Indexed OCR Text

Pages 381-400

الآية : ١٠٨
٣٨١
سُؤَةُ الْبَّفَقَة
للأمة أيضاً. و((مِنْ)) الثانيةُ صلةٌ فلا تتعلَّق بشيءٍ، و(مِنْ)) الأولى لابتداء الغاية،
وهي مُتعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً مِنْ مدخولِ ((مِنْ)) الثانية، وهو في الأصلِ صفةٌ له،
فلمَّا قُدِّم انتصَبَ على الحاليَّةِ. وفي ((البحر)): أنها مُتعلّقة بما تعلَّق به (لكم))، وهو
في موضعِ الخبرِ. ويَجوز في (ما)) أنْ تكون تَميميَّةً، وأنْ تكونَ حجازيةً على رأي
مَنْ يُجيز تَّقدُّمَ خبرها إذا كان ظرفاً أو مجروراً(١).
والوليُّ: المالك، والنصيرُ: المعينُ، والفرقُ بينهما أنَّ المالكَ قد لا يقدرُ على
النُّصرةِ، أو قد يَقدرُ ولا يَفعل، والمعينُ قد يكونُ مالكاً وقد لا یکون، بل يكون
أجنبيًّا .
والمرادُ من الآيةِ الاستشهادُ على تَعلُّق إرادتِه تعالى بما ذُكر مِن الإتيان بما هو
خيرٌ من المنسوخ أو بمثله، فإنَّ مُجرَّد قُدرتِهِ تعالى على ذلك لا يستدعي حصولَه
البَّة، وإنَّما الذي يَستدعيه كونُه تعالى مع ذلك وليًّا نصيراً لهم، فَمَن عَلِم أنه تعالى
وليُّه ونصيرُه، لا وليَّ ولا نصيرَ له سواه، يَعلَمُ قطعاً أنَّه لا يَفعل به إلا ما هو خيرٌ
له، فيفوِّضُ أمرَه إليه تعالى، ولا يَخطرُ بباله رِيبةً في أمرِ النسخ وغيره أصلاً .
﴿أَمْ تُرِدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُيِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ وُجُوِّز في ((أم)) هذه أنْ
تكونَ مثَّصلةً، وأنْ تكونَ مُنقطعةً. فإنْ قُدِّر (تعلمون)) قبل ((تُريدون)) بناءً على دلالة
السِّباق وهو ((ألم تعلم))، والسياقِ وهو الاقتراح؛ فإنَّه لا يكونُ إلَّ عندَ التعثُّت، والعلمُ
بخلافه = كانت مُتَّصلةً، كأنه قيل: أيُّ الأمرين - مِن عدمِ العلمِ بما تَقدَّم، أو العلمِ مع
الاقتراحِ - واقع؟ والاستفهامُ حينئذٍ للإنكارِ بمعنى: لا يَنْبَغَي أنْ يكونَ شيءٌ منهما .
وإنْ لم يُقدَّر كانت مُنقطعةً؛ للإضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام
عن اقتراحهم كاقتراحِ اليهود، إنكاراً عليهم بأنَّه لا يَنْبغي أنْ يَقعَ أيضاً .
وقطّعَ بعضُهم بالقطعِ بناءً على دخولِ الرسولِ وَّ في الخطاب أوَّلاً، وعدم
دخوله فيه هنا؛ لأنه مُقْترَحٌ عليه لا مُقْترِح، وذلك مُخِلٌّ بالاتّصال.
وأُجيبَ بأنَّه غيرُ مُخِلِّ به لحصولِهِ بالنسبة إلى المقصدِ، وإرادةُ الرسولِوَّ في
الأول كانت لمُجرَّد التصويرِ والانتقالِ لِمَا قدَّمنا أنَّها بطريقِ الكنايةِ، والمرادُ على
(١) البحر ٣٤٥/١.

سُورَةُ الْبَنَة
٣٨٢
الآية : ١٠٨
التقديرين توصيتُه المسلمينَ بالثقةِ برسولِ الله ◌َّهِ وتَرْكِ الاقتراح، بعد ردِّ طَعْن
المشركينَ أو اليهودِ في النسخ، فكأنه قيل: لا تكونوا فيما أنزل إليكم من القرآن
مثلَ اليهودِ في تَرْك الثقةِ بالآياتِ البيِّنة واقتراح غيرها، فتَضِلُّوا وتَكفُرُوا بعد
الإيمان، وفي هذه التوصيةِ (١) كمالُ المبالغةِ والبلاغة، حتى كأنَّهم بصدَدِ الإرادةِ
فَنُهُو عنها، فضلاً عن السؤال، يَعني: من شأنِ العاقلِ أنْ لا يَتَصدَّى لإرادةِ ذلك.
ولم يَقل سبحانه: كما سأل أمَّةُ موسى عليه السلام، أو اليهود؛ للإشارة إلى أنَّ مَنْ
سأل ذلك يَستحقُّ أنْ يُصانَ اللسانُ عن ذِكرِهِ، ولا يَقتضي سابقيَّةً وقوعِ الاقتراحِ
منهم، ولا يتوقَّفُ مضمون الآية عليه، إذ التوصيةُ لا تَقتضي سابقيَّةَ الوقوعِ، كيف
وهو كفر - كما يدلُّ عليه ما بعدُ - ولا يكادُ يَقعُ مِن المؤمن؟
وممَّا ذكرنا يظهر وَجْهُ ذِكرِ هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ﴾ فإنَّ المقصدَ
من كلِّ منهما تَثْبِيتُهم على الآياتِ، وتوصِيتُهم بالثقة بها، أمَّا بيانُه بأنَّه لعلَّهم كانوا
يَطلبون منه عليه الصلاة والسلام بَيَانَ تفاصيل الحِكَمِ الداعية إلى النسخ، فلذا
أُردَقَتْ آيَةُ النسخ بذلك، فأراه إلى التمنّي أقرب.
وقد ذكرَ بعضُ المفسِّرين أَنَّهمُ اقترحوا على الرسول بَّه في غزوة خيبر أن
يَجعلَ لهم ذاتَ أنواطِ كما كانَ للمشركينَ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((سبحانَ الله! هذا
كما قال قَومُ موسى: اجْعَلْ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ. والذي نفسي بيدهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ
قَبَلَكُمْ حَذْوَ النعلِ بالنعل والقذة بالقذة، إنْ كانَ فيهم مَنْ أتى أُمَّه يكونُ فيكم،
فلا أدري أَتعبُدُون العِجْل أم لا؟))(٢). وهو مع عدم(٣) الحاجة إليه، يَستدعي أنَّ
المخاطَب في الآيات هم المؤمنون، والسباقُ والسياقُ والتذييلُ تَشهدُ له، وعليه
(١) في الأصل: الوصية.
(٢) أخرجه أحمد (٢١٨٩٧)، والترمذي (٢١٨٠) من حديث أبي واقد الليثي څله دون قوله: إن كان
فيهم من أتى أمه ... ، ووقع عند أحمد: حنين، بدل: خيبر. قال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، ورد ضمن حديث عبد الله بن عمرو
عند الترمذي (٢٦٤١) وقال الترمذي: هذا حديث مفسر غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من
هذا الوجه. اهـ. وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف. ينظر فيض
القدير ٣٤٧/٥، والميزان ٢/ ٥٦١.
(٣) في (م): عدم.

