Indexed OCR Text

Pages 61-80

الآية : ٢٦
٦١
سُوَُّ الْجَمَة
فما فوقها - كما نقل عن الفراء - والفاء بمعنى إلى (١). أو مفعولٌ ثان؛ أو أول بناء
على تضمُّن الضرب معنى الجَعْل.
ولا يَرِدُ على إرادة العموم أنَّ مآل المعنى على المشهور: إنَّ الله لا يترك أيَّ
مثل كان، فيقتضي أنَّ جميع الأمثال مضروبةٌ في كلامه، فأين هي؟ لأنَّ المنفيَّ ليس
مطلقَ الترك، بل الترك لأجل الاستحياء، فالمعنى: لا يترك مثلاً ما استحياء، وإن
تركه لأمر آخر أراده.
وقرأ ابن أبي عبلة وجماعة: ((بعوضةٌ)) بالرفع(٢)، والشائع على أنه خبر،
واختلفوا فيما يكون عنه خبراً؛ فقيل: مبتدأ محذوف، أي: هي - أو هو - بعوضةٌ،
والجملة صلةُ ((ما)) على جَعْلِها موصولة، وهو تخريجٌ كوفيٍّ لحذف صدرِ الصلة من
غير طولٍ. وقيل: ((ما)) بناءً على أنها استفهامية مبتدأ(٣). واختار في ((البحر)) أن
تكون «ما)) صلةً أو صفةً، و: هي بعوضةٌ، جملة كالتفسير لما انطوى عليه الكلام.
وقيل: ((بعوضةٌ)) مبتدأ، و((ما)) نافية والخبر محذوف، أي: متروكة؛ لدلالة ((لا
يستحيي» عليه.
والبعوضة: واحدُ البعوض، وهو طائرٌ معروف، وفيه من دقيق الصنع وعجيب
الإبداع ما يعجز الإنسان أن يحيط بوصفه، ولا ينكِرُ ذلك إلا نمرود، وهو في
الأصل صفة على فَعول كالقطوع، ولذا سُمِّي في لغة هذيل: خموش، فغلبت،
واشتقاقُه من البَعْضِ بمعنى القَطع.
﴿فَمَا فَوْقَهَاْ﴾ الفاء عاطفةٌ ترتيبية، و((ما)) عطفٌ على ((بعوضة))، أو (ما)) إن
جُعِل اسماً، والتفصيل وما فيه غيرُ خفيّ.
(١) معاني القرآن للفراء ٢٢/١، وقال الفراء: والعرب إذا ألقت ((بين)) من كلام تصلح ((إلى)) في
آخره: نصبوا الحرفين المخفوضين اللذين خفض أحدهما بـ ((بين)) والآخر بـ ((إلى))،
فيقولون: له عشرون ما ناقةً فجملاً، وهي أحسن الناس ما قرناً فقدماً، يراد: ما بين قرنها
إلى قدمها. وينظر إعراب القرآن للنحاس ٢٠٣/١، ومجمع البيان ١٤٤/١، وتفسير القرطبي
٣٦٤/١-٣٦٥، والبحر ١٢٢/١، والدر المصون ٢٢٤/١.
(٢) القراءات الشاذة ص٤، والمحتسب ٦٤/١، والمحرر الوجيز ١١١/١، والكشاف ٢٦٤/١.
(٣) كما يقال: فلان لا يبالي بما وهب، ما دينارٌ وديناران؟ وفي هذا ردٌّ على استبعادهم ضرب
المثل. ينظر الكشاف ٢٦٤/١، وتفسير أبي السعود ١/ ٧٢.

سُورَةُ الْبَدَة
٦٢
الآية : ٢٦
والمراد بالفوقية إمَّا الزيادة في حجم الممثَّل به، فهو ترقُّ من الصغير إلى
الكبير، وبه قال ابن عباس. أو الزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه، وهو
الصِّغَرُ والحقارة، فهو تنزُّلٌ من الحقير للأحقر.
وهذان الوجهان على القراءة المشهورة، وأما على قراءة الرفع فقد قالوا: إنْ
جُعلت ((ما)) موصولةً ففيه الوجهان، وإن جُعلت استفهاميةً تعيَّن الأول؛ لأنَّ العِظَمَ
مبتدأ من البعوضة إذ ذاك.
وقيل: أراد: ما فوقها وما دونها، فاكتفى بأحد الشيئين عن الآخر على حدٍّ:
﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّ﴾ [النحل: ٨١] فافهم.
﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ تفصيلٌ لِمَا أشار إليه قولُه
تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَخيٍ﴾ إلخ، من أنه وقع فيه ارتياب بين التحقيق والارتياب،
أو لِمَا يترتَّب على ضرب المثل من الحُكْم إثر تحقيق حقِّيَّةِ صدوره عنه سبحانه،
والفاءُ للدلالة على ترتُّب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها، وكأنه قيل - كما قيل -
فيضربه فأما الذين ... إلخ، وتقدم بيان حال المؤمنين لشرفه.
و((أمَّا)) على ما عليه المحقّقون: حرفٌ متضمّنةٌ لمعنى الشرط، ولذا لزمتها
الفاء غالباً، وتفيد مع هذا تأكيدَ ما دخلت عليه من الحكم، وتكون لتفصيلٍ مجمَلٍ
تقدَّمها، صريحاً أو دلالة، أو لم يتقدَّم لكنه حاضرٌ في الذهن ولو تقديراً، ولما كان
هذا خلافَ الظاهر في كثير من موارد استعمالها جَعَله الرضيُّ والمرتَضَى من
المحقّقين أغلبيًّا، وفسَّر سيبويه: أما زيد فذاهب، بـ: مهما يكن من شيء فزيدٌ
ذاهب(١)، وليس المراد به أنها مرادفة لذلك الاسم والفعل؛ إذ لا نظير له، بل
المراد أنها لمَّا أفادت التأكيد وتحثَّم الوقوع في المستقبل كان مآلُ المعنى ذلك.
ولمَّا أشعرت بالشرطية قُدِّر شرطٌ يدلُّ على تحثُّم الوقوع، وهو وجودُ شيءٍ ما في
الدنيا إذ لا تخلو عنه، فما علِّق عليه محقَّقٌ.
وحيث كان المعنى ما ذكر سيبويه، ومهما مبتدأ والاسميةُ لازمةٌ له، ويكن فعلُ
شرطٍ والفاءُ لازمةٌ تليه غالباً، وقامت ((أمَّا)) ذلك المقام، لزمها الفاء. ولصوق
الاسم إقامةٌ للَّلازم مقامَ الملزوم وإبقاءٌ لأثره في الجملة، وكان الأصل دخولُ الفاء
(١) ينظر الكتاب ٢٣٥/٤، وحاشية الشهاب ٩٢/٢.

