Indexed OCR Text

Pages 161-180

الآية : ٢٧
١٦١
سُؤَدَةُ القَصَصِ
أي: أثابه، فيتعدَّى إلى اثنين ثانيهما هنا ((ثماني حجج))، والكلامُ على حذفٍ
المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه، أي: تثيبني رعيةً ثماني حجج، أي: تجعلها
ثوابي وأَجْري على الإنكاح، ويعني بذلك المهر.
وجوِّز على هذا المعنى أن يكون ظرفاً لـ ((تأجرني)) أيضاً بحذف المفعول، أي:
تعوِّضني خدمتك - أو عملك - في ثماني حجج.
ونقل عن المبرِّد أنه يقال: أَجَرْتُ داري ومملوكي غير ممدود، وآجَرْتُ
ممدوداً، والأول أكثر، فعلى هذا يتعدَّى إلى مفعولين، والمفعولُ الثاني محذوفٌ،
والمعنى: على أن تأجرني نفسَكَ. وقد يتعذَّى إلى واحدٍ بنفسه والثاني بـ ((من))،
فيقال: أَجَرْتُ الدارَ من عمرو. وظاهر كلام الأكثرين أنه لا فَرْقَ بين آجَرَ بالمدِّ
وَأَجَر بدونه، وقال الراغب: يقال: أَجَرْتُ زيداً، إذا اعتُبر فِعْلُ أحدهما، ويقال:
آجَرْتُه إذا اعتُبِرَ فعلاهما، وكلاهما يرجعان إلى معنى(١). ويقال كما في
((القاموس)): أَجَرْتُه أجراً وآجَرْتُه إيجاراً ومُؤاجَرةً(٢).
وفي ((تحفة المحتاج)): آجَرَه بالمدِّ إيجاراً، وبالقصر يَأْجرُهُ بكَسْرِ الجيم وضمِّها
أَجْراً. وفيها: أنَّ الإجارة بتثليث الهمزة - والكسر أفصحُ لغة ـ اسمٌ للأجرة، ثم
اشتهرت في العقد(٣).
والحججُ جمع حِجَّةٍ بالكسر: السَّنَة.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ في الخدمة والعمل ﴿فَمِنْ عِندِكٌ﴾ أي: فهو من عندك
من طريق التفضُّلِ، لا مِن عندي بطريق الإلزام.
﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزام إتمام العشر، والمناقشةِ في مراعاةِ الأوقات
واستيفاء الأعمال. واشتقاقُ المشقّة - وهي ما يصعبُ تحمُّله - من الشَّقِّ بفتح
الشين: وهو فَضْلُ الشيء إلى شقين، فإنَّ ما يَضْعُبُ عليك يَشُقُّ عليك رأيَكَ في
أمره، لتردُّده في تحمُّله وعدمِه.
(١) مفردات الراغب (أجر).
(٢) القاموس (أجر).
(٣) تحفة المحتاج ١٢١/٦.

سُؤَةُ القَصَصِ
١٦٢
الآية : ٢٨
وَسَتَجِدُفِيِ إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الضَّالِحِينَ ﴾ في حُسْنِ المعاملة ولِيْنِ الجانب
والوفاء بالعهد، ومرادُ شعيبٍ عليه السلامُ بالاستثناء التبرُّكُ به وتفويضُ أمره إلى توفيقه
تعالى، لا تعليقُ صلاحه بمشيئته سبحانه، بمعنى أنه إن شاء الله تعالى استَعْمَلَ الصلاحَ
وإن شاء عزَّ وجلَّ استعمل خلافَه؛ لأنه لا يناسب المقام. وقيل: لأنَّ صلاحه عليه
السلام متحقِّقٌ فلا معنى للتعليق، ونحوُه قول الشافعيِّ: أنا مؤمنٌ إن شاء الله تعالى.
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ﴾ مبتدأ وخبرٌ، أي: ذلك الذي قلت وعاهدتني فيه
وشارَظْتَني عليه قائمٌ وثابتٌ بيننا جميعاً لا يخرجُ عنه واحدٌ منَّا، لا أنا عمَّا شَرَظْتَ
عليَّ، ولا أنت عمَّا شَرْتَ على نفسك.
وقوله سبحانه: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ أي: أطولهما أو أقصرهما ﴿قَضَيْتُ﴾ أي:
وفيتُك بأداء الخدمة فيه ﴿فَلَ عُدْوَنَ عَىَّ﴾ تصريحٌ بالمراد، وتقريرٌ لأمر الخيار،
أي: لا عدوانَ كائنٌ عليَّ بطلب الزيادة على ما قضيتُه من الأَجَلَيْنِ، وتعميم انتفاء
العدوان بكِلا الأجلين بصَدَدِ المشارطة، مع تحقّق عدم العدوان في أطولهما رأساً،
للقَصْدِ إلى التسوية بينهما في الانتفاء، أي: كما لا أطالبُ بالزيادة على العشر
لا أطالبُ بالزيادة على الثمان، أو: أيما الأجلين قضيتُ فلا إثم كائنٌ عليَّ
[يعني](١) كما لا إثم عليَّ في قضاء الأطول لا إثم عليَّ في قضاء الأقصر فقط.
وقرأ عبد الله: ((أيَّ الأجليْنِ ما قضيت))(٢) فـ ((ما)) مزيدةٌ لتأكيد القضاء، أي:
أيَّ الأجلين صمَّمْتُ على قضائه وجرَّدْتُ عزيمتي له، كما أنها في القراءة الأولى
مزيدةٌ لتأكيد إبهام ((أي)) وشياعها، وجَعْلُها نافية لا يخفى ما فيه.
وقرأ الحسن والعباس عن أبي عمرو: ((أيْما)) بتسكين الياء من غير تشديدٍ(٣)،
كما في قول الفرزدق:
تنظّرْتُ نصراً والسماکین أیْهُما
عليَّ من الغيث استهلَّتْ مَواطِرُه(٤)
(١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١١/٧، والكلام منه.
(٢) المحرر الوجيز ٢٨٥/٤، والكشاف ١٧٤/٣، والبحر ١١٥/٧ .
(٣) القراءات الشاذة ص١١٢، والمحتسب ٢/ ١٥٠، والبحر ١١٥/٧، والعباس هو ابن الفضل
کما ذکر ابن خالويه .
(٤) ديوان الفرزدق ٢٨١/١، والبيت من قصيدة في مدح نصر بن سيار، وتنظّرت بمعنى:

