Indexed OCR Text

Pages 161-180

الآية : ٤٩
١٦١
سُوَُّ الْبَرَة
وفرعون: لقبٌ لمَن ملك العمالقة؛ ككسرى لِمَلِكِ الفرس، وقيصر لِمَلِكِ
الروم، وخاقان لملك الترك، وتُبَّع لملك اليمن، والنجاشيِّ لملك الحبشة. وقال
السهيليُّ: هو اسمٌ لكلّ من مَلَكَ الِقِبطّ ومصر (١). وهو غيرُ منصرفٍ؛ للعلمية
والعُجْمة، وقد اشتُقَّ منه باعتبار ما يلزمه فقيل: تَفَرْعَنَ الرجلُ: إذا تجبَّر وعتا.
واسم فرعون هذا: الوليد بن مصعب، قاله ابن إسحاق(٢) وأكثرُ المفسِّرين.
وقيل: أبوه مصعب بن ريَّان. حكاه ابن جرير(٣). وقيل: قنطوس، حكاه مقاتل.
وذكر وهب بن منبِّه أنَّ أهل الكتابين قالوا: إنَّ اسمه قابوس وكنيته أبو مُرَّة، وكان
من القبط. وقيل: من بني عِمليق أو عِملاق بن لاوز بن إرَمَ بن سام بن نوح عليه
السلام، وهم أممٌ تفرَّقوا في البلاد.
وروي أنه من أهل إصطَّخْر، وَرَدَ إلى مصر فصار بها ملكاً. وقيل: كان عطّاراً
بأصفهان رَكِبَتْهُ الديون، فدخل مصر وآلَ أمرُهُ إلى ما آل، وحكاية البِطّيخ شهيرةٌ،
وقد نقلها مولانا مفتي الديار الرومية في تفسيره (٤).
والصحيحُ أنه غيرُ فرعونِ يوسف عليه السلام، وكان اسمه على المشهور:
الریَّان بن الوليد، وقد آمن بيوسف ومات في حياته، وهو من أجداد فرعون
المذكورِ على قول، ويؤيِّد الغَيرِيَّةَ أنَّ بین دخول یوسف ودخول موسى عليهما
السلام أكثرُ من أربعٍ مئةٍ سنةٍ.
والمرادُ بـ ((آل فرعون)) هنا: أهلُ مصر، أو أهلُ بيته خاصة، أو أتباعُه على
دينه، وبـ ((أنجيناكم)): أنجينا آباءكم، وكذا نظائرُه، فلا حجةً فيها لتناسخيٍّ، وهذا
في كلام العرب شائعٌ کقول حسان:
ونحن قتلناكم ببدرٍ فأصبحَتْ عساكركُمْ في الهالكينَ تجولُ(٥)
و ((يسومونكم)) من السوم، وأصله: الذهابُ للطّلب، ويستعمل للذهاب وحده
(١) التعريف والإعلام للسهيلي ص٢١.
(٢) أخرجه عنه الطبري ١/ ٦٤٢.
(٣) تفسير الطبري ١/ ٦٤٠، وفيه أن هذا اسمُه وليس اسم أبيه، ومثله في البحر ١/ ١٩٣.
(٤) تفسير أبي السعود ٩٩/١.
(٥) سيرة ابن هشام ٢٦٨/٢ برواية: معاشركم، بدل: عساکرکم، وليس في ديوان حسان.

سُؤَدَّةُ الْبَقَة
١٦٢
الآية : ٤٩
تارةً، ومنه: السائمة، وللطلب أخرى، ومنه: السوم في البيع، ويقال: سامه: كلَّفه
العمل الشاقّ. والسُّوء: مصدرُ ساء يسوء، ويراد به السيِّء، ويستعمل في كلِّ
ما يقبح؛ كأعوذ بالله تعالى من سوء الخُلقُ.
و((سوءَ العذاب)): أَفْطَعُه وأَشَدُّه بالنسبة إلى سائره، وهو منصوبٌ على
المفعولية لـ ((يسومونكم)) بإسقاط حرف الجرِّ أو بدونه، والجملة يحتمل أن تكون
مستأنفةً وهي حكاية حالٍ ماضية، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من ضمير
(نجَّيناكم)) أو (من آل فرعون)) وهو الأقرب، والمعنى: يُوَلُّونكم أو يكلِّفونكم
الأعمال الشاقة والأمورَ الفظيعة، أو: يرسلونكم إليها ويصرِّفونكم فيها، أو:
يبغونكم سوءَ العذاب المفسَّرِ بما بعده. وقد حكي أنَّ فرعون جعل بني إسرائيل
خدماً وخَوَلاً (١)، وصنَّفهم في الأعمال، فصنفٌ يبنون، وصنفٌ يحرثون، وصنفٌ
يخدمون، ومَن لم يكن منهم في عملٍ وضع عليه الجزية يؤدِّيها كلَّ يوم، ومَن
غربت عليه الشمسُ قبل أن يؤدِّيها غُلَّتَ يده إلى عنقه شهراً، وجعل النساء يغزلنَ
الگتَّان وینسجن.
﴿يُذَّبِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ﴾ جملةٌ حاليةٌ أو استئنافية، كأنه قيل: ما الذي سامُوهم إياه،
فقال: ((يذبِّحون)) إلخ، ويجوز أن تخرج على إبدال الفعل من الفعل، كما في قوله
تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا ﴿ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: ٦٨-٦٩] وقيل: بالعطف
وحذفِ حَرْفِه لآية إبراهيم(٢)، والمحقِّقون على الفرق، وحَمَلوا ((سوء العذاب)) فيها
على التكاليف الشاقَّة غيرِ الذبح، وعطف للتغايُر، واعتُبر هناك لا هنا على رأيهم
السبق ﴿وَذَكِّرُهُمْ بِأَيَِّمِ اللهِ﴾ [إبراهيم: ٥]، وهو يقتضي التعداد، وليس هنا ما يقتضيه.
والأبناء: الأطفال الذكور، وقيل: إنهم الرجال، وسُمُّوا أبناءً باعتبار ما كانوا
قبلُ. وفي بعض الأخبار أنه قتل أربعين ألف صبيٍّ، وحُكي أنه كان يقتل الرجال
الذين يخاف منهم الخروج والتجمُّعَ لإفساد أمره، والمشهورُ حَمْلُ الأبناء على
الأول، وهو المناسبُ المتبادر، وفي سبب ذلك أقوالٌ وحكايات مختلفة(٣)،
(١) الخول: هو ما أعطاك الله من النعم والعبيد والإماء. القاموس (خول).
(٢) وهي قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُدَِّعُونَ أَبْنَآَ كُمْ﴾ [إبراهيم: ٦].
(٣) ذكرها الطبري ٦٤٦/١ وما بعدها.