الآية : ١٠٨
٣٨٣
سُوَّةُ الْبََّقَة
يَترجَّح الاتِّصال، لِمَا نُقلَ عن الرضي أنَّ الفعليتَين إذا اشتركتًا في الفاعل نحو
أَقُمْتَ أم قَعَدْتَ، فَأَمْ متَّصلة.
وَزَعَم قومٌ أنَّ المخاطَبَ بها اليهودُ، وأنَّ الآيةَ نَزَلَت فيهم حينَ سألوا أنْ ينزَّلَ
عليهم كتابٌ من السماء جملةً، كما نُزِّلت التوراةُ على موسى عليه السلام،
وخاطَبَهم بذلك بعدَ رَدِّ طَعْنهم تهديداً لهم، وحينئذٍ يكون المضارع الآتي بمعنى
الماضي، إلَّا أنه عبَّر به عنه إحضاراً للصورةِ الشنيعة، واختار هذا الإمام
الرازي(١) وقال: إنه الأصحُّ؛ لأنَّ هذه السورة مِن أولِ قوله تعالى: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَوِيلَ
أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ﴾ [البقرة: ٤٠] حكايةٌ عن اليهودِ ومحاجَّةٌ معهم؛ ولأنَّه جَرى ذِكْرُهم
وما جرى ذكرُ غيرِهم؛ ولأنَّ المؤمنَ بالرسول لا يكادُ يَسألُ ما يكونُ متبدِّلاً :ه
الكفر بالإيمان. ولا يخفى ما فيه، وكأنه رحمه الله تعالى نَسِيَ قولَه تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ .
وقيل: إنَّ المخاطَب أهلُ مكة، وهو قولُ ابنِ عباسٍ ضًَّا، وقد روي عنه أنَّ الآيةَ
نَزَلت في عبد الله بن أمية ورهطٍ مِنْ قريش قالوا: يا محمد، اجعل لنا الصفا ذهباً،
ووسِّع لنا أَرضَ مكة، وفَجِّر لنا الأنهار خلالها تَفْجيراً، ونُؤْمِنَ لك(٢). وحُكي في
سبب النزول غير ذلك، ولا مانع كما في ((البحر))(٣) مِن جَعْل الكلِّ أسباباً .
وعلى الخلافِ في المخاطَبين يَجيءُ الكلامُ في ((رسولكم))، فإنْ كانوا
المؤمنينَ، فالإضافةُ على ما في نفسِ الأمرِ وما أَقُرُّوا به من رسالتِهِ وَِّ، وإنْ كانوا
غيرَهم، فهي على ما في نفسِ الأمرِ دون الإقرارِ .
و ((ما)» مصدريَّةٌ، والمشهورُ أنَّ المجرورَ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: سؤالاً
كما، ورأى سيبويه أنه في موضعٍ نصبٍ على الحال، والتقديرُ عندَه: أنْ تَسألوه -
أي: السؤال - كما (٤).
(١) في تفسيره ٢٣٥/٣.
(٢) قطعة من حديث أخرجه بنحوه أحمد (٢١٦٦) و(٣٢٢٣)، واللفظ المذكور في أسباب
النزول ص٣٢.
(٣) ٣٤٦/١.
(٤) أي أنها حال من ضمير المصدر المحذوف. ينظر الدر المصون ٦٤/١-٦٥ .

سُوَبَةُ الْبَرَة
٣٨٤
الآية : ١٠٨
وأجازَ الحوفي(١) أنْ تكونَ ((ما)) موصولةً في مَوضع المفعولِ به لـ ((تسألوا))،
أي: كالأشياءِ التي سُئِلَها موسى عليه السلام، قيل: وهو الأنسب؛ لأنَّ الإنكارَ
عليهم إنما هو لفسادِ المقترَحاتِ، وكونِها في العاقبةِ وبالاً عليهم.
وفيه نظر؛ لأنَّ المشبّه ((أن تسألوا)) وهو مصدرٌ، فالظاهرُ أنَّ المشبّه به كذلك،
وقُبْحُ السؤالِ إنما هو لِقُبح المسؤولِ عنه، بل قد يكونُ السؤال نفسُه قبيحاً في بعضٍ
الحالات، مع أنَّ المصدَرَّية لا تحتاج إلى تقدير رابط، فهو أولى. و((من قبلُ،
متعلّق بـ ((سئل)) وجيء به للتأكید.
وقرأ الحسن وأبو السَّمَّال: ((سِيل)) بسين مكسورة وياء، وأبو جعفر والزهري
بإشمام السين الضمَّ وياءٍ، وبعضُهم بتسهيل الهمزة بَيْنَ بَيْنَ، وضمِّ السين(٢).
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِلْإِبْنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ الشَبِيلِ ﴾ جملةٌ مُستقلَّةٌ مُشتملِةٌ
على حُكْمٍ كلِّيٍّ، أُخرجَت مخرجَ المِثْلِ، جيءَ بها لتأكيدِ النهي عن الاقتراحِ
المفهوم مِن قوله: ((أم تريدون)» إلخ، معطوفة عليه، فهي تَذْييلٌ له باعتبار أنَّ
المقترِحينَ الشاكِّين مِنْ جملة الضالِّين الطريقَ المستقيمَ المتبدِّلين.
و((سواء)) بمعنى: وسط، أو مستوي، والإضافةُ من باب إضافةِ الوصفِ إلى
الموصوفِ لقصدِ المبالغةِ في بيانِ قوةِ الاتِّصاف، كأنه نفسُ السواء، على منهاج
حصولِ الصورةِ في الصورةِ الحاصلةِ، والفاءُ رابطةٌ، وما بعدها لا يصحُّ أنْ يكون
جزاء الشرط؛ لأنَّ ضلالَ الطريقِ المستقيم متقدِّم على الاستبدال، والارتدادُ
لا يترتَّب عليه؛ ولأنَّ الجزاءَ إذا كانَ ماضياً مع ((قد)) كان باقياً على مُضِيِّه؛ لأنَّ
((قد)) للتحقيق، وما تأكَّد ورسخَ لا يَنقلب، ولا يترتَّبُ الماضي على المستقبل؛
ولأنَّ كونَ الشرطِ مضارعاً والجزاءِ ماضياً صورةٌ ضعيفٍ لم يأتِ في الكتابِ العزيز
- على ما صرَّح به الرضيُّ وغيرُه - فلا بدَّ من التقدير بأن يقال: ومَن يَتبَدَّل الكفرَ
(١) علي بن إبراهيم بن سعيد، كان نحويًّا قارئاً، صنف: البرهان في تفسير القرآن، وعلوم
القرآن، والموضّح في النحو، توفي سنة (٤٣٠هـ). بغية الوعاة ٢/ ١٤٠. ونقل المصنف
قوله وقول سيبويه عن البحر ٣٤٦/١، وينظر حاشية الشهاب ٢٢٢/٢.
(٢) تنظر هذه القراءات في المحرر الوجيز ١٩٥/١، وإعراب القرآن للنحاس ٢٥٥/١، والبحر
٣٤٦/١.

الآية : ١٠٩
٣٨٥
سُورَّةُ الْجَمَة
بالإيمان فالسببُ فيه أنه تَرَكَه، ويؤولُ المعنى إلى أنَّ ضلالَ الطريقِ المستقيم - وهو
الكفرُ الصريحُ في الآيات - سببٌ للتبديل والارتدادِ.
وفسَّر بعضهم التبدُّل المذكورَ بتركِ الثقة بالآياتِ باعتبار كونه لازماً له، فیکون
كناية عنه، وحاصلُ الآية حينئذ: ومن يترك الثقةَ بالآياتِ البينةِ المنزلةِ بحسب
المصالح، التي مِنْ جُملتها الآياتُ الناسخةُ التي هي خَيْرٌ مَخْضٌ وحقٌّ بَحْتٌ،
واقترح غيرها، فقد عدل وجار من حيثُ لا يَدري عن الطريقِ المستقيمِ الموصلِ
إلى معالمِ الحقِّ والهدى، وتاه في تِيهِ الهوى وتردَّى في مهاوي الرَّدَى، واختارَ
ما في النظم الكريم إيذاناً من أول الأمر على أبلغ وجهٍ بأنَّ ذلك كفرٌ وارتدادٌ.
ولعلَّ ما أَشَرَنَا إليه أولى كما لا يَخفى على المتدبِّر.
وقرئ: ((ومَن يُبْدِل)) من أَبْدَلَ(١)، وإدغام الدال في الضاد والإظهار، قراءتان
مشهورتان(٢).
﴿وَذَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ وهم طائفةٌ مِن أحبارِ اليهودِ، قالوا للمسلمين
بعدَ وقعةِ أحدٍ: ألم تَرَوا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحقِّ لَمَا هُزمتُم، فارجِعُوا
إلى ديننا فهو خيرٌ لكم. رواه الواحدي عن ابن عباس ﴾ (٣).
ورُوي أنَّ فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا ذلك
لحُذيفةً عَظُه من حديث طويل. ذَكَر الحافظ ابن حجر أنه لم يوجد في شيء من
کتب الحدیث(٤).
﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ حكايةٌ لودادَتِهم، وقد تَقَدَّم الكلامُ على ((لو))(٥) هذه فأَغْنَى عن
الإعادة.
﴿مِّنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا﴾ أي: مُرتدِّين، وهو حالٌ من ضميرِ المخاطَبِين يُفيد
(١) تفسير البيضاوي ١٨٠/١.
(٢) التيسير ص ٤٢، والنشر ٣/٢ - ٤.
(٣) أسباب النزول ص٣٢، والوسيط ١٩١/١.
(٤) تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص٩- ١٠ وقال الحافظ أيضاً: وهو في تفسير الثعلبي
کذلك دون سندٍ ولا راوٍ .
(٥) ص ٣٢٧ من هذا الجزء.

