Indexed OCR Text

Pages 181-200

الآية : ٣٣
١٨١
سُورَةُ القَصَصِ
المكسورة، وهي لغةُ هذيل، وقيل: بل لغة تميم. ورواها شبل عن ابن كثير، وعنه
أيضاً: ((فذانَيك)) بفتح النون قبل الياء(١) على لغةٍ مَن فتح نونَ التثنية نحو قوله:
على أحوذيَّينَ استقلَّت عشيةً فما هي إلا لمحةٌ وتغيبُ(٢)
وعن ابن مسعود أنه قرأ بتشديد النون مكسورةً بعدها ياءٌ، قيل: وهي لغة
هذيل، وقال المهدويُّ: بل لغتُهم تخفيفها(٣).
ولامِن)) في قوله تعالى: ﴿مِن رَّيِّكَ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لـ ((برهانان)) أي:
كائنان من ربك، و((إلى)) في قوله سبحانه: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِنْهِ﴾﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ
أيضاً هو - على ما يقتضيه ظاهرُ كلام بعضهم - صفةٌ بعد صفةٍ له، أي: واصلان
إليهم، وعلى ما يقتضيه ظاهرُ كلام آخرين حالٌ منه، أي: مرسَلاً أنت بهما إليهم.
وفي ((البحر)): أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ دلَّ عليه المعنى، تقديره: اذهب إلى
فرعون(٤) .
﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: فرعونَ وملأه ﴿كَانُواْ قَوْمًا فَسِفِينَ ﴾ أي: خارجين عن
حدود الظلم والعدوان، فكانوا أحقّاء بأنْ نرسلك بهاتين المعجزتين الباهرتين
إليهم، والكلامُ في ((كانوا)) يُعلَمُ مما تقدَّم في نظائره.
﴾ بمقابلتها،
﴿قَالَ رَبِّ إِنِ قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ﴾ لذلك ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ
والمرادُ بهذا الخبر طلبُ الحفظ والتأييد لإبلاغ الرسالة على أكمل وجهٍ،
لا الاستعفاءُ من الإرسال، وزعمت اليهود أنه عليه السلام استَعْفَى رَّه سبحانه من
ذلك. وفي التوراة التي بأيديهم اليوم أنه قال: ياربّ، ابعث مَن أنت باعثُه(٥).
(١) ذكر هذه القراءات أبو حيان في البحر ١١٨/٧، وعنه نقل المصنف، والقراءة الأخيرة ذكرها
ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١٣ .
(٢) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه ص ٥٥ قاله في وصف قطاة، والأحوذي: الخفيف في
الشيء بحذقه، ويريد بالأحوذيين هنا جناحي القطاة يصفهما بخفتهما. المقاصد النحوية
للعيني على هامش الخزانة ١/ ١٨٠ .
(٣) البحر ١١٨/٧، والقراءة ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١٣ عن ابن كثير.
(٤) البحر ١١٨/٧.
(٥) العهد القديم ص١٥٩ .

سُورَةُ الْقَصَصِ
١٨٢
الآية : ٣٤
وأكَّد طلب التأييد بقوله: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا﴾
أي: عوناً، كما روي عن قتادة، وإليه ذهب أبو عبيدة وقال: يقال: رَدَأْتُه على
عدوّه: أَعَنْتُه(١) .
وقال أبو حيان: الرِّدْءُ: المُعين الذي يشتدُّ به الأمرُ، فِعْلٌ بمعنى مفعول، فهو
اسمٌ لِمَا يُعانُ به كما أنَّ الدِّفْءَ اسمٌ لِمَا يُتدقَّأُ به؛ قال سلامةُ بن جندل:
ورِدْئي كلُّ أبيضَ مَشْرَفيٍّ. شديدِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي قُلولٍ (٢)
ويقال: ردأتُ الحائط أَرْدَؤُه: إذا دعمته بخشبةٍ لئلا يسقط.
وفي قوله: ((أفصح منِّي)) دلالةٌ على أنَّ فيه عليه السلامُ فصاحةً، ولكنَّ فصاحة
أخیه أَزْیَدُ من فصاحته.
وقرأ أبو جعفر ونافع المدنيان(٣): ((رِداً) بحذف الهمزة ونَقْلٍ حركتها إلى
الدال (٤). والمشهورُ عن أبي جفعر أنه قرأ بالنقل ولا هَمْزَ ولا تنوين، ووَجْهُه أنه
أَجْرى الوصلَ مجرى الوقف(٥). وجوّز في ((ردا)) على قراءة التخفيف كونُه منقوصاً
بمعنی زیادة، من رَدَیْتُ علیه: إذا زدت.
﴿يُصَدِّقُتِىِّ﴾ أي: يلخِّصُ بلسانه الحقَّ، ويبسطُ القولَ فيه، ويجادلُ به الكفار؛
فالتصديقُ مجازٌ عن التلخيص المذكور الجالبِ للتصديق؛ لأنه كالشاهد لقوله،
وإسنادُه إلى هارون حقيقةٌ، ويرشد إلى ذلك: ((وأخي هارون)) إلخ؛ لأنَّ فضل
الفصاحة إنما يُحتاج إليه لِمِثْلٍ ما ذكر، لا لقوله: صَدَقْتَ، أو: أخي موسى
صادقٌ، فإنَّ سحبان وباقلاً فيه سواء(٦).
(١) مجاز اللغة ١٠٤/٢، وفيه: أردات، بدل: ردأت. وهما بمعنّى كما في اللسان (ردأ).
(٢) الكشاف ١٧٦/٣، والبحر ١٠٣/٧، وفيهما: شحيذ الحد ... ، ولم نقف عليه في ديوان
سلامة بن جندل.
(٣) في الأصل و(م) ومطبوع البحر: والمدنيان، والصواب ما أثبتناه.
(٤) التيسير ص١٧١، والنشر ٤١٣/١-٤١٤ .
(٥) البحر ١١٨/٧، ووافق نافعٌ أبا جعفر في الوقف كما في النشر ٤١٤/١ .
(٦) باقل رجل من إياد، وكان عيًّا فَدماً، وسحبان رجل من وائل باهلة، وكان من خطباء العرب
وبلغائها، وقيل: إنه خطب في صلح بين حيين شطر يوم فما أعاد كلمة، وهو أول من قال:
1

