Indexed OCR Text
Pages 381-400
الآية : ٥١ ٣٨١ سُورَةُ الجَنْكُتِ وتعقِّب بأنَّ السياق والسباق مع الكفرة، وأنَّ الظاهر كونُ ((أَوَلَمْ يكفهم)) الآيةَ جواباً لقولهم: ((لولا أُنزل)) إلخ، وفي جَعْلِ سبب النزول ما ذُكر خروجٌ عن ذلك، فتأمَّل . وعليه تكون الآية دليلاً لمن مَنَعَ تتبُّع التوراة ونحوِها، ورُوي هذا المنعُ عن عائشةَ ﴿ّا؛ أخرج ابن عساكر عن [ابن] أبي مليكةً قال: أَهْدَى عبدُ الله بنُ عامر بن ركن إلى عائشة ﴿ّا هديةً، فظنَّت أنه عبد الله بن عمرو، فردتها وقالت: يتتبَّعُ الكتبَ وقد قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْحِكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) فقيل لها: إنه عبد الله بن عامر، فقَبِلَتْها(١). وجاء في عدَّة أخبارٍ ما يقتضي المنعَ؛ أخرج عبد الرزاق في ((المصنف))، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن الزهريِّ أنَّ حفصةَ جاءت إلى النبيِّ نَّهِ بكتابٍ من قصص يوسف في كتفٍ، فجعلت تقرؤه عليه والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يتلوَّنُ وجههُ، فقال: ((والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسفُ وأنا بينكم فاتَّبعتُموه وتركتُموني ضَلَلْتُم، أنا حظّكم من النبيين وأنتم حِّي من الأمم))(٢). وأخرج عبد الرزاق والبيهقيُّ أيضاً عن أبي قلابةَ أنَّ عمر بن الخطاب ظُه مرَّ برجلٍ يقرأ كتاباً فاستمعه ساعةً فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي من هذا الكتاب. قال: نعم. فاشترى أديماً فهيَّأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى النبيَّ وَّهِ فجعل يقرؤه عليه، وجَعَلَ وجهُ رسول الله وَّه يتلوَّنُ، فضرب رجلٌ من الأنصار الكتابَ وقال: ثَكِلَتْكَ أمُّك يا ابنَ الخطاب، ألا ترى وجهَ رسول الله وَّل منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب؟! فقال النبيُّ وَّ عند ذلك: ((إنما بُعثْتُ فاتحاً وخاتماً وأُعطيتُ جوامعَ الكَلِمِ وخواتمه، واختُصِرَ لي الحديث اختصاراً، فلا يهلكنَّكم المتهوِّكون))(٣) أي: الواقعون في كلِّ أمرٍ بغير رويَّةٍ. وقيل: (١) تاريخ ابن عساكر ١٧٠/٥٢، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٩/ ٣٠٧٣، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٤٩/٥، وما بين حاصرتين من المصادر. (٢) مصنف عبد الرزاق (١٠١٦٥) و(٢٠٠٦١)، والشعب (٥٢٠٥) وفي إسناده انقطاع بين الزهري وحفصة. (٣) مصنف عبد الرزاق (١٠١٦٣) و(٢٠٠٦٢)، والشعب (٥٢٠٢)، وأخرجه بنحوه أبو داود في سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٨٢ الآية : ٥٢ المتحيِّرون. إلى غير (١) ذلك من الأخبار. وحقَّق بعضُهم أنَّ المنع إنما هو عند خوفٍ فسادٍ في الدِّين، وذلك مما لا شبهةً فيه في صدر الإسلام، وعليه تُحْمَلُ الأخبار، وقد تقدَّم الكلام في ذلك فتذكَّرَ(٢). ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: عالماً بما صَدَرَ عنِّي من التبليغ والإنذار، وبما صَدَرَ عنكم من مقابلتي بالتكذيب والإنكار، فيجازي سبحانه كلّا بما يليقُ به. ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ أي: من الأمور التي من جملتها شأني وشأنُكم، فهو تقريرٌ لِمَا قبله من كفايته تعالى شهيداً. وجوِّز أن يكون المعنى: كفى به عزَّ وجلَّ شاهداً بصِدْقي، أي: مصدِّقاً لي فيما اذَّعيتُه بالمعجزات تصديقَ الشاهد لدعوى المدَّعي، وجملة ((يعلم)) إما صفةُ (شهيداً) أو حالٌ أو استئنافٌ لتعلیل کفایته. وقيل عليه: إنَّ هذا الوجه لا يلائمه قولُه تعالى: (بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ) سواءٌ تعلَّق بـ (كفى)) أو بـ ((شهيداً))، ولا قولُه سبحانه: (يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَنَوَتِ) إلخ. وفيه تأمُّلٌ. وقد يؤيَّد ذلك بما روي أنَّ كعب بن الأشرف وأصحابَه قالوا: يا محمد، مَن يشهدُ بأنك رسول الله؟ فنزلت: (قُلْ كَفَى) الآية(٣). إلا أن في القلب من صحة هذه الرواية شيئاً؛ لِمَا أنَّ السياق والسباق مع كفرة قريشٍ، فلا تغفل. وأيًّا ما كان فلا منافاةَ بين هذه الآية وقولِه تعالى: ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَگُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣] بناءً على أنَّ المعنى: لا تستشهدوا بالله تعالى، ولا تقولوا: اللهُ = المراسيل (٤٥٥). وروي نحوه متصلاً من حديث عمر ته، وهو عند الضياء في المختارة (١١٥)، وأبي يعلى كما في مجمع الزوائد ١٧٣/١ و١٨٢، وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف. (١) قوله: غير، ساقط من (م). (٢) ينظر ما سلف ١٩٧/٢٠ -١٩٨. (٣) الكشاف ٢٠٩/٣. الآية : ٥٢ ٣٨٣ سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ تعالى يشهدُ أنَّ ما ندَّعيه حقٌّ، كما يقوله العاجزُ عن إقامة البيِّنة، إمَّا لأنَّ الشهيد هاهنا بمعنى العالِم والكلامُ وعدٌ ووعيد، وإمَّا بمعنى المصدَّق بالمعجزات، وليست الشهادةُ بأحد المعنيين هناك. والباء في ((بالله)) زائدةٌ والاسم الجليل فاعلُ ((كفى)). وقال الزجَّاج: إنَّ الباء دخلت لتضمُّن ((كَفَى)) معنى اكْتَفٍ (١). فالباء كما قال اللقاني معدِّيةٌ لا زائدة. قال ابنُ هشام في ((المغني))(٢): وهو من الحُسْن بمكانٍ، ويصحِّحه قولُهم: اتَّقَى اللهَ تعالى امرؤٌ فَعلَ خيراً يُثَبْ عليه، أي: ليتَّقِ، بدليلٍ جَزْمٍ: يُثَبْ، ويوجبُه قولُهم: كفى بهندٍ، بتَرْكِ التاء، فإن احتُجَّ بالفاصل فهو مجوِّزٌ لا مَوَجِبٌ، بدليل ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] فإنْ عُورِضَ بـ: أحْسِنْ بهندٍ، فالتاءُ لا تَلْحَقُ صيغَ الأمر وإن كان معناها الخبر. اهـ. وتعقّب ذلك الشيخ ياسين الحمصي في ((حواشيه)) على ((التصريح))، فقال: أقولُ: تفسير ((كفى)) على هذا القول بـ: اكْتَفِ غيرُ صحيح؛ إذ فاعلُ ((کفی)) حينئذٍ ضميرُ المخاطَبِ، و((كفى)) ماضٍ وهو لا يَرْفَعُ ضميرَ المخاطَب المستتر. اهـ، وفيه بعدُ بحثٌ لا يخفى على المتأمِّل. وظنَّ بعض الناس أنَّ ((كفى)) على هذا القول اسمُ فِعْلِ أمرٍ يخاطَبُ به المفرَدُ المذكَّرُ وغيرُه، نحو ((حيَّ) في: حيَّ على الصلاة، فالمعنى هنا: اكتفوا بالله. وأنت تعلم أنَّ هذا بعيدُ الإرادة من كلام الزجَّاج، ويأباه كلامُ ابن هشام. وقال ابن السرَّاج (٣): الفاعلُ ضميرُ الاكتفاء. قال ابن هشام(٤): وصحةُ قوله موقوفةٌ على جواز تعلُّق الجارِّ بضميرٍ المصدر، وهو قولُ الفارسيِّ والرمانيِّ؛ أجازوا(٥): مُروري بزيدٍ حَسَنٌ وهو بعمروٍ قبيحٌ، وأجاز الكوفيون إعماله في الظرف (١) معاني القرآن للزجاج ٥٧/٢ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] (٢) ص١٤٤. (٣) في كتابه: الأصول في النحو ٢٦٠/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن هشام في المغني ص١٤٤. (٤) في المغني ص١٤٤. (٥) في المغني: أجازا. سُودَةُ الجَنْكُوتِ ٣٨٤ الآية : ٥٣ وغيره، ومنع جمهورُ البصريين إعماله مطلقاً. اهـ. وتعقّب ذلك ابنُ الصائغ فقال: لا نسلِّم توقُّفَ الصحة على ذلك؛ لجوازٍ أنْ تكون الباءُ للحال، وعليه يكون المعنى: كفى هو - أي: الاكتفاء - حالَ كونه ملتبساً بالله تعالى. ولا يخفى أنه مالم يَبْطُلْ هذا القولُ لا يتمُّ ما ادَّعاه ابن هشام من أنَّ تَّرْكَ التاء في ((كفى بهند)) يُوجبُ كونَ ((كفى)) مضمَّناً معنى اكْتَفِ، فتدبّر. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ﴾ قال ابن عباس ◌ِّ: أي: بغير الله عزَّ وجل. وهو شاملٌ لنحوٍ عيسى والملائكةِ عليهم السلام، والباطلُ في الحقيقة عبادتُهم وليس الباطلُ هنا مثلُه في قول حسان (١): ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل وقال مقاتل: أي: بعبادة الشيطان. وقيل: أي: بالصنم. ﴿وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ﴾ مع تعاضُدٍ مُؤْجِباتِ الإيمان به عز وجل ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْخَسِرُونَ ﴾﴾ المغبونون في صَفْقَتهم حيث اشتروا الكفرَ بالإيمان، فاستوجَبوا العقابَ يومَ الحساب. وفي الكلام - على ما قيل - استعارةٌ مكنيةٌ؛ شبَّه استبدالَ الكفرِ بالإيمان المستلزِمَ للعقاب باشتراءٍ مستلزم للخسران، وفي الخسران استعارةٌ تخييليةٌ هي قرينتُها؛ لأن الخسران متعارفٌ فَي التجارات، وهذا الكلامُ وَرَدَ مورِدَ الإنصاف حيث لم يصرِّح بأنهم المؤمنون بالباطل الكافرون بالله عز وجل، بل أبرزه في معرض العموم ليهجم به التأمُّلُ على المطلوب، فهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِي ضَلَلِ تُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وكقول حسان: فشرُّكما لخيركما الفداء(٢) وهذا من قبيل المجادلة بالتي هي أحسن. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أي: ويستعجلُكَ كفار قريش ﴿بِالْعَذَابِ﴾ على طريقة الاستهزاء (١) كذا ذكر، والصواب أنه للبيد، وهو في ديوانه ص٢٥٦، وسلف ١٤٩/٢ و٢٤٨/٥. (٢) وصدره: أتشتمه ولست له بكفٍ، وسلف ٢٥٤/١٨ و٥٣٩. الآية : ٥٣ ٣٨٥ سُوَةُ الجَنْكُبُوتِ والتعجيز والتكذيب به بقولهم: متى هذا الوعدُ، وقولهم: أَمْطِرْ علينا حجارةً أو ائتنا بعذاب، ونحو ذلك. ﴿وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُسَنَّى﴾ قد ضربه الله تعالى لعذابهم وسمَّاه وأثبته في اللوح ﴿لَّمَهُ الْعَذَابُ﴾ المعيَّنُ لهم حَسْبَما استعجلوا به. وقال ابنُ جبير: المراد بالأجل یومُ القيامة؛ لما رُوي أنه تعالى وَعَدَ رسوله وَّهِ أن لا يعذِّبَ قومه بعذابِ الاستئصال وأن يؤخّر عذابهم إلى يوم القيامة(١). وقال ابن سلام: المراد به أَجَلُ ما بين النفختين. وقيل: يومُ بدرٍ. وقيل: وقتُ فنائهم بآجالهم. وفيه بعدٌ ظاهرٌ؛ لِمَا أنهم ما كانوا يوعدون بفنائهم الطبيعيّ، ولا کانوا یستعجلون به. ﴿وَلَأْنِيَهُ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ لِمَا أُشير إليه في الجملة السابقة من مجيء العذاب عند حلول الأجل، أي: وبالله تعالى ليأتينَّهم العذابُ الذي عيِّن لهم عند حلول الأجل ﴿بَغْتَةٌ﴾ أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ أي: بإتيانه. ولعل المراد بإتيانه كذلك أنه لا يكون بطريق التعجيل عند استعجالهم والإجابة إلى مسؤولهم، فإن ذلك إتيانٌ برأيهم وشعورِهم، لا أنه يأتيهم وهم قارُّون آمنون لا يُخْطِرونه بالبال، كدأب بعضٍ العقوبات النازلة على بعض الأمم بياتاً وهم نائمون، أو ضحّى وهم يلعبون(٢)؛ لِمَا أنَّ إتيان عذاب الآخرة وعذابٍ يوم بدرٍ ليس من هذا القبيل؛ قاله بعضهم. وقال آخرون: إتيانُه كذلك من حيث إنه غيرُ متوقَّع لهم، ، وإتيانُ عذاب الآخرة ونحوِه كذلك؛ لإنكارِهم البعثَ وكذا عذاب القبر، أو اعتقادِهم شفاعةَ آلهتهم لهم في دَفْع العذاب عنهم، وكذا إتيان عذاب يوم بدرٍ؛ لأنهم لغرورهم كانوا لا يتوقّعون غلبةَ المسلمين، ولا تخطر لهم بيالٍ على ما بَيِّن في السِّيَر. (١) أخرجه أحمد (٢١٠٥٣) من حديث خباب بن الأرت له، وفيه: ((سألت ربِّي أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها)) وأخرج نحوه مسلم (٢٨٩٠)، وأحمد (١٥٧٤) من حديث سعد بن أبي وقاص ة (٢) بعدها في الأصل: إلخ، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٤٤/٧، والكلام منه. سُورَةُ الجَنْكُوتِ ٣٨٦ الآية : ٥٤ - ٥٥ استئنافٌ مسوقٌ لغايةٍ ٥٤ ﴿يَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ تجهيلهم وركاكة رأيهم، وهو ظاهرٌ في أنَّ ما استعجلوه عذابُ الآخرة. وجملةُ ((إِنَّ جهنم)) إلخ في موضع الحال، أي: يستعجلونك بالعذاب والحالُ أنَّ محلّ العذاب الذي لا عذابَ فوقه محيط بهم، كأنه قيل: يستعجلونك بالعذاب وإنَّ العذاب لمحيط بهم، أي: سيحيط بهم، على إرادة المستقبل من اسم الفاعل، أو كالمحيط بهم الآن لإحاطة الكفر والمعاصي الموجبة إياه بهم، على أنَّ في الكلام تشبيهاً بليغاً، أو استعارةً، أو مجازاً مرسلاً، أو تجوُّزاً في الإسناد. وقيل: إنَّ الكفر والمعاصي هي النارُ في الحقيقة، لكنها ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة. والمرادُ بالكافرين: المستعجلون، ووُضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلَّة الحكم. أو جنسُ الكفرة، وهم داخلون فيه دخولاً أوَّليًّا . ﴿يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ الْعَذَابُ﴾ ظرفٌ لمضمَرٍ قد طُوي ذِكْرُه إيذاناً بغايةٍ كثرته وفظاعته، كأنه قيل: يومَ يأتيهم ويجلِّلهم العذابُ الذي أُشير إليه بإحاطة جهنم بهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي به المقالُ. وقيل: ظرفٌ لـ ((محيطة)) على معنى: وإنَّ جهنم ستحيطُ بالكافرين يومَ يغشاهم العذاب. ﴿مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: من جميع جهاتهم، فما ذُكر للتعميم كما في ((الغدو والآصال))، قيل: وذِكْرُ الأرجل للدلالة على أنهم لا يَقرُّون ولا يجلسون، وذلك أشدُّ العذاب. ﴿وَيَقُولُ﴾ أي: الله عز وجل. وقيل: المَلَكُ الموكلُ بهم. وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريون: ((ونقول)) بنون العظمة (١)، وهو ظاهر في أنَّ القائل هو الله تعالى. وقرأ أبو البرهسم: ((وتقول)) بالتاء(٢)، على أنَّ القائل جهنم، ونُسب القول إليها هنا كما نُسب في قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. (١) التيسير ص١٧٤، والنشر ٣٤٣/٢. وقرأ بالياء نافع والكوفيون. (٢) البحر ٧ /١٥٦ . الآية : ٥٦ ٣٨٧ سُؤَدَّةُ الجَنْكُتِ وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة: ((ويقال)) مبنيًّا للمفعول(١). ﴿ذُوقُواْ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (@﴾ أي: جزاءً ما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار، من السيئات التي من جملتها الاستعجالُ بالعذاب. نزلت على ما روي عن ٥٦ ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِيَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ مقاتل والكلبيِّ في المستضعفين من المؤمنين بمكة أمروا بالهجرة عنها، وعلى هذا أكثر المفسرين. وعمم بعضُهم الحكم في كلِّ مَن لا يتمكّن من إقامة أمور الدِّين كما ينبغي في أرضٍ لممانعةٍ من جهة الكفرة أو غيرهم، فقال: تلزمُه الهجرة إلى أرض یتمگّن فيها من ذلك، وروي هذا عن ابن جبير وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس. وقال مطرِّفُ بن الشخِّير: إنَّ الآية ◌ِدَةٌ منه تعالى بسعةِ الرزق في جميع الأرض. وعلى القولين فالمراد بالأرض الأرض المعروفة. وعن الجبائيّ أنَّ الآية عِدَةٌ منه عز وجل بإدخال الجنةِ لمن أخلص له سبحانه العبادةَ، وفسَّر الأرض بأرض الجنة. والمعوَّلُ عليه ما تقدَّم. والفاء في ((فإياي)) فاء التسبُّب عن قوله تعالى: (إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ) كما تقول: إنَّ زيداً أخوك فأكرمه، وكذلك لو قلتَ: إنه أخوك فإن أَمْكَنَكَ فأكرمه. و ((إياي)) معمولٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّره المذكور، ولا يجوز أن يكون معمولاً له لاشتغاله بضميره، وذلك المحذوف جزاءٌ لشرطٍ حُذف وعُوِّض عنه هذا المعمول. والفاء في ((فاعبدون)) هي الفاء الواقعة في الجزاء، إلا أنه لمَّا وَجَبَ حذفُه جُعِلَ المفسِّر المؤكِّد له قائماً مقامه لفظاً وأدخل الفاء عليه، إذ لا بدَّ منها للدلالة على الجزاء، ولا تدخل على معمول المحذوف أعني ((إياي)) وإن فُرض خلوُّه عن فاءٍ لتَمَخُّضه عوضاً عن فعل الشرط، فتعيَّن الدخول على المفسِّر، وأيضاً ليطابق المذكورُ المحذوفَ من كلٌّ وجهٍ، ولزم أن يقدَّر الفعلُ المحذوفُ العاملُ في ((إياي» مؤخّراً لئلا يفوتَ التعويضُ عن فعل الشرط مع إفادة ذلك معنى الاختصاص والإخلاص، فالمعنى: إنَّ أرضي واسعةٌ فإنْ لم تُخْلِصوا لي العبادة في أرض فأخْلِصُوها لي في غيرها، وجُعل الشرط ((إنْ لم تُخْلِصوا)) لدلالة الجواب المذكور (١) معاني القرآن للفراء ٣١٨/٢، والبحر ١٥٦/٧. سُوَةُ الجَنْكُتِ ٣٨٨ الآية : ٥٧ عليه، ولا مَنْعَ من أن تكون الفاء الأولى واقعةً في جواب شرطٍ آخَرَ ترشيحاً للسببية، على معنى: إنَّ أرضي واسعةٌ وإذا كان كذلك فإن لم تُخْلِصوا لي .. إلخ. وقيل: الفاءُ الأولى جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وأما الثانيةٌ فتكريرٌ ليوافق المفسِّر المفسَّر، فيقال حينئذٍ: المعنى: إنَّ أرضي واسعةٌ إنْ لم تُخْلِصوا لي العبادة في أرضٍ فَأَخْلِصوها لي في غيرها، وتكونُ جملة الشرط المقدَّرة أعني ((إن لم تُخْلِصوا)) إلخ مستأنفةً عَرِيَّةً عن الفاء. وما تقدَّم أبعدُ مغزّى. وجَعَلَ بعضُ المحقّقين الفاءَ الثانية لعَظْفٍ ما بعدها على المقدَّر العامل في (إياي)) قصداً لنحو الاستيعاب، كما في: خُذِ الأحسنَ فالأحسن. وتعقِّب بأنه حينئذٍ لا يصلحُ المذكورُ مفسِّراً؛ لعدم جواز تخلَّلِ العاطف بين مفسِّرٍ ومفسَّرِ البتة، وأما ما ذكره الإمام السكاكيُّ في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّنَىَ فَارْهَبُونٍ﴾ [النحل: ٥١] من أنَّ الفاء عاطفةٌ، والتقدير: فإياي ارهبوا فارهبون(١)، فإنه أراد به أنها في الأصل كذلك لا في الحال، على ما حقَّقه صاحب ((الكشف)). هذا وقد أطالوا الكلام في هذا المقام، وقد ذكرنا نبذةً منه في أوائل تفسير سورة البقرة (٢)، فراجِعْه مع ما هنا وتأمَّل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. جملةٌ مستأنفةٌ جيء بها حثًّا على ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( إخلاص العبادة والهجرةِ لله تعالى، حيث أفادت أنَّ الدنيا ليست دارَ بقاءٍ، وأنَّ وراءها دارَ الجزاء، أي: كلُّ نفسٍ من النفوس واجدةٌ مرارةَ الموت ومفارِقةٌ البدنَ ألبتةَ فلا بدَّ أن تذوقوه، ثم ترجعون إلى حُكْمِنا وجزائنا بحسب أعمالكم، فَمَنْ كانت هذه عاقبتُه فلا بدَّ له من التزوُّد والاستعداد. وفي قوله تعالى: (ذَابِقَةُ الْمَوْتِ) استعارةٌ لتشبيه الموتِ بأمرٍ كريهِ الطعم مُرِّه، والعدولُ عن: تَذُوقُ الموتَ، للدلالة على التحقُّق، و((ثم)) للتراخي الزمانيِّ أو الرُّئْبِي. وقرأ أبو حيوة: ((ذائقةٌ)) بالتنوين («الموتَ)) بالنصب(٣). (١) مفتاح العلوم ص ٢٥٠. (٢) ٢٤٣/١. (٣) البحر ٧/ ١٥٧ . الآية : ٥٨ ٣٨٩ سُوَّةُ الجَنْكُتِ وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: (تَرْجِعون)) مبنيًّا للفاعل (١)، ورُوي [عن] عاصم: ((يُرْجَعون)) بياء الغيبة(٢). ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبُوََّنَّهُمْ﴾ أي: لننزلنَّهم على وجه الإقامة، وجملةُ القسم وجوابِه خبر المبتدأ أعني ((الذين))، ورُدَّ به وبأمثاله على ثعلب المانع من وقوع جملة القسم والمقسَمِ عليه خبراً للمبتدأ . وقولُه تعالى: ﴿مِّنَ الْجَنَّةِّ غُرَفًا﴾ أي: علاليَ وقصوراً جليلةً لا قصور فيها، وهي على ما روي عن ابن عباس من الدرِّ والزَّبَرْجَدِ والياقوت، مفعولٌ ثانٍ للتَّبْوِئة. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وعبدُ الله والربيعُ بنُ خُثيم وابنُ وثَّابٍ وطلحةُ وزيد بنُ عليٍّ وحمزةٌ والكسائيُّ: ((لُثْوِينَهم)) بالثاء المثلثة الساكنة بعد النون وإبدال الهمزة ياءً(٣)، من الثَّواء بمعنى الإقامة، فانتصابُ ((غرفًا)) حينئذٍ إمَّا بإجرائه مجرى التنزلنَّهم، فهو مفعولٌ به له، أو بنزع الخافض على أنَّ أصله: بغرفٍ، فلمَّا حُذف الجارُّ انتصب، أو على أنه ظرفٌ، والظرفُ المكانيُّ إذا كان محدوداً كالدار والغرفة لا يجوز نصبُه على الظرفية، إلا أنه أُجري هنا مجرى المبهم توسُّعاً كما في قوله تعالى: ﴿لَأَتْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَطَكَ الْمُسْتَقِيَ﴾ [الأعراف: ١٦] على ما فصِّل في النحو. وروي عن ابن عامر أنه قرأ: ((غُرُفاً)) بضمِّ الراء(٤) . ﴿َجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ صفة لـ ((غرفاً)) ﴿خَلِدِينَ فِيَأْ﴾ أي: في الغَرفِ. وقيل: في الجنة ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِينَ ﴾﴾ أي: الأعمالَ الصالحةِ، والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ ثقةً بدلالة ما قبله عليه، أي: نِعْمَ أجرُ العاملين الغرفُ أو أجرُهم. ويجوزُ كونُ التمييز محذوفاً، أي: نعم أجراً أجرُ العاملين. : (١) البحر ١٥٧/٧، وهي قراءة يعقوب من العشرة كما في النشر ٣٤٣/٢. (٢) هي رواية أبي بكر عن عاصم كما في التيسير ص١٧٤، والنشر ٣٤٣/٢، والكلام وما بين حاصرتين من البحر ٧/ ١٥٧. (٣) التيسير ص ١٧٤، والنشر ٣٤٣/٢-٣٤٤ عن حمزة والكسائي، وهي قراءة خلف من العشرة، والكلام من البحر ٧/ ١٥٧ . (٤) البحر ٧/ ١٥٧. سُورَةُ الجَنْكُتِ ٣٩٠ الآية : ٥٩ - ٦٠ وقرأ ابن وثَّاب: ((فنعم)) بفاء الترتيب(١). ﴿الَّذِينَ صَبِرُوا﴾ صفةٌ لـ (للعاملين))، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو نصبٌ على المدح. أي: صبروا على أذية المشركين وشدائدِ المهاجَرةٍ، وغيرِ ذلك من المحن والمشاقّ. ﴿وَعَلَى رَبِهِمْ يَوَُّونَ ٥٩ )﴾ أي: ولم يتوّلوا فيما يأتون ويَذَرون إلَّا على الله تعالى. ﴿وَ كَأَبِنِ مِّنِ دَّةٍ لَّا تَحْيِلُ رِزْقَهَا﴾ رُوي أنَّ النبيَّ وَّه لمّا أمر (٢) المؤمنين الذين كانوا بمكة بالمهاجرة إلى المدينة قالوا: كيف نَقْدَمُ بلدةً ليس لنا فيها معيشةٌ؟ فنزلت(٣). أي: وكم مِن دابَّةٍ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقِها لضَعْفِها، أو لا تدَّخرهُ وإنَّما تُصبح ولا معيشةَ عندها. عن ابن عيينة: ليس شيءٌ يَخْبَأ إلَّا الإنسان والنملة والفأرة. وعن ابن عباس: لا يدَّخر إلا الآدميُّ والنملُ والفأرة والعَفْعَق. ويقال: للعَقْعَقِ مخابئُ إلا أنه ينساها . وعن بعضهم: رأيتُ البلبل يحتكر في حضنيه. والظاهرُ عدمُ صحَّته، وذَكَر لي بعضُهم أنَّ أغلب الكوامن من الطير يدَّخر، والله تعالى أعلم بصحته. ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ثم إنها مع ضَعْفِها وتوتُّلها وإياكم مع قوَّتكم واجتهادكم سواءٌ في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله تعالى؛ لأنَّ رزق الكلِّ بأسبابٍ هو عزَّ وجل المسبّبُ لها وحده، فلا تخافوا على معاشكم بالمُهاجَرةِ. ولمَّا كان المراد إزالةً ما في أوهامهم من الهجرة على أبلغ وجه قيل: ((يرزقُها وإياكم)) دون: يرزقُكم وإياها . ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ البالغُ في السمع، فيسمع قولكم هذا ﴿اَلْعَلِيمُ ﴾﴾ البالغُ في العلم، فيعلمُ ما انْطَوتْ عليه ضمائركم. (١) الكشاف ٣/ ٢١٠، والبحر ١٥٧/٧، وينظر القراءات الشاذة ص١١٥. (٢) في (م): لما روي أن النبي ◌َّله أمر، والمثبت من الأصل وهو الصواب. (٣) النكت والعيون ٢٩٣/٤، وتفسير البغوي ٤٧٣/٣. الآية : ٦١ - ٦٢ ٣٩١ سُودَةُ الَنكُوتِ ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: أهل مكة ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ إذ لا سبيل لهم إلى إنكاره ولا التردُّدِ فيه، والاسمُ الجليل مرفوعٌ على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ لدلالة السؤال عليه، أو على الفاعلية لفعلٍ محذوفٍ لذلك أيضاً . ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾﴾ إنكارٌ واستبعادٌ من جهته تعالى لتركهم العمل بموجبه. والفاء للترتيب، أو واقعةٌ في جواب شرطٍ مقدَّرٍ، أي: إذا كان الأمرُ كذلك فكيف يُصْرَفون عن الإقرار بتفرُّده عزَّ وجلَّ في الألوهية مع إقرارهم بتفرُّده سبحانه فيما ذُكر من الخَلْقِ والتسخير؟ !. وقدَّر بعضُهم الشرطَ: فإنْ صَرَفَهم الهوى والشيطانُ، لمكانٍ بناءِ ((يؤفكون)) للمفعول، ولعل ما ذكرناه أولى. ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾ أنْ يبسُطَه له، لا غيرُه ﴿مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُْ﴾ أي: يضيِّقُ عليه، والضمير عائدٌ على ((من يشاء)) الذي يُبْسَطُ له الرزق، أي: عائدٌ عليه مع ملاحظة متعلَّقه، فيكون المعنى أنه تعالى شأنُه يوسِّعُ على شخصٍ واحدٍ رزقَه تارةً ويضيِّقه عليه أخرى، والواو لمطلق الجمع فقد يتقدَّم التضييقُ على التوسيع. أو عائدٌ على ((مَن يشاء)» بقَظْع النظر عن متعلَّقه، فالمراد: مَن يشاء آخرُ غيرُ المذكور، فهو نظير: عندي درهم ونصفُه، أي: نصفُ درهم آخَرَ، وهذا قريبٌ من الاستخدام(١)، فالمعنى أنه تعالى شأنُه يوسِّع على بعضِ النّاس ويضيِّقُ على بعض آخَرَ. وقرأ علقمةُ: ((ويُقَدِّر)) بضمِّ الياء وفتح القاف وشدِّ الدال(٢). ﴿ إِنَّ اللَّ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فيعلم أنَّ كلَّ من البَسْطِ والقَدْرِ في أيِّ وقتٍ يوافقُ الحكمةَ والمصلحةَ، فيفعل كلَّ منهما في وقته، أو: فيعلم مَن يليقُ بَبَسْطِ الرزق فیبسطه له، ومَن یلیقُ بقدره له فيقْدِرُ له. (١) الاستخدام: هو أن يؤتَى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١. (٢) البحر ١٥٨/٧ . سُورَةُ الجَنْكُتِ ٣٩٢ الآية : ٦٣ وهذه الآيةُ، أعني قولَه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ) إلخ تكميلٌ لمعنى قوله سبحانه: (اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ) لأنَّ الأول كلامٌ في المرزوق وعمومِه، وهذا كلامٌ في الرزق وبَسْطِه وقَتْرِه، وقولُه سبحانه: (وَلَيِنِ سَأَلْتُهُم) إلخ معترِضٌ لتوكيد معنی الآيتين، وتعريضٌ بأنَّ الذين اعتمدتُم عليهم في الرزق مقرُّون بقُدْرتِنا وبقوَّتنا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ اَلَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِّينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] قاله العلامة الطيبي(١). وقال صاحب ((الكشف)) قدِّس سره: اغْتَرضَ ليفيدَ أنَّ الخالق هو الرازقُ، وأنَّ مَن أفاض ابتداءً وأَوْجَدَ أَوْلَى أن يقدِرَ على الإبقاء، وأكّد به ما ضمِّن في قوله عز وجل: (وَعَلَى رَبِهِمْ يَوَكَّلُونَ). ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدٍ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ معترفينَ بأنه عزَّ وجلَّ الموجِدُ للممكنات بأسرها أصولها وفروعها (٢)، ثم إنهم يشركون به سبحانه بعضَ مخلوقاته الذي لا يكادُ يُتوهَّم منه القدرةُ على شيءٍ ما أصلاً. ﴿قُلِ اٌلْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على إظهارِ الحجّة واعترافهم بما يلزمهم. وقيل: حمده عليه الصلاة والسلام على العصمة مما هم عليه من الضلال، حيث أشركوا مع اعترافهم بأنَّ أصول النعم وفروعَها منه جلَّ جلالُه، فيكون كالحمد عند رؤية المبتلَى. وقيل: يجوز أن يكون حمداً على هذا وذاك. ﴿بَلْ أَكْثَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾﴾ ما يقولون، وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحةٍ التوحيد، أو: لا يعقلون شيئاً من الأشياء، فلذلك لا يعملون بمقتضى قولهم هذا، فيُشْركون به سبحانه أخسَّ مخلوقاته، فـ ((بل)) إضرابٌ عن جَهْلِهِم الخاصِّ في الإتيان بما هو حجةٌ عليهم إلى أنَّ ذلك لأنهم مسلوبو العقول، فلا يَبعُدُ عنهم مثلُه، وقوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) معترضٌ، وجَعَله الزمخشريُّ في سورة لقمان إلزاماً وتقريراً لاستحقاقه تعالى العبادة(٣). (١) في حاشيته على الكشاف عند تفسير هذه الآية. (٢) في (م): وفرعها، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤٦/٧، والكلام منه. (٣) الكشاف ٢٣٦/٣، عند تفسير الآية (٢٥) من سورة لقمان. الآية : ٦٤ ٣٩٣ سُورَةُ الجَنْكُوتِ وقيل: لا يعقلون ما تريدُ بتحميدك عند مقالهم ذلك. ولم يرتَضِه بعضُ المحقّقين لخفائه وقلَّة جدواه، وتكلُّفِ توجيهِ الإضراب فيه. ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ اَلُّنيّاً﴾ إشارةٌ تحقيرٍ، وكيف لا والدنيا لا تَزِنُ عند الله تعالى جناح بعوضة، فقد أخرج الترمذيُّ عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَله: ((لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله تعالى جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربةً ماءٍ»(١) ... وقال بعض العارفين: الدنيا أحقرُ من ذراعِ خنزيرٍ ميتٍ بالَ عليها كلبٌ بيدٍ مجذومٍ. ويُعلم مما ذُكر حقارةُ ما فيها من الحياةَ بالطريق الأَوْلى. ﴿إِلَّا لَهُوٌ وَلَيِّبُّ﴾ أي: إلَّا كما يلهو ويلعب به الصبيان، يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعةً ثم يتفرَّقون عنه، وهذا من التشبيه البليغ. ﴿وَإِنَ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: لهي دارُ الحياةِ الحقيقيةِ، إذ لا يَعْرِضُ الموتُ والفناء لمن فيها، أو هي ذاتُها(٢) حياةٌ للمبالغة. و((الحيوان)) مصدرُ حَيَّ، سمِّي به ذو الحياة في غير هذا المحلّ، وأصله حَيَيان فقُلبت الياء الثانيةُ واواً على خلاف القياس، فلامُه ياءٌ، وإلى ذلك ذهب سيبويه(٣). وقيل: إنَّ لامه واوٌ نظراً إلى ظاهر الكلمة وإلى حَيْوةَ(٤) عَلَم رَجُلٍ، ولا حجّة على كونه ياءً في حيٍيَ(٥)؛ لأنَّ الواو في مثله تُبدَلُ ياءً لكَسْرِ ما قبلها، نحو شَقِيَ من الشقوة. وهو أبلغُ من الحياة لِمَا في بناء فَعَلان من معنى الحركة والاضطراب اللازم للحياة، ولذلك اختير عليها في هذا المقام المقتضي للمبالغة، وقد علمتَها في وصف الحياة الدنيا المقابلة للدار الآخرة. شرطٌ جوابُه محذوفٌ، أي: لو كانوا يعلمون لما ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ أَ (١) سنن الترمذي (٢٣٢٠). قال الترمذي: حديث صحيح غريب من هذا الوجه. (٢) في الأصل: في ذاتها. (٣) الكتاب ٤٠٦/٤، والدر المصون ٢٦/٩. (٤) في (م): حياة، والمثبت من الأصل والبحر ١٥٨/٧. (٥) في (م): حي. سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٩٤ الآية : ٦٥ - ٦٦ آثروا عليها الدنيا التي أصلُها عدمُ الحياة، ثم ما يحدث فيها من الحياة(١) عارضةٌ سريعةُ الزوال وشيكةُ الاضمحلال. وكونُ (لو)) للتمنِّي بعيدٌ. ﴿فَإِذَا رَحَكِبُواْ فِ اَلْفُلْكِ﴾ مَتَّصلٌ بما دلَّ عليه شرحُ حالهم، والركوبُ: الاستعلاءُ على الشيءِ المتحرِّك، وهو متعدٍّ بنفسه كما في ((لتركبوها))، واستعمالُه هاهنا وفي أمثاله بـ ((في)) للإيذان بأنَّ المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة، وحركتُه قسريةٌ غيرُ إرادية . والفاء للتعقُّب، وفي الكلام معنى الغاية، فكأنه قيل: هم مصروفون عن توحيد الله تعالى مع إقرارهم بما يقتضيه، لاهون بما هو سريعُ الزوال، ذاهلون عن الحياة الأبدية، حتى إذا ركبوا في الفلك ولَّقُوا الشدائدَ ﴿دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ﴾ أي: كائنين في صورةٍ مَن أَخْلَصَ دينَه وملَّته أو طاعتَه من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله تعالى، ولا يَدْعون سواه سبحانه؛ لعِلْمِهم بأنه لا يكشفُ الشدائد إلا هو عزَّ وجل، وفيه تهكُّمٌ بهم (٢) سواءٌ أريد بالدِّين الملةُ أو الطاعةُ؛ أما على الأول فظاهرٌ، وأما على الثاني فلأنهم لا يستمرُّون على هذه الحال، فهي قبيحةٌ باعتبار المآل. ®﴾ أي: فاجؤوا المعاودةَ إلى الشرك ولم ﴿فَلَّا نَهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ يتأخّروا عنها ولا وقتاً. ﴿يَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَهُمْ وَلِتَمَنَّعُواْ﴾ الظاهر أنَّ اللام في الموضعين لامُ ((كي))، أي: يشركون ليكونوا كافرين بما آتيناهم من نعمة النجاة بسبب شِرْكِهم، وليتمتَّعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادِّهم عليها، فالشركُ سببٌ لهذا الكفران، وأُدخلت لام ((كي)) على مسبَّبه لجعله كالغرض لهم منه، فهي لامُ العاقبة في الحقيقة . وقيل: اللام فيهما لامُ الأمر، والأمرُ بالكفران والتمتُّع مجازٌ في التخلية (١) بعدها في (م): فيها . (٢) في (م): به، وهو خطأ . الآية : ٦٧ ٣٩٥ سُورَةُ الجَنْكُوتِ والخذلان والتهديدِ، كما تقول عند الغضب على مَن يخالفك: افعل ما شئت، ويؤيِّده قراءة ابن كثير والأعمش وحمزة والكسائيّ: ((ولْيتمتَّعوا)) بسكون اللام(١)، فإنَّ لام (كي)) لا تسكَّنُ، وإذا كانت الثانيةُ لذلك لامَ الأمر فالأُولى مثلُها ليتَّضح العطفُ، وتخالُفُهما مُحْوِجٌ إلى التكلُّف بأن يكون المراد كما قال أبو حيان عطفَ كلام على كلامٍ، لا عَظْفَ فعلٍ على فعلٍ (٢). وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ - أي: عاقبةً ذلك حين يعاقبون عليه يومَ القيامة - مؤيِّدٌ للتهديد. ﴿أَوَلَمَّ يَرَوْا﴾ ألم ينظروا ولم يشاهدوا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: بلدَهم ﴿حَرَمَا﴾ مكاناً حُرِّم فيه كثيرٌ مما ليس بمحرَّم في غيره من المواضع ﴿مَامِنًا﴾ أهلُه عمَّا يسوءُهم من السبي والقتل، على أنَّ أَمْنَه كنايةٌ عن أمن أهله، أو على أن الإسناد مجازيٌّ، أو على أنَّ في الكلام مضافاً مقدَّراً، وتخصيصُ أهل مكة وإن أَمِنَ كلُّ مَن فيه حتى الطيورُ والوحوشُ لأنَّ المقصود الامتنانُ عليهم، ولأن ذلك مستمرٌّ في حقٌّهم. وأخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنَّ أهل مكة قالوا: يا محمد، ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافةً أن يتخطَّفنا الناسُ لقلَّتنا، والعربُ أكثر منَّا، فمتى بلغهم أنَّا قد دخلنا في دينك اختُطِفْنا، فكلُّنا أكلةُ رأسٍ، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَإِنَّا﴾(٣). ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يُختَلَسون من حولهم قتلاً وسبياً؛ إذ كانت العرب حوله في تغاوُرٍ وتناهُبٍ، والظاهرُ أنَّ الجملة حاليةٌ بتقديرِ مبتدأ، أي: وهم يُتَخَطَّفُ .. إلخ. ﴿أَفَِالْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ أي (٤): أَبَعْدَ ظهور الحقِّ الذي لا ريبَ فيه، أو: أَبَعْدَ هذه النعمة المكشوفة وغيرِها بالصنم ـ وقيل: بالشيطان - يؤمنون ﴿وَبِنِعْمَةِ اَللَّهِ يَكْفُرُونَ ٦٧ وهي المستوجبةُ للشكر، حیث یشرکون به تعالی غیرَه سبحانه. (١) التيسير ص١١٣، والنشر ٣٤٤/٢ عن ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون، وهي قراءة خلف من العشرة. (٢) البحر ١٥٩/٧. (٣) الدر المنثور ١٥٠/٥ وجويبر متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. (٤) في (م): أن، وهو تصحيف. سُورَةُ الجَنْكُبُوتِ ٣٩٦ الآية : ٦٨ وتقديمُ الصلة في الموضعين للاهتمام بها؛ لأنها مصبُّ الإنكار، أو للاختصاص على طريق المبالغة؛ لأنَّ الإيمان إذا لم يكن خاصًّا لا يعتدُّ به، ولأنَّ كفران غيرِ نعمته عزَّ وجلَّ بجَنْبٍ كُفْرانِها لا يعدُّ كفراناً . وقرأ السلميُّ والحسن: ((تؤمنون)) و((تكفرون)) بتاء الخطاب فيهما(١). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا﴾ بأنْ زَعَم أنَّ له سبحانه شريكاً، وكونُه كذباً على الله تعالى لأنه في حقِّه، فهو كقولك: گَذَب علی زید، إذا وَصَفه بما ليس فيه . ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ يعني الرسول أو الكتاب ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ أي: حين مجيئه إياه، وفيه تسفيهٌ لهم حيث لم يتأمّلوا ولم يتوقَّفوا حين جاءهم، بل سارعوا إلى التكذيب أوَّلَ ما سمعوه. ﴿أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْكَفِرِينَ ﴾ أي: ثواءٌ وإقامةٌ لهم، أو مكانٌ يثوون فيه ويقيمون، والكلام على كلا الوجهين تقريرٌ لثوائهم في جهنم؛ لأنَّ الاستفهام فيه معنى النفي وقد دخل على نفيٍ، ونفيُ النفى إثباتٌ كما في قول جرير: ألستُم خيرَ مَن ركب المطايا وأندى العالمين بطونَ راح(٢) أي: أَلَا يستوجبون للثواء - أو المكانِ الذي يُثْوَى فيه - فيها وقد افتروا مثلَ هذا الكذب على الله تعالى، وكذَّبوا بالحقِّ مثلَ هذا التكذيب. أو إنكارٌ(٣) واستبعادٌ لاجترائهم على ما ذُكر من الافتراء والتكذيب مع عِلْمِهم بحال الكفرة، أي: ألم يعلموا أنَّ في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترؤوا هذه الجرأة، وجَعْلُهم عالمينَ بذلك لوضوحه وظهوره فنزِّلوا منزلةَ العالِم به. والتعريفُ في ((الكافرين)) على الأول للعهد، فالمرادُ بهم أولئك المحدَّثُ عنهم وهم أهلُ مكة، وأُقيمَ الظاهرُ مقام الضمير لتعليل استيجابهم المثوى، ولا ينافي كونَ ظاهره أنَّ العلةَ افتراؤهم وتكذيبهم لأنه لا يغايرُه، والتعليلُ یقبل التعدُّدَ. (١) القراءات الشاذة ص ١١٥، والبحر ١٥٩/٧. (٢) ديوان جرير ٨٩/١، وسلف ١٨/ ٤٣٢. (٣) قوله: إنكار، معطوف على قوله: تقريرٌ لثوائهم ... الآية : ٦٩ ٣٩٧ سُورَةُ الجَنْكُتِ وعلى الثاني للجنس، فالمرادُ مطلقُ جنس الكفرة ويدخل أولئك فيه دخولاً أوَّلِيًّا برهانًّا . ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِنَا﴾ في شأننا ومن أَجْلِنا ولوجهنا خالصاً، ففيه مضافٌ مقدَّرٌ. وقيل: لا حاجةً إلى التقدير بحَمْلِ الكلام على المبالغة بجَعْلٍ ذات الله سبحانه مستقَرًّا للمجاهدة. وأُطلقت المجاهدةُ لتعمَّ مجاهدةَ الأعادي الظاهرةَ والباطنةَ بأنواعهما . ﴿لَدِيَهُمْ سُبَُّنَا﴾ سُبلَ السير إلينا والوصولِ إلى جنابنا، والمراد: لنزيدنَّهم هدايةً إلى سُبُلِ الخيرِ وتوفيقاً لسلوكها؛ فإنَّ الجهاد هدايةٌ أو مرتَّبٌ عليها، وقد قال تعالى: ﴿وَأَذْنَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [محمد: ١٧] وفي الحديث: ((مَن عَمِلَ بما عَلِمَ ورَّثه الله تعالى عِلْمَ مالم يعلم)) (١). ومن الناس مَن أَوَّل ((جاهَدوا)) بأرادوا الجهاد، وأبقى ((لنهدينَّهم)) على ظاهره. وقال السديُّ: المعنى: والذين جاهدوا بالثبات على الإيمان لنهدينَّهم سبلنا إلى الجنة. وقيل: المعنى: والذين جاهدوا في الغزو لنهدينَّهم سبلَ الشهادة والمغفرة. وما ذُكر أوَّلاً أَوْلَى. والموصولُ مبتدأ وجملةُ القسم وجوابه خبرُه، نظير ما مرَّ من قوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبَوَّتَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَا﴾ [العنكبوت: ٥٨]. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ المتَّصِفَ بجميع صفات الكمال الذي بلغتْ عظمتُه في القلوب ما بلغتْ ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ معيَّة النصرةِ والمعونةِ، وتقدُّمُ الجهادِ المحتاج لهما قرينةٌ قويةٌ على إرادة ذلك. وقال العلّامةُ الطيبيُّ: إنَّ قوله تعالى: (لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) قد طابق قوله سبحانه: (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٥/١٠ من حديث أنس ظه، وذكر أن بعض الرواة سمع أحمد بن حنبل يذكر هذا الحديث عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم عليه السلام، فتوهم أنه ذكره عن النبيِّ وَّله، فوضع هذا الإسناد عليه لسهولته وقربه، وهو عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس. قال أبو نعيم: وهذا الحديث لا يحتمل بهذا الإسناد عن أحمد. سُوَةُ الجَنْكُتِ ٣٩٨ التفسير الإشاري (٢-٦٩) (جَهَدُوا) لفظاً ومعنَى؛ أمَّا اللفظُ فمِن حيث الإطلاقُ في المجاهدة والمعيَّة، وأما المعنى فالمجاهدُ للأعداء يفتقر إلى ناصرٍ ومُعينٍ. ثم إنَّ جملة قوله عزَّ وجلَّ: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) تذييلٌ للآية مؤكّدٌ بكلمتي التوكيد، محلّى باسم الذات؛ ليُؤْذِنَ بأنَّ مَن جاهد بكلِّيته وشراشره في ذاته جلَّ وعلا تجلَّى له الربُّ عزَّ اسمُه [باسمه] الجامع في صفة النصرة والإعانة تجلِّياً تامًّا . ثم إنَّ هذه خاتمةٌ شريفةٌ للسورة؛ لأنها مجاوبةٌ لمفتَتَحِها ناظرةٌ إلى فريدةٍ ، لامحةٌ إلى ٢ واسطة عقدها ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ قلادتها: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَمَّنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وهي في ٥٦ نفسها جامعةٌ فاذة(١). اهـ. و((أل)) في ((المحسنين)) يحتمل أن تكون للعهد، فالمرادُ بالمحسنين الذين جاهدوا، ووجهُ إقامة الظاهر مقام الضمير ظاهرٌ، وإلى ذلك ذهب الجمهورُ، ويحتمل أن يكون للجنس، فالمرادُ بهم مطلقُ جنسٍ مَن أتى بالأفعال الحسنة، ويدخل أولئك دخولاً أوليًّا برهانيًّا. وقد روي عن ابن عباس ظثًا أنه فسَّر ((المحسنين)) بالموحِّدين، وفيه تأييدٌ ما للاحتمال الثاني، والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا﴾ الآيةَ قال ابنُ عطاء: ظنَّ الخلقُ أنهم يُتركون مع دعاوى المحبة ولا يطالبون بحقائقها، وهي صبُّ البلاء على المحبِّ وتلذَّذه بالبلاء الظاهر والباطن. وهذا كما قال العارف ابن الفارض قدِّس سرہ: وتعذيبُكم عَذْبٌ لَدَيَّ وجَوْرُكم عليَّ بما يقضي الهوى لكم عدلُ(٢) وذكروا أنَّ المحبة والمحنة توأمان، وبالامتحان يكرَمُ الرجل أو يهان. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَمَنَا بِلَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (١) حاشية الطيبي على الكشاف عند تفسير هذه الآية، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) ديوان ابن الفارض ص ١٣٥ . التفسير الإشاري (٢-٦٩) ٣٩٩ سُوَّةُ الجَنْكُبُوتِ إشارةٌ إلى حال الكاذبين في دعوى المحبةٍ، وهم الذين يُصْرَفون عنها بأذى الناس لهم . ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْثَغُواْ عِنْدَ اللَّهِ الْرِزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُّهَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قال ابن عطاء: أي: اطلبوا الرزق بالطاعة والإقبال على العبادة. وقال سهل: اطلبوه في التوّل لا في المكسب، فإنَّ طلب الرزق فيه سبيلُ العوام. ﴿وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾ أي: مهاجرٌ من نفسي ومن الكون إليه عز وجل. وقال ابن عطاء: أي: راجعٌ إلى ربِّي من جميع ما لي وعَلَيَّ. والرجوعُ إليه عز وجل بالانفصال عما دونه سبحانه، ولا يصحُّ لأحدٍ الرجوعُ إليه تعالى وهو متعلِّقٌ بشيءٍ من الكون، بل لابدَّ أن ينفصل من الأكوان أجمع. ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ سئل الجنيد قدِّس سرُّه عن هذه الآية فقال: كلُّ شيءٍ يجتمع الناس عليه - إلَّا الذِّكرَ - فهو منكر. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْمَنْكَبُونِ أَتَّخَذَتْ بَيْئًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونِ﴾ أشار سبحانه وتعالى إلى أنَّ(١) من اعتَمَدَ على غير الله عزَّ وجلَّ في أسباب الدنيا والآخرة، فهو منقطعٌ عن مراده غيرُ واصلٍ إليه، قال ابن عطاء: مَن اعتمد شيئاً سوى اللهِ تعالى كان هلاكُه في نَفْسٍ ما اعتَمَدَ عليه، ومَن أنَّخذ سواه عزَّ وجلَّ ظهيراً قَطَعَ عن نفسه سبيلَ العصمة، ورُدَّ إلى حوله وقوَّته. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ دقائق المعارف لا يعرفُها إلا أصحابُ الأحوال العالمون به تعالى وبصفاته وسائرٍ شؤونه سبحانه؛ لأنهم علماءُ المنهج. وذُكر أنَّ العالم على الحقيقة مَن يحجزُه عِلْمُه عن كلِّ ما يبيحه العلمُ الظاهر، وهذا هو المؤيَّدُ عقلُه بأنوار العلم اللدنِّي. (١) قوله: أن، ساقط من (م). سُودَةُ الجَنْكُتِ ٤٠٠ التفسير الإشاري (٢-٦٩) ﴿إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ﴾ ذُكر أنَّ حقيقة الصلاة حضورُ القلب بنعتِ الذكر، والمراقبة بنعت الفكر، فالذكرُ في الصلاة يطردُ الغفلةَ التي هي الفحشاء، والفكرُ يطردُ الخواطر المذمومةَ وهي المنكر. هذا في الصلاة، وبعدَها تَنْهَى هي إذا كانت صلاةً حقيقيةً، وهي التي انكشف فيها لصاحبها جمالُ الجبروت وجلالُ الملكوت، وقرَّتْ عيناه بمشاهدة أنوار الحقِّ جلَّ وعلا عن رؤية الأعمال والأعواض. وقال جعفر الصادق ظه: الصلاةُ إذا كانت مقبولةً تَنْهَى عن مطالعات الأعمال والأعواض. ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرٌ﴾ قال ابن عطاء: أي: ذكرُ اللهِ تعالى لكم أكبرُ من ذكركم له سبحانه؛ لأنَّ ذِكْرَه تعالى بلا علَّةٍ وذكرُكم مشوبٌ بالعلل والأمانيِّ والسؤال. وأيضاً ذِكْرُه تعالى صفتُه، وذِكْرُكم صفتُكم، ولا نسبةً بين صفة الخالق جلَّ شأنُه وبين صفة المخلوق، وأين الترابُ من ربِّ الأرباب؟. ﴿َبَّ هُوَ ءَايَتُ بَيِّنَتُ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ عرائس حقائق القرآن لا تنكشف إلَّا لأرواح المقرَّبين من العارفين والعلماء الربانيين؛ لأنها أماكنُ أسرارِ الصفات، وأوعيةُ لطائفٍ كشوفِ الذات، قال الصادقُ على آبائه وعليه السلام: لقد تجلَّى الله تعالى في كتابه لعباده ولكن لا يبصرون. ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِنَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ قال سهل: إذا عُمِلَ بالمعاصي والبِدَع في أرضٍ فاخرجوا منها إلى أرض المطيعين. وكأنَّ هذا لئلا تنعكسَ ظلمةُ معاصي العاصين على قلوب الطائعين فيَكْسَلوا عن الطاعة. وذَكَروا أنَّ سفر المريد سببٌ للتخلية والتحلية، وإليه الإشارةُ بما أخرجه الطبرانيُّ والقضاعي، والشيرازيُّ في ((الألقاب))، والخطيبُ وابنُ النجار والبيهقيُّ عن ابن ! قال: قال رسول الله وَّه: ((سافِروا تَصِحُوا وَتَغْتَموا))(١). عمر (١) المعجم الأوسط (٧٤٠٠)، ومسند الشهاب (٦٢٢)، وتاريخ بغداد ٣٨٧/١٠، والسنن الكبرى للبيهقي ١٠٢/٧، وعزاه للشيرازي وابن النجار السيوطي في الدر ١٤٩/٥، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٢١٩٨/٦. وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن الرداد، قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال أبو زرعة: لين، وقال ابن عدي: رواياته ليستِ