Indexed OCR Text
Pages 41-60
الآية : ٢٤ ٤١ سُورَةُ الْبَكْرَة واحتمال زيادة ((أن)) يوهن الاحتجاج. ولا ((لا)) كما عند الفراء (١)، فأُبدلت ألفه نوناً، إذ لا داعي إلى ذلك، وهو خلافُ الأصل. والجملة اعتراضٌ بين جزئي الشرطية ظاهراً، مقرِّرٌ لمضمون مقدَّمها، ومؤگِّدٌ الإيجاب العمل بتاليها، وهذه معجزةٌ باهرةٌ حيث أخبر بالغيب الخاصِّ علمه به سبحانه، وقد وقع الأمر كذلك، كيف لا ولو عارضوه بشيء يُدانيه لتناقله الرواةُ لتوقُّر الدواعي؟ وما أتى به نحوُ مسيلمةَ الكذابِ مما تضحكُ منه الثكلى، لم يقصد به المعارضة وإنما اذَّعاه وحياً . وقوله سبحانه: ﴿فَأَتَّقُوا﴾ جوابٌ للشرط، على أنَّ اتقاء النار كنايةٌ عن ظهور إعجازه المقتضي للتصديق والإيمان به، أو عن الإيمان نفسه، وبهذا يندفع ما يتوهّم من أنَّ اتِّقاء النار لازمٌ من غير توقُّفٍ على هذا الشرط، فما معنى التعليق؟ وأيضاً الشرط سببٌ أو ملزوم للجزاء، وليس عدم الفعل سبباً للاتقاء ولا ملزوماً له، فكيف وقع جزاءً له؟ وبعضهم قدَّر لذلك جواباً، والتَّزَمَه جملةً خبرية؛ لأنَّ الإنشائية لا تقع جزاء كما لا تقع خبراً إلا بتأويل، والزمخشريُّ لا يوجب ذلك فيها لعدم الحمل المقتضي له. و(الوَقود)) بالفتح كما قرأ به الجمهور: ما توقَدُ به النار، وكذا كلُّ ما كان على فَعول اسمٌ لما يُفْعَلُ به في المشهور، وقد يكون مصدراً عند بعض، وحكوا: وَلوعاً، وقَبولاً، ووَضوءاً، وطَهوراً، ووَزوعاً، ولَغوباً (٢). وقرأ عبيد بن عمير: (وَقِيدُها))(٣). وعيسى بن عمر وغيره: (وُقودها)) بالضم(٤). فإن كان اسماً لما = النوادر ص ٦٠ لجابر بن رَألان الطائي - شاعر جاهلي - برواية: يرجّي العبد ما إن لا يلاقي، وكذا نسبه ابن الأعرابي في نوادره ثم قال: ويقال: إنها لإياس بن الأرت. ينظر الخزانة ٤٤٥/٨. والرواية الثانية ذكرت شاهداً على زيادة إن بعد ما، كما في الکشاف ٥٢٥/٣، والمغني ص٣٨. (١) ينظر قوله في المغني ص٣٧٣. (٢) اللَّغوب: التعب. حاشية الشهاب ٥٢/٢. (٣) ذكرها القرطبي في تفسيره ١/ ٣٥٥، وأبو حيان في البحر ١/ ١٠٧. (٤) القراءات الشاذة ص٤، والمحتسب ٦٣/١. سُورَةُ الْبَّفَقَة ٤٢ الآية : ٢٤ يوقد به كالمفتوح فذاك، وإن كان مصدراً - كما قيل في سائر ما كان على فُعول - فحَمْلُه على النار للمبالغة، أو للتجوُّز فيه أو في التشبيه، أو بتقدير مضافٍ أولاً كـ: ذو وُقودِها، أو ثانياً كـ: احتراقُ، وهو نفسه خارجاً غيره مفهوماً وذاك مصداق الحمل، وحكي أنَّ من العرب مَن يجعل المفتوح مصدراً والمضموم اسماً، فینعكس الحال فيما نحن فيه. و ((الحجارة)) كحِجار: جمعُ كثرةٍ لحجر، وجمعُ القلَّة أحجار، وجمعُ فَعَلٍ - بفتحتين - على فِعالٍ شاذٌ، وابن مالك في ((التسهيل)) يقول: إنه اسمُ جمع لغلبة وزنه في المفردات، وهو الظاهر(١). والمراد بها على ما صحَّ عن ابن عباس وابن مسعود په ولمِثْل ذلك حُكُمُ الرفع: حجارةٌ الكبريت(٢)، وفيها من شدةِ الحرِّ وكَثْرةِ الالتهاب وسرعةِ الإيقاد ومَزيدِ الالتصاق بالأبدان، وإعدادٍ أهل النار أن يكونوا حطباً، مع نَتَنِ ريحٍ وكثرةٍ دخانٍ ووفورٍ كثافةٍ، ما نعوذ بالله منه. وفي ذلك تهويلٌ لشأن النار وتنفيرٌ عما يجرُّ إليها بما هو معلوم في الشاهد، وإن كان الأمر وراء ذلك، فالعالم وراء هذا العالم، وعَيْلمُ قدرة الجبار سبحانه وتعالى يضمحلُّ فيه هذا العلم. وقيل: المراد بها الأصنامُ التي ينحتونها، وقَرَنها بهم في الآخرة زيادةً