الآية : ٢٨
١٦٣
سُورَةُ القَصَصِ
وأصلُها المشدّدةُ وحُذِفت الياءُ تخفيفاً، وهي ممَّا عينُه واوٌ ولامُه ياءٌ، ونصَّ
ابنُ جنِّي على أنها من باب: أويت، قياساً واشتقاقاً (١). وقد نقل كلامه في بيان
ذلك العلامة الطيبيُّ في ((شرح الكشاف))، فليَرْجِعْ إليه مَن شاء.
وقرأ أبو حيوة وابن قطيب: ((فلا ◌ِدْوان)) بكسر العين (٢).
﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا تَقُولُ﴾ من الشروط الجارية بيننا ﴿وَكِيلٌ ﴾﴾ أي: شهيدٌ، على
ما روي عن ابن عباس. وقال قتادة: حفيظ. وفي ((البحر))(٣): الوكيلُ الذي وُكل
إليه الأمر، ولمَّا ضُمِّنَ معنى شاهِدٍ ونحوِهِ عُدِّي بـ ((على)). ومن هنا قيل: أي:
شاهدٌ حفيظٌ .
والمرادُ توثيقُ العهدِ، وأنه لا سبيلَ لأحدٍ منهما إلى الخروج عنه أصلاً، وهذا
بيانٌ لِمَا عزما عليه واتَّفقا على إيقاعه إجمالاً من غير تعرُّضٍ لبيانِ مواجبٍ عَقْدَي
النكاح والإجارة في تلك الشريعة تفصيلاً .
وقولُ شعيبٍ عليه السلام: ((إنِّي أريد أن أُنكحك)) إلخ ظاهرٌ في أنه عَرْضٌ لرأيه
على موسى عليه السلام واستدعاءٌ منه للعقد، لا إنشاءٌ وتحقيقٌ له بالفعل، ولم
يجزم القائلون باتفاق الشريعتين في ذلك بكيفية ما وقع، فقيل: لعل النكاح جرى
على معيَّنةٍ بمهرٍ غيرِ الخدمة المذكورة، وهي إنما ذُكرت على طريق المعاهدةِ
لا المعاقَدة، فكأنه قال: أريد أن أنكحك إحدى ابنتيَّ بمهرٍ معيَّنٍ إذا أَجَرْتَني ثمانيَ
حججٍ بأجرةٍ معلومةٍ، فما تقول في ذلك؟ فرضي، فعقد له على معيَّنةٍ منهما، فلا يَرِدُ
أنَّ الإبهام في المرأة المزوَّجة غيرُ صحيح، وعلى الخدمة ومنافع الحرِّ عندنا أيضاً،
خصوصاً إذا قيل: إنَّ مدتها غيرُ معيَّنةٍ، وهي أيضاً ليست للزوجة بل لأبيها، فكيف
صحَّ كونُها مهراً؟
= انتظرت، والسماكان كوكبان وهما من الأنواء. واستهلَّ بمعنى: انصبَّ، كهلَّ. والمواطر
جمع ماطرة، وهي السحابة، يعني أنه انتظر الممدوح وجودَه وأحدَ الأنواءِ الماطرة، ولم
يفرِّق بينهما. حاشية الشهاب ٧/ ٧٢.
(١) المحتسب ٢/ ١٥٠ .
(٢) القراءات الشاذة ص ١١٢، والبحر ١١٥/٧ .
(٣) ١١٦/٧ .

سُورَةُ القَصَصِ
١٦٤
الآية : ٢٨
وقيل: يجوزُ أن يكون جرى على معيَّنةٍ بمهرِ الخدمةِ المذكورة، ولا فسادَ في
جَعْلِ الرغْبةِ مهراً، فإنه جائزٌ عند الشافعيّ عليه الرحمةُ، وكذا عند الحنفية كما يُفهم
من ((الهداية))(١)، ونقل عن صاحب ((المدارك)) أنه قال: التزوُّج على رعي الغنم
جائزٌ بالإجماع؛ لأنه قيامٌ بأمر الزوجية لا خدمةٌ صرفةٌ(٢).
وفي دعوى الإجماع إنْ أريد به إجماعُ الأئمة مطلقاً بحثٌ، ففي ((المحيط
البرهانيّ)): لو تزوَّجها على أن يَرْعَى غنمها سنةً لم يجز على رواية الأصل، وروى
ابنُ سماعة(٣) عن محمد أنه يجوزُ في الرعي.
وفي ((الانتصاف)): مذهب مالك في ذلك على ثلاثة أقوال: المنعُ، والكراهةُ،
والجواز(٤). ويقال على الجواز: كانت الغنم للمزوَّجةِ لا لأبيها. وليس في المدة
إبهامٌ إذ هي الحجج الثمان، والزائد(٥) قد وَعَدَ موسى عليه السلام الوفاءَ به إنْ تيسَّر
له، على أنَّ الإبهام في المهر يجوزُ كما هو مبيَّنٌ في الفروع.
وقال بعضهم: يجوز أن تكون الشرائعُ مختلفةً في أمر الإنكاح، فلعل إنكاح
المبهمة جائزٌ في شريعة شعيبٍ عليه السلام، ويكون التعيينُ للوليِّ أو للزوج، وكذا
جَعْلُ خدمةِ الوليِّ صداقاً، ونحو ذلك مما لا يجوزُ في شريعتنا .
ولا يَرِدُ أنَّ ما قصَّ من الشرائع السالفة من غير إنكارٍ فهو شرعٌ لنا؛ لأنه على
الإطلاق غيرُ مسلَّم. وفي ((الإكليل)) عن مكِّي أنه قال: في الآية خصائصُ في
النكاح: منها أنه لمّ يعيِّن الزوجة، ولا حَدَّ أوَّلَ المدة، وجَعَلَ المهر إجارةً، ودخل
ولم ينفذ شيئاً(٦).
والذي يميل إليه القلب اختلافُ الشرائع في مواجب النكاح، وربما يُستأنس
(١) الهداية مع شرح فتح القدير ٢/ ٤٥١ .
(٢) مدارك التنزيل المعروف بتفسير النسفي ٤٩/٤.
(٣) كما في فتح القدير لابن الهمام ٤٥١/٢.
(٤) الانتصاف مع الكشاف ١٧٣/٣ .
(٥) في (م): والزائدة.
(٦) الإكليل للسيوطي ص٢٠٣، وذكره عن مكي أيضاً القرطبي ٢٦٢/١٦ وفيه :... ودخل ولم
يَنْقُد ...

الآية : ٢٨
١٦٥
سُورَةُ القَصَصِ
له بما في الفصل التاسع والعشرين من السفر الأول من التوراة (١): أنَّ يعقوب
عليه السلام مضى إلى بلدٍ أهل الشرق، فإذا بئرٌ في الصحراء على فمها صخرةٌ
عظيمةٌ وعندها ثلاثةُ قطعانٍ من الغنم، فقال لرعاتها: من أين أنتم يا إخوة؟
قالوا: من حران(٢). فقال لهم: أتعرفون لابان بن ناحور؟ فقالوا: نعم. فقال:
أحيٌّ هو؟ قالوا: نعم، وهذه راحيل ابنتُه مع الغنم. ثم قال: ليس هذا وقت
انضمام الماشية فاسقوا الغنم وامضوا بها فارعوها. قالوا: لا نطيق ذلك إلى أن
تجتمع الرعاة ويدحرجوا الصخرةً عن فم البئر، فبينما هو يخاطبهم جاءت راحيل
مع غنم أبيها، فلمَّا رأى ذلك تقدَّم ودحرج الصخرة وسقى غنم خاله لابان، ثم
قبَّل راحيل وبكى وأخبرها أنه ابنُ عمتها ربقا(٣)، فأخبرت أباها فخرج للقائه
فعانقه وقبَّله وأدخله إلى منزله، ثم قال لابان له: أمَّا أنتَ فعَظْمي ولحمي.
ومكث عنده شهراً فقال له لا بان: أنت وإن كنتَ ذا قرابةٍ منِّي لا أستحسن أن
تخدمني مجاناً، فأخبرني بما تريد من الأجرة؟ وكان له ابنتان اسم الكبرى لَياً(٤)
واسم الصغرى راحيل، وعينا لَياً حسنتان، وراحيل حسنةُ الحلية والمنظر، فأحبَّها
يعقوب فقال: أخدمك سبعَ سنين براحيل. فقال لابان: إعطائي إياها لك أصلحُ
من إعطائي إياها لرجلٍ آخر، فأقِمْ عندي. فخدمه براحيل سبعَ سنين ثم قال:
أعطني زوجتي فقد كَملَتْ أيامي. فجمع لابان أهل الموضع وصنع لهم مجلساً،
فلما كان العشاء أخذ لَياً ابنته فزقَها إليه، ودخل عليها، فأعطاها لابان أمَتَه زَلْفًا
لتكون لها أمَةً، فلما كانت الغداةُ فإذا هي لياً، فقال للابان: ماذا صنعتَ بي،
أليس براحيل خَدَمْتُكَ؟ قال: نعم، لكن لا تزوَّج الصغرى قبل الكبرى في بلدنا،
فَأَكْمِلْ أسبوعَ هذه وأعطيك أختها راحيل أيضاً بالخدمة التي تخدمها عندي سبعَ
سنين أُخر. فكمل يعقوبُ أسبوعَ لَياً ثم أعطاه ابنته راحيل زوجةً، وأعطاها أمَتَه
بَلْهَا لتكون لها أمةً، فلمَّا دخل عليها يعقوب أحبَّها أكثر من حبِّه لياً، ثم خدمه
سبع سنين أُخر. اهـ.
(١) العهد القديم ص١١١ .
(٢) في التوراة: حاران.
(٣) في التوراة: رِفْقَة.
(٤) في (م): ليا، وفي التوراة: لَيْئة. وكذا في باقي المواضع، والمثبت من الأصل.