الآية : ٣٤
١٨٣
سُورَةُ القَصَصِ
أو: يَصِلُ جناحَ كلامي بالبيان حتى يصدِّقَني القومُ الذين أخاف تكذيبَهم،
فالتصديقُ على حقيقته، وإنما أسند إلى هارون عليه السلام لأنه ببيانه جَلَبَ تصديق
(٣)﴾ لدلالته على أنَّ التصديق
القوم، ويؤيِّد هذا قولُه: ﴿إِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُوُنِ
على الحقيقة.
وقيل: تصديقُ الغير بمعنى إظهار صدقه، وهو كما يكون بقولٍ: هو صادق،
يكون بتأييده بالحجج ونحوها، كتصديق الله تعالى للأنبياء عليهم السلام
بالمعجزات، والمراد به هنا ما يكون بالتأييد بالحجج، فالمعنى: يُظْهِرُ صدقي
بتقرير الحجج وتزييفِ الشُّبَه ((إنِّي أخاف أن يكذبون)) ولساني لا يطاوعُني عند
المحاجَّة. وعليه لا حاجةً إلى ادِّعاء التجوُّز في الطرف أو في الإسناد.
وتعقّب بأنه لا يخفى أنَّ صَدَّقَه معناه إمَّا قال: إنه صادق، أو قال له: صَدقْتَ،
فإطلاقُه على غيره الظاهرُ أنه مجازٌ.
وجملة ((يصدِّقني)) تحتملُ أن تكون صفةً لـ ((ردءاً)، وأن تكون حالاً، وأن تكون
استئنافاً. وقرأ أكثر السبعة: ((يصدِّقْني)) بالجزم(١) على أنه جوابُ الأمر. وزعم
بعضهم أنَّ الجواب على قراءة الرفع محذوفٌ. ويَرِدُ عليه أنَّ الأمر لا يلزمُ أن يكون
له جوابٌ، فلا حاجةً إلى دعوى الحذف.
وقرأ أبيٍّ وزيد بن عليٍّ ◌ِّه: ((يصدِّقوني) بضمير الجمع(٢)، وهو عائدٌ على
فرعون وملئه لا على هارون، والجمعُ للتعظيم كما قيل، والفعلُ على ما نُقِلَ
عن ابن خالويه مجزومٌ، فقد جَعَل هذه القراءة شاهداً لمن جَزَمَ من السبعة
((يصدِّقْني)) وقال: لأنه لو كان رفعاً لقيل: يصدقونني(٣). وذكر أبو حيان بعد
= أما بعد، من العرب. ومن أمثالهم: أعيا من باقل، ومنها: أبلغ من سحبان وائل. الأمثال
لأبي عبيد ص٣٦٨، وفصل المقال للبكري ص٤٩٦-٤٩٧، وجمهرة الأمثال ٧٢/٢،
والمستقصى ٢٨/١ و٢٥٦.
(١) التيسير ص١٧١، والنشر ٣٤١/٢. وقرأ بالرفع عاصم وحمزة.
(٢) القراءات الشاذة ص١١٤، والبحر ١١٨/٧ .
(٣) القراءات الشاذة ص١١٤، وتعقبه السمين في الدر ٨/ ٦٧٧ بقوله: وهذا سهو من ابن
خالويه؛ لأنه متى اجتمعت نون الرفع مع نون الوقاية جازت أوجهٌ، أحدها: الحذفُ، فهذا
=

سُورَةُ القَصَصّ
١٨٤
الآية : ٣٥
نقله أنَّ الجزم على جواب الأمر، والمعنى في يصدقون: أرجُ تصديقَهم
إياي(١)، فتأمل.
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ إجابةً لمطلوبه، وهو - على ما قيل - راجعٌ لقوله:
(أرسله معي)) إلخ، والمعنى: سنُقوِّيكَ به ونُعينُكَ، على أن ((شدَّ عَضُدَه)) كنايةٌ
تلويحيةٌ عن تقويته؛ لأنَّ اليد تشتدُّ بشدة العضد، وهو ما بين المرفق إلى الكتف،
والجملة تشتدُّ بشدة اليد، ولا مانع من الحقيقة لعدم دخول ((بأخيك)) فيما جُعل
كناية، أو على أنَّ ذلك خارجٌ مخرج الاستعارة التمثيلية، شُبِّه حالُ موسى عليه
السلام في تقويته بأخيه بحالِ اليد في تقويتها بعضدٍ شديد.
وجوِّز أن يكون هناك مجازٌ مرسَلٌ من باب إطلاق السبب على المسبَّب
بمرتبتين، بأن يكون الأصلُ: سنقوِّيك به ثم سنؤيِّدُك ثم سنشدُّ عضدك به.
وقرأ زيد بن عليٍّ والحسن: ((عُضُدَك)) بضمتين(٢). وعن الحسن أنه قرأ بضمٌ
العين وإسكان الضاد، وقرأ عيسى بفتحهما، وبعضُهم بفتح العين وكسر الضاد،
ويقال فيه: عَضْدٌ بفتح العين وسكون الضاد، ولم أعلم أحداً قرأ بذلك(٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: تسلُّطاً عظيماً وغلبةً، راجعٌ على
ما قيل أيضاً لقوله: ((إنِّي أخاف أن يكذبون)). وقولُه سبحانه: ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾
تفريعٌ على ما حصل من مراده، أي: لا يصلون إليكما باستيلاءٍ أو محاجَّةٍ
﴿ِثَايَِنَا﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ قد صرِّح به في مواضع أُخر، أي: اذهبا بآياتنا، أو
بـ ((نجعل))، أي: نسلُّطُكما بآياتنا، أو بـ ((سلطاناً) لِمَا فيه من معنى التسلُّط والغلبةِ،
أو بمعنى: لا يصلون، أي: تمتنعون منهم بها، أو بحرف النفي على قول بعضهم
بجواز تعلُّق الجارِّ به.
= يجوز أن يكون مرفوعاً، وحَذفُ نونِه لما ذكرت لك، وحكاه الشيخ (يعني أبا حيان) عن ابن
خالويه ولم يعقبه بنكير.
(١) البحر ١١٨/٧.
(٢) المحتسب ١٥٢/٢، والبحر ١١٨/٧.
(٣) البحر ١١٨/٧ .

الآية : ٣٦
١٨٥
سُوَرَةُ القَصَصِ
وقال الزمخشريُّ: يجوز أن يكون قسماً جوابه ((لا يصلون)) مقدماً عليه، أو هو
من القسم الذي يتوسّطُ الكلام ويُقْحَمُ فيه لمجرَّد التأكيد، فلا يحتاج إلى جوابٍ
أصلاً (١).
ويَرِدُ على الأول أنَّ جواب القسم لا يتقدَّمه ولا يقترن بالفاء أيضاً، فلعله أراد
أنَّ ذلك دالٌّ على الجواب وأما هو فمحذوفٌ، إلا أنه تَساهَلَ في التعبير.
وجوِّز أن يكون صلةً لمحذوفٍ يفسِّره ((الغالبون)) في قوله سبحانه: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ
أَتَبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ (٢٥) أو صلةً له واللامُ فيه للتعريف لا بمعنى ((الذي))، أو بمعناه
على رأيٍ مَن يجوِّز تقديم ما في حيِّز الصلة على الموصول، إمَّا مطلقاً أو إذا كان
المقدَّم ظرفاً، وتقديمه إمَّا للفاصلة أو للحصر.
﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌ُوسَى بِثَايَلِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: واضحاتِ الدلالةِ على صحة رسالته
عليه السلام منه عز وجل، والظاهرُ أنَّ المراد بالآيات العصا واليد؛ إذ هما اللتان
أظهرهما موسى عليه السلام إذ ذاك، وقد تقدَّم في سورة ((طه)) سرُّ التعبير
عنهما بصيغةِ الجمع.
﴿قَالُواْ مَا هَذَا﴾ الذي جئتَ به ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَى﴾ أي: سحرٌ تختلقُه لم يُفْعَلْ
قبلَه مثلُه، فالافتراءُ بمعنى الاختلاق لا بمعنى الكذب، أو سحرٌ تتعلّمه من غيرك ثم
تنسبه إلى الله تعالى كذباً، فالافتراء بمعنى الكذب لا بمعنى الاختلاق. والصفةُ
على هذين الوجهين مخصّصةٌ.
وقيل: المراد بالافتراء التمويهُ، أي: هو سحرٌ مموّهُ لا حقيقةً له، كسائرِ أنواع
السحر، وعليه تكونُ الصفة مؤكِّدةً والافتراءُ ليس على حقيقته كما في الوجه الأول.
والحقُّ أنَّ من أنواع السحر ما له حقيقةٌ، فتكونُ الصفة مخصّصةً أيضاً.
﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ أي: نوع السحر، أو: ما صدر من موسى عليه السلام،
على أنَّ الكلام على تقدير مضافٍ، أي: بمثل هذا، أو الإشارةُ إلى ادِّعاء النبوّة،
ونَفْيُهم السماعَ بذلك تعمُّدٌ للكذب، فقد جاءهم يوسف عليه السلام من قبلُ
بالبينات وما بالعهد من قدم.
(١) بنحوه في الكشاف ١٧٦/٣.

