Indexed OCR Text
Pages 41-60
الآية : ٦٥ ٤١ سُورَةُ النَّصْلِ كلُّ علم بخفيٍّ حصل بواسطة سببٍ من الأسباب، كعلمنا بالله تعالى وصفاته العلية، وعلمنا بالجنة والنار ونحو ذلك. على أنك إذا أنصفتَ تعلمُ أنَّ ما عند النجوميّ ونحوِه ليس علماً حقيقيًّا، وإنما هو ظنٌّ وتخمينٌ مبنيٌّ على ما هو أَوْهَنُ من بيت العنكبوت كما سنحقٌّقُ ذلك بما لا مزيدَ عليه في محلِّه اللائقِ به إن شاء الله تعالى(١). وأقوى ما عنده معرفةٌ زَمَني الكسوفِ والخسوفِ وأزمنةٍ تحقّق النسب المخصوصة بين الكواكب، وهي ناشئةٌ من معرفة مقادير الحركات للكواكب والأفلاك الكلِّية والجزئية، وهي أمورٌ محسوسةٌ تُدْرَكُ بالأرصاد والآلات المعمولة لذلك. وبالجملة: علمُ الغيب بلا واسطةٍ كلَّا أو بعضاً مخصوصٌ بالله جلَّ وعلا، لا يعلمه أحدٌ من الخلق أصلاً، ومتى اعتبر فيه نفيُ الواسطة بالكلِّية تعيَّن أن يكون من مقتضيات الذات، فلا يتحقَّق فيه تفاوتٌ بين غيبٍ وغيبٍ، فلا بأس بحمل ((أل)) في الغيب على الجنس، ومتى حُملت على الاستغراق فاللائقُ أن لا يعتبر في الآية سلبُ العموم، بل يعتبر عمومُ السلب، ويلتزمُ أنَّ القاعدة أغلبيةٌ. وكذا يقال في السلب والعموم في جانب الفاعل، فتأمل فهذا ما عندي، ولعل ما عندك خيرٌ منه، والله تعالى أعلم. ﴿وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾﴾ أي: متى يُنْشَرون من القبور مع كونه مما لا بدَّ لهم منه، ومن أهم الأمور عندهم، فـ ((أيان)) اسمُ استفهام عن الزمان، ولذا قيل: إنَّ أصلها أيّ آنٍ، أي: أيّ زمانٍ، وإن كان المعروفُ خلافُّه، وهي معمولة لـ ((يبعثون)) والجملةُ في موضع النصب بـ (يشعرون))، وعلّقت ((يشعرون)) لمكان الاستفهام. وضميرُ الجمع للكفرة وإن كان عدمُ الشعور بما ذُكر عامًّا؛ لئلا يلزم التفكيكُ بينه وبين ما يذكر بعدُ من الضمائر الخاصة بهم قطعاً. وقيل: الكلُّ لـ ((مَن)) وإسنادُ خواصِّ الكفرة إلى الجميع من قبيل: بنو فلانٍ فعلوا كذا، والفاعلُ بعضٌ منهم، وفيه بحث. وقرأ السلميُّ: ((إيان)) بكسر الهمزة(٢)، وهي لغة بني سليم. (١) ينظر ما سيأتي ٢٣ / ٩٠-٩١. (٢) المحتسب ٢/ ١٤٢، والبحر ٧/ ٩٢. سُورَةُ النَّلِ ٤٢ الآية : ٦٦ ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَؤُ﴾ إضرابٌ عمَّا تقدَّم على وجهٍ يفيدُ تأكيدَه وتقريرَه، وأصل ((ادَّاركَ)): تَدَارَكَ، فأُدغمت التاء في الدال فسكنتْ، فاجتُلبت همزةُ الوصل. وهو من تَدَارَكَ بنو فلان: إذا تتابعوا في الهلاك، وهو مرادُ مَن فسَّر التدارُكَ هنا بالاضمحلال والفناء، وإلا فأصلُ التدارُك التتابُعُ والتلاحُقُ مطلقاً. و((في الآخرة)) متعلِّقٌ بـ ((علمهم))، والعلمُ يتعدَّى بـ ((في) كما يتعدَّى بالباء، وهي حينئذٍ بمعنى الباء كما نصّ عليه الفرَّاء وابنُ عطية (١) وغيرُهما. والمعنى: بل تَتَابعَ علمُهم في شأن الآخرة التي ما ذُكر من البعث حالٌ من أحوالها حتى انقطع وفني ولم يبقَ لهم علمٌ بشيءٍ مما سيكون فيها قطعاً مع توقُّر أسبابه، فهو ترقٌّ عن وصفهم بجهلٍ فاحشٍ إلى وصفهم بجهل أفحشَ. وليس تدارُكُ علمِهم بذلك على معنى أنه كان لهم علمٌ به على الحقيقة فانتفى شيئاً فشيئاً، بل على طريقة المجاز بتنزيل أسباب العلم ومباديه من الدلائل العقلية والسمعية منزلةَ نَفْسِه، وإجراءٍ تساقطها عن درجة اعتبارهم كلما لاحظوها مجرى تتابعها إلى الانقطاع. وجوِّز أن يكون الكلام على تقديرٍ مضافٍ، أي: ادَّارك أسبابُ علمهم، والتدارُكُ مجازٌ عما ذكر من التساقُط. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِنْهًا﴾ إضرابٌ وانتقالٌ عن عدم علمهم بها إلى ما هو أفحشُ منه على نحو ما مرَّ، وهو حيرتُهم في ذلك، أي: بل هم في شكٌّ عظيم من نفس الآخرة وتحقُّقها كمن تحيّر في أمر لا يجد عليه دليلاً، فضلاً عن الأمور التي ستقع فيها . وقوله سبحانه: ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ﴾ إضرابٌ وانتقال عن وصفهم بكونهم شاكِّين إلى وَصْفِهم بما هو أفظعُ منه، وهو كونُهم عُمياً قد اختلَّتْ بصائرهم بالكلِّية بحيث لا يكادون يدركون طريقَ العلم بها، وهو الدلائلُ الدالَّةُ على أنها كائنةٌ لا محالةَ. فالمراد: عَمُونَ عن دلائلها، أو: عمون عن كلِّ ما يوصلهم إلى الحقِّ ويدخل فيه دلائلها دخولاً أوَّليًّا. و((منها)) متعلّقٌ بـ ((عمون)) قدِّم عليه رعايةً (١) معاني القرآن للفراء ٢٩٩/٢، والمحرر الوجيز ٢٦٨/٤. الآية : ٦٦ ٤٣ سُوَّةُ النَِّ للفواصل، ولعل تَعْدِيتَه بـ ((من)) دون ((عن)) لجَعْلِ الآخرة مبدأَ عماهم ومنشأَه، والكفرُ بالعاقبة والجزاء يدعُ الشخصَ عاكفاً على تحصيل مصالح بطنه وفرجه لا يتدبّر ولا یتبصّر فیما عدا ذلك. وجوِّز أن يكون ((ادَّارك)) بمعنى استَحْكَم وتكامَلَ، ووصفُهم باستحكام علمهم بذلك وتكامله من باب التهكُم بهم، كما تقول لأَجْهَلِ الناس: ما أعلمك! على سبيل الهزء، ومآلُ التهكُّم المذكور نفيُ علمهم بذلك، كما في الوجه السابق، لكنْ على الوجهِ الأبلغ. والإضرابان من باب الترقِّي من الوصف بالفظيع إلى الوصف بالأفظع نحو ما تقدم، وهو وجهٌ حسنٌ، ويشعرُ كلامُ بعض المحققين بترجيحه على ما ذكرنا أولاً. وجوِّز أيضاً أن يكون المراد بالادِّراك: الاستحكامَ، لكن على معنى: استَحْكُم أسبابُ علمهم بأنَّ القيامة كائنةٌ لا محالةَ من الآيات القاطعة والحجج الساطعة، وتمكَّنوا من المعرفة فَضْلَ تمكُّنٍ وهم جاهلون في ذلك. وفيه أنَّ دلالة النظم الكريم على