سُورَةُ القَصَصِ
١٦٦
الآية : ٢٨
وأخبرني بعضُ أهل الكتاب أنه يجوز أن تكون خدمةُ الأب مهراً لابنته، ويلزم
الأبَ إرضاؤها بشيء إذا كانت كبيرةً، وأنَّ ما التُزِمَ من الخدمة لا يجب فِعْلُه قبل
الدخول، ويكفي الالتزامُ والتعهُّد، وأنَّ المهر عندهم كلُّ شيءٍ له قيمةٌ أو ما في
حكمها، وأنَّ تسليم المرأة نفسَها للزوج راضيةً بما يحصل لها منه من قضاء الوطر
والانتفاع بدلاً عن المهر قد يقوم مقام المهر، وأنَّ حِلَّ الجمع بين الأختين كان
ليعقوب عليه السلام خاصةً، وهذا الأخيرُ ممَّا ذكره علماء الإسلام، والله تعالى
أعلمُ بصحة غيره ممَّا ذكر من الكلام.
هذا وللعلماء في الآية استدلالاتٌ؛ قال في ((الإكليل))(١): فيها استحبابُ
عَرْضٍ الرجل موليته على أهل الخير والفضل أن ينكحوها. واعتبارُ الوليِّ في
النكاح، وأنَّ العمى لا يقدحُ في الولاية فإنه عليه السلام كان أعمى. واعتبارُ
الإيجاب والقبول في النكاح.
وقال ابن الفرس: استدلَّ مالكٌ بهذه الآية على إنكاح الأب البكرَ البالغةَ بغير
استثمارٍ؛ لأنه لم يُذْكَر فيها استثمارٌ. قال: واحتجَّ بها(٢) بعضهم على جواز أن
يُكتب في الصداق: أُنْكِحُه إياها، خلافاً لمن اختار: أُنْكِحُها إياه، قائلاً: لأنه
إنما يملك النكاحَ عليها لا عليه.
وقال ابن العربي (٣): استدلَّ بها أصحابُ الشافعيِّ على أنَّ النكاح موقوفٌ على
لفظ الإنكاح والتزويج.
قال(٤): واستدلَّ بها قومٌ على جواز الجمع بين نكاحٍ وإجارةٍ في صفقةٍ واحدةٍ،
فعدَّوه إلى كلِّ صفقةٍ تجمعُ عقدين وقالوا بصحتها .
قال(٥): واستدلَّ بها علماؤنا على أنَّ اليسار لا يُعتبر في الكفاءة، فإنَّ موسى
عليه السلام لم يكن حينئذٍ موسراً .
(١) ص٢٠٣.
(٢) قوله: بها، ساقط من (م).
(٣) في أحكام القرآن ١٤٥٦/٣.
(٤) أي: ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٤٦٤.
(٥) أي: ابن العربي في أحكام القرآن ١٤٦٦/٣.

الآية : ٢٨
١٦٧
سُوَّدَةُ الْقَصَصِ
قال(١): وفي قوله: (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) اكتفاءٌ بشهادة الله عزَّ وجل، إذ
لم يُشْهِدا(٢) أحداً من الخلق، فيدل على عدم اشتراط الإشهاد في النكاح. اهـ.
واستدل بها الأوزاعيةُ على صحة البيع فيما إذا قال: بعتك بألفٍ نقداً، أو
ألفين نسيئةً. انتهى ما في ((الإكليل)) مع حذفٍ قليل. ولا يخفى ما في هذه
الاستدلالات من المقالات والمنازعات.
ثم إنَّ ما تقدَّم عن مكي من أنه عليه السلام دخل ولم ينفذ شيئاً مما قاله غيره
(٣) .
أيضاً، وقد روي أيضاً من طريق الإمامية عن أبي عبد الله (
وقيل: إنه عليه السلام لم يدخل حتى أتمَّ الأَجَل.
وجاء في بعض الآثار أنهما لمَّا أتمَّا العقد قال شعيبٌ لموسى عليهما السلام:
ادخل ذلك البيتَ فخذ عصاً من العصيِّ التي فيه. وكان عنده عصيُّ الأنبياء عليهم
السلام، فدخل وأخذ العصا التي هبط بها آدمُ من الجنة، ولم تزل الأنبياءُ عليهم
السلام يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب، فقال له شعيب: خذ غيرَ هذه. فما وقع
في يده إلَّا هي سبعَ مرات، فعلم أنَّ له شأناً.
وعن عكرمة أنه قال: خرج آدم عليه السلام بالعصا من الجنة، فأخذها جبرائيل
عليه السلام بعد موته، وكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً فدفعها إليه.
وفي ((مجمع البيان)) (٤) عن أبي عبد الله ظُه أنه قال: كانت عصا موسى قضيبَ
آسٍ من الجنة أتاه بها جبرائيل عليه السلام لمَّا توجَّه تلقاءَ مدين.
وقال السديُّ: كانت تلك العصا قد أَوْدَعَها شعيباً مَلَكٌ في صورة رجلٍ، فأمر
ابنته أن تأتي بعصاً، فدخلت وأخذت العصا فأتته بها، فلمَّا رآها الشيخ قال: ائتيه
بغيرها. فردّها سبع مراتٍ فلم يقع في يدها غيرُها، فدفعها إليه، ثم ندم لأنها
وديعةٌ، فتبعه فاختصما فيها ورضيا أن يحكم بينهما أولُ طالع، فأتاهما الملك
(١) في أحكام القرآن ١٤٦٨/٣ .
(٢) في الأصل و(م) والإكليل: يشهد، والمثبت من أحكام القرآن.
(٣) مجمع البيان ٢٨٥/٢٠.
(٤) ٢٨٦/٢٠.