الآية : ٢٦
٦٣
سُورَةُ الجَقَة
على الجملة فيما ذكر؛ لأنها الجزاء، لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوا
الخبر وعوَّضوا المبتدأ عن الشرط لفظاً، وقد يقدَّم على الفاء - كما في الرضيِّ - من
الجزاء المفعولُ به والظرفُ والحالُ إلى غير ذلك مما عدُّوه على ما فيه، وفي
تصدير الجملتين بها من الإحماد والذمِّ ما لا يخفى.
والمراد بالموصول فريقُ المؤمنين المعهودين، كما أنَّ المراد بالموصول الآتي
فريقُ الكفرة الطاغين، لا مَن يؤمن بضرب المثل ومَن يكفر به؛ لاختلال(١)
المعنى.
والضمير في ((أنه)) للمثل وهو أقرب، أو لضربه المفهوم من ((أن يضرب)).
وقيل: لترك الاستحياء المنقدح ممَّا مر. وقيل: للقرآن.
والحق: خلاف الباطل، وهو في الأصل مصدرُ حَقَّ يَحقُّ - من بابي ضرب
وقتل -: إذا وَجَبَ أو ثَبَتَ، وقال الراغب(٢): أصله المطابقةُ والموافقة، ويكون
بمعنى الموجِدِ بحَسَبِ الحكمة، والموجَدِ على وَفْقِها، والاعتقاد المطابق للواقع.
وقيل: إنَّه الحكم المطابق. ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب
باعتبار اشتماله على ذلك.
ولم يُفرَّق في المشهور بينه وبين الصِّدق، إلا أنه شاع في العقد المطابق،
والصدق في القول كذلك، وقد يُفرَّق بينهما بأنَّ المطابقة تُعتبر في الحقِّ من جانب
الواقع وفي الصدق من جانب الحُكْمِ.
وتعريفُه هنا إما للقصر الادِّعائي كما يقال: هذا هو الحقُّ، أو لدعوى الاتحاد،
ويكون المحكومُ عليه مسلَّمَ الاتِّصاف.
و (من ربهم)) إما خبرٌ بعد خبر، أو حالٌ من ضمير الحق، و((من)) لابتداء الغاية
المجازية. والتعرُّضُ لعنوان الربوبية للإشارة إلى أنهم يعترفون بحقِّيَّة القرآن، وبما
أنعم الله تعالى عليهم(٣) من النعم التي من أجلها نزول هذا الكتاب، وهو المناسبُ
(١) في الأصل: لاختلاف، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٧٣/١، والكلام منه.
(٢) في مفرداته (حقق)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢/ ٩٣.
(٣) في (م): به عليهم.

سُورَةُ الْبَقَة
٦٤
الآية : ٢٦
لقوله سبحانه: (نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) وأما الكفرة المنكِرون لجلاله المتَّخذِون غيره من
الأرباب، فالله عزَّ اسمه هو المناسب لحالهم: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وقيل: في ذلك - مع الإضافة إلى الضمير - تشريفٌ وإيذانٌ بأنَّ ضَرْبَ المثل
تربيةٌ لهم، وإرشادٌ إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائِق بهم، والجملةُ سادَّةٌ مَسَدَّ
مفعولي ((يعلمون)) عند الجمهور، ومسدَّ الأول والثاني عند الأخفش، أي: فيعلمون
حقيقته ثابتةً.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ لم يَقُلْ سبحانه: وأما
الذين كفروا فلا يعلمون، ليقابل سابقه؛ لما في هذا من المبالغة في ذمِّهم، والتنبيهِ
بأحسن وجهٍ على كمال جهلهم؛ لأنَّ الاستفهام إما لعدم العلم، أو للإنكار، وكلّ
منهما يدلُّ على الجهل دلالةٌ واضحة:
ومَن قال للمسك أين الشذا
يكذِّبه ريحُه الطيبُ
قيل: ولم يقل سبحانه هناك: وأما الذين آمنوا فيقولون .. إلخ إشارةً إلى أنَّ
المؤمنين اكتفوا بالخضوع والطاعة من غير حاجة إلى التكلِّم، والكافرون لخبثهم
وعنادهم لا يطيقون الإسرار؛ لأنه كإخفاء الجمر في الحَلْفاء(١).
وقيل: إنَّ: ((يقولون)) لا يدلُّ صريحاً على العلم وهو المقصود، والكافرون
منهم الجاهل والمعاند، فـ ((يقولون)) إلخ أشملُ وأجمع.
و((ماذا)) لها ستةُ أوجُهٍ في استعمالهم:
الأول: أن تكون ((ما)) استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و((ذا)) بمعنى الذي
خبره، وأخبر عن النكرة بالمعرفة(٢) هنا بناءً على مذهب سيبويه في جوازه في
أسماء الاستفهام، وغيرُه يجعل النكرة خبراً عن الموصول.
الثاني: أن تكون ((ماذا)) كلُّها استفهاماً مفعولاً لـ ((أراد)). وهذان الوجهان
(١) الحلفاء نبت، واحده حَلِفة. القاموس (حلف).
(٢) في الأصل و(م): عن المعرفة بالنكرة، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في حاشية
الشهاب ٩٤/٢، وعنه نقل المصنف.

الآية : ٢٦
٦٥
سُورَةُ الْجَمَة
فصيحان اعتبرهما سائر المفسرين والمُعْرِبين في الآية، والاستفهام يحتمل
الاستغراب والاستبعاد والاستهزاء ﴿قُللُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: ٤٠].
الثالث: أن يجعل ((ما)) استفهامية، وذا صلة لا إشارة ولا موصولة.
الرابع: أن يجعلا معاً موصولاً كقوله:
دعي ماذا عَلِمْتٍ سأتَّقيه(١)
الخامس: أن يجعلا نكرة موصوفة، وقد جوِّز في المثال.
السادس: أن تكون ((ما)) استفهامية، و((ذا)) اسم إشارة خبر له.
والإرادة: كما قال الراغب: منقولةٌ مِن رَادَ يَرُودُ: إذا سعى في طلب شيء،
وهي في الأصل قوةٌ مركّبةٌ من شهوة وخاطر(٢) وأمل، وجُعل اسماً لنزوع النفس إلى
الشيء، مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يُفعل أو لا يُفعل، ثم يُستعمل مرَّةً في المَبدَأ،
وهو نزوع النفس إلى الشيء، وتارةً في المنتهى، وهو الحكم فيه بأنه ينبغي، إلخ.
وإرادةُ المعنى من اللفظ مجرد القصد وهو استعمالٌ آخر ولسنا بصدده.
وبين الإرادة والشهوة عمومٌ من وجه؛ لأنها قد تتعلَّق بنفسها، بخلاف الشهوة
فإنها إنما تتعلَّق باللَّذَّات، والإنسانُ قد يريد الدواءَ البشع ولا يشتهيه، ويشتهي
اللذيذ ولا یریده إذا علم فيه هلاكه، وقد يشتهي ویرید.
وللمتكلِّمين - أهلِ الحقِّ وغيرِهم - في تفسيرها مذاهب، فالكلبيُّ والنجار(٣)
وغيرهما على أنَّ إرادته سبحانه لأفعاله أنه يفعلها عالماً بها وبما فيها من
المصلحة، ولأفعال غيره أنه أمر بها وطلبها، فالمعاصي إذاً ليست بإرادته جلَّ
شأنه، ونحو: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، واردٌ عليهم.
(١) وعجزه: ولكنْ بالمغيَّب نبِّئيني، وهو في الكتاب ٤١٨/٢، والخزانة ١١٢/٦، وذكر
البغدادي أنه من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلها، ورَدَّ على مَن نسبه للمثقَّب
العبدي.
(٢) كذا في الأصل و(م)، ومثله في حاشية الشهاب ٩٥/٢، والذي في مفردات الراغب (رود):
وحاجة، وكذا نقلها عنه السمين في عمدة الحفاظ ١٠٨٦/٢ .
(٣) وهما من المعتزلة كما في حاشية الشهاب ٩٦/٢، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ الْبَرَة
٦٦
الآية : ٢٦
والجاحظُ وبعض المعتزلة والحكماء على أنَّ إرادته تعالى شأنه: علمُهُ بجميع
الموجودات من الأزل إلى الأبد، وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى
يكون على الوجه الأكمل، وبكيفية(١) صدروه عنه حتى يكون الموجودُ على وَفْقِ
المعلوم على أحسن النظام، من غير قصدٍ وطلبٍ شوقيٍّ، ويسمُّون هذا العلم عناية.
وذهب الكرَّامية وأبو علي وأبو هاشم على أنها صفةٌ زائدةٌ على العلم، إلا أنها
حادثةٌ قائمةٌ بذاته عزَّ شأنه عند الكرَّامية، وموجودةٌ لا في محلٌّ عند الأبوين(٢) .
والمذهب الحقُّ أنها صفةٌ ذاتيةٌ قديمةٌ وجوديةٌ زائدة على العلم ومغايرة له
والقدرة، مخصّصةٌ لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وكونُها نفسُ الترجيح الذي هو
من صفات الأفعال - كما قال البيضاوي عفا الله تعالى عنه (٣). لم يذهب إليه أحد.
وفي كلمة ((هذا)) استحقارٌ للمشار إليه، مثلها في: ﴿أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ
رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] وقد تكون للتعظيم بحَسَب اقتضاء المقام.
و((مثلاً)) نصب على التمييز عن نسبة الاستغراب ونحوه إلى المشار إليه. وقد
ذكر الرضيُّ - والعهدةُ عليه - أنَّ الضمير واسمَ الإشارة إذا كانا مبهمين يجيء التمييز
عنهما، والعامل هما لتمامَيهما بنفسهما حيث يمتنع إضافتهما، وإذا كانا معلومين
فالتمييز عن النسبة. ويحتمل أن يكون حالاً من اسم الله تعالى، أو من ((هذا))،
أي: ممثلاً، أو ممثلاً به (٤)، أو بضَرْبِهِ.
﴿يُضِلُ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًا﴾ جملتان جاريتان مجرى البيان
والتفسيرِ للجملتين المصدَّرَتَّين بـ ((أمَّا))؛ إذ يشتملان على أنَّ كِلَا الفريقين موصوفٌ
(١) في (م): ويكفيه، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في حاشية الشهاب.
(٢) يعني بهما أبا علي وأبا هاشم، وأبو علي الجبائي هو محمد بن عبد الوهاب البصري،
وأبو هاشم الجبائي ابنه واسمه عبد السلام، وهما من أئمة المعتزلة. ينظر سير أعلام النبلاء
١٨٣/١٤ و١٥/ ٦٣.
(٣) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٢/ ٩٧، وقوله هو: والحقُّ أنه ترجيح أحد مقدوريه على
الآخر. اهـ. قال الشهاب: ولو كانت نفس الترجيح الذي هو من صفات الأفعال كانت صفة
حادثة، وليس هذا مذهب أهل السنة.
(٤) أي: المعنى على الأول: ممثِّلاً، وعلى الثاني: ممثَّلاً به. حاشية الشهاب ٩٨/٢.