الآية : ٤٩
١٦٣
سُورَةُ الْبَارَة
ومعظمها يدلُّ على أنَّ فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولودٍ من بني إسرائيل،
ففعل ما فعل ﴿وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨].
وقرأ الزهري وابن محيصن: (يَذْبَحُون)) مخفَّفاً(١)، وعبد الله: ((يقتِّلون)) مشدّداً (٢).
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ عطفٌ على ((يذبِّحون))، أي: يَسْتَبْقون بناتِكم ويتركونهنَّ
حيَّاتٍ، وقيل: يفتِّشون في حيائهن، ينظرون هل بهنَّ حَمْل. والحياء: الفَرْجُ؛ لأنه
يُستَحی مِن گَشْفِه.
والنساء: جمع المرأة. وفي ((البحر)): أنه جمعُ تكسيرٍ لنِسْوة، على وزن فِعْلَة،
جمع قِلَّة، وزعم ابن السَّرَّاجِ أنه اسمُ جمع، وعلى القولين لم يُلْفَظ له بواحدٍ من
لَفْظِه(٣). وهي في الأصل: البالغات دون الصغائر، فهي على الوجه الأول مجازٌ
باعتبار الأول؛ للإشارة إلى أنَّ استبقاءهم كان لأجل أن يَصِرْنَ نساءً لخدمتهم،
وعلى الثاني فيه تغليبُ البالغات على الصغائر، وعلى الثالث حقيقة.
وقَدَّم الذبح؛ لأنه أصعبُ الأمور وأشقُّها عند الناس، وإن كان ذلك الاستحياءُ
أعظمَ من القتل لدى الغَیُور.
﴿وَفِ ذَلِكُمْ بَلَآءٌ مِنْ زَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾﴾ إشارةٌ إلى التذبيح والاستحياء، أو إلى
الإنجاء، وُجُمِعَ الضمير للمخاطبين، ويجوز أن يشار بـ ((ذلكم)) إلى الجملة(٤).
وأصل البلاء: الاختبار، وإذا نُسب إليه تعالى يُراد منه ما يجري مجراه مع العباد
على المشهور، وهو تارةً يكون بالمَسارِّ ليشكروا، وتارةً بالمضارِّ ليصبروا، وتارةً
بهما ليرغبوا ويرهبوا، فإن حُملت الإشارة على المعنى الأول، فالمراد بالبلاء
المحنة، وإن على الثاني، فالمراد به النعمة، وإن على الثالث، فالمراد به القَدْرُ
المشترك؛ كالامتحان الشائع، بينهما، ويُرجِّحُ الأولَ التبادرُ، والثاني أنه في معرض
الامتنان، والثالث لطفُ جَمْعِ الترغيب والترهيب.
ومعنى (من ربكم)): من جهته تعالى؛ إما بتسليطهم عليكم، أو ببعث موسى
(١) القراءات الشاذة ص٥، والمحتسب ١/ ٨١.
(٢) الكشاف ٢٧٩/١.
(٣) البحر ١٨٩/١.
(٤) أي: إلى جميع ما ذكر. ينظر تفسير أبي السعود ١/ ١٠٠، وحاشية الشهاب ١٦٠/٢.

سُورَةُ الْبَرَة
١٦٤
التفسير الإشاري (٤٩)
عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم، أو بهما جميعاً. و((عظيم)): صفةٌ بلاءٍ، وتنكيرهما
للتفخيم، والعِظَمُ بالنسبة للمخاطَّب والسامع، لا بالنسبة إليه تعالى؛ لأنه العظيمُ
الذي لا يستعظمُ شيئاً.
ومن باب الإشارة والتأويل: ﴿وَإِذْ غَيَّنَكُم﴾ من قوى فرعون النفس الأمّارة
المحجوبة بأنانيَّتها، والنظرِ إلى نفسها المستعلية على إهلاك الوجود، ومصرُ مدينةٌ
البدن المستعبَدة، وهي وقواها - من الوهم والخيال والغضب والشهوة - القوى
الروحانيةُ التي هي أبناءُ صفوة الله تعالى يعقوب الروح، والقوى الطبيعية البدنية من
الحواسُ الظاهرة، والقوى النباتية، أولئك يكلّفونكم المتاعب الصعبة والأعمال
الشاقَّة، من جَمْع المال، والحرص، وترتيب الأقوات والملابس، وغير ذلك،
ويستعبدونكم بالتَّفكُّر فيها والاهتمام بها؛ لتحصلَ لكم للَّةٌ هي في الحقيقة عذابٌ
وذِلَّة؛ لأنها تمنعكم عن مشاهدة الأنوار والتمتُّع بدار القرار.
﴿يُدَّتِجُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ التي هي القوى الروحانية، من القوى النظرية التي هي العين
اليمنى للقلب، والعملية التي هي العين اليسرى له، والفهم الذي هو سَمْعُهُ، والسِّرُّ
الذي هو قَلْبُهُ. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾ قواكم الطبيعية ليستخدموها ويمنعوها عن أفعالها
اللائقة بها، وفي ذلك الإنجاء نعمةٌ عظيمةٌ من ربكم، المرقِّي لكم من مقامٍ إلى
مقام، ومشهدٍ إلى مشهد، حتى تَصِلوا إليه، وتحُوا رحالكم بين يديه، أوّ في
مجموع ذلك امتحانٌ لكم، وظهور آثار الأسماء المختلفة عليكم، فاشكروا واصبروا
فالكلُّ منه، وكلُّ ما فعل المحبوبُ محبوب.
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ عطفٌ على ما قبلُ، والفَرْق: الفَصْلُ بين الشيئين،
وتعديتُهُ إلى البحر بتضمين معنى الشَّقّ، أي: فَلَقْناه وفَصَلْنا بين بعضه وبعضٍ
لأَجْلِکم، وبسببٍ إنجائكم.
والباءُ للسببية الباعثةِ بمنزلة اللام إذا قلنا بتعليل أفعاله تعالى، وللسببية الشبيهة
بها في الترتيب على الفعل وكونه مقصوداً منه، إن لم نقل به.
يَكُمُ﴾ دون لكم؛ لأنَّ العرب - على ما نقله الدامغاني -
وإنما قال سبحانه :
تقول: غضبتُ لزيدٍ، إذا غضبت من أجله وهو حي، وغضبتُ بزيدٍ، إذا غضبتُ من

الآية : ٥٠
١٦٥
سُورَةُ الْبَدَة
أجله وهو ميت، ففيه تلويحُ إلى أنَّ الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين.
ويحتمل أن تكون للاستعانة، على معنى: بسُلوككم، ويكون هناك استعارةٌ
تبعية، بأن يُشبّه سلوكُهم بالآلة في كونه واسطةً في حصول الفَرْق من الله تعالى،
ويستعمل الباء.
وقولُ الإمام الرازي قُدِّس سره: إنَّهم كانوا يسلكون ويتفرَّق الماءُ عند
سلوكهم، فكأنه فُرِق بهم(١). يَرِدُ عليه أنَّ تَفرُّق الماء كان سابقاً على سلوكهم،
على ما تدلُّ عليه القصة، وقوله تعالى: ﴿أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاَكَ الْبَحْرٌّ فَنْقَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ
كَلَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. وما قيل: إنَّ الآلة هي العصا - كما تفهمه الآية -
غيرُ مُسلَّم، والمفهوُمُ كونُها آلةَ الضرب لا الفرقِ، ولو سُلِّم يجوز كونُ المجموع
آلة، على أنَّ آلية السلوك على التجوُّز.
وقد يقال: إنَّ الباء للملابسة، والجارُّ والمجرور ظرفٌ مستقرٌّ واقعٌ موقعَ الحال
من الفاعل، وملابستُه تعالى معهم حين الفَرْقِ ملابسةٌ عقلية، وهو كونُه ناصراً
وحافظاً لهم، وهي ما أشار إليه موسى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّ
سَيُّهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢].
ومن الناس مَن جعله حالاً من ((البحر)) مقدَّماً، وليس بشيء؛ لأنَّ الفَرْقَ مقدَّمٌ
على ملابستهم البحرَ، اللهم إلا على التوسُّع.
واختلفوا في هذا البحر؛ فقيل: القلزم(٢)، وكان بين طرفيه أربعةُ فراسخ.
وقيل: النيل، والعرب تسمي الماء المالحَ والعَذْبَ بحراً إذا كثر، ومنه ﴿مَرَّجَ الْبَحْرِّنِ
يَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]. وأصله: السعة، وقيل: الشق، ومن الأول: البحرة: البلدة،
ومن الثاني: البَحِيرَة: التي شُقَّتْ أُذنها .
وفي كيفية الانفلاق قولان: فالمشهور كونه خَلِيًّا، وفي بعض الآثار ما يقتضي
كونه قوسيًّا؛ إذ فيه أنَّ الخروج من الجانب الذي دخلوا منه، واحتمال الرجوع في
طريق الدخول يكاد يكون باطلاً؛ لأنَّ الأعداء في أثرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى
تحقیق ما يتعلَّق بهذا المبحث.
(١) تفسير الرازي ٣/ ٧٠.
(٢) وهو المعروف اليوم بخليج السويس من البحر الأحمر. معجم متن اللغة (قلزم).