سُورَةُ القَصَص
١٦٨
الآية : ٢٨
فقال: أَلْقِيَاها فمن رفعها فهي له. فعالجها الشيخ فلم يُطِقْها، ورَفَعها موسى عليه
السلام.
وعن الحسن: ما كانت إلا عصاً من الشجر اعترضها اعتراضاً.
وعن الكلبيِّ: الشجرة التي نودي منها شجرةُ العَوْسَج ومنها كانت عصاه.
وروي أنه لمَّا شَرَعَ عليه السلامُ بالخدمة والرَّعي قال له شعيب: إذا بلغتَ مفرقَ
الطريق فلا تأخذ على يمينك؛ فإنَّ الكلأ وإن كان بها أكثَرَ إلَّا أنَّ فيها تنِيناً أخشاه
عليك وعلى الغنم، فلمَّا بلغ مفرق الطريق أخذت الغنم ذاتَ اليمين ولم يقدر على
كفِّها، ومشى على أثرها فإذا عشبٌ وريفٌ لم يَرَ مثلَه، فنام فإذا بالتنِين قد أقبل،
فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى عليه السلام داميةً، فلمَّا أبصرها
داميةً والتنين مقتولاً ارتاح لذلك، ولمَّا رجع إلى شعيب وجد الغنم ملأى البطونِ
غزيزةَ اللبن، فأخبره موسى عليه السلام بما كان، ففرح وعلم أن لموسى والعصا
شأناً، وقال له: إنِّي وهبتُ لك من نتاج غنمي هذا العام كلَّ أَدرعَ ودَرْعاءَ.
فأوحى الله تعالى إليه في المنام أن اضْرِبْ بعصاك مُسْتقَى الغنم، ففعل ثم سقى
فما أخطأت واحدةٌ إلا وَضَعتْ أَدْرِعَ أو دَرْعاءَ، فوفى له شعيبٌ بما قال.
وحكى يحيى بن سلام أنه جعل له كلَّ سخلةٍ تُولَدُ على خلافٍ شيةٍ أمِّها،
فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام في المنام أنْ أَلْقِ عصاك في الماء الذي
تَسقي منه الغنم. ففعل، فولَدَتْ كلُّها على خلافِ شيتها .
وأخرج ابن ماجه والبزار وابن المنذر والطبرانيُّ وغيرهم من حديث عتبةً
السلميّ مرفوعاً: ((أنه عليه السلام لمَّا أراد فراقَ شعيب أَمَرَ امرأته أن تسأل أباها أن
يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمُه من قالِبٍ لونٍ(١) من ذلك
العلم، وكانت غنمُه سوداءَ حسناءَ، فانطلق موسى إلى عصاه فسماها من طرفها، ثم
وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها ووقف بإزاء الحوض، فلم يصدر منها
شاةٌ إلا ضرب جنبها شاةً شاةً، فأتأمت وأثلثت(٢) ووضعت كلَّها قوالِبَ ألوانٍ
(١) أي: ما جاءت على غير ألوان أمهاتها، كأن لونها قد انقلب. النهاية (قلب).
(٢) في الأصل و(م): فأنمث وانثنت، وفي تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور: فأنمت وأثلثت،
=

الآية : ٢٩
١٦٩
سُورَةُ القَصَصِ
إلا شاةً أو شاتين، ليس فيها فَشُوشرٌ)) أي: واسعة الشخب(١) ((ولا ضَبُوب)) أي:
طويلة الضرع تجرُّه (ولا عَزُوز)) أي: ضيقة الشخب ((ولا تَعول)) أي: لا ضرِعَ لها
إلا كهيئة حلمتين ((ولا كمشة تفوتُ الكفَّ)) (٢) أي: صغيرة الضرع لا يدركه(٣)
الكفُّ. وظاهرُ هذا الخبر أنَّ الهبة كانت لزوجته عليه السلام، وأنه كان ذلك لمَّا
أراد فراق شعيب عليهما السلام، وهو خلافُ ما يقتضيه ظاهر ما تقدم.
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أي: أتمَّ المدة المضروبةَ لِمَا أراد شعيبٌ منه، والمراد
به: الأجَلُ الآخَرُ كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم عن الحسن بن علي بن
أبي طالب ◌ًا(٤).
= والمثبت من تفسير ابن كثير نقلاً عن ابن أبي حاتم، ويؤيده ما جاء في رواية البزار: فولدت
قوالب ألوان كلها وولدت ثنتين أو ثلاثاً كلُّ شاة ...
(١) الشّخب ويضم: ما خرج من الضرع من اللبن. القاموس (شخب).
(٢) البزار (٢٢٤٦ - كشف الأستار)، والمعجم الكبير ١٧/ (٣٣٢)، وأخرجه أيضاً ابن
أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٣٧٨)، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٠-٢٩٧١، وعزاه لابن
المنذر السيوطي في الدر ١٢٦/٥. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: مدار هذا الحديث
على عبد الله بن لهيعة المصري وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، وقد روى
ابن جرير من كلام أنس بن مالك موقوفاً عليه ما يقارب بعضه بإسناد جيد. اهـ. وموقوف
أنس في تفسير الطبري ٢٣٧/١٨-٢٣٨.
وأخرجه ابن ماجه (٢٤٤٤) من حديث عتبة بإسنادٍ آخر مقتصراً على قطعة في أوله لم
يذكرها المصنف، وإسناده ضعيف أيضاً كما ذكر ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وابن حجر
في الفتح ٤/ ٤٤٥.
وما أورده المصنف ضمن الحديث من شرح الفشوش وما بعدها أخرجه ابن أبي حاتم
٢٩٧١/٩ عن ابن لهيعة في جوابه لمن سأله عن معانيها. وفي النهاية: الفَشوش: التي
ينفشُّ لبنها من غير حلب، أي: يجري، وذلك لسعة الإحليل. والضبوب: الضيقة ثقب
الإحليل. والعزوز: الشاة القليلة اللبن الضيقة الإحليل. والثَّعول: الشاة التي لها زيادة
حَلَمة، وهو عيبٍ. والكموش - وهي الكمشة -: الصغيرة الضرع، سميت بذلك لانكماش
ضرعها، وهو تقلُّصه. النهاية (فشش) و(ضبب) و(عزز) و(ثعل) و(كمش).
(٣) في (م): يدرك، والمثبت من الأصل وتفسير ابن أبي حاتم ٢٩٧١/٩، والدر المنثور
١٢٦/٣.
(٤) الدر المنثور ١٢٧/٥ .

سُورَةُ القَصَصِ
١٧٠
الآية : ٢٩
وأخرج البخاريُّ وجماعةٌ عن ابن عباس أنه سئل: أيَّ الأجلين قضى موسى
عليه السلام؟ فقال: قضى أكثرَهما وأطيبهما، إنَّ رسول الله إذا قال فعل(١).
وأخرج ابن مردويه من طريق عليّ بنِ عاصم عن أبي هارون عن أبي سعيد
الخدريِّ أنَّ رجلاً سأله: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ فقال: لا أدري حتى أسأل
رسول الله ◌َّة، فسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: ((لا أدري حتى أسألَ
جبريل عليه السلام)» فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل عليه السلام،
فسأل ميكائيل فقال: لا أدري حتى أسأل الرفيعَ، فسأل الرفيعَ فقال: لا أدري حتى
أسأل إسرافيل عليه السلام، فسأل إسرافيل فقال: لا أدري حتى أسأل ذا العزة جلَّ
جلالُه، فنادى إسرافيلُ بصوته الأشدِّ: يا ذا العزة، أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال:
(أتمَّ الأجلين وأطيبهما: عَشْرَ سنين)) قال علي بن عاصم: فكان أبو هارون إذا
حدَّث بهذا الحديث يقول: حدثني أبو سعيد، عن النبيِّ ◌َّر، عن جبريل، عن
ميكائيل، عن الرفيع، عن إسرافيل، عن ذي العزة تبارك وتعالى: ((أنَّ موسى قضى
أتمَّ الأجلين وأطيبهما عَشْرَ سنين))(٢).
والفاء قيل: فصيحةٌ، أي: فعقد العقدين وباشَرَ موسى ما أريدَ منه فلما أتمَّ
الأجل ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قيل: نحو مصر بإذنٍ من شعيب عليه السلام لزيارة والدته
وأخيه وأخته وذوي قرابته، وكأنه عليه السلام أقدمه على ذلك طولُ مدةِ الجناية،
وغلبةُ ظنّه خفاء أمره. وقيل: سار نحو بيت المقدس. وهذا أبعدُ عن القيل والقال.
﴿وَسَ مِن جَانِبِ الُْورِ﴾ أي: أَبْصَرَ من الجهة التي تلي الطورَ، لا من بعضه
كما هو المتبادر، وأصلُ الإيناس - على ما قيل - الإحساسُ، فيكون أعمَّ من
الإبصار. وقال الزمخشريُّ: هو الإبصار البيِّن الذي لا شبهةَ فيه، ومنه: إنسان
العين؛ لأنه يبينُ به الشيء، والإنسُ؛ لظهورهم، كما قيل: الجنُّ؛ لاستتارهم.
وقيل: هو إبصارُ ما يؤنس به(٣).
(١) صحيح البخاري (٢٦٨٤).
(٢) الدر المنثور ١٢٦/٥-١٢٧، وأبو هارون هو العبدي واسمه عمارة بن جوين، قال عنه
الحافظ في التقريب: متروك، ومنهم مَن كذَّبه.
(٣) الكشاف ٥٣١/٢.

