Indexed OCR Text

Pages 301-320

الآية : ٨٧
٣٠١
سُؤْلَةُ الْبَقَة
و﴿َتَهْوَى﴾: من هَوِي بالكسر: إذا أحبَّ، ومصدره: هوّى بالقصر، وأما هَوَى
بالفتح فبمعنى: سقط، ومصدره: هُوِيّ بالضم، وأصلُه: فُعُول، فأُعِل. وقال
المرزوقي: هوى: انقضَّ انقضاض النجم والطائر، والأصمعي يقول: هوت
العقاب: إذا انقضت لغير الصيد، وأهوت إذا انقضت للصيد. وحكى بعضهم أنه
يقال: هوى يهوي هَويًّا بفتح الهاء، إذا كان القصد من أعلى إلى أسفل، وهوى
يهوي هُويًّا بالضم، إذا كان من أسفل إلى أعلى، وما ذكرناه أولاً هو المشهور.
والهوى يكون في الحق وغيره، وإذا أضيف إلى النفس فالمراد به الثاني في
الأكثر، ومنه هذه الآية. وعبَّر عن المحبة بذلك للإيذان بأن مدار الردِّ والقبول
عندهم هو المخالفة لأهواء أنفسهم والموافقة لها، لا شيء آخر.
ومتعلّق (استكبرتم)) محذوف، أي: عن الإيمان بما جاء به، مثلاً، واستفعل
هنا بمعنى تفعل.
﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ ﴾﴾ الظاهر أنه عظف على ((ستكبرتم))، والفاء
للسببية إنْ كان التكذيب والقتل مرتّبينٍ على الاستكبار، وللتفصيل إنْ كانا نوعين
منه، وجوَّز الراغب أنْ يكون عطفاً على ((وأيَّدناه))، ويكون ((أفكلما)) مع ما بعده
فصلاً بينهما على سبيل الإنكار. وقدم «فريقاً)) في الموضعين للاهتمام وتشويق
السامع إلى ما فعلوا بهم، لا للقصر، وثَمَّ محذُوف، أي: فريقاً منهم.
وبدأ بالتكذيب، لأنه أول ما يفعلونه من الشر، ولأنه المشترك بين المكذَّب
والمقتول. ونسب القتل إليهم مع أنَّ القاتل آباؤهم، لرضاهم به ولُحوق مَذمته بهم،
وعبَّر بالمضارع حكايةً للحال الماضية، واستحضاراً لصورتها؛ لفظاعتها
واستعظامها، أو مشاكلةً للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل، فيما قيل، أو
للدلالة على أنكم الآن فيه، فإنكم حَوْلَ قتل محمد وَّهِ، ولولا أني أُعصِمُه لقتلتموه،
ولذلك سحرتموه وسمَّمتم له الشاة، فالمضارع للحال، ولا ينافيه قتل البعض.
والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة، سواء تَرتَّب عليه أو لا .
وقيل: لا حاجة إلى التعميم، لأنه وَ﴿ قُتِل حقيقةً بالسم الذي ناولوه، على
ما وقع في الصحيح بلفظ: ((وهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ أبهري من ذلك السم))(١).
(١) صحيح البخاري (٢٨ ٤٤) من حديث عائشة

سُورَةُ الْبَرَة
٣٠٢
الآية : ٨٨
وفيه أنه لم يتحقق منهم القتل زمان نزول الآية بل مباشرةُ الأسباب، فلا بد من
التعمیم.
﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلَفْ﴾، عظْف على (استكبرتم))، أو على ((كذَّبتم))، فتكون تفسيراً
للاستكبار، وعلى التقديرين فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، إعراضاً عن
مخاطبتهم وإبعاداً لهم عن عِزّ الحضور. والقائلون هم الموجودون في عصر
النبيِ وَ﴾.
والغُلف: جمع أغْلَف، كأَحمر وحُمْر، وهو الذي لايفقه. قيل: وأصله: ذو
الغلفة الذي لم يختن، أو جمع غلاف ويُجْمع على غُلُف بضمتين أيضاً، وبه قرأ
ابن عباس وغيره(١).
وأرادوا على الأول: قلوبنا مُغشّاة بأغشيةٍ خَلْقيةٍ مانعةٍ من(٢) نفوذ ما جئت به
فيها، وهذا كقولهم: ﴿قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآَ إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] قصدوا به إقناط
النبيِّ ◌َّهِ عن الإجابة، وقَطْعَ طمعه عنهم بالكُليَّة. وقيل مُغشّاةٌ بعلومٍ من التوراة
تحفظها(٣) أنْ يصل إليها ما تأتي به، أو بسلامةٍ من الفطرة كذلك.
وعلى الثاني: أنها أوعية العلم، فلو كان ما تقوله حقًّا وصدقاً لوعته. قاله ابن
عباس وقتادة والسدي. أو مملوءة علماً فلا تسع بعدُ شيئاً، فنحن مُستغنُون بما عندنا
عن غيره. روي ذلك عن ابن عباس أيضاً.
وقيل: أرادوا أنها أوعية العلم، فكيف يَحلُّ لنا اتباع الأُمِّيِّ. ولا يخفى بُعْدُه.
﴿بَلِ لَعَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ رَدٌّ لِما قالوه، وتكذيبٌ لهم فيما زعموه، والمعنى:
أنها خلقت على فطرة التمكّن من النظر الصحيح المُؤْصِلِ إلى الحق، لكنَّ الله تعالى
أَبعدَهم، وأبطل استعدادهم الخَلْقيَّ للنظر الصحيح، بسبب اعتقاداتهم الفاسدة،
وجهالاتهم الباطلةِ الراسخةِ في قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه
حقًّا وصدقاً، بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم، فأصمَّهم وأعمى أبصارهم،
(١) القراءات الشاذة ص٨، والبحر ٣٠١/١.
(٢) في م: عن.
(٣) في م: نحفظها.

الآية : ٨٨
٣٠٣
◌َةُ الْبَََّ
أو أنَّ الله تعالى أقصاهم عن رحمته، فأنّى لهم ادعاءُ العلم الذي هو أجلُّ آثارها،
ويُعلم من هذه الوجوه كيفيةُ الرد على ما قيل قبلُ من الوجوه.
﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾: الفاء لسببية اللعن لعدم الإيمان، و((قليلاً)) نصب على
أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: إيماناً قليلاً، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، و((ما))
مزيدة لتأكيد معنى القلة، لا نافية، لأنَّ ما في حيزها لا يتقدمها، ولأنه وإن كان
بمعنى: لا يؤمنون قليلاً فضلاً عن الكثير، لكنْ ربما يُتوهم - لا سيما مع التقديم -
أنهم لا يؤمنون قليلاً بل كثيراً. ولا مصدريَّة؛ لاقتضائها رفع القليل بأن يكون
خبراً، والمصدر المعرف بالإضافة مبتدأ، والتقدير: فإيمانهم قليل.
وجَوَّز بعضهم كونَها نافيةً، بناءً على مذهب الكوفيين من جواز تقدُّم ما في
حيِّزها عليها، ولم يبال بالتوهم. وآخرون كونَها مصدريةً، والمصدر فاعلُ ((قليلاً))،
و ((كانوا)) مقدَّرة في نظم الكلام، فتكون على طرز ﴿كَانُواْ قَلِيلًا مِّنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾
[الذاريات: ١٧] ولا يخفى ما فيه من التكلف.
وجُوِّز أيضاً انتصاب ((قليلاً)) على الحال؛ إما من ضمير الإيمان، أو من فاعل
(يؤمنون))، والتقدير: فيؤمنونه - أي: الإيمان - في حال قلته، وهو المرويُّ عن
سيبويه، أو: فيؤمنون حال كونهم جمعاً قليلاً، أي: المؤمن منهم قليل، وهو
المروي عن ابن عباس وطلحة وقتادة، ولذا جوِّز كونُه نعتاً للزمان، أي: زماناً
قليلاً، وهو زمان الاستفتاح أو بلوغ الروح التَّرَاقِيَ، أو ما قالوا: ﴿مَامِنُواْ بِلَّذِىّ
أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاَ ءَاخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وأَولى الوجوه
أولُها.
والظاهرُ أن المراد بالإيمان المعنى اللغوي. والقلةُ مقابل الكثرة، وقال
الزمخشري: يجوز أن تكون بمعنى العدم(١). وكأنه أخذه من كلام الواقدي:
لا قليلاً ولا كثيراً.
واعترضه في ((البحر)) بأن القلة بمعنى النفي - وإن صحت - لكن في غير هذا
التركيب، لأن ((قليلاً)) انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير: قمت قليلاً، أي: قياماً
(١) الكشاف ٢٩٥/١ .

