بالناس إمَّا فريقٌ آخَرُ غيرُ الأول، على أنَّ التعريف للعهد أو للجنس،
وإمّا الفريقُ الأول لكنَّ الحكم الأول ثابتٌ لهم في حالٍ تُدْهِشُهم كمشاهدة الغرق،
وهذا الحكم في حالٍ آخَرَ لهم، فلا مخالفةً بين قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرّ دَعَوْا
رَهُمْ تُنِينَ إِلَيْهِ) وقوله سبحانه: (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيَِّةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْتَطُونَ)
فلا يحتاجُ إلى تكلَّفِ التوفيق بأنَّ الدعاء اللسانيَّ جارٍ على العادة فلا ينافي القنوطَ
القلبي، ولذا سُمع بعضُ الخائضين في دم عثمان رَُّه يدعو في طوافه ويقول: اللهمَّ
اغْفِرْ لي ولا أظنك تفعل. أو المراد: يفعلون فِعْلَ القانطين، كالاهتمام بجمع
الذخائر أيامَ الغلاء، ولا يخفى أنَّ في المفاجأة نَبْوَةٌ ما عن هذا، فتأمَّل.
وقرئ: ((يقتِطون)) بكسر النون(١).
﴿أَوَلَمْ يَرَوَا﴾ أي: ألم ينظروا ولم يشاهدوا ﴿أَنَّ الََّ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أنْ
يبسطه تعالى له ﴿وَيَقْدِرٌ﴾ أي: ويضيِّقُه على مَن يشاء أن يضيِّقه عليه. وهذا
إما باعتبارٍ شخصين، أو باعتبار شخصٍ واحد في زمانين. والمرادُ إنكارُ فرحِهم
وقنوطِهم في حالتي الرخاء والشدة، أي: أولم يروا ذلك، فما لهم لم يشكروا ولم
يحتسبوا في السرَّاء والضرَّاء كالمؤمنين.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ المذكور، أي: البَسْطِ وضدِّه، أو جميع ما ذكر ﴿لَيَتٍ لِقَوْمِ
يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ فيستدلَّون بها على كمال القدرة والحكمة، ولله تعالى درُّ مَن قال:
نَگَدُ الأریپِ وطِیبُ عیشِ الجاهل
قد أرشداك إلى حكيم كامل(٢)
قال الطيبيُّ: كانت الفاصلة قوله تعالى: (لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ) إيذاناً بأنه تعالى يفعل
ذلك بمحض مشيئته سبحانه، وليس الغِنَى بفعل العبد وجهده، ولا العُدْمُ بعَجْزِه
وتقاعُدِهِ، ولا يَعرف ذلك إلا مَن آمن بأنَّ ذلك تقديرُ العزيز العليم، كما قال:
مستكملِ العقلِ مُقِلِّ عديمْ
كم من أديبٍ فَهِمٍ قلبُه
ذلك تقديرُ العزيز العليم (٣)
ومِن جهولٍ مكثَرٍ مالُه
(١) التيسير ص١٣٦، والنشر ٣٠٢/٢، وهي قراءة أبي عمرو والكسائي ويعقوب وخلف.
(٢) حاشية الشهاب ١٢٣/٧ .
(٣) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير الآية (٢٨) من هذه السورة، والبيتان نسبهما ابن

سُؤَدَّةُ الُوضِ
٤٦٠
الآية : ٣٨
﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ من الصِّلة والصَّدقة وسائرِ المَبَرَّاتِ ﴿وَاُلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ﴾ ما يستحقّانه، والخطابُ للنبيِّ وَِّ على أنه عليه الصلاة والسلام المقصودُ
أصالةً، وغيرُه من المؤمنين تبعاً. وقال الحسن: هو خطابٌ لكلِّ سامع. وجوَّز غيرُ
واحدٍ أن يكون لمن بسط له الرزق.
ووجهُ تعلُّقِ هذا الأمرِ بما قبله واقترانِه بالفاء على ما ذكره الزمخشريُّ: أنه
تعالى لمَّا ذكر أنَّ السيئة أصابتهم بما قدَّمتْ أيديهم أَتْبعَه ذِكْرَ ما يجب أن يُفْعَلَ.
وما يجب أن يُترك(١).
وحاصلُه على ما في ((الكشف)): أنَّ امتثال أوامره تعالى مَجْلَبةُ رضاه والحياةُ
الطيبةُ تتبعه، كما أن عصيانه سبحانه مجلبةُ سخطه والجدبُ والضِّيقةُ من روادفه،
فإذا استبان ذلك فآتٍ يا محمد ومَن تبعه - أو فآتٍ يا مَن بُسط له الرزق ــ ذا القربى
حقه .. إلخ.
وذكر الإمام وجهاً آخر مبنيًّا على أنَّ الأمر متفرٌِّ على حديث البَسْطِ والقَدْرِ،
وهو أنه تعالى لمَّا بَيَّن أنه سبحانه يبسطُ ويَقدِرُ، أَمَرَ جلَّ وعلا بالإنفاق إيذاناً بأنه
لا ينبغي أن يتوقَّف الإنسان في الإحسان، فإنَّ الله تعالى إذا بسط الرزق لا ينقصُ
بالإنفاق، وإذا قَدَرَ لا يزداد بالإمساك(٢)، كما قيل:
على الناس طرًّا إنها تتقلَّبُ
إذا جادت الدنیا علیك نجُذْ بها
ولا البخلُ يبقيها إذا هي تذهبُ(٣)
فلا الجودُ يُفْنيها إذا هي أقبلت
قال صاحب ((الكشف)) رَوَّحَ الله تعالى رُوحَه: إنَّ ما ذكره الزمخشريُّ أوفقُ
التأليف النظم الجليل؛ فإنَّ قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُ الْرِزْقَ) لتتميم الإنكار
= عبد البر في بهجة المجالس ١٤١/١ للبربري، والقزويني في التدوين في أخبار قزوين
٤٩٣/٢ لذي النون المصري، وهما في الديوان المنسوب للإمام عليٍّ ظُه ص٩٣،
ووقع في (م): أريب، بدل: أديب، والمثبت من الأصل والمصادر عدا بهجة
المجالس، وفيه: كم من لبيب ...
(١) الكشاف ٣/ ٢٢٣.
(٢) تفسير الرازي ٢٥/ ١٢٤ .
(٣) ذكرهما الشهاب في الحاشية ٧/ ١٢٣، ووقع في الأصل و(م): إذ جادت، والمثبت من
الحاشية.