الآية : ٢٩
١٧١
سُورَةُ القَصَصِ
﴿نَارًا﴾ استظهر بعضهم أنَّ المبصَرَ كان نوراً حقيقةً، إلَّا أنه عبَّر عنه بالنار
اعتباراً لاعتقادِ موسى عليه السلام.
وقال بعض العارفين: كان المبصَر في صورة النار الحقيقيةِ، وأما حقيقتُه فوراء
طورِ العقل، إلا أنَّ موسى عليه السلام ظنَّه النار المعروفة.
﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُواْ﴾ أي: أقيموا مكانكم، وكان معه عليه السلام - على
قولٍ - امرأتُه وخادمٌ، ويخاطَبُ الاثنان بصيغة الجمع، وعلى قولٍ آخر كان معه
ولدان له أيضاً، اسمُ الأكبر جيرشوم، واسمُ الأصغر أليعازر، وُلدا له زمانَ إقامته
عند شعيب، وهذا مما يتسنَّى على القول بأنه عليه السلام دخل على زوجته قبل
الشروع فيما أريد منه، وأما على القول بأنه لم يدخل عليها حتى أتمَّ الأجل
فلا يتسنَّى إلَّا بالتزام أنه عليه السلام مكث بعد ذلك سنين، وقد قيل به؛ أخرج
عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قضى موسى عَشْرَ سنين
ثم مكث بعد ذلك عشراً أخرى(١).
وعن وهبٍ: أنه عليه السلام ولد له ولدٌ في الطريق ليلةَ إيناس النار.
وفي ((البحر))(٢) أنه عليه السلام خرج بأهله وماله في فصل الشتاء، وأخذ على
غير الطريق مخافةً ملوك الشام، وامرأتُه حاملٌ لا يدري أليلاً تَضَعُ أم نهاراً؟ فسار
في البرية لا يعرفُ طرقها، فألجأه السيرُ إلى جانب الطور الغربيِّ الأيمنِ في ليلة
مُظْلمةٍ مُثْلِجَةٍ شديدة البرد.
وقيل: كان لغيرته على حرمه يَصْحَبُ الرفقة ليلاً ويفارقُهم نهاراً، فأضلَّ الطريق
يوماً حتى أدركه الليلُ، فأخذ امرأتَه الطلقُ، فقدح زنده فَأَصْلَدَ، فنظر فإذا نارٌ تلوحُ
من بُعْدٍ، فقال: ﴿أَمْكُوَاْ إِنَّ مَانَسْتُ نَارًا لَّعَلَّ ◌َائِكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي: بخبرِ الطريق،
بأنْ أَجِدَ عندها مَن يخبرني به، وقد كانوا كما سمعتَ ضلَّوا الطريق، والجملةُ
استئنافٌ في معنى التعليل للأمر.
﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ أي: عودٍ غليظِ، سواءٌ كان في رأسه نارٌ كما في قوله:
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٧١، وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ١٢٧/٥.
(٢) ٢٢٩/٦-٢٣٠.

سُورَةُ القَصَصِ
١٧٢
الآية : ٢٩
شديداً عليها حرُّها والْتِهابُها(١)
وأَلْقَى على قيسٍ من النارِ جذوةٌ
أو لم تكن كما في قوله :
جَزْلَ الجِذا غيرَ خوَّارٍ ولا دَعِرٍ (٢)
باتت حواطب ليلى يلتمسنَ لها
ولذا بُيِّنتْ كما قال بعض المحققين بقوله تعالى: ﴿مِّنَ النَّارِ﴾، وجَعَلَها
نفسَ النار للمبالغة، كأنها لتشبُّث النار بها استحالت ناراً.
وقال الراغب: الجذوةُ: ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب(٣). وفي معناه قول
أبي حيان: عودٌ فيه نارٌ بلا لهب (٤).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: هي عودٌ من حطبٍ فيه النارُ(٥) .
وأخرج هو وجماعةٌ عن قتادة أنها أصلُ شجرةٍ في طرفها النار(٦). قيل: فتكون
(من) على هذا للابتداء، والمراد بالنار هي التي آنسها .
وقرأ الأكثر: ((جِذْوةً)) بكسر الجيم، والأعمش وطلحة وأبو حيوة وحمزة
بضمِھا(٧).
تستدفئون وتتسخَّنون بها، وفيه دليلٌ على أنهم أصابهم
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
بَرْدٌ.
(١) الكشاف ١٧٥/٣، وتفسير القرطبي ٢٧٤/١٦، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧٢/٧.
قال الشهاب: قيس اسم قبيلة، ولذا قال: عليها، وهو استعارة لما لحقها من الفتنة التي كأنها
نار متوقدة.
(٢) البيت لتميم بن أبي بن مقبل، وهو في ديوانه ص٩١. الحواطب جمع حاطبة، وهي:
الجارية التي تجمع الحطب. والجزل: الحطب اليابس. والجذا بكسر الجيم: جمع جذوة.
والخوَّار: الضعيف الهش. والدَّعِر بفتح الدال وكسر العين: الرديء الكثير الدخان. حاشية
الشهاب ٧/ ٧٢ .
(٣) مفردات الراغب (جذو).
(٤) البحر ٧/ ١٠٣.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم (٢٩٧٣).
(٦) الدر المنثور ١٢٧/٥، وأخرجه عن قتادة أيضاً عبد الرزاق ٩١/٢، وهو في تفسير ابن
أبي حاتم ٩/ ٢٩٧٢ عن مجاهد.
(٧) التيسير ص١٧١، والنشر ٣٤١/٢ عن حمزة، وهي قراءة خلف من العشرة، وقرأ عاصم
بفتح الجيم، والكسر قراءة الباقين.

