Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٦٠ ٢٠١ سُورَةُ الْبَقَة وجه الشكر والتذكير بقدرة الله تعالى، فهو أمر المخاطبين بهذه الحكاية بأكلهم وشربهم ممَّا يرزقهم الله تعالى، وعدم الإفساد بإضلال الخلق، وجمعٍ عَرَض الدنيا، ويكون فصله عما سبق لأنه بيانٌ للشكر المأمور أو نتيجة للمذكور. واحتجَّت المعتزلة بهذه الآية على أنَّ الرزق هو الحلالُ؛ لأنَّ أقلَّ درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة، فاقتضى أن يكون الرزق مباحاً، فلو وُجد رزقٌ حرامٌ لكان الرزق مباحاً وحراماً، وأنه غير جائز. والجواب: أنَّ الرزق هنا ليس بعامّ إذا أُريد [به](١) المنُّ والسلوى والماء المنفجرُ من الحجر، ولا يلزم من حِلِّيَّةٍ مُعيَّنِ ما من أنواع الرزق، حِلِيَّةُ جميع الرزق. وعلى تسليم العموم يُلتزم(٢) التبعيض. ﴿وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾﴾ لمَّا أُمروا بالأكل والشرب من رزق الله تعالى، ولم يقيَّد ذلك عليهم بزمانٍ ولا مكانٍ ولا مقدار، كان ذلك إنعاماً وإحساناً جزيلاً إليهم، واستدعى ذلك التبسُّطَ في المأكل والمشرب، نهاهم عمَّا يمكن أن ينشأ عن ذلك، وهو الفساد، حتى لا يقابلوا تلك النعم بالكفران. والعِثْيّ عند بعض المحقّقين: مجاوزةُ الحدِّ مطلقاً، فساداً كان أو لا، فهو كالاعتداء، ثم غلب في الفساد، و((مفسدين)) على هذا حالٌ غيرُ مؤكِّدة، وهو الأصل فيها كما يدلُّ عليه تعريفها، وذكر أبو البقاء أنَّ العِثِيَّ الفساد، والحالُ مؤكِّدة(٣)، وفيه أنَّ مجيءَ الحال المؤكِّدة بعد الفعلية خلافُ مذهب الجمهور. وذهب الزمخشري أنَّ معناه: أشد الفساد، والمعنى: لا تتمادوا في الفساد حالَ إفسادكم(٤). والمقصدُ: النهيُ عمَّا كانوا عليه من التَّمادي في الفساد، وهو من أسلوب: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوَاْ أَضْعَافًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠] وإلا فالفسادُ أيضاً منكَرٌ منهيٌّ عنه. وفيه أنه تكلُّفٌ مستغنى عنه بما ذكرنا . (١) زيادة من البحر ٢٣٠/١، والكلام منه. (٢) في الأصل: يلزم. (٣) الإملاء ١٤٩/١. (٤) الكشاف ٢٨٤/١. سُورَةُ الْبَقَة ٢٠٢ الآية : ٦٠ والمرادُ من ((الأرض)) عند الجمهور: أرضُ التِّيه، ويجوز أن يريدها وغيرها ممَّا قدروا أن يصلوا إليها فينالها فسادُهم. وجُوِّز أن يريد الأرضين كلَّها، و((أل)) لاستغراق الجنس، ويكون فسادهم فيها من جهة أنَّ كثرة العصيان، والإصرارَ على المخالفات، والبَطَرَ، يُؤْذِنُ بانقطاع الغيث، وقَخْطِ البلاد، ونَزْع البركات، وذلك انتقامٌ يعمُّ الأرضين. هذا، ثمَّ إنَّ ظاهرَ القرآن لا يدلُّ على تكرُّر هذا الاستسقاء، ولا الضرب، ولا الانفجار، فيحتمل أن يكون ذلك متكرِّراً، ويحتمل أن يكون ذلك مرَّةً واحدة، والواحدة هي المتحقِّقة. والحكايات في هذا الأمر كثيرة، وأكثرُها لا صحة له. وقد أنكر بعض الطبيعيين هذه الواقعة، وقال: كيف يُعْقَلُ خروج الماء العظيم الكثير من الحجر الصغير. وهذا المُنكِر مع أنه لم يتصوَّر قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والاستحالات، فقد ترك النظر على طريقتهم؛ إذ قد تقرَّر عندهم أنَّ حجر المغناطيس يجذب الحديد، والحجر الحلَّاق يحلق الشعر، والحجر الباغض للخلِّ ينفر منه، وذلك كلُّه من أسرار الطبيعة، وإذا لم يكن مثلُ ذلك مُنكّراً عندهم، فليس يمتنع أن يخلق في حجرٍ آخر قوة جذب الماء من تحت الأرض، ويكون خلق تلك القوة عند ضرب العصا، أو عند أمر موسى عليه السلام، على ما ورد أنه كان بعد ذلك يأمره فينفجر، ولا ينافيه انفصاله عن الأرض كما وهم. ويحتمل أيضاً أن يقلب الله تعالى - بواسطة قوةٍ أَودَعها في الحجر - الهواء ماءً بإزالة اليبوسة عن أجزائه، وخلق الرطوبة فيها، والله تعالى على كلِّ شيء قدير. وحظّ العارف من الآية أن يعرف أنَّ (١) الروح الإنسانية وصفاتها في عالم القلب بمثابة موسى عليه السلام وقومِه، وهو مستسقٍ ربَّه لإروائها بماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمورٌ بضرب عصا: لا إله إلا الله، ولها شُعبتان من النفي والإثبات، تتَّقدان نوراً عند استيلاء ظلمات النفس - وقد حُملت من حضرة العزّة . على حجر القلب الذي هو كالحجارة أو أشدُّ قسوة، ((فانفجرت منه اثنتا عَشْرةَ عيناً)) (١) قوله: أن، ساقط من (م). وينظر غرائب القرآن للنيسابوري ٣٢٨/١. الآية : ٦١ ٢٠٣ سُورَةُ الْبَقَة من مياه الحكمة؛ لأنَّ كلمة ((لا إله إلا الله)) اثنتا عشرة حرفاً، فانفجر من كلِّ حرفٍ عينٌ، قد عَلِمَ كلُّ سِبطٍ من أسباطِ صفاتِ الإنسان، وهي اثنا عشر سِبطاً: من الحواسِّ الظاهرة والباطنة، واثنان من القلب والنفس(١) [مشربهم] ولكلِّ واحدٍ منهم مَشْرَبٌ من عينٍ جرتْ من حرفٍ من حروف الكلمة، وقد عَلِمَ مَشْرَبِه ومشربَ كلِّ واحدٍ حيث ساقه رائده، وقاده قائده، فَمِنْ مَشربٍ عَذْبٍ فُرات، ومَشْربٍ مِلْح أُجاج، والنفوس تَرِدُ مناهل التُّقى والطاعات، والأرواحُ تشرب من زُلال الكشوف والمشاهَدات، والأسرارُ تُروَى من عيون الحقائق بكأس تجلّي الصفات عن ساقي ﴿وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] للاضمحلال في حقيقة الذات ((كلوا واشربوا من رزق الله)) بأمره ورضاه، ((ولا تعثوا)) في هذا القالب ((مفسدين)) بترك الأمر، واختيارِ الوِزْر، وبيعِ الدِّين بالدنيا، وإيثارِ الأولى على العُقبى، وتقديمِهِما على المَوْلى. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ الظاهر أنه داخلٌ في تعداد النعم وتفصيلها، وهو إجابةُ سؤالهم بقوله تعالى: ((اهبطوا)) إلخ، مع استحقاقهم كمالَ السخط؛ لأنهم كفروا نعمةً إنزال الطعام اللذيذ عليهم وهم في التِّيه من غير كدّ وتعب، حيث سألوا بـ ((لن نصبر)) فإنه يدلُّ على كراهيتهم إياه؛ إذ الصبر: حبسُ النفس في المضيق، ولذا أنكر عليه بقوله تعالى: (أَشْتَّْدِلُونَ) إلخ، فالآية في الأسلوب مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُّؤْمِنَ لَّكَ﴾ إلخ [البقرة: ٥٥]، حیث عاندوا بعد سماع الكلام وأهلكوا، ثم أفاض عليهم نعمة الحياة. قال مولانا السيالكوتي: ومن هذا ظهر ضعفُ ما قال الإمام الرازي: لو كان سؤالهم معصية لَمَا أجابهم؛ لأنَّ الإجابة إلى المعصية معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء، وإنَّ قوله تعالى: (كُلُواْ وَاشْرَبُوا) أمرُ إباحةٍ لا إيجاب، فلا يكون سؤالهم غير ذلك الطعام معصية (٢). ووصف الطعام بـ ((واحد)) وإن كانا طعامين - المَنَّ والسلوى اللَّذين رُزِقُوهما في (١) أي: خمس حواس ظاهرة وخمس باطنة مع القلب والنفس. غرائب القرآن ٣٢٩/١، وما سیأتي بین حاصرتين منه. (٢) تفسير الرازي ٩٨/٢-٩٩. سُورَةُ الْبَقَة ٢٠٤ الآية : ٦١ التيه - إمَّا باعتبارٍ كونه على نهج واحد، كما يقال: طعامُ مائدةِ الأمير واحد، ولو كان ألواناً شتَّى، بمعنى أنه لا يتبدَّل ولا يختلف بحسب الأوقات. أو باعتبار كونه ضَرْباً واحداً؛ لأنَّ المنَّ والسلوى من طعام أهلِ التلذَّذ والسَّرَف، وكأنَّ القوم كانوا فلَّاحةً(١)، فما أرادوا إلا ما أَلِفِوه. وقيل: إنهم كانوا يطبخونهما معاً فيصير طعاماً واحداً. والقول بأنَّ هذا القول كان قبل نزول ((السلوى)) نازلٌ من القول، وأهونُ منه القولُ بأنهم أرادوا بالطعام الواحد السلوى؛ لأنَّ المنَّ كان شراباً أو شيئاً يتحلّون به، فلم يَعُدُّوه طعاماً آخر، وإلا نزل القول بأنه عبَّر بالواحد عن الاثنين، كما عبَّر بالاثنين عن الواحد في نحو: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُؤْلُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من أحدهما وهو المِلْحُ دون العَذْب. ﴿فَأَدْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ أي: سَلْه لأَجْلنا، بدعائك إياه بأنْ يُخرج لنا كذا وكذا. الفاءُ السببيَّةِ عدمِ الصبر للدعاء. ولغةُ بني عامر: فاذعٍ، بكسر العين، جعلوا ((دعا) من ذوات الياء؛ ک ارمی)). وإنما سألوا من موسى أن يدعوَ لهم؛ لأنَّ دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقربُ للإجابة من دعاء غيرهم، على أنَّ دعاء الغير للغير مطلقاً أقرب إليها، فما ظتُّك بدعاء الأنبياء لأُممهم؟ ولهذا قال ◌ِّ لعمر ◌َله: ((أَشْرِكْنا في دعائك))(٢). وفي الأثر: ((ادعوني بألسنةٍ لم تَعْصوني فيها))(٣)، وحُملت على ألسنةِ الغير. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية لتمهيد مبادي الإجابة، وقالوا: ((ربك))، ولم يقولوا: ربَّنا؛ لأنَّ في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا: ادعُ لنا المُحسِنَ إليك بمَا لم يُحْسِنْ به إلينا، فكما أَحْسَنَ إليك من قبلُ، نرجو أن يُحسن إليك في إجابة دعائك. ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُقْبِتُّ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِتَّآَبِهَا وَنُوبِهَا وَعَدَبِهَا وَبَصَلِهَا﴾ المراد (١) بتشديد اللام، بمعنى: حرَّاثين، من فَلَحَ الأرض: شقَّها. حاشية الشهاب ١٦٨/٢ . (٢) أخرجه أحمد (١٩٥)، والترمذي (٣٥٦٢) من حديث عمر ـ (٣) لم نقف عليه . الآية : ٦١ ٢٠٥ سُورَةُ الْبَقَة بالإخراج المعنى المجازيُّ اللَّازمُ للمعنى الحقيقيّ، وهو الإظهارُ بطريق الإيجاد، لا بطريق إزالةِ الخفاء، والحملُ على المعنى الحقيقيّ يقتضي مُخْرَجاً عنه، وما يصلح له هاهنا هو ((الأرض))، وبتقديره يصير الكلام سخيفاً. و ((يُخرج) مجزومٌ لأنه جواب الأمر، وجَزْمُهُ بلام الطلب محذوفةً لا يجوز عند البصريين. و((مِن)) الأولى تبعيضية، أي: مأكولاً بعض ما تُنْبِتُ، وادَّعى الأخفش زيادتَها(١)، وليس بشيء. و((ما)) موصولةٌ، والعائدُ محذوف، أي: تنبتُه، وجَعْلُها مصدريةً لم يجوِّزه أبو البقاء(٢)؛ لأنَّ المقدَّر جوهرٌ. ونسبةُ الإنبات إلى الأرض مجازٌ من باب النسبة إلى القابِل، وقد أودع الله تعالى في الطبقة الطينية من الأرض، أو فيها، قوةً قابلةً لذلك، وكونُ القوة القابلة مودَعةً في الحَبِّ دون التراب، ربما يفضي إلى القول بقِدَم الحَبِّ بالنوع. و ((مِن)) الثانية بيانية، فالظرفُ مستقرٌّ واقعٌ موقعَ الحال، أي: كائناً من بقلها، وقال أبو حيان: تبعيضيةٌ واقعةٌ موقعَ البدل من كلمة ((ما))، فالظرفُ لغوٌ متعلُّقٌ بـ ((يخرج))(٣). وعلى التقديرين كما قال السيالكوتي: يفيد أنَّ المطلوب إخراجُ بعض هؤلاء، ولو جعل بياناً لِمَا أفاده ((من)) التبعيضية - كما قاله (٤) المولى عصام الدين - لخلا الكلام عن الإفادة المذكورة، وأوَهَم أنَّ المطلوب إخراجُ جميع هؤلاء؛ لعدم العهد . البقل: جنسٌ يندرج فيه النبات الرَّطب ممَّا يأكله الناس والأنعام، والمراد به هنا أطابيب البقول التي يأكلها الناس. والقِثَّاء: هو هذا المعروف، وقال الخليل: هو الخيار. وقرأ يحيى بن وثَّاب وغيرهُ بضمِّ القاف(٥)، وهو لغة. والفوم: الحنطة. وعليه أكثر الناس، حتى قال الزجَّاج: لا خلافَ عند أهل (١) معاني القرآن للأخفش ١/ ٢٧٢. (٢) الإملاء ١٤٩/١ - ١٥٠. (٣) البحر ٢٣٢/١. (٤) في الأصل: قال. (٥) القراءات الشاذة ص٦، والمحتسب ٨٧/١. سُورَةُ الْبَقَة ٢٠٦ الآية : ٦١ اللغة أنَّ الفومَ الحنطة، وسائرُ الحبوبِ التي