سُورَةُ الَّغَة
١٦٦
الآية : ٥٠
﴿فَأَنْجَيَّنَكُمْ وَأَغْرَقَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ﴾ في الكلام حذفٌ يدلُّ عليه المعنى، والتقدير:
وإذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعونُ وجنودُه في تقُّمه فأنجيناكم، أي: من الغرق،
أو من إدراك فرعون وآلِه لكم، أو ممَّا تكرهون.
وكنى سبحانه بآل فرعون عن فرعون وآله، كما يقال: بني هاشم، وقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] يعني: هذا الجنس الشامل لآدم. أو اقتصر على
ذكر الآل؛ لأنهم إذا عُذِّبوا بالإغراق كان مبدأُ العناد ورأسُ الضلال أولى بذلك،
وقد ذكر تعالى غرق فرعون في آيات أُخر من كتابه؛ كقوله سبحانه ﴿فَأَغْرَقْنَهُ وَمَنْ
مَّعَدُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] ﴿فَأَخَذْنَكُهُ وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْنَهُمْ فِى الْبَرِّ﴾ [القصص: ٤٠].
وحَمْلُ الآل على الشخص، حيث إنه ثبت لغةً كما في الصحاح(١)، ركيكٌ غيرُ
مناسبٍ للمقام، وإنَّما المناسبُ له التعميم.
وناسبَ نجاتَهم بإلقائهم في البحر وخروجِهم منه سالمين نجاةٌ نبيِّهم موسى
- على نبيِّنا وعليه أفضلُ الصلاة والسلام - من الذبح بإلقائه وهو طفلٌ في البحر
وخروجِه منه سالماً، ولكلِّ أمةٍ نصيبٌ من نبيِّها. وناسبَ هلاكَ فرعون وقومِه
بالغرق هلاكُ بني إسرائيل على أيديهم بالذبح؛ لأنَّ الذبحَ فيه تعجيلُ الموت بإنهار
الدم، والغرق فيه إبطاءُ الموت، ولا دمَ خارجٌ. وكان ما به الحياةُ وهو الماء
كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] سبباً
لإعدامهم من الوجود، وفيه إشارةٌ إلى تقنيطهم وانعكاس آمالهم، كما قيل:
إلى الماءِ يسعى مَن يغَصُّ بلُقْمةٍ إلى أين يسعى من يغصُّ بماءٍ(٢)
ولمَّا كان الغرقُ مِن أَعْسَرِ الموتاتِ وأعظمِها شدَّة - ولهذا كان الغريقُ المسلِمُ
شهيداً - جعله الله تعالى نكالاً لمَن ادَّعى الربوبيةِ وقال: أنا ربُّكم الأعلى، وعلى
قَدْر الذنب يكون العقاب، ويناسب دعوى الربوبيةِ والاعتلاءِ انحطاطُ المدَّعي
وتغييبُهُ في قَعْرِ الماء.
ولك أن تقول: لمَّا افتخر فرعون بالماء، كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنه:
﴿أَلَيْسَ لِىِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ اُلْأَنْهَرُ تَجْرِىٍ مِن تَحْبِىِ﴾ [الزخرف: ٥١] جعل الله تعالى
(١) مادة (أول).
(٢) البيت في جمهرة الأمثال ٢٠٣/٢، والعقد الفريد ٣٣/١.

الآية : ٥٠
١٦٧
سُوَّةُ الْبَتْعَة
هلاكه بالماء، وللتابع حظّ وافرٌ من المتبوع. وكان ذلك الغرقُ والإنجاءُ والإغراقُ
يومَ عاشوراء، والكلام فيه مشهور.
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾﴾ جملةٌ حاليةٌ، وفيها تجوُّز، أي: وآباؤكم ينظرون،
والمفعولُ محذوفٌ، أي: جميعَ ما مرّ، فإن أُريد الأحكام، فالنظر بمعنى العلم،
وعليه ابن عباس ﴿ه، وإن نَفْسُ الأفعال من الغرق، والإنجاء، والإغراق، فهو
بمعنى المشاهدة، وعليه الجمهور. والحال على هذا من الفاعل، وهو معمولٌ
بجميع الأفعال السابقة على التنازع، وفائدتُه تقريرُ النعمة عليهم، كأنه قيل: وأنتم
لا تشگّون فيها .
وجُوِّز أن يُقدَّر المفعول خاصّاً، أي: غرقَهم وإطباقَ البحر عليهم، فالحال
متعلَّقٌ بالقريب، وهو: ((أغرقنا»، وفائدته تتميمُ النعمة، فإنَّ هلاك العدوِّ نعمةٌ،
ومشاهدتَهُ نعمةٌ أخرى، وفي ((قصص)) الكسائيّ(١): أنَّ بني إسرائيل حين عَبَروا
البحر وقفوا ينظرون إلى البحر وجنودٍ فرعون، ويتأمَّلون كيف يفعلون. أو: انفلاقَ
البحر، فيكون الحال متعلِّقاً بالأصل في الذكر، وهو: ((فَرَقْنا))، وفائدته إحضارُ
النعمة ليتعجّبوا من عِظَم شأنها، ويتعرَّفوا إعجازها. أو: ذلك الآلَ الغريق، فالحالُ
من مفعولِ ((أغرقنا))، متعلِّقٌ به، والفائدةُ تحقيقُ الإغراق وتثبيته.
وقيل: المراد: ينظر بعضكم بعضاً وأنتم سائرون في البحر، وذلك أنه نُقل أنَّ
بعض قوم موسى قالوا له: أين أصحابنا؟ فقال: سيروا فإنهم على طريقٍ مثلٍ
طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم. فأوحى الله تعالى: أن قُلْ بعصاك هكذا،
فقال بها على الحيطان؛ فصار بها كُوَّى، فتراءَوا وسمعوا كلامَ بعضهم بعضاً.
فالحال متعلّقٌ بـ ((فرقنا) وفائدتُه تتميمُ النعمة، فإنَّ كونهم مستأنسين يرى بعضُهم
حالَ بعضٍ آخَرَ نعمةٌ أخرى، وبعضُ الناسِ يجعل الفعلَ على هذا الوجه منزَّلاً منزلةً
اللازم، وليس بالبعيد، نعم البعيدُ جَعْلُ النظر هنا مجازاً عن القرب، أي: وأنتم
بالقرب منهم، أي: بحالٍ لو نظرتُمْ إليهم لرأيتموهم؛ كقولهم: أنتَ منِّي بمرأَى
ومسمع، أي: قريبٌ منِّي بحيث أراك وأسمعك، وكذا جَعْلُه بمعنى الاعتبار، أي:
(١) هو محمد بن عبد الله أبو الحسن. ينظر الإعلان والتوبيخ للسخاوي ص ١٦٠. وكتابه قصص
الأنبياء هذا بجملته حافل بالإسرائيليات.