الآية : ٣٠
١٧٣
سُورَةُ القَصَصِ
﴿فَمَّا أَتَنَهَا﴾ أي: النارَ التي آنَسَها ﴿نُودِىَ مِن شَطٍِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ أي: أتاه
النداءُ من الجانب الأيمن بالنسبة إلى موسى عليه السلام في مسيره، فـ ((الأيمن))
صفةُ الشاطئ، وهو ضدُّ الأيسر. وجوِّز أن يكون ((الأيمن)) بمعنى: المتَّصف باليُمْنِ
والبركةِ ضدّ الأشأم، وعليه فيجوزُ كونُه صفةً لـ ((الشاطئ)) أو ((الوادي)). و((مِن)) على
ما اختاره جمع لابتداء الغاية متعلِّقةٌ بما عندها، وجوِّز أن تتعلَّق بمحذوفٍ وقع
حالاً من ضمير موسى عليه السلام المستترِ في ((نودي))، أي: نودي قريباً من شاطئ
الوادي، وجوِّز على الحالية أن تكون (من)) بمعنى ((في))، كما في قوله تعالى: ﴿مَاذَا
خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] أي: نودي كائناً في شاطئ الوادي.
وقوله تعالى: ﴿فِى الْقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ﴾ في موضع الحال من ((الشاطئ))، أو صلة
لـ («نودي)). والبُقعةُ: القطعة من الأرض على غيرِ هيئةِ التي إلى جنبها، وتُفتَحُ باؤها
كما في ((القاموس)(١)، وبذلك قرأ الأشهب العقيليُّ ومسلمة(٢). ووُصِفَتْ بالبركة
لِمَا خُصَّتْ به من آيات الله عزَّ وجلَّ وأنوارِهِ.
وقيل: لِمَا حَوَتْ من الأرزاق والثمار الطيبة. وليس بذاك.
وقوله سبحانه: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بدلٌ من قوله تعالى: (مِن شَطِي)، أو ((الشجرة))
فيه بدلٌ من ((شاطئ)) وأُعيد الجارُّ لأنَّ البدل على تكرار العامل، وهو بدلُ اشتمالٍ،
فإن الشاطئ كان مشتملاً على ((الشجرة)) إذ كانت نابتةً فيه.
و((من)) هنا لا تحتمل أن تكون بمعنى ((في)) كما سمعتَ في ((مِن)) الأولى، نعم
جوِّز فيها أن تكون للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿مِّنَا خَطِيَّنِمْ أَغْرِفُواْ﴾ [نوح: ٢٥]
متعلّقةً بـ ((المباركة))، أي: البقعة المباركة لأَجْل الشجرة. وقيل: يجوز تعلُّقُها
بـ ((المباركة)) مع بقائها للابتداء، على معنى أنَّ ابتداءً بركتها من الشجرة.
وكانت هذه الشجرةُ على ما روي عن ابن عباس عُنَّاباً، وعلى ما روي عن ابن
مسعود سَمُرةً، وعلى ما روي عن ابن جريج والكلبيِّ ووهب: عوسجة. وعلى
ما روي عن قتادة ومقاتل: علّيقة، وهو المذكور في التوراة اليوم(٣).
(١) مادة (بقع).
(٢) القراءات الشاذة ص ١١٢، والبحر ١١٦/٧.
(٣) العهد القديم ص١٥٦ .

سُورَةُ القَصَصِ
١٧٤
الآية : ٣٠
و ((أنْ)) في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَمُوسَى﴾ تحتملُ أن تكون تفسيريةً، وأنْ تكونَ
مخفَّفةً من الثقيلة، والأصل: بأنه، والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((نودي))، والنداء قد يوصَلُ
بحرف الجرِّ؛ أنشد أبو عليٍّ:
ناديتُ باسم ربيعةً بن مُكدَّمٍ
إنَّ المنوَّهَ باسمه الموثوقُ(١)
والضميرُ للشأن، وفسِّر الشأن بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنَا اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾.
وقرأت فرقة: ((أنّ)) بفتح الهمز(٢)، واستشكل بأنَّ ((أنْ)) إن كانت تفسيرية ينبغي كَسْرُ
(إنَّ) وهو ظاهرٌ، وإن كانت مصدريةً واسمها ضمير الشأن، فكذلك؛ إذ على الفتح
تُسبك مع ما بعدها بمفردٍ، وهو لا يكون خبراً عن ضمير الشأن، وخرّجت على أنَّ
((أنْ)) تفسيرية، و((أني)) إلخ في تأويل مصدرٍ معمولٍ لفعل محذوف، والتقدير: أن(٣)
يا موسى اعلم أنِّي أنا الله .. إلخ.
وجاء في سورة ((طه)): ﴿نُودِىَ يَمُوسَىّ ** إِنَّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [الآية: ١١] وفي سورة
((النمل)): ﴿نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ﴾ [الآية: ٨] وما هنا غير ذلك، بل ما في كلِّ غيرُ
ما في الآخر، فاستشكل ذلك.
وأجيب بأنَّ المغايرة إنما هي في اللفظ، وأما في المعنى المراد فلا مغايرةً.
وذهب الإمام إلى أنه تعالى حكى في كلٍّ من هذه السور بعضَ ما اشتمل عليه النداءُ
لِمَا أنَّ المطابقة بين ما في المواضع الثلاثة تحتاجُ إلى تكلُّفٍ ما (٤).
والظاهرُ أنَّ النداء منه عزَّ وجلَّ من غير توسيطٍ ملكٍ، وقد سمع موسى عليه
السلام - على ما تدلُّ عليه الآثار - كلاماً لفظيًّا قيل: خَلَقَه الله تعالى في الشجرة
بلا اتِّحادٍ وحلولٍ، وقيل: خلقه في الهواء كذلك، وسمعه موسى عليه السلام من
جهة الجانب الأيمن أو من جميع الجهات، و((أنا)) وإن كان كلُّ أحدٍ يشير به إلى
نفسه فليس المعنيُّ به محلَّ لفظه.
(١) المحرر الوجيز ٣٩/٤، والخزانة ٥٧/٦، وهو للفرزدق وسلف ٢٥٤/١٦.
(٢) المحرر الوجيز ٢٨٧/٤، والبحر ١١٧/٧، والدر المصون ٨/ ٦٧٠ .
(٣) في الأصل و(م): أي، والمثبت من الدر المصون ٨/ ٦٧٠ .
(٤) تفسير الرازي ٢٤٥/٢٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ٧٣.

الآية : ٣٠
١٧٥
سُوَّةُ القَصَصِ
وذهب الشيخ الأشعريُّ والإمام الغزاليُّ(١) إلى أنه عليه السلام سمع كلامه تعالى
النفسيَّ القدیم بلا صوتٍ ولا حرفٍ، وهذا کما تُری ذاتُه عزَّ وجلَّ بلا کیفٍ ولا کمِّ.
وذكر بعضُ العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظيَّ بصوتٍ، وكان ذلك بعد
ظهوره عزَّ وجلَّ بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمةُ، وهو سبحانه مع ظهوره
تعالى كذلك باقٍ على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق، وقد جاء في الصحيح أنه
تعالى يتجلَّى لعباده يومَ القيامة في صورة، فيقول: أنا ربُّكم، فينكرونه، ثم يتجلَّى
لهم بأخرى فيعرفونه (٢).
:
والله تعالى وصفاتُه من وراء حُجُبِ العزة والعظمة والجلال، فلا يحدِّثنَّ الفكرُ
نفسَه بأنْ يكون له وقوفٌ على الحقيقة بحالٍ من الأحوال:
ودونَ مَدَاهُ بِيدٌ لا تَبيدُ(٣)
مرامٌ شطّ مَرْمَى العقلِ فيه
وذكر بعضُ السلفيين أنه عليه السلام إنما سمع كلامه تعالى اللفظيَّ بصوتٍ،
مُنكِراً(٤) الظهور في المظاهر، عادًّا القول به من أعظم المناكر، ولابن القيِّم كلامٌ
طويلٌ في تحقيق ذلك، وقد قدَّمنا لك في المقدِّمات ما يتعلَّقُ بهذا المقام(٥)، فتذكَّر
والله تعالى وليُّ الإفهام.
وقال الحسن: إنه سبحانه نادى موسى عليه السلام نداءَ الوحي لا نداءَ الكلام.
ولم يَرْتَضِ ذلك العلماءُ الأعلامُ؛ لِمَا فيه من مخالفة الظاهر، وأنه لا يظهر عليه
وجهُ اختصاصه باسم الكليم من بين الأنبياء عليهم السلام، ووجهُ الاختصاص على
القول بأنه سمع كلامه تعالى الأزليَّ بلا حرفٍ ولا صوتٍ ظاهرٌ، وكذا على القول
(١) في الاقتصاد في الاعتقاد ص١٤٤ .
(٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢) عن أبي هريرة ◌ُه، وفيه:
(( ... فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربُّكم.
فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في
صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربُّكم. فيقولون: أنت ربُّنا)».
(٣) سلف ١٣٠/١ و٢٣٤/١٦.
(٤) في (م): منكر.
(٥) ينظر ما سلف ١١٦/١ وما بعدها، وينظر كذلك التفسير القيم لابن القيم ص٣٧.