سُورَةُ القَصَصِ
١٨٦
الآية : ٣٧
ويحتمل أنهم أرادوا نفي سماع ادِّعاء النبوّة على وجه الصدق عندهم، وكانوا
ينكرون أصل النبوَّات، ولا يقولون بصحة شيءٍ منها، كالبراهمة، وككثيرٍ من
الإفرنج ومَن لَحَسَ من فَضَلاتهم اليوم.
والباء كما في ((مجمع البيان)) إمَّا على أصلها، أو زائدةٌ(١)، أي: ما سمعنا هذا
وَفيِّ ءَبَابِنَا الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ أي: واقعاً في أيامهم، فالجارُّ والمجرور في موضع
الحال من ((هذا)) بتقديرِ مضافٍ، والعاملُ فيه ((سمعنا)). وجوِّز أن يكون ((بهذا)) على
تقديرٍ: بوقوع هذا، ويكون الجارُّ متعلِّقاً بذلك المقدَّر. وأشاروا بوصف آبائهم
بالأوَّلین إلى انتفاء ذلك منذ زمانٍ طويل.
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِ أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِلْهُدَى مِنْ عِندِهِ﴾ يريد عليه السلام بالموصول
نفسَه، وقرأ ابن كثير: ((قال)) بغير واوٍ (٢)؛ لأنه جوابٌ لقولهم: إنه سحر، والجوابُ
لا يعطف بواوٍ ولا غيرِها، ووجهُ العطف في قراءة باقي السبعة أنَّ المراد حكايةٌ
القولين ليوازِنَ الناظرُ المحكيُّ له بينهما فيميِّزَ صحيحهما من الفاسد.
﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ, عَقِبَةُ الذَّارِ﴾ أي: العاقبةُ المحمودةُ في الدار وهي الدنيا،
وعاقبتُها أن يُختم للإنسان بها بما يفضي به إلى الجنة بفَضْلِ الله تعالى وكرمه،
ووجهُ إرادة العاقبة المحمودة من مُظْلَقِ العاقبة أنها هي التي دعا اللهُ تعالى إليها
عباده، ورَّب فيهم عقولاً ترشدُهم إليها، ومكَّنهم منها، وأزاح عِلَلَهم ووقَّر
دواعيَهم وحضّهم عليها، فكأنها لذلك هي المرادةُ من جميع العباد، والغرضُ من
خَلْقِهم، وهذا ما اختاره ابن المنير موافقاً لِمَا عليه الجماعةُ، وحَكَى (٣) أنَّ بعضهم
قال له: ما يمنعك أن تقول: فَهْمُ عاقبة الخير من إضافة العاقبة إلى ذويها باللام
كما في هذه الآية، وقولِه تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٤٢]،
وقولِه سبحانه: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] إذ عاقبةُ الخير هي التي تكون لهم،
وأما عاقبةُ السوء فعليهم لا لهم، فقال له: لقد كان لي في ذلك مقالٌ لولا ورودُ
مثل: ﴿أُوَّكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ وَمُمْ سُوَّهُ الذَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥]، ولم يقل: وعليهم، فاستعمال
(١) مجمع البيان ٢٩٥/٢٠.
(٢) التيسير ص١٧١، والنشر ٣٤١/٢.
(٣) في الانتصاف ١٧٨/٣ .

الآية : ٣٨
١٨٧
سُورَةُ القَصَصِ
اللام مكانَ ((على)) دليلٌ على إلغاء الاستدلال باللام على إرادة عاقبة الخير.
وقد يقال: إنَّ اللام ظاهرةٌ في النفع، ويكفي ذلك في انفهام كون المراد
بالعاقبة عاقبةً الخير، ويلتزم في نحو الآية التي أوردها ابن المنير كونُها من باب
التهكُّم، وهذا نظيرُ ما قالوا: إنَّ البشارة في الخير، و﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[آل عمران: ٢١] من باب التھگم.
وقال الطيبيُّ انتصاراً للبعض أيضاً: قلت: الآيةُ غيرُ مانعةٍ عن ذلك، فإنَّ قرينة
اللعنة والسوء مانعةٌ عن إرادة الخير، وإنما أتى بـ ((لهم)) ليؤذِنَ بأنهما حقَّان ثابتان
لهم لازمان إياهم، ويعضده التقديم المفيدُ للاختصاص، فتدبّر.
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((يكون)) بالياء التحتية(١)، لأنَّ المرفوع مجازيُّ التأنيث
ومفصولٌ عن رافعه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ أي: لا يفوزون بمطلوبٍ ولا ينجون عن محذورٍ .
وحاصلُ كلام موسى عليه السلام: ربِّي أعلمُ منكم بحالٍ مَن أهَّله سبحانه
للفلاح الأعظم، حيث جعله نبيًّا وبعثه بالهدى ووعده حُسْنَ العقبى، ولو كان
كما تزعمون كاذباً ساحراً مفترياً لما أهَّله لذلك؛ لأنه غنيٌّ حكيم لا يرسِلُ الكاذبينَ
ولا يُنبِّئ الساحرينَ، ولا يفلح عنده الظالمون.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ بَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْى﴾ قاله اللَّعينُ
بعدما جمع السحرةَ وتصدَّى للمعارضة، والظاهرُ أنه أراد حقيقةَ ما يدلُّ عليه
كلامُه، وهو نفيُّ علمه بإلٍ غيرِهِ دون وجوده، فإنَّ عدم العلم بالشيء لا يدلُّ على
عدمه، ولم يَجْزِم بالعدم بأن يقول: ليس لكم إلهٌ غيري، مع أنَّ كلَّ من هذا وما قاله
كذبٌ، لأنَّ ظاهر قول موسى عليه السلام له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] يقتضي أنه كان عالماً بأنَّ إلههم غيرُه،
وما تَرَكه أوفقُ ظاهراً بما قَصَده من تبعيدٍ قومه عن اتّباع موسى عليه السلام اختياراً
لدسيسةٍ شيطانية، وهو إظهارُ أنه منصفٌ في الجملة؛ ليتوصَّل بذلك إلى قبولهم
ما يقولُه لهم بعدُ في أمر الإله، وتسليمِهم إياه له اعتماداً على ما رأوا من إنصافه،
(١) التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٣/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.

سُورَةُ الْقَصَصِ
١٨٨
الآية : ٣٨
فكأنه قال: ما علمتُ في الأزمنة الماضية لكم إلهاً غيري كما يقول موسى، والأمر
محتملٌ وسأحقّق لكم ذلك.
﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الْعِظِينِ﴾ أي: اصْنَعْ لي آجُرًّا ﴿فَأَجْعَل ◌ِ﴾ منه ﴿صَرْحًا﴾
أي: بناءً مكشوفاً عالياً، من صَرُح الشيءُ: إذا ظَهَر.
﴿لَّعَلِّ أَطِّيعُ﴾ أي: أطْلعُ وأصعدُ، فافْتَعَلَ بمعنى الفعل المجرَّد كما في
((البحر))(١) وغيرِهِ ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ الذي يذكر أنه إلهه وإلهُ العالمين، كأنه يُوهِمُ
قومه أنه تعالى لو كان كما يقول موسى لكان جسماً في السماء، كون الأجسام فيها
یمکن الرقيُّ إليه.
ثم قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴾﴾ فيما يذكر، تأكيداً لِمَا أراد، وإعلاماً
بأنَّ ترجّيَهُ الصعودَ إلى إله موسى عليه السلام ليس لأنه جازمٌ بأنه هناك.
والأمرُ بجَعْلِ الصرح وبنائه لا يدلُّ على أنه بُني، وقد اختلف في ذلك؛ فقيل:
بناه، وذُكر من وَصْفِه ما اللهُ عزَّ وجلَّ أعلم به.
وقيل: لم يُبْنَ، وعلى هذا يكون قوله ذلك وأمرُه للتلبيس على قومه، وإيهامِه
إياهم أنه بصدد تحقيق الأمر، ويكون ما ذُكر ذكراً لأحد طرق التحقيق، فيتمكّنُ من
أن يقول بعده: حقَّقتُ الأمر بطريقٍ آخر فعَلمْتُ أن ليس لكم إلهٌ غيري، وأنَّ موسى
کاذبٌ فیما یقول.
وعلى الأول يحتملُ أن يكون صعد الصَّرْحَ وحده أو مع مَن يأمنُه على سرِّه،
وبقي ما بقي، ثم نزل إليهم فقال لهم: صعدتُ إلى إله موسى وحقَّقتُ أنْ ليس
الأمرُ كما يقول وعلمتُ أنْ ليس لكم إلهٌ غيري.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدِّيِّ قال: لمَّا بُني له الصرحُ ارْتَقَى فوقه فأمر
بنشابةٍ فرمى بها نحو السماء، فرُدَّتْ إليه وهي متلطّخةٌ دماً، فقال: قتلتُ إلهَ
موسى(٢). وهذا إن صحَّ من باب التهكُّم بالفعل، ولا أظنُّه يصُّ.
(١) ١٢٠/٧.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٧٩/٩.