الآية : ٢٦
٦٧
سُورَةُ الََّمَة
بالكثرة، وعلى أنَّ العلم بكونه حقًّا من الهدى الذي يزداد به المؤمنون نوراً إلى
نورهم، والجهلَ بموقعه من الضلالة التي يزداد بها الجھَّال خَبْطاً في ظلمتهم،
وهاتان يزيدان ما تضمَّنتاه وضوحاً، أو أنهما جوابٌ لدفع ما يزعمونه من عدم
الفائدة في ضرب الأمثال بالمحقَّرات، ببيان أنه مشتملٌ على حكمة جليلةٍ وغايةٍ
جميلة، هي كونه وسيلةً إلى هداية المستعدِّين للهداية، وإضلال المنهمِكين في
الغواية.
وصرَّح بعضهم بأنهما جوابٌ لـ ((ماذا))، ووُضع الفعلان موضع المصدر
للإشعار بالاستمرار التجدُّدي، والمضارع يُستعمل له كثيراً، ففي التعبير به هنا
إشارة إلى أنَّ الإضلال والهداية لا يزالان يتجدَّدان ما تجدَّد الزمان. قيل:
ووضعهما موضع الفعل الواقع في الاستفهام مبالغةً في الدلالة على تحقّقهما، فإنَّ
إرادتهما دون وقوعهما بالفعل، وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك
الإرادة؛ لإيهامه تساويهما في التعلُّق، وليس كذلك، فإنَّ المراد بالذات من ضرب
المثل هو التذكير والاهتداء كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] وأمَّا الإضلال فعارضٌ مترتّبٌ على سوء
الاختيار.
وقُدِّم في النظم الإضلالُ على الهداية مع سَبْقِ الرحمة على الغضب، وتقدُّمِها
بالرتبة والشرف؛ لأنَّ قولهم ناشئٌ من الضلال، مع أنَّ كون ما في القرآن سبباً له
أحوجُ للبيان؛ لأنَّ سبيَّته للهدى في غاية الظهور، فالاهتمام ببيانه أولى.
ووصف كلٍّ من القبيلين(١) بالكثرة بالنظر إلى أنفسهم، وإلا فالمهتدون قليلون
بالنسبة إلى أهل الضلال، وبعيدٌ حَمْلُ كثرة المهتدين على الكثرة المعنوية بجَعْلٍ
كثرة الخصائص اللطيفة بمنزلة كثرة الذوات الشريفة، كما قيل:
لدى المجد حتى عُدَّ ألفٌ بواحد (٢)
ولم أرَ أمثالَ الرجال تفاوتتْ
لاسيَّما وقد ذكر معها الكثرة الحقيقية.
(١) في (م): القبيلتين.
(٢) البيت للبحتري، وهو في ديوانه ٦٢٥/١، وفيه: إلى الفضل، بدل: لدى المجد.

سُورَةُ الََّقَة
٦٨
الآية : ٢٦
هذا وجوَّز بعضهم أن يكون قوله تعالى: (يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا) إلخ في موضع
الصفة لـ ((مَثَل)) فهو من كلام الكفار، ولعله من باب المماشاة مع المؤمنين إذ هم
ليسوا بمعترفين بأنَّ هذا المثل يضلُّ الله به كثيراً ويهدي به كثيراً. وأغربُ من هذا
تجويزُ ابن عطيةً أن يكون: (يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا) من كلام الكفار، وما بعده من
كلام الله تعالى(١)، وهو إلباسٌ في التركيب، وعدول عن الظاهر من غير دليل.
وإسناد الإضلال إليه تعالى حقيقيٍّ وقد تقدم وجهه، فلا التفات إلى ما في
الكشاف(٢)؛ لأنه نزغة اعتزالية.
والضمير في ((به)) للمثل - أو لضَرْبِه - في الموضعين، وقيل: في الأول
للتكذيب، وفي الثاني للتصديق، ودلَّ على ذلك قوةُ الكلام، ولا يَخْفَى ضعفُه.
وقرأ زيد بن علي: ((يُضَلُّ) هنا وفيما يأتي، و((يُهدَى)) بالبناء للمفعول. وابن
أبي عبلة في الثلاثة بالبناء للفاعل، ورفعا ((الفاسقين)) خَفَضَهم الله تعالى(٣).
تذييلٌ، أو اعتراضٌ في آخر الكلام بناءً على
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ، إِلَّا الْفَسِفِينَ
قول مَن جوَّزه، وقيل: حال، ومَنَع السيالكوتي عَظْفَه على ما قبله قائلاً: لأنه
لا يصحُّ كونُه جواباً وبياناً. وأجازه بعضُهم تكملةً للجواب، وزيادةً تعيينٍ لمَن أُريد
إضلالُهم ببيان صفاتهم القبيحةِ المستتبِعةٍ له، وإشارةً إلى أنَّ ذلك ليس إضلالاً
ابتدائيًّا، بل هو تثبيتٌ على ما كانوا عليه من فنون الضلال وزيادةٌ فيه.
و((الفاسقين)): جمع فاسقٍ، من الفِسق، وهو شرعاً: خروج العقلاء عن
الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختصَّ في العرف والاستعمال
بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخَرَيْنِ إلا نادراً بقرينة، وهو من
قولهم: فسق الرُّطَب: إذا خرج من قشره. قال ابن الأعرابي: ولم يُسمع الفسق
(١) المحرر الوجيز ١١٢/١ .
(٢) ٢٦٧/١.
(٣) قراءة زيد بن علي في الكشاف ٢٦٧/١، والبحر ١٢٦/١، وقراءة ابن أبي عبلة بالبناء
للفاعل وفتح حرف المضارعة ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٢/١، ونقل عن
أبي عمرو الداني قوله: هذه قراءة القدرية، وابن أبي عبلة من ثقات الشاميين ومن أهل
السنة، ولا تصح هذه القراءة عنه، مع أنها مخالفةٌ خط المصحف.