سُورَةُ الْبَقَة
١٦٨
التفسير الإشاري (٥٠)
وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتشَّعظون بمواقع النقمة التي أُرسلت عليهم.
هذا وقد حَكّوا في كيفية خروج بني إسرائيل وتعتُّتهم وهم في البحر، وفي كيفية
خروج فرعون بجنوده، وفي مقدار الطائفتين حكاياتٍ مطوَّلةً جدًّا لم يدلَّ القرآن ولا
الحديثُ الصحيح عليها، والله تعالى أعلمُ بشأنها .
والإشارة في الآية: أنَّ البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتُها ولذَّاتها، وموسى هو
القلب، وقومُهُ صفاتُ القلب، وفرعون هو النفس الأمّارة، وقومُهُ صفاتُ النفس،
وهم أعداءُ موسى وقومِه يطلبونهم ليقتلوهم، وهم سائرون إلى الله تعالى والعدوُّ مِن
خَلْفِهم وبحرُ الدنيا أمامهم، ولا بدَّ لهم في السير إلى الله تعالى من عبوره، ولو
يخوضونه بلا ضَرْبٍ عصا لا إله إلا الله بيد موسى القلب، فإنَّ له يداً بيضاءَ في هذا
الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم
ينفلق، فكما أنَّ يدَ موسى القلب شرطً في الانفلاق، كذلك عصا الذِّكر شرطٌ فيه،
فإذا حصل الشرطان، وضرب موسى بعصا الذكر مرة بعد أخرى، ينفلق بإذن الله
تعالى بحرُ الدنيا بالنفي، وينشبك ماء الشهوات يميناً وشمالاً، ويرسل الله تعالى ربح
العناية وشمسَ الهداية على قعر ذلك البحر، فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخرج
موسى وقومه بعناية التوحيد إلى ساحل النجاة: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ [النجم: ٤٢]
ويقال لفرعون وقومه إذا غرقوا وأدخلوا ناراً: أَلَا ﴿بُعْدًا لِّلْقَّوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤].
﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَزْبَعِينَ لَّيْلَةً﴾ لمَّا جاوز بنو إسرائيل البحر، سألوا موسى عليه
السلام أن يأتيهم بكتابٍ من عند الله، فَوَعَده سبحانه أن يعطيه التوراة، وقَبِلَ موسى
ذلك، وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعَشْرَ ذي الحجَّة، أو ذا الحجة وعَشْرَ المحرم،
فالمُفاعلة على بابها، وهي من طَرَفٍ فِعْلٌ، ومن آخَرَ قبولهُ، مثل: عالجتُ
المريضَ، وإنكار جوازٍ ذلك لا يُسمَع مع وروده في كلام العرب وتصريح الأئمة به
وارتضائهم له.
ويجوز أن يكون ((واعدنا)) من باب الموافاة وليس من الوعد في شيء، وإنما
هو من قولك: موعدُك يوم كذا وموضع كذا، ويحتمل أن يكون بمعنى: ((وَعَدْنا))

الآية : ٥١
١٦٩
سُؤَةُ الجَقَة
وبه قرأ أبو عمرو (١)، أو يُقدَّر الملاقاة، أو يقال بالتفكيك إلى فعلين، فيقدَّر الوحي
في أحدهما، والمجيء في الآخر، ولا محذورَ في شيء كما حقَّقه الدامغاني.
وقولُ أبي عبيد(٢): المواعدة لا تكون إلا من البشر. غيرُ مُسلِّم، وقولُ أبي حاتم:
أكثر ما تكون من المخلوقينَ المتكافئين، على تقدير تسليمه، لا يضرُّنا .
و ((أربعين)»: مفعولٌ به بحذف المضاف بأدنى مُلابَسة، أي: انقضاءً(٣) أربعین،
أي: عند انقضائها، أو في العشر الأخير منها، أو في كلِّها، أو في أوَّلها على
اختلاف الروايات، أو ظرفٌ مستقرٌّ وقع صفةً لمفعولٍ محذوفٍ لـ ((واعدنا))، أي:
واعدنا موسى أمراً كائناً في أربعين. وقيل: مفعول مطلق، أي: واعدنا موسى
مواعدةَ أربعين ليلة.
ومن الناس مَن ذهب إلى أنَّ الأَولى أن لا يُقدَّر مفعول؛ لأنَّ المقصود بيانُ مَنْ
وَعَدَ لا ما وعد، ويُنصب الأربعين على الإجراء مجرى المفعول به توسُّعاً، وفيه
مبالغةٌ بجَعْلِ ميقات الوعد موعوداً. وجَعْلُ الأربعين ظرفاً لواعدنا على حدٍّ: جاء
زيدٌ يومَ الخميس، ليس بشيء كما لا يخفى.
و((موسى)) اسمٌ أعجميٍّ لا ينصرف للعَلَمية والعُجْمة، ويقال: هو مرَّبٌ من (مو))
وهو الماء و((شى)) وهو الشجر، وغيِّر إلى ((سى)) بالمهملة، وكأنَّ مَنْ سمَّاه به أراد ماءَ
البحر والتابوتَ الذي قُذف فيه، وخاض بعضهم في وزنه، فعن سيبويه: إنَّ وزنه
مُفْعَل(٤). وقيل: إنه فُعْلَى، وهو مشتقٍّ من ماس يميس، فأُبدلت الياء واواً؛ لِضَمِّ
ما قبلها، كما قالوا: طوبى، وهي من ذوات الياء؛ لأنها من طاب يطيب، ويُبعده أنَّ
الإجماع على صَرْفه نكرة، ولو كان فُعْلَى لم ينصرف؛ لأنَّ ألف التأنيث وحدَها تمنعُ
الصرف في المعرفة والنكرة، على أنَّ زيادة الميم أولاً أكثرُ من زيادة الألف آخراً.
(١) التيسيرص ٧٣، والنشر ٢/ ٢١٢، وقرأ بها أيضاً أبو جعفر ويعقوب من العشرة.
(٢) في الأصل و(م): أبو عبيدة، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٢٢٣/١، وتفسير القرطبي
٩٨/٢، والبحر ١٩٩/١، والدر المصون ٣٥٢/١.
(٣) في الأصل و(م): إعطاء، والمثبت من كتب التفسير. ينظر زاد المسير ٧٩/١، وتفسير
الرازي ٧٤/٣، ومفردات الراغب (وعد)، والبحر ١٩٩/١، والبرهان للزركشي ١٧٤/٣.
(٤) الكتاب ٢٧٢/٤، والبحر ١٩٦/١ .

سُورَةُ الْبَنَة
١٧٠
الآية : ٥١
وعبَّر سبحانه وتعالى عن ذلك الوقتِ بالليالي دون الأيام؛ لأنَّ افتتاح الميقات
كان من الليل، والليالي غُرَرُ شهورِ العرب؛ لأنها وُضعت على سَير القمر، والهلالُ
إِنَّما يَهِلُّ بالليل، أو لأنَّ الَّلمة أقدمُ من الضوء بدليل: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّتِّلُ نَسْلَخُ مِنْهُ
النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]، أو إشارة إلى مواصلة الصوم ليلاً ونهاراً، ولو كان التفسير باليوم
أمكن أن يُعتقَد أنه كان يفطر بالليل، فلمَّا نصَّ على الليالي فُهم من قوة الكلام أنه
واصَلَ أربعين ليلة بأيامها .
والقول بأنَّ ذِكْرَ الليلة كان للإشعار بأنَّ وَعْدَ موسى عليه السلام كان بقيام الليل
ليس بشيء؛ لأنَّ المرويَّ أنَّ المأمورَ به كان الصيامَ لا القيام.
وقد يقال من طريق الإشارة: إنَّ ذِكْرَ الليلة للرمز إلى أنَّ هذه المُواعدة كانت
بعد تمام السير إلى الله تعالى، ومجاوزةٍ بحر العوائق والعلائق، وهناك يكون السير
في الله تعالى الذي لا تُدَركُ حقيقته، ولا تُعلَم هويَّته، ولا يُرى في بيداء جبروته إلا
الدهشة والحيرة، وهذا السير متفاوتٌ باعتبار الأشخاص والأزمان، ولي مع الله
تعالى وقت يشير إلى ذلك.
﴿ِثُمَّ الَّخَذْتُ الْمِعْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾﴾ الأَتخاذ يجيء بمعنى: ابتداء
صنعه، فيتعدَّى لواحد نحو: انَّخذتُ سيفاً، أي: صنعتُه. وبمعنى: اتِّخاذ وصفٍ،
فيجري مجرى الجَعْل، ويتعدَّى لاثنين نحو: انَّخذتُ زيداً صديقاً. والأمران
محتملان في الآية، والمفعول الثاني على الاحتمال الثاني محذوفٌ لشناعته، أي:
اتّخذتم العجل الذي صنعه السامريُّ إلهاً، والذُّ فيه ظاهرٌ؛ لأنهم كلَّهم عبدوه إلَّا
هارون مع انثي عشر ألفاً، أو إلا هارون والسبعين الذين كانوا مع موسى عليه
السلام. وعلى الاحتمال الأول، لا حاجة إلى المفعول الثاني، ويؤيِّده عدمُ التصريح
به في موضعٍ من آيات هذه القصة، والذمُّ حينئذ لِمَا ترتّب على الاتخاذ من العبادة،
أو على نفس الاتخاذ لذلك، والعرب تذمُّ أو تمدح القبيلة بما صدر عن بعضها.
و ((العجل)): ولد البقر الصغير، وجَعَلَهُ الصوفيةُ إشارةً إلى عجل النفس الناقصة
وشهواتها، وكونُ ما اتخذوه عجلاً ظاهرٌ في أنه صار لحماً ودماً، فيكون عجلاً
حقيقة، ويكون نسبةُ الخوار إليه - فيما يأتي - حقيقةً أيضاً، وهو الذي ذهب إليه
الحسن.