الآية : ٣٨
١٨٩
سُورَةُ الْقَصَصِ
وأيًّا ما كان فالقومُ كانوا في غاية الغباوة والجهل وإفراطِ العماية والبَلَادةِ، وإلَّا
لَمَا نفق عليهم مثلُ هذا الهذيان، ولله تعالى خواصّ في الأزمنة والأمكنة
والأشخاص.
ولا يَبْعُدُ أن يقال: كان فيهم من ذوي العقول مَن يعلمُ تمويهه وتلبيسَه، ويعتقدُ
هذيانَه فيما يقول، إلا أنه نظم نفسه في سلك الجهَّال، ولم يُظْهِرْ خلافاً لِمَا عليه
اللعين بحالٍ من الأحوال، وذلك إمَّا للرغبة فيما لديه أو للرهبة من سطوته واعتدائه
عليه، وكم رأينا عاقلاً وعالماً فاضلاً يوافق لذلك الظّلَمة الجبابرة ويصدِّقُهم
فيما يقولون، وإن كان مستحيلاً أو كفراً بالآخرة.
وكأنَّ قولَ اللَّعينِ لموسى عليه السلام: ((لئن اتخذتَ إلهاً غيري لأجعلنَّك من
المسجونين))، بعد هذا القول المحكيّ ها هنا، بأن يكون قاله وأردفه بإخبارهم على
البتِّ أنْ لا إله لهم غيرُه، ثم هذَّد موسى بالسَّجْنِ إنْ بدا منه ما يُشْعِرُ بخلافه. وهذا
وجهٌ في الآية لا يخلو عن لطفٍ وإن كان فيه نوعُ خفاءٍ، وفيها أوجهٌ أُخَرُ:
الأول: أنه أراد بقوله: ((ما علمت لكم من إلهٍ غيري)) نفيَ العلم دون الوجود
كما في ذلك الوجه، إلا أنه لم يَنْفِ الوجودَ لأنه لم يكن عنده ما يقتضي الجزمَ
بالعدم، وأراد بقوله: ((إِنِّي لأظُّه من الكاذبين)»: إني لأظنه كاذباً في دعوى الرسالة
من الله تعالى، وأراد بقوله: يا هامان أوقد لي على الطين .. إلخ، إعلامَ الناس
بفسادٍ دعواه تلك بناءً على توقُّمه أنه تعالى إن كان كان في السماء بأنه لو كان
رسولاً منه تعالى فهو ممن يَصِلُ إليه، وذلك بالصعود إليه، وهو مما لا يقوى عليه
الإنسان، فيكون من نوع المحال بالنسبة إليه، فما بُني عليه وهي الرسالة منه تعالى
مثلُه، فقوله: ((فاجعل لي صرحاً)) لإظهار عدم إمكان الصعود الموقوف عليه صحةٌ
دعوى الرسالةِ في زَعْمِه، و((لعل)) للتھُم.
الثاني: أنه أراد أيضاً نفي العلم بالوجود دون الوجود نفسِه، لكنه كان في نفي
العلم ملبِّساً على قومه كاذباً فيه، حيث كان يعلم أنَّ لهم إلهاً غيرَه هو إلهُ الخلق
أجمعين، وهو الله عزَّ وجلَّ، وأراد بقوله: ((وإنِّي)) إلخ: إنِّي لأظنه كاذباً في دعوى
الرسالة كما في سابقه، وأراد بقوله: ((ياهامان)) إلخ، طَلَبَ أن يجعل له ما يزيلُ به
شكّه في الرسالة، وذلك بأنْ يبني له رصداً في موضعٍ عالٍ يرصدُ منه أحوالَ

سُورَةُ القَصَصِ
١٩٠
الآية : ٣٨
الكواكب الدالّة على الحوادث الكونية بزَعْمِه، فيرى هل فيها ما يدلُّ على إرسال الله
تعالی إیاه.
وتعقِّب بأنه لا يناسبُ قوله: ((فأطّلعَ إلى إله موسى)) إلَّا أنْ يراد: فأطّلع على
حُكُمٍ إله موسى بأوضاع الكواكب، والنظرِ فيها: هل أرسل موسى كما يقول أم لا؟
فيكون الكلام على تقدیرِ مضافٍ، و((إلى)) فيه بمعنى ((على)).
وجوِّز على هذا الوجه أن يكون قد أراد بإله موسى الكواكبَ، فكأنه قال: لعلِّي
أصعدُ إلى الكواكب التي هي إلهُ موسى، فأنظرَ هل فيها ما يدلُّ على إرسالها إياه؟
أو: لعلِّي أطلعُ على حُكْمِ الكواكب التي هي إلهُ موسى في أمر رسالته، وهو
كما ترى. وبالجملة هذا الوجه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه.
الثالث: أنه أراد بنفي علمه بإلهٍ غيرِه نفيَ وجوده، وبظنِّه كاذباً ظنَّه كاذباً في
إثباته إلهاً غيره، ويفسَّر الظنُّ باليقين، كما في قول دريد بن الصمة:
سَرَاتُهمُ في الفارسيِّ المسرَّد(١)
فقلتُ لهم ◌ُظُنُّوا بألفي مُدجَّچٍ
فإثباتُ الظنِّ المذكورِ لا يدفعُ إرادةَ ذلك النفي. وجوَّز بعضُهم إبقاءه على
ظاهره، وقال في دفع المنافاة: يمكن أن يقال: الظاهر أن كلامه الأول كان تمويهاً
وتلبيساً على القوم، والثاني كان مُواضعةً مع صاحب سرِّه هامان، فإثباتُ الظنِّ في
الثاني لا يدفعُ أن يكون العلم في الأول لنفي المعلوم. وفيه أنه يأبى ذلك سوقُ
الآية، والفاءُ في ((فَأَوْقِذْ لي)).
وطلبه بناءً الصرح راجیاً الصعود إلى إله موسی علیه السلام أراد به التھگُم،
كأنه نَسب إلى موسى عليه السلام القول بأنَّ إلهه في السماء، فقال: يا هامان اجعل
لي صرحاً لأصعد إلى إله موسى، متهكِّماً به، وهذا نظيرُ ما إذا أخبرك شخصٌ
بحياةٍ زيد وأنه في داره، وأنت تعلم خلافَ ذلك، فتقول لغلامك بعد أن تذكر
علمك بما يخالف قوله متهكِّماً به: ياغلام، أَسْرِجْ لي الدابَّةَ لعلِّ أذهبُ إلى فلانٍ
وأستأنسُ به، بل ما قاله فرعون أظهرُ في التهكُم مما ذُكر، فطلبُه بناءَ الصرح بناءً
(١) ديوان دريد بن الصمة ص٤٧، والأضداد ص١٤، وتفسير الطبري ٦٢٤/١، والأغاني ٨/١٠،
وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ٨١٢/٢. ورواية الديوان: علانيةً ظُّوا ...