الآية : ٢٧
٦٩
سُوَّةُ الْبََ
وصفاً للإنسان في كلام العرب، ولعله أراد في کلام الجاهلية کما صرَّح به ابن
الأنباري(١). وإلا فقد قال رؤبة وهو شاعرٌ إسلاميٍّ يُستَدلُّ بكلامه:
يَذْهِبْنَ في نجدٍ وغوراً غائراً فواسقاً عن قصدها جوائرا(٢)
على أنه يمكن أن يقال: لم يخرج الفسق في البيت عن الوضع؛ لأنه وضعاً:
خروجُ الأجرام وبروزُ الأجسام من غير العقلاء، وما فيه خروج الإبل وهي لا تعقلُ.
والمراد بالفاسقين هنا: الخارجون عن حدود الإيمان، وتخصيصُ الإضلال
بهم مرتَّباً على صفة الفسق وما أُجري عليهم من القبائح؛ للإيذان بأنَّ ذلك هو الذي
أعدَّهم للإضلال، وأدَّى بهم إلى الضلال، فإنَّ كفرَهم وعدولَهم عن الحقِّ
وإصرارَهم على الباطل، صرفتْ وجوه أنظارهم عن التدبُّر والتأمُّل حتى رسخت
جهالتهم وازدادت ضلالتهم، فأنكروا وقالوا ما قالوا.
ونُصبَ («الفاسقين)) على أنه مفعولُ ((يُضلُّ»، أو على الاستثناء والمفعولُ
محذوف - أي: أحداً - ولا تفريغ، كما في قوله:
نجا سالمٌ والنفسُ منه بِشِدةٍ ولم يَنْجُ إلَّا جَفْنَ سيفٍ ومِثْزَرا(٣)
ومنع ذلك أبو البقاء(٤)، ولعله محجوجٌ بالبيت.
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ﴾ يحتمل النصب والرفع، والأول إمّا
على الإتباع أو القطع، أي: أذُّ. والثاني إمَّا على الثاني من احتمالي الأول، أو
(١) قد ذُكر ذلك مصرحاً به أيضاً عن ابن الأعرابي، ففي الصحاح (فسق)، ومجمل اللغة
٧٢١/٣: قال ابن الأعرابي: لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسِقٌ.
وقول ابن الأنباري ذكره السمين في الدر المصون ٢٣٤/١.
(٢) نسبه لرؤية ابن الأنباري في الزاهر ١٢٠/١، وهو في ملحقات ديوانه ص ١٩٠، ونسبه
سيبويه في الكتاب ٩٤/١ العَجَّاج. يصف إبلاً سائرة في المفازة، والنجد: ما ارتفع من
الأرض، والغَوْر: ما انخفض منها، وغائراً صفة له من لفظه مؤكّدة، وفواسق بمعنى
خوارج، والقصد هنا: الطريق المستقيم. حاشية الشهاب ١٠٢/٢ .
(٣) البيت لحذيفة بن أنس الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٢٢/٣، والبحر ١٢٦/١، والدر
المصون ٢٣٣/١، وفي هذه المصادر: بشدقه، بدل: بشدة.
(٤) في الإملاء ٩٠/١ - ٩١.

سُورَةُ الْبَّهُغَة
٧٠
الآية : ٢٧
على الابتداء، والخبر جملةُ ((أولئك هم الخاسرون)) وعلى هذا تكونُ الجملة كأنها
كلامٌ مستأنفٌ لا تعلُّقَ لها إلا على بُعْدٍ.
والنقض: فسخ التركيب، وأصله يكون في الحبل ونقيضُه الإبرام، وفي الحائط
ونحوه ونقيضُه البناء، وشاع استعمال النقض في إبطال العهد كما قال الزمخشري:
من حيث تسميتُهم العهدَ بالحبل على سبيل الاستعارة، لِمَا فيه من ثبات الوصلة بين
المتعاهدين، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها، أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار
ثم يرمزوا بذكر شيء من روادفه، فينبِّهوا بتلك الرمزة على مكانه، نحو قولك: عالمٌ
يغترف منه الناس، وشجاع يفترسُ أقرانه(١).
والحاصل أنَّ في الآية استعارةً بالكناية، والنقضُ استعارةٌ تحقيقيةٌ تصريحيةٌ،
حيث شبَّه إبطال العهد بإبطال تأليف الجسم، وأطلق اسم المشبَّه به على المشبّه،
لكنها إنما جازت وحَسُنَتْ بعد اعتبارٍ تشبيهِ العهد بالحبل، فبهذا الاعتبار صارت
قرينةً على استعارة الحبل للعهد، ومن هنا يظهر أنَّ الاستعارة المكنيَّة قد توجد
بدون التخييلية، وأنَّ قرينتها قد تكون تحقيقية، وتحقيقُ البحث يُطلب من محلِّه.
والعهد: المَوْثِقِ، وعَهِدَ إليه في كذا: إذا أوصاه ووثقه عليه، واسْتَعْهَدَ منه: إذا
اشْتَرَطَ عليه واستَوْثَق منه. والمراد به هنا إما العهد المأخوذ بالعقل، وهو الحجةُ
القائمة على عباده تعالى، الدالَّةُ على وجوده ووحدتِهِ وصِدْقٍ رسله، وفي نَقْضِها
لهم ما لا يَخْفَى من الذم؛ لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كرَّرها
عليهم في الأنفس والآفاق، وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنزل الكتب
مؤكّداً لها، والناقضون على هذا جميع الكفار.
وإما المأخوذُ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بُعث إليهم رسولٌ مصدَّقٌ
بالمعجزات صدَّقوه واتَّبعوه، ولم يكتموا أمره وذِكْرَه في الكتب المتقدمة، ولم
يخالفوا حُكْمَه، والناقضون حينئذٍ أهلُ الكتاب والمنافقون منهم، حيث نبذوا كلَّ
ذلك وراء ظهورهم، وبدَّلوا تبديلاً، والنقضُ على هذا عند بعضهم أشنع منه على
الأول، وعَكَسَ بعضٌ، ولكلٍّ وجهة .
(١) الكشاف ٢٦٨/١.