سُورَةُ القَصَصِ
١٧٦
الآية : ٣١ - ٣٢
بأنه عليه السلام سمع صوتاً دالًّا على كلامه تعالى بلا واسطةٍ ملكٍ أو كتاب، سواءٌ
كان من جانبٍ واحدٍ لكنْ بصوتٍ غيرِ مكتَسبٍ للعباد على ما هو شأن سماعنا، أو
من جميع الجهات، لِمَا في كلٍّ من خَرْقِ العادة، وأمَّا وجهه عند القائلين بأنَّ
السماع كان بعد التجلِي في المظهر، فكذلك أيضاً إن قالوا بأنَّ هذا التجلِّي لم يقع
لأحدٍ من الأنبياء عليهم السلام سوى موسى.
ثم إنَّ عِلْمَه عليه السلام بأنَّ الذي ناداه هو الله تعالى حَصَلَ له بالضرورة خَلْقاً
منه سبحانه فيه. وقيل: بالمعجزة، وأوجب المعتزلةُ أن يكون حصولُه بها، فمنهم
مَن عيَّنها ومنهم مَن لم يعيِّنها، زعماً منهم أنَّ حصول العلم الضروريِّ ينافي
التکلیف، وفیه بحث.
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ﴾ عطفٌ على (أنْ يا موسى))، والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا
رَءَاهَا نَهْتَرٌ﴾ فصيحةٌ مُفْصِحةٌ عن جملٍ حُذِفَتْ تعويلاً على دلالة الحال عليها،
وإشعاراً بغايةِ سرعةٍ تحقَّقِ مدلولاتها، أي: فألقاها فصارت حيةً فاهتزَّتْ فلمَّا
رآها تهتزُّ وتتحرَّك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌ﴾ هي حيةٌ كحلاءُ العين لا تؤذي، كثيرةٌ في
الدُّور، والتشبيهُ بها باعتبارٍ سرعة حركتها وخفّتها لا في هيئتها وجثّتها،
فلا يقال: إنه عليه السلام لمَّا ألقاها صارت ثعباناً عظيماً، فكيف يصحُّ تشبيهها
بالجانٌ؟
وقال بعضهم: يجوزُ أن يكون المرادُ تشبيهها بها في الهيئة والجثة، ولا ضير
في ذلك لأن لها أحوالاً مختلفةً تَدِقُّ فيها وتَغْلُظ.
وقيل: الجانُّ يطلَقُ على ما عَظُمَ من الحيَّات، فيراد عند تشبيهها بها في ذلك.
والأَّوْلَى ما ذُكِرَ أوَّلاً .
﴿وَلَى مُدْيِرًا﴾ منهزماً من الخوف ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: ولم يرجع ﴿يَمُوسَى﴾ أي:
نودي - أو قيل - يا موسى ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِينَ ﴾﴾ من المخاوف،
فإنه لا يخاف لديَّ المرسلون.
﴿أَسْلُكْ يَدَكَ﴾ أي: أَدْخِلْها ﴿فِى جَيْبِكَ﴾ هو فتحُ الجبَّة من حيث يخرجُ الرأس
﴿َتَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾ أي: عيب.

الآية : ٣٢
١٧٧
أَ القَصَص
﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاعَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أي: من أَجْلِ المخافة. قال مجاهدٌ وابن
زيد: أَمَره سبحانه بضمٌّ عضده وذراعه - وهو الجناح - إلى جنبه ليخفَّ بذلك فزعه،
ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يَقْوَى قلبُه.
وقال الثوريُّ: خاف موسى عليه السلام أن يكون حدث به سوءٌ، فأمره سبحانه
أن يعيد يده إلى جنبه لتعود إلى حالتها الأولى، فيعلم أنه لم يكن ذلك سوءاً بل آيةً
من الله عزَّ وجلَّ. وقريبٌ منه ما قيل: المعنى: إذا هالَكَ أمرٌ لِمَا يغلبُ من شعاعها
فاضْمُمْها إليك يَسْكُنْ خوفُك.
وفي «الكشاف»: فيه معنیان:
أحدهما: أنَّ موسى عليه السلام لمَّا قَلَبَ الله تعالى العصا حيةً فزع واضطرب،
فاتَّقاها بيده كما يفعل الخائفُ من الشيء، فقيل له: إنَّ اتَّقاءك بيدك فيه غضاضةٌ
عند الأعداء، فإذا ألقيتها فكما تنقلبُ حيةً فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتِّقائك
بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتنابُ ما هو غضاضةٌ عليك، وإظهارُ
معجزةٍ أخرى، والمراد بالجناح اليد؛ لأنَّ يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا
أدخل يده اليمنى تحت عضده الیسری فقد ضمَّ جناحه إليه.
والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه تجلُّده وضَبْطُه نفسَهُ وتشدُّدُه عند انقلاب
العصا حيةً، حتى لا يضطرب ولا يَرْهَبَ، استعارةً من فِعْلِ الطائر؛ لأنه إذا
خاف نشر جناحيه وأرخاهما، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمَّران، ومعنى ((من
الرهب)): من أجل الرهب، أي: إذا أصابك الرهبُ عند رؤية الحية فاضمُم
إليك جناحك، جَعَل الرَّهْبَ الذي كان يصيبه سبباً وعلَّةً فيما أُمر به من ضمِّ
جناحه إليه.
ومعنى (وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاَكَ) وقوله تعالى: (أُسْلُكْ يَدََكَ فِى جَيْبِكَ) على أحد
التفسيرين واحدٌ، ولكنْ خُولِفَ بين العبارتين، وإنما كرَّر المعنى الواحد لاختلافٍ
الغرضين وذلك أنَّ الغرض في أحدهما خروجُ اليد بيضاءَ، وفي الثاني إخفاءُ
الرعب(١). اهـ.
(١) الكشاف ٣/ ١٧٥ .

سُورَةُ القَصَصِ
١٧٨
الآية : ٣٢
وضمُّ الجناح على الثاني كنايةٌ عن التجلُّد والضبط نحو قوله:
اشْدُد حَيازيمكَ للموت فإنَّ الموتَ لاقِيكَ(١)
وهو مأخوذٌ من فِعْلِ الطائر عند الأمن بعد الخوف، وهو في الأصل مستعارٌ من
فِعْلِ الطائر عند هذه الحالة، ثم كثُر استعماله في التجلُّد وضبط النفس حتى صار
مثلاً فيه وكنايةً عنه، وعليه يكونُ تتميماً لمعنى ((إنَّك من الآمنين)).
وهذا مأخوذٌ من كلام أبي عليٍّ الفارسيِّ، فإنه قال: هذا أمرٌ منه سبحانه بالعزم
على ما أراده منه، وحضٌّ على الجدِّ فيه؛ لئلا يمنعه الخوف(٢) الذي يغشاه في
بعض الأحوال عمَّا أُمر بالمضي فيه، وليس المرادُ بالضمِّ الضمَّ المزيلَ للفرجة بين
الشيئين. وهو أبعدُ عن المناقشة مما ذكره الزمخشريُّ.
ومثله في البعد عن المناقشة ما قاله البقاعيُّ من أنه أُريدَ بضمِّ جناحه إليه
تجلُّده وضبطُه نفسَه عند خروج يده بيضاء، حتى لا يَحْذَرَ ولا يضطربَ من
الخوف(٣).
وأراد(٤) بأحد التفسيرين الوجه الأول؛ لأنَّ المعنى عليه: أَدْخِلْ يدك اليمنى
تحت عضدك اليسرى. وقال بعضهم(٥): إنَّ المعنى: اضمم يديك المبسوطتين
بإدخال اليمنى تحت العضد الأيسر، واليسرى تحت الأيمن، أو بإدخالهما في
الجيب. وظاهره أنه أريد بالجناح الجناحان، وقد صرح الطبرسيُّ بذلك في نحو
ما ذكر، وقال: إنه قد جاء المفردُ مراداً به التثنيةُ كما في قوله:
يداك يدٌ إحداهما الجودُ كلُّه
وراحتُك اليُسْرَى طعانٌ تُغامِرُه
(١) مجمع البيان ٢٩٠/٢٠، والبيت نسب لعلي به في الكامل للمبرد ١١٢١/٣، وجمهرة
الأمثال ٣٠٤/١، والمستقصى ١٢٨/٢، ونسبه الميداني في مجمع الأمثال ٣٦٧/١
لأحيحة بن الجلاح وقال: ((اشدد)» في البيت زيادة، ويسمِّي العروضيون هذا خَزْماً،
والنقصانَ حزماً، والخزم يكون من حرفٍ إلى أربعة، كاشدد في هذا البيت.
(٢) في الأصل و(م): الجد، والمثبت من مجمع البيان ٢٩٠/٢٠، والكلام منه.
(٣) ينظر نظم الدرر ١٤/ ٢٨١.
(٤) يعني الزمخشري.
(٥) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٧/ ٧٢.