سُورَةُ الجَفَقَة
٣٠٤
الآية : ٨٩
قليلاً، ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت ((قليلاً)) صفةً
لمصدره يكون المعنى في المثبت الواقع على صفةٍ أو هيئةٍ انتفاءً ذلك المثبت
رأساً، وعدمَ وقوعه بالكلية، وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفيَ
المحض في قولهم: أقلُّ رجلٍ يقول ذلك، وقلَّما يقوم زيد، فحَمْلها هنا على ذلك
ليس بصحيح(١).
وليت شعري أيُّ معنًى لقولنا: يؤمنون إيماناً معدوماً؟! وما نقل الكسائي عن
العرب أنهم يقولون: مررنا بأرضٍ قليلاً ما تنبت. ويريدون: لا تنبت شيئاً،
فإنما ذلك لأن قليلاً حال من الأرض، وإن كان نكرة، و((ما)) مصدرية والتقدير:
قليلاً إنباتها، فلا مانع فيه من حمل القلة على العدم، وأين ما نحن فيه من ذاك؟
اللهم إلا على بعض الوجوه المرجوة، لكن الزمخشري غير قائل به.
ويمكن أن يقال: إن ذلك على طريق الكناية، فإن قلة الشيء تستتبع عدمه في
أكثر الأوقات، لا على أنَّ لفظ القلة مستعمل بمعنى العدم، فإنه هنا قولٌ باردٌ جدًّا
ولو أوقد عليه الواقدي ألف سنة.
﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِنْ عِندِ اللَِّ﴾ وهو القرآن، وتنكيره للتعظيم، ووصفه
بـ (مِن))(٢) للتشريف، والإيذان بأنه جديرٌ بأن يقبل ما فيه ويُتَّبع؛ لأنه من خالقهم
وإلههم الناظرِ في مصالحهم. والجملة عطف على ((قالوا قلوبنا غلف))، أي:
وكذبوا لمَّا جاءهم إلخ.
﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ من كتابهم، أي: نازلٌ حسبما نعت لهم(٣) أو مطابق له.
و ((مصدق)) صفةٌ ثانيةٌ لـ ((كتاب))، وقدمت الأولى عليها، لأن الوصف بكينونته من
عنده تعالى آكَدُ، ووصفه بالتصديق ناشئ عنها، وجعلُه مصدِّقاً لكتابهم لا مصدَّقاً به
إشارةٌ إلى أنه بمنزلة الواقع، ونفس الأمر لكتابهم لكونه مشتملاً على الإخبار عنه،
محتاجاً في صدقه إليه، وإلى أنه بإعجازه مستغنٍ عن تصديق الغير.
(١) البحر ١/ ٣٠٢.
(٢) في الأصل و(م): بما، والصواب ما أثبتناه، ينظر البحر ٣٠٢/١، وتفسير أبي السعود ١٢٨/١.
(٣) قوله: لهم، ليس في (م).

الآية : ٨٩
٣٠٥
سُورَةُ الْبَّكْقَة
وفي مصحف أُبيِّ: (مصدِّقاً)) بالنصب، وبه قرأ ابن أبي عبلة(١)، وهو حينئذٍ
حال من الضمير المستقرّ في الظرف، أو من ((كتاب)) لتخصيصه بالوصف المقرِّب له
من المعرفة، واحتمالُ أنَّ الظرف لغوٌ متعلِّق بـ ((جاء)» بعيدٌ، فلا يضر، على أنَّ
سيبويه جوَّز مجيء الحال من النكرة بلا شرط(٢).
﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ نزلت في بني قريظة والنضير، كانوا
يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ے قبل مبعثه. قاله ابن عباس
وقتادة، والمعنى: يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين، كما روى
السدي: أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة،
ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي ◌َّه، وقالوا: اللهم إنا نسألك بحقِّ نبيك
الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أنْ تنصرنا اليوم على عدونا. فيُنصَرون.
فالسين للطلب، والفتح متضمِّنٌّ معنى النصر بواسطة ((على)).
أو: يفتحون عليهم، من قولهم: فتح عليه، إذا علَّمه ووقفه، كما في قوله
تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، أي: يعرِّفون المشركين أن نبيًّا
يبعث منهم، وقد قرب زمانه، فالسين زائدة للمبالغة، كأنهم فتحوا بعد طلبه من
أنفسهم، والشيء بعد الطلب أبلغ، وهو من باب التجريد، جرَّدوا من أنفسهم
أشخاصاً وسألوهم الفتح، كقولهم: استعجل، كأنه طلب العجلة من نفسه، ويؤُول
المعنى إلى: يا نفس عرِّفي المشركين أنَّ نبياً يُبعث منهم.
وقيل: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ بمعنى: يستخبرون عنه ◌َّ، هل ولد مولود صفته كذا
وكذا؟ نقله الراغب(٣) وغيره. وما قيل: إنه لا يتعدى بـ ((على))، لا يسمع بمجرد
التشھِّي.
﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِدٍ﴾ كنى عن الكتاب المتقدم بـ ((ما عرفوا))،
لأن معرفةَ مَن أُنزل عليه معرفةٌ له، والاستفتاح به استفتاحٌ به، وإيراد الموصول دون
(١) المحرر الوجيز ١٧٧/١، والبحر ٣٠٣/١، وهي في القراءات الشاذة ص٨ عن ابن
مسعود ـ
(٢) الكتاب ١١٣/٢.
(٣) في مفردات ألفاظ القرآن (فتح)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١/ ٢٠٢.

سُورَّةُ الْبَقَة
٣٠٦
الآية : ٨٩
الاكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم. ويحتمل أن يُراد به النبيُّ ◌َّز، و((ما)) قد
يُعبَّر بها عن صفاتٍ مَن يعقل، وبعضهم فسَره بالحق، إشارةً إلى وجه التعبير عنه
عليه الصلاة والسلام بـ ((ما))، وهو أن المراد به الحق لا خصوصيةُ ذاته المطهّرة.
وعرفانُهم ذلك حصل بدلالة المعجزات، والموافقة لِمَا نعت في كتابهم، فإنه
كالصريح عند الراسخين، فلا يَرِدُ أنَّ نعت الرسول في التوراة إنْ كان مذكوراً على
التعيين فكيف ينكرونه؟ فإنه مذكور بالتواتر، وإلا فلا عرفان؛ للاشتباه، على أن
الإيراد في غاية السقوط، لأن الآية مساقة على حد قوله تعالى: ﴿وَحَمَدُواْ بِهَا
وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، أي: جحدوه مع علمهم به وهذا أبلغ في ذمهم.
و(كفروا)) جوابُ ((لمَّا)) الأولى، و((لمَّا)) الثانية تكريرٌ لها لطول العهد، كما في
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَعُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا
تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ٨٨] وإلى ذلك ذهب المُبَرِّد.
وقال الفراء: (لمَّا)) الثانيةُ مع جوابها جوابُ الأولى، كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا
يَأْتِيَتْكُمْ مِنَّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ﴾ [البقرة: ٣٨] إلخ (١). وعلى الوجهين يكون قوله
سبحانه: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ جملةً حالية بتقدير ((قد)) مقرِّرة.
واختار الزَّجَّاج والأخفش أنَّ جواب الأولى محذوف، أي كذَّبوا به(٢)، مثلاً،
وعليه يكون ((وكانوا من قبل)) إلخ مع ما عُطِفَ عليه من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ﴾
من الشرط والجزاءِ جملةً معطوفة على ((لمَّا جاءهم)) بعد تمامها، تدل الأولى على
معاملتهم مع الكتاب المصدِّق، والثانية مع الرسول المستفتَح به. وارتضاه بعض
المحققين؛ لِمَا في الأول من لزوم التأكيد، والتأسيسُ أَولى منه، واستعمال الفاء
للتراخي الرتبي، فإن مرتبة المؤكِّد بعد مرتبة المؤَّد، ولِما في الثاني من دخول
الفاء في جواب ((لمَّا)) مع أنه ماض، وهو قليل جدًّا حتى لم يجوِّزه البصريون، ولو
جُوِّز وقوعها زائدة فـ ((لمَّا)) لا تجاب بمثلها؛ لا يقال: لمَّا جاء زيد لمَّا قعد عمرو
أكرمتك، بل هو كما ترى تركيبٌ معقود في لسانهم، مع خلوِّ الوجهين عن فائدة
عظيمة، وهو بيانُ سوء معاملتهم مع الرسول، واستلزامهما جَعْلَ ((وكانوا)) حالاً .
(١) معاني القرآن للفراء ٥٩/١.
(٢) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٧١/١، وللأخفش ٣١٩/١.

الآية : ٩٠
٣٠٧
سُورَةُ الْبَّنَة
واختار أبو البقاء (١): أن ((كفروا)) جواب ((لمَّا)) الأولى والثانية، ولا حَذْفَ لأن
مقتضاهما واحد. وليس بشيء، كجَعْلٍ ﴿فَلَمْنَةُ اللَّهِ عَلَ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ جواباً
للأولى، وما بينهما اعتراض.
واللام في ((الكافرين)) للعهد أي: عليهم، ووضع المُظهر موضع المضمر
للإشعار بأنَّ حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم، كما أنَّ الفاء للإيذان بترتُّبها عليه.
وجُوِّز كونها للجنس، ويَدخلون فيه دخولاً أوليًّا، واعترض بأن دلالة العامّ
متساوية، فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء، والجواب أن المراد دخولاً
قصدياً؛ لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم، ويكون ذلك من الكناية الإيمائية، ويصار
إليها إذا كان الموصوف مبالغاً في ذلك الوصف ومنهمكاً فيه، حتى إذا ذُكِرَ خَطَرَ
ذلك الوصف بالبال، كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصر عليها: أنا إذا نظرتك خطر
ببالي سبابك وسبابُ كلِّ مَن هو من أبناء جنسك. فاليهود لمَّا بالغوا في الكفر
والعناد وكتمان أمر الرسول وَّر، ونعى الله تعالى عليهم ذلك، صار الكفر كأنه صفة
غير مفارقة لذكرهم، وكان هذا الكلام لازماً لذكرهم ورديفَه، وأنهم أولى الناس
دخولاً فيه لكونهم تسببوا استجلاب هذا القول في غيرهم، وجعل السكاكي من هذا
القبيل قوله :
إذا اللهُ لم يسقِ إلا الكرامَ فسقَّى (٢) وجوهَ بني حنبلٍ
فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى(٣). لاخفاء فيه.
﴿بِْسَمَا أَشْتَّرَوْاْ بِهِةٌ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِمَا أَنَزَّلَ اَللَّهُ﴾ أي: باعوا، فالأنفس
بمنزلة المثمَّن، والكفر بمنزلة الثَّمن، لأنَّ أنفسهم الخبيثة لا تُشترى بل تباع، وهو
على الاستعارة، أي: إنهم اختاروا الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه.
وقيل: هو بمعناه المشهور، لأن المكلّف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى
(١) في الإملاء ٢١٢/١.
(٢) في الأصل و(م): فيسقي، وهو تصحيف، والمثبت من المصادر على ما يأتي.
(٣) مفتاح العلوم للسكاكي ص٤١٢، والبيت لزهير بن عروة بن جُلْهُمة المازني، كما في
الأغاني ٢٦٩/٢٢ و٢٧٠، وهو دون نسبة في دلائل الإعجاز ص٣١٣، وحاشية الشهاب
٢٠٢/٢.

سُوَّةُ الْبَقَة
٣٠٨
الآية : ٩٠
بأعمالٍ يظن أنها تخلُّصه، فكأنه اشترى نفسه بها، فهؤلاء اليهود لمَّا اعتقدوا
فيما أتوا به أنه يخلِّصهم من العقاب، ظنُّوا أنهم اشتروا أنفسهم وخلَّصوها،
فذمَّهم الله تعالى عليه. واعتُرض بأنه كيف يُدَّعَى أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُوا بِذٍّ﴾، فإذا علموا مخالفة الحقِّ كيف يظنون
نجاتهم بما فعلوا؟ وإرادةُ العقاب الدنيوي كترك الرياسة غير صحيح، لأنه لا يشترى
به الأنفس. ويمكن الجواب: بأن المراد أنهم ظنوا على ما هو ظاهر حالهم من
التصلُّب في اليهودية، والخوف فيما يأتون ويذرون، وادعاء الحقية فيه، فلا ينافي
عدمَ ظنِّهم في الواقع على ما تدلُّ عليه الآية.
والمراد بـ ((ما أنزل الله)): الكتابُ المصدِّق، وفي تبديل المجيء بالإنزال
المشْعِرِ بأنه من العالم العلوي، مع الإسناد إليه تعالى، إيذانٌ بعلو شأنه وعِظَمه
الموجب للإيمان به. وقيل: يحتمل أن يراد به التوراة والإنجيل، وأن يراد الجميع،
والكفر ببعضها كفرٌ بكلِّها.
واختلف في ((ما)) الواقعةِ بعد ((بئس))، أَلَها محلٌّ من الإعراب أم لا؟ فذهب
الفرَّاء(١) إلى أنها لا محل لها، وأنها مع ((بئس) شيءٌ واحد كحبذا.
وذهب الجمهور إلى أنَّ لها محلاً، واختُلِف أهو نصبٌ أم رفعٌ؟ فذهب
الأخفش(٢) إلى الأول على أنها تمييز، والجملة بعدها في موضع نصب على
الصفة، وفاعل بئس مضمَرٌ مفسَّرٌ بها، والتقدير: بئس هو شيئاً اشتروا به، و((أن
يكفروا)» هو المخصوص بالذم، والتعبير بصيغة المضارع لإفادة الاستمرار على
الكفر، فإنه الموجب للعذاب المهين.
ويحتمل على هذا الوجه أن يكون المخصوص محذوفاً، و((اشتروا)) صفة له،
والتقدير: بئس [شيئاً] شيءٌ اشتروا به، و((أن يكفروا)) بدل من المحذوف، أو خبر
مبتدأ محذوف(٣).
وذهب الكِسائيُّ إلى النصب على التمييز أيضاً، إلا أنه قدَّر بعدها ((ما)) أخرى
(١) في معاني القرآن ١/ ٥٧.
(٢) في معاني القرآن ٣٢٢/١.
(٣) تقديره: هو أن يكفروا. البحر ٣٠٤/١، والكلام ما سلف بين حاصرتين منه.