الآية : ٢٧
٧١
سُؤَدَّةُ الْجَمَة
وقيل: الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السموات والأرض عن أن يحملنها .
وقيل: هو ما أُخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يُخرجوا
أنفسهم من ديارهم. إلى غير ذلك من الأقوال، وهي مبنيةٌ على الاختلاف في سبب
النزول، والظاهر العموم.
و ((من)) للابتداء، وكونِ المجرور بها موضعاً انفصل عنه الشيء وخرج، وتدلُّ
على أنَّ النقض حصل عقيب توثّق العهد من غير فصل، وفيه إرشادٌ إلى عدم
اكتراثهم بالعهد، فإثْرَ ما استوثق الله تعالى منهم نقضوه. وقيل: صلة، وهو بعيد.
و ((الميثاق)» مفعال، وهو في الصفات كثير كمِنْحار، ويكون مصدراً عند
أبي البقاء والزمخشريِّ، كميعاد بمعنى الوعد(١)، وأنكره جماعة وقالوا: هو اسمٌ
في موضع المصدر، كما في قوله:
أَكُفْراً بعد ردِّ الموت عنّي
وبعد عطائكَ المئة الرِّتاعا (٢)
ويكون اسمَ آلة كمحراث، ولم يَشِعْ هذا، وليس بالبعيد. والمراد به: ما وثَّق الله
تعالى به عَهْدَه من الآيات والكتب، أو ما وثَّقوه به من القبول والالتزام، والضمير
للعهد؛ لأنه المحدَّث عنه، ويجوز عودهُ إلى الله تعالى، ولم يجوِّزه السيالكوتي؛
لأن المعنى لا يتمُّ بدون اعتبار العهد، فهو أهمُّ من ذكر الفاعل، ولأنَّ الرجوع إلى
المضاف خلاف الأصل.
وأَفْهَمَ كلامُ أبي البقاء أنَّ الميثاق هنا مصدرٌ بمعنى التوثقة، وفي الضمير
الاحتمالان، فإن عاد إلى اسم الله تعالى كان المصدر مضافاً إلى الفاعل، وإن إلى
العهد كان مضافاً إلى المفعول(٣).
وحديث الرجوع إلى المضاف خصَّه بعض المحقّقين في غير الإضافة اللفظية،
وأمَّا فيها فمظَّردٌ كثير، وما نحن فيه كذلك؛ لأنه مصدرٌ أو مُؤوَّلٌ بمشتقِّ، فيكون
كقولك: أعجبني ضرب زيد وهو قائم، والوجه أنها في نية الانفصال.
(١) ينظر الإملاء ٩١/١، والكشاف ٢٦٨/١.
(٢) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ص٣٧.
(٣) الإملاء ٩١/١- ٩٢.

سُورَةُ الْبَقَة
٧٢
الآية : ٢٧
﴿وَقْطَعُونَ مَّآ أَمْرَ اللَّهُ بِهِ: أَنْ يُوصَلَ﴾ ((ما)): المقطوعةُ موصولةٌ أو نكرةٌ موصوفةٌ
عند أبي البقاء (١)، وفي المراد بها أقوال:
الأول: رسول الله وَل﴾، قَطَعوه بالتكذيب والعصيان، قاله الحسن، وفيه
استعمال ((ما)) لمَن يعقل، بل سيد العقلاء، بل العقل.
الثاني: القول، فإنه تعالى أمر أن يوصل بالعمل فلم يصلوه ولم يعملوا، وظاهر
هذا أنها نزلت في المنافقين.
الثالث: التصديق بالأنبياء، أمروا بوصلهم، فقطعوهم بتكذيب بعضٍ وتصديق
بعضٍ.
الرابع: الرَّحِمُ والقرابة، قاله قتادة. وظاهره أنه أراد كفار قريش وأشباههم.
الخامس: الأمرُ الشامل لمَا ذُكِرَ، مما يوجب قطعُه قطعَ الوصلة بين الله تعالى
وبين العبد، المقصودةِ بالذات من كلِّ وصلٍ وفصل، ولعلَّ هذا هو الأوْجَهُ؛ لأنَّ
فيه حَمْلَ اللفظ على مدلوله من العموم، ولا دليل واضحَ على الخصوص.
ورجّح بعضهم ما قبله: بأنَّ الظاهر أنَّ هذا توصيفٌ للفاسقين بأنهم يضيِّعون
حقَّ الخلْقِ بعد وَصْفِهِم بتضييع حقِّ الحقِّ سبحانه، وتضييعُ حقِّه بنقض عهده، وحقِّ
خَلْقِه بتقطيع أرحامهم، وليس بالقوي.
والأمر: القولُ الطالب للفعل مع علوّ عند المعتزلة، أو استعلاءٍ عند
أبي الحسين(٢)، ويفسدهما ظاهرُ قوله تعالى حكايةً عن فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾
[الشعراء: ٣٥] ويطلق على التكلَّم بالصيغة وعلى نفسها، وفي موجبها خلاف، وهذا
هو الأمرُ الطلبي، وقد نقل إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص؛ لأنه يصدر عن
داعية تشبه الأمر، فكأنه مأمورٌ به، أو لأنه من شأنه أن يؤمر به، كما سُمِّ الخَطْبُ
والحال العظيمة شأناً. وهو مصدرٌ في الأصل بمعنى القَصْد، وسُمِّي به ذلك؛ لأنَّ
من شأنه أن يقصد، وذهب الفقهاء إلى أنَّ الأمر مشتركٌ بين القول والفعل؛ لأنه
يطلق عليه مثل: ﴿وَمَّ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧].
(١) الإملاء ١/ ٩٢.
(٢) محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي صاحب التصانيف الكلامية، توفي سنة
(٤٣٦هـ). سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٨٧. وكلامه في كتابه: المعتمد في أصول الفقه ٤٣/١.

الآية : ٢٨
٧٣
سُورَةُ الْبَعَة
و﴿أَنْ يُوصَلَ﴾ يحتمل النصب والخفض على أنه بدلٌ من ((ما)) أو من ضميره،
والثاني أَوْلَى؛ للقُرْب، ولأنَّ قَطْعَ ما أمر الله تعالى بوَصْله أبلغُ من قَطْعِ وَضْلٍ
ما أمر الله تعالى به نفسه.
واحتمالُ الرفع بتقدير هو، أو النصبِ بالبدلية من محلِّ المجرور، أو بنزع
الخافض، أو أنه مفعولٌ لأَجْلِه، أي: لِأَن أو كراهيةَ أنْ= ليس بشيءٍ كما لا يخفى.
إفسادُهم باستدعائهم إلى
﴿وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِّ أُوْلَبْكَ هُمُ الْغَِّرُونَ
الكفر، والترغيبٍ فيه، وحَمْلِ الناس عليه، أو بإخافتهم السُّبُل، وقَطْعِهم الطرقَ
على مَن يريد الهجرة إلى الله تعالى ورسوله وَلجر. أو بأنهم يرتكبون كلَّ معصية
يتعدَّى ضررُها، ويطير في الآفاق شررُها، ولعل هذا أَوْلى. وذكر ((في الأرض))
إشارة إلى أنَّ المراد فسادٌ يتعدَّى دون ما يقف عليهم.
و((أولئك)) إشارة إلى ((الفاسقين)) باعتبار ما فُصِّل من صفاتهم القبيحة، وفيه
رمزٌ إلى أنهم في المرتبة البعيدة من الذَّم، وحَصْرُ الخاسرين عليهم باعتبار كمالهم
في الخسران، حيث أهملوا العقل عن النظر، ولم يقتنصوا المعرفة المفيدةَ للحياة
الأبدية والمسرَّةِ السرمدية، واشتروا النقض بالوفاء، والفسادَ بالصَّلاح، والقطيعةَ
بالصِّلة، والثَّوابَ بالعقابِ، فضاع منهم الطّلبتان: رأسُ المال والربح، وحصل لهم
الضرر الجسيم، وهذا هو الخسران العظيم، وفي الآية ترشيحٌ للاستعارة المقدَّرةِ
التي تضمَّنتها الآيات السابقة، فافهم.
﴿كَيْفَ تَكْفُونَ بِاللَّهِ﴾ التفاتٌ إلى خطاب أولئك بعد أن عدَّد قبائحهم
المستدعيةَ لمزيدٍ سخطِه تعالى عليهم، والإنكارُ إذا وُجِّه إلى المخاطَب كان أبلغَ من
توجيهه إلى الغائب وأَرْدَعَ له، لجواز أن لا يصله.
و((كيف)): اسمٌ، إما ظرف - وعزي إلى سيبويه(١) . ومحلُّها نصبٌ دائماً، أو
غير ظرف وعُزي إلى الأخفش، فمحلّها رفعٌ مع المبتدأ، ونصبٌ مع غيره، وادَّعى
ابن مالك أنَّ أحداً لم يقل بظرفيَّتها، إذ ليست زماناً ولا مكاناً، لكن لكونها تفسّر
بقولك: على أيّ حال، أُطلق اسمُ الظرف عليها مجازاً، واستحسنه ابن هشام(٢)،
(١) ينظر الكتاب ١٢٣/٤ ومغني اللبيب ص٢٧٢.
(٢) في المغني ص٢٧٢ .