الآية : ٣٢
١٧٩
سُورَةُ القَصَص
فإنَّ المعنى: يداك يدان، بدلالة قوله: إحداهما (١).
وفي ((الكشاف)) أيضاً (٢): من بدع التفاسير أنَّ الرهب الكُمُّ بلغة حمير، وأنهم
يقولون: أعطني ما في رَهْبِكَ. وليت شعري كيف صحتُه في اللغة، وهل سُمع من
الأثبات الثقات التي تُرضَى عربيَّتُهم؟ ثم ليت شعري كيف موقعُه في الآية، وكيف
تطبيقُه المَفْصِلَ(٣) كسائر كلمات التنزيل؟ على أنَّ موسى عليه السلام ما كان عليه
ليلة المناجاة إلا زُرْمَانِقةٌ (٤) من صوف لا كمَّين لها. اهـ.
وما أشار إليه من أنَّ ذاك لا يطابق بلاغةَ التنزيل ممَّا لا ريب فيه، فإنَّ الذاهبين
إليه قالوا: المعنى عليه: واضمُم إليك يدك مُخْرَجةً من الكُمِّ؛ لأنَّ يده كانت في
الكُمِّ، وهو معنَى كما ترى، ولفظُه أقصرُ منه في الإفادة.
وأمَّا أمرُ سماعه عن الأثبات فقد تعقَّبه في ((البحر)) بأنه مرويٌّ عن الأصمعيِّ
وهو ثقةٌ ثَبْتٌ(٥). وقال الطيبيُّ: قال محيي السنَّة: قال الأصمعيُّ: سمعتُ بعض
الأعراب يقول: أعطني ما في رَهبِكَ، أي: ما في كمِّك(٦). وزعم بعضهم أنَّ
استعمال الرهب في الكُمِّ لغةُ بني حنيفة أيضاً، وهو عندهم وكذا عند حمير بفتح
الراء والهاء، والحزمُ عندي عدمُ الجزم بثبوت هذه اللغة، وعلى تقدير الثبوت
لا ينبغي حَملُ ما في التنزيل الكريم عليها .
والظاهر أنَّ ((من الرهب)) متعلِّقٌ بـ ((اضمم))، وقال أبو البقاء: هو متعلِّق
بـ ((ولَّى)). وقيل: بـ ((مديراً)). وقيل: بمحذوفٍ، أي: تَسْكُنْ من الرهب. وقيل:
بـ ((اضمم))(٧). ولا يخفى ما في تعلُّقه بسوى ((اضمُم)) وإن أشار إلى تعلُّقه بـ ((ولَّى))
(١) مجمع البيان ٢٩١/٢٠، والبيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٢٧٦/١ برواية:
يداك يدٌّ إحداهما النيلُ والذرى وراحتُها الأخرى طعانٌ تُعاوِرُه
(٢) ٣/ ١٧٥.
(٣) التطبيق: إصابة السيف المفصل، ويعني به هنا مطابقته لبلاغة التنزيل، وينظر ما سلف عند
تفسير الآية (٤٣) من سورة النمل.
(٤) الزُّرْمانقة: جبة من صوف، معرَّب أُشْتُرْ بانَه، أي: متاع الجِمال. القاموس (زرق).
(٥) البحر ١١٨/٧ .
(٦) تفسير البغوي ٣/ ٤٤٥ .
(٧) الإملاء ٤/ ١٤٩ - ١٥٠.

سُورَةُ القَصَصِ
١٨٠
الآية : ٣٢
أو ((مدبراً)) كلامُ ابن جريج على ما أخرجه عنه ابن المنذر (١)، حيث جَعَل الآيةَ من
التقديم والتأخير، والمرادُ: ولَّى مدبراً من الرهب.
وقرأ الحِرْمِيَّان: ((من الرَّهَب)) بفتح الراء والهاء(٢)، وأكثر السبعة بضمِّ الراء
وإسكانِ الهاء. وقرأ قتادة والحسن وعيسى والجحدريُّ بضمِّها(٣)، والكلُّ لغاتٌ.
﴿فَذَئِكَ﴾ أي: العصا واليد، والتذكيرُ لمراعاة الخبر، وهو قولُه تعالى:
﴿بُرْهَنَانِ﴾ .
وقيل: الإشارة إلى انقلاب العصا حيةً بعد إلقائها، وخروج اليد بيضاءً بعد
إدخالها في الجيب، فأمرُ التذكير ظاهرٌ.
والبرهانُ: الحَجَّةُ النّيِّرةُ، وهو فُعْلان لقولهم: أبْرَهَ الرجل، إذا جاء بالبرهان،
من بَرِهَ الرجلُ: إذا ابيضَّ، ويقال للمرأة البيضاء: بَرْهَاء وبَرَهْرَهَة.
وقال بعضهم: هو فُعْلان من البره بمعنى القطع، فيفسَّر بالحجة القاطعة.
وقيل: هو فُعْلال، لقولهم: بَرْهَنَ. ونُقل عن الأكثر أن بَرْهَنَ مولَّدٌ بنَوْه من لفظ
البرهان.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير: ((فذانِّك)) بتشديد النون (٤)، وهي لغةٌ فيه، فقيل: إنه
عوِّض من الألف المحذوفة من ((ذا)) حالَ التثنية لألفها نونٌ وأدغمت. وقال
المبرِّد(٥): إنه بدلٌ من لام ((ذلك))، كأنهم أدخلوها بعد نون التثنية، ثم قلبت اللام
نوناً لقرب المخرج وأدغمت، وكان القياس قَلْبَ الأولى لكنه حوفظ على علامة
التثنية .
وقرأ ابن مسعود وعيسى وأبو نوفل وابن هرمز وشبل: ((فذانيك)) بياءٍ بعد النون
(١) كما في الدر المنثور ١٢٨/٥.
(٢) وقرأ بها أيضاً أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب، وقرأ حفص بفتح الراء وإسكان الهاء،
والباقون - كما سيرد آنفاً - بضم الراء وإسكان الهاء. التيسير ص١٧١، والنشر ٣٤١/٢.
(٣) البحر ١١٨/٧ .
(٤) التيسير ص١٧١، والنشر ٢٤٨/٢. وهي قراءة رويس عن يعقوب.
(٥) كما في حاشية الشهاب ٧/ ٧٤، وعنه نقل المصنف.