الآية : ٣٨
١٩١
سُورَةُ القَصَصِ
على هذا لا يكون منافياً لِمَا ادَّعاه أوَّلاً وآخِراً من العلم واليقين.
وقال بعضهم في دفع ما قيل من المنافاة: إنها إنما تكون لو لم يكن قوله:
(لعلي أطَّلِعُ)) إلخ، على طريق التسليم والتنزُّل.
وقال آخر في ذلك: إنَّ اللعين كان مشركاً يعتقدُ أنَّ مَن ملك قطراً كان إلهَهُ
ومعبودَ أهله، فما أثبته في قوله: ((لعلِّي أطَّلِعُ)) إلخ الإلهُ لغير ممتلكه، وما نفاه إلهُها
كما يشير إليه قولُه: ((لكم))، ولا يخلو عن بحث.
وفي ((الكشاف))(١) القولُ بالمناقضة بين بناء الصرح وما ادَّعاه من العلم
واليقين، إلا أنه قال: قد خَفِيتْ على قومه لغباوتهم وبلههم، أوْ لمْ تَخْفَ عليهم
ولکن کلّ کان یخاف على نفسه سوطه وسيفه.
وإذا فتح هذا الباب جاز إبقاء الظنِّ على ظاهره من غير حاجةٍ إلى دفع
التناقض، والأَوْلَى عندي السعيُّ في دفع التناقُض، فإذا لم يمكن استُند في ارتكاب
المخذول إياه إلى جهله، أو سَفَهِه وعدمٍ مبالاته بالقوم لغباوتهم، أو خوفهم منه،
أو نحو ذلك.
واعتُرض القول بأنه أراد بنفي علمه بإلهٍ غيره نفيَ وجوده فقال في ((التحقيق))،
وذَكَره غيرُه أيضاً: إنه غيرُ سديدٍ؛ فإنَّ عدم العلم بالشيء لا يدلُّ على عدمه،
لاسیما عدم علم شخصٍ واحد.
وقال القاضي البيضاوي: هذا في العلوم الفعلية صحيحٌ؛ لأنها لازمةٌ لتحقُّق
معلوماتها، فيلزمُ من انتفائها انتفاؤها، ولا كذلك العلومُ الانفعالية(٢).
وردّ بأنَّ غرض قائل ذلك أنَّ عدم الوجود سببٌ لعدم العلم بالوجود في
الجملة، ولا شكَّ أنه كذلك، فأُطلق المسبّب وأُريدَ السبب، لا أنَّ بينهما ملازمةً
كلِّيةً، على أنه لمَّا كان من أقوى أسباب عدم العلم لأنه المطّردُ جاز أن يطلق
ويرادَ به الوجود؛ إذ لا يشترط في فنِّ البلاغة اللزومُ العقليُّ بل العاديُّ والعرفيُّ
(١) ١٧٩/٣.
(٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٧٥. وقال الشهاب: المراد بالعلم الفعلي ما كان
سبباً لوقوع معلومه، والانفعالي خلافه.

سُوَرَةُ القَصَصِ
١٩٢
الآية : ٣٨
كافٍ أيضاً، وقد يقول أحدٌ منا: لا أعلم ذلك، أي: لو كان موجوداً لعَلِمتُه إذا
قامت قرينةٌ، وهذا الاستعمالُ شائعٌ في عُرْفي العرب والعجم عند العامة
والخاصة، ومنه قولُ المزكِّي إذا سئل عن عدالة الشهود: لا أعلم، كيف وكان
المخذولُ يدَّعي الإلهية. ثم الظاهرُ أنَّ الكلام على تقدير إرادةِ نفي الوجود كنايةٌ
لا مجازٌ. وبالجملة ما ذكر وجهٌ وجيهٌ، وتعيينُ الأوْجَهِ مفوَّضٌ إلى ذهنك والله
تعالى الموفق.
واستدل بعضُ مَن يقول: إنَّ الله تعالى في السماء، بالمعنى الذي أراده سبحانه
في قوله عز وجل: ﴿وَأَمِثُم مَّن فِ السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] حَسْبَما يقول السلف بهذه
الآية، ووجه ذلك بأنَّ فرعون لو لم يسمع من موسى عليه السلام أنَّ إلهه في السماء
لمَا قال: ((فاجعل لي صرحاً لعلِّ اطّلعُ إلى إله موسى))، فقوله ذلك دليلُ السماع،
إلا أنه أخطأ في فهم المراد مما سمعه، فزعم أنَّ كونه تعالى في السماء بطريق
المظروفية والتمكّنٍ ونحوهما مما يكون للأجسام.
وأنت تعلم أنَّ هذا الاستدلال في غاية الضعف، وإثباتُ مذهب السلف
لا يحتاجُ إلى أن يُتمسَّكَ له بمثل ذلك.
وفي قول المخذول: ((أَوْقِد لي على الطين)) والمرادُ به اللَِّن، دون: اصنع لي
آجرًّا، إشارةٌ إلى أنه لم يكن لهامان علمٌ بصنعة الآجُرِّ، فأمره باتِّخاذه على وجهٍ
يتضمَّنُ التعليم، وفي الآثار ما يؤيِّد ذلك؛ فقد أخرج ابن المنذر(١) عن ابن جريج
قال: فرعونُ أولُ مَن أمر بصنعة الآجُرِّ وبنائه.
وأخرج هو وجماعةٌ عن قتادةَ قال: بلغني أنَّ فرعون أولُ مَن طبخ الآجرَّ،
وصنع له الصرح(٢).
وعن عمر ربه أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال:
ما علمتُ أنَّ أحداً بنى بالآجرِّ غير فرعون.
(١) كما في الدر المنثور ١٢٩/٥ .
(٢) الدر المنثور ١٢٩/٥، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق ٩١/٢، والطبري ٢٥٥/١٨، وابن
أبي حاتم ٢٩٧٩/٩.

