Indexed OCR Text

Pages 361-380

الآية : ١٠٢
٣٦١
سُورَةُ الْبَقَة
بشيءٍ؛ لأنه مؤثِّرٌ فيه، وجزءُ الشيء لا يؤثِّر فيه، وأيضاً الفصل بين المتضايفين
بالظرف - وإن سُمِع - من ضرائر الشعر كما صرَّح به أبو حيان(١)، ولظنِّ تَعيُّنٍ هذا
مَخرجاً قال ابنُ جِنِّي: إنَّ هذه القراءةَ أبعدُ الشواءٌ(٢).
﴿إِلَّا بِإِذْنِ الَِّ﴾ استثناءٌ مُفرَّغٌ من الأحوال، والباءُ مُتعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً
من ضمير ((ضارِّين))، أو من مفعوله المعتمِدِ على النفي، أو الضميرِ المجرورِ في
(به))، أو المصدرِ المفهومِ من الوصف.
والمرادُ من الإذنِ هنا: التخليَةُ بينَ المسحورِ وضررِ السحرِ؛ قاله الحسن. وفيه
دليلٌ على أنَّ فيه ضرراً مُودَعَاً، إذا شاء الله تعالى حَالَ بينَهُ وبينَهُ، وإذا شاء خلَّاه
وما أَودعَه فيه، وهذا مذهبُ السلفِ في سائرِ الأسبابِ والمسبّبات.
وقيل: الإذن بمعنى الأمرِ، ويُتجوَّز به عن التكوينِ بعلاقةِ ترتّبِ الوجودِ على
كلٍّ منهما في الجملةِ، والقرينةُ عدمُ كونِ القبائح مأموراً بها، ففيه نفيُّ كونٍ
الأسبابِ مؤثِّرةً بنفسِها، بل بجعلِهِ إِيَّاها أسباباً إما عادَيَّةً أو حقيقيةً.
وقيل: إنه هنا بمعنى العلم، وليس فيه إشارةٌ إلى نَفي التأثيرِ بالذات كالوجهَين
الأوَّلَين.
﴿وَيَتَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ لأنَّهم يَقصِدون به العمل قَصْداً جازماً، وقَصْدُ المعصيةِ
كذلك مَعصيةٌ، أو لأنَّ العلمَ يَدعو إلى العملِ ويَجرُّ إليه، لاسيما عمل الشرِّ الذي
هو هوى النفسِ. فصيغةُ المضارعِ للحالِ على الأول، وللاستقبال على الثاني.
﴿وَلَا يَنَفَعُهُمْ﴾ عطفٌ على ما قبلَه للإيذانِ بأنه شرٌّ بَحْتٌ، وضررٌ محضّ،
لا كبعضِ المضارِّ المشوبةِ بنفع وضَرَرٍ؛ لأنهم لا يقصِدون به التخلّصَ عن الاغترارِ
بأكاذيبِ السَّحَرةِ، ولا إماطة الأذى عن الطريق، حتى يَكونَ فيه نفعٌ في الجملةِ.
وفي الإتيانِ بـ ((لا)) إشارةٌ إلى أنَّه غيرُ نافع في الدارَين؛ لأنه لا تَعلَّقَ له بانتظام
المَعَاشِ ولا المَعَادِ. وفي الحُكم بأنه ضارٌ غيرُ نافعٍ تحذيرٌ بليغٌ - لِمَنْ أَلقَى السمعَ
وهو شهيدٌ - عن تَعَاطِيهِ، وتَحريضٌ على التحرُّزِ عنه.
(١) في البحر ٣٣٢/١، وينظر ردُّ السمين في الدر المصون ٤٢/١ عليه.
(٢) في المحتسب ١٠٣/١.

سُوَّةُ الْبَحْدَة
٣٦٢
الآية : ١٠٢
وجَوَّز بعضُّهم أنْ يكونَ ((لا ينفعهم)) على إضمار ((هو))، فيكون في موضِع رفعٍ،
وتكون الواو للحال، ولا يَخفى ضعفُه.
﴿وَلَقَدْ عَلِّمُوا﴾ مُتعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَّةَهُمْ﴾ إلخ، وقصَّةُ السحرِ مُستطردَةٌ
في البَيْنِ، فالضميرُ لأولئك اليهود. وقيل: الضميرُ لليهودِ الذين كانوا على عهدٍ
سليمان عليه السلام. وقيل: للملكَين؛ لأنهما كانا يَقولان: ((فلا تكفر))، وأتى
بضميرِ الجمعِ على قولِ مَن يَرى ذلك.
﴿لَمَنِ اشْتَّهُ﴾ أي: استبدلَ ما تَتلو الشياطينُ بكتابِ الله، واللام للابتداء،
وتَدخلُ على المبتدأ وعلى المضارعِ، ودُخولُها على الماضي مع ((قد)) كثيرٌ، وبدونِهِ
مُمْتَنِعٌ، وعلى خبرِ المبتدأ إذا تَقَدَّم عليه، وعلى مَعمولِ الخبرِ إذا وقَعَ مَوقِع المبتدأ،
والكوفيُّون يَجعلونها في الجميع جوابَ القسم المقدَّر، وليس في الوجودِ عندهم
لامُ ابتداءٍ، كما يُشير إليه كلام الرَّضيِّ. وقد عُلِّقت هنا ((عَلِمَ)) عن العمل سواءٌ
كانتْ مُتعدِّيةً لمفعولٍ أو مفعولَين، فـ ((مَنْ)) موصولةٌ مبتدَأٌ، و((اشتراه)» صلتُها، وقولُه
تعالى: ﴿مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَةٍ﴾ جملةٌ ابتدائيةٌ خبرُها، و((مِنْ)) مزيدةٌ في
المبتدأ، و((في الآخرة)) متعلِّق بما تَعلَّق به الخبر، أو حالٌ مِن الضمير فيه، أو من
مرجعه .
و((الخَلَاق)): النصيبُ؛ قاله مجاهد. أو القِوَام؛ قاله ابنُ عباس ◌َيُبًّا. أو
القَدْر؛ قاله قتادة، ومنه قولُه:
فَمَا لكَ بيتٌ لدَى الشَّامِخَاتِ
ومالكَ في غَالبٍ مِنْ خَلَاقْ(١)
قال الزجَّاجِ (٢): وأكثرُ ما يُستعمل في الخير، ويكونُ للشرِّ على قلَّةٍ.
وذهب أبو البقاء(٣) تَبَعاً للفراء(٤) إلى أنَّ اللَّام مُوطِّئةٌ للقسم، و((مَن) شَرطيةٌ
مبتدأ، و((اشتراه) خبرُها، و((مالَه)) إلخ جوابُ القسم، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ دلَّ
(١) البيت في البحر ٣١٩/١، والدر المصون ٤٧/٢، وحاشية الشهاب ٢١٧/٢.
(٢) في معاني القرآن ١٨٦/١.
(٣) في الإملاء ٢٣٦/١.
(٤) في معاني القرآن ١/ ٦٥.

الآية : ١٠٢
٣٦٣
سُورَةُ الجَفَقَة
هو عليه؛ لأنه إذا اجتمع قَسَمٌ وشرطٌ يُجاب سابقُهما غالباً. وفيه ما فيه؛ لأنه نُقِلَ
عن الزجَّاج ردُّ مَن قال بشرطَيَّةِ (مَن)) هنا بأنَّه ليس موضِعَ شرطٍ (١)، ووجَّهَهُ
أبو حيان(٢) بأنَّ الفعلَ ماضٍ لفظاً ومعنىً؛ لأنَّ الاشتراءَ قد وَقَع، فجَعْلُه شرطاً
لا يَصِحُّ، لأنَّ فِعْلَ الشرط إذا كان ماضياً لفظاً فلا بدَّ أنْ يكونَ مستقبلاً معنّى.
وقد ذكر الرضيُّ في: لزيدٌ قائم، أنَّ الأَوْلَى كونُ اللام فيه لامَ ابتداء مِفيدةً.
للتأكيد، ولا يُقدَّر القسم كما فعلَه الكوفيَّة؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التقدير، والتأكيدُ
المطلوبُ مِنَ القسمِ حاصلٌ مِنَ اللامِ .
والقولُ: بأنَّ اللامَ تأكيدٌ للأُولى، أو زائدةٌ. ممَّا لا يَكادُ يصحُّ، أما الأول:
فلأنَّ بناءَ الكلمةِ إذا كان على حرفٍ واحدٍ لا يُكرَّر وحده بل مع عمادِه، إلَّا في
ضرورةِ الشعرِ على ما ارتضاه الرضيُّ. وأمَّا الثاني: فلأنَّ المعهودَ زيادةُ اللام
الجارّة، وهي مكسورةٌ في الاسم الظاهر.
﴿وَلَيْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ اللامُ فيه لامُ ابتداءٍ أيضاً، والمشهورُ أنَّها
جوابُ القسم، والجملةُ معطوفةٌ على القَسَمِيَّةِ الأُولى. و((ما)) نكرةٌ مُميِّزة للضمير
المبهم في (بئس))، والمخصوصُ بالذمّ محذوفٌ، و((شَرَوا)) يحتمل المعنَيَيْن،
والظاهرُ هو الظاهرُ، أي: والله لبئس شيئاً شَرَوا به حُظُوطَ أنفسِهم، أي: باعوها أو
شَرَوها في زَعمِهم ذلك الشراء، وفي ((البحر))(٣): بئسما باعُوا أنفسَهم السحرُ أو
الکفرُ.
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: مذموميَّةَ الشراءِ المذكورِ لامتَنَعوا عنه،
ولا تَنافيَ بين إثباتِ العلم لهم أولاً ونَفْسِهِ عنهم ثانياً، إمَّا لأنَّ المثبَتَ لهم هو العقلُ
الغريزيُّ والمنفيَّ عنهم هو الكَسْبُ الذي هو مِن جُملة التكليفِ، أو لأنَّ الأولَ هو
العلمُ بالجملة، والثاني هو العلمُ بالتفصيلِ، فقد يَعلمُ الإنسانُ مثلاً قُبحَ الشيءِ، ثم
لا يَعلمُ أنَّ فعلَه قبيحٌ، فكأنَّهم علموا أنَّ شراءَ النفسِ بالسحرِ مَذمومٌ، لكنْ لم
(١) معاني القرآن للزجاج ١٨٧/١، قال أبو حيان في البحر ٣٣٤/١: ولم يُنقل عنه توجيه كونه
ليس موضع شرط.
(٢) في البحر ٣٣٤/١.
(٣) ٣٣٤/١.