سُوَّةُ الْبَقَة
٣٨٦
الآية : ١٠٩
مقارنةَ الكفرِ بالرَّدِّ، فيؤذِنُ بأنَّ الكفرَ يَحصُلُ بمجرَّد الارتداد، مع قطع النظر إلى
ما يُرَدُّ إليه، ولذا لم يَقل: لو يَردُّونكم إلى الكفر. وجُوِّز أنْ يكونَ حالاً مِن فاعل
«وگَّ).
واختار بعضُهم أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((يردُّونكم))، على تَضْمين الردِّ معنى التصيير؛ إذ
منهم مَنْ لم يكفر حتى يُرَدَّ إليه، فيحتاجُ إلى التغليبِ كما في: ﴿لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾
[الأعراف: ٨٨]، على أنَّ في ذلك يكونُ الكفر المفروض بطريق القسر، وهو أَدْخَلُ
في الشناعة.
وفي قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ - مع أنَّ الظاهر: عن؛ لأنَّ الردَّ يستعمل بها -
تنصيصٌ بحصولِ الإيمان لهم. وقيل: أُورِدَ متوسِّطاً لإظهارِ كمالٍ فظاعةٍ ما أرادوه،
وغايةٍ بُعْدِه عن الوقوع؛ إمَّا لزيادة قُبْحه الصَّادِّ للعاقل عن مباشرتِهِ، وإمَّا لمُمَانعة
الإيمان له، كأنه قيل: مِنْ بعد إيمانكم الراسخِ، وفيه من تَثْبيتِ المؤمنين
ما لا يَخفى.
﴿حَسَدًا﴾ علةٌ لـ ((وذَّ) لا لـ ((يردونكم))؛ لأنهم يَودُّون ارتدادَهم مطلقاً،
لا ارتدادَهم المعلَّلَ بالحسد. وجوَّزوا أنْ يكونَ مصدراً منصوباً على الحال، أي:
حاسِدِين، ولم يُجمع لأنَّه مصدرٌ، وفيه ضعفٌ؛ لأنَّ جَعْلَ المصدرِ حالاً - كما قال
أبو حيان(١) - لا ينقاس. وقيل: يجوز أنْ يكونَ منصوباً على المصدر، والعامل فيه
محذوفٌ يدل عليه المعنى، أي: حسدوكم حسداً، وهو كما ترى.
﴿مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِم﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ وَقَعَ صفة: إمَّا للحسدِ، أي: حسداً كائناً
من أَضْل نفوسهم، فكأنه ذاتيٌّ لها، وفيه إشارةٌ إلى أنه بَلَغَ مبلغاً متناهياً، وهذا
يَؤكِّد أمرَ التنوين إذا جُعِل للتكثيرِ أو التعظيم. وإمَّا للودادِ المفهومِ مِن ((وَدَّ)، أي:
وداداً كائناً من عند أنفسهم وتَشَهِّيهم، لا مِنَ قِبَلِ التدبُّر والمَيلِ إلَى الحقِّ. وجَعلُه
ظرفاً لغواً معمولاً لـ ((وَّ) أو ((حسداً)) - كما نُقِل عن مكِّي - يُبْعده أنهما لا يُستعملان
بكلمة ((من)) كما قاله ابن الشَّجري(٢).
(١) في البحر ٣٤٨/١.
(٢) في أماليه ٦٧/٣-٦٨، وقول مكي في مشكل إعراب القرآن ١٠٨/١، والقولان في حاشية
الشهاب ٢٢٢/٢.

الآية : ١٠٩
٣٨٧
سُورَةُ الْبَقَة
﴿مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ بالنعوتِ المذكورةِ في التوراةِ، والمعجزاتِ، وهذا
كالدليل على تَخصيصِ الكثيرِ بالأحبارِ؛ لأنَّ التبيُّنَ بذلك إنَّما كان لهم لا للجُهَّالِ.
ولعلَّ مَنْ قال: إنَّ الودادةَ مِن عوامِّهم أيضاً؛ لئلا يَبطل دينُهم الذي وَرِثوه،
وتَبطلَ رياسةُ أحبارِهم الذين اعتقدوهم واتَّخذوهم رؤساءَ، فالمرادُ مِنَ الكثيرِ
جميعُهم من كفارِهم ومنافقيهم، ويكونُ ذِكْرُه لإخراج مَنْ آمن منهم سرًّا وعلانيةً =
يَدَّعي أنَّ التبيّن حصلَ للجميع أيضاً، إلا أنَّ أسبابَه مُختلفةٌ متفاوتةٌ، وهذا هو الذي
يَغلبُ على الظنِّ، فإنَّ مَنْ شاهدَ هاتيكَ المعجِزاتِ الباهرةَ، والآياتِ الزاهرةَ، يَبعدُ
منه - كيفما كان - عدمُ تبيُّنِ الحقِّ، ومعرفةِ مطالع الصِّدقِ، إلا أنَّ الحظوظَ
النفسانيَّة، والشهواتِ الدنيَّة، والتسويلاتِ الشيطانية، حَجَبَتْ مَن حجبت عن
الإيمان، وقَيَّدَتْ مَنْ قَيَّدَت في قَيْدِ الخذلان.
﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُوا﴾ العفْوُ: تَرْكُ عقوبة المُذنب، والصفْحُ: تَرْكُ التثريبِ
والتأنيب، وهو أبلغُ من العفو، إذ قد يَعفو الإنسانُ ولا يَصفحُ، ولعلَّه مأخوذٌ من
تَوليةِ صَفحةٍ الوجه إعراضاً، أو مِن تَصفَّحتُ الورقة: إذا تَجَاوزت عمَّا فيها، وآثرَ
العفو على الصبرِ على أذاهم إيذاناً بتمكينٍ المؤمنين، ترهيباً للكافرين.
﴿حَّى يَأَتِى اَللَّهُ بِأَخْرِ﴾ هو واحدُ الأوامر، والمرادُ به الأمرُ بالقتالِ بقوله
سبحانه ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ إلى ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾
[التوبة: ٢٩]، أو الأمرُ بقتل قُريظَةً وإجلاءٍ بني النضير.
وقيل: واحدُ الأمورِ، والمرادُ به القيامةُ، أو المجازاةُ يومَها، أو قوةُ الرسالةِ
وكثرةُ الأمة.
ومن الناس مَن فَسَّر الصفْحَ بالإعراض عنهم وتَرْكِ مخالطَتِهم، وجَعَلَ غايةً
العفو إتيانَ آيةِ القتال، وغايةَ الإعراضِ إتيانَ الله تعالى أمرَه، وفسَّره بإسلام مَن
أسلم منهم - كما قاله الكلبيُّ - وليس بشيءٍ؛ لأنَّ يَستلزمُ أنْ يُحملَ الأمرُ على واحدٍ
الأوامر وواحد الأمور، وهو عند المحقّقين جَمعٌ بينَ الحقيقةِ والمجازِ.
ـى: أن الآية مَنسوخَةٌ بآية السيفِ. واستشكل
وعن قتادة والسُّدِّي وابن عباس
ذلك: بأنَّ النسخَ - لكونه بياناً لمدَّةِ الانتهاء بالنسبةِ إلى الشارع، ودَفْعاً للتأبيدِ

سُورَةُ الْبَّفْقَة
٣٨٨
الآية : ١٠٩
الظاهريٍّ مِنَ الإطلاقِ بالنسبةِ إلينا - يَقتضي أنْ يكونَ الحُكمُ المنسوخُ خالياً عن
التوقيتٍ والتأبيدِ، فإنَّه لو كان مُؤْقَّتاً كان الناسخُ بياناً له بالنسبة إلينا أيضاً، ولو كان
مؤبَّداً كان بَدءاً لا بياناً بالنسبة إلى الشارع، والأمرُ هاهنا مؤقَّتٌ بالغايةِ، وکونُها
غيرَ معلومةٍ يَقْتضي أنْ تكونَ آيةُ القتال بياناً لإجمالِهِ.
وبذلك تَبَيَّن ضَعْفُ ما أجابَ به الإمامُ الرازي وتَبعه فيه كثيرون: مِنْ أنَّ الغايةَ
التي يَتعلَّقُ بها الأمرُ إذا كانت لا تُعلْم إلا شرعاً، لم يَخرج الواردُ مِنْ أنْ يكونَ
ناسخاً ويَحل محلَّ ((فاعفوا واصفحوا)) إلى أنْ أَنسخَه لكم. فليس هذا مثلَ قولِهِ
تعالى: ﴿ثُمَّ أَنِقُواْ الْمِيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧](١). وأمَّا تأييدُ الطيبيِّ له بحُكم
التوراة والإنجيلِ؛ لأنه ذُكِر فيهما انتهاءُ مدةِ الحكم بهما بإرسالِ النبيِّ الأميِّ بنحو
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِّ الْأُنِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ، مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ
التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وكان ◌ُهورُهُ وَّهِ نسخاً = فيَرِدُ عليه ما في
(التلويح)) مِن أنَّ الواقِعَ فيهما البشارةُ بشرعِ النبيِّي ◌َّه، وإيجابُ الرجوعِ إليه، وذلك
لا يَقتضي تَوقيتَ الأحكام؛ لاحتمالِ أنْ يَكونَ الرجوعُ إليه باعتبارٍ كونه مفسِّراً أو
مُقرِّراً أو مُبدِّلاً للبعضِ دون البعض، فمِن أين يَلزَمُ التوقيت؟ بل هي مُظْلَقَةٌ يُفهَم
منها التأبيدُ، فتبديلُها يكونُ نسخاً.
وأُجيبَ عن الاستشكالِ بأنَّه لا يَبْعد أنْ يُقال: إنَّ القائلين بالنسخ أرادوا به البيانَ
مجازاً، أو يقال: لعلَّهم فسَّروا الغايةَ بإماتتِهم أو بقيام الساعةِ، والتأبيدُ إنما يُنافي
إطلاقَ الحكم إذا كان غايةً للوجوب، وأمَّا إذا كان غايةً للواجب فلا، ويَجري فيه
النسخُ عند الجمهور؛ قاله مولانا السيالكوتي، إلا أنَّ الظاهرَ لا يُساعدُه، فتدبّر.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٢) تَذْبِيلٌ مُؤكِّد لِمَا فُهِم مِن سابقه، وفيه إشعارٌ
بالانتقامِ مِن الكفار، ووعْدٌ للمؤمنينَ بالنصرةِ والتمكين، ويحتملُ - على بُعْدٍ - أنْ
يكونَ ذكراً لموجبٍ قَبولِ أمرِه بالعفو والصفح، وتهديداً لِمَن يُخالفُ أمرَه.
﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ﴾ عطفٌ على فـ((اعفوا))، كأنه سبحانه أَمَرَهم
بالمخالفةِ والالتجاء إليه تعالى بالعبادةِ البدنيّةِ والماليةِ؛ لأنَّها تَدْفع عنهم ما يكرهُون،
(١) تفسير الرازي ٢٤٥/٣.