تُخْتَبِزُ يلحقها اسم الفوم(١). وقال الكسائيُّ وجماعةٌ: هو الثوم، وقد أُبدلت ثاؤه فاءً، كما في: جَدَث وجَدَف، وهو بالبصل والعدس أوفق، وبه قرأ ابن مسعود نظ ◌ُ﴾(٢)، ونَفْسُ شيخِنا - علیه الرحمةُ - إليه تميل. والقولُ بأنه الخبز يُبْعِدُه الإنباتُ من الأرض وذِكْرُهُ مع البقل وغيره. وما في (المعالم)) عن ابن عباس شًِّا، من أنَّ القومَ الخبزُ(٣). يمكن توجيهه بأنَّ معناه: أنه يقال عليه . ووَجْهُ ترتِيبِ النَّظُمِ أنه ذكر أولاً ما هو جامعٌ للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وهو البقل؛ إذْ منه ما هو باردٌ رَظب كالهندباء، ومنه ما هو حارٌّ يابس؛ كالكَرَفْس والسَّذاب(٤)، ومنه ما هو حارٌّ وفيه رطوبة كالنعناع. وثانياً: ما هو باردٌ رطبٌّ، وهو القِنَّاء. وثالثاً: ما هو حارٌّ يابسٌ، وهو الثوم. ورابعاً: ما هو باردٌ يابسٌ، وهو العدس، وخامساً: ما هو حارِّ رَظبٌ، وهو البصل، وإذا طُبخ صار بارداً رَظْباً عند بعضهم. أو يقال: إنه ذكر أولاً ما يؤكل من غير علاجٍ نارٍ، وذكر بعده ما يُعالَج به مع ما ينبغي فيه ذلك ويقبله. ﴿قَالَ أَتْشَّتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَ بِلَّذِى هُوَ خَرْ﴾ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل: قال: ((أتستبدلون)) إلخ، والقائلُ إمَّا الله تعالى على لسان موسى عليه السلام، ويرجِّحه كونُ المقام مقامَ تعدادٍ النِّعم، أو موسى نفسه، وهو الأنسبُ بسياق النظم، والاستفهامُ للإنكار، والاستبدال: الاغتیَاض. فإن قلت: كونُهم لا يصبرون على طعامٍ واحدٍ أَفْهمَ طلبَ ضمِّ ذلك إليه، لا استبداله به؟ (١) معاني القرآن للزجاج ١/ ١٤٣. (٢) القراءات الشاذة ص٦، والمحتسب ٨٨/١. (٣) تفسير البغوي المسمَّى معالم التنزيل ٧٨/١. (٤) بقل يسمَّى الفيجن له خواص معروفة في كتب الطب، وهو معرَّب. ينظر معجم متن اللغة (سذب) وشفاء الغليل للشهاب الخفاجي ص١٤٧ . الآية : ٦١ ٢٠٧ سُورَةُ الْبَكْرَة أجيبَ: بأنَّ قولهم: ((لن نصبر)) يدلُّ على كراهتهم ذلك الطعام، وعدمُ الشكر على النعمة دليلُ الزوال، فكأنهم طلبوا زوالَها ومجيءَ غيرِها. وقيل: إنهم طلبوا ذلك، وخطابُهم بهذا إشارةٌ إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا مَنَعَ عنهم المنَّ والسلوى، فلا يجتمعان. وقيل: الاستبدال في المعدة، وهو كما ترى. وقرأ أُبيِّ: (أَتْبَدِّلون))(١) وهو مجازٌ؛ لأنَّ التبديل ليس لهم، إنَّما ذلك إلى الله تعالى، لكنهم لمَّا كانوا يحصل التبديل بسؤالهم، جُعِلُوا مُبدِّلين، وكان المعنى: أتسألون تبديل الذي ... إلخ. و ((الذي)) مفعولُ ((تستبدلون)) وهو الحاصل، والذي دخلت عليه الباء هو الزائل. و((هو أدنى)) صلةُ ((الذي))، وهو هنا واجبُ الإثبات عند البصريين؛ إذ لا طُول. و((أدنى)) إمَّا من الدُّنوِّ، أو مقلوبٌ من الدُّون، وهو على الثاني ظاهر، وعلى الأول مجازٌ استُعير فيه الدنوُّ - بمعنى القُرْب المكانيِّ - للخِسَّة، كما استُعير البُعْد للشرف، فقيل: بعيد المحلِّ بعيدُ الهِمَّة، ويحتمل أن يكون مهموزاً من الدناءة، وأُبدلت فيه الهمزة ألفاً، ويؤيِّده قراءةُ زهير الكسائيّ(٢): (أدنا)) بالهمزة. وأُريد بـ (الذي هو خير)): المنُّ والسلوى، ومعنى خيريَّةِ هذا المأكول بالنسبة إلى ذلك: غلاءُ قيمته وطيبُ لذَّته، والنفعُ الجليل في تناوله، وعدمُ الكُلْفة في تحصيله، وخُلُّه عن الشبهة في حِلُّه. ﴿أَهْبِطُواْ مِصْرًا﴾ جملةٌ محكيَّةٌ بالقول كالأولى، وإنمَّا لم يعطف إحداهما على الأخرى في المحكي؛ لأنَّ الأولى خبرٌ معنًى، وهذه ليست كذلك، ولكونها كالمبيِّنة لها، فإنَّ الإهباط طريقُ الاستبدال. هذا إذا جعل الجملتان من كلام الله (١) تفسير الرازي ٣/ ١٠٠، والبحر ٢٣٣/١. (٢) في الأصل و(م): والكسائي، والمثبت هو الصواب؛ قال أبو حيان في البحر ٢٣٣/١: وقع لبعض مَن جمع في التفسير وهم في نسبة هذه القراءة للكسائي فقال: قرأ زهير والكسائي شاذًّا ... ، وإنما هو زهيرٌ الكسائيُّ، يعرف بذلك وبالفرقبي، فهو رجل واحد. اهـ. والقراءة في القراءات الشاذة ص٦، والمحتسب ٨٨/١. سُورَةُ البََّقَة ٢٠٨ الآية : ٦١ تعالى أو كلام موسى، وإن جعل إحداهما من موسى والأخرى من الله تعالى، فوجهُ الفصل ظاهر. والوقف على ((خيرٍ)) كافٍ على الأول، وتامٌّ على الثاني. والهبوط يجوز أن يكون مكانيًّا، بأن يكون التِّيه أرفعَ من المصر، وأن يكون رُتبيًّا، وهو الأنسبُ بالمقام. وقرئ: ((أُهُطوا)) بضمِّ الهمزةِ والباء(١). والمِصْرُ: البلد العظيم، وأصله: الحدُّ والحاجز بين الشيئين، قال: وجاعل الشَّمسِ مِصْراً لاخفاءَ بهِ بين النَّهارِ وبين الليلِ قد فَصَلا (٢) وإطلاقُه على البلد لأنه ممصور، أي: محدود، وأَخْذُهُ من: مَصَرْتُ الشّاةَ أَمْصُرُها: إذا حلبت كلَّ شيء في ضَرْعها، بعيد. وحكي عن أشهب أنه قال: قال لي مالك: هي مصر قريتُك، مسكنُ فرعون(٣)، فهو إذاً عَلَمٌ، وأسماء المواضع قد تُعتَبر من حيث المكانيَّة فتُذكَّر، وقد تُعتبر من حيث الأرضية فتؤنَّث، فهو إن جُعلَ عَلَماً، فإمَّا باعتبار كونه بلدة، فالصَّرْف مع العَلَميَّة والتأنيثِ لسكون الوسط، وإمَّا باعتبار كونه بلداً، فالصَّرْف على بابه؛ إذ الفرعيَّة الواحدة لا تكفي في منعه. ويؤيِّد ما قاله الإمام مالك ربه أنه في مصحف ابن مسعود: (مصر)) بلا ألف بعد الراء(٤). ويُبْعده أنَّ الظاهر من التنوين التنكير، وأنَّ قوله تعالى: ﴿أَدْ خُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ يعني الشام ﴿ الَِّى كَنَبَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] للوجوب، كما