سُؤَةُ الْبَعَة
٣٦٤
الآية : ١٠٢
يَتفكّروا في أنَّ ما يَفعلونه هو مِن جُملة ذلك القبيح، أو لأنَّهم علموا العقابَ ولم
يَعلموا حقيقتَهُ وشِدَّته، وإمَّا لأنَّ الكلامِ مخرَّجٌ عَلى تَنْزِيل العالِم بالشيءٍ منزلةً
الجاهلِ، ووجودِ الشيءٍ منزلةً عدمه لعدم ثَمرِهِ، حيثُ إنَّهم لم يَعملوا بعِلْمِهم،
أو على تنزيلِ العالِم بفائدةِ الخبر ولازِمِها منزلةً الجاهل، بناءً على أنَّ قوله
تعالى: (لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) معناه: لو كان لهم عِلمٌ بذلك الشراء لامتنعوا منه،
أي: ليس لهم علْمٌ فلا يَمتنعون، وهذا هو الخبرُ المُلقَى إليهم.
واعتراضُ العلّامة بأنَّ هذا الخبرَ لو فُرِضَ كونُه ملقّى إليهم، فلا معنى لكونهم
عالِمِين بمضمونه، كيف وقد تحقَّقَ في ((ولقد علموا)) نقيضُه، وهو أنَّ لهم علماً به،
وبعد اللُّنَّا والتي لا معنى لتنزيلهم منزلةً الجاهلِ بأنْ ليس لهم علمٌ بأنَّ مَن اشتراه
ما لَهُ في الآخرةِ من خَلاق، بل إنْ كان فلا بُدَّ أنْ يُنزَّلوا منزلةَ الجاهلِ بأنَّ لهم علماً
بذلك = يجاب عنه :
أمّا أولاً: فبأنَّ الخطابَ صريحاً للرسول وَّهِ، وتَعريضاً لهم، ولذا أُكِّد.
وأمَّا نائياً: فبأنَّ المستفادَ مِن ((ولقد علموا)) ثبوتُ العلم لهم حقيقةً، والمستفادُ
من الخبر المُلقى إليهم(١) نَفَيُّ العلم عنهم تنزيلاً، ولا منافاةً بينهما .
وأمَّا ثالثاً: فبأنَّ العالِم إذا عَمِلَ بخلافٍ عِلْمِه، كان عالماً بأنَّه بمنزلةِ الجاهلِ
في عدمٍ تَرُّب ثمرةٍ عِلْمِهِ، ومُقتضَى هذا العلم أنْ يَمتنعَ عن ذلك العمل، ففيما نحنُ
فيه كانوا عالِمين فيه بأنْ ليس لهم علمٌ، وأنهم بمنزلةِ الجاهلِ في ذلك الشراء،
ومُقتضى هذا العلم، أن يَمتنعوا عنه، وإذا لم يمتنعوا كانوا بمنزلةِ الجاهلِ في عدمِ
جَرْيِهِم على مُقتضَى هذا العلم، فأُلقي الخبرُ إليهم بأنْ ليس لهم علمٌ مع علمهم به.
كذا قيل، ولا يَخفى ما فيه مِن شدَّة التكلُّفِ.
وأجابَ بعضُهم عمَّا يَتراءى مِن التنافي: بأنَّ مفعول ((يعلمون)) ما دلَّ عليه
(لَبتسما شَرَوا)) إلخ، أعني مَذْمُومِيَّة الشراء، ومفعول ((عَلِموا)): أنَّه لا نصيبَ لهم في
الآخرةِ، والعلمُ بأنَّه لا نصيبَ لهم في الآخرة لا يُنَافِي نَفْيَ العلم بمذموميَّة الشراء،
بأنْ يَعتقدوا إباحتَه، فلا حاجةَ حينئذٍ إلى جميعٍ ما سبَقَ. وفيه أنَّ العلمَ بكونِ الشراءِ
(١) في (م): لهم.

الآية : ١٠٣
٣٦٥
سُوَّةُ الََّة
المذكور موجِباً للحِرمانِ في الآخرة بدونِ العلمِ بكونه مذموماً غايةَ المذموميَّة، ممَّا
لا يكاد يُعقل عند أَربابِ العقولِ.
والقولُ بأنَّ مفعول ((علموا)) محذوفٌ، أي: لقد عَلموا أنه يَضرُّهم ولا يَنفعُهم،
و(لَمَن اشتراه)» مُرتَبِطٌ بأولِ القصة، وضمير ((ولبئس ما شروا)) لِمَنِ اشتراه = ركيكٌ
جداً، وبئسما يُشْتَرىَ.
ودَفْعُ التنافي بأنه أُثبِتَ أولاً العلمُ بسوءِ ما شَرَوه بالكتاب بحَسَبِ الآخرة، ثم
ثُمَّ بالسوء مُطلقاً في الدين والدنيا؛ لأنَّ بئس للذمِّ العام، فالمنفيُّ العلمُ بالسوءِ
المطلقِ، يعني: لو كانوا يعلمون ضرَرَه في الدين والدنيا لامتنعوا، إنما غرَّهم تَوهُّم
النفعِ العاجلٍ، أو بأنَّ المثبتَ أولاً العلمُ بأنَّ ما شَرَوه ما لهم في الآخرةِ نصيبٌ
منه، لا أنَّهم شَرَوا أنفسَهم به، وأَخرجوها مِنْ أَيديهم بالكلِّية، بل كانوا يَظنُّون أنَّ
آباءهم الأنبياءَ يشفعونهم في الآخرة، والعلم المنفيُّ هو هذا العلم = لا يَخفى
ما فيه :
أمّا أولاً: فلأنَّ عمومَ الذمِّ في ((بئس، وإنْ قیل به، لكنَّه بالنسبةِ إلی إفرادِ
الفاعلِ في نفسِها مِن دونِ تُعرُّضٍ للأزمنةِ والأمكنةِ، والتزامُ ذلك لا يخلو عن كدر.
وأما ثانياً: فلأنَّ تَخصيصَ النصيبِ بمِنْه مع كونِهِ نكرةً مقرونةً بـ ((مِن)) في سياق
النفي المُساقِ للتهويلِ، ممَّا لا يَدعو إليه إلا ضِيقُ العَطَنِ.
والجوابُ بإرجاع ضمير ((علموا)) للناس، أو الشياطين، و(اشتروا)) لليهود،
ارتكابٌ للتفكيكِ من غيرِ ضرورةٍ تَدعو إليه، ولا قرينةٍ واضحةٍ تدلُّ عليه.
وبعد كلِّ حسابٍ: الأولى عندي في الجواب كونُ الكلام مخرجاً على التنزيل،
ولا ريبَ في كَثرةٍ وجودِ ذلك في الكتابِ الجليلِ، والأجوبةُ التي ذكرت من قبلُ -
مع جَرَيان الكلامِ فيها على مُقتضَى الظاهرِ - لا تَخلو في الباطن عن شيءٍ، فتدبَّر.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا﴾ أي: بالرسول، أو بما أُنزلَ إليه مِن الآياتِ، أو بالتوراة.
﴿وَأَتَّقَوْا﴾ أي: المعاصي التي حُكِيَت عنهم ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌّ﴾ جوابُ
(لو)) الشرطيةِ، وأصلُه: لأُثيبوا مثوبةً من عند الله خيراً ممَّا شَرَوا به أنفسَهم، فخُذِفَ
الفعل، وغيِّر السبك إلى ما ترى؛ ليتُوَسَّلَ بذلك مع مَعونةِ المقامِ إلى الإشارةِ إلى