الآية : ٣٩ - ٤٠
١٩٣
سُورَةُ القَصَصِ
وفي أَمْرِه إياه وهو وزيرُه ورديفُه بعملِ السِّفْلةِ من الإيقاد على الطين، منادياً له
باسمه دون تكنيةٍ وتلقيبٍ بـ ((يا)) دون ما يدلُّ على القُرْب، في وسط الكلام دون
أوَّله = من الدلالة على تجبُّره وتعظّمه ما لا يخفى.
﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ أي: رأوا كلَّ مَن سواهم حقيراً بالإضافة إليهم، ولم
يروا العظمةَ والكبرياء إلَّا لأنفسهم، فنظروا إلى غيرهم نظر الملوك إلى العبيد.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الأكثرون على أنَّ المراد: في أرض مصر. وقيل: المراد بها
الجُرم المعروف المقابلُ للسماء. وفي التقييد بها تشنيعٌ عليهم حيث استكبروا
فيما هو أسفلُ الأجرام، وكان اللائقُ بهم أن ينظروا إلى محلِّهم وتسفُّله
فلا يستكبروا.
﴿يِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: بغير الاستحقاق، لما أنَّ رؤيتهم تلك باطلةٌ، ولا تكونُ رؤية
الكلِّ حقيراً بالإضافة إلى الرائي ورؤيةُ العظمة والكبرياء لنفسه على الخصوص دون
غيره حقًّا إلا من الله عزَّ وجل، ومن هنا قال الزمخشريُّ: الاستكبار بالحقِّ إنما هو الله
تعالى، وكلُّ مستكبرٍ سواه عزَّ وجلَّ فاستكبارُه بغير الحق، وفي الحديث القدسيِّ :
((الكبرياءُ ردائي والعظمةُ إزاري، فَمَنْ نازَعَني واحداً منهما ألقيتُه في النار))(١).
﴿وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾ بالبعث للجزاء، والظنُّ قيل: إمَّا على
ظاهره، أو عبّر عن اعتقادهم به تحقيراً لهم وتجهيلاً(٢).
وقرأ حمزة والكسائيُّ ونافع: ((لا يَرْجِعون)) بفتح الياء وكسر الجيم (٣).
﴿فَأَخَذْنَكَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِىِ آلْبَةِ﴾ أي: ألقيناهم وأغرقناهم فيه، وقد مرَّ
تفصيلُ ذلك. وفي التعبير بالنبذ وهو إلقاء الشيء الحقير وطَرْحُه لقلَّة الاعتداد به،
ولذلك قال الشاعر:
(١) الكشاف ٣/ ١٨٠، والحديث أخرجه ابن ماجه (٤١٧٥)، وابن حبان (٥٦٧٢) من حديث
ابن عباس ها. وأخرجه أحمد (٧٣٨٢)، وأبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤) من
حديث أبي هريرة ربه. وأخرجه بنحوه مسلم (٢٦٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري
وأبي هريرة ـ
(٢) في (م): وتمهيلاً، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧/ ٧٥، والكلام منه.
(٣) التيسير ص١٧١، والنشر ٢٠٨/٢-٢٠٩، وهي قراءة خلف ويعقوب من العشرة.

سُورَةُ القَصَصِ
١٩٤
الآية : ٤١
نظرتُ إلى عنوانه فنبذتهُ كنبذك نعلاً من نعالك باليا (١)
استحقارٌ لهم. وفي الكلام على ما قيل استعارةٌ مكنيةٌ وتخييليةٌ، وذلك أنهم
شبِّهوا في الحقارة بنعالٍ باليةٍ، واستُعير لهم اسمُ النعال ثم حذف المستعارُ وبقي
المستعارُ له، وجعل النبذ قرينة على أنه حقيقةٌ والمجازُ في التعلَّق، على نحو ما قيل
في: أظفارُ المنيَّة نشبتْ بفلان.
وقال بعضهم: الأخذ وهو حقيقةٌ في التناول مجازٌ عن خَلْق الداعية لهم إلى
السير إلى البحر، والنبذُ مجازٌ عن خَلْقِ الداعية لهم إلى دخوله.
وفي ((البحر)) أنه كنايةٌ عن إدخالهم فيه (٢).
والأَوْلَى أن يكون الكلام من باب التمثيل، كأنه عز وجلَّ فيما فعل بهم أخذهم
مع كثرتهم في كفِّ وطرحهم في الیمِّ.
والظاهر أنَّ الفاء الأولى سببيةٌ وليست لمجرَّد التعقيب، وأما الثانية فللتعقيب
إذا أُبقي الأخذُ على معنى التناوُلِ، أو أريد به خلقُ الداعية إلى السير أو نحوه،
أما إذا أريد به الإهلاك فهي للتفسير، كما في ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، فَجَّيْنَهُ﴾
[الأنبياء: ٧٦] ونحوه.
﴿فَأَنْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّالِمِينَ ﴾﴾ وبيِّنها للناس
ليعتبروا بها .
﴿وَجَعَلْنَهُمْ﴾ أي: خلقناهم ﴿أَبِتَّةٌ﴾ قدوةً للضلال بسبب حملهم لهم على
الضلال، كما يؤذن بذلك قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: إلى موجباتها
من الكفر والمعاصي، على أنَّ النار مجازٌ عن ذلك، أو على تقدير مضافٍ،
والمراد: جَعَلَهم ضالِّين مضلِين.
والجعلُ هنا مثلُه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلْمَتِ وَالنُّورِّ﴾ (٣) [الأنعام: ١]، والآيةُ
(١) البيت لأبي الأسود الدؤلي، وهو في ديوانه ص١٠٦ و٢٥٨ و٤٤٥، وهو دون نسبة في
المحرر الوجيز ٢٨٩/٤، والبحر ٧/ ١٢٠، ورواية الديوان :... نعلاً أخلقَتْ من نعالكا.
(٢) البحر ١٢٠/٧.
(٣) في (م): والنار.

الآية : ٤٢
١٩٥
سُورَةُ القَصَصِ
ظاهرةٌ في مذهب أهل السنَّة من أنَّ الخير والشرَّ مخلوقان لله عز وجل، وأوَّلَها
المعتزلةُ تارةً بأنَّ الجعل فيها بمعنى التسمية، مثلُه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَتِكَةَ
الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَّنًا﴾ [الزخرف: ١٩] أي: وسمَّيناهم فيما بين الأمم بعدهم دعاةً
إلى النار، وتارة بأنَّ جَعْلَهم كذلك بمعنى خذلانهم ومنعِهم من اللطف والتوفيق
للهداية، والأولُ محكيٍّ عن الجبائيِّ، والثاني عن الكعبيِّ.
وعن أبي مسلم: أنَّ المراد: صيَّرناهم بتعجيل العذاب لهم أئمةً، أي: متقدِّمين
لمن وراءهم من الكفرة إلى النار. وهذا في غاية التعسُّف كما لا يخفى.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ لَا يُصَرُونَ ﴾﴾ بدَفع العذاب عنهم بوجهٍ من الوجوه.
﴿وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ التي فَتَنَتْهم ﴿لَقْنَةٌ﴾ طرداً وإبعاداً، أو لعناً من
اللاعنين حيث لا تزالُ الملائكة عليهم السلام تلعنُهم، وكذا المؤمنون خَلَفاً عن
سَلَفٍ، وذلك إمَّا بدخولهم في عموم مَن يلعنونهم من الظالمين، وإما بالتنصيص
عليهم، نحو: لَعَنَ الله تعالى فرعونَ وجنودَه.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴾﴾ من المطرودين المبعَدين، يقال:
قَبَحه الله تعالى بالتخفيف، أي: نجَّاه وأبعده عن كلِّ خير، كما قال الليث.
ولا يتكرَّرُ مع اللعنة المذكورة قبلُ (١)؛ لأنَّ معناها الطرد أيضاً، لأن ذلك في
الدنيا وهذا في الآخرة، أو ذاك طردٌ عن رحمته التي في الدنيا وهذا طردٌ عن
الجنة، أو على هذا يراد باللعنة فيما تقدَّم ما تأخّر، مع أنَّ من المطرودين معناه
أنهم من الزمرة المعروفين بذلك، وهو أبلغ وأخصُّ.
وقال أبو عبيدة والأخفش: ((من المقبوحين)) أي: من المهلَكين(٢).
وعن ابن عباس، أي: من المشوَّهين في الخلقة بسوادِ الوجوه وزرقةِ العيون،
وهذا المعنى هو المتبادرُ إلا أنَّ فيه أنَّ فِعْلَ ((قبح)) عليه لازمٌ، فبناءُ اسم المفعول
منه غير ظاهر، وقد يقال: إذا صحَّ هذا التفسير عن ابن عباس التُزم القولُ بأنه سُمع
أيضاً. وجوِّز أن يكون ذلك تفسيراً بما هو لازمٌ في الجملة.
(١) في الأصل و(م): قيل، وفي حاشية الشهاب ٧٦/٧ (والكلام منه): قبله.
(٢) مجاز القرآن ١٠٦/٢، وقول الأخفش في النكت والعيون ٢٥٤/٤.