لتحسُّرهم، حيث بدا لهم نقيضُ ما كانوا يتوقَّعون، وهناك يتم لهم نوعان من العذاب؛ روحانيٍّ وجسماني. ويؤيِّد هذا قولهُ تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُنِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وحَمْلُها على الذهب والفضة - لأنهما يسمَّيان حجراً كما في القاموس (٣)- دون هذين القولين. الأصح أوَّلهُما عند المحدِّثين، وثانيهما عند الزمخشري(٤)؛ ويشير إليه كلامُ الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه. (١) حاشية الشهاب ٥٣/٢، وينظر التسهيل ص ٢٨١. (٢) أخرج قولهما الطبري ٤٠٣/١-٤٠٤، وأخرجه عن ابن مسعود أيضاً عبد الرزاق ١/ ٤٠، والحاكم ٢/ ٢٦١، وصححه. قال الشهاب في الحاشية ٢/ ٥٣: ومثل هذا التفسير الوارد عن الصحابي فیما يتعلق بأمر الآخرة له حكم الرفع بإجماع المحدثین، وقد رجحه کثیر من المفسرين. (٣) مادة (حجر). (٤) في الكشاف ١/ ٢٥٢. الآية : ٢٤ ٤٣ سُورَةُ الْبَّكْغَة و((أل)) فيها - على كلِّ - ليست للعموم، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها له، ويكون المعنى: إنَّ النار التي وُعدوا بها صالحةٌ لأن تحرق ما أُلقي فيها من هذين الجنسين، فعبّر عن صلاحيتها واستعدادِها بالأمر المحقَّق. وذَكر الناسَ والحجارةَ تعظيماً لشأن جهنم، وتنبيهاً على شدة وقودها، ليقع ذلك من النفوس أعظم موقع، ويحصلَ به من التخويف ما لا يحصل بغيره، وليس المراد الحقيقةَ. وهو خلافُ الظاهر والمتبادِرِ من الآيات، ويوشك أن يكون سوءً ظنِّ بالقدرة. ولا يتوهّم من الاقتصار على هذين الجنسين أن لا يكون في النار غيرهما، بدليل ما ذكر في غير موضع من كون الجنّ والشياطين فيها أيضاً، نعم قال سيدي الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه: إنهم لهُها وأولئك جمرُها(١). وبدأ سبحانه بالناس لأنهم الذين يدركون الآلام، أو لكونهم أكثرَ إيقاداً من الجماد لما فيهم من الجلود واللحوم والشحوم، ولأنَّ في ذلك مزيدَ التخويف. وإنما عرَّف النار وجعل الجملةَ صلةً، وأنها يجب أن تكون قصةً معلومة؛ لأنَّ المنكَّر في سورة التحريم نزل أولاً (٢)، فسمعوه بصِفَته، فلمَّا نزل هذا بعدُ جاء معهوداً، فعُرِّف وجُعلت صفته صلةً، وكونُ الصفة كذلك، الخطب فيه هيِّن لِمَا أنَّ المخاطب هناك المؤمنون، وظاهرٌ أنهم سمعوا ذلك من رسول الله وَّرَ، إلا أنَّ في كون سورة التحريم نزلت أولاً مقالاً(٣)، فتأمَّل. ﴾ ابتداءُ كلام قُطع عمَّا قبله - مع أنَّ مقتضى الظاهر أن يُعطف ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِنَ ٢٤ على الصلة السابقة اعتناءً بشأنه - بجعله مقصوداً بالذات بالإفادة مبالغةً في الوعيد. وجَعْلُه استئنافاً بيانيًّا بأن يُقدَّر: لمن أُعدَّت؟ أو: لِمَ كان وَقودُها كذا وكذا؟ فمع عَدَمِ مساعدةٍ عَظْفٍ ((بشِّر)) الآتي - على البناء للمفعول - عليه؛ لأنه لا يصلح للجواب إلا أنَ يقال: المعطوف على الاستئناف لا يجب أن يكون استئنافاً، يأبى عنه الذوق؛ أما الأول: فلأنَّ السياق لا يقتضيه، وأما الثاني: فلأنَّ المقصد من الصلة التهويل، فالسؤال بـ: لمَ كان شأنُ النار كذا؟ مما لا معنى له، والجوابُ غیرُ وافٍ به. (١) الفتوحات المكية ٢٩٧/١. (٢) يعني قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. (٣) ينظر تفصيل هذه المسألة في حاشية الشهاب ٥٤/٢. سُورَةُ الْبَعَة ٤٤ الآية : ٢٤ وجَعْلُه حالاً من النار بإضمار ((قد)) والخبرُ من أجزاء الصلة لذي الحال، لا من ضمير ((وقودها)) للجمود، أو لوقوع الفصل بالخبر الأجنبي حينئذٍ= ليس بشيء؛ إذ لا يحسن التقييد بهذه الحال إلا أن يقال: إنها لازمةٌ بمنزلة الصفة، فيفيد المعنى الذي تفيده الصلة، ولذا قيل: إنها صلة بعد صلة، وتعدُّد الصِّلات كالصِّفات والأخبار كثيرٌ بعاطفٍ وبدونه كما نصَّ عليه الإمام المرزوقيُّ، وإن لم يظفر به السعد (١). أو معطوفٌ بحذف الحرف كما صرَّح به ابن مالك(٢). وجَعْلُهُ صلةً و ((وقودها الناس)) إما معترضةٌ للتأكيد أو حالٌ، مما لا ينبغي أن يخرَّج عليه التنزيل. ومعنى ((أعدَّت)): هُيِّئت، وقرأ عبد الله ((أُعتِدَت))(٣) من العتاد بمعنى العدة، وابن أبي عبلة: ((أعدَّها الله للكافرين))(٤). والمراد إما جنسُهم والمخاطبون داخلون فيهم دخولاً أوَّليًّا، أو هم خاصة، ووضع الظاهر موضع ضميرهم حينئذٍ لذمِّهم وتعليلِ الحكم بكفرهم. وكونُ الإعدادِ للكافرين لا ينافي دخولَ غيرهم فيها على جهة التطفُّل، فلا حاجة إلى القول بأنَّ نارَ العصاة غيرُ نار الكفار. ثم ما يتبادر من الآية الكريمة أنَّ النار مخلوقةٌ الآن، والله تعالى أعلم بمكانها في واسع ملكه. وجَعْلُ المستقبل لتحقُّقه ماضياً ك: نُفِخِ في الصور، والإعدادِ مثلَه في: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ تَغْفِرَةٌ وَأَجْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] كما يقول المعتزلة، خلافُ الظاهر. والذي ذهب أهل الكشف إليه أنها مخلوقة، غيرَ أنها لم تتمّ، وهي الآن عندهم دارٌ حرورُها هواءٌ محترقٌ لا جمرَ لها البتة، ومَن فيها من الزبانية في رحمةٍ منَعَّمون يسبحون الله تعالى لا يفترون، وتحدُثُ فيها الآلام بحدوث أعمال الإنس والجن الذين يدخلونها، ولذا يختلف عذاب داخليها، وحَدُّها بعد الفراغ من الحساب (١) حيث قال: وعندي أنها صلة كما في الخبر والصفة، فإن أبيتَ بناءً على أنه لم يسّر في كتاب فليكن عطفاً بترك العاطف. اهـ. قال الشهاب في الحاشية ٢/ ٥٥ بعد أن ذكر قول السعد وقول المرزوقي: فقول الفاضل: إنه لم يسطر في كتاب، سهو، كان ذلك في الكتاب مسطوراً. (٢) ينظر التسهيل ص١٧٨ . (٣) القراءات الشاذة ص٤. (٤) المحرر الوجيز ١٠٨/١. الآية : ٢٥ ٤٥ سُورَةُ الْبَيْرَة ودخولِ أهل الجنة الجنةً من مقعر فلك(١) الثوابت إلى أسفل السافلين، فهذا كلُّه يزاد إلى ما هو الآن، ولذا كان يقول عبد الله بن عمر ﴿يا إذا رأى البحر: يا بحر متى تعود ناراً؟ وكان يكره الوضوء بمائه ويقول: التيمم أحبُّ إليَّ منه(٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَلْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: أُجِّجت. وليس للكفار اليوم مكثّ فيها، وإنما يُعرضون عليها كما قال تعالى: ﴿بُكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]. وهي: ناران؛ حسِّيةٌ مسلَّطةٌ على ظاهر الجسم والإحساس والحيوانية، ومعنويةٌ وهي ﴿أَلَّى تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] وبها يعذَّب الروحُ المدبّرُ للهيكل، الذي أُمر فعصى، والمخالفة وهي عين الجهل بمن استكبر عليه أشد العذاب(٣). وقد أطالوا الكلام في ذلك وأتوا بالعجب العُجاب، وحقيقةُ الأمر عندي لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا شيء أحسن من التسليم لما جاء به النبيُّ ◌َِّ، فكيفيةُ ما في تلك النشأة الأخروية مما لا يمكنُ أن تُعلم كما ينبغي لمن غرق في بحار العلائق