الآية : ٩٠
٣٠٩
سُورَةُ الْبَةَ
موصولةً هي المخصوصُ بالذم، و((اشتروا)) صلتُها، والتقدير: بئس شيئاً الذي
اشتروا(١).
وذهب سيبويه إلى الثاني(٢) على أنها فاعل ((بئس))، وهي مَعْرِفةٌ تامةٌ،
والمخصوص محذوف، أي: شيء اشتروا .. ، وعزي هذا إلى الكسائي أيضاً.
وقيل: موصولة، وهو أحد قولي الفارسي، وعزاه ابن عطية(٣) إلى سيبويه.
وهو وَهْمٌ.
ونقل المهدوي عن الكسائي أن ((ما)) مصدرية، والمتحصل فاعل ((بئس))،
واعترض بأن ((بئس)) لا تدخل على اسم معيَّنِ يَتعرَّف بالإضافة إلى الضمير. ولك
على هذا التقدير أن لا تجعل ذلك فاعلاً بل تجعله المخصوص، والفاعل مضمر،
والتمييز محذوف لفهم المعنى، والتقدير: بئس اشتراءً اشتراؤهم، فلا يلزم
الاعتراض؛ نعم يَرِدُ عَوْدُ ضمير (به)) على ((ما))، والمصدرية لا يعود عليها الضمير،
لأنها حرف عند غير الأخفش(٤)، فافهم.
﴿يَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اَللَّهُ﴾ البغي: في الأصل: الظلم والفساد، من قولهم بغى
الجرح: فسد. قاله الأصمعي.
وقيل: أصله الطلب؛ وتختلف أنواعه، ففي طلب زوال النعمة حسد، والتجاوز
على الغير ظلم، والزنا فجور، والمراد به هنا - بمعونة المقام -: طلبُ ما ليس
لهم، فيَؤُولُ إلى الحسد، وإلى ذلك ذهب قتادة وأبو العالية والسدي. وقيل:
الظلم .
وانتصابه على أنه مفعولٌ له لـ ((يكفروا))(٥) فيفيد أنَّ كفرهم كان لمجرد العناد
(١) يتلخص في قول النصب لـ ((ما)) في الجملة بعدها ثلاثة أقوال: أن تكون صلة لـ ((ما)) التي هي
تمييز فموضعها نصب. أو صفة لـ ((شيء)) المحذوف المخصوص بالذم، فموضعها رفع. أو
صلة لـ ((ما)) المحذوفة الموصولة، فلا موضع لها. البحر ٣٠٥/١.
(٢) يعني القول بأن ((ما)) في محل رفع. الكتاب ١٧٦/٢ .
(٣) في المحرر الوجيز ١٧٨/١ .
(٤) كما في البحر ٣٠٥/١، وعنه نقل المصنف جميع ما سلف من أقوال.
(٥) في الأصل و(م): يكفرون، والمثبت هو الصواب.

سُورَةُ الْجَمَة
٣١٠
الآية : ٩٠
الذي هو نتيجة الحسد، لا للجهل، وهو أبلغ في الذم؛ لأن الجاهل قد يُعذر.
وذهب الزمخشري(١) إلى أنه علةُ ((اشتَرَوا)). ورُدَّ بأنه يستلزم الفصل بالأجنبي،
وهو المخصوص بالذم، وهو وإن لم يكن أجنبيًّا بالنسبة إلى فعل الذم وفاعله، لكن
لاخفاءَ في أنه أجنبيٌّ بالنسبة إلى الفعل الذي وُصِف به تمييزُ الفاعل. والقول بأن
المعنى على ذمّ ما باعوا به أنفسهم حسداً، وهو الكفر، لا على ذمِّ ما باعوا به
أنفسهم وهو الكفر حسداً، تحكّمٌ. نعم، قد يُقال: إنما يلزم الفصل بأجنبي إذا كان
المخصوص مبتدأ خبره بئسما، أما لو کان خبرَ مبتدأ محذوف ۔ وهو المختار - فلا،
لأن الجملة حينئذٍ جوابٌ للسؤال عن فاعل ((بئس))، فيكون الفصل بين المعلول
وعلته بما هو بيانٌ للمعلول ولا امتناع فيه.
وجعَلَه بعضُهم علةً لـ (اشتروا)) محذوفاً، فراراً من الفصل. ومنهم مَن أعربه
حالاً ومفعولاً مطلقاً لمقدَّرٍ، أي: بَغَوا بغياً .
و ﴿أَنْ يُنَزِّلَ﴾ إما مفعول من أجله للبغي، أي: حسداً لأجل تنزيل الله،
وإما على إسقاط الخافض المتعلق بالبغي، أي: حسداً على أن ينزِّل. والقول بأنه
في موضع خفض على أنه بدلُ اشتمالٍ من ((ما)) في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ بعيدٌ
جداً. وربما يقرب منه ما قيل: إنه في موضع المفعول الثاني، والبغي بمعنى طلب
الشخص ما ليس له يتعدَّى إليه بنفسه تارة، وباللام أخرى، والمفعول الأول هاهنا
- أعني محمداً عليه الصلاة والسلام - محذوف لتعينه، وللدلالة على أن الحسد
مذموم في نفسه كائناً ما كان المحسود كما لا يخفى.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ((يُنْزِلَ)) بالتخفيف (٢).
﴿مِن فَضْلِهِ.﴾ أراد به الوحي، و ((من)) لابتداء الغاية صفة لموصوف محذوف،
أي: شيئاً كائناً من فضله، وجَوَّز أبو البقاء أن تكون زائدة، على مذهب
الأخفش(٣).
(١) في الكشاف ٢٩٦/١.
(٢) التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٨/٢.
(٣) الإملاء ٢١٤/١، وينظر معاني القرآن للأخفش ٢٧٢/١.