سُورَةُ القَصَصِ
١٩٦
الآية : ٤٣
و(يوم القيامة)) متعلِّقٌ بـ ((المقبوحين))، أو بمحذوفٍ يفسِّره ذلك، على ما عَلِمْتَ
آنفاً في نظيره(١). وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج، وعبد بن حميد عن قتادة،
ما هو ظاهرٌ في أنه معطوفٌ على ((هذه الدنيا))، وهو عطفٌ على المحلِّ، والمرويُّ
عن ابن جُرَيجِ أظهرُ في ذلك، وكلاهما في ((الدر المنثور))(٢)، والظاهرُ ما سمعتَه
أولاً .
وهذه الآيةُ أظهرُ دليلٍ على عدم نجاة فرعون يومَ القيامة، وأنه ملعونٌ مُبْعَدٌ عن
رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة، فإنَّ ضمائر جمع الغائب فيها راجعةٌ إلى فرعون
وجنوده، ويكادُ ينتظِمُ مَن الْتَزْمَ إرجاعها إلى الجنود في الجنود، وفي ((الفتاوى
الحديثية)) للعلامة ابن حجر: روى [ابن] عدي، والطبرانيُّ عن ابن مسعود أنه وَلّ
قال: ((خَلَقَ الله تعالى يحيى بن زكريا في بطن أمِّه مؤمناً، وخَلَقَ فرعون في بطن أمِّه
كافراً)»(٣).
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ أي: التوراة، وهو على ما قال أبو حيان: أولُ
كتابٍ فُصِّلَتْ فيه الأحكامُ(٤) ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَ﴾ أقوامَ نوحٍ وهوٍ
وصالحٍ ولوطٍ عليهم السلام، والتعرُّضُ لبيانِ كونٍ إيتائها بعد إهلاكهم للإشعار بأنها
نزلت بعد مساسٍ الحاجة إليها؛ تمهيداً لِمَا يعقبُه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال
القرآن الكريم على رسول الله وَله، فإنَّ إهلاك القرون الأولى من موجبات اندراس
معالم الشرائع وانطماسٍ آثارها، المؤدِّيين إلى اختلال نظام العالم وفسادٍ أحوال
الأمم، المستدعيين للتشريع الجديد بتقرير الأصول الباقية على ممرِّ الَدهور، وترتيبٍ
الفروع المتبدِّلة بتبدُّل العصور، وتذكيرٍ أحوال الأمم الخالية الموجبةٍ للاعتبار.
ومَن غفل عن هذا قال: الأَوْلَى أن تفسّر القرونُ الأولى بمن لم يؤمن بموسى
عليه السلام، ويقابلُها الثانيةُ وهي مَن آمن به عليه السلام.
(١) ينظر ما سلف ص١٨٤ من هذا الجزء.
(٢) ٥/ ١٢٩.
(٣) الفتاوى الحديثية ص٢٩١، وما سلف بين حاصرتين منه، والخبر في الكامل لابن عدي
٢٢٢١/٦ و٢٤٩٨/٧، والمعجم الكبير (١٠٥٤٣)، وسلف ٢٨٣/١١.
(٤) البحر ١٢٠/٧ .

الآية : ٤٣
١٩٧
سُوَدَةُ القَصَصِ
وقيل: المراد بها ما يعمُّ مَن لم يؤمن بموسى من فرعون وجنوده والأمم
المهلَكة من قبل. وليس بذاك.
و ((ما)) مصدرية، أي: آتيناه ذلك بعد إهلاكنا القرون الأولى ﴿بَصَابِرَ لِلنَّاسِ﴾
أي: أنواراً لقلوبهم تُبْصِرُ بها الحقائقَ، وتميِّز بين الحقِّ والباطل حيث كانت عمياً
عن الفهم والإدراك بالكلِّية، فإنَّ البصيرة نورُ القلب الذي به يستبصِرُ كما أنَّ البصر
نورُ العين الذي به تُبْصِرُ، ويطلق على نفس العين ويُجمع على أبصار، والأول
يجمع على بصائر. والمراد بالناس قيل: أمّته عليه السلام، وقيل: ما يعمُّهم ومَن
بعدهم.
وكونُ التوراة بصائرَ لمن بُعِثَ إليه نبيُّنَا وَّهِ لتضمُّنها ما يرشدهم إلى حقِّيَّة بعثته
عليه الصلاة والسلام، أو يزيدُهم علماً إلى علمهم.
وتعقِّب بأنه يلزم على هذا الحضُّ على مطالعة التوراة والعلم بما فيها، وقد
صحَّ أنَّ عِمر ◌َهُ استأذن رسول الله وَّه في جوامعَ كَتَبها من التوراة ليقرأها ويزدادَ
علماً إلى علمه، فغضب ◌َّهِ حتى عُرِفَ في وجهه ثم قال: ((لو كان موسى حيًّا لمَا
وسعه إلا اتِّباعي)) فرمى بها عمر رَُّّه من يده وندم على ذلك(١).
وأجيب بأنَّ غضبه نَّهِ من ذلك لِمَا أنَّ التوراة التي بأيدي اليهود إذ ذاك كانت
محرَّفةً وفيها الزيادةُ والنقصُ، وليست عينَ التوراة التي أنزلت على موسى عليه
السلام، وكان الناس حديثي عهدٍ بكفرٍ، فلو فتح باب المراجعة إلى التوراة
ومطالعتِها في ذلك الزمان لأذَّى إلى فسادٍ عظيم، فالنهي عن قراءتها حيث الإسلامُ
حديثٌ والخروجُ عن الكفر جديدٌ لا يدلُّ على أنها ليست في نفسها بصائر مشتملةً
على ما يرشدُ إلى حقِّية(٢) بعثته وٍَّ ويزيد علماً بصحة ما جاء به. ومما يدلُّ على
حِلِّ الرجوع إليها في الجملة قولُه تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَثِ فَتْلُوهَآ إِن كُمْ
صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقد كان المؤمنون من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام
وكعب الأحبار ينقلون منها ما ينقلون من الأخبار، ولم ينكر ذلك ولا سماعَه أحدٌ
(١) سلف ٢/ ١٤٢ و٤٦١/٣.
(٢) في الأصل: حقيقة.