سُورَةُ الََّة
٣٦٦
الآية : ١٠٣
ثباتِ المثوبةٍ، وثباتِ نسبةِ الخيريَّة إليها مع الجزم بخَيْرِيَّتها؛ لأنَّ الجملةَ إذا أفادتْ
ثباتَ المثوبةِ كان الحُكم بمنزلةِ التعليقِ بالمشتقِّ، كأنه قيل: لمثوبةٌ دائمةٌ خَيرٌ
لدوامِها وثباتِها، وحذف المُفَضَّل عليه إجلالاً للمُفَضَّل مِن أَنْ يُنسب إليه.
ولم يَقل: لمثوبةُ الله - مع أنه أَخْصَرُ ـ ليُشْعِرَ التنكيرُ بالتقليلِ، فيفيد أنَّ شيئاً
قليلاً من ثوابٍ الله تعالى في الآخرةِ الدائمةِ خيرٌ من ثوابٍ كثيرٍ في الدنيا الفانيةِ،
فكيفَ وثَوابُ الله تعالى كثيرٌ دائمٌ، وفيه مِن الترغيبِ والترهيبِ المناسبَينِ للمقامِ
ما لا يخفى.
وببيان الأصل انحلَّ إشكالان؛ لفظيٍّ: وهو أنَّ جواب ((لو)) إنَّما يكونُ فعليةً
ما ضَوِيَّةً، ومعنويٌّ: وهو أنَّ خيريةَ المثوبةِ ثابتةٌ، لا تَعلُّق لها بإيمانهم وعدمِه. ولهذَين
الإشكالَين قال الأخفش - واختاره جمعٌ لسلامته مِن وقوع الجملة الابتدائية في الظاهر
جواباً لـ ((لو))، ولم يُعْهَدْ ذلك في لسان العرب، كما في ((البحر)) (١) -: إنَّ اللام جوابُ
قسم محذوف، والتقدير: ولو أنَّهم آمنوا واتَّقَوا لكانَ خيراً لهم ولَمثوبٌ عند الله خيرٌ.
وبعضُهم التزمَ التمنِّي ولكنْ من جهةِ العباد لا مِن جهتِهِ تعالى - خلافاً لِمَنِ
اعتزلَ(٢) - دفعاً لهما، إذْ لا جوابَ لها حينئذٍ، ويكونُ الكلامُ مستأنفاً، كأنه لمَّا تمنَّى
لهم ذلك قيل: ما هذا التحسُّرُ والتمنِّي؟ فأُجيب بأنَّ هؤلاء المبتذلينَ حُرِموا ما شيءٌ
قليلٌ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، وفي ذلك تَحريضٌ وحثٌّ على الإيمان.
وذهبَ أبو حيان إلى أنَّ ((خيرٌ)) هنا للتفضيل(٣) لا للأفضلية، على حدٍّ:
فَشَرُّكُما لخَيرِكُما الفداءُ(٤)
(١) ٣٣٥/١، وقول الأخفش في معاني القرآن له ٣٢٩/١.
(٢) ومنهم الزمخشري، حيث قال في الكشاف ١/ ٣٠٢: ويجوز أن يكون قوله: ((ولو أنهم
آمنوا» تمنّياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة اللهِ إيمانَهم واختيارَهم له، كأنه قيل:
وليتهم آمنوا، ثم ابتدئ: لمثوبة ... ، قال أبو حيان في البحر ٣٣٤/١: جعل التمني كناية
عن إرادة الله، فيكون المعنى أن الله أراد إيمانهم فلم يقع مراده، وهذا هو عين مذهب
الاعتزال.
(٣) في الأصل: للتفضل، والمثبت من (م) والبحر ٣٣٥/١.
(٤) في الأصل و(م): فخيركما لشركما فداء، والمثبت من البحر، وهو الصواب، وهو الموافق
لما في ديوان حسان ص٦٤، والبيت له وصدره: أتهجوه ولستَ له بكُفٍ.

التفسير الإشاري (١٠٢-١٠٣)
٣٦٧
سُورَةُ الْجَمَة
والمثوبة مَفْعُلَةٌ - بضم العين - من الثواب، فنُقِلَتِ الضمةُ إلى ما قبلها، فهو
مصدرٌ مِيمي. وقيل: مَفْعُولة، وأصلها مَثْرُوْبَة، فَنُقِلَت ضمةُ الواو إلى ما قبلها،
وحُذفتْ لالتقاء الساكنين، فهي من المصادرِ التي جاءت على مَفْعُولة كمَصْدُوقة،
كما نقله الواحدي(١). ويقال: مَثْوَبة، بسكون الثاء وفتح الواو، وكان من حقّها أَنْ
تُعلَّ فيقال: مَثَابة كمَقَامة، إلَّا أنَّهم صحَّحوها كما صحَّحوا في الأعلام مَكْوَزَة،
وبها قرأ قتادة وأبو السَّمَّال(٢). والمرادُ بها: الجزاءُ والأجرُ، وسُمِّي بذلك لأنَّ
المُحْسِنَ يَثُوبُ إليه، والقولُ بأنَّ المراد بها الرَّجعةُ إليه تعالى بعيدٌ.
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ المفعولُ محذوفٌ بقرينةِ السابق، أي: أنَّ ثوابَ الله
تعالى خيرٌ، وكلمةُ (لو)) إمَّا للشرط، والجزاءُ محذوفٌ، أي: آمنوا، وإمَّا للتمنِّي
ولا حذْفَ. ونَفْيُ العلمِ على التقديرَين بنفي ثمرتِهِ الذي هو العمل، أو لتركِ التدبُّر.
هذا ومِن بابِ الإشارةِ في الآيات: ﴿وَأَنََّعُوا﴾ أي: اليهودُ وهي القُوى الرُّوحانيةُ،
﴿مَا تَْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ وهم مِن الإنسِ المتمردون الأشرارُ، ومِن الجنِّ الأوهامُ
والتخيُّلاتُ المحجوبةُ عن نورِ الروح، المتمرِّدةُ عن طاعةِ القلبِ، العاصيةُ لأمرِ العقلِ
والشرعٍ، أو النفوسُ(٣) الأرضيَّةُ المظلمةُ القويةُ ﴿عَ﴾ عَهْد ﴿مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ الروح
الذي هو خليفةُ الله تعالى في أرضِه، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ﴾ بملاحظةِ السِّوى واتباع
الهوى، وإسنادِ التأثيرِ إلى الأغيار، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَغَرُوا﴾ وسَتروا مُؤْثِّرِيَّةَ الله
تعالى وظهورَه الذي مَحَا ظلمةَ العدم. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ والسُّبَهَ الصَّادَّةَ عن
السَّيرِ والسلوكِ إلى مَلِك الملوك، ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ وهما العقلُ النظريُّ والعقلُ
العَمَليُّ، النازلان من سماءِ القدس إلى أرضِ الطبيعةِ، المنكوسانِ في بئرها؛
لِتوجُّهِهِما إليها باستجذابِ النفسِ إياهما ﴿يِبَابِلَ﴾ الصدر، المعذِّبانِ بضيقِ المكانِ بينَ
أبخرةِ حُبِّ الجاهِ، ومَوادِّ الغضبِ، وأدخنةِ نيران الشهواتِ، المبتَليَانِ بأنواعٍ
المُتخيَّلاتِ والمَوهوماتِ الباطلةِ من الحيلِ والشعوذةِ والطَّلَّسْمات(٤) والنِّيْرَنجات.
(١) في الوسيط ١٨٦/١ .
(٢) القراءات الشاذة ص٨، والمحتسب ١٠٣/١، والبحر ٣٣٥/١.
(٣) في (م): والنفوس.
(٤) هي نقوش تنقش على أجسادٍ خاصةٍ، في ساعاتٍ مناسبة، بكيفيات ملائمةٍ، لحوائج