الآية : ٩٠
٣١١
سُؤَدَّةُ الََّة
﴿عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِيَّةٍ﴾ أي: على من يختاره للرسالة، وفي ((البحر))(١) أن
المراد به محمد ، لأنهم حسدوه لمَّا لم يكن منهم، وكان من العرب ومن ولد
إسماعيل، ولم يكن من ولده نبي سواه عليه الصلاة والسلام، وإضافة ((العباد)» إلى
ضميره تعالى للتشريف، و((مَن)) إما موصولة أو موصوفة.
﴿فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ تفريع على ما تقدم، أي: فرجعوا متلبِّسين ((بغضب))
كائن ((على غضب)) مستحقِّين له حسبما اقترفوا من الكفر والحسد.
وروي عن ابن عباس ظها أن الغضب الأول: لعبادة العجل، والثاني: لكفرهم
به آل.
وقال قتادة: الأول: كفرهم بالإنجيل، والثاني: كفرهم بالقرآن.
وقيل: هما الكفر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، أو قولهم: ﴿عُزَيْرُ
أَبْنُ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وغير ذلك من أنواع كفرهم،
وكفرهم الأخير بالنبي ◌َّ﴾. ولا يخفى أن ناء العطف يقتضي صيرورتهم أحقّاء
بترادف الغضب لأجل ما تقدم، وقولهم: ﴿عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ﴾ مثلاً غير مذكور
فيما سبق.
ويحتمل أن يراد بقوله سبحانه: ﴿يِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ الترادف والتكاثر،
لا غَضَبان فقط، وفيه إيذانٌ بتشديد الحال عليهم جداً كما في قوله:
ولو كان رمحاً واحداً لاتقيتُهُ ولكنَّهُ رمحٌ وثانٍ وثالثُ(٢)
ومن الناس مَن زعم أن الفاء فصيحة، والمعنى: فإذا كفروا وحسدوا - على
ما ذكر - باؤوا ... إلخ، وليس بشيء.
﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِيرٌ ﴾﴾ اللام في ((للكافرين)) للعهد، والإظهارُ في
(١) ٣٠٦/١.
(٢) البيت لأبي بكر بن العربي كما في المغرب في حلى المغرب ٢٥٥/١، ونفح الطيب
٢٦/٢، ونسبه المحبي في (خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر)) إلى غرس
الدين الخليلي.

سُورَةُ الْبَقَة
٣١٢
الآية : ٩١
موضع الإضمار للإيذان بعلِّية كفرهم لِمَا حاق بهم، ويحتمل أن تكون للعموم
فيدخل المعهودون فيه على طرز ما مر.
و ((المهين)) المُذِل، وأصله مُهْوِن فأُعلّ، وإسناده إلى العذاب مجاز من الإسناد
إلى السبب، والوصف به للتقييد والاختصاص الذي يُفهمه تقديم الخبر بالنسبة إليه،
فغير الكافرين إذا عذِّب فإنما يعذَّب للتطهير، لا للإهانة والإذلال، ولذا لم يوصف
عذابُ غيرهم به في القرآن، فلا تَمسُّك للخوارج بأنه خَصَّ العذاب بـ ((الكافرين))،
فيكون الفاسق كافراً لأنه معذَّب، ولا للمرجئة أيضاً.
﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ﴾ ظرف لـ ((قالوا)) والجملة عطف على ((قالوا قلوبنا غلف)»،
ولا غرض يتعلق بالقائل، فلذا بني الفعل لِمَا لم يسمَّ فاعله، والظاهر أنه من جانب
المؤمنين.
﴿مَامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ الجمهور على أنه القرآن. وقيل: سائر ما أنزل من
الكتب الإلهية، إجراءً لـ ((ما)) على العموم، ومع هذا جُلُّ الغرض الأمرُ بالإيمان
بالقرآن، لكنْ سَلَكَ مسلك التعميم إشعاراً بتحتُّم الامتثال، من حيث مشاركته
لما آمنوا به فيما في حيز الصلة، وموافقته له في المضمون، وتنبيهاً على أن الإيمان
بما عداه من غير إيمانٍ به ليس إيماناً بما أنزل الله.
﴿قَالُواْ تُؤْمِنُ بِمَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها
مما أنزل لتقرير حكمها، وحذف الفاعل للعلم به؛ إذ من المعلوم أنه لا ينزل الكتب
إلا هو سبحانه، ولجريان ذكره في الخطاب، ومرادهم بضمير المتكلم: إما أنبياء بني
إسرائيل، وهو الظاهر، وفيه إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغياً وحسداً على
نزوله على مَن ليس منهم. وإما أنفسهم، ومعنى الإنزال عليهم تكليفهم بما في
المنزَل من الأحكام.
وذُقُّوا على هذه المقالة لمَا فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائسُ اليهود
مشهورة، أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام ونزَّلوه على خاصٍّ، وهو (١) الإيمان
بما أنزل عليهم، كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه.
(١) في (م): هو.

الآية : ٩١
٣١٣
سُورَةُ الْبَغَة
﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ عطف على ((قالوا))، والتعبيرُ بالمضارع لحكاية الحال،
استغراباً للكفر بالشيء بعد العلم بحقيته، أو للتنبيه على أن كفرهم مستمر إلى زمن
الإخبار.
وقيل: استئناف، وعليه ابن الأنباري(١). ويجوز أن يكون حالاً؛ إما على
مذهب مَن يجوِّز وقوع المضارع المثبت حالاً مع الواو، وإما على تقدير مبتدأ،
أي: وهم يكفرون، والتقييد بالحال حينئذٍ لإفادة بيانِ شناعةِ حالِهم بأنهم متناقضون
في إيمانهم؛ لأن كفرهم بما وراءه حالَ الإيمان بالتوراة يستلزم عدم الإيمان به،
وهذا أَدْخَلُ في ردِّ مقالتهم، ولهذا اختار هذا الوجه بعضُ الوجوه.
ووراء: في الأصل مصدر؛ لاشتقاق المواراة والتواري منه، والمزيد فرعُ
المجرَّد، إلا أنه لم يستعمل فعلُه المجرَّد أصلاً، ثم جُعل ظرفَ مكان، ويُضاف إلى
الفاعل فيراد به المفعول، وإلى المفعول فيراد به الفاعل، أعني ((الساتر)).
ولصِدْقِه على الضدَّين: الخَلْفِ والأمام، عُدَّ من الأضداد، وليس موضوعاً
لهما، وفي ((الموازنة)» للآمدي تصريح بأنه ليس منها، وإنما هو من المواراة
والاستتار، فما استتر عنك فهو وراء - خَلْفاً كان أو قدَّاماً - إذا لم تره، فأما إذا
رأيته فلا يكون وراءك (٢).
والمراد هنا: بما بعده؛ قاله قتادة. أو: بما سواه، وبه فسِّر ﴿وَأُحِلَ لَكُم مَّا وَرَآءُ
ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وأريدَ به القرآن كما عليه الجمهور، وقال الواحدي(٣): هو
والإنجيل. واحتمال أن يُراد بما وراءه باطنُ معاني ما أُنزل عليهم التي هي وراء
ألفاظها، وفيه إشعار بأن إيمانهم بظاهر اللفظ = ليس بشيء، إلا أن يراد بذلك
الباطن القرآن، ولا يخفى بُعْدُه.
﴿وَهُوَ اُلْحَقُّ﴾ الضمير عائد لـ ((ما وراءه)) حال منه. وقيل: مِن فاعلٍ ((يكفرون))،
والجملة الحالية المقترنة بالواو لا يلزم أن يعود منها ضمير إلى ذي الحال،
(١) هو أبو بكر محمد بن القاسم، وكلامه في الوسيط للواحدي ١٧٤/١ .
(٢) الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي ١/ ١٧٤ .
(٣) في الوسيط ١/ ١٧٥.