سُورَةُ القَصَصِ
١٩٨
الآية : ٤٣
من أساطين الإسلام، ولا فرق بين سماع ما ينقلونه منهم وبين قراءته فيها وأَخْذِهِ
منها، وقد رجع إليها غيرُ واحدٍ من العلماء في إلزام اليهود والاحتجاجٍ عليهم
ببعض عباراتها في إثبات حقِّية بعثته وَله.
والذي أميلُ إليه كونُ المراد بالناس بني إسرائيل فإنه الذي يقتضيه المقام، وأمَّا
مطالعةُ التوراة فالبحثُ فيها طويل، وفي ((تحفة المحتاج)) للمولى العلّامةِ ابن حجر
عليه الرحمةُ: يَحرُمُ على غير عالم متبخِّرٍ مطالعةُ نحوِ توراةٍ علم تبدُّلها أو شكَّ
فيه(١). وهو أقربُ إلى التحقيق، ومَن سَبَرَ التوراةَ التي بأيدي اليهود اليومَ رأى
أكثرها مبدَّلاً لا توافُقَ بينه وبين ما في القرآن العظيم أصلاً، وهو المعوَّلُ عليه.
﴿وَهُدَى﴾ أي: إلى الشرائع التي هي الطرقُ الموصلةُ إلى الله عزَّ وجل
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ حيث ينال مَن عمل به رحمة الله تعالى بمقتضى وعده سبحانه، فعمومُ
رحمته بهذا المعنى لا ينافي أنَّ من الناس مَن هو كافرٌ بها وهو غيرُ مرحوم.
وانتصابُ المتعاطفات على الحالية من ((الكتاب)) على أنه نفسُ البصائر والهدى
والرحمة، أو على حذف المضاف، أي: ذا بصائر .. إلخ. وجوَّز أبو البقاء(٢)
انتصابها على العلّة، أي: آتيناه الكتاب لبصائر وهدى ورحمةً.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: كي يتذكَّروا، بناءً على أنَّ ((لعل)) للتعليل؛ فقد
أخرج ابن أبي حاتم من طريق السديِّ عن أبي مالك قال: ((لعل)) في القرآن بمعنى
(كي)) غيرَ آيةٍ في ((الشعراء)»: ﴿لَعَلَّكُمْ تَّخْلُدُونَ﴾(٣) [الآية: ١٢٩].
وحكى البغويُّ عن الواقديّ(٤) أنه قال: جميعُ ما في القرآن من ((لعل)) للتعليل،
إلا (لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ) فإنها فيه للتشبيه.
والمشهورُ أنها للترجّي، ولمَّا كان محالاً عليه عزَّ وجلَّ جَعَلَ بعضُهم الكلام
من باب التمثيل، والمراد: آتيناه ذلك ليكونوا على حالةٍ قابلةٍ للتذكُّر كحالٍ مَن
(١) تحفة المحتاج ١٧٨/١.
(٢) في الإملاء ١٥١/٤ .
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٦٠، وسلف ١٤١/١٨.
(٤) في الأصل و(م): وحكى الواقدي عن البغوي، وهو خطأ، وينظر ما سلف ١٤١/١٨.

الآية : ٤٤
١٩٩
سُوَدَّةُ القَصَصِ
يُرْجَى منه الخير. وبعضٌ آخَرُ صَرَفَ التَّرجِّيَ إلى المخاطبين، فهو منهم لا منه
تعالى. وجَعَلَ الزمخشريُّ(١) في ذلك استعارةً تبعيةً، حيث شبَّه الإرادة بالترجّي
لكون كلٍّ منهما طلب الوقوع.
ورُدَّ بأنَّ فيه لزومَ تخلُّفِ مراد الله تعالى عن إرادته لعدم تذكُّر الكلِّ، إلا أن
يكون من قبيل إسناد ما للبعض إلى الكلِّ. وأنت تعلم أنَّ الإرادة عند المعتزلة
قسمان: تفويضية، وهي قد يتخلَّف المراد عنها، وقسريةٌ وهي لا يتخلَّف المراد
عنها أصلاً، فمتى أُريدَ القسمُ الأولُ منها هنا زال الإشكال، إلا أنَّ التقسيم
المذكور خلافُ المذهب الحقِّ.
﴿وَمَا كُنْتَ بِمَانِبِ الْغَرْبِ﴾ شروعٌ في بيانِ أنَّ إنزال القرآن الكريم أيضاً واقعٌ
زمانَ مساس الحاجة إليه واقتضاءِ الحكمة له البتةَ، متضمِّناً تحقيق كونه وحياً صادقاً
من عند الله تعالى، ببيانِ أنَّ الوقوف على ما فصِّل من الأحوال لا يتسنَّى
إلا بالمشاهدة أو التعلُّم ممن شاهدها، وحيث انتفى كلاهما تبيّن أنه بوحي من
علَّام الغيوب لا محالةَ. كذا قيل(٢)، ولا يخفى أنَّ تعيُّن كونه بوحي لا يتمُّ إلا بنفي
كونه بالاستفاضة، وكونه بالتعلَّم من بعض أهل الكتاب المعاصرين له وَّر، كما قال
المشركون: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ولعله إنما لم يتعرَّض لنفي ذلك
وتعرَّض لنفي ما هو أظهرُ انتفاءً منه للإشارة إلى ظهور انتفاءِ ذلك، والمبالغة في
دعوى ذلك، حيث آذَنَ بأنَّ المحتاج إلى الإخبار بانتفائه ذانك الأمران دونه، على
أنه عزَّ وجلَّ قد نفى في موضعٍ آخَرَ كونَه بالتعلُّم من بعض أهل الكتاب، ولعله يُعلَم
منه انتفاءُ كونه بالاستفاضة، وإن قلنا: إنه لا يُعلم، فدليلهُ ظاهرٌ جدًّا، ولذا لم
يتشبَّثْ بكون الوقوف بها أحدٌ من المشركين، فتدبر.
والمعنى على ما ذهب إليه بعضُهم: وما كنتَ حاضراً بجانب الجبل الغربي أو
المكان الغربيِّ الذي وقع فيه الميقاتُ وأَعْطَى الله تعالى فيه ألواحَ التوراة لموسى
عليه السلام، والكلامُ على هذا من باب حذف الموصوف وإقامةٍ صفته مقامَه، وهو
عند قومٍ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة التي جوَّزها الكوفيون كما في:
(١) في الكشاف ١٨١/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧٦/٧.
(٢) هو قول أبي السعود في تفسيره ٧/ ١٥.

سُوَةُ القَصَصِ
٢٠٠
الآية : ٤٤
مسجد الجامع، والأصل: في الجانب الغربيِّ، فيتَّحِدُ الجانبُ والغربيُّ على هذا
الوجه، وهو بعضٌ من الغربي على الوجه الأول.
﴿إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أي: عَهِدْنا إليه وأَحْكَمنا أمرَ نبوَّته بالوحي وإيتاءٍ
التوراة.
﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَِّهِدِينَ ﴾﴾ أي: من جملة الحاضرين للوحي، أو: الشاهدين
على الوحي إليه عليه السلام، وهم السبعون المختارون للميقات، حتى تشاهد
ما جرى من أمر موسى في ميقاته فتُخْبِرَ به الناس، فالشاهدُ من الشهادة إمَّا بمعنى
الحضورِ أو بمعناها المعروف، واستشكل إرادةُ المعنى الأول بلزوم التكرار؛ فإنه
قد نفى الحضور أولاً في قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِّ)، وكذا إرادةُ المعنى
الثاني بلزوم نحو ذلك؛ لِمَا أنَّ نفي الحضور يستدعي نفي كونه من الشاهدين بذلك
المعنى، ومن هنا قيل: المراد من الأول نفيُّ كونه وَلّر حاضراً بنفسه لغرضٍ من
الأغراض، ومن الثاني نفيُ كونه عليه الصلاة والسلام من جماعةٍ جيء بهم
ليَخْضُروا فيطّلعوا على ما يقع هناك لموسى عليه السلام؛ لأنَّ المراد بالشاهدين
جماعةٌ معهودون كان حالُهم ذلك.
وقيل: المراد بالشاهدين الملائكةُ عليهم السلام، فقد جاء الشاهد اسماً للمَلَكِ
كما في ((القاموس))(١)، فكأنه قيل: ما كنتَ حاضراً بجانب الغربيِّ إذ قضينا إلى
موسى أمرَ نبوَّته بالوحي وما كنتَ من الملائكة الذين ينزلون ويصعدون بأمر الله
تعالى ووحيه إلى أنبيائه عليهم السلام، ولهم من الاطلاع على الحوادث ما ليس
لغيرهم من البشر، حتى يكون لك علمٌ بما وقع لموسى عليه السلام فتُخْبِرَ به
الناس.
وقال ابن عباس كما في ((التفسير الكبير)) و((البحر)): التقدير: لم تحضر ذلك
الموضعَ، ولو حَضَرْتَ لَما شاهدتَ تلك الوقائعَ، فإنه يجوزُ أن يكون هناك
ولا يشهد ولا يرى(٢).
(١) مادة (شهد).
(٢) تفسير الرازي ٢٥٧/٢٤، والبحر ١٢٢/٧.