الآية : ١١٠
٣٨٩
سُورَةُ الْبَيْفَة
وقولُ الطبري(١): إنهم أُمِرو هنا بالصلاة والزكاة ليحبطَ ما تَقدَّم مِنْ ميلهم إلى قول
اليهود ((راعنا)) مُنحَظّ عَن درجةِ الاعتبارِ .
﴿وَمَا نُقَدُِّواْ لِأَمُسِكُ مِّنْ خَيْرٍ﴾ أي: أيّ خَيرٍ كان، وفي ذلك توكيدٌ للأمرِ بالعفو
والصفحِ، والصلاةِ والزكاةٍ، وتَرغيبٌ إليه، واللام نَفْعيَّة. وتَخْصيصُ الخيرِ بالصلاةِ
والصدقةِ خِلافُ الظاهر.
وقُرئ: ((تُقْدِموا)) من قَدِمَ مِن السفرِ، وأَقْدَمه غيره، أي: جعله قادماً، وهي
قريبٌ مِن الأولى لا من الإقدامِ ضدَّ الإحجام(٢).
﴿َجِدُوهُ عِندَ اللَّهُ﴾ أي: تَجِدوا ثوابَه لَدیه سبحانه، فالكلامُ على حَذْفٍ
مضافٍ. وقيل: الظاهرُ أنَّ المراد: تجدوه في علم الله تعالى، والله تعالى عالمٌ به
إلا أنَّه بالَغَ في كمال عِلْمِهِ، فَجَعل ثُبُوتَه في علْمِهِ بمنزلةِ ثبوتِ نفسِه عندَه، وقد أَّد
تلك المبالغةً بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (19)﴾ حيثُ جعَل جَميعَ
ما يعملون مُبصَراً له تعالى، فعبّر عن علمِهِ تعالى بالبصرِ مع أنَّ قليلاً ممَّا يَعملون
من المُبْصَرَات، وكأنه لهذا فسَّر الزمخشري (٣) البصيرَ بالعالِم، وأمَّا قولُ العلّامة:
إنّه إشارةٌ إلى نَفْي الصفاتِ، وأنَّه ليس معنى السمع والبصرِ في حقِّه تعالى إلَّا تَعلُّق
ذاتِهِ بالمعلوماتِ. ففيه أنَّ التفسيرَ لا يُفيدُ إلا أنَّ المرادَ مِن البصيرِ هاهنا العالم،
ولا دلالةً على كونه نفسَ الذات، أو زائداً عليه، ولا على أنْ ليس معنى السمع
والبصر في حقُّه تعالى سوى التعلَّقِ المذكور.
وقرئ: ((يعملون)) بالياء(٤)، والضميرُ حينئذٍ كنايةٌ عن ((كَثير))، أو عن («أهلِ
الكتاب))، فيكونُ تذييلاً لقوله تعالى: ((فاعفوا)» إلخ، مؤكّداً لمضمونِ الغابةِ،
والمناسبُ أنْ يكونَ وعيداً لأولئك ليكونَ تَسْلِيةً وتَوطيناً للمؤمنين بالعفو والصفحِ،
وإزالةً لاستبطاءِ إتيانِ الأمر.
وجُوِّزَ أنْ يكونَ كنايةً عن المؤمنينَ المخاطَبِين بالخطابات المتقدِّمة، والكلامُ وعيدٌ
(١) في تفسيره ٤٢٦/٢-٤٢٧
(٢) حاشية الشهاب ٢٢٣/٢، والقراءة في تفسير البيضاوي ١٨٠/١.
(٣) في الكشاف ١/ ٣٠٤.
(٤) تفسير البيضاوي ١/ ١٨٠.

سُورَةُ الْبَنَة
٣٩٠
الآية : ١١١
للمؤمنينَ، ويُستفادُ من الالتفاتِ الواقع من صَرْفِ الكلامِ من الخطابِ إلى الغيبة، وهو
النكتةُ الخاصَّةُ بهذا الالتفاتِ، ولا يَخفَى أنه كلامٌ لا ينبغي أن يُلتفت إليه .
﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَىُّ﴾ عَطْفٌ على ((وَذَّ) وما بينهما أعني
((فاعفوا واصفحوا)) إمَّا اعتراضٌ بالفاء، أو عطفٌ على ((وذَّ) أيضاً، وعَظْفُ الإنشاء
على الإخبار فيما لا محلّ له مِن الإعراب بما سِوى الواو جائزٌ، والضميرُ لأهل
الكتاب لا لكثير منهم، كما يتبادر من العطف.
والمرادُ بهم اليهودُ والنصارى جميعاً، وكأنَّ أصلَ الكلام: قالت اليهودُ لن
يَدخلَ الجنةَ إلا مَن كان هوداً، وقالتِ النصارى لن يَدخلَ الجنةَ إلا مَن كان
نصارى، فلفَّ بين هذين المقولَين، وجُعِلا مَقولاً واحداً اختصاراً، وَثِقةً بِفَهُم
السامع أنْ ليس المقصدُ أنَّ كلَّ واحدٍ من الفريقَين يقولُ هذا القول المردّد، وللعلمِ
بتضليل كلِّ واحدٍ منهما صاحبه، بل المقصدُ تَقْسيمُ القول(١) المذكورِ بالنسبةِ إليهم،
فكلمةُ ((أو)) كما في ((مغني اللبيب))(٢) للتفصيلِ والتقسيم لا للترديد، فلا غبار.
وهودٌ، جَمْعُ هائد كعُوذٌ جَمْع عائذ، وقيل: مصدرٌ يَستوي فيه الواحدُ وغيرُه.
وقيل: إنه مخفَّفُ يهود بحذفِ الياء، وهو ضعيفٌ. وعلى القول بالجمعية يكون
اسم ((كان)) مفرداً عائداً على ((مَن)) باعتبارٍ لَفْظِها، وجُمِعَ الخبر باعتبارِ معناها، وهو
كثيرٌ في الكلام خلافاً لِمَنْ مُنَعَه، ومنه قوله:
وأَيْقَظَ مَن كان مِنكُمْ نِيَامَا(٣)
وقرأ أبيُّ: ((يهودياً أو نصرانياً)) (٤) فَحَمَل الخبرَ والاسم معاً على اللفظ.
﴿يَلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ الأمانيُّ: جَمْعُ أُمنية، وهي ما يُتمنَّى، كالأُضحوكة
والأعجوبة. والجملةُ معترِضةٌ بين قولهم ذلك، وطَلَبِ الدليلِ على صِحَّةٍ دعواهم.
و((تلك)) إشارةٌ إلى ((لن يدخل الجنة)) إلخ، وجَمَعَ الخبرَ - مع أنَّ ما أُشير إليه أُمنيةٌ
(١) في الأصل: للقول.
(٢) ص ٩٢ - ٩٣.
(٣) لم نقف على تمامه، وهو في البحر ١/ ٣٥٠، والدر المصون ٧٠/٢.
(٤) معاني القرآن للفراء ٧٣/١، وتفسير الطبري ٤٢٩/٢، والكشاف ٣٠٤/١، والبحر ٣٥٠/١.