سُوَّةُ الْبَلَقَة
٧٤
الآية : ٢٨
ودخول حرف الجر عليها شاذ، وأكثر ما تستعمل استفهاماً، والشرط بها قليل،
والجزم غير مسموع، وأجازه قياساً الكوفيون وقطرب. والبدلُ منها أو الجواب إذا
كانت مع فعل مستغنٍ منصوبٌ، ومع ما لا يستغني مرفوعٌ إن كان مبتدأ، ومنصوبٌ
إن كان ناسخاً، وزعم ابن موهب(١) أنها تأتي عاطفةً، وليس بشيء.
وهي هنا للاستخبار منضمًّا إليه الإنكارُ والتعجيب لكفرهم بإنكار الحال الذي له
مزيدُ اختصاصٍ بها، وهي العلمُ بالصانع والجهلُ به، ألا يرى أنه ينقسم باعبتارهما
فيقال: كافر معاند وكافر جاهل؟ فالمعنى: أفي حال العلم تكفرون أم في حال
الجهل، وأنتم عالمون بهذه القصة؟ وهو يستلزم العلمَ بصانع موصوفٍ بصفات
الكمال، منزَّوٍ عن النقصان، وهو صارفٌ قويٌّ عن الكفر، وصدوّرُ الفعل عن القادر
مع الصارف القويِّ مَظِنَّةُ تعجيبٍ وتوبيخ، وفيه إيذانٌ بأنَّ كفرهم عن عناد، وهو أبلغ
في الذم، وفيه من المبالغة أيضاً ما ليس في ((أتكفرون))؛ لأنَّ الإنكار الذي هو نفي قد
توجّه للحال التي لا تنفك، ويلزم من نفيها نفيُ صاحبها بطريق البرهان، وإن شئت
عمَّمت الحال، وإنكار أن يكون لكفرهم حالٌ يوجد عليها، مع أنَّ كلَّ موجودٍ يجب
أن يكون وجوده على حالٍ من الأحوال، يستدعي إنكارَ وجود الكفر بذلك الطريق.
ولا يَرِدُ أنَّ الاستخبار مُحالٌ على اللطيف الخبير عزَّ شأنه؛ لأنه إما أن يكون
بمعنى طلبِ الخبر، فلا نُسلِّم المُحاليَّة، إذ قد يكون لتنبيه المخاطَب وتوبيخه، ولا
يقتضي جَهْلَ المستخبِر، ولا يلزم من ضمِّ الإنكار والتعجيب إليه - وهما من
المعاني المَجازية للاستفهام ـ الجمعُ بين الحقيقة والمجاز إن كان الاستخبار حقيقةً
للصيغة، وبين معنيين مجازيين إن كان مجازاً؛ لأن انفهام ذلك (٢) بطريق الاستتباع
واللزوم، لا من حاقٌّ الوسط، أو أنه تجوُّزٌ على تجوُّزٍ لشهرة الاستفهام في معنى
الاستخبار، حتى كأنه حقيقةٌ فيه.
وإمَّا أن يكون بمعنى الاستفهام فنقول: لا قَدْحَ في صدوره ممَّن يعلم المستفهم
عنه؛ لأنه كما في ((الإتقان)): طلبُ الفهم(٣)؛ إِمَّا فَهْمُ المستفهِم وهو محالٌ عليه تعالى،
(١) أبو الحسن، علي بن عبد الله الجُذّامي الأندلسي المحدث، له تفسير مفيد، توفي سنة
(٥٣٢هـ). السير ٤٨/٢٠.
(٢) في (م): لأن الانفهام.
(٣) الإتقان ٨٨٣/٢.

الآية : ٢٨
٧٥
سُوَةُ الَرَة
أو وقوعُ فَهْمِه ممَّن لا يفهم كائناً مَن كان، ولا استحالةَ فيه منه تعالى، وكذا لا استحالةً
في وقوع التعجيب منه تعالى، بل قالوا: إذا ورد التعجُّبُ من الله جلَّ وعلا لم يلزم
محذورٌ؛ إذ يُصرف إلى المخاطَبِ، أو يراد غايته، أو يرجع إلى مذهب السلف.
وأتى سبحانه بـ ((تكفرون)) ولم يأت بالماضي، وإن كان الكفر قد وقع منهم؛
لأنَّ الذي أنكر الدوام، والمضارعُ هو المُشْعِرُ به، ولئلا يكون في الكلام توبيٌ
لمَن وقع منه الكفر ممَّن آمن كأكثر الصحابة
﴿وَكُنْتُمْ أَنْوَتًا فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ ثُرْجَمُونَ (®)﴾ ما قبل
(ثم) حالٌ من ضمير (تكفرون)) بتقديرٍ قد لا محالةً، خلافاً لمَن وهم فيه، والمعنى:
كيف تكفرون وقد خلقكم، فعبّر عن الخلق بذلك، ولمَّا كان مركوزاً في الطباع،
ومخلوقاً في العقول، أنْ لا خالقَ إلا الله، كانت حالاً تقتضي أن لا تجامع الكفر.
والجُمَلُ بعدُ مستأنفةٌ لا تعلُّق لها بالحال، ولذا غايرت ما قبلها بالحروف والصيغة.
ولك أن تجعل جميع الجمل مندرجةً في الحال، وهو في الحقيقة العلمُ بالقصة، كأنه
قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها وآخرها، فلا يضرُّ اشتمالها
على ماضٍ ومستقبل، وكلاهما لا يصح أن يقع حالاً، ورجّح هذا جمعٌ محقِّقون.
والحياة: قوة تتبع الاعتدال النوعيَّ ويفيض منها سائر القوى. وقيل: القوةُ
الحساسة. والعضوُ المفلوج حيٍّ، وإلا لتسارَعَ إليه الفساد، وعدمُ الإحساس بالفعل
لا يدلُّ على عدم القوة؛ لجواز فقدان الأثر لمانع، وكأنهم أرادوا من ذلك قوةً اللمس؛
لأنَّ مغايرةَ الحياة لِمَا عداه من الحواسِّ ظاهرة، فإنها مختصَّةٌ بعضوٍ دون عضو، وأنها
مفقودةٌ في بعض أنواع الحيوانات، وأنه يلزم تعدُّدُ الحياة بالنوع في شخص واحدٍ إن
قيل بكون الحياة كلَّ واحد منها، وتركُّبُها في الخارج إن أريد مجموعُها.
وتطلق مجازاً على القوة النامية؛ لأنها من طلائعها ومقدِّماتها، وعلى ما يخصُّ
الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالُها وغايتها،
والموت مقابلٌ لها في كلِّ مرتبة، والكلُّ في كتاب الله تعالى. وحياتُه سبحانه
وتعالى صحةُ اتِّصافه جلَّ شأنه بالعلم والقدرة، أو معنّى قائمٌ بذاته تعالى يقتضي
ذلك، وأين التراب من ربِّ الأرباب؟
ثم إنَّ للناس في المراد بما في الآية الكريمة أقوالاً شتى، والمرويُّ عن ابن