الآية : ٥١
١٧١
سُورَةُ الْبَقَة
وقيل: أراد سبحانه بالعجل ما يشبهه في الصورة والشكل، ونسبةُ الخوارِ إليه
مجازٌ، وهو الذي ذهب إليه الجمهور، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك.
ومن الغريب ما قيل: إنَّ هذا إنَّما سُمِّي عجلاً؛ لأنهم عجَّلوا به قبل قدوم
موسى فأنَّخذوه إلهاً، أو لِقِصَر مدَّتهِ حيث إنَّ موسى عليه السلام بعد الرجوع من
الميقات حَرَقَه ونسفه في الیمِّ نسفاً .
والضمير في ((بعده)) راجعٌ إلى موسى، أي: بعد ما رأيتم منه من التوحيد
والحَملِ عليه الكفِّ عمَّا يُنافيه، وذِكْرُ الّرْف للإيذان بمزيدِ شناعةِ فِعْلِهم، ولا
يقتضي أن يكون موسى متَّخَذاً إلهاً - كما وُهم - لأنَّ مفهوم الكلام أن يكون الاتخاذُ
بعد موسى، ومن أين يُفهم اتخاذُ موسى، سيما في هذا المقام؟
ويجوز أن يكون في الكلام حذفٌ، وأقربُ ما يُحذف مصدرٌ يدلُّ عليه
((واعدنا))، أي: من بعد مُواعَدتِه، وقيل: المحذوفُ الذهابُ المدلولُ عليه
بالمواعدة؛ لأنها تقتضيه.
والجملة الاسمية في موضع الحال، ومتعلّقُ الظلم: الإشراكُ ووضعُ العبادة في
غير موضعها. وقيل: الكفُّ عن الاعتراض على ما فعل السامريُّ وعدمُ الإنكار
عليه. وفائدة التقييد بالحال: الإشعارُ بكون الاتِّخاذِ ظلماً بزعمهم أيضاً لو راجعوا
عقولهم بأدنى تأمُّل.
وقيل: الجملةُ غيرُ حال، بل مجرَّدُ إخبارٍ أنَّ سجيَّتهم الظلم، وإنَّما راجَ فعْلُ
السامريِّ عندهم لغايةِ حُمْقِهِم وتسلَّطِ الشيطان عليهم، كما يدلُّ على ذلك سائر
أفعالهم.
واتِّخاذ السامريِّ لهم العجلَ دون سائر الحيوانات، قيل: لأنهم مُرُّوا على قوم
يعكفون على أصنام لهم على صور البقر، فقالوا: ﴿أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَّةٌ﴾
[الأعراف: ١٣٨]، فهجس في نفس السامريِّ أنَّ فتنتَهم من هذه الجهة، فاتَّخذ لهم
ذلك. وقيل: إنه كان هو من قومٍ يعبدون البقر، وكان منافقاً، فاتَّخذ عجلاً من
جنس ما يعبده.
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٢
(ثم)) لتفاوت ما بين فعلهم

سُورَةُ الْبََّقَة
١٧٢
الآية : ٥٢ - ٥٣
القبيح، ولطفِه تعالى في شأنهم، فلا يكون ((من بعد ذلك)) تكراراً.
واعفا)) بمعنى: دَرَسَ، يتعدَّى ولا يتعدَّى؛ كعَفَتِ الدارُ، وعفاها الريحُ،
والمرادُ بالعفو هنا: مَحْوُ الجريمة بالتوبة، و«ذلك)) موضوعٌ موضعَ ذلكم، والإشارةُ
للاتِّخاذ كما هو الظاهر، وإيثارُها لكمال العناية بتمييزه، كأنه يجعل ظلمَهم مُشاهَداً
لهم، وصيغةُ البعيد مع قربه لتعظيمه، ليتوسَّل بذلك إلى جلالة قَدْر العفو، والمراد
بالترجّي ما علمت، والمشهور هنا كونُه مجازاً عن طلب الشكر على العفو، ومَنْ
قَدَّر الإرادة من أهل السنَّة أراد مطلقَ الطلب، وليس ذلك من الاعتزال؛ إذ لا نزاع
في أنَّ الله تعالى قد يطلب من العباد ما لا يقع.
والشكر عند الجنيد: هو العجزُ عن الشكر. وعند الشبليِّ: التواضعُ تحت رؤية
المِنَّة. وقال ذو النون: الشكر لمَن فوقكَ بالطاعة، ولنظيرِكَ بالمكافآت، ولمَن
دونك بالإحسان.
((الكتاب)): التوراة بإجماع
٥٣
﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
المفسّرين، وفي ((الفرقان)) أقوال:
الأول: أنه هو التوراة أيضاً، والعطفُ من قبيل عَظْفِ الصفات للإشارة إلى
استقلال كلٍّ منها، فإنَّ التوراة لها صفتان يقالان بالتشكيك، كونُها كتاباً جامعاً لِمَا
لم يجمعه مُنزلٌ سوى القرآن، وكونُها فرقاناً، أي: حُجَّة تُفرِّق بين الحقِّ والباطل؛
قاله الزجاج(١). ويؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَّةُ
﴾ [الأنبياء: ٤٨].
وَذِكر
الثاني: أنه الشرع الفارقُ بين الحلال والحرام، فالعطفُ مثله في ﴿نَّلُ الْمَلَكَةُ
وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] قاله ابن بحر(٢).
الثالث: أنه المعجزاتُ الفارِقةُ بين الحقِّ والباطل، من العصا واليد وغيرهما،
قاله مجاهد.
(١) في معاني القرآن ١/ ١٣٤.
(٢) علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر، أبو الحسن القطان، عالم قزوين، جمع وصنف وتفنن في
العلوم، توفي سنة (٣٤٥هـ). السير ٤٦٣/١٥. وقوله في البحر ٢٠٢/١.