الآية : ١١١
٣٩١
سُوَّةُ الْبَّكْرَة
واحدة ـ ليَدلَّ على تردُّدِ الأُمنيةِ في نفوسهم وتكرُّرِها فيها، وقيل: إشعاراً بأنَّها
بلغتْ كلَّ مَبلغ؛ لأنَّ الجَمْعِ يُفيد زيادةَ الآحاد فَيُستعمل المطلَقِ الزيادةِ، وهذا مِنْ
بديعِ المجازِ ونفائسٍ البيان.
وقيل: لا حاجةً إلى هذا كلِّه، بل الجمعُ لأن ((تلك)) مُحتويةٌ على أَمانٍ: أنْ
لا يَدخلَ الجنةَ إلا اليهودُ، وأنْ لا يَدخُلَ الجنةَ إلا النصارى، وحرمان المسلمين
منها، وأيضاً فقائلُهُ مُتعدِّد، وهو باعتبارِ كلِّ قائلٍ أُمنية، وباعتبارِ الجميع أَمانٍ كثيرة.
ومن الناس مَن جعلها إشارةً إلى: أنْ لا يَنزِلَ على المؤمنين خيرٌ من ربِّهم،
وأَنْ يردُّوهم كفاراً، وأنْ لا يدخل الجنةَ غيرُهم. وعليه يكون ((أمانيُّهم)، تغليباً؛ لأنَّ
الأوَّلَيْنِ من قَبِيل المتمنَّات حقيقةً، والثالثُ دعوى باطلة.
وجوِّز أيضاً أنْ تكونَ إشارةً إلى ما في الآيةِ على حذفِ المضاف، أي: أمثالُ
تلك الأمنيةِ أمانيُّهم، فإنْ جعل الأمانيّ بمعنى الأكاذيبِ فإطلاقُ الأمنية على دعواهم
على سبيل الحقيقةِ، وإنْ جعل بمعنى المتمنَّيات فعلى الاستعارة تَشْبيهاً بالمتمنَّى في
الاستحالة. ولا يخفى ما في الوجهين من البعد لا سيما أوَّلهما؛ لأنَّ كلَّ جملةٍ ذُكِرَ
فيها ودُّهم لِشيءٍ قد انفصلَتْ وكَمُلَت واستقلَّتْ في النزول، فيَبعدُ جداً أن يُشارَ إليها .
﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَتَكُمْ﴾ أي: على ما اذَّعيتُموه مِن اختصاصِكم بدخولِ الجنَّةِ، فهو
مُتَّصلٌ معنَى بقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ﴾ إلخ، على أنه جوابٌ له لا غير.
و ((هاتوا)) بمعنى أَحضِرُوا، والهاءُ أَصليةٌ لا بدلٌ مِن همزةٍ ((آتوا))، ولا للتنبيه،
وهي فعلُ أمرٍ خلافاً لِمَن زَعَم أنها اسمُ فعلٍ، أو صوتٍ بمنزلة ((ها))، وفي مَجيء
الماضي والمضارعِ والمصدرِ من هذه المادة خِلافٌ. وأَثبتَ أبو حيان(١) هاتَى
يُهاتي مُهاتاةً.
والبرهان: الدليلُ على صِحَّةِ الدعوى، قيل: هو مأخوذٌ مِن البُرْهِ وهو القَطْعُ،
فتكونُ النونُ زائدةً. وقيل: من البَرْهَنَة وهو البيانُ، فتكون النونُ أصليةً لفقدانِ فَعْلَنَ
ووجودٍ فَعْلَلَ، ويُبنَى على هذا الاشتقاقِ الخلافُ في ((برهان)) إذا سُميٍّ به هل
يَنصرفُ، أوْ لا؟
(١) في البحر ٣٣٧/١.

سُورَةُ الْبَعْمَة
٣٩٢
الآية : ١١٢
﴾ جوابُ الشرط محذوف يدلُّ عليه ما قبله،
﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
ومُتعلِّقُ الصدقِ دعواهم السابقةُ، لا الإيمانُ ولا الأمانيُّ، كما قيل. وأَفهمَ التعليقُ
أنَّه لا بدَّ من البرهان للصادقِ ليُثْبِتَ دعواه، وعُلِّل بأنَّ كلَّ قولٍ لا دليل عليه غيرُ
ثابتٍ عند الخصم فلا يُعتدُّ به، ولذا قيل: مَنِ ادَّعى شيئاً بلا شاهدٍ لا بدَّ أنْ تَبْطُلَ
دعواه. وليس في الآية دليلٌ على مَنْع التقليدِ، فإنَّ دليلَ المقلَّد دليلهُ كما لا يَخفَى.
وتفسيرُ الصدقِ هنا بالصلاحِ ممَّا لا يدعو إليه سوى فسادُ الذهنِ.
﴿بَلَ﴾ ردِّ لقولهم الذي زَعموه، وإثباتٌ لِمَا تَضمَّنه مِنْ نفي دُخُول غيرِهم
الجنةَ، والقول: بأنَّه ردٌّ لِمَا أشارَ إليه ((قل هاتوا برهانكم)) مِن نفي أنْ يكونَ لهم
برهانٌ، ممَّا لا وجْهَ له ولا برهانَ عليه.
﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: انقادَ لِمَا قضى الله تعالى وقَدَّر، أَو أَخلَصَ له
نفْسَه، أو قَصَده فلم يُشرِك به تعالى غيرَه، أو لم يَقصِدْ سواه، فالوجهُ إمَّا مستعارٌ
لذات، وتخصيصُه بالذكرِ لأنه أَشْرَفُ الأعضاء ومَعْدِنُ الحواسِ، وإمَّا مجازٌ عن
القصد؛ لأنَّ القاصدَ للشيءِ مُواچِه له.
﴿وَهُوَ يُحْسِنٌ﴾ حالٌ من ضمير (أَسْلَم))، أي: والحالُ أنه مُحسِنٌ في جميع
أعماله، وإذا أُريدَ بما تقدَّم الشركُ يؤول المعنى إلى: آمن وعمل الصالحات، وقد
فسَّر النبيُّلَ﴿ الإحسانَ بقوله: ((أنْ تعبدَ الله كأنكَ تَراه فإنْ لم تَكُنْ تراه فإنه يَراك))(١).
﴿فَلَهُ: أَجْرُءُ﴾ أي: الذي وعد له على ذلك، لا الذي يَستوجبُه، كما قاله
الزمخشري(٢) رعايةً لمذهب الاعتزال، والتعبيرُ عمَّا وعد بالأجر إيذاناً بقوةٍ ارتباطه
بالعمل.
﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ حال من «أجره)) والعاملُ فيه معنى الاستقرار، والعنديَّة للتشريف،
والمرادُ: عدمُ الضياعِ والنقصان، وأتى بـ ((الربِّ)) مضافاً إلى ضميرٍ (مَن أسلم)
إظهاراً لِمَزيدِ اللَّطف بَ، وتقريراً لمضمون الجملةِ.
(١) قطعة من حديث جبريل، أخرجه أحمد (٩٥٠١)، والبخاري (٥٠)، ومسلم (٩) عن
أبي هريرة
(٢) في الكشاف ٣٠٥/١.

الآية : ١١٣
٣٩٣
سُورَةُ البَّفْقَة
والجملةُ جواب ((مَن)) إنْ كانت شرطية، وخَبَرُها إنْ كانت موصولةً: والفاءُ فيها
لتضمُّنها معنى الشرطِ، وعلى التقديرَين يكونُ الردُّ بـ ((بلى)) وحده، وما بعده كلامٌ
مُستأنَفٌ، كأنه قيل: إذا بطلَ ما زعموه فما الحقُّ في ذلك؟
وجوِّز أنْ تكونَ ((مَن)) موصولةً فاعلاً لِيَدْخلُها محذوفاً، و((بلى)) مع ما بعدها ردِّ
لقولهم، ويكون «فله أجره)» معطوفاً على ذلك المحذوفِ عَظْف الاسمية على
الفعلية؛ لأنَّ المرادَ بالأولى التجدُّدُ، وبالثانية الثبوتُ، وقد نصَّ السكاكيُّ بأنَّ
الجملتين إذا اختلفتا تجدُّداً وثُبوتاً يُراعى جانبُ المعنى فيتعاطفان.
تقدَّم مثلُه، والجمعُ في الضمائر الثلاثة
﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ (١):
باعتبار معنى ((مَن)) كما أنَّ الإفرادَ في الضمائرِ الأُوَلِ باعتبارِ اللفظ، ويَجوزُ في مثل
هذا العكسُ إلا أنَّ الأفصحَ أنْ يُبدأ بالْحَمْل على اللفظ، ثم بالحمل على المعنى
لتقدُّم اللفظ عليه في الأفهام.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ﴾ المرادُ
يهودُ المدينة ووفدُ نصارى نجران، تَمَارَوا عند رسول اللهِوَّهِ وتَسابُّوا، وأَنكرتٍ
اليهودُ الإنجيلَ ونُبُوَّةَ عيسى عليه السلام، وأَنكرَ النصارَى التوراةَ ونبوَّةَ موسى عليه
السلام(١). فـ ((أل)) في الموضعَين للعهدِ.
وقيل: المرادُ عامَّةُ اليهود وعامَّة النصارى، وهو مِن الإخبار عن الأُمم
السالفةِ، وفيه تقريعٌ لِمَن بحضرتِهِ وَّهِ، وتَسليةٌ له عليه الصلاة والسلام، إذْ كَذَّبوا
بالرسُلِ والكتب قبله، فـ ((أل)) في الموضعَين للجنسِ.
والأولُ هو المرويُّ في أسبابِ النزول(٢)، وعليه يحتمل أنْ يكونَ القائلُ كلَّ
واحدٍ من آحادِ الطائفتَينِ وهو الظاهرُ، ويحتمل أن يكونَ المرادُ بذلك رجلان، رجلٌ
مِن اليهودِ يقال له: نافعُ بن حرملة، ورجل من نصارى نجران، ونسبةُ ذلك للجميع
حيث وَقَع من بعضهم، وهي طريقةٌ معروفةٌ عند العربِ في نَظْمها ونَثْرها، وهذا بيانٌ
لتضليلِ كلِّ فريقٍ صاحبَه بخصوصه إثْرَ بيانٍ تضليله كلَّ مَنْ عَدَاه على وَجْه العموم.
و((على شيء)) خبرُ ((ليس))، وهو عند بعضٍ من باب حَذْف الصفة، أي: شيءٍ
(١) أخرجه الطبري ٢/ ٤٣٤-٤٣٥، وابن أبي حاتم ٢٠٨/١ من حديث ابن عباس
(٢) أسباب النزول للواحدي ص٣٣، وللسيوطي ص٢٨. وقد سلف تخريجه في التعليق السابق.