سُورَةُ الْبَرَة
٧٦
الآية : ٢٨
عباس وابن مسعود ومجاهد ظهر أنَّ المراد بالموت الأول: العدمُ السابق،
والإحياء الأول: الخَلْقُ، والموت الثاني: المعهود في الدار الدنيا، والحياة الثانية:
البعث للقيامة. واختاره بعض المحقّقين، وادَّعى أنَّ قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا﴾
وإسنادُه آخِراً الإماتةَ إليه تعالى ممَّا يقوِّيه.
واختار آخرون أنَّ كونهم أمواتاً هو من وقت استقرارهم نُطَفاً في الأرحام إلى
تمام الأطوار بعدها، وأنَّ الحياة الأولى نفخُ الروح بعد تلك الأطوار، والإماتة:
هي المعهودة، والإحياء بعدها هو البعثُ يوم ينفخ في الصور. ولعله أقرب من
الأول. وإطلاق الأموات على تلك الأجسام مجازٌ إن فُسِّر الموت بعدم الحياة عمَّن
اتَّصف به، وحقيقةٌ إن فُشِّر بعدم الحياة عمَّا من شأنه، قاله السيالكوتي.
ويُفْهِمُ كلامُ بعضهم أنه على معنى: كالأموات، على التفسير الثاني، وإن فُسِّر
بعدم الحياة مطلقاً كان حقيقةً، وهو المشهور.
وأبعدُ الأقوال عندي حملُ الموت الأول على المعهود بعد انقضاء الأجل،
والإحياء الأول على ما يكون للمسألة في القبر، فيكون قد وضع الماضي موضعَ
المستقبل لتحقُّق الوقوع.
ثم لا دليل في الآية - على المختار - لنفي عذاب القبر، إذ نهايةُ ما فيها عدمُ
ذِكْرِ الإحياء المصحِّح له، ونحن لا نستدلُّ لها(١) بذلك الوجه عليه، ولنا -
والحمد لله تعالى - في ذلك المطلبٍ أدَّلةٌ شتَّى.
وكذا لا دليل للمجسِّمة - القائلين بأنه تعالى في مكانٍ - في: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
لأنَّ المراد بالرجوع إليه: الجمعُ في المحشر، حيث لا يتولَّى الحكمَ سواه، والأمرُ
يومئذٍ لله. ووراء هذا من المقال ما لا يخفى على العارفين.
وفي قوله تعالى: ﴿ُرْجَعُونَ﴾ على البناء للمفعول دون: يَرْجِعُكم المناسبِ
للسياق، مراعاةٌ لتناسُبٍ رؤوسِ الآي مع وجود التناسُب المعنويِّ للسياق، ولهذا
قيل: إنَّ قراءة الجمهور أفصحُ من قراءة يعقوب ومجاهدٍ وجماعة: ((تَرْجِعون))
بالبناء للفاعل(٢).
(١) في الأصل: بها، والمثبت من (م) وهو الصواب.
(٢) النشر ٢٠٨/٢ عن يعقوب. وجاء في (م): مبنيًّا للفاعل.

التفسير الإشاري (٢٨)
٧٧
سُوَّةُ الْبَّغَة
ولا يَرِد أنَّ الآية إذا كانت خطاباً للكفار ومعنى العلم ملاحَظُ فيها، امتنع
خطابُهم بما بعدَ (ثم)) و(ثم)) من الفعلين؛ لأنهم لا يعلمون ذلك= لأنَّ تمكُّنَهم من
العلم لوضوح الأدلة آفاقيةً وأَنفُسيةً، وسطوع أنوارها عقليةً ونقليةً، منزَّلٌ منزلَ العلم
في إزاحة العذر. وبهذا يندفع أيضاً ما قيل: هم شاُّون في نسبة ما تقدَّم إليه
تعالی، فکیف یتأثّی ذلك الخطاب به؟
ويحتمل - كما قيل - أن يكون الخطاب في الآية للمؤمن والكافر، فإنه سبحانه لمَّا
بَيَّن دلائل التوحيد(١) من قوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلى ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ﴾، ودلائلَ
النبوة من: ﴿وَإِن كُنْتُمْ﴾ إلى ﴿إِن كُنتُمْ﴾، وأَوْعَدَ بـ ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾
الآية، ووَعَد ب ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ إلخ، أكَّد ذلك بأنْ عدَّد عليهم النعم العامَّةً من
قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا﴾ إلى ﴿هُمْ فِهَا خَالِدُونَ﴾، والخاصةً من: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ إلى
﴿مَا نَسَخْ﴾، واستَقْبَح صدورَ الكفر مع تلك النعم منهم توبيخاً للكافر وتقريراً
للمؤمن، وعدَّ الإماتة نعمة؛ لأنها وصلةٌ إلى الحياة الأبدية واجتماعِ المحبِّ
بالحبيب، وقد يقال: إنَّ المعدود عليهم كذلك هو المعنى المنتزعُ من القصة بأسرها .
ومن الإشارة قولُ ابن عطاء: ((وكنتم أمواتاً)) بالظاهر ((فأحياكم)) بمكاشفة
الأسرار ((ثم يميتكم)) عن أوصاف العبودية ((ثم يحييكم)) بأوصاف الربوبية. وقال
فارس: ((و کنتم أمواتاً)) بشواهدکم «فأحیاکم» بشواهده «ثم یمیتکم)) عن شاهدکم ،ثم
یحییکم، بقيام الحقِّ «ثم إلیه ترجعون)) عن جمیع ما لكم، فتكونون له.
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ معطوفٌ على قوله تعالى:
((وكنتم))، وترك الحرف إمَّا لكونه كالنتيجة له، أو للتنبيه على الاستقلال في إفادة
ما أفاده. وذُكر أنه بيانُ نعمةٍ أخرى مترتِّبةٍ على الأولى، وأُريد بترتُّبها أنَّ الانتفاع
بها يتوقّف عليها، فإنَّ النعمة إنَّما تُسمَّى نعمةً من حيث الانتفاعُ بها.
و ((هو) لغير المتكلّم والمخاطَب، وفيه لغات: تخفيفُ الواو مفتوحةً، وحذفُها
في الشِّعر، وتشديدها لهمدان، وتسکینُها لأسد وقيس.
(١) بعدها في (م): أيضاً.

سُورَةُ الْبَقَة
٧٨
الآية : ٢٩
و((هو)) عند أهل الله تعالى اسمٌ من أسمائه تعالى، يُنْبِئُ عن كُنْه حقيقته المخصوصةِ
المبرَّأةِ عن جميع جهات الكثرة، و((هو)) اسمٌ مركّبٌ من حرفين؛ الهاء والواو، والهاء
أصلٌ، والواو زائدةٌ بدليل سقوطها في التثنية والجمع، فليس في الحقيقة إلا حرفٌ
واحد دالٌّ على الواحد الفرد، الذي لا موجودَ سواه، وكلُّ شيءٍ هالك إلا وجهه.
ولمزيدٍ ما فيه من الأسرار انَّخذه الأجلَّة مداراً لذكرهم، وسراجاً لسرِّهم، وهو
جارٍ مع الأنفاس، ومسمَّاه غائبٌ عن الحدس والقياس.
وفي جَعْلِ الضمير مبتدأً والموصولِ خبراً من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى،
وتقديمُ الظّرفِ على المفعول الصريح لتعجيل المسرَّة، واللام للتعليل والانتفاع،
أي: خَلَقَ لأَجْلِكم جميعَ ما في الأرض؛ لتنتفعوا به في أمور دنياكم بالذات أو
بالواسطة، وفي أمور دينكم بالاستدلال والاعتبار
واستدلَّ كثيرٌ من أهل السنة الحنفيةِ والشافعيةِ بالآية على إباحة الأشياء النافعة
قبل ورود الشرع، وعليه أكثرُ المعتزلة، واختاره الإمام في ((المحصول))(١)،
والبيضاويُّ في ((المنهاج))(٢).
واعتُرض: بأنَّ اللام تجيءُ لغير النَّفْعِ كـ ﴿وَإِنْ أَسَأَتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
وأُجيب بأنها مجازٌ؛ لاتّفاق أئمة اللغة على أنها للملك، ومعناه: الاختصاصُ
النافع، وبأنَّ المراد النفع بالاستدلال.
وأُجيب بأنَّ التخصيص خلافُ الظاهر، مع أنَّ ذلك حاصلٌ لكلِّ مكلَّفٍ من
نفسه، فيُحمل على غيره.
وذهب قومٌ إلى أنَّ الأصل في الأشياء قبلُ الحظرُ، وقال قوم بالوقف لتعارُضِ
الأدلة عندهم.
واستدلَّت الإباحية بالآية على مدَّعاهم قائلين: إنها تدلُّ على أنَّ ما في الأرض
جميعاً خُلق للكلّ، فلا يكون لأحدٍ اختصاصٌ بشيء أصلاً. ويردُّه أنَّها تدلُّ على أن
الكلَّ للكلِّ، ولا ينافي اختصاصَ البعض بالبعض لموجب، فهناك شبه التوزيع،
(١) ١/ ١٥٨.
(٢) ينظر الإبهاج شرح المنهاج ٦٠/١.