الآية : ٥٤
١٧٣
سُورَةُ الْبَّغَة
الرابع: أنه النصر الذي فرَّق بين العدوِّ والوليِّ، وكان آيةً لموسى عليه السلام،
ومنه قیل لیوم بدر: يوم الفرقان، قاله ابن عباس
وقيل: إنه القرآن، ومعنى إتیانه لموسى عليه السلام: نزولُ ذِكْرِه له حتی آمن
به، حكاه ابن الأنباري، وهو بعيد، وأبعدُ منه ما حكي عن الفرَّاء وقطرب(١): أنه
القرآن، والكلام على حذفِ مفعولٍ، أي: ومحمداً الفرقان.
وناسبَ ذكرُ الاهتداء إثرَ ذِكْرٍ إتيانِ موسى الكتابَ والفرقان؛ لأنهما يترتّب
عليهما ذلك لمَن ﴿أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِتَّخَذِكُمُ الْمِعْلَ﴾ نعمةٌ أُخرويَّةٌ
في حقِّ المقتولينَ من بني إسرائيل، حيث نالوا درجة الشهداء، كما أنَّ العفو نعمةٌ
دنيويةٌ في حقِّ الباقين، وإنما فَصَلَ بينهما بقوله: (وَإِذْ ءَاتَيْنَا) إلخ؛ لأنَّ المقصود
تعدادُ النِّعَم، فلو اتَّصلا لصارا نعمةً واحدة.
وقيل: هذه الآية وما بعدها منقطعةٌ عمَّا تقدَّم من التذكير بالنِّعم، وليس بشيءٍ.
واللام في (لقومه)) للتبليغ، وفائدةُ ذكره التنبيهُ على أنَّ خطاب موسى لقومه كان
مشافهةً لا بتوسُّطِ مَن يتلقَّى منه، كالخطابات المذكورة سابقاً لبني إسرائيل.
والقوم: اسمُ جمع لا واحد له من لفظة، وإنَّما واحدُه امرؤٌ، وقياسُه أنْ
لا يُجمع، وشَذَّ جمعُهُ عَلَى أقاويم. والمشهورُ اختصاصُه بالرجال لقوله تعالى: ﴿لَا
يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ مع قوله: ﴿وَلَا نِسَلٌَّ مِّنْ نِسَاءِ﴾ [الحجرات: ١١] وقال زهير(٢):
فما أدري وسوف إخالُ أدري
أقومٌ آلُ حِصنٍ أَمْ نسَاءُ
وقيل: لا اختصاصَ له بهم، بل يطلق على النساء أيضاً؛ لقوله تعالى: ﴿إِنّ
أَزْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، والأول أصوب، واندراجُ النساء على سبيل
الاستتباع والتغليب، والمجازُ خيرٌ من الاشتراك، وسُمِّي الرجالُ قوماً لأنهم
يقومون بما لا يقوم به النساء.
(١) حكاه عنهما النحاس في إعراب القرآن ٢٢٥/١، وقول الفراء في معاني القرآن له ٣٧/١.
(٢) دیوان زهير ص٧٣.

سُوَّةُ الْبَادَة
١٧٤
الآية : ٥٤
وفي إقبال موسى عليهم بالنداء وندائه(١) لهم بـ ((يا قوم)) إيذانٌ بالتَّحثُّن عليهم،
وأنه منهم وهم منه، وهزّ لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم بأنهم ظلموا
أنفسهم. والباء في ((باتخاذكم)) سببيةٌ وفي الاتخاذ هنا الاحتمالان السابقان هناك.
﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِبِكُمْ﴾ الفاء للسببية؛ لأنَّ الظلم سببٌ للتوبة، وقد عَطّف ما بعدها
على ((إنكم ظلمتم)) والتوافُقُ في الخبرية والإنشائية إنما يُشترط في العطف بالواو،
وتُشعر عبارات بعض الناس أنها للسببية دون العطف، والتحقيق أنها لهما معاً.
والبارئ: هو الذي خلق الخَلْقَ بريئاً من التفاوت وعدم تناسُب الأعضاء.
وتلاؤُم الأجزاء، بأن تكون إحدى اليدين في غاية الصِّغَرَ والرَِّّة، والأُخرى
بخلافه، ومتميِّزاً بعضُه عن بعض بالخواصِّ والأشكال، والحُسْن والقبح، فهو
أخصُّ من الخالق، وأصل التركيب لخلوص الشيء وانفصاله عن غيره؛ إما على
سبيل التَّفصِّي(٢) كَبَرِئ المريض، أو الإنشاء كَبَرَأ الله تعالى آدم، أي: خَلَقه ابتداءً
متميزاً عن لَوث الطين.
وفي ذِكْره في هذا المقام تقريعٌ بما كان منهم من تَرْكِ عبادة العالِم الحكيم الذي
بَرَأَهم بلطيف حكمته، حتى عرَّضوا أنفسهم لسخط الله تعالى ونزولٍ أمره، بأن يَفكّ
ما رَّبه من خَلْقِهم، وينثرَ ما نظم من صُوَرهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في
ذلك، وغمَطوها بعبادة مَن لا يَقْدِرُ على شيء منها، وهو مَثَلُ في الغباوة والبلادة.
وقرأ أبو عمرو: ((بارئكم)) بالاختلاس، وروي عنه السكون أيضاً(٣)، وهو من
إجراءِ المتَّصل من كلمتين مجرى المنفصل من كلمة، وللناس في تخريجه وجوه
لا تخلو عن شذوذ.
﴿فَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الفاء للتعقيب. والمتبادرُ من القتل: القتلُ المعروفُ من إزهاق
الروح، وعليه جمعٌ من المفسِّرين، والفعل معطوفٌ على سابقه، فإن كانت توبتُهم
هي القتل - إما في حقّهم خاصة، أو توبة المرتدِ مطلقاً في شريعة موسى عليه
(١) في الأصل و(م): ونداؤه، والمثبت هو الصواب. ينظر البحر ٢٠٥/١.
(٢) هو أن يكون الشيء في مضيق ثم يخرج إلى غيره، وتَفَصَّى الإنسان: إذا تخلَّص من الضيق
والبلية. اللسان (فصي).
(٣) التيسير ص٧٣.

الآية : ٥٤
١٧٥
سُورَةُ الْبَكْرَة
السلام - فالمرادُ بقوله تعالى: (فَتُوبُوّأ): اعزِموا على التوبة؛ ليصحَّ العطف. وإن
كانت هي الندم والقتل من متمِّماتها؛ كالخروج عن المظالم في شريعتنا، فهو على
معناه ولا إشكال.
وقد يقال: إنَّ التوبة جُعلت لهؤلاء عينَ القتل، ولا حاجة إلى تأويل: توبوا،
بـ: اعزموا، بل تُجعل الفاء للتفسير، كما تُجعل الواو له، وقد قيل به في قوله
تعالى: ﴿فَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ فِ اَلْيَمِ﴾ [الأعراف: ١٣٦].
وظاهر الأمر أنهم مأمورون بأن يباشر كلٌّ قتلَ نفسه. وفي بعض الآثار أنهم
أُمروا أن يقتل بعضهم بعضاً (١)، فمعنى ((اقتلوا أنفسكم)) حينئذٍ: لِيَقتُلْ بعضُكم
بعضاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾
[الحجرات: ١١] والمؤمنون كنفس واحدة.
وروي أنه أُمِرَ مَن لم يعبد العجلَ أن يقتل مَن عَبَدَهَ، والمعنى عليه: استسلموا
أنفسكم للقتل، وسُمِّي الاستسلام للقتل قتلاً على سبيل المجاز، والقاتل إمَّا غيرُ
معيَّن، أو الذين اعتزلوا مع هارون عليه السلام، أو الذين كانوا مع موسى عليه
السلام. وفي كيفية القتل أخبارٌ لا نُطيل بذكرها، وجملةُ القتلى سبعون ألفاً،
وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشِّفار من أيديهم.
وأنكر القاضي عبد الجبار(٢) أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم،
وقال: لا يجوز ذلك عقلاً؛ إذ الأمر لمصلحة المكلَّف، وليس بعد القتل حالُ
تكليفٍ ليكون فيه مصلحة. ولم يَدْرِ هذا القاضي بأنَّ لنفوسنا خالقاً، بأمره نستبقيها
وبأمره نُفنيها، وأنَّ لها بعد هذه الحياة التي هي لعبٌ ولهو حياةً سرمديةً وبهجةً أبديةً
﴿وَإِنَ الذَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيْوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وأنَّ قتلها بأمره يوصلها إلى حياةٍ
خيرٍ منها، ومَن علم أنَّ الإنسان في هذه الدنيا كمجاهدٍ أُقيم في ثغرٍ يحرسه، ووالٍ
في بلد يسوسه، وأنه مهما استردَّ، فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه، أو
يأمر غيره بإخراجه، وهذا واضحٌ لمَن تصوَّر حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قَدْرَ
الحياتين والميتتين فيهما .
(١) تنظر هذه الآثار في تفسير الطبري ٦٧٩/١-٦٨٥ .
(٢) كما في تفسير الرازي ٨١/٣، والبحر ٢٠٨/١.