سُورَةُ الْبَّفَقَة
٣١٤
الآية : ٩١
كـ: جاء زيد والشمسُ طالعةٌ، وعلى فرض اللزوم ينزَّل وجود الضمير فيما هو من
تتمتها منزلةً وجوده فيها، والمعنى: وهم مقارنون لحقِّيته، أي: عالمون بها، وهو
أبلغ في الذم من كفرهم بما هو حق في نفسه.
والأول أولى لظهوره، ولا تَفُوتُ تلك الأبلغية عليه أيضاً؛ إذ تعريفُ الحقِّ
للإشارة إلى أنَّ المحكوم عليه مُسلَّمُ الاتصافِ به معروفُه (١)، من قبيل: والدك
العبد، فيفيد أن كفرهم به كان لمجرَّد العناد.
وقيل: التعريفُ لزيادة التوبيخ والتجهيل، بمعنى أنه خاصةُ الحقِّ الذي يقارن
تصديقَ كتابهم، ولولا الحال - أعني: ((مصدقاً)) - لم يستقم الحصر، لأنه في مقابلة
كتابهم، وهو حقٌّ أيضاً. وفيه: أنه لا يستقيم ولو لوحظ الحال، بناء على تخصيص
ذي الضمير بالقرآن؛ لأن الإنجيل حقٌّ مصدِّقٌ للتوراة أيضاً. نعم، لو أريد بالحق:
الثابتُ المقابلُ للمنسوخ، لاستقام الحصر مطلقاً، إلا أنه بعيد.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ حال مؤكِّدة؛ لأنَّ كتُبَ الله تعالى يُصدِّق بعضُها بعضاً،
فالتصديقُ لازمٌ لا ينتقل، وقد قرَّرتْ مضمون الخبر لأنها كالاستدلال عليه، ولهذا
تضمَّنت ردَّ قولهم: ((نؤمن بما أنزل علينا)) حيث إنَّ مَن لم يصدِّق بما وافق التوراة
لم يصدِّق بها. واحتمالُ أن يُراد مِن ((ما معهم)) التوراةُ والإنجيل - كما في
(((البحر))(٢) - لأنهما أُنزلا على بني إسرائيل، وكلاهما غيرُ مخالف للقرآن = مخالفٌ
لِمَا يقتضيه الذوقُ سباقاً وسياقاً .
﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾؟ أمرٌ للنبيِّ وَّر أن يقول ذلك تبكيتاً لهم،
حيث قتلوا الأنبياء مع ادِّعاء الإيمان بالتوراة، وهي لا تَسوِّغُه، ويحتمل أن يكون
أمراً لمَن يريد جدالهم كائناً مَن كان.
والفاء جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، أي: إن كنتم مؤمنين فلِمَ .. إلخ، و((ما)) استفهامية
حذفت ألفُها لأَجْلٍ لامِ الجر، ويقف البَزِّي في مثل ذلك بالهاء، وغيرُه بغير
ماء(٣).
(١) أي: مسلم الاتصاف بالحقية معروف بها. حاشية الشهاب ٢٠٥/٢.
(٢) ٣٠٧/١.
(٣) التيسير ص٦١، والنشر ١٣٤/٢.

الآية : ٩٢
٣١٥
سُورَةُ الْبَكْمَة
وإيرادُ صيغة المضارع مع الظرف الدالِّ على المضيّ للدلالة على استمرارهم
على القتل في الأزمنة الماضية. وقيل: لحكاية تلك الحال، والمرادُ بالقتل معناه
الحقيقيُّ، وإسنادُه إلى الأخلاف المعاصرين له وَّرِ ـ مع أنَّ صُدورَه من الأسلاف -
مَجازٌ للمُلاَبَسة بين الفاعل الحقيقيّ وما أُسند إليه، وهذا كما يُقال لأهل قبيلة: أنتم
قتلتم زيداً، إذا كان القاتل آباءَهم. وقيل: القتل مجازٌ عن الرضا أو العزم عليه.
ولا يخفى أنَّ الاعتراض على الوجه الأول أقوى تَبكيتاً منه على الآخرين. فتدبّر.
وفي إضافة ((أنبياء)» إلى الاسم الكريم تشريفٌ عظيمٌ، وإيذانٌ بأنه كان ينبغي
لِمَن جاء من عند الله تعالى أن يُعظّم ويُنصر، لا أنْ يُقتل.
﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ تكريرٌ للاعتراض؛ لتأكيد الإلزام وتشدیدِ التهويل،
أي: إن كنتم مؤمنين فَلِمَ تقتلونهم، وقد حذف مِن كلِّ واحدةٍ من الشرطيتين
ما حذف ثقةً بما أثبتَ في الأخرى على طريق الاحتباك(١). وقيل: إنَّ المذكورَ قبلُ
جوابٌ لهذا الشرط، بناءً على جواز تقديمه، وهو رأيُ الكوفيين وأبي زيد، واختاره
في ((البحر))(٢). وقال الزَّجَّاج(٣): ((إنْ)) هنا نافية. ولا يَخفى بعدُه.
﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم ◌ُوسَى بِالْبَيْنَتِ﴾ داخلٌ تحت الأمر، فهو من تمام التبكِيْت
والتوبيخ، وكذا ما يأتي بعدُ، لا تكريرٌ لِمَا قصَّ مِن قَبلُ. والمراد بـ ((البينات)):
الدلائلُ الدالَّةُ على صِدْقه عليه السلام في دعوته، والمعجزاتُ المؤيِّدةُ لنبوَّته
کالعصا والید وانفلاقِ البحر مثلاً .
وقيل: الأظهرُ أنْ يرادَ بها: الدلائل الدالّة على الوحدانية، فإنه أَدْخَلُ في التقريع
بما بعده. وعندي أن الحَمْل على العموم بحيث يشمل ذلك أيضاً أَوْلى وأظهر.
(١) هو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه، أو
هو أن يُحذف من الأول ما أُثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول.
الإتقان ٨٣١/٢-٨٣٢.
(٢) ذكر أبو حيان في البحر ٣٠٧/١-٣٠٨ القولين دون اختيار، ولم يذكر في النهر المادِّ - على
هامش البحر - سوى القول الأول، وهو وجود شرطين حذف من الأول الشرط وبقي
الجواب، ومن الثاني الجواب وبقي الشرط.
(٣) في معاني القرآن ١/ ١٧٥.