سُورَةُ الَّنَة
٣٩٤
الآية : ١١٣
يُعتَدُّ به في الدِّين؛ لأنه منَ المعلوم أنَّ كلَّ منهما على شيءٍ، والأَوْلَى عدمُ اعتبار
الحذفِ، وفي ذلك مبالغةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّ الشيءَ - كما يشير إليه كلام سيبويه - ما يصحُّ
أنْ يُعلَمَ ويُخْبِرَ عنه (١)، فإذا نُفِيَ مطلقاً كان ذلك مبالغةً في عدمِ الاعتداد بما هُمْ
عليه، وصار كقولهم: أقلُّ مِنْ لا شيء.
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَّ﴾ حالٌ من الفريقَين بجَعْلهما فاعلَ فِعْلٍ واحدٍ؛ لئلّا يَلزمَ
إعمالُ عاملين في معمولٍ واحدٍ، أي: قالوا ذلك وهم عالِمون بما في كُتبهم الناطقةِ
بخلافٍ ما يقولون، وفي ذلك تَوبيخٌ لهم وإرشادٌ للمؤمنين إلى أنَّ مَنْ كان عالِماً
بالقرآن لا يَنبغي أنْ يقولَ خِلاف ما تَضمَّنه.
والمرادُ من ((الكتاب)): الجنس، فيَصدُقُ على التوراةِ والإنجيلِ. وقيل: المرادُ
به التوراة؛ لأنَّ النصارى تَمْتَئِلُها أيضاً.
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وهم مُشرِكو العرب في قول الجمهور. وقيل:
مُشرِكو قريش. وقيل: هم أُممٌ كانوا قبل اليهودِ والنصارى.
وأمَّا القول بأنَّهم اليهودُ، وأُعِيدَ قولهم مثل قول النصارى، ونفي عنهم العلِمُ
حيثُ لم يَنْتَفعوا به، فالظاهرُ أنَّه قولُ الذين لا يعلمون.
والكاف من ((كذلك)) في موضع نَصبٍ على أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ منصوب
بـ ((قال) مُقدَّم عليه، أي: قولاً مثل قولِ اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون،
ويكون ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ على هذا منصوباً بـ ((يعلمون)) والقولُ بمعنى الاعتقاد، أو
بـ ((قال)) على أنه مفعولٌ به أو بدلٌ من محلِّ الكاف.
وقيل: ((كذلك)) مفعولٌ به، و((مِثْلَ)) مفعولٌ مطلَق، والمقصودُ تَشبيهُ المقولِ
بالمقولِ في المؤدَّى والمَحصول، وتَشبيهُ القولِ بالقولِ في الصُّدور عن مُجَرَّد
التشهِّي والهوى والعصبية.
وجَوَّزوا أنْ تكونَ الكافُ في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، والجملةُ بعدَه خبرُه والعائدُ
محذوفٌ، أي: قاله، و((مِثلَ)) صِفةُ مَصدَرٍ محذوف، أو مفعولُ ((يعلمون))، ولا يجوز
أن يكونَ مفعولَ ((قال))؛ لأنه قد استوفَى مفعوله. واعتُرض هذا بأنَّ حَذْف العائد
(١) ينظر الكتاب ٢٢/١، وحاشية الشهاب ٢٢٤/٢.

الآية : ١١٣
٣٩٥
سُورَةُ الََّة
على المبتدأ - الذي لو قُدِّر خُلُوُّ الفعلِ عن الضمير لنَصبَه - ممَّا خَصَّه الكثيرُ
بالضرورةِ ومَثَّلوا له بقوله:
وخالدٌ يخمَدُ سَادَاتُنَا بالحَقِّ لا يُحمَدُ بالباطلِ (١)
وقيل عليه وعلى ما قبلَه: إنَّ استعمال الكاف اسماً وإنْ جَوَّزَه الأخفش، إلا أنَّ
جماعةٌ خَصُّوه بضرورةِ الشعر، مع أنَّه قد يُؤْوَّل ما وَرَدَ منه فيه، على أنَّه لا يخفى ما في
توجيه التشبيهين - دفعاً لتوهُّم اللَّغْوية - من التكلُّفِ والخروج عن الظاهر، ولعلَّ الأَوْلَى
أنْ يُجعلَ: ((مثل قولهم)) إعادةً لقوله تعالى: ((كذلك))؛ للتأكيدِ والتقريرِ، كما في قوله
تعالى: ﴿َُّهُ مَنْ رُجِدَ فِ رَحْلِهِ، فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥]، وبه قال بعضُ المحقّقين.
وقد يُقال: إنَّ (كذلك)) ليسَتْ للتشبيه هنا، بل لإفادةِ أنَّ هذا الأمر عظيمٌ مُقرَّر،
وقد نقل الوزيرُ عاصمُ بنُ أيوبَ(٢) في شرحٍ قولِ زهير :
إذا مَسَّتْهُمُ الضَرَّاءُ خِيْمُ (٣)
كذلكَ خِيْمُهم ولكلِّ قومٍ
عن الإمام الجُرجانيّ أنَّ((كذلك)) تأتي للتثبيت إمَّا لخبرٍ مقدَّم، وإمَّا لخبرٍ مُتأخّر،
وهي نقيضُ (كلَّا))؛ لأنَّ ((كلَّا)) تنفِي و((كذلك)) تُثْبِت، ومثلُه ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِ قُلُوبٍ
الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٢١].
وفي (شَرْح المفتاح)) الشريفي(٤): إنَّه ليس المقصودُ مِنَ التشبيهاتِ هي المعاني
الوضعية فقط؛ إذ تَشْبيهاتُ البُلغاءِ قَلَّمَا تَخْلو من مَجَازَاتٍ وكِناياتٍ، فنقول: إنَّا
رَأيناهم يستعملون كذا وكذا للاستمرار تارةً، نحو: عَدْلُ زيدٍ في قضيةِ فلانٍ كذا
وهكذا، أي: عدلٌ مستمرٌّ، وقال الحماسيُّ:
(١) نسبه ابن عصفور في المقرَّب ٨٤/١ الأسود بن يعفر، وهو دون نسبة في الجمل للخليل
ص٣٦، والمغني ص٧٩٦، والبحر ٣٥٤/١، والدر المصون ٧٦/٢.
(٢) أبو بكر البَطَّلْيوسي الأديب، كان لغوياً أديباً فاضلاً ثقة، توفي سنة (٤٩٤ هـ). الوافي
بالوفيات ٥٦٣/١٦، ونقل المصنف قوله عن حاشية الشهاب ٢/ ٢٥٠.
(٣) البيت في ديوان زهير ص٢١٣، قال ثعلب شارح الديوان: الخِيم: الخُلُق والطبيعة والسليقة
ومعنى البيت كما ذكر الشهاب: أن هرماً وآباءه ثبت لهم حسن الخلق في دفع الملمات إذا
نزلت بقومهم وإن كانت الأخلاق تتغير عند نزول الشدائد وحلول العظائم.
(٤) يعني به: شرح مفتاح العلوم، للشريف علي بن محمد الجرجاني.