سُورَةُ الْكَفَة
١٧٦
الآية : ٥٤
ومن الناس مَن جوَّز ذلك، إلا أنه استبعد وقوعه فقال: معنى ((اقتلوا أنفسكم)):
ذلِّلوا، ومن ذلك قوله:
إنَّ التي عاطيتَني فَرَدَدْتُها
قُتِلَتْ قُتِلْتَ فهاتِها لم تُقتَلِّ (١)
ولولا أنَّ الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيراً. ونُقل عن قتادة أنه قرأ:
((فأقيلوا أنفسكم)»(٢) والمعنى: أنَّ أنفسكم قد تورَّطت في عذاب الله تعالى بهذا
الفعل العظيم الذي تَعاطيتُموه، وقد هلكت، فأقيلوها بالتوبة والتزامِ الطاعة،
وأزيلوا آثارَ تلك المعاصي بإظهار الطاعات.
﴿َلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَرِيكُمْ﴾ جملةٌ معترضةٌ للتحريض على التوبة، أو معلِّلة،
والإشارةُ إلى المصدر المفهوم ممَّا تقدم. و((خير)): أَفعلُ تفضيلٍ حُذفت همزته،
ونطقوا بها في الشعر، قال الراجز:
بلالٌ خير الناس وابن الأَخيّر(٣)
وقد تأتي ولا تفضيل. والمعنى: أنَّ ذلكم خيرٌ لكم من العصيان والإصرارِ على
الذنب، أو: خيرٌ من ثمرة العصيان، وهو الهلاك الدائم، والكلام على حدٍّ: العسلُ
أحلى من الخلِّ(٤)، أو: خيرٌ من الخُيور(٥) كائنٌ لكم.
والعِنديَّة هنا مجازٌ. وكُرِّر البارئُ بلفظ الظاهر اعتناءً بالحثِّ على التسليم له في
كلِّ حال، وتلقّي ما يَرِدُ من قِبَلِهِ بالقبول والامتثال، فإنه كما رأى الإنشاء راجحاً
فأنشأ، رأى الإعدام راجحاً فأمر به، وهو العليم الحكيم.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٍ بتقدير ((قد)) إن كان من كلام موسى عليه
(١) البيت لحسان، وهو في ديوانه ص٣٦٧.
(٢) القراءات الشاذة ص٦، والبحر ٢٠٨/١.
(٣) نسبه ابن جني في المحتسب ٢٩٩/٢ لرؤية، ولم نقف عليه في ديوانه، وهو في البحر
٢٠٤/١ الدر المصون ٣٦٦/١ دون نسبة.
(٤) ينظر شرح هذه العبارة عند تفسير الآية (١٤٥) من سورة الأعراف، والآية (٩٦) من سورة
المؤمنون .
(٥) الخيور: جمع الخير، و((خيرا على هذا القول ليس للتفضيل. البحر ٢٠٩/١.

الآية : ٥٤
١٧٧
سُورَةُ الْبَقَة
السلام لهم، تقديره: إن فعلتم ما أُمرتم به فقد تاب عليكم. ومعطوفٌ على
محذوفٍ إن كان خطاباً من الله تعالى لهم، كأنه قال: ففعلتم ما أمرتم فتاب عليكم
بارئكم. وفيه التفاتٌ؛ لتَقدُّم التعبير عنهم في كلام موسى عليه السلام بلفظ القوم
وهو من قبيل الغيبة، أو من التكلّم إلى الغيبة في ((فتاب)) حيث لم يقل: فتبنا،
ورُجِّحَ العطف لسلامته من حذف الأداة والشرط وإبقاءِ الجواب، وفي ثبوت ذلك
عن العرب مقال.
وظاهرُ الآية كونُها إخباراً عن المأمورين بالقتل الممتثلين ذلك، وقال ابن
عطية: جعل الله تعالى القتلَ لمَن قَتَل شهادة، وتاب عن الباقين وعفا عنهم (١)،
فمعنی ((علیکم) عنده: على باقیكم.
﴿إِنَّمُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ تذييلٌ لقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا﴾ فإنَّ التوبة بالقتل
لمَّا كانت شاقَّةً على النفس، هوَّنها سبحانه بأنه هو الذي يوفِّق إليها ويسهّلُها،
ويبالغُ في الإنعام على مَن أتى بها، أو تذييلٌ لقوله تعالى: ﴿فَابَ عَلَيْكُمْ﴾، وتُفسَّر
التوبة منه تعالى حينئذٍ بالقبول التوبة المذنبيين. والتأكيدُ لسبق الملوّح، أو للاعتناء
بمضمون الجملة، والضمير المنصوب إن كان ضميرَ الشأن فالضميرُ المرفوع مبتدأ،
وهو الأنسب لدلالته على كمال الاعتناء بمضمون الجملة، وإن كان راجعاً إلى
البارئ سبحانه فالضمير المرفوع إما فصلٌ أو مبتدأً.
هذا وحظُ العارِفِ من هذه القصَّة أن يعرف أنَّ هواه بمنزلةِ عِجْلٍ بني إسرائيل،
فلا يتّخذه إلهاً، أفرأيت مَن انَّخذ إلهه هواه، وأنَّ الله سبحانه قد خلق نفسَه في
أصل الفطرة مستعدَّةً لقبول فيض الله تعالى والدِّينِ القويم، ومتهيئةً لسلوك المنهج
المستقيم، والترقِّي إلى جَنَابِ القدس وحضرة الأُنس، وهذا هو الكتابُ الذي أُوتِيَهُ
موسى القلب، والفرقانُ الذي يهتدي بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الربّ،
فمتى أخلدتِ النفس إلى الأرض، واتَّبعت هواها، وآثرت شهواتها على مولاها،
أُمرت بقتلها، بكسر شهواتها وقلع مشتهياتها، ليصحَّ لها البقاءُ بعد الفناء، والصَّحْوُ
بعد المَخْو، وليست التوبة الحقيقيةُ سوى محوِ البشرية بإثبات الألوهية، وهذا هو
الجهاد الأكبر والموتُ الأحمر:
(١) المحرر الوجيز ١٤٦/١.