سُوَّةُ الْبَحَة
٣٦٨
الآية : ١٠٤
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ له: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ﴾ امتحانٌ وابتلاءٌ من الله تعالى
﴿فَلَ تَكْفُرُّ﴾، وذلك لِقِوَّةِ النوريَّة وبَقيةِ المَلَكُوتِيَّة فيهما، فإنَّ العقلَ دائماً يُنْبِّهُ
صاحبَه - إذا صَحًا عن سكرتِهِ وهَبَّ مِن نَومتِهِ - عن الكفر والاحتجابِ، ﴿فَيَتَّعَلَّمُونَ
مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ﴾ القلبِ والنفسِ، أو بينَ الروحِ والنفسِ بتكديرِ القلبِ،
﴿وَيَتَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ بزيادةِ الاحتجابِ وغَلبةٍ هوى النفس ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمَّ﴾
كسائرِ العلومِ في رَفْعِ الحجابِ وتَخليةِ النفسِ وتَزْكِيتها، ﴿وَلَقَدْ عَلِّمُوا لَمَنِ أَشْتَرُهُ
مَا لَهُ﴾ في مَقَامِ الفناءِ والرجوعِ إلى الحقِّ سبحانه، من نَصيب؛ لإقباله على العالم
السُّفليِّ، وبُعده عن العالمِ العُلْوَيّ، بتكدُّر جوهرِ قلبه، وانهماكِهِ برؤيةِ الأغيار.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا﴾ برؤية الأفعالِ من الله تعالى ﴿وَأَثَّقَوْا﴾ الشركَ بإثباتٍ ما سواه،
لَأُثيبوا بمئويةٍ ﴿مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ تعالى دائمةٍ، ولرجعُوا إليه، وذلك ﴿خَيْرٌ﴾ لهم ﴿لَوْ
كَانُوا﴾ مِنْ ذَوي العلمِ والعرفانِ والبصيرةِ والإيقانِ.
*
﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ الرَّعْيُ حفظُ الغيرِ لمصلحتِه، سواءٌ
كان الغيرُ عاقلاً أو لا، وسببُ نزولِ الآيةِ كما أَخرجَ أبو نُعيم في ((الدلائلٍ» عن ابن
عباس ظُ﴾: أنَّ اليهود كانوا يَقولونَ ذلك سرّاً لرسولِ الله وَّهِ، وهو سَبُّ قَبيحٌ
بلسانهم، فلمَّا سمعوا أصحابَه عليه الصلاة والسلام يقولون، أعلنوا بها، فكانوا
يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية(١).
وروي أن سعدَ بنَ عُبادة رَظُهُ سَمِعَها منهم، فقال: يا أعداءَ الله، عليكُم
لعنةُ الله، والذي نفسي بيده لَيْن سمعتُها من رجلٍ منكم يَقولُها لرسولِ اللهِ وَّه
لأَضرِبَنَّ عُنقَه، قالوا: أَوَ لَستُم تقولونها؟ فنزلت الآية(٢). ونُهِيَ المؤمنون سدًّا
= معلومة، واحدها ◌ِلَّسْم. معجم متن اللغة (طلسم).
(١) الدر المنثور ١٠٣/١-١٠٤، وهو بنحوه في الدلائل (٧)، وفي إسناده موسى بن
عبد الرحمن، قال عنه الذهبي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: دجال، وضع على ابن جريج
عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير.
(٢) ذكره مع ما قبله في خبر واحد الواحدي في الوسيط ١٨٦/١، وابن حجر في تخريج
أحاديث الكشاف ص٩، وعزاه لأبي نعيم في الدلائل من طريق السدي، عن الكلبي عن
أبي صالح عن ابن عباس. وقال الحافظ: السدي هذا الصغير متروك، وكذا شيخه، وذكره

الآية : ١٠٤
٣٦٩
سُورَةُ الْبََّة
للباب، وقطعاً للألسنةِ، وإبعاداً عن المُشَابَهةِ.
وأخرج عبد بن حميد (١) وابن جرير والنحاسُ عن عطاء قال: كانت ((راعنا)) لغةٌ
الأنصارِ في الجاهليةِ فنهاهُمُ الله تعالى عنها في الإسلام(٢). ولعلَّ المرادَ أنهم
يُكْثِرونها في كلامهم، واستعملَها اليهودُ سَبَّا فَنُهوا عنها، وأمَّا دعوى أنها لغةٌ
مُخْتَصَّةٌ بهم فغيرُ ظاهرٍ؛ لأنها محفوظةٌ في لغةِ جميعِ العرب منذ كانوا .
وقيل: ومعنى هذه الكلمة عند اليهود - لعنهم الله تعالى -: اسمَعْ لا سَمِعْتَ.
وقيل: أَرادُوا نسبتَهِ وَله وحاشاه إلى الرَّعن، فجعلوه مُشتقًّا من الرُّعُونة، وهي
الجَهْل والحُمق، وكانوا إذا أرادوا أن يُحمِّقوا إنساناً قالوا: راعنا، أي: يا أحمق،
فالألف حينئذٍ لمدِّ الصوت، وحرفُ النداء محذوفٌ، وقد ذكر الفراء أنَّ أصل یا
زيد: يا زيداً بالألف، ليكونَ المنادى بينَ صوتَين، ثم اكتُفي بـ ((يا)) ونُوي الألف.
ويحتمل أنَّهم أرادوا به المصدرَ، أي: رَعنتَ رُعونَةً، أو أرادوا: صِرْتَ راعناً،
وإسقاط التنوينٍ على اعتبار الوقف.
وقد قرأ الحسنُ وابنُ أبي ليلى وأبو حَيوة وابن مُحَيصن بالتنوين(٣)، وجَعلَه
الكثيرُ صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً راعناً، وصيغةُ فاعِل حينئذٍ للنسبة كلَابِنٍ
وتَامِرٍ، ووصفُ القولِ به للمبالغةِ، كما يُقال: كلمةٌ حمقاءُ.
وقَرأَ عبد الله، وأُبيّ: ((راعونا))(٤) على إسنادِ الفعلِ لضميرِ الجَمْعِ للتوقيرِ
كما أثبتَه الفارسيُّ. وذُكر أنَّ في مصحَفِ عبد الله: ((ارْعونا))(٥) .
وذهبَ بعضُ العلماء إلى أنَّ سببَ النهي أنَّ لفظَ المُفاعلة يقتضي الاشتراكَ في
الغالب، فيكونُ المعنى عليه: لِيَقَعْ منك رعيٌّ لنا ومنَّا رعيّ لك، وهو مُخِلِّ
بتعظيمه وَه، ولا يَخفى بُعدُه عن سبب النزول بمراحل.
= البغوي ١٠٢/١ دون نسبة، ووقع في هذه المصادر: سعد بن معاذ، بدل: سعد بن عبادة.
(١) في الأصل و(م): عبيد، بدل: عبد بن حميد، والمثبت من الدر المنثور ١٠٤/١، والكلام منه.
(٢) تفسير الطبري ٣٧٦/٢، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٥١٢/١.
(٣) القراءات الشاذة ص٩، والبحر ٣٣٨/١.
(٤) القراءات الشاذة ص٩، والبحر ٣٣٨/١.
(٥) البحر ٣٣٨/١.
٠٤

سُورَةُ الْبََّقَة
٣٧٠
الآية : ١٠٤
﴿وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ أي: انتظرنا وتأَنَّ علينا، أو: انظُر إلينا، ليكونَ ذلك أَقوى في
الإفهامِ والتعريفِ، وكان الأصلُ أنْ يَتعدَّى الفعلُ بإلى، لكنه توسِّع فيه
فتعدَّى بنفسه، على حدٍّ قوله:
ظاهِراتُ الجَمَالِ والحُسنِ يَنظُر نَ كما ينظُرُ الأَرَاكَ الطِّبَاءُ(١)
وقيل: هو مِن نَظَر البصيرة، والمرادُ به التفكّرُ والتدبُّرُ فيما يُصلِحِ حالَ المنظورِ في
أمرِهِ، والمعنى: تَفكّرْ في أمرِنا. وخَيرُ الأمورِ عندي أَوسُها، إلا أنَّه يَنْبغي أنْ يُقِيَّد
نظرُ العينِ بالمقترن بتدبيرِ الحال، لتقومَ هذه الكلمةُ مقامَ الأولى خاليةً من التدليس.
وبدأ بالنهي؛ لأنَّه مِن باب الترُوك، فهو أَسهلُ، ثم أتى بالأمرِ بعدَه الذي هو
أَشقُّ؛ لحصولِ الاستئناس قبلُ بالنهي.
وقرأ أُبيّ والأعمش: ((أَنْظِرنا)) بقَطْع الهمزة وكَسْرِ الظاءِ (٢)، من الإنظار
ومعناه: أَمهلنا حتى نتلقَّى عنك ونَحفَظَ ما نسمعُه منك، وهذه القراءةُ تَشهد للمعنى
الأولِ على قراءةِ الجمهور، إلا أنَّها على شُذوذِها لا تَأْبَى ما اخترناه.
﴿وَأَسْمَعُواْ﴾ - أي: ما أَمرتُكم به ونَهيتُكم عنه - بجدٍّ، حتى لا تَعودوا إلى
ما نَهيتُكم عنه، ولا تتركوا ما أمرتُكم به، أو هو أمرٌ بحُسَنِ الاستماع، بأن يكونَ
بإحضارِ القلبٍ وتفريغه عن الشواغلٍ، حتى لا يحتاج إلى طلبٍ صريحِ المراعاة،
ففيه تنبيهٌ على التقصيرِ في السماع، حتى ارتكبوا ما تَسبَّب للمحذور. أَو المرادُ(٣)
سماعُ القبول والطاعة، فيكونُ تَعريضاً لليهودِ حيثُ قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾
[البقرة: ٩٣]. وإذا كان المرادُ سماعَ هذا الأمرِ والنهي يكونُ تأكيداً لِمَا تقدَّم.
﴿وَلْكَِّنَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ اللام للعهد، فالمرادُ بالكافرين: اليهودُ الذين
قالوا ما قالوا تهاوُناً بالرسولِ وَ﴿ه، المعلوم ممَّا سَبَق بقرينةِ السِّاقِ، ووضع المُظْهَر
مَوضِعَ المُضْمر إيذاناً بأنَّ التهاوُنَ برسول اللهِوَّلِ كُفْرٌ يُوجِبُ أليمَ العذابِ، وفيه مِن
تَأكيدِ النهي ما فيه. وجَعْلُها للجنس - فيدخُلُ اليهودُ كما اختاره أبو حيان (٤) - ليس
(١) البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وهو في ديوانه ص٨٨، وفيه: والسرو، بدل: والحسن.
(٢) المحرر الوجيز ١٨٩/١، والبحر ٣٣٩/١، وعنه نقل المصنف.
(٣) في (م): والمراد، والمثبت هو الصواب.
(٤) في البحر ٣٣٩/١.