سُورَةُ الْبَقَة
٣١٦
الآية : ٩٢
﴿ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْمِعْلَ﴾ أي (١): الذي صنعه لكم السامريُّ من حُلِيُّكُم إلهاً ﴿مِنْ
بَعْدِهِ﴾ أي من بعد مَجيء موسى عليه السلام بها، ومَن عَدَّ التوراة وانفجارَ الماء
منها لم يُرِدِ الجميعَ بل الجنس؛ لأنَّ ذلك كان بعد قصة العجل. وكلمةُ (ثم)) على
هذا للاستبعاد لئلا يلغوَ القيد.
وقد يقال: الضميرُ لمتقدِّم معنىّ، وهو الذهاب إلى الطور، فكلمةُ ((ثم)) على
حقيقتها، وعَدُّ ما ذكرنا من البينات حينئذٍ ظاهرٌ، ويُشير هذا العطف على أنهم فعلوا
ذلك بعد مُهَلَةٍ منَ النظر في الآيات، وذلك أَعظمُ ذنباً وأكثرُ شناعةً لحالهم. والتزم
بعضُهم رجوع الضمير إلى ((البينات)) بحذف المضاف، أي: من بعدٍ تَدُّر الآيات
ليظهر ذلك.
وعَوْدُ الضمير إلى العجل، والمرادُ: بعد وجوده، أي: عبدْتُم الحادث الذي
حَدَثَ بمَحضَرِكم، ليكون فيه التوبيخ العظيم = لا يَخفى ما فيه من البُعدِ العظيم
المُستغنى عنه بما أشرنا إليه.
﴿وَأَنْتُمْ ◌َلِمُونَ ﴾﴾ أي: واضعون الشيء في غير مَحلِّه اللائق به، أو
مُخِلُّون بآيات الله تعالى، والجملة حالٌ مُؤكِّدة للتوبيخ والتهديد، وهي جاريةٌ مجرى
القرينةٍ على إرادةِ العبادة من الاتِّخاذ، وفيها تَعريضٌ بأنهم صَرَفوا العبادة عن
موضعها الأصلي إلى غيرِ مَوضعها، وإيهامُ المبالغة من حيث إنَّ إطلاق الظلم يُشعر
بأنَّ عبادة العجل كلُّ الظلم، وأنَّ مَن ارتكبها لم يَترك شيئاً من الظلم.
واختار بعضُهم كونَها اعتراضاً لتأكيدِ الجملة بتمامها، دون تُعرُّضٍ لبيان الهيئة
الذي تقتضيه الحالية، أي: وأنتم قومٌ عادتُكم الظلمُ واستمرَّ منكم، ومنه عبادة
العجل، والذي دعاه إلى ذلك زَعْمُ أنه يلزم على الحالية أنْ يكون تكراراً محضاً،
فإنَّ عبادة العجل لا تكون إلَّا ظلماً، بخلافه على هذا فإنه يكون بياناً الرذيلةٍ لهم
تقتضي ذلك. وفيه غفلةٌ عمَّا ذكرنا.
وإذا حُمِل الاتخاذ على الحقيقة نحو: انَّخذتُ خاتماً، تكون الحالية أولى
بلا شبهة؛ لأنَّ الاتِّخاذ لا يتعيَّن كونُه ظلماً إلَّا إذا قيّد بعبادته كما لا يخفى.
(١) قوله: أي، ليس في (م).

الآية : ٩٣
٣١٧
سُؤَةُ النَّفَقَة
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْقُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي: قلنا
لهم: خذوا ما أُمرْتكم به في التوراة بجدٍّ وعدم فُتُور ﴿وَأَسْمَعُواْ﴾ أي: سماعَ تَقَّبُّلٍ
وطاعة؛ إذ لا فائدة في بالأمر بالمطلق بعد الأمر بالأخذ بقوة، بخلافه على تقدير
التقیید؛ فإنه يُؤگِّدہ ویُقرِّرہ لاقتضائه کمالَ إِبائهم عن قبول ما آتاهم إياه، ولذا رفع الجبل
عليهم، وكثيراً ما يراد من السماع القبول، ومن ذلك ((سمع الله لِمَن حَمدَه))، وقولُه:
دعوتُ اللهَ حتى خفتُ أنْ لا يكونَ اللهُ يسمعُ ما أقول(١)
﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: سمعنا قولك ((خذوا)) و((اسمعوا))، وعصينا أمرك،
فلا نأخذ ولا نسمع سماعَ الطاعة، وليس هذا جواباً لـ((اسمعوا)) باعتبار تضمّنه أمرين،
لأنه یبقی «خذوا)) بلا جواب. وذهب الجَمُّ إلی ذلك، وأَورَدوا منا سؤالاً وجواباً،
حاصل الأول أنَّ السماع في الأمر إنْ كان على ظاهره، فقولهم: ((سمعنا)) طاعةٌ،
و((عصينا)) مُناقِضٌ، وإن كان القبولَ فإن كان في الجواب كذلك كذبٌ وتناقض، وإلّا لم
يكنْ له تعلُّق بالسؤال. وزُبْدَة الجواب: أنَّ السماع هناك مُقيَّد، والأمر مُشتملٌ على
أمرين: سماع قوله، وقبوله بالعمل، فقالوا: نمتثل أحدهما دون الآخر، ومرجعه إلى
القول بالموجب، ونظيره: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ [التوبة: ٦١].
وقيل: المعنى: قالوا بلسان القال سمعنا، وبلسان الحال عَصَينا، أو سمعنا
أحكاماً قبلُ وعصينا، فنخاف أنْ نَعصيَ بعد سماع قولك هذا.
وقيل: ((سمعنا)) جوابُ (اسمعوا))، و((عصينا)) جواب ((خذوا)).
وقال أبو منصور: إنَّ قولهم عصینا لیس علی إِثْرِ قولهم ((سمعنا)) بل بعد زمان،
كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم﴾ [البقرة: ٦٤](٢)، فلا حاجة إلى الدفع بما ذكر.
وأنت تعلم أنه لا حاجة إلی جمیع ذلك بعدما سمعت، كما لا يخفى.
﴿وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ عطف على ((قالوا))، أو مستأنف، أو حالٌ
بتقديرِ ((قد) أو بدونه، والعاملُ ((قالوا))، والإشراب: مخالطةُ المائعِ الجامدَ،
(١) البيت لشُمير بن الحارث الضبِّي، وهو في نوادر أبي زيد ص١٢٤، والزاهر لابن الأنباري
٦٠/١، والفائق ١٩٧/٢، واللسان (سمع)، والخزانة ٥/ ١٨٠ .
(٢) تأويلات أهل السنة ١/ ٧٢.

سُوَّةُ الْبَّفَقَة
٣١٨
الآية : ٩٣
وتُوسِّعَ فيه حتى صار في اللونين، ومنه: بياضٌ مُشْرَبٌ بحُمْرة، والكلام على حذف
مضاف، أي: حُبَّ العجل، وجُوِّز أنْ يكونَ العجل مجازاً عن صورته، فلا يحتاج
إلى الحذف. وذكر القلوب لبيان مكان الإشراب، وذِكْر المحلِّ المتعيِّن يُفيد مبالغةً
في الإثبات، والمعنى: داخَلَهم حُبُّ العجل، ورَسَخ في قلوبهم صورتُه لفَرْطِ
شَغَفِهم به، كما داخل الصِّبْغُ الثوبَ، وأنشدوا :
إذا ما القَلبُ أُشْرِبَ حُبَّ شيءٍ فلا تأْمَلْ لهُ عنه انصرَافًا (١)
وقيل: (أُشربوا)) من أَشْرَبْتُ البعير: إذا شَدَدْتَ في عنقه حبلاً، كأنَّ العجل شُدَّ
في قلوبهم لشغفهم به. وقيل: من الشراب، ومن عادتهم أنهم إذا عبَّروا عن مخامرةٍ
حُبِّ أو بُغضِ استعاروا له اسم الشراب، إذ هو أبلغُ مُنساغٍ في البدن، ولذا قال
الأطباء: الماءُ مَطيةُ الأغذية والأدوية، ومَرْكبُها الذي تُسافر به إلى أقطار البدن،
وقال الشاعر:
تَغَلْغل حيثُ لم يبلُغْ شَرَابٌ ولا حُزْنٌ ولمْ يبلغْ سُرورٌ(٢)
وقيل: من الشُّرْب حقيقة، وذلك أنَّ السُّدي نقل: أنَّ موسى عليه السلام بَرَدَ
العجل بالمِبْرَد، ورماه في الماء، وقال لهم: اشربوا فشربوا جميعُهم، فمَن كان
يُحبُّ العجل خرجت بُرَادته على شفتيه. ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿فِ قُلُوبِهِمْ﴾
يُبعد هذا القول جدًّا، على أنَّ ما قصَّ الله تعالى لنا في كتابه عمَّا فعل موسى عليه
السلام بالعجل يُبعد ظاهرَ هذه الرواية أيضاً.
وبناءُ (أُشربوا)) للمفعول يَدُّ على أنَّ ذلك فُعِل بهم، ولا فاعلَ سواه تعالى.
وقالت المعتزلة: هو على حَدِّ قول القائل: أُنسيتُ كذا، ولم يُرِد أن غيره فَعَل ذلك
به، وإنَّما المراد نَسيتُ، أو أنَّ (٣) الفاعل مَن زَيَّن ذلك عندهم ودعاهم إليه،
کالسامري.
(١) البيت في البحر ٣٠٩/١، والدر المصون ٥/٢.
(٢) البيت لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو في مجالس ثعلب ص٢٣٦، والأغاني
١٥١/٩، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٣٥٤/٣، وحاشية الشهاب ٢٠٧/٢، والكلام
منه .
(٣) في (م): وأن، والمثبت هو الصواب، وينظر كلام المعتزلة في البحر ٣٠٩/١.