سُوَّةُ الْبَحْدَة
٣٩٦
الآية : ١١٣
بنَى العلمُ فيهِ وَيَذْرُسُ الأَثر (٢)
فهكذا(١) يذهبُ الزمانُ ويَف
نصَّ عليه التبريزي في ((شَرْح الحماسة))(٣)، وله شواهدُ كثيرةٌ، وقال في شَرْح
قول أبي تمام:
كذا فليجِلَّ الخطبُ وليفدح الأمرُ
إنّه للتهويلِ والتعظيم (٤)، وهو في صَدْر القصيدة لم يُسْبَقْ ما يُشبَّهُ به، وسيأتي
لذلك تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ الله تعالى.
وإنَّما جُعل قولُ أولئك مُشبَّهَا به لأنه أَقبحُ؛ إذ الباطلُ من العالِم أَقبحُ منه من
الجاهل، وبعضُهم يَجعلُ التشبيه على حدٍّ ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوْاْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وفيه
من المبالغةِ والتوبيخ على التشبُّه بالجُهَّال ما لا يَخفى. وإنَّما وُبِّخُوا - وقد صَدقُوا إذ
كِلَّا الدينَين بعدَ النسخِ ليس بشيء - لأنَّهم لم يَقصدوا ذلك، وإنما قَصَدَ كلُّ فريقٍ
إيطالَ دینِ الآخَرِ مِن أَصلِهِ، والكفرَ بنبيِّه وكتابه، على أنه لا يصحُّ الحكمُ بأنَّ كِلَا
الدينَين بعد النسخ ليس بشيءٍ يُعتَدُّ به؛ لأنَّ المتبادِر منه أنْ لا يكونَ كذلك في حَدِّ
ذاته، وما لا يُنْسَخُ منهما حقٌّ واجبُ القبول والعمل، فيكون شيئاً مُعتدًّا به في حَدِّ ذاته
وإنْ لم(٥) يكنْ شيئاً بالنسبة إليهم؛ لأنَّه لا انتفاع بما لم يُنْسَخْ مع الكفر بالناسخ.
﴿فَلَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾﴾ أي: بين اليهودٍ
والنصارى، لا بين الطوائفِ الثلاثة؛ لأنَّ مَساقَ النظم لبيانِ حالِ تَيْنِكَ الطائفتين،
والتعرُّضُ لمقالةٍ غيرهم لإظهارِ كمالِ بُطلان مَقالهم.
(١) في الأصل: وهكذا، وفي (م) وحاشية الشهاب ١/ ٢٥٠، و(الكلام منه): هكذا، والمثبت
من المصادر على ما يأتي.
(٢) شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٠٥٨/٣، وللتبريزي ٥١/٣، وهو فيهما منسوب لرجل
من بني أسد، ونسب لعبد الأعلى ابن كناسة في الحماسة البصرية ٢٤٣/١-٢٤٤، ومعجم
الأدباء ٢٦٦/١٠.
(٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب، ولم نقف عليه في شرح الحماسة للتبريزي، وهو في شرح
الحماسة المرزوقي ١٠٥٩/٣.
(٤) لم نقف على هذا الكلام في شرح التبريزي للديوان، والبيت عجزه: فليس لعين لم يَفِضْ
ماؤها عذرُ. دیوان أبي تمام بشرح التبريزي ٧٩/٤.
(٥) قوله: لم، ساقط من الأصل.

التفسير الإشاري (١٠٦-١١٣)
٣٩٧
سُؤَةُ الْبَقَة
والحُكمُ: الفصْلُ والقضاء، وهو يَستدعي جَارَّين؛ فيقال: حَكَمَ القاضي في
هذه الحادثةِ بكذا، وقد حُذفَ هنا أحدُهما اختصاراً وتفخيماً لشأنه، أي: بما يقسمُ
لكلِّ فريقٍ ما يَليقُ به من العذابِ. والمُتبادِرُ مِن الحكم بين فريقين: أنْ يحكمَ
لأحدِهما بحقِّ دونَ الآخر، فكأنَّ استعمالَه بما ذكر مَجازٌ. وقال الحسن: المرادُ
بالحُكْم بين هذين الفريقين: تكذيبُهم وإدخالُهم النار. وفي ذلك تَشرِيكٌ في حُكمٍ
واحد، وهو بعيدٌ عن حقيقة الحكم.
و((يوم)) متعلّقٌ بـ ((يحكم))، وكذا ما بعدَه، ولا ضيرَ لاختلافِ المعنى، و((فيه))
متعلَّقٌ بـ ((يختلفون)) لا بـ ((كانوا))، وقُدِّم عليه للمحافظةِ على رؤوسِ الآي.
ومن بابِ الإشارةِ في الآيات: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ أي: ما نُزيلُ مِن صِفاتكَ
شيئاً عن ديوانِ قلبكَ، أو نُخفيه بإشراقٍ أنوارِنا عليه، إلا ونَرقُم فيه من صِفاتنا التي
لا تَظِنُّ قابليَّتَك لِمَا يُشاركُها في الاسم، والتي تظنُّ وجودَ ما لا يشاركها فيك.
((ألم تَعلَمْ أنَّ الله له مُلكُ)) عالَمِ الأرواحِ وأرضِ الأجسادِ، وهو المتصرِّفُ فيهما بيدٍ
قُدرتِهِ، بل العوالمُ على اختلافِها ظاهرُ شؤون ذاته، ومَظْهَرُ أسمائه وصفاته، فلم
يبقَ شيءٌ غیرُه ینصرُکم ویلیکم.
﴿أَمْ تُرِدُونَ أَنْ تَسْعَلُوا﴾ رسولَ العقلِ، من اللذَّات الدنيَّة والشهواتِ الدنيويَّة
﴿كَمَا سُبْلَ مُوسَى﴾ القلبِ مِن قَبْلُ، ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾ الظّلْمة بالنور ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾
الطريق المستقيم.
وقالتِ اليهودُ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ المعهودةَ عندهم، وهي جَنَّهُ الظاهرِ وعالَم
الملك، التي هي جنةُ الأفعالِ وجنةُ النفسِ ﴿إِلَّا مَن كَانَ هُودًا﴾ .
وقالت النصارى ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ المعهودةَ عندهم، وهي جنةُ الباطِنِ وعالم
الملكوت، التي هي جنةُ الصفات وجنةُ القلب ﴿إِلَّا مَن كَانَ﴾ نصرانيًّا، ولهذا قال
عيسى عليه السلام: لن يَلِجَ ملكوت السماوات مَنْ لم يُولَد مَرَّتين.
﴿َتِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ أي: غايةُ مطالبِهِم التي وَقَفُوا على حدِّها واحتجَبُوا بها عمَّا
فوقَها، ﴿قُلْ هَاتُوا﴾ دليلَكم الدالَّ على نَفْي دُخُولِ غيرِكم ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾
في دعواكم.

سُورَةُ الْبَحَة
٣٩٨
الآية : ١١٤
بل الدليلُ دَلَّ على نَقيضِ مُدَّعاكم، فإنَّ ﴿مَنْ أَسْلَمَ رَجْهَهُ﴾ وخَلَّصَ ذاتَه مِن
جميع لوازمِها وعوارضِها ﴿لِلّهِ﴾ تعالى، بالتوحيدِ الذاتيّ عند المَحْوِ الكُلِّي، وهو
مُستقيمٌ في أحواله بالبقاء بعد الفناء، مُشاهِدٌ ربَّه في أعماله، راجعٌ مِن الشهودٍ
الذاتيٌّ إلى مَقام الإحسانِ الصِّفاتي، الذي هو المشاهدةُ للوجود الحقَنيّ(١)، ﴿فَلَهُ
أَجْرُمُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: ما ذكرتُم من الجنة، وأَصفى لاختصاصه بمقام العندية التي
حُجْبتُم عنها، ولهم زيادةٌ على ذلك، هي عَدَمُ خوفِهم مِن احتجابِ الذاتِ، وعَدَمُ
حُزْنهم على ما فاتَهم مِن جنةِ الأفعال والصفاتِ التي حُجبتُم بالوقوفِ عندها .
﴿وَقَالَتِ الْبَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ﴾ لاحتجابهم بالباطِنِ عن الظاهرِ،
﴿وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ﴾ لاحتجابهم عن الباطِن بالظاهرِ، ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ
الكِنَبُّ﴾ وفيه ما يُرشِدُهم إلى رَفْعِ الحجابِ، ورُؤيةٍ حَقِّيةِ كلِّ مذهبٍ في مَرتبتِهِ،
﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المراتَبَ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾، فَخظَّأَ كلُّ فِرقةٍ منهم الفرقةَ
الأخرى، ولم يُميِّزوا بينَ الإرادةِ الكونية والإرادةِ الشرعيةِ، ولم يَعرفوا وجْهَ الحقِّ
في كلِّ مرتبةٍ من مَراتبٍ الوجودِ، ﴿فَاللَّهُ﴾ تعالى الجامعُ لجميعِ الصفاتِ على
اختلافٍ مَراتبها وتفاوتٍ درجاتها ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ بالحقِّ في اختلافاتهم يوم قيامٍ
القيامةِ الكبرى، وظُهورِ الوحدةِ الذاتيَّة، وتَجلِّ الربِّ بصُوَرِ المعتقداتِ حتى
يُنكروه(٢)، فلا يَسجد له إلا مَن لم يُقَيِّدْهُ سبحانه حتى بقَيدِ الإطلاقِ.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ تَنَعَ مَسَاجِدَ الَّهِ﴾ نزلت في طيطوس بن إسيانوس الرومي
وأصحابِهِ، وذلك أنهم غَزَوا بني إسرائيلَ، فقتلوا مُقاتليهم، وسَبَوا ذراريهم،
وحَرَقُوا التوراةَ، وَخَربوا بيتَ المقدسِ، وقَذَفوا فيه الجِيَفَ، وذَبحُوا فيه الخنازيرَ،
وبَقي خراباً إلى أنْ بناه المسلمونَ في أيامٍ عمرَ بنِ الخَطَّابِ ظُه.
وروى عطاء عن ابنِ عباسٍ ﴿ّ: أنها نَزَلت في مُشركي العربِ، مَنَعَوا
المسلمينَ من ذِكْر الله تعالى في المسجدِ الحرام.
(١) في تفسير ابن عربي ١/ ٧٠ (والكلام منه): الذي هو المشاهدة بالوجود الحقاني لمكان
الاستقامة والعبادة لا بالوجود النفساني.
(٢) في (م): ينكرونه.