الآية : ١٠٥
٣٧١
سُورَةُ الَّكَفَة
بظاهرٍ على ما قيل؛ لأنَّ الكلام مع المؤمنين فلا يَصلح هذا أنْ يكون تذييلاً .
﴿َّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ الودُّ: محبةُ الشيء وتمنِّي
كونِهِ، ويُذكر ويُراد كلُّ واحدٍ منهما قصداً والآخرُ تبعاً، والفارقُ كونُ مفعولِه جملةً
إذا استُعملَ في التمنِّي، ومفرداً إذا استُعملَ في المحبة، فتقولُ على الأول: وددتُ
لو تفعلُ كذا، وعلى الثاني: وددتُ الرجلَ. ونفیُهُ کنایةٌ عن الكراهة، وأتی بـ ((ما)»
للإشارة إلى أنَّ أولئك مُتَلَيّسُون بها، و((من)) للتبيين، وقيل: للتبعيض.
وفي إيقاعِ الكفر صلةً للموصول، وبيانِه بما بُيِّن، وإقامةِ المُظْهَرِ موضِعَ
المضْمَرِ، إشعارٌ بأنَّ كتابهم يَدعوهم إلى مُتابعة الحقِّ إلَّ أنَّ كفرَهم يَمنعهم، وأنَّ
الكفر شرٌّ كلُّه؛ لأنه الذي يُورِثُ الحسد، ويحمل صاحبه على أنْ يبغضَ الخيرَ
ولا يُحبَّه، كما أنَّ الإيمان خيرٌ كلُّه؛ لأنه يَحملُ صاحبه على تَفْويض الأمور كلِّها
إلى الله تعالى.
و((لا)) صِلةٌ لتأكيد النفي، وَزِيدت له هنا دون قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] لِمَا أنَّ مبنَى النفي الحسدُ، واليهودُ بهذا الداءِ أشهرُ،
لا سيما وقد تَقدَّم ما يُفيد ابتلاءَهم به، فلم يَلزم مِن نفي ودادَتِهم هذه نفيُّ ودادةِ
المشركينَ لها، ولم يكن ذلك في ﴿لَمْ يَكُنْ﴾.
وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ المسلمينَ قالوا لحُلفائهم مِن اليهودِ: آمِنوا بمحمدٍ بَّهِ،
فقالوا: وَدِدْنا لو كان خيراً ممَّا نحنُ عليه فنتَّبَعَه، فَأَكْذَبَهم الله تعالى بذلك.
وقيل: نزلَت تكذيباً لجَمْع من اليهود يُظْهِرون موذَّةَ المؤمنين، ويَزْعُمون أنهم
يَودُّون لهم الخيرَ. وفُصِلتَْ عمَّا قبلُ - وإنِ اشتَرَكا في بيانِ قبائحِ اليهودِ مع
الرسول وَ﴿ والمؤمنين - لاختلاف الغَرَضَين؛ فإنَّ الأولَ لتأديبِ المؤمنينَ، وهذا
لتكذيبٍ أولئك الكافرين، ولأَجْلِ هذا الاختلافِ فُصل السابقُ عن سابقه.
وممَّا ذكرنا يُعلَم وجهُ تَعلُّق الآية بما قبلها، والقولُ بأنَّ ذلك مِن حيثُ إنَّ القولَ
المنهيَّ عنه كثيراً ما كان يقعُ عند تنزيل الوحي المُعبَّر عنه بالخير فيها، فكأنه أُشِير
إلى أنَّ سببَ تَحريفهم له إلى ما حُكي عنهم؛ لوقوعِه في أثناء حصول ما يَكرهونَه
من تنزيل الخير = مُساقٌ على سبيل الترجِّي، وأَظنُّه إلى التمنِّي أقرب.

سُوَلَةُ الْبَحْمَة
٣٧٢
الآية : ١٠٥
وقرئ: ((ولا المشركون)) بالرفع(١) عطفاً على الذين كفروا.
﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ في موضع النصبِ على أنَّه مفعولُ ((يَوَدُّ»، وبناءُ الفعلِ
للمفعول للثقة بتعيُّنِ الفاعل، وللتصريح به فيما بعدُ، وذَكَرَ التنزيلَ دونَ الإنزال
رِعايةً للمناسبة بما هو الواقعُ مِن تنزيلِ الخيراتِ على التعاقُبِ وتجدُّدِها، لاسيما إذا
أُريد من ((خير)) في قوله تعالى: ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾: الوحيُّ، وهو قائمٌ مقامَ الفاعل،
و((مِن)) صلةٌ وزيادةُ خير، والنفيُ الأول مُنسَحِبٌ عليها، ولذا ساغَتْ زيادتُها عند
الجمهور، ولا حاجةً إلى ما قيل: إنَّ التقدير: يَودُّ أنْ لا يُنَزَّل خَيرٌ.
وذهبَ قومٌ إلى أنها للتبعيضٍ، وعليه يكونُ ((عليكم)) قائماً ذلك المقام.
والمرادُ من الخير؛ إمَّا الوحيُّ، أو القرآن، أو النصرةُ، أو ما اختُصَّ به
رسول الله وَ﴿ مِنَ المزايا، أو عامٌّ في أنواع الخيرِ كلِّها؛ لأنَّ المذكورين لا يَودُّون
تَنَزِيلَ جميع ذلك على المؤمنين عداوةً وحَسداً، وخوفاً من فواتِ الدِّراسة وزوالٍ
الرِّياسة. وأَظْهَرُ الأقوال - كما في ((البحر))(٢) - الأخيرُ، ولا يأباه ما سيأتي؛ لِمَا
سيأتي.
﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ في مَوضِع الصفةِ للخير، و((من)) ابتدائية، والتعرُّض لعنوان الربوبية
للإشعار بعلِّية التنزيل، والإضافةُ إلى ضمير المخاطِّين لتشريفهم.
﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾ جملةٌ ابتدائيةٌ سِيقَتْ لتقريرِ ما سَبَق من تَنْزِيل
الخير، والتنبيهِ على حِكْمته، وإرغام الكارِهين له. والمرادُ مِن الرحمة ذلك الخيرُ،
إلَّا أنه عبَّر عنه بها اعتناءً به وتَعظيماً لشأنه. ومعنى اختصاصٍ ذلك على القولِ
الأولِ ظاهرٌ، ولذا اختارَه مَن اختاره، وعلى الأخير انفرادُ رسول الله وَطّر والمؤمنين
بمجموعه، وعدمُ شِركةٍ أولئك الكارهين فيه، وعُروُّهم عن تَرتُّب آثاره.
وقيل: المرادُ من الآية: دفعُ الاعتراضِ الذي يُشير إليه الحسدُ، بأنَّ من له أنْ
يَخُصَّ لا يُعْتَرِضُ عليه إذا عمَّ. وفي إقامة لفظ ((الله)) مقامَ ضمير ((ربكم)) تنبيهٌ على
أن تَخْصيصَ بعضِ الناس بالخيرِ دون بعض يُلائم الألوهيةَ، كما أنَّ إنزالَ الخير
(١) الإملاء ٢٣٨/١.
(٢) ٣٤٠/١.