إرادةٍ: وهم جاهلون، ليست بواضحةٍ. وقال الكرمانيُّ(١): التدارُكُ: التتابع، والمراد بالعلم هنا الحُكْمُ والقولُ، والمعنى: بل تتابع منهم القولُ والحكْمُ في الآخرة وكثر منهم الخوضُ فيها؛ فنفاها بعضُهم، وشك فيها بعضُهم، واستبعدها بعضُهم. وفيه ما فيه. وقيل: إنَّ ((في الآخرة)) متعلِّقٌ بـ ((ادَّارك))، وإليه ذهب الزجَّاج والطبرسيُّ(٣)، واقتضته بعضُ الآثار المروية عن ابن عباس ظه، والمعنى على هذا عند بعضهم: بل استَحْكم في الآخرة علمُهم بما جهلوه في الدنيا، حيث رأوا ذلك عياناً، وكان الظاهرُ: يدَّارَكُ، بصيغة الاستقبال إلَّا أنه عبّر بصيغة الماضي لتحقُّق الوقوع. وقيل: التدارُكُ عليه من تَدَارَكْتُ أمرَ فلانٍ: إذا تلافيته، ومفعولُه هنا محذوفٌ، أي: بل تَدَارَكَ في الآخرة عِلمُهم ما جهلوه في الدنيا، أي: تلافاه، وحاصلُ (١) كما في البحر ٧/ ٩٣. (٢) معاني القرآن للزجاج ١٢٧/٤، ومجمع البيان ٢٤٤/٢٠-٢٤٥. سُورَةُ النَِّ ٤٤ الآية : ٦٦ المعنى: بل علموا ذلك في الآخرة حين لم ينفعهم العلم، والتعبيرُ بصيغة الماضي على ما علمتَ. ولا يخفى أنَّ في وجه ترتيب الإضرابات الثلاث حَسبَ ما في النظم الكريم على هذين الوجهين خفاءً، فتدبّر. وقرأ أبيّ: ((أم تَدَارك)) على الأصل، وجعل ((أم)) بدل ((بل))(١). وقرأ سليمان بن يسار: ((بلَ ادَّرَكَ)) بنقل حركة الهمزة إلى اللام وشدِّ الدال بناء على وزنه افتعل، فأدغم الدال وهي فاءُ الكلمة في التاء بعد قَلْبِها دالاً فصار فيه قلبُ الثاني للأول، كما في قولهم: اثَّرَدَ، وأصله: اخْتَرَدَ مِن الثَّرْد، والهمزةُ المحذوفةُ المنقولُ حركتُها إلى اللام هي همزةُ الاستفهام أُدخلت على ألف الوصل فانحذفت ألفُ الوصل، ثم انحذفت هي وأُلْقِيتْ حركتُها على لام ((بل))(٢). وقرأ أبو رجاء والأعرجُ وشيبةُ وطلحةُ وتوبةُ العنبريُّ كذلك، إلا أنهم كسروا لام ((بل))، وروي ذلك عن ابن عياش(٣) وعاصم والأعمش. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وأهل مكة: ((بل أَدْرَكَ))(٤) على وزن أَفْعَلَ بمعنى تَفَاعَلَ، ورويت عن أبي بكر عن عاصم(٥). وقرأ عبد الله في رواية، وابن عباس في رواية أبي حيوة وغيرِه عنه، والحسن (١) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٧/ ٩٢، والكلام منه. (٢) البحر ٩٢/٧، وتعقبه السمين في الدر ٦٣٥/٨ بأن هذا ليس مما قلب فيه الثاني للأول، بل لكون الدال فاء، وتاء الافتعال تبدل دالاً بعد أحرفٍ منها الدال. اهـ. والقراءة ذكرها أيضاً ابن جني في المحتسب ٢/ ١٤٢ . (٣) كتب فوقها في الأصل: صح، وجاء بدلاً منها في البحر (والكلام منه): عباس، ومثله في الدر المصون ٦٣٦/٨، وذكر القراءة ابن جني في المحتسب ١٤٢/٢ عن الحسن، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١١٠ عن الحسن والأعرج. (٤) التيسير ص١٦٨، والنشر ٢٣٩/٢، وهي قراءة يعقوب أيضاً، وقرأ باقي العشرة: (ادَّارك)) وما عدا هاتين القراءتين كله في الشاذ. (٥) البحر ٩٢/٧، والمشهور عن عاصم: ((ادَّارك)) كما أسلفنا. الآية : ٦٦ ٤٥ سُؤَدَّةُ الْنَصْلِ وقتادة وإبن محيصن: ((بل آدْرَكَ)) بمدَّة بعد همزة الاستفهام (١)،، وأضله أأدَّرَكَ فَقُلبت الثانية ألفاً تخفيفاً كراهةً الجمع بين همزتین. وأنكر أبو عمرو بن العلاء(٢) هذه الرواية. وقال أبو حاتم: لا يجوزُ الاستفهامُ بعد ((بل)) لأنَّ (بل)) للإيجاب، والاستفهامُ في هذا الموضع إنكارٌ بمعنى: لم یکن، كما في قوله تعالى: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: ١٩] أي: لم يشهدوا خَلْقَهم، فلا يصحُّ وقوعُهما معاً للتنافي الذي بين الإيجاب والإنكار(٣). اهـ. وقد أجاز بعض المتأخّرين - كما قال أبو حيان - الاستفهامَ بعد ((بل)) وشِبْهِه بقول القائل: أخبزاً أكلتَ، بل أماءً شربتَ، على تَرْكِ الكلام الأول والأَخْذِ في الثاني (٤) .. وقرأ مجاهد: ((أم أدركِ))، جَعَلَ ((أم)) بدل ((بل))، و((أدرك)) على وزن أفعل(٥). وقرأ ابن عباس في روايةٍ أيضاً: ((بل أدَّارك)) بهمزةٍ داخلةٍ على ((الدَّارَكَ))، فتسقطة همزةُ الوصلِ المجتلَبةُ لأَجْلِ الإدغام والنطق بالساكن(٦). وقرأ ابن مسعود أيضاً: ((بل أَأَدْرَكَ)) بهمزتين(٧)، همزةِ الاستفهام وهمزة أَفْعَلَ. وقرأ الحسن أيضاً والأعرج: ((بل أدَّرك)) بهمزةٍ، وإدغام فاء الكلمة وهي الدال في تاء(٨) افتعل بعد صيرورة التاء دالاً .. (١) القراءات الشاذة ص ١١٠، والمحتسب ١٤٢/٢، والبحر ٧/ ٩٢، والكلام منه. (٢) في الأصل: أبو بكر بن العلاء، وفي (م): أبو بكر بن أبي العلاء، والمثبت من البحر، وهو الصواب ... (٣) البحر ٩٢٧٧)، والذر المصون ٦٣٦/٨. قال السمين؛ وفي منع هذا نظر؛ لأن ((بل). لإضراب الانتقال، فقد أضرب عن الكلام الأول وأخذ في استفهام ثانٍ، وكيف ينكر هذا والنحويون يقدرون (أم)) المنقطعة بـ ((بل)) والهمزة. وينظر التعليق الذي بعده. (٤) البحر ٧/ ٩٢. وقال السمين في الدر ٦٣٦/٨: وعجبت من التشيخ كيف قال هذا، فتخصيصه ببعض المتأخرين يؤذن أن المتقدمين وبعض المتأخرين يمنعه، وليس كذلك كما حكيتُ عنهم في ((أم)) المنقطعة. (٥) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٩٢/٧. (٦)) البحر ٧ / ٩٢. (٧) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٧/ ٩٢. (٨) في الأصل و(م): فاء، والمثبت من البحر ٩٢/٧، وهو الصواب. سُوَّةُ النَصلِ ٤٦ الآية : ٦٦ وقرأ ورشٌ في روايةٍ: ((بلَ اذْرَكَ)) بحذف همزة ((أَذْرَكَ))، ونقلٍ حركتها إلى (١) اللام(١). وقرأ ابن عباس أيضاً: ((بلى أدرك)) بحرف الإيجاب الذي يُوجب به المستفهم المنفي(٢). وقرئ(٣): ((بل آأدرك))(٤) بألف بين همزتين. فهذه عدَّةُ قراءاتٍ، فما فيه منها استفهامٌ صريحٌ أو مضمَّنٌ فهو إنكارٌ ونفيٌ، وما فيه ((بلى) فقد قال فيه أبو حاتم: إن كان ((بلى)) جواباً لكلام تقدَّم جاز أن يستأنف بعده، كأنَّ قوماً أنكروا ما تقدَّم من القدرة فقيل لهم: بلى، إيجاباً لِمَا نَفَوْا، ثم استؤنف بعده الاستفهام وعودل بقوله تعالى: (بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِنْهَا) بمعنى: أم هم في شكٍّ منها؛ لأنَّ حروف العطف قد تتناوب، وكفّ عن الجملتين بقوله تعالى: (بَّ هُم مِنْهَا عَمُونَ). اهـ، يعني أنَّ المعنى: أدَّرك علمهم بالآخرة أم شكُوا؟ فـ (بل)) بمعنى: ((أم) عودل بها الهمزة. وتعقّبه في ((البحر))(٥) بأنَّ جَعْلَ ((بل)) بمعنى (أم)) ومعادلتها لهمزة الاستفهام ضعيفٌ جدًّا. وقال بعض المحقّقين: ما فيه ((بلى)) فإثباتٌ لشعورهم وتفسيرٌ له بالإدراك على وجه التهكُّم الذي هو أبلغُ وجوه النفي والإنكار، وما بعده من قوله تعالى: (بَلْ هُمْ فِي شَكِ) إلخ إضرابٌ عن التفسير مبالغةً في النفي ودلالةً على أنَّ شعورهم بها أنهم شاُون فيها بل أنهم منها عمون، فهو على منوال: (١) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٧/ ٩٢. (٢) البحر ٩٢/٧، وقد اختلفت المصادر فيما بعد ((بلى))؛ ففي الكشاف ١٥٦/٣: ((بلى أَدْرك)) و((بلى أَأَدْرَك)). ونصَّ القرطبي على أنها: ((أدَّارك)) بهمزة قطع، والدالُ مشدّدة وألفٌ بعدها. وكذا أخرجها الطبري ١٠٧/١٨ عن ابن عباس، وفي الدر المصون ٦/ ٦٣٧: ((بلى آأدرك)) بألف بین الهمزتين . (٣) في (م): وقرأ، والمثبت من الأصل والبحر. (٤) وقعت في الأصل و(م) بألف بعد الدال، والمثبت من الكشاف ١٥٦/٣، والبحر ٧/ ٩٢، والكلام منه . (٥) ٩٣/٧، وما قبله منه. الآية : ٦٧ ٤٧ سُؤَدَّةُ النَِّ تحيةُ بينهم ضَرْبٌ وجيع(١) أو ردٌّ وإنكارٌ لشعورهم على أنَّ الإضراب إيطاليٍّ، فافهم. کالبیان ٦٧) وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَهِذَا كُنَّا تُرَيَا وَءَابَآؤُنَا أَبِنَا لَمُخْرَجُونَ لجهلهم بالآخرة وعَمَاهُم منها، ووضع الموصول موضع ضميرِهم لذمِّهم بما في حيِّزْ صلته، والإشعار بعلَّة حكمهم الباطل الذي تضمَّنه مقولُ القول. و ((إذا)) ظرفٌ لمحذوفٍ دلَّ عليه ((مخرجون))، أي: أنُخْرَجُ إذا كنَّا تراباً. ولا مساغَ لأنْ يكون ظرفاً لـ ((مُخْرجون))؛ لأنَّ كلَّ من الهمزة و((إنَّ) واللام - على ما قيل - مانعةٌ مِن عَمَلِ ما بعدَها فيما قبلها، فكيف بها إذا اجتمعت؟ ولم يَعْتِبِر بعضهم اللامَ مانعةً، بناءً على ما قرِّر في النحوِ من جواز تقدُّم معمولٍ خبرِ «إنَّ» المقرُونِ باللام عليه، نحو: إنَّ زيداً طعامَك لآكِلٌ، ويكفي حينئذ مانعان، وأظنُّ أنَّ مَن قال: يُتوسَّعُ في الظروف ما لا يتوسَّعُ في غيرها، لا يقول باطراد الحكم في مثل هذا الموضع. ومرادُهم بالإخراج: الإخراجُ من القبور، وجوِّز أن يكون الإخراجَ من حال الفناء إلى الحياة، والأول هو الظاهر. وتقييدُ الإخراج بوقت كونهم تراباً ليس لتخصيص الإنكار بالإخراج حينئذٍ فقط، فإنهم منكِرون للإحياء بعد الموت مطلقاً وإنْ كان البدنُ على حاله، بل لتقوية الإنكار بتوجيهه إلى الإخراج في حالةٍ منافيةٍ له بزعمهم . وقوله سبحانه: (وَءَابَآؤُنَآ) عطفٌ على اسم ((كان))، واستُغني بالفَصْلِ بالخبر عن الفصل بالتأكيد، وتكريرُ الهمزة في ((أئنا)) للمبالغة والتشديد في الإنكار، وتحليةٌ الجملة بـ ((إنَّ) واللام لتأكيد الإنكار لا لإنكار التأكيد كما يوهمه ظاهر النظم الكريم، فإنَّ تقديم الهمزة لأصالتها في الصدارة. والضمير في ((أئنا)) لهم ولآبائهم؛ لأنَّ الكون تراباً قد تناولهم وآباءهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((أيذا)) و((أينًّا)) بالجمع بين الاستفهامين وقَلْبِ الثانية (١) وصدره: وخيل قد دلفت لها بخيلٍ، وسلف ٦٤/٥. والكلام من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٥٦ . سُورَةُ الَِّ ٤٨ الآية : ٦٨ - ٧٠ ياء، وفَصَل بينهما بألف أبو عمرو (١). وقرأ نافع ((إذا)) بهمزة واحدة مكسورة، فهمزةُ الاستفهام مقدَّرةٌ مع الفعل المقدَّر؛ لأنَّ المعنى ليس على الخبر، و((آينا)) بهمزة الاستفهام وقَلْبِ الثانية ياءً وبينهما مَدَّةٌ (٢). وقرأ آخرون: ((آئذا)) باستفهام ممدودٍ ((إننا)) بنونين من غير استفهام(٣). ﴿لَقَدْ وُهِدْنَا هَذَا﴾ أي: الإخراجَ المذكورَ ﴿نَحْنُ وَءَبَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ أي: مِن قبلِ وَعْدِ محمدٍ بََّه وتقديمُ الموعود على ((نحن)) هنا للدلالة على أنه هو الذي تُعمِّد بالكلام وقُصِدَ به، حتى كأنَّ ما سواه مطرحٌ وعلاوةٌ له، كما يُنْبئُ عن ذلك ذِكْرُ ما صَدَرَ منهم أنفسِهم مؤكّداً مقرَّراً مكرَّراً، وتأخيره عنه في آية سورة ((المؤمنين)) الرعاية الأصل، ولا مقتضيَ للعدول إذ لم يذكر هناك سوى اتِّباعهم أسلافَهم في الكفر وإنكار البعث من غير نعي ذلك، عليهم. والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لتقرير الإنكار، وتصديرُها بالقسم لمزيد التأكيد، وقولُه تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ تقريرٌ إثر تقريرٍ . ﴿قُلّ سِيرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ · بسببٍ تكذيبهم ٦٩ الرسل عليهم الصلاة والسلام فيما دَعَوْهم إليه من الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وحده، وباليوم الآخِرِ الذي تنكرونه، فإنَّ في مشاهدة عاقبتهم ما فيه كفايةٌ لأولي الأبصار. وفي التعبير عن المكذِّبين بالمجرمين الأعمِّ منه بحسب المفهوم لطفٌ بالمؤمنين في تزك الجرائم لِمَا فيه من إرشادهم إلى أنَّ الجرم مطلقاً مبغوضٌ لله عز وجل. ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لإصرارهم على الكفر والتكذيب ﴿وَلَا تَكُنَ فِ ضَيْقٍ﴾ أي: فِي حرجٍ صدرٍ ﴿مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ أي: من مكرهم، فإنَّ الله تعالى يعصمك من (١) التيسير ص٣٢، والنشر ١/ ٣٧٠. وقرأ رويس كابن كثير. (٢) هي رواية قالون عن نافع، وقرأ بها أيضاً أبو جعفر من العشرة، ورواية ورش عن نافع: (أيِنَّا)) بدون ألف. (٣) وهي قراءة هشام، ومثله قرأ ابن ذكوان والكسائي لكن من غير مدٍّ في الاستفهام. وقرأ الباقون: ((أئذا)) و(أئنا)). ونقل المصنف جميع هذه القراءات عن البحر ٩٤/٣، وينظر التيسير ص٣٢ و١٦٢، والنشر ٣٦٩/١-٣٧٤. الآية : ٧١ - ٧٢ ٤٩ سُورَةُ الْنَصِ "الناس. وقرأ ابن كثير: ((ضِيق)) بكسر الضاد (١)، وهو مصدرٌ أيضاً. وجوِّز أن يكون مفتوحَ الضاد مخفَّفاً من ضيِّقٍ، وقد قرئ كذلك(٢)، أي: لا تكن في أمرٍ ضيقٍ، وكره أبو عليٍّ(٣) كونَ ذلك مخفَّفاً مما ذُكر؛ لأنه يقتضي حذفَ الموصوف وإقامةً الصفة مقامه، وليس من الصفات التي تقوم مقام الموصوف باطراد، وفيه بحث. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: العذابُ العاجلُ الموعود، وكأنهم فهموا وَعْدَهم بالعذاب من الأمر بالسير والنظرِ في عاقبة أمثالهم المكذِّبين، ويُعلم منه وجهُ التعبير (٤) بـ ((يقولون))، وعدم إجرائه على سَنَنِ ما قبله، أعني: ((وقال الذين کفروا)». وسؤالُهم عن وقت إتيان هذا العذاب على سبيل الاستهزاء والإنكار، ولذا قالوا: ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ عانين: إن كنتم صادقين في إخباركم بإتيانه فبيِّنوا لنا وقته، والجمعُ باعتبار شركة المؤمنين في الإخبار بذلك. ﴾ أصلُ معنى ((ردف)): تَبِعَ، ﴿قُلْ عَسَ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَّكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ والمراد به هنا لَحِقَ ووَصَلَ، وهو ممَّا يتعدَّى بنفسه وباللام كـ: نَصَحَ. وقيل: اللامُ مزيدةٌ لتأكيدِ وصول الفعل إلى المفعول به، كما زيدت الباءُ لذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقيل: إنَّ اللام لتضمين ((ردف)) معنى: دنا، وهو يتعدَّى باللام كما يتعدَّى بـ ((من)) و((إلى))، كما في ((الأساس))(٥)، ولتضمينه ذلك عدِّي بـ ((مِن)) في قوله: تولَّوا سراعاً والمنيةُ تُعْنِق(٦) فلمَّا رَدِفْنا من عميرٍ وصحبه (١) التيسير ص١٣٩، والنشر ٣٠٥/٢. (٢) تفسير أبي السعود ٢٩٨/٦، وينظر الكشاف ١٥٨/٣، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ٥٧. (٣) في الحجة ٤٠٣/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧/ ٩٥. (٤) في (م): للتعبير. (٥) مادة (دنو)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/ ٥٧ . (٦) الكشاف ١٥٨/٣، والبحر ٩٥/٧، والدر المصون ٦٣٩/٨ دون نسبة. تُعْنِقُ، أي: تسرع. المعجم الوسيط (عنق). سُؤَةُ النَّصْلِ ٥٠ الآية : ٧٣ وقيل: اللامُ داخلةٌ على المفعول لأجله، والمفعولُ به الذي يتعدّى إليه الفعلُ بنفسه محذوفٌ، أي: رَدِفَ الخلقَ لأجلكم، ولا يخفى ضعفُه. وقيل: إنَّ الكلام تمَّ عند ((رَدِفَ)) على أنَّ فاعله ضميرٌ يعود على الوعد، ثم استأنف بقوله تعالى: (لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ) على أنَّ ((بعض)) مبتدأ، و((لكم) متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع خبراً له، ولا يخفى ما فيه من التفكيك للكلام، والخروج عن الظاهر لغيرِ داعٍ لفظيٍّ ولا معنويٌّ. والمعنى: قل: عسى أن يكون لحِقَكم ووصل إليكم بعضُ الذي تستعجلون حلولَه، وتطلبونه وقتاً فوقتاً، والمرادُ بهذا البعض عذابُ يوم بدر. وقيل: عذاب القبر، وليس بذاك. ونسبةُ استعجالِ ذلك إليهم بناءً على ما يقتضيه ما هم عليه من التكذيب والاستهزاء، وإلا فلا استعجال منهم حقيقةً. والترجِّي المفهومُ من ((عسى))، قيل: راجعٌ إلى العباد. وقال الزمخشريُّ(١): إنَّ ((عسى)) و((لعل)) و((سوف)) في وعد الملوك ووعيدِهم تدلُّ على صدق الأمر وجدِّه، وما لا مجال للشكِّ بعده، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجلون بالانتقام لإدلالهم بقَهرهم وغلبتهم، ووثوقِهم بأنَّ عدوَّهم لا يفوتُهم، وأنَّ الرمزة إلى الأغراض كافيةٌ من جهتهم، فعلى ذلك جرى وعدُ الله تعالى ووعيدُه سبحانه. اهـ. وعليه ففي الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ، ولا يخفى حُسْنُ ذلك. وإيثارُ ما عليه النظم الكريم على أن يقال: عسى أن يردفكم .. إلخ؛ لكونه أدلَّ على تحقّق الوعد. وقرأ ابن هرمز: ((رَدَفَ)) بفتح الدال(٢)، وهو لغة فيه. ﴿وَإِنَّ رَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: لذو إفضالٍ وإنعامٍ كثيرٍ على كافة الناس، ومن جملة إفضاله عزَّ وجل وإنعامه تعالى تأخيرُ عقوبة هؤلاء على ما يرتكبونه من المعاصي. ﴿وَلَكِنَّ أَكْتَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾﴾ أي: لا يشكرونه جلَّ وعلا على إفضاله سبحانه عليهم، ومنهم هؤلاء. (١) في الكشاف ١٥٨/٣ . (٢) القراءات الشاذة ص ١١٠، والمحتسب ١٤٣/٢، والبحر ٧ /٩٥. الآية : ٧٤ - ٧٥ ٥١ سُورَةُ النَِّ وقيل: لا يعرفون حقَّ فضله تعالى عليهم، تعبيراً عن انتفاء معرفتهم ذلك بانتفاء ما يترتَّبُ عليها من الشكر. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِّنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أي: ما تخفيه من الأسرار التي من جملتها عداواتُك ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ أي: وما يُظهِرونه من الأقوال والأفعال التي من جملتها ما حكي عنهم، فليس تأخيرُ عقوبتهم لخفاء حالهم عليه سبحانه، أو فيجازيهم على ذلك، وفعلُ القلب إذا كان مثلَ الحبِّ والبغض، والتصديقِ والتكذيب، والعزمِ المصمِّم على طاعة أو معصية، فهو مما يُجازَى عليه. وفي الآية إيذانٌ بأنَّ لهم قبائحَ غير ما حُكي عنهم. وتقديم الإكنان (١) ليظهر المراد من استواءِ الخفيِّ والظاهر في علمه جلَّ وعلا، أو لأنَّ مضمَراتِ الصدور سببٌ لِمَا يَظْهرُ على الجوارح، وإلى الرمز إلى فساد صدورهم التي هي المبدأ لسائر أفعالهم أُوثِرَ ما عليه النظمُ الكريم على أن يقال: وإنَّ ربَّك ليعلم ما يكنُّون وما يعلنون. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن السميفع: (تَكُنُّ)) بفتح التاء وضمِّ الكاف(٢)، من كنَّ الشيءَ: سَتَره وأخفاه. ﴿وَمَا مِنْ غَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من شيءٍ خفيٍّ ثابتِ الخفاء فيهما، على أنَّ ((غائبة)) صفةٌ غلبتْ في هذا المعنى فكثُر عدمُ إجرائها على الموصوف ودلالتها على الثبوت وإن لم تُنْقَلْ إلى الاسمية كمؤمن وكافر، فتاؤها ليست للتأنيث إذ لم يلاحَظُ لها موصوفٌ تجري عليه، كالراوية للرجل الكثيرِ الروايةِ، فهي تاءُ مبالغةٍ. ويجوز أن تكون صفةً منقولةً إلى الاسمية سمِّي بها ما يغيبُ ويَخْفَى، والتاء فيها للنقل كما في ((الفاتحة))، والفرقُ بين المغلَّب والمنقول - على ما قال الخفاجيُّ - أنَّ الأول يجوز إجراؤه على موصوف مذكَّرٍ بخلاف الثاني(٣). والظاهر عمومُ الغائبة، أي: ما من غائبةٍ كائنةٍ ما كانت ﴿إِلَّا فِي كِنَبٍ ◌ُبِينٍ (١) في (م): الاكتنان. (٢) القراءات الشاذة ص ١١٠، والمحتسب ١٤٣/٢، والبحر ٧/ ٩٥. (٣) حاشية الشهاب ٧/ ٥٧ . سُؤَدَّةُ الْنَصْلِ ٥٢ الآية : ٧٥ أي: بيِّنٍ، أو مُبينٍ لِمَا فيه لمن يطالعُه وينظر فيه من الملائكة عليهم السلام، وهو اللوح المحفوظ، واشتماله على ذلك إن كان متناهياً لا إشكال فيه، وإن كان غيرَ متناهٍ ففيه إشكالٌ ظاهرٌ ضرورةَ قيام الدليل على تناهي الأبعاد واستحالةٍ وجودٍ ما لا يتناهَى، ولعل وجود الأشياء الغيرِ المتناهية في علم الله تعالى في اللوح المحفوظ على نحو ما يزعمونه من وجود الحوادث في الجفر الجامع (١)، وإن لم يكن ذلك حذوَ القذّة بالقذّة. وقيل: المراد بالكتاب المبين علمُهُ تعالى الأزليُّ الذي هو مبدأ لإظهار الأشياء بالإرادة والقدرة. وقيل: حكمه سبحانه الأزليُّ. وإطلاقُ الكتاب على ما ذكر من باب الاستعارة، ولا يخفى ما في ذلك. وقيل: المراد به القرآن، واشتمالُه على كلِّ غائبةٍ على نحو ما ذكرنا في اشتمال اللوح المحفوظ عليه، وقد ذُكر أنَّ بعض العارفين استخرج من ((الفاتحة)) أسماءً السلاطين العثمانية، ومُدَدَ سَلْطَنتهم إلى آخر مَن يَتَسَلْطَن منهم، أدام الله تعالى ملكهم إلى يوم الدِّين، ووفَّقهم لِمَا فيه صلاحُ المسلمين. وذكر بعضُهم في هذا الوجه أنه مناسبٌ لِمَا بعدُ من وصف القرآن، وفيه ما فيه. وقال الحسن: الغائبة هو يومُ القيامة وأهوالها(٢). وقال صاحب ((الغُنيان))(٢): الحوادث والنوازل. وقيل: أعمال العباد. وقيل :: ما غاب من عذاب السماء والأرض. والعمومُ أولى، ورُوي ذلك عن ابن عباس؛ فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية: يقول سبحانه: ما من شيءٍ في السماء والأرض (١) هو كتاب يزعم الشيعة أن جعفراً الصادق ظ به كتب فيه لهم كل ما يحتاجون إلى عمله، وكلّ ما يكون إلى يوم القيامة، وهو زعم باطل. ينظر مجموع الفتاوى ٧٨/٤-٧٩، وأبجد العلوم ٢١٤/٢-٢١٦، ومجلة المنار ٤/ ٦٠ للسيد رشيد رضا. (٢) في الأصل: وأحوالها، والمثبت من (م) والبحر ٧/ ٩٥، والكلام منه. (٣) كما في البحر ٧/ ٩٥، والغنيان في تفسير القرآن لبشير بن حامد بن سليمان، أبو النعمان، نجم الدين الزينبي الهاشمي، الجعفري الشافعي، التبريزي الصوفي، المتوفى سنة (٦٤٦هـ). السير ٢٥٥/٢٣، والأعلام ٥٦/٢. الآية : ٧٦ ٥٣ سُورَةُ النَّصْلِ سرًّا وعلانيةً إلا يعلمه سبحانه وتعالى(١). وأخذ منه بعضُهم حَمْلَ الكتاب على العلم الأزليِّ، وفيه نظرٌ؛ لجوازٍ أن يكون قد جعل كونَ ذلك في كتابٍ مبين كنايةً عن علمه تعالی به. وذهب أبو حيان إلى أنه ظ له اعتبر في الآية حَذْفَ أحدِ المتقابلَيْنِ اكتفاءً بالآخر (٢). وكلامُه ◌َبه محتملٌ لذلك. ويحتمل أنه ذكر العلانية في بيان المعنى لأنَّ مَن عَلِمَ السرَّ عَلِمَ العلانيةَ من باب أَوْلَى. ويحتمِلُ أنَّ ذلك لأنه ما من علانيةٍ إلا وهي غيبٌ بالنسبة إلى بعض الأشخاص، فيكون قد أشار ◌َّه ببيان المعنى وذِكْرِ السرِّ والعلانية فيه إلى أنَّ المراد بـ ((غائبة)) في الآية ما يشملهما(٣)، وهو ما اتَّصف بالغيبة أعمّ من أن تكون مطلقةً أو إضافيةً، كذا قیل، فتدبّر. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرَُّانَ يَقُ عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾﴾ لمَّا ذكر سبحانه ما يتعلَّق بالمبدأ والمَعَادِ ذكر تعالى ما يتعلَّق بالنبوَّة؛ فإنَّ القرآن أعظمُ ما ثبُتُ به نبوَّةُ نبِيِّنَا وَّهِ، فذكر جلَّ وعلا أنه يقصُّ على بني إسرائيل - والمراد بهم كما رُوي عن قتادةَ: اليهودُ والنصارى - أكثرَ ما تجدَّد واستمرَّ اختلافُهم فيه على وجهه، ويبيِّنُ لهم حقيقةً الأمر فيه، وذلك مما يقتضي إسلامهم لو تأمَّلوا وأنصفوا، لكنهم لم يفعلوا وكابَروا مثلَكم أيها المشركون. ومما اختلفوا فيه أمرُ المسيح عليه السلام؛ فمِن قائل: هو الله تعالى. ومِن قائل: ابنُّ الله سبحانه. ومن قائل: ثالثُ ثلاثةٍ. ومن قائل: هو نبيٌّ كغيره من الأنبياء عليهم السلام. ومن قائل: هو - وحاشاه - كاذبٌ في دعواه النبوَّة، ويَنْسِبُ مريم فيه إلى ما هي منزَّهةٌ عنه ﴿ّا، وهم اليهود الذين كذَّبوه. وأمرُ النبيِّ المبشّر به في التوراة، فمن قائل: هو يوشع عليه السلام. ومن قائل: هو عيسى عليه السلام. ومن قائل: إنه لم يأتِ إلى الآن وسيأتي آخرَ الزمان. (١) تفسير الطبري ١١٦/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٩١٩/٩. (٢) البحر ٧ / ٩٥. (٣) في الأصل: يشملها . سُورَةُ النَِّ ٥٤ الآية : ٧٧ - ٧٨ ومما اختلفوا فيه أمرُ الخنزير؛ فقالت اليهود بحرمة أكله، وقالت النصارى بچِلُه، إلى غير ذلك. ﴿وَإِنَّهُ، لَمُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ على الإطلاق، فيدخلُ فيهم مَن آمن من بني VV إسرائيل دخولاً أوَّليًّا، وتخصيصُ المؤمنين بهم كما فعل بعضهم خلافُ الظاهر، وتخصيصُ المؤمنين بالذكر مع أنه رحمةٌ للعالمين لأنهم المنتفعون به. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم﴾ أي: بين بني إسرائيل الذين اختلفوا، أو بين المؤمنين وبين الناس ﴿يِحُكْمِهِ،﴾ قيل: أي: بحكمته جلَّ شأنُه، ويدلُّ عليه قراءةُ جناح بن حبيش: ((بحِكَمِه)» بكَسْرِ الحاء وفَتْحِ الكاف جمع حكمةٍ مضاف إلى ضميره تعالى(١). وقيل: المراد بالحُكْم: المحكومُ به، إطلاقاً للمصدر على اسم المفعول، والمرادُ بالمحكوم به الحقُّ والعدل. وعلى الوجهين لم يبق على المعنى المصدريٍّ، والداعي لذلك أنَّ ((يقضي)) بمعنى يحكم، فلو بقي الحكم على المعنى المصدريِّ لصار الكلام نحوَ قولك: زيدٌ يضَرِبُ بِضَرْبِهِ، وهو لا يقال مثلُه في كلامٍ عربيٍّ. وأورد عليه أنه يصحُّ أن يقال ذلك على معنى: يضْرِبُ بضَرْبِه المعروف بالشدة مثلاً، فالمعنى هنا: يحكم بحُكْمِه المعروفِ بملابسةِ الحق، أو يحكم بحُكْمٍ نَفْسِه تعالى لا بحكم غيره - عزَّ شأنُه - كالبشر. وقيل عليه: ليس المانعُ لصحة مثلِ هذا القول إضافةً المصدر إلى ضمير الفاعل، فإنه لا كلام في صحته، كإضافته إلى ضمير المفعول في: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] إنما المانع دخولُ الباء على المصدر المؤكِّد. ثم إنَّ المعنى الأولَ يوهمُ أنَّ له سبحانه حكماً غيرَ معروفٍ بملابسة الحق، والثاني إنما يَظهر لو قدَّم ((بحُكْمِه)). وفيه أنه على ما ذكر ليس بمصدرٍ مؤكِّدٍ، وعدمُ الجواز في المصدر النوعيِّ لاسيما إذا كان من غير لَفْظِه ليس بمسلَّم. وأيضاً الظاهرُ أنَّ المانع بزَعْمِ المؤوِّل (١) القراءات الشاذة ص١١١، والبحر ٧/ ٩٦. الآية : ٧٩ - ٨٠ ٥٥ سُورَةُ النَّصْلِكَ لزومُ اللَّغْوِيَّةِ لو لم يؤوّل بما ذكر، والأَوْلَى إبقاؤُه على المصدرية، وجَعْلُ الإضافة للعهد، وكونُ المعنى كما قال المُؤْرِدُ: يَحْكُم بحُكْمِه المعروفِ بملابسةِ الحقِّ. وأمرُ التوهُّم على طرف الثُّمام. وأيًّا ما كان فالضميرُ المجرورُ عائدٌ على الربِّ سبحانه، وعَوْدُه على القرآن على أنَّ المعنى: يَحْكُم بالحُكْم الذي يتضمَّنه القرآن واشتمل عليه من إثابة المحقِّ وتعذيبِ المُبْطِلِ، وحينئذٍ لا يحتاج إلى كثرة القيل والقال = لا يخفى ما فيه من القيل والقال على مَن له أدنى تمييزٍ بأساليب المقال. ﴿وَهُوَ الْعَزِيِزُ﴾ فلا يُرَدُّ حُكْمُه سبحانه وقضاؤه جلَّ جلالُه ﴿اَلْعَلِيمُ ﴾ بجميع الأشياء التي من جملتها ما يقضي به. والفاء في قوله تعالى: ﴿فَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾ لترتيب الأمر على ما ذكر من شؤونه عزَّ جلَّ، فإنَّها موجبةٌ للتوّل عليه تعالى، وداعيةٌ إلى الأمر به، وفي ذكره تعالى بالاسم الجامع تأييدٌ لذلك، أي: فتوّل على الله الذي هذا شأنُه، فإنه يوجب على كلِّ أحدٍ أن یتوگّل علیه ویفوّضَ جمیعَ أموره إلیه جلَّ وعلا . وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُِيْنِ ﴿٣)﴾ تعليلٌ صريحٌ للتوّل عليه تعالى بكونه عليه الصلاة والسلام على الحقِّ البَيِّن، أو الفاصلِ بينه وبين الباطل، أو بين المحقِّ والمُبْطِلِ، فإنَّ كونه ◌َّرَ كذلك مما يوجبُ الوثوقَ بحفظه تعالى ونُصْرتِه وتأییدهِ لا محالة. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْبِعُ الْمَوْقَ﴾ إلخ تعليلٌ آخَرُ للتوثُل الذي هو عبارةٌ عن التبتُّل إلى الله تعالى وتفويضٍ الأمر إليه سبحانه، والإعراض عن التشبُّك بما سواه. وقد علَّل أوّلاً بما يوجبُه من جهته تعالى، أعني قضاءَه عزَّ وجلَّ بالحقِّ وعزَّتَه وعِلْمَه تبارك وتعالى، وثانياً بما يوجبُه من جهته عليه الصلاة والسلام على أحد الوجهين، أعني كونَه ◌َّر على الحقِّ، ومن جهته تعالى على الوجه الآخر، أعني إعانتَه تعالى وتأييدَه تعالى للمحقِّ، ثم علّل ثالثاً بما يوجبه لكن لا بالذات بل بواسطة إيجابه للإعراض عن التشبُّث بما سواه تعالى؛ فإنَّ كونهم كالموتى والصمِّ سُوَّةُ النَِّ ٥٦ الآية : ٨٠ والعُمْي موجبٌ لقَطْعِ الطَّمَعِ عن مُشايَعَتِهم ومُعاضَدَتهِم رأساً، وداعٍ إلى تخصيص الاعتضاد به تعالى، وهو المعنيُّ بالتوُّل عليه جلَّ شأنه. وجوِّز أن يكون قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تُتْيِعُ) إلخ استئنافاً بيانيًّا وقع جواباً لسؤالٍ نشأ مما قبله، أعني ((إنك على الحقِّ المبين)) كأنه قيل: ما بالُهم غير مؤمنين بمن هو على الحقِّ المبين؟ فقيل: ((إنك لا تسمع الموتى)) إلخ. وتعقِّب بأنه يأباه السياق. واعتُرض بالمنع. وإنما شبِّهوا بالموتى - على ما قيل - لعدم تأثّرِهم بما يُتْلَى عليهم من القوارع، وإطلاقُ الإسماع عن المفعول لبيان عدم سماعهم لشيءٍ من المسموعات. وقيل: لعل المراد تشبيهُ قلوبهم بالموتى فيما ذكر من عدم الشعور، فإنَّ القلب مشعرٌ من المشاعر أشير إلى بطلانه بالمرة، ثم بين بطلان مشعري الأذن والعين، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وإلا فبعد تشبيه أنفسهم بالموتى لا يظهر لتشبيههم بالصمِّ والعمي مزيدُ مَزِيَّةٍ. وكأنه لهذا قال في ((البحر))(١): أي: موتَى القلوب. أو شبِّهوا بالموتى لأنهم لا ينتفعون بما يُتلى عليهم، فقدِّم احتمالُ نسبة الموت إلى قلوبهم . وتعقّب(٢) بأنَّ ما ذُكر تخيُّلٌ باردٌ؛ لأنَّ القلب يوصف بالفِقْهِ والفَهْمِ لا السَّمْعِ، وما ذكر أولاً من أنهم أنفسَهم شبِّهوا بالموتى هو الظاهر، ووجهُه أنه على طريق التسليم والنظر لأحوالهم، كأنه قيل: كيف تُسمعهم الإرشاد إلى طريق الحق وهم موتَى؟ وهذا بالنظر لأوَّل الدعوة، ولو أحييناهم لم يُفِدْ أيضاً لأنهم صمٌّ وقد ولَّوا مُذْبِرين، وهذا بالنظر لحالهم بعد التبليغ البليغ ونفرتهم عنه، ثم إنَّا لو أسمعناهم أيضاً فهم عميٌّ لا يهتدون إلى العمل بما يسمعون، وهذا خاتمةُ أمرهم، ويعلم من هذا ما في ذلك من مزيدِ المزيةِ الخالية عن التكلُّف. (١) ٧ /٩٦. (٢) كما في حاشية الشهاب ٥٨/٧. الآية : ٨١ ٥٧ سُورَةُ النَّصْلِ وجوِّز أن يكون التشبيه لطوائفَ على مراتبهم في الضلال، فمنهم مَن هو كالميت، ومَن هو كالأصم، ومَن هو كالأعمى، وهو وإن كان وجهاً خفيفَ المؤنة، إلَّا أنه خلافُ الظاهر أيضاً. ﴿وَلَا تُبِعُ القُنَّ الدُّعَّةَ﴾ أي: الدعوة إلى أمر من الأمور، وتقييدُ النفي بقوله تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْأْ مُدْبِرِينَ ﴾﴾ لتتميم التشبيه وتأكيدِ النفي؛ فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحقِّ مُعْرِضون عن الداعي مولَّون على أدبارهم، ولا ريبَ في أنَّ الأصمَّ لا يسمع الدعاء مع كون الداعي بمقابلة صماخه قريباً منه، فكيف إذا كان خلفه بعيداً منه، ومثله في التتميم قولُ امرئ القيس: حملتُ رُدينيًّا كأنَّ سِنَانَه سَنَا لَهبٍ لم يتَّصِلْ بدخان(١) وقرأ ابن كثير: ((لا يَسمَع الصُّ الدعاء» بالياء التحتانية وفتح الميم ورفع (الصُّمّ)(٢). ﴿وَمَّ أَنْتَ بِهَدِى أَلْعُمِ عَن ضَلَلَتِهِمْ﴾ أي: وما أنت بصارفِ العمي عن ضلالتهم، هادياً لهم هدايةً مُؤْصِلةً إلى المطلوب، لفَقْدِ الشرط العاديِّ للاهتداء وهو البصر. و((عن)) متعلِّقةٌ بالهداية باعتبار تضمُّنها معنى الصرف كما أشرنا إليه. وجوَّز أبو البقاء أن تُعلَّق بـ ((العُمْي))، ويكون المعنى أنَّ العَمَى صَدَرَ عن ضلالتهم (٣)، وفيه بعدٌ. وإيرادُ الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية. وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة: ((بهادٍ)) بالتنوين ((العُمْيَ)) بالنصب(٤). وقرأ الأعمش وطلحة وابن وثَّاب وابن يعمر وحمزة: ((تهدي)) مضارع هدى ((العُمْيَ)) بالنصب(٥). (١) البيت لامرئ القيس في كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري ص٢٥٣، والإيضاح في علوم البلاغة ٢٠٠/١، ومعاهد التنصيص للعباسي ٩٢/٢، وهو في ملحق الديوان ص٤٧٧. ونسبه المفضل في المفضليات ص٢٥٩، والآمدي في المؤتلف والمختلف ص١١٤ لعَمِيرة بن جُعَل، وفيهما: جمعت ردينيًّا ... (٢) التيسير ص١٦٩، والنشر ٣٣٩/٢. (٣) الإملاء ١٤٠/٣. (٤) القراءات الشاذة ص ١١١، والبحر ٩٦/٧، والكلام منه. (٥) التيسير ص١٦٩، والنشر ٣٣٩/٢ عن حمزة، والكلام من البحر ٧ /٩٦. سُورَةُ النَّصِ ٥٨ الآية : ٨١ وقرأ ابن مسعود: ((وما إنْ تهتدي)) بزيادة ((إنْ)) بعد ((ما))، كما في قول امرئ القیس : حلفتُ لها بالله حلفةَ فاجرٍ لناموا فما إنْ من حديثٍ ولا صالٍ(١) واتهتدي» مضارع اهتدى، و«العمي)) بالرفع(٢). ﴿إِن تُشْرِحُ﴾ أي: ما تُسْمِعُ إسماعاً يُجدي السامعَ نفعاً ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِثَايَدِنَا﴾ أي: مَن شأنُهم الإيمانُ بها، وهم الذين ليسوا مَوْنَى ولا صمًّا ولا عمياً. وقال بعض الأجلَّة: أي: إلا مَن هو في علم الله تعالى كذلك. واعتُرض بأنَّ صيغة الاستقبال وإن صحَّت باعتبار تعلُّق العلم فيما لا يزال إلَّا أنَّ المناسب صيغةُ المضيِّ. واختار المعترِضُ أنَّ المعنى: إلا الذين يصدِّقون أنَّ القرآن كلام الله تعالى؛ إذ حينئذٍ تَثْبُتُ نبؤَّتُهُ وَّهِ، فَيُقْبَلُ قولُه ويُجدي إسماعُه نفعاً. وتعقِّب بأنه ينتقض الحصرُ بالمصدِّقين في الاستقبال إن كانت الصيغة للحال، وبالمصدِّقين في الحال إن كانت للاستقبال، وإذا دفع لزومُ الانتقاض بجعلها لهما لزم استعمالُ المشترك في معنييه معاً، أو الجمعُ بين الحقيقة والمجاز. وأجيب بأنَّ المراد الحال، ويدخل غيرُه فيه بدلالة النصِّ من غير تكلُّفٍ(٣). وقال