الآية : ٢٩
٧٩
سُوَّةُ الْبََّمَة
والتعيينُ يستفاد من دليل منفصل. ولا يلزم اختصاص كلِّ شخصٍ بشيءٍ واحدٍ كما
ظنّه السيالكوتي.
و ((ما)) تعمُّ جميعَ ما في الأرض لا نَفْسَها، إذ لا يكون الشيء ظرفاً لنفسه، إلا
أن يُراد بها جهةُ السفل كما يراد بالسماء جهةُ العلو، ويكفي في التحدُّر العرشُ
المحيط، أو تُجْعَلُ الجهة اعتباريةً، نعم قيل: تعمُّ كلَّ جزءٍ من أجزاء الأرض، فإنه
من جملة ضروراتها ما فيها، ضرورةً وجود الجزء في الكلِّ، والمغايرة اعتبارية.
والقولُ بأنَّ الكلام على تقدير معطوف، أي: خلق ما في الأرض والأرضَ،
لا أرضى به، وبعضُهم لم يتكلَّف شيئاً من ذلك، واستغنى بتقديم الامتنان بالأرض
في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشَا﴾.
و((جميعاً)): حالٌ مؤكّدة من كلمة (ما)) ولا دلالةَ لها - كما ذكره البعضُ - على
الاجتماع الزماني، وهذا بخلاف معاً. وجَعْلُهُ حالاً من ضمير ((لكم)) يضعِّفه
السياق؛ لأنه لتعداد النعم دون المنعَم عليه، مع أنَّ مقام الامتنان يناسبه المبالغةُ في
كثرة النعم، ولاعتبار المبالغة لم يجعلوه حالاً من ((الأرض)) أيضاً.
ثُمَّ أَسْتَوَّ إِلَى التَّمَلِ﴾ أي: علا إليها وارتفع من غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ ولا
تحديدٍ، قاله الربيع. أو قَصَدَ إليها بإرادته قَصْداً سويًّا بلا صارفٍ يلويه، ولا عاطفٍ
يثنيه، من قولهم: استوى إليه كالسهم المرسَل: إذا قَصَدَه قَصْداً مستوياً من غير أن
يلويَ على شيء، قاله الفراء(١).
وقيل: اسْتَوْلَى ومَلَكَ، كما في قوله:
فلمَّا عَلَوْنا واستوينا عليهمُ تركناهُمُ صَرعَى لِنَسْرٍ وكاسر (٢)
وهو خلافُ الظاهر لاقتضائه كونَ ((إلى)) بمعنى على، وأيضاً الاستيلاءُ مؤخّرٌ
عن وجود المستولَى عليه، فيحتاج إلى القول بأنَّ المراد: استولَى على إيجاد
السماء، فلا يقتضي تقدُّمَ الوجود، ولا يخفى ما فيه.
والمراد بالسماء: الأجرام العلوية أو جهةُ العلو. و((ثم)) قيل: للتراخي في
(١) في معاني القرآن ١/ ٢٥.
(٢) البيت في اشتقاق أسماء الله للزجَّاجي ص١٠٩، والبحر ١٣٤/١.

سُوَّةُ الْبَنَة
٨٠
الآية : ٢٩
الوقت. وقيل: لتفاوُتِ ما بين الخَلْقين، وفَضْلٍ خَلْقِ السماء على خَلْقِ الأرض.
والناسُ مختلفون في خَلْقِ السماء وما فيها والأرض وما فيها باعتبار التقدُّم
والتأثّر؛ لتعارُضِ الظواهر في ذلك، فذهب بعضٌ إلى تقدُّم خلقِ السماوات لقوله
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ شُعَنَهَا (٦َ وَالْأَرْضَ بَعْدَ
٢٨
تعالى: ﴿أَمِ التَّهُ بَّهَا ﴿يَ رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا (
وَاَلْجِبَالَ أَرْسَنَهَا﴾ [النازعات: ٢٧-٣٢].
ذَلِكَ دَحَنْهَا جَ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَنْهَا (٦َ
وذهب آخرون إلى تقدُّم خَلْقِ الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى
خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنٍ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَحَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَّكَ فِيهَا وَقَّذَّرَ
ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى التَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَّا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا
١٠
فِيَهَا أَقْوَتَهَا فِيَّ أَزْبَعَةٍ أَيَّامٍ سَوَاءٌ لِلِسَّآيِلِينَ
فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنٍ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ
طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآَ أَنْنَا طَآيِعِينَ
أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ٩- ١٢].
وجمع بعضُهم فقال: إنَّ ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا﴾ الآية بدلٌ أو عطفُ بيانٍ لـ ﴿دَحَهَا﴾
- أي: بَسَطَها - مبيِّنٌ للمراد منه، فيكون تأخُّرها ليس بمعنى تأخّرٍ ذاتها، بل بمعنى
تأخّرٍ خَلْقِ ما فيها وتكميلِه وترتبيه، بل خَلْقِ التمثُّع والانتفاع به، فإنَّ البَعْدِية كما
تكون باعتبار نفس الشيء، تكون باعتبار جزئه الأخير، وقيدِه المذكور، كما لو
قلت: بعثتُ إليك رسولاً ثم كنتُ بعثت(١) فلاناً لينظر ما يبلغه، فبَعْثُ الثاني - وإن
تقدَّم - لكن ما بُعِثَ لأَجْلِه متأخِّرٌ، فجُعِل نفسُه متأخِّراً. وما رواه الحاكم والبيهقيُّ
بسندٍ صحيحٍ عن ابن عباس ﴿ّ في التوفيق بين الآيتين(٢)، يشير إلى هذا.
ولا يعارضُه ما رواه ابن جرير وغيره وصحّحوه عنه أيضاً: أنَّ اليهود أتت
النَّي ◌َِّ فسألته عن خَلْقِ السماوات والأرض، فقال: ((خَلَقَ الله تعالى الأرضَ يومَ
الأحد والإثنين، وخَلَقَ الجبالَ وما فيهنَّ من المنافع يومَ الثلاثاء، وخَلَقَ يومَ
الأربعاءِ الشَّجرَ والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعةٌ، فقال تعالى:
﴿أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ إلى ﴿سَوَآءَ لِلِسَّيِلِينَ﴾ [فصلت: ٩-١٠] وخَلَقَ يوم الخميس السماء،
(١) بعدها في الأصل: إليه، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ١١٥/٢ والكلام منه.
(٢) الأسماء والصفات للبيهقي (٨٠٩) ولم نقف عليه عند الحاكم، وأخرجه البخاري قبل
الحديث (٤٨١٦)، وينظر فتح الباري ٥٥٥/٨-٥٥٦، والكلام من حاشية الشهاب ١١٥/٢.