سُورَةُ الْبَقَة
١٧٨
الآية : ٥٥
إنما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ (١)
ليس مَنْ ماتَ فاستراح بمَيْتٍ
وهذا صعبٌ لا يتيسَّر إلا لخواصٌ الحقِّ، ورجالِ الصدق، وإليه الإشارةُ بـ :
موتوا قبل أن تموتوا .
وقيل: أولُ قَدَمٍ في العبودية إتلافُ النفس وقتلُها بتَرْكِ الشهوات، وقَطْعُها عن
الملاذِ، فكيف الوصّولُ إلى شيء من منازل الصِّدِّيقين، ومعارِجِ المقرَّبين؟ هيهات
هيهات، ذلك بمعزلٍ عنَّا، ومناطَ الثريا منَّا:
تعالوا نُقِمْ مأتماً للهموم فإنَّ الحزينَ يواسي الحزينَا (٢)
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُؤْمِنَ لَكَ﴾ القائلُ هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه
السلام لميقات التوراة. قيل: قالوه بعد الرجوعِ وقَتْلِ عَبَدَة العجل وتحريقِ عِجْلهِم.
ويُفهَم من بعض الآثار أنَّ القائل أهلُ الميقات الثاني الذي ضربه الله تعالى للاعتذار
عن عَبَدة العجل، وكانوا سبعين أيضاً. وقيل: القائلُ عشرة آلافٍ من قومه. وقيل:
الضميرُ لسائر بني إسرائيل إلَّا مَن عصمه الله تعالى، وسيأتي إن شاء الله تعالى في
((الأعراف)) ما ينفعك هنا.
واللام من ((لك)) إمَّا لام الأَجْل(٣)، أو للتعدية بتضمين معنى الإقرار، على أنَّ
موسى مُقَرٍّ له، والمُقَرُّ به محذوف، وهو أنَّ الله تعالى أعطاه التوراة، أو أنَّ الله
تعالى كلَّمه فأمره ونهاه، وقد كان هؤلاء مؤمنين من قبلُ بموسى عليه السلام، إلا
أنهم نفوا هذا الإيمان المعيَّن والإقرارَ الخاص. وقيل: أرادوا نفي الكمال، أي:
لا يَكْمُلُ إيمانُنا لك، كما قيل في قوله وَّر: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه
(١) البيت للبحتري، وهو في ديوانه ٤٩/١، ونسب في الأصمعيات ص١٥٢ لعدي بن الرَّعلاء
الغساني.
(٢) هذا صدر بيت وعجز بيت آخر لنبهان الفقعسي، كما في وفيات الأعيان ٢٧/٦، وفيه:
تعالي نُقم مأتماً للهموم ونعولُ إخواننا الظـ
ونُسعدكنَّ وتُسْعِدْننا فإن الحزين يواسي الحزينا
(٣) أي تعليلية، والتقدير: لن نؤمن لأجل قولك ودعوتك. ينظر البحر ٢١٠/١، وتفسير
أبي السعود ١٠٣/١، وحاشية الشهاب ١٦٣/٢ .

الآية : ٥٥
١٧٩
سُورَةُ الْجَبَة
المؤمِن ما يحبُّ لنفسه))(١) والقولُ أنهم لم يكونوا مؤمنين أصلاً، لم نره لأحدٍ من
أئمة التفسير.
﴿حَّ نَىَ اللَّهَ جَهْرَةٌ﴾ ((حتى)) هنا: حرفُ غاية، والجَهْرَةُ في الأصل مصدرُ
جهرتُ بالقراءة: إذا رفعتَ صوتك بها، واستُعيرت للمعاينة بجامع الظهور التام.
وقال الراغب: الجهر يقال لظهور الشيء بإفراط حاسَّة البصر أو حاسة السمع؛ أما
البصر فنحو: رأيته جهاراً، وأما السمع فنحو: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوَلِ فَإِنَّهُ، يَعْلَمُ السِّرَّ
وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] (٢).
وانتصابُها على أنها مصدرٌ مؤكِّدٌ مزيلٌ لاحتمالٍ أن تكون الرؤية مناماً أو علماً
بالقلب، وقيل: على أنَّها حالٌ على تقدير: ذوي جهرةٍ، أو مجاهرين. فعلى
الأول: الجهرةُ من صفات الرؤية، وعلى الثاني: من صفات الرَّائين. وثَمَّ قولٌ
ثالث، وهو أن تكون راجعةً لمعنى القول أو القائلين، فيكون المعنى: وإذا قلتُم كذا
قولاً جهرةً، أو: جاهرين بذلك القول غيرَ مكترثين ولا مبالين، وهو المرويُّ عن
ابن عباس ◌ًّا وأبي عبيدة. وقرأ سهل بن شعيب وغيره: ((جَهَرَةً) بفتح الهاء(٣)،
وهي إمَّا مصدرٌ كالغَلَبة، ومعناها معنى المُسكَّنة، وإعرابُها إعرابُها، أو جمع
جاهر؛ كفاسق وفَسَقَة، وانتصابُها على الحال.
﴿فَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ﴾ أي: استولت عليكم وأحاطت بكم. وأصل الأخذ:
القبضُ باليد. والصاعقةُ هنا: نارٌ من السماء أحرقتهم، أو جندٌ سَمَاويٌّ سمعوا
حِسَّهم فماتوا، أو صيحةٌ سَمَاوِيَّةٌ خرُّوا لها صَعِقِين ميِّتين يوماً وليلة.
واختلف في موسى، هل أصابه ما أصابهم؟ والصحيح: لا، وأنه صُعِقَ ولم
يمت؛ لظاهر: ﴿فَلَّآ أَفَاقَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] في حقِّه، و﴿ثُمَّ بَعَثْتَكُم﴾ إلخ، في
حقِّهم. وقرأ عمر وعليٍّ ﴿ها: ((الصَّعْقَة))(٤).
﴿وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ ﴾﴾ جملةٌ حاليةٌ، ومتعلِّقُ النظر ما حلَّ بهم من الصاعقة، أو
(١) أخرجه أحمد (١٢٨٠١)، والبخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) من حديث أنس ﴿ه.
(٢) مفردات الراغب (جهر).
(٣) القراءات الشاذة ص٥، والمحتسب ٨٤/١.
(٤) القراءات الشاذة ص٥.

سُورَةُ الْبَقَة
١٨٠
الآية : ٥٦
أثرها الباقي في أجسامهم بعد البعث، أو إحياءُ كلٌّ منهم كما وقع في قصة العُزير،
قالوا: أحيا عضواً بعد عضو. أو المعنى (١): وأنتم تعلمون أنَّها تأخذكم، أو:
وأنتم يقابلُ بعضُكم بعضاً .
قال في ((البحر): ولو ذهب ذاهبٌ إلى أنَّ المعنى: وأنتم تنظرون إجابة السؤال
في حصول الرؤية لكم، كان وجهاً، من قولهم: نظرتُ الرجل، أي: انتظرته، كما
قال :
فإنَّكما إنْ تَنْظُرانيّ ساعةً مِن الدَّهرِ تَنْفَعْني لدى أُمِّ جُندَبٍ(٢)
لكنَّ هذا الوجهَ غيرُ منقولٍ فلا أجسرُ على القول به، وإن كان اللفّظُ
يحتمله(٣).
﴿فُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِنْ بَعْدٍ مَوْتِكُمْ﴾ بسبب الصاعقة، وكان ذلك بدعاء موسى عليه
السلام، ومُناشدتِه ربَّه بعد أن أفاق، ففي بعض الآثار: أنَّهم لمَّا ماتوا لم يَزَلْ
موسى يناشد ربَّه في إحيائهم ويقول: يا ربِّ، إنَّ بني إسرائيل يقولون: قتلتَ
خيارنا. حتى أحياهم الله تعالى جميعاً، رجلاً بعد رجل، ينظر بعضهم إلى بعضٍ
کیف یحیون.
والموت هنا ظاهرٌ في مفارقة الروح الجسد، وقُيِّد البعث به لأنه قد يكون عن
نوم كما هو في شأن أصحاب الكهف، وقد يكون بمعنى إرسال الشخص، وهو في
القرآن كثير.
ومن الناس مَن قال: كان هذا الموت غشياناً وهموداً، لا موتاً حقيقة، كما في
قوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيْتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧].
ومنهم مَن حمل الموت على الجهل مجازاً، كما في قوله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ
مَيْنًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقد شاع ذلك نَّثْراً ونَظْماً، ومنه قوله:
أخو العلمِ حيٍّ خالدٌ بعدَ موتِهِ وأوصالُهُ تحتَ الترابِ رميمُ
(١) في (م): والمعنى.
(٢) البيت لا مرئ القيس، وهو في ديوانه ص٤١ .
(٣) البحر ٢١٢/١.