يدلُّ عليه عطفُ النهي، وذلك يقتضي المنع من دخول أرضٍ أخرى، وأن يكون الأمرُ بالهبوط مقصوراً على بلاد التِّيه، وهو ما بين بيت المقدس إلى قِنَّسْرين(٥). ومن الناس مَن جَعَل مصرَ معرَّبَ مِصرائيم - كإسرائيل - اسمٌّ لأحد أولاد نوحٍ عليه السلام، وهو أولُ مَن اختطّها فسُمِّيت باسمه، وإنَّما جاز الصرفُ حينئذٍ لعدم (١) القراءات الشاذة ص٦. (٢) البيت لعدي بن زيد، وهو في ديوانه ص١٥٩ . (٣) ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٥٤/١. (٤) تفسير الطبري ٢٥/٢، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦ عن الأعمش. (٥) كورة بالشام منها حلب، وكانت مدينةً بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص. معجم البلدان ٤ / ٤٠٤. الآية : ٦١ ٢٠٩ سُورَةُ الْبَقَة الاعتداد بالعُجمة؛ لوجود التعريب والتصرُّف فيه، فافهم وتدبّر. ﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ تعليلٌ للأمر بالهبوط، وفي ((البحر)) أنها جوابٌ للأمر، وكما يُجاب بالفعل يُجاب بالجملة، وفي ذلك محذوفان؛ ما يربطُ الجملةَ بما قبلها، والضميرُ العائدُ على ((ما)»، والتقدير: فإنَّ لكم فيها ما سألتموه (١). والتعبيرُ عن الأشياء المسؤولة بـ ((ما)) للاستهجان بذكرها . وقرأ النخعيُّ ويحيى: ((سألتم)) بكسر السين(٢). ﴿وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَةُ وَالَسْكَنَةُ﴾ أي: جُعل ذلك محيطاً بهم إحاطةَ القُبَّة بمَنِ ضُربت عليه، أو أُلصق بهم من ضَرْب الطين على الحائط، ففي الكلام استعارةٌ بالكناية، حيث شبَّه ذلك بالقُبَّة أو بالطين، و((ضُربت)) استعارةٌ تبعيةٌ تحقيقيةٌ لمعنى الإحاطة والشمول، أو اللزوم واللصوق بهم، وعلى الوجهين فالكلام كنايةٌ عن كونهم أذلّاءَ متصاغرين، وذلك بما ضُرب عليهم من الجزية التي يؤذُّونها عن يدٍ وهم صاغرون، وبما أُلزموه من إظهار الزِّيِّ ليُعلم أنهم يهود ولا يلتبسوا بالمسلمين، وبما طُبعوا عليه من فَقْر النفس وشُحِّها، فلا ترى مِلَّةً من المِلل أحرصَ منهم، وبما تعوَّدوا عليه من إظهار سوء الحال مخافةً أن تُضاعَفَ عليهم الجزية، إلى غير ذلك ممَّا تراه في اليهود اليوم، وهذا الضَرْبُ مجازاة لهم على كُفْران تلك النعمة، وبهذا ارتبطت الآية بما قبلها . وإنما أورد ضمير الغائب للإشارة إلى أنَّ ذلك راجعٌ إلى جميع اليهود، وشاملٌ للمخاطَبين بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ ولمَن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، فليس من قبيل الالتفات على ما وُهم. ﴿وَبَّءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي: نزلوا وتمكَّنوا بما حلَّ بهم من البلاء والنِّقم في الدنيا، أو بما تحقَّق لهم من العذاب في العُقبى، أو بما كُتب عليهم من المَكارِه فيهما. أو رجعوا بغضب، أي: صار عليهم، ولذا لم يَحْتَجْ إلى اعتبار المرجوع إليه، أو صاروا أحقّاءَ به، أو استحقُّوا العذاب بسببه، وهو بعيد. (١) البحر ٢٣٥/١. (٢) القراءات الشاذة ص٦، والمحتسب ٨٩/١. سُوْلَةُ الْجَمَة ٢١٠ الآية : ٦١ وأصل البواء - بالفتح والضم -: مساواةُ الأجزاء، ثم استعمل في كلِّ مساواة، فيقال: هو بواءُ فلان، أي: كفؤه، ومنه: بؤ بشِسْع نَعْل كُلَيب(١). وحديث: ((فليتبوأ مقعده من النار))(٢). وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيمٌ لشأنه بعد تعظيم، وتفخيمٌ بعد تفخيم. ﴿َذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أشار بـ ((ذلك)) إلى ما سبق من ضَرْب الذلة والمسكنة، والبوءِ بالغضب العظيم، وإنما بعَّده لِبُعد بعضِه، حتى لو كان إشارةً إلى البَوء لم يكن على لفظ البعيد، أو للإشارة إلى أنهم أدركتهم هذه الأمور مع بُعدهم عنها لكونهم أهل الكتاب، أو للإيماء إلى بُعدها في الفظاعة . والباءُ للسببية، وهي داخلةٌ على المصدر المؤوَّل، ولم يعبِّر به وعبَّر بما عبَّر تنبيهاً على تجدُّد الكفر والقتل منهم حيناً بعد حين واستمرارِهم عليهما فيما مضى، أو لاستحضار قبيح صنعهم. والآيات: إمَّا المعجزات مطلقاً، أو التسع التي أتى بها موسى عليه السلام، أو ما جاء به من التسع وغيرها، أو آياتُ الكتب المتلوَّة مطلقاً، أو التوراة، أو آياتٌ منها؛ كالآيات التي فيها صفة رسول الله وَلاو أو التي فيها الرجم، أو القرآن. وفي إضافة الآيات إلى اسمه تعالى زيادةٌ تشنيعٍ عليهم. وبدأ سبحانه بكفرهم بآياته لأنه أعظمُ كلِّ عظيم، وأَردَفه بقتلهم النبيِّين لأنه كالمَنْشأ له. وأتى بالنبيِّين الظاهرِ في القِلَّة، دون الأنبياء الظاهرِ في الكثرة؛ إذ الفرقُ بین الجمعین إذا کانا نکرتین، وأمَّا إذا دخلت عليهما ((أل)» فيتساويان - كما في (البحر))(٣) - فلا يَرِد أنهم قتلوا ثلاثَ مئة نبيٍّ في أول النهار، وأقاموا سوقهم في آخره. (١) قاله مهلهل بن ربيعة حين قتل بجير بن الحارث بن عباد بأخيه كليب، أي: قم مقام شسعه، يضرب في فرط اتُّضاع الشيء عن الشيء، حتى لا يعادل كلَّه بعضه. المستقصى ١/٢. (٢) قطعة من حديث، وقبله: ((من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ ... ))، أخرجه أحمد (٩٣١٦)، والبخاري (١١٠)، ومسلم (٣) عن أبي هريرة له. وأخرجه أحمد (١١٩٤٢)، والبخاري (١٠٨)، ومسلم (٢) من حديث أنس به. (٣) ٢٣٧/١. الآية : ٦١ ٢١١ سُورَةُ الْبَارَة وقيّد القتل بغير الحقِّ، مع أنَّ قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك؛ للإيذان بأنَّ ذلك بغير الحقِّ عندهم؛ إذ لم يكن أحدٌ معتقداً حقَّّةَ قتلٍ أحدٍ منهم عليهم