بعض المحققين: قد يراد بالمضارع الاستقبالُ الشاملُ لجميع الأزمنة، فإنَّ الاستقبال كما يكون بالنظر لزمان الحكم والتكلَّم على ما حقِّق في الأصول يجوز أن يكون بالنظر إلى عِلْمِ القائل أيضاً، فيشمل ((مَنَ يؤمن)) هنا مَن آمن حالاً، كما يشمل مَن يؤمن استقبالاً، فلا غبار في المعنى الذي اختاره ذلك المعترِضُ من هذه الحيثية. (١) ديوان امرئ القيس ص٣٢، والخزانة ٧١/١٠. وقال البغدادي: ((إن)) زائدة مؤكّدة للنفي، وکذلك (من)). (٢) البحر ٩٦/٧، وهي في القراءات الشاذة ص١١٠، ومعاني القرآن للفراء ٢/ ٣٠٠، وإعراب القرآن للنحاس ٢٢٠/٣-٢٢١، والمحرر الوجيز ٢٧٠/٤، والكشاف ١٥٩/٣، وتفسير القرطبي ٢٠٧/١٦ بلفظ: ((وما إن تهدي العميّ)). (٣) في (م): تكليف. الآية : ٨١ ٥٩ سُوَّةُ النَّصِْ نعم قيل: إنَّ فيه شِبْهَ تحصيلِ الحاصل؛ لأنَّ التصديق بالقرآن هو استماعُه النافعُ، ولعل مَن عَدَلَ عنه إنما عَدَلَ لذلك، ولم يعبأ بالمغايرة بين ذينك الأمرين الظاهرة بعد النظر الصحيح. والحقُّ أنَّ ما ذُكر من شِبْهِ تحصيل الحاصل على طرف الثمام؛ لظهورِ الفرق بين الإسماع المراد في الآية والتصديقِ بأنَّ القرآن كلامُ الله تعالى كما لا يخفى. وجوِّز أن يراد بالآيات المعجزاتُ التي أظهرها الله تعالى على يده عليه الصلاة والسلام، الشاملةُ للآيات التنزيلية والتكوينية، وأن يراد بها الآياتُ التكوينية فقط، والإيمانُ بها التصديقُ بكونها آياتِ الله تعالى وليست من السحر، وإذا أريد بالإسماع النافع على هذا إسماعُ الآيات التنزيلية ليؤتَى بما تضمَّنته من الاعتقادات والأعمال، كان الكلام أبعدَ وأبعدَ من أن يكون فيه شِبْهُ تحصيل الحاصل، إلا أنَّ ذلك لا يخلو عن شيء. وفي ((إرشاد العقل السليم)): أنَّ إيرادَ الإسماع في النفي والإثبات دون الهداية مع قُربها، بأن يقال: إنْ تهدي إلا مَن يؤمن .. إلخ، لِمَا أنَّ طريق الهداية هو إسماعُ الآيات التنزيلية (١)، فافهم. وقوله تعالى: ﴿فَهُم ◌ُسْلِمُونَ ﴾﴾ قيل: تعليلٌ لإيمانهم بها، كأنه قيل: فإنهم منقادون للحقِّ في كلِّ وقت. وقيل: مخلصون لله تعالى، من قوله تعالى: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]. وقيل: هو تعليلٌ لِمَا يدلُّ عليه الكلام من أنهم يسمعون إسماعاً نافعاً لهم. وفي توحيد الضمير تارةً وجَمْعِه أخرى رعايةٌ لِلَفْظِ ((مَن)) ومعناها. واستدلَّ بقوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ) على أنَّ الميت لا يسمعُ كلامَ الناس مطلقاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في ذلك في سورة ((الروم)) (٢) على أُتمٌّ وجهٍ. (١) تفسير أبي السعود ٣٠٠/٦. (٢) عند تفسير الآية (٥٢) منها. سُورَةُ النَّصِْ ٦٠ الآية : ٨٢ ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بيانٌ لِمَا أشير إليه بقوله تعالى: (بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعِْلُونَ) من بقية ما يستعجلونه من الساعة ومباديها، والمراد بالقول ما نطق من الآيات الكريمة بمجيء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها، وبوقوعه قيامُها وحصولُها، عبّر عن ذلك به للإيذان بشدّة وَقْعِها وتأثيرها، وإسنادُه إلى القول لِمَا أنَّ المراد بيانُ وقوعها من حيث إنها مصداقٌ للقول الناطق بمجيئها، وقد أريد بالوقوع دنوُّه واقترابُه كما في قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللهِ﴾ [النحل: ١] ففيه مجازٌ المشارَفة، أي: إذا دنا وقوعُ مدلولِ القول المذكورِ الذي لا يكادون يسمعونه ومصداقه ﴿أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾ وذلك على ما أخرج ابن مردويه(١) من حديث أبي سعيد الخدريِّ مرفوعاً، وهو وجماعةٌ عن ابن عمر ﴿هَا موقوفاً(٢)، حين يُتْرَكُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: أَكْثِرُوا الطَّوَافَ بالبيت من قبل أن يُرفَع ويَنْسَى الناس مكانه، وأَكْثِروا تلاوة القرآن من قبل أن يُرفع. قيل: وكيف يُرفع ما في صدور الرجال؟ قال: يُسْرَى عليهم ليلاً فيصبحون منه فقراء، وينسون قولَ: لا إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارِهم، فذلك حين يقع القول عليهم (٣). وهذا ظاهرٌ في أنَّ خروج الدابة حين لا يبقى في الأرض خيرٌ، ويقتضي ذلك أن يكون بعد موت عيسى والمهديِّ وأتباعهما عليهم السلام، وسيأتي إن شاء الله تعالى من الأخبار ما هو ناطقٌ بأنها تخرج وعيسى يطوفُ بالبيت ومعه المسلمون . (١) كما في الدر المنثور ١١٥/٥. (٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٨٥، والطبري ١٢٠/١٨، وابن أبي حاتم ٢٩٢١/٩، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ١١٥/٥ . (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٩٢٢/٩، وأخرجه أيضاً الدارمي (٣٣٤١)، كلاهما من طريق موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم، عن ناجية بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه، عن عبد الله. وهذا إسناد ضعيف لضعف موسى بن عبيدة. وأخرجه عبد الرزاق (٥٩٨٠)، وابن أبي شيبة ٥٣٤/١٠، وسعيد بن منصور (٩٧ - تفسير)، والحاكم ٤/ ٥٠٤ من طريق عبد العزيز بن رفيعٍ، عن شداد بن معقل، عن ابن مسعود ظ به بنحوه دون قوله: فذلك حين ... ، وفيه بدلاً منه قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ شِئْنَا لَذْهَبَنَّ بِالَّذِىَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية [الإسراء: ٨٦].