الآية : ٩٣
٣١٩
سُورَةُ الْبَقَة
﴿يَكُفْرِهِمْ﴾ أي: بسبب كفرهم؛ لأنهم كانوا مُجسِّمةً يُجوِّزون أن يكون جِسمٌ من
الأجسام إلهاً، أو حلوليةً يُجوِّزون حلوله فيه، تعالى عن ذلك علوًّا كبيراً، ولم يروا
جسماً أعجبَ منه فتمكَّن في قلوبهم ما سوَّل لهم السامري(١)، وثعبانُ العصا كان
لا يبقى زماناً ممتدًّا، ولا يَبعُدُ من أولئك أن يعتقدوا عجلاً صنعوه على هيئة البهائم
إلهاً، وإن شاهدوا ما شاهدوا من موسى عليه السلام؛ لِمَا ترى من عبدة الأصنام
الذين كان أكثرهم أعقل من كثيرٍ من بني إسرائيل. وقيل: الباء بمعنى ((مع)) أي:
مصحوباً بكفرهم، فيكون ذلك كفراً على كفر.
﴿قُلْ بِتَسَمَا يَأْمُرُكُم بِهَ إِيمَانُكُمْ﴾ أي: بما أُنزل عليكم من التوراة
حَسْبَما تدَّعون، وإسنادُ الأمر إلى الإيمان وإضافتُه إلى ضميرهم للتهكُّم، كما في
قوله تعالى: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] والمخصوصُ بالذمِّ محذوف، أي: قتلُ
الأنبياء وكذا وكذا، وجوِّز أنْ يكونَ المخصوصُ مخصوصاً بقولهم: عصينا أمرك،
وأراه على القرب بعيداً.
﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ قَدْحٌ في دعواهم الإيمانَ بالتوراة، وإبطالٌ لها،
وجوابُ الشرط ما فُهِم من قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ إلى آخر الآيات المذكورة في
ردِّ دعواهم الإيمان، أو الجملةُ الإنشائية السابقة، إمَّا بتأويل، أو بلا تأويل، وتقريرُ
ذلك: إن كنتم مؤمنين ما رَخَّص لكم إيمانكم بالقبائح التي فعلتُم(٢) بل مَنَع عنها،
فتناقضتُم في دعواكم له، فتكون باطلاً، أو: إن كنتم مؤمنين بها فبئسَما أمركم به
إيمانُكم بها، أو فقد أمرَكَم إيمانكم بالباطل، لكنَّ الإيمان بها لا يأمر به، فإذن
لستم بمؤمنين. والملازمةُ بَيْن الشرط والجزاء على الأول بالنظر إلى نفس الأمر،
وإبطالُ الدعوى بلزُوم التناقض، وعلى الثاني: تكون الملازمة بالنظر إلى حالهم من
تعاطي القبائح مع ادعائهم الإيمان، والمؤمنُ مِنْ شأنه أنْ لا يَتعاطى إلَّا ما يُرخِّصُه
إيمانه، وإبطالُ التالي بالنظر إلى نفس الأمر.
واستَظْهَر بعضُهم في هذا ونظائره كونَ الجزاء معرفةَ السابق، أي: إن كنتم
مؤمنین تعرفون أنه بتس المأمور به.
(١) زيادة من تفسير البيضاوي ١٧١/١ .
(٢) في (م): فعلكم، وهو تصحيف.

سُورَةُ الْبَّكْرَة
٣٢٠
الآية : ٩٤
وقيل: ((إن)) نافية. وقيل: للتشكيك، وإليه يُشير كلام ((الكشاف))(١)، وفيه أنَّ
المقصد إبطالُ دعوتهم بإبراز إيمانِهِم القطعيِّ العدمِ منزلةَ ما لا قَطْعَ بعَدَمِه؛ للتبكيت
والإلزام لا للتشكيك(٢)، على أنه لم يُعْهد استعمالَ ((إنْ)) لتشكيك السامع، كما نصَّ
عليه بعضُ المحقّقين.
وقرأ الحسن ومسلم بن جندب: ((بِهُو إيمانُكُمْ)) بضمِّ الهاء ووَصْلِها بواو(٣).
﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ ردٌّ لدعوى أخرى لهم بعد ردِّ دعوى
الإيمان بما أنزل عليهم، ولاختلاف الغرض، لم يعطف أحدهما على الآخر، مع
ظهور المناسبة المصحّحة للذكر. والآية نزلت - فيما حكاه ابن الجوزي(٤) .
عندما قالت اليهود: إنَّ الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبَنيه. وقال أبو العالية
والربيع: سبب نزولها قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ إلخ [البقرة: ١١١]، و﴿نَحْنُ أَبْنَا
اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨]، و﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ إلخ [البقرة: ٨٠]، ورُوي مثله عن قتادة.
والضمير في ((قل)) إمَّا للنبيِّ وَّهِ، أو لمَن يَبغي إقامة الحَّة عليهم. والمرادُ من
((الدار الآخرة)): الجنة، وهو الشائع. واستحسَن في ((البحر)) تقديرَ مضاف، أي:
نعيم الدار الآخرة(٥). ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه، وقيل: المراد بالعندية: المكانةُ
والمرتبة والشرف، وحَمْلُها على عندية المكان - كما قيل به احتمالاً - بعيد.
﴿خَالِصَةٌ مِّنِ دُونِ النَّاسِ﴾ أي: مخصوصةً بكم كما تزعمون. والخالصُ: الذي
لا يَشُوبُه شيء، أو: ما زال عنه شَؤْبه. ونصب ((خالصة)) على الحال من ((الدار))
الذي هو اسمُ ((كان))، و((لكم)) خبرُها قُدِّم للاهتمام، أو لإفادة الحصر، وما بعده
للتأكيد، هذا إن جُوِّز مَجيءُ الحال من اسم ((كان)) وهو الأصح، ومَن لم يُجوِّز بناءً
على أنه ليس بفاعل جَعَلها حالاً من الضمير المُستكِنِّ في الخبر.
وقيل: ((خالصةً)) هو الخبر، و((لكم)) ظرفٌ لغوٌ لـ ((كان))، أو لـ ((خالصةً))،
(١) ١/ ٢٩٧.
(٢) في الأصل: التشكيك.
(٣) المحرر الوجيز ١٨١/١، والبحر ٣٠٩/١.
(٤) في زاد المسير ١١٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٣١٠/١.
(٥) البحر ٣١٠/١