السلام، وإنَّما حَمَلَهم عليه حبُّ الدنيا، واتباعُ الهوى، والغلوُّ في العصيان والاعتداء، فاللام في ((الحق)) على هذا للعهد. وقيل: الأظهرُ أنها للجنس، والمراد: بغير حقِّ أصلاً؛ إذ لامُ الجنس المبهم كالنكرة، ويؤيِّدهُ ما في آل عمران ﴿يِغَيْرِ حَقٍ﴾ [الآية: ٢١] فيفيد أنه لم يكن حقًّا باعتقادهم أيضاً. ويمكن أن يكون فائدة التقييد إظهارَ معايبٍ صنيعهم، فإنه قَتْلُ النبيِّ، ثم جماعةٍ منهم، ثم كونه بغير الحقِّ، وهذا أوفقُ بما هو الظاهرُ من كون المنهيِّ القتلَ بغير الحقِّ في نفس الأمر، سواءٌ كان حقًّا عند القاتل أو لا، إلّا أنَّ الاقتصار على القتل بغير الحقِّ عندهم أنسبُ للتعريض بما هم فيه على ما قيل. والقول بأنه يمكن أن يقال: لو لم يقيّد بـ ((غير الحقِّ) لأفاد أنَّ من خواصٌ النبوة أنه لو قَتَل أحداً بغير حقِّ لا يُقتصّ، ففائدة التقييد أن يكون النَّظْمُ مفيداً لِمَا هو الحكم الشرعيُّ = بعيدٌ كما لا يخفى. قال بعض المتأخّرين: هذا كلُّه إذا كان ((الغير)) بمعنى النفي، أي: بلا حقّ، أما إذا كان بمعناه، أي: بسبب أمرٍ مُغايرٍ للحقِّ، أي: الباطل، فالتقييد مفيدٌ لأنَّ قتلهم النبيين بسبب الباطل وحمايته. وقريبٌ من هذا ما قاله القفَّال من أنهم كانوا يقولون: إنهم كاذبون، وإنَّ معجزاتهم تمويهات. ويقتلونهم بهذا السبب، وبأنهم يريدون إبطال ما هم عليه من الحقِّ بزعمهم. ولعلَّ ذلك غالبُ أحوالهم، وإلا فشعيا ويحيى وزكريا عليهم السلام لم يُقتلوا لذلك، وإنما قُتل شعيا لأنَّ ملكاً من بني إسرائيل لمَّا مات مَرَجَ أمرُ بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، وقتل بعضهم بعضاً، فنهاهم عليه السلام، فبغَوا عليه وقتلوه. ويحيى عليه السلام إنما قُتل لقصَّة تلك الامرأة لعنها الله تعالى، وكذلك زكريا؛ لأنه لمَّا قُتل ابنه انطلق هارباً، فأرسل الملك في طلبه غضباً لِمَا حصل لامرأته من قَتْلِ ابنه، فَوُجد في جوف شجرة، ففلقوا الشجرة معه فَلْقتين طولاً بمنشار. سُورَةُ الْبَقَة ٢١٢ الآية : ٦١ ثم الظاهرُ أنَّ الجارَّ والمجرورَ ممَّا تنازع فيه الكفرُ والقتل، وفي ((البحر)) أنه متعلّقٌ بما عنده(١). وزعم بعض الملحدين أنَّ بين هذه الآية وما أشبهها، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١] تناقضاً. وأجيب بأنَّ المقتولين من الأنبياء، والموعودُ بنصرهم الرسلُ. ورُدَّ بأنَّ قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَغَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] يدلُّ على أنَّ المقتول رسلٌ أيضاً. وأجاب بعضهم بأنَّ المراد: النصرةُ بغلبة الحُجَّة، أو الأخذِ بالثأر كما روي عن ابن عباس ◌ًّا أنَّ الله تعالى قدَّر أن يقتل بكلِّ نبيِّ سبعين ألفاً، وبكلِّ خليفة خمساً وثلاثين ألفاً، ولا يخفى ما فيه. فالأحسن أنَّ المراد بالرسل: المأمورون بالقتال، كما أجاب به بعض المحقّقين؛ لأن أَمْرَهم بالقتال وعدمَ عصمتهم لا يليق بحكمة العزيز الحكيم. وقرأ عليَّ رَه ((يُقتِّلون)) بالتشديد(٢). والحسن في رواية عنه: ((وتقتلون)) بالتاء(٣)، فيكون ذلك من الالتفات. وقرأ نافعٌ بهمز ((النبيئين)) وكذا ((النبي(ء) و((النبوءة))(٤)، واستُشكل بما روي أنَّ رجلاً قال للنبي ◌ّر: يا نبيء الله. بالهمز، فقال: ((لستُ بنبيء الله)) يعني: مهموزاً ((ولكن نبي الله))(٥) بغير همزة فأنكر عليه ذلك. ولهذا منع بعضهم من إطلاقه عليه، (١) يعني بـ ((يَقْتُلُون)). البحر ٢٣٧/١. (٢) القراءات الشاذة ص٦، والبحر ٢٣٦/١. (٣) المحرر الوجيز ١٥٥/١، والبحر ٢٣٦/١. (٤) التيسير ص٧٣ . (٥) أخرجه العقيلي في الضعفاء ٣/ ٨١ من حديث ابن عباس ؤها، وفي إسناده عبد الرحيم بن حماد الثقفي، وهو شيخ واوٍ كما قال الذهبي في الميزان ٦٠٤/٢. وأخرجه الحاكم ٢٣١/٢ من حديث أبي ذرِّ رُْ. وصححه، فتعقبه الذهبي بقوله: بل منكر لم يصح. اهـ. وقال أبو علي الفارسي: ومما يقوي ضعفه أنه عليه الصلاة والسلام قد أنشده المادح: يا خاتم النباء، ولم يؤثر في ذلك إنكار. ينظر الحجة للفارسي ٩٠/٢، والمحرر الوجيز ١٥٥/١. الآية : ٦١ ٢١٣ سُورَةُ الْبَّفْعَة عليه الصلاة والسلام، على أنه استُشكل أيضاً جمع ((النبي)) على ((نبيين)) وهو فعيل بمعنى مفعول، وقد صرَّحوا بأنه لا يجمع جمع مذكر سالم. وأجيب عن الأول بأنَّ أبا زيد حكى: نَبَأت من الأرض: إذا خرجت منها، فمُنع لوهم أنَّ معناه: يا طريد الله تعالى. فنهاه عن ذلك لإيهامه، ولا يلزم من صحة استعمال الله تعالى له في حقِّ نبيِّهِ وَ﴿ الذي برَّأه من كلِّ نقصٍ جوازُهُ من البشر. وقيل: إنَّ النهيَ كان خاصًّا في صدر الإسلام، حيث دسائسُ اليهود كانت فاشيةً، وهذا كما نهى عن قول ﴿رَعِنَا﴾ إلى قول ﴿أَنْقُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]. وعن الثاني بأنه ليس بمتَّفق عليه، إذ قيل: إنه بمعنى فاعل، ولو سلّم فقد خرج عن معناه الأصلي، ولم يلاحظ فيه هذا؛ إذ يطلقه عليه مَن لا يعرف ذلك، فصحَّ جمعُهُ باعتبار المعنى الغالبِ عليه، فتدبر. ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾﴾ إشارةٌ إلى الكفر والقتل الواقعين سبباً لِمَا تقدَّم، وجازت الإشارة بالمفرد إلى متعدِّدٍ؛ للتأويل بالمذكور ونحوِهِ ممَّا هو مفردٌ لفظاً متعدِّدٌ معنىّ، وقد يجري مثل ذلك في الضمير حملاً عليه. والباء للسببية، وما بعدها سببٌ للسبب، والمعنى: إنَّ الذي حملهم على الكفر بآيات الله تعالى وقَتْلِهم الأنبياء، إنَّما هو تقدُّم عصيانهم واعتدائهم، ومجاوَزَتِهم الحدودَ، والذنبُ يجرُّ الذنبَ، وأَّد الأول لأنه مِظنَّةُ الاستبعاد، بخلاف مطلق العصيان. وقيل: الباء بمعنى مع. وقيل: الإشارة بـ ((ذلك)) إلى ما أُشير إليه بالأول، وترك العاطف للدلالة على أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مستقلٌّ في استحقاق الضرب، فكيف إذا اجتمعا؟ وضُعِّف هذا الوجه بأنَّ التكرار خلافُ الأصل، مع فوات معنًى لطيفٍ حصل بالأول. وسابقُه بأنه لا يظهر حينئذ لإيراد كلمة ((ذلك)) فائدة؛ إذ الظاهر: بما عصوا .. إلخ، ويفوت أيضاً ما يفوت. وحظّ العارف من هذه الآياتِ الاعتبارُ بحال هؤلاء الذين لم يرضَوا بالقضاء، ولم يشكروا على النعماء، ولم يصبروا على البلواء، كيف ضَرَبَ عليهم ذُلَّ الطغيان قبل وجود الأكوان، وقَهَرهم بلَظمة المسكنة في بيداء الخذلان، وألبس قلوبَهم حُبَّ الدنيا، وأهبطهم من الدرجة العليا . سُورَةُ الْبَارَة ٢١٤ التفسير الإشاري (٦١) ومن باب الإشارة: الطعامُ الواحدُ هو الغذاء الروحانيُّ من الحكمة والمعرفة، وما تُنبته الأرض هو الشهواتُ الخبيثة، واللذَّات الخسيسة، والتفكُّهات الباردة الناشئة من أرض النفوس المبتذلة في مصر البدن، الموجبة للذلَّة لمَن ذاقها، والمسكنةِ لِمَن لاكَها، والهلاكِ لمَن ابتلعها، وسببُ طلب ذلك الاحتجابُ عن آيات الله تعالى وتجلِّياتِه، وتسويدُ القلوبِ بدَرَن الذنوب، وقَظْعُ وَريدِها بقطع وارِدِها، والذي يجرُّ إلى هذا: الغفلةُ عن المحبوب، والاعتياضُ بالأغيار عن ذلك المطلوب، نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لمَّا انجرَّ الكلام إلى ذكر وعيدٍ أهل الكتاب، قَرَنَ به ما يتضمَّن الوعدَ؛ جرياً على عادته سبحانه من ذكر الترغيب والترهيب، وبهذا يَتَّضح وجهُ توسيط هذه الآية وما قبلها بين تعداد النعم. وفي المراد بـ ((الذين آمنوا)» هنا أقوالٌ، والمرويُّ عن سفيان الثوري: أنهم المؤمنون بألسنتهم، وهم المنافقون بدليل انتظامهم في سلك الكَفَرة، والتعبيرُ عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأنَّ تلك المرتبةَ وإن عُبِّر عنها بالإيمان لا تُجديهم نفعاً، ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعاً. وعن السُّدِّي أنهم الحنيفيُّون ممَّن لم يلحق الرسول مَّي كزيد بن عمرو بن نفيل، وقِسِّ بن ساعدة، وورقة بن نوفل. ومن لحقه، كأبي ذرِّ، وبَحيرى، ووقْدٍ النجاشيِّ الذين كانوا ينتظرون البعثة. وعن ابن عباس ﴿ه أنهم المؤمنون بعيسى قبل أن يُبعث الرسولُ والَهـ وروى السُّدِّي عن أشياخه: أنَّهم المؤمنون بموسى إلى أن جاء عيسى عليهما السلام، فآمنوا به. وقيل: إنَّهم أصحابُ سلمانَ الذين قصَّ حديثَهم على رسول الله وَله فقال له: (((هم في النار)) فأظلمت الأرض عليه - كما روى مجاهدٌ عنه - فنزلت عند ذلك الآيةُ إلى ((يحزنون)) قال سلمان: فكأنَّما كُشِفَ عنِّي جبلٌ (١). (١) أخرجه عن مجاهد بهذا اللفظ الواحدي في أسباب النزول ص٢٢-٢٣، وبنحوه الطبري ٤٥/٢، ومجاهد لم يسمع من سلمان. الآية : ٦٢ ٢١٥ سُورَةُ الْبَةَ وقيل: إنهم المتديِّنون بدين محمد ﴿ مُخْلِصينَ أو منافقين، واختاره القاضي(١). وكأنَّ سبب الاختلاف قولُه تعالى فيما بعد: ﴿مَنْ ءَامَنَ﴾ إلخ، فإنَّ ذلك يقتضي أن يكون المراد من أحدهما غير المراد من الآخر، وأقلُّ الأقوال مؤونةً أوَّلُها . ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: تهوَّدوا. يقال: هاد وتهوَّد: إذا دخل في اليهودية، ويهود إما عربيٍّ من هاد: إذا تاب، سُمُّوا بذلك لمَّا تابوا من عبادة العجل، ووجهُ التخصيص كونُ توبتِهم أشقَّ الأعمال كما مرّ. وإمّا معرَّبُ يهوذا - بذالٍ معجمة وألف مقصورة - كأنهم سُمُّوا بأكبر أولاد يعقوبَ عليه السلام. وقرئ: ((هادَوا)) بفتح الدال(٢)، أي: مال بعضهم إلى بعض. ﴿وَالنَّصَدَرَى﴾: جمع نَصْران، بمعنى نصراني، وورد ذلك في كلام العرب وإن أنکره البعض؛ کقوله: تراهُ إذا دارَ العَشِيُّ محنِّفاً ويُضْحِي لَدَيهِ وهو نَصرانُ شامِسُ (٣) ويقال في المؤنث نصرانة، كندمان وندمانة، قاله سيبويه وأنشد: كما سَجَدَتْ نَصرانَةٌ لِمْ تَحَنَّفِ (٤) والياء في نصرانيٍّ عنده للمبالغة، كما يقال للأحمر: أحمري، إشارة إلى أنه عريقٌ في وصفه. وقيل: إنها للفرق بين الواحد والجمع؛ کزنْجٍ وزنجيّ، ورُومٍ ورُوميّ. (١) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢/ ٧٢. .(٢) القراءات الشاذة ص٦. (٣) البيت في تفسير الطبري ١٤٢/٢، والأضداد لابن الأنباري ص١٨١، والمحرر الوجيز ١٥٧/١، ومجمع البيان ١/ ٢٨٠. والبيت في صفة الحرباء، ومحنفاً: قد تحنَّف، أو صار إلى الحنيفية، يعني أنه مستقبل القبلة، وقوله: لديه، يعني لدى العشي، وشامس: يعني أنه مستقبل الشمس قبل المشرق، يقول: يستقبل الشمس كأنه نصراني. (٤) الكتاب ٢٥٦/٣ و٤١١، وصدره: فكلتاهما خرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها، ونسبه سيبويه لأبي الأخزر الحِمَّاني، وهو دون نسبة في تفسير الطبري ٣٣/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٤٧/١، والصحاح (نصر)، والبحر ٢٣٨/١، وحاشية الشهاب ٢/ ١٧٢. سُورَةُ الَّرَة ٢١٦ الآية : ٦٢ وقيل: النصارى جمع نَصريٍّ؛ كَمَهْرِيٌّ ومَهارَى، حذفت إحدى ياءيه، وقلبت الكسرة فتحة للتخفيف، فقلبت الياء ألفاً، وإلى ذلك ذهب الخليل. وهو اسمٌ لأصحاب عيسى عليه السلام، وسُمُّوا بذلك؛ لأنهم نصروه، أو النَصْرِ بعضهم لبعضٍ. وقيل: إنَّ عيسى عليه السلام وُلد في بيت لحم بالقدس، ثم سارت به أمُّه إلى مصر، ولمّا بلغ اثنتي عشرة سنة، عادت به إلى الشام وأقامت بقرية ناصرة، وقيل: نصرايا، وقيل: نصرى، وقيل: نصرانة، وقيل: نصران، وعليه الجوهري(١) فسُمِّي مَن معه باسمها، أو أُخذ لهم اسمٌ منها. ﴿وَالضَِّينَ﴾: هم قومٌ مدارُ مذاهبهم على التعصُّب للروحانيين، واتِّخاذِهم وسائطً، ولمَّا لم يتيسَّر لهم التقرُّب إليها بأعيانها والتلقِّي منها بذواتها، فزعت جماعة منهم إلى هياكلها، فصابئةُ الروم مفزعُها السيارات، وصابئةُ الهند مفزعُها الثوابت، وجماعةٌ نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن أحدٍ شيئاً. فالفرقة الأولى هم عَبَدَةُ الكواكب، والثانية هم عَبَدَةُ الأصنام، وكلٌّ من هاتين الفرقتين أصنافٌ شتَّى مختلفون في الاعتقادات والتعبُّدات، والإمامُ أبو حنيفة ◌َُّه يقول: إنهم ليسوا بعبدةٍ أوثانٍ، وإنَّما يعظّمون النجوم كما تُعَظِّم الكعبة. وقيل: هم قومٌ موحّدون يعتقدون تأثير النجوم، ويقرُّون ببعض الأنبياء؛ كيحيى علیه السلام. وقيل: إنھم یقرُّون بالله تعالى، ويقرؤون الزبور، ويعبدون الملائكة، ويصلُّون إلى الكعبة، وقيل: إلى مهبِّ الجنوب، وقد أَخذوا من كلِّ دينٍ شيئاً. وفي جوازِ مُناكحتهم وأكلٍ ذبائحهم كلامٌ للفقهاء يُطلب في مَحلِّه. واختلف في اللفظ فقيل: غيرُ عربيٍّ، وقيل: عربيٍّ من صبأ - بالهمز -: إذا خرج، أو من صبا معتلاً بمعنى: مال؛ لخروجهم عن الدين الحقِّ، وميلهم إلى الباطل. وقرأ نافعٌ وحده بالياء(٢)، وذلك إمَّا على الأصل، أو الإبدالِ للتخفيف. ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ أي: أَحْدثَ من هذه الطوائف إيماناً بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبؤَّات وبالنشأة الثانية على الوجه اللائق، وأتى بعملٍ (١) في الصحاح (نصر). (٢) التيسير ص٧٤، والنشر ٣٩٧/١، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. الآية : ٦٢ ٢١٧ سُوَّةُ الْبَقَة صالحِ حَسْبَما يقتضيه الإيمانُ بما ذُكر، وهذا مبنيٌّ على أول الأقوال، والقائلون بآخِرِهًا منهم مَن فسَّر الآية بمَن اتَّصف من أولئك بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعادِ على الإطلاق، سواءٌ كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه؛ كإيمان المُخْلِصينَ، أو بطريق إحداثه وإنشائه؛ كإيمان مَنْ عَداهم من المنافقين وسائرِ الطوائف. وفائدةٌ التعميم للمخلصين مزيدُ ترغيبِ الباقين في الإيمان ببيانِ أنَّ تأخّرهم في الاتِّصاف به غيرُ مُخِلِّ بكونهم أسوةً لأولئك الأقدمين. ومنهم مَن فسَّرها بـ : مَن كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدِّقاً بقلبه بالمبدأ والمَعاد عاملاً بمقتضى شرعه، فيعمُّ الحكمُ المخلصينَ من أمة محمدٍ وَّه والمنافقين الذين تابوا، واليهود والنصارى الذين ماتوا قبل التحريف والنسخ، والصابئين الذين ماتوا زمن استقامة أمرهم إن قيل: إنَّ لهم ديناً، وكذا يعمُّ اليهودَ والصابئين الذين آمنوا بعيسى عليه السلام وماتوا في زمنه، وكذا مَن آمن من هؤلاء الفرق بمحمد ولقد . وفائدةُ ذكر (الذين آمنوا)) على هذا مع أنَّ الوعيد السابق كان في اليهود؛ لتسكين حميَّة اليهود بتسوية المؤمنين بهم في أنَّ كونَ كلِّ في دينه قبل النسخ يوجب الأجر، وبعده يوجب الحرمان، كما أنَّ ذكر ((الصابئين)) للتنبيه على أنهم مع كونهم أَبَيَنُ المذكورين ضلالاً، يتاب عليهم إذا صحَّ منهم الإيمان والعملُ الصالح، فغيرُهم بالطريق الأَولى، وانفهامُ قبل النسخ من ((وعمل صالحاً))؛ إذ لا صلاحَ في العمل بعده. وهذا هو الموافقُ لسبب النزول، لا سيما على روايةٍ أنَّ سلمانَ رَظُه ذكر للنبيِّ وَُّ حُسْنَ حالِ الرهبان الذين صَحِبَهم، فقال: ((ماتوا وهم في النار)) فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: ((مَن مات على دين عيسى عليه السلام قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن سمع ولم يؤمن بي فقد هلك))(١). والمناسبُ لعموم اللفظ، وعدمٍ صرفه إلى تخصيص ((الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى)) بالكَفَرة منهم، وتخصيصٍ ((مَن آمن)) إلخ، بالدخول في ملَّةِ الإسلام. (١) أخرجه الطبري ٢/ ٤٥ عن مجاهد في قصة سلمان سُورَةُ الْبَيْرَة ٢١٨ الآية : ٦٢ إلَّا أنه يَرِدُ عليه أنه مستلزمٌ أن يكون للصابئين دين، وقد ذكر غيرُ واحدٍ أنه ليس لهم دينٌّ تجوزُ رعايته في وقتٍ من الأوقات، ففي «الملل والنحل، أنَّ الصَّبوةَ في مقابَلَةِ الحَنيفيَّةِ، ولِمَيل هؤلاء عن سَنَّنِ الحقِّ، وزيغهم عن نَهْجِ الأنبياء، قيل لهم: الصابئة(١). ولو سُلُّم أنه كان لهم دينٌ سماويٌّ ثم خرجوا عنه، فمَنْ مضى من أهل ذلك الدِّين قبل خروجهم منه ليسوا من الصابئين، فكيف يمكن إرجاعُ الضمير الرابط بين اسم ((إنَّ)) وخبرها إليهم على القول المشهور؟ وارتكابُ إرجاعه إلى المجموع من حيث هو مجموعٌ، قصداً إلى إدراج الفريق المذكور فيهم، ضرورةً أنَّ مَن كان من أهل الكتاب عاملاً بمقتضَى شَرْعِه قبلَ نَسْخِه، من مجموع أولئك الطوائف بحكم اشتماله على اليهود والنصارى وإن لم يكن من الصابئين = ممَّا يجب تنزيهُ ساحة التنزيل عنه، على أنَّ فيه بعدُ ما لا يخفى، فتدبّر. و(مَن)) مبتدأ، وجوَّزوا فيها أن تكون موصولةً، والخبرُ جملةُ قولِه تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَيِّهِمْ﴾ ودخلت الفاء لتَضَمُّن المبتدأ معنى الشرط، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَوَا﴾ الآية [البروج: ١٠]. وأن تكون شرطيةً، وفي خبرها خلافٌ: هل الشرط، أو الجزاء، أو هما؟ وجملةُ ((مَن آمن)) إلخ، خبرُ ((إنَّ) فإن كانت (مَن) موصولةً - وهو الشائع هنا - احتيج إلى تقديرِ ((منهم) عائداً، وإن كانت شرطية لم يُخْتَجْ على تقديره؛ إذ العمومُ يُغني عنه، كأنه قيل: هؤلاء وغيرُهم إذا آمنوا فلهم ... إلخ، على ما قالوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. وجوَّز بعضهم أن تكون (مَن)) بدلاً من اسم ((إنَّ)، وخبرُها: ((فلهم أجرهم)). واختار أبو حيَّان أنَّها بدلٌ من المعاطيف التي بعد اسم ((إنَّ) فيصحُّ إذ ذاك المعنى، وكأنه قيل: إنَّ الذين آمنوا مِن غير الأصناف الثلاثة، ومَن آمن مِن الأصناف الثلاثة فلهم أجرهم ... إلخ(٢)، وقد حملت الضمائر الثلاثة باعتبار معنى الموصول، كما أنَّ إفراد ما في الصلة باعتبار لفظه، وفي ((البحر))(٣) إنَّ هذين الحملين لا يتمَّان (١) الملل والنحل الشهر ستاني ص٥. (٢) البحر ٢٤٢/١. (٣) ٢٤٢/١. الآية : ٦٣ ٢١٩ سُوَّةُ الَفَة إلا بإعراب (مَن)) مبتدأ، وأمَّا على إعرابها بدلاً فليس فيها إلا حملٌ على اللفظ فقط، فافهم. ثم المرادُ من الأجر: الثوابُ الذي وُعدوه على الإيمان والعمل الصالح، فإضافته إليهم واختصاصُه بهم بمجرَّد الوعد لا بالاستيجاب كما زعمه الزمخشري(١) رعايةً للاعتزال، لكن تسميته أجراً لعدم التخلُّف، ويؤيِّد ذلك قولُه تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ المشيرُ إلى أنَّه لا يَضيع؛ لأنه عند لطيفٍ حفيظِ، وهو متعلّقٌ بما تعلّق به (لهم)) ويحتمل أن يكون حالاً من ((أجرهم)). ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ (٣)﴾ عطفٌ على جملة ((فلهم أجرهم)) وقد تقدَّم الكلام على مثلها في آخر قصة آدم عليه السلام، فأغنى عن الإعادة هنا. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَّكُمْ﴾ تذكيرٌ بنعمة أخرى؛ لأنه سبحانه إنَّما فعل ذلك لمصلحتهم. والظاهرُ من الميثاق هنا: العهدُ، ولم يقل: مواثيقكم؛ لأنَّ ما أُخذ على كلِّ واحد منهم أُخذ على غيره، فكان ميثاقاً واحداً، ولعله كان بالانقياد لموسى عليه السلام. واختلف في أنه متى كان؟ فقيل: قبل رفع الطور، ثم لمّا نقضوه رُفع فوقهم؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَرَفَّعْنَا فَوْقَّهُمُ الْعُوَرَ بِمِيثَِهِمْ﴾ إلخ [النساء: ١٥٤]. وقيل: كان معه. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُوَرَ﴾ الواو للعطف، وقيل: للحال، و((الطور)»: قيل: جبلٌ من الجبال، وهو سريانيٌّ معرَّب. وقيل: الجبل المعيّن. وعن أبي حاتم (٢) عن ابن عباس: أنَّ موسى عليه السلام لمَّا جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقَّة، كَبُرتْ عليهم وأَبَو قَبولها، فأُمر جبريلُ بقَلْع الُور، فظلَّله فوقهم حتى قبلوا(٣). وكان على قَدْرِ عسكرهم فرسخاً في فرسخ، ورُفع فوقهم قَدْرَ قامة الرجل. واستشكل بأنَّ هذا يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان فَيُنافي التكليف. (١) في الكشاف ٢٨٦/١. (٢) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: ابن أبي حاتم، وينظر التعليق الذي بعده. (٣) أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم ٥/ ١٦١٠، وذكره بلفظ المصنف دون نسبة الزمخشري في الكشاف ٢٨٦/١، والبيضاوي ١٥٨/١ . سُورَةُ الْبَّكَفَة ٢٢٠ الآية : ٦٣ وأجاب الإمام بأنه لا إلجاءَ؛ لأنَّ الأكثر فيه خوفُ السقوط عليهم، فإذا استمرَّ في مكانه مدَّةً، وقد شاهدوا السماوات مرفوعةً بلا عماد، جاز أن يزول عنهم الخوف، فیزول الإلجاء ویبقی التکلیف(١). وقال العلّامة: كأنه حصل لهم بعد هذا الإلجاء قبولٌ اختياريٍّ، أو كان يكفي في الأمم السالفة مثلُ هذا الإيمان. وفيه كما قال السيالكوتي: أنَّ الكلام في أنه كيف يصحُّ التكليف بـ ((خذوا، إلخ مع القَسْر، وقد تقرَّر أنَّ مبناه على الاختيار؟ فالحقُّ أنه إكراه؛ لأنه حَمْلُ الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختاره لو خُلِّي ونفسّه، فيكون معدماً للرضا لا للاختيار؛ إذ الفعل يصدر باختياره كما فُصِّل في الأصول، وهذا كالمحارَبة مع الكفار، وأمَّا قولهُ: ﴿لَّ إِكْرَاءَ فِى الْذِينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقولهُ سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرُهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] فقد كان قبل الأمر بالقتال، ثم نُسخ به. ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَّيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ هو على إضمار القول، أي: قلنا، أو قائلين: خذوا، وقال بعض الكوفيين: لا يحتاج إلى إضماره؛ لأنَّ أَخْذَ الميثاق قول، والمعنى: وإذ أخذنا ميثاقكم بأن تأخذوا ما آتيناكم. وليس بشيء. والمراد بالقوة هنا: الجِدُّ والاجتهاد، كما قاله ابن عباس ﴿ًّا، ويَؤُولُ إلى عدم التكاسُلِ والتغافُلِ، فحينئذٍ لا تصلح الآية دليلاً لمَن ادَّعى(٢) أنَّ الاستطاعة قبل الفعل؛ إذ لا يقال: خذ هذا بقوة، إلا والقوة حاصلة فيه = لأنَّ القوة بهذا المعنى لا تُنكَرُ صحةُ تقدُّمِها على الفعل. ﴿وَأَذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ أي: ادرسوه واحفظوه ولا تنسَوْه، أو: تدبَّروا معناه، أو: اعملوا بما فيه من الأحكام، فالذكرُ يحتمل أن يُراد به الذكرُ اللُّسانيُّ والقلبيُّ، والأعمّ منهما، وما يكون كاللازم لهما، والمقصود منهما، أعني: العمل. ﴿لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٣)﴾ قد تقدَّم الكلام على الترجِّي في كلامه تعالى(٣)، وقد ذُكر (١) تفسير الرازي ١٠٨/٣. (٢) هو الجبائي، كما في تفسير الرازي ١٠٨/٣. (٣) ينظر ما سلف ص ١٥ وما بعدها من هذا الجزء.