الآية : ١١٤
٣٩٩
سُورَةُ النَّفَة
وعلى الأول: تكونُ الآيةُ معطوفةً على قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَرَى﴾ عَظْفَ
قصةٍ على قصةٍ، تقريراً لقبائحهم. وعلى الثاني: تكونُ اعتراضاً بأكثر مِنْ جُملةٍ بَيْن
المعطوف، أعني: ((قالوا اتخذ»، والمعطوفِ عليه، أعني: ((قالت اليهودُ))، لبيانٍ
حالِ المشركينَ الذين جرى ذِكْرهم، بياناً لكمالِ شناعةٍ أهل الكتاب، فإنَّ المشركينَ
الذين يَضاهُونَهم إذاً كانوا أَظلمَ الكَفَرةِ. وظاهرُ الآيةِ العمومُ في كلِّ مانعٍ وفي كلِّ
مسجدٍ، وخُصوصُ السببٍ لا يَمنعهُ.
و((أظلمٌ)) أفعلُ تفضيلٍ خبر عن ((مَن))، ولا يراد بالاستفهام حقيقته، وإنما هو
بمعنى النفي فيؤُول إلى الخبر، أي: لا أحد أظلمُ مِن ذلك، واستشكل بأن هذا
التركيب قد تكرَّر(١) في القرآن ك: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِثَايَتِ رَيِّهِ، ثُرَ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾
[السجدة: ٢٢] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنْ كَذَّبَ
◌ِكَايَتِ اَللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٧] إلى غير ذلك، فإذا كانَ المعنى على هذا لَزِمَ التناقضُ.
وأُجيبَ بالتخصيصِ؛ إمَّا بما يُفهَمُ مِن نفسِ الصِّلات، أو بالنسبة إلى مَن جاء
بعدُ مِن ذلك النوع، ويؤول معناه إلى السَبْق في المانعيَّة أو الافترائيَّة مثلاً،
واعترض بأنَّ ذلك بُعدٌ عن مدلولِ الكلامِ ووَضْعِهِ العربيِّ، وعُجْمةٌ في اللسان يَتَبعُها
استعجامُ المعنى، فالأَوْلَى أنْ يُجابَّ بأنَّ ذلك لا يدلُّ على نَفْي التسويةِ في
الأظْلميَّة، وقصارى ما يُفهمُ من الآيات أَظْلميَّةُ أولئك المذكورِينَ فيها ممَّن عداهم،
كما أنك إذا قلتَ: لا أحدَ أفقهُ مِن زيدٍ وعمروٍ وخالدٍ، لا يَدُّ على أكثر مِن نَفْي
أنْ يَكونَ أحدٌ أَفقَهَ منهم، وأمَّا أنه يدلُّ على أنَّ أحدَهم أفقَهُ من الآخر فلا .
ولا يَرِدِ أنَّ مَنْ منع مساجد الله مثلاً ولم يقترِ على الله كذباً أقلُّ ظلماً ممَّن جَمَعَ
بينهما، فلا يكون مُساوياً في الأظلميَّة؛ لأنَّ هذه الآياتِ إنما هي في الكفار وهم
مُتساوونَ فيها، إذ الكفرُ شيءٌ واحد لا يُمكنُ فيه الزيادة بالنسبة لأفرادٍ منَ اتصفَ
به، وإنَّما تُمكِنُ بالنسبة لهم ولعصاة المؤمنين بجامعٍ ما اشتركوا فيه مِن المُخالفة.
قاله أبو حيان(٢). ولا يخفى ما فيه.
وقد قال غيرُ واحدٍ: إنَّ قولك: مَن أظلمُ ممَّن فعلَ كذا، إنكارٌ لأنْ يكونَ أحدٌ
(١) في (م): تقرر، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في البحر ٣٥٧/١، والكلام منه.
(٢) في البحر ٣٥٧/١.

سُوَّةُ الْجَعَة
٤٠٠
الآية : ١١٤
أَظلمَ منه أو مساوياً له، وإنْ لم يَكن سَبْكُ التركيبِ مُتعرِّضاً لانكارِ المساواةِ
ونَفْيها، إلا أنَّ العرفَ الفاشيَ والاستعمالَ المُطَّرَدَ يَشهد له، فإنه إذا قيل: مَن أَكرمُ
منْ فلانٍ، أو: لا أَفْضَلَ مِن فلانٍ، فالمرادُ به حتماً أنه أَكرمُ مِن كلِّ كريمٍ، وأفضلُ
مِن كلِّ فاضلٍ، فلعلَّ الأَولى الرجوعُ إلى أحدِ الجوابَين مع ملاحظةِ الحيثيّة.
وإنْ جَعلْت ذلك الكلام مُخرجاً مخرجَ المبالغةِ في التهديد والزَّجر، مع قَطْعِ
النظرِ عن نَفْي المساواة أو الزيادةِ في نفسِ الأمرِ - كما قيل به - مُحكِّماً العُرفَ
أيضاً، زال الإشكالُ، وارتفعَ القيلُ والقالُ، فَتَدبَّرْ.
﴿أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: مفعولٌ ثانٍ لـ (((منَعَ))، أو مفعولٌ مِن أَجله بمعنى: مَنَعها
كراهيةَ أنْ يُذْكَر. أو بدلُ اشتمالٍ مِن ((مساجدَ»، والمفعولُ الثاني إذن مقدَّرٌ، أي:
عمارتَها، أو: العبادةَ فيها، أو نحوه، أو: الناسَ مساجدَ الله تعالى، أو لا تقديرَ
والفعلُ مُتعدٍّ لواحدٍ. وكنى بذكرٍ اسم الله تعالى عمَّا يُوقَعُ في المساجدِ من
الصلوات والتقرُّبات إلى الله تعالى بالأفعالِ القلبيةِ والقالبيَّةِ المأذونِ بفعلها فيها .
﴿وَسَعَى فِى خَرَبِهَا﴾ أي: هَذْمِها وتَعطيلِها، وقال الواحدي: إنه عَظْفُ تَفْسْيرٍ؛
لأنَّ عمارَتَها بالعبادةِ فيها(١).
﴿أُوْلَكَ﴾ الظالمونَ المانعونَ السَّاعون في خَرابها ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا
◌َآيَفِينٌ﴾ اللام في ((لهم) إمَّا للاختصاص على وَجْه اللياقة، كما في: الجَلُّ للفرس،
والمرادُ مِنَ الخوفِ: الخوفُ من الله تعالى. وإمَّا للاستحقاقِ كما في: الجنةُ للمؤمنِ،
والمرادُ من الخوف: الخوفُ من المؤمنين. وإما لمجرَّد الارتباطِ بالحصول، أي:
ما كانَ لهم في عِلْم الله تعالى وقَضائِهِ أنْ يَدخلوها - فيما سيجيءُ - إلَّا خائفين.
والجملةُ على الأول: مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ نَشَأ من قوله تعالى: ﴿وَسَعَى فِي
خَرَبِهَا﴾ كأنه قيل: فما اللَّائقُ بهم؟ والمرادُ مِنَ الظلمِ حينئذٍ: وَضْعُ الشيءِ في غيرِ
موضعه .
وعلى الثاني: جوابُ سؤالٍ ناشئ من قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِتَن ◌َّنَعَ﴾ كأنه
قيل: فما كانَ حقُّهم؟ والمرادُ من الظلمِ: التصرُّفُ في حقِّ الغير.
(١) الوسيط ١٩٣/١، دون قوله: إنه عطف تفسير.