الآية : ١٠٦
٣٧٣
سُورَةُ البَفَة
على العموم يُناسب الربوبيَّةَ. والباء داخلة على المقصور، أي: يُؤتي رحمته.
و (مَنْ)) مفعولَ، وقيل: الفعل لازمٌ، و((مَن)) فاعل، وعلى التقديرَين العائدُ محذوفٌ.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ﴾ تَذييلٌ لِمَا سبق، وفيه تذكيرٌ للكارهين
الحاسدِين بما ينبغي أنْ يكونَ مانعاً لهم؛ لأنَّ المعنى على أنه سبحانه المُتفضِّلُ
بأنواع التفضُّلات على سائر عباده، فلا ينبغي لأحدٍ أنْ يحسدَ أحداً وَيوَدَّ عدمَ إصابةٍ
خيرٍ له، والكلُّ غريقٌ في بحار فَضْلِه الواسع الغزير، كذا قيل.
وإذا جُعل الفضلُ عاماً - وقيل بإدخالِ النبوةِ فيه دخولاً أولياً؛ لأنَّ الكلامَ فيها
على أحدِ الأقوالِ - كان هناك إشعارٌ بأنَّ النبوّةَ من الفضل، لا كما يقولُه الحكماء
مِن أنَّها بتصفيةِ الباطنِ، وأنَّ حِرمانَ بعض عبادهِ ليس لضيقٍ فضله، بل لمشيئتِهِ
وما ◌ُرِف فيه من حكمتِهِ. وتصديرُ هذه الجملة بالاسم الكريم لمناسبة العظيم.
﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا﴾ نَزَلت لمَّا قال المشركون - أو اليهود -: ألا تَرَون
إلى محمدٍ (*) يَأمرُ أصحابَه بأمرٍ، ثم يَنهاهُم عنه ويأمرُهم بخلافِهِ، ويقول اليومَ
قولاً ويَرجعُ عنه غداً، ما هذا القرآنُ إلَّا كلامُ محمدٍ وَلِهِ يقولُه مِن تِلقاءِ نفسه، وهو
كلامٌ يُناقضُ بعضُه بعضاً.
والنسخ في اللغة: إزالةُ الصورةِ - أو ما في حُكمها - عن الشيءٍ، وإثباتُ مثلٍ
ذلك في غيرهٍ، سواءٌ كان في الأعراض أو في الأعيان، ومن استعماله في المجموع
التناسخُ، وقد استُعمل لكلِّ واحدٍ منهما مجازاً - وهو أَولى من الاشتراك - ولذا
رَغِبَ فيه الراغب(١)، فمن الأول: نَسَخَتِ الريحُ الأثرَ، أي: أَزالَتْه، ومن الثاني:
نَسخْتُ الكتاب: إذا أثبتَّ ما فيه في موضعٍ آخر.
ونسخُ الآية - على ما ارتضاه بعضُ الأصوليين - بيانُ انتهاء التعبُّدِ بقراءتها،
كآيةٍ: ((الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيَا فارجموهما نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم))(٢)،
(١) ينظر مفردات الراغب (نسخ).
(٢) وردت ضمن حديث أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد على المسند (٢١٢٠٣)، والنسائي
في الكبرى (٧١١٢) من حديث أبيٍّ ﴿ه، وأخرجه ابن ماجه (٢٥٥٣) من حديث
عمر . وينظر الفتح ١٢/ ١٤٣ .

سُورَةُ الََّة
٣٧٤
الآية : ١٠٦
أو الحكم المستفادِ منها كآية ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَّرُونَ أَزْوَبًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِم
مَّتَعًا إِلَىَ الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أو بهما جميعاً كآية: ((عشرُ رضعاتٍ
معلوماتٍ يُحرِّمن))(١)، وفيه رَفْعُ التأبيدِ المستفادِ من إطلاقها، ولذا عَرَّفه بعضُهم
برفعِ الحكم الشرعيِّ، فهو بيانٌ بالنسبةِ إلى الشارع، ورَفْعٌ بالنسبة إلينا، وخرج بقيدِ
التعبُّدِ الغايَةُ، فإنَّها بيانٌ لانتهاء مُدَّة نَفْس الحُكم لا للتعبُّد به. واختصَّ التعريفُ
بالأحكام؛ إذ لا تعبَّدَ في الأخبار أنفُسِها.
وإنساؤها إذهابُها عن القلوب بأنْ لا تبقى في الحفظ، وقد وقَعَ هذا فإنَّ بعضَ
الصحابةِ أرادَ قراءةَ بعضٍ ما حَفِظَه فلم يجده في صدره، فسأل النبيَّ وَّ فقال:
◌ُسِخَ البارحةَ مِن الصُّدور))(٢).
وروى مسلمٌ عن أبي موسى: إنَّا كثَّا نقرأُ سورةَ نُشَبِّهُها في الطولِ والشدَّةِ
ببراءة، فأُنسيتُها، غيرَ أنّ حفظتُ منها: ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى
وادياً ثالثاً، وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب))، وكنَّا نقرأُ سورةً نُشبِّهُها بإحدى
المُسَبِّحات، فأُنسيتُها، غيرَ أَنِّي حفظتُ منها: ((يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون
ما لا تفعلون، فتكتب شهادةً في أعناقكم فتُسألون عنها يومَ القيامة))(٣).
وهل يكونُ ذلك لرسولِ اللهِ وَ﴿ِ، كما كان لغيرهٍ، أوْلا؟ فيه خلافٌ، والذاهبون
إلى الأول استدلُّوا بقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِكُكَ فَلاَ تَنَ ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ الَهُ﴾ [الأعلى: ٦]
وهو مذهبُ الحسن. واستدلَّ الذاهبون إلى الثاني بقوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ
بِالَّذِىَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] فإنَّه يَدلُّ على أنه لا يَشاءُ أنْ يَذهبَ بما أَوحِى
إليه بَّهِ وهذا قولُ الزَّجَّاج(٤)، وليس بالقويِّ لجواز حَمْل ((الذي)) على ما لا يَجوزُ
عليه ذلك من أنواعِ الوحي، وقال أبو عليّ(٥): المرادُ: لم نَذهبْ بالجميع. وعلى
التقديرَين لا يُنافي الاستثناء، وسبحانَ مَن لا يَنسی.
(١) أخرجه مسلم (١٤٥٢) من حديث عائشة
(٢) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٧) مطولاً من حديث أبي أمامة سهل بن حنيف.
(٣) صحيح مسلم (١٠٥٠).
(٤) في معاني القرآن ١٨٩/١.
(٥) هو الفارسي، وقوله في البحر ٣٤٤/١.

الآية : ١٠٦
٣٧٥
سُورَةُ الََّة
وفسَّر بعضُهم النسخَ بإزالةِ الحكم سواءٌ ثبتَ اللفظُ أوْ لا، والإنساءَ بإزالة اللفظِ
ثبتَ حُكمه أوْلا. وفَسَّر بعضٌ آخرُ الأولَ: بالإذهابِ إلى بدلٍ للحُكمِ السابق،
والثاني: بالإذهاب لا إلى بدلٍ. وأُوردَ على كلا الوجهَين أنَّ تَخصيصَ النسخِ بهذا
المعنى مُخالفٌ للُّغة والاصطلاح، وأنَّ الإنساء حقيقةٌ في الإذهابٍ عن القلوبِ،
والحَمْلُ على المجازِ بدون تعذُّر الحقيقةِ تعسُّفٍّ، ولعلَّ ما يُتمسَّك به لصحَّة هذَين
التفسيرَين من الروايةِ عن بعضٍ الأكابرِ لم يثبت.
و((ما)) شرطيةٌ جازمةٌ لـ ((ننسخ)) منتصبةٌ به على المفعولية، ولا تَنَافيَ بين كونها
عاملةً ومعمولةً، لاختلاف الجهة، فَبِتَضَمُّنِها الشرطَ عاملةٌ، ويكونها اسماً معمولةٌ،
ويُقدَّر لـ (نُنْسِها)) جازم، وإلّا لزمَ تواردُ العاملَين على معمولٍ واحد، وتَدلُّ على
جَوازٍ وقوعٍ ما بعدَها، إذ الأصلُ فيها أنْ تَدخلَ على الأمورِ المُحتملةِ.
واتفقَتْ أهلُ الشرائعِ على جوازِ النسخِ ووقوعِهِ، وخالفَتِ اليهودُ غيرُ
العيسوية(١) في جوازِهِ، وقَالوا: يَمتنعُ عقلاً، وأبو مُسلم الأصفهاني في وقوعه
فقال: إنه وإنْ جازَ عقلاً لكنَّه لم يقع، وتحقيقُ ذلك في الأصول.
و ((من آية)) في موضعِ النصبِ على التمييزِ، والمُمَّيَّز ((ما))، أي: أيَّ شيءٍ ننسخ
من آية، واحتمالُ زيادة (من)) وجَعْلِ («آية)) حالاً، ليس بشيءٍ، كاحتمالٍ كون ((ما))
مصدريةً شرطية، و ((آية)) مفعول به، أيْ: أيَّ نَسْخِ نَنْسَخْ آيَةً، بل هذا الاحتمال
أَدهى وأمرٌ، كما لا يَخفى. والضميرُ المنصوبُ عائدٌ إلى («آية)» على حدٍّ: عندي
درهمٌ ونصفُه(٢)؛ لأنَّ المنسوخَ غيرُ المنسيِّ. وتخصيصُ الآية بالذكرِ باعتبارٍ
الغالِبٍ، وإلا فالحكم غيرُ مُختصٍّ بها، بل جارٍ فيما دونها أيضاً على ما قيل.
وقرأ طائفةٌ وابنُ عامٍ من السبعة: ((تُنْسِخ)) من باب الإفعال(٣)، والهمزةُ -
كما قال أبو عليٍّ - للوجدان على صفة، نحو: أَحْمَدتُه، أي: وجدتُه محموداً،
(١) فرقة من اليهود نسبوا إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، وكان في زمن
المنصور، زعم أنه رسول المسيح المنتظر، وخالف اليهود في كثير من أحكامهم. ينظر
الملل والنحل ٢١٥/١.
(٢) أي أنه عائد عليه لفظاً لا معنى، وينظر البحر ٣٤٢/١.
(٣) التيسير ص٧٦، والنشر ٢١٩/٢، والبحر ٣٤٢/١، والكلام منه.

سُوَّةُ الْبَقَة
٣٧٦
الآية : ١٠٦
فالمعنى: ما نجده منسوخاً، وليس نجدُه كذلك إلا بأنْ ننسخَه، فتتَّفق القراءتان في
المعنى، وإن اختلفا في اللفظ.
وجَوَّز ابن عطية (١) كون الهمزةِ للتعديَةِ، فالفعلُ حينئذٍ متعدٍّ إلى مفعولين،
والتقدير: ما نُنْسِخْكَ من آية، أي: ما نُبِيحُ لك نَسْخَه، كأنه لمّا نسخَها الله تعالى،
أباحَ لنبيِّه ◌ِ وَس * تَرْكَها بذلك النسخ، فسمَّى تلك الإباحة إنساخاً. وجعل بعضُهم
الإنساخَ عبارةً عن الأمرِ بالنسخِ، وَالمأمورُ هو النبيُّ وَّه أو جبريلُ عليه السلام.
واحتمالُ أنْ يكونَ مِن نسخ الكتابِ، أي: ما نكتبْ ونُنزلْ من اللَّوح
المحفوظ، أو ما نؤخِّرْ فيه ونَتركْ فَلَا نُنزله، والضميران الآتيان بعدُ(٢) عائدانٍ على
ما عادَ إليه ضميرُ ((ننسها)) = ناشئٌ عن الذهولِ عن قاعدةٍ أنَّ اسم الشرطِ لا بدَّ في
جوابه من عائدٍ عليه.
وقرأ عمرُ وابنُ عباس والنَّخعيُّ وأبو عمرو وابنُ كثير، وكثيرٌ: (نَنْسَأها)) بفتح
نُون المضارعة والسين وسكون الهمزة(٣)، وطائفة كذلك إلا أنه بالألف من غير
همزٍ(٤)، ولم يحذفها للجازم؛ لأنَّ أصلها الهمزة مِن (نَسَأَ)، بمعنى: أَخَّرَ،
والمعنى في المشهور: نؤَخِّرها في اللوح المحفوظِ فلا نُنزلها، أو نبعدها عن
الذهنِ بحيثُ لا يُتذَّكرُ معناها ولا لفظها، وهو معنى: ((نُنْسها)) فَتَّحد القراءتانِ.
وقيل - ولعلَّه أَلْطَفُ -: إنَّ المعنى: نُؤْخِّر إنزالها، وهو في شأنِ الناسخةِ حيثُ
أخّر ذلك مدةَ بقاء المنسوخة، فالمأتيَّةُ حينئذٍ عبارةٌ عن المنسوخة، كما أنه حينَ
النسخ عبارةٌ عن الناسخةِ، فمعنى الآيةِ عليه: أنَّ رفعَ المنسوخةِ بإنزالِ الناسخةِ،
وتأخيرَ الناسخةِ بإنزالِ المنسوخةِ، كلٌّ منهما يَتضمَّنُ المصلحة في وقتهِ.
وقرأ الضحاك وأبو رجاء: ((نُنَسِّها)) على صِيغةِ المعلومِ للمتكلِّم مع الغَيْر، من
التَّنْسِيَة، والمفعولُ الأول محذوفٌ، يُقال: أنسانيه الله تعالىَ ونَسَّانيه تَنْسِيَةً، بمعنَى،
أي: نُتَسِّ أحداً إياها.
(١) في المحرر الوجيز ١/ ١٩٢.
(٢) أي: الضميران في ((منها)) و((مثلها)). ينظر البحر ٣٤٢/١.
(٣) التيسير ص٧٦، والنشر ٢/ ٢٢٠، عن أبي عمرو وابن كثير، والكلام من البحر ٣٤٣/١.
(٤) الإملاء ١/ ٢٤٠، والبحر ٣٤٣/١.

الآية : ١٠٦
٣٧٧
سُورَةُ الْبَقَة
وقرأ الحسنُ وابنُ يَعْمَر: ((تَنْسَها)) بفتح التاء من النسيان، ونُسِبَت إلى سعدٍ بن
أبي وقَّاص. وفرقةٌ كذلك إلا أَنَّهم همزوا، وأبو حَيْوة كذلك إلا أنه ضَمَّ التاء على
أنه من الإنساءِ. وقراً سعيد (١) مثله، ولم يهمز.
وقرأ أُبيّ: (نُنْسِك)) بضَمِّ النون الأولى وكسْرِ السين من غيرِ همزٍ وبكافٍ
الخطاب. وفي مصحفٍ سالم مولى أبي حذيفة: ((نُنْسِكُها)) بإظهار المفعولَين. وقرأ
الأعمش: ((ما نُنْسِكَ مِنْ آيَةٍ أو نَنْسَخْها نَجِئُ بمثلها)).
ومناسبةُ الآية لِمَا قبلها أنَّ فيه ما هو مِن قَبِيلِ النسخ، حيثُ أُقرَّ الصحابةُ ◌ِّ
مُدةً على قولٍ ((راعنا))، وإقرارُهُ وَّرِ على الشيء مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الأمرِ به والإذنِ فيه، ثم
إنهم نُهوا عن ذلك، فكان مظنةً لِمَا يُحاكي ما حُكي في سببِ النزول. أو لأنَّه
تعالى لمَّا ذَكَر أنَّه ﴿ذُو الْفَضَّلِ الْعَظِيمِ﴾ كاد ترفعُ الطعامُ رؤوسَها وتقول: إنَّ مِن
الفضل عدمُ النسخ؛ لأنَّ النفوسَ إذا داوَمَتْ على شيءٍ سَهُلَ عليها، فأتى سبحانه
بما يُنَكِسُ رؤوسَهَمَ، ويكسر ناموسَهم، ويُشِيرُ إلى أنَّ النسخ من جملة فضله العظيم
وجودِهِ العَميم. أو لأنه تعالى لمَّا أشار إلى حقِّيَّة الوحي، وردّ كلام الكارهين له
رأساً عَقَّبَه بما يُبيِّنُ سِرَّ النسخ الذي هو فردٌ من أفراد تَنْزِيل الوحي وإبطالِ مقالةٍ
الطاعنین فیه، فليتدبّر.
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي: بشيءٍ هو خيرٌ للعباد منها أو مِثْلُها حُكماً كان
ذلك أو عَدَمَه، وحياً متلوًّا أو غيرَه. والخيرية أَعَمُّ مِن أنْ تكون في النفع فقط، أو
في الثواب فقط، أو في كليهما، والمثليَّة خاصَّةٌ بالثواب على ما أشارَ إليه بعضُ
المحقّقين، وفَصَّله: بأنَّ الناسخَ إذا كان ناسخاً للحكم - سواءٌ كان ناسخاً للتلاوة
أو لا، لا بدَّ أنْ يكونَ مشتملاً على مصلحةٍ خلا عنها الحُكمُ السابق، لِمَا أنَّ
الأحكام إنَّما تَنوَّعَت للمصالح، وتبدُّلُها منوظٌ بتبدُّلها بحَسبِ الأوقات، فيكونُ
الناسخُ خيراً منه في النفع، سواء كان خيراً منه في الثواب، أو مثلاً له، أو لا ثواب
فيه أصلاً، كما إذا كان الناسخ مُشتملاً على الإباحةِ أو عدمِ الحُكم، وإذا كان
(١) هو سعيد بن المسيب، كما في القراءات الشاذة ص٩، والمحتسب ١٠٣/١، والمحرر
الوجيز ١٩٢/١، والبحر ٣٤٣/١، والدر المصون ٥٩/٢. ووقع في الأصل و(م): معبد،
وهو تصحيف، وينظر ما أورده المصنف من قراءات في المصادر المذكورة.

سُورَةُ الْبَفَة
٣٧٨
الآية : ١٠٦
ناسخاً للتلاوة فقط لا يُتصوَّر الخيريَّةُ في النفع لعدم تبدُّل الحكم السابق والمصلحة،
فهو إمَّا خيرٌ منه في الثواب أو مِثْلٌ له. وكذا الحال في الإنساءِ؛ فإن المَنْسِيَّ إذا كان
مُشتملاً على حُكم يَكونُ المأتيُّ به خيراً في النفع، سواءٌ كان النفع لخلوِّه عن الحكم
مطلقاً، أو لخلوِّهَ عن ذلك الحكم واشتمالِهِ على حكم يَتضمَّن مصلحةً خلا عنها
الحُكم المنسيُّ، مع جَوازٍ خيريَّته في الثواب وهُمَاثَلَتِهِ أيام خلوِّه عنه، وإذا لم يكن
مشتملاً على حُكم فالمأتيُّ به بعده إمَّا خيرٌ في الثواب أو مِثْلٌ له. والحاصل: أنَّ
المُماثّلَةَ في النفع لا تُتَصوَّر؛ لأنه على تقدير تَبَدُّل الحُكم تَتَبدَّل المصلحة، فيكون
خيراً منه، وعلى تقدير عدم تَبَدُّله، المصلحةُ الأولى باقيةٌ على حالها، انتهى.
ثم لا يَخفى أنَّ ما تقدَّم مِن التعميم مبنيٌّ على جوازِ النسخ بلا بدل، وجوازٍ
نسخِ الكتاب بالسنة، وهو المذهب المنصور. ومِن الناس مَن مَنَع ذلك، ومَنَّع
النسخ ببدلٍ أثقلَ أيضاً، واحتجَّ بظاهر الآية:
أمَّا على الأول: فلأنه لا يُتُصوَّر كونُ المأتيِّ به خيراً أو مِثْلاً إلا في بدل.
وأما على الثاني: فلأنَّ الناسخ هو المأتيُّ به بدلاً، وهو خيرٌ أو مِثْل، ويكون
الآتي به هو الله تعالى، والسنةُ ليست خيراً، ولا مِثْلَ القرآن، ولا ممَّا أتى به
سبحانه وتعالى.
وأمَّا على الثالث: فلأنَّ الأثقل ليس بخيرٍ من الأخفِّ ولا مِثْلاً له.
وَرَدُّ ذلك: أما الأول والثالث: فلأنَّا لا نُسلِّم أنَّ كونَ المأتيِّ به خيراً أو مِثْلاً
لا يُتصوَّر إلا في بَدَلٍ، وأنَّ الأثقلَ لا يكون خيراً من الأخفّ، إذ الأحكامُ
إنَّما شُرِعت والآياتُ إنَّما نَزَلت لمصالح العباد، وتكميلٍ نفوسِهم، فضلاً منه تعالى
ورحمةً، وذلك يَختلف باختلافِ الأعصارِ والأشخاص، كالدواءِ الذي تعالَجُ به
الأدواء، فإن النافعَ في عصرٍ قد يَضرُّ في غيره، والمزيلَ علةً شخصٍ قد يزيدُ (١) علةً
سِواه، فإذنْ قد يكونُ عدُ الحُكْم أو الأثقلُ أصلحَ في انتظام المعاش، وأَنْظَمَ في
إصلاحِ المعاد، والله تعالى لطيفٌ حكيم.
ولا يَرِد أنَّ المتبادر من ((نأت بخير منها)»: بآيةٍ خيرٍ منها، وأنَّ عدمَ الحكم ليس
(١) في (م): يزيل، ولم تجود في الأصل، والمثبت هو الأنسب للمعنى.

الآية : ١٠٦
٣٧٩
سُؤَدَّةُ الْبَقَة
بمأتيٍّ به، لِمَا أنَّ الخلافَ في جوازِ النسخ بلا بدلٍ ليس في إتيانِ اللفظ بدل الآية
الأولى، بل في الحُكْم كما لا يخفى على مَنْ راجع الأصول.
وأمَّا الثاني: فلأنَّا لا نُسلِّم حَصْر الناسخَ بما ذُكِر، إذ يجوزُ أنْ يُعرفَ النسخُ
بغيرِ المأتيِّ به، فإنَّ مضمون الاَية ليس إلّا أنَّ نَسْخ الآية يستلزم الإتيان بما هو خيرٌ
منها أو مِثْلٌ لها، ولا يَلزم منه أنْ يكونَ ذلك هو الناسخ، فيجوزُ أنْ يكون أمراً
مغايراً يحصلُ بعد حصولِ النسخ، وإذا جاز ذلك فيجوز أنْ يكون الناسخُ سُنَّةً،
والمأتيُّ به الذي هو خيرٌ أو مِثْلٌ آيةً أخرى، وأيضاً السُّنةُ ممَّا أتى به الله سبحانه
لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَىِّ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣]، وليس المرادُ
بالخيريَّة والمماثلةِ في اللفظِ حتى لا تكونَ السُّنةُ كذلك، بل في النفعِ والثوابِ،
فيجوزُ أنْ يكونَ ما اشتملَتْ عليه السُّنة خيراً في ذلك.
واحتجَّتِ المعتزلةُ بالآيةِ على حدوثِ القرآن فإنَّ التغيُّر المستفادَ من النسخِ،
والتفاوتَ المستفادَ من الخيريَّةِ في وقتٍ دون آخرَ، مِن روادفِ الحدوث(١) وتَوابِعه،
فلا یتحقَّق بدونه.
وأُجيبَ: بأنَّ التغيُّر والتفاوتَ من عوارض ما يَتعلَّق به الكلام النفسيُّ القديم،
وهي الأفعالُ في الأمرِ والنهي والنسب الخبرية في الخبر، وذلك يستدعيهما في
تعلُّقاته دون ذاته.
وأجاب الإمام الرازي: بأنَّ الموصوفَ بهما الكلامُ اللفظيُّ، والقدیمُ عندنا
الكلام النفسيُّ. واعتُرض بأنه مخالفٌ لِمَا اتَّفقت عليه آراء الأشاعرة مِنْ أَنَّ الحكمَ
قديمٌ، والنسخُ لا يجري إلا في الأحكام.
وقرأ أبو عمرو: ((نات)) بقلبٍ الهمزةِ ألفاً (٢).
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾ الاستفهام قيل: للتقرير، وقيل:
للإنكار، والخطابُ للرسول وَّهِ، وأُريدَ بطريقِ الكناية هو وأمتُه المسلمون،
وإنَّما أَفردَه لأنه وَّهِ أَعلمُهم، ومبدأُ عِلْمهم، ولإفادةِ المبالغة مع الاختصار.
(١) في (م): الحدث.
(٢) التيسير ص٣٦.

سُورَةُ الجَنَة
٣٨٠
الآية : ١٠٧
وقيل: لكلِّ واقفٍ عليه على: حدِّ ((بشر المشَّائين))(١). وقيل: لمنكري النسخ،
والمرادُ الاستشهادُ بعلم المخاطَب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ، وعلى الإتيان
بما هو خيرٌ أو مماثل؛ لأنَّ ذلك من جملة الأشياءِ المقهورة تحت قُدرته سبحانه، فمَن
عَلِيم شُمولَ قدرته عزَّ وجلَّ على جميعَ الأشياء، عَلِمَ قدرته على ذلك قطعاً .
والالتفاتُ بوضعِ الاسمِ الجليل موضعَ الضمير لتربية المهابة؛ ولأنَّه الاسمُ
العَلَم الجامعُ لسائر الَصفاتِ، ففي ضِمنه صفةُ القدرةِ، فهو أبلغُ في نسبةِ القدرةِ إليه
من ضميرِ المتكلِّم المعظّم.
وكذا الحالُ في قوله عز شأنه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الَّهُ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: قد
علمتَ أيُّها المخاطَب أنَّ الله تعالى له السلطانُ القاهرُ والاستيلاءُ الباهر، المستلزمانِ
للقدرةِ التامَّةِ على التصرُّفِ الكُلِّي إيجاداً وإعداماً وأمراً ونهياً، حَسْبَما تَقتضيه مشيئتُهُ،
لا مُعارِضَ لأمرهٍ، ولا مُعقِّبَ لحُكْمه، فمَنْ هذا شأنُه كيف يَخرُج عن قدرتِهِ شيءٌ من
الأشياءِ؟ فيكونُ الكلام على هذا كالدليلِ لِمَا قبله في إفادةِ البيان، فيكونُ منزَّلاً منزلةً
عَظْفِ البيانِ مِنْ مَتبوعِهِ في إفادةِ الإيضاحِ، فلذا تُرِكِ العطفُ.
وجُوِّزَ أنْ يكونَ تكريراً للأول وإعادةً للاستشهاد على ما ذُكِر، وإنَّما لم تُعطف
(أنَّ) مع ما في حيِّزها على ما سَبَق مِنْ مثلها؛ روماً لزيادةِ التأكيد، وإشعاراً
باستقلال العلم بكلِّ منهما، وكفايته(٢) في الوقوفِ على ما هو المقصود.
وخصَّ السماوات والأرضَ بالملك لأنَّهما مِن أَعظم المخلوقات الظاهرةِ،
ولأنَّ كلَّ مخلوقٍ لا يَخلو عن أنْ يكونَ في إحدى هاتَينِ الجهتَينِ، فكان في
الاستيلاء عليهما إشارةٌ إلى الاستيلاءِ على ما اشتملا عليه، وبدأ سبحانه بالتقريرِ
على وصفِ القدرةِ؛ لأنه مَنْشاً لوصفِ الاستيلاءِ والسلطانِ، ولم يَقلْ جلَّ شأنه:
إِنَّ لله ملكُ إلخ، قصداً إلى تقوِّي الحُكم بتكريرِ الإسناد.
﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾﴾ عطفٌ على الجملة الواقعة
خبراً لـ ((أنَّ) داخلٌ معها حيثُ دخلَتْ، وفيه إشارةٌ إلى تناولِ الخطابِ فيما قبلُ
(١) سلف ص ٤٧ من هذا الجزء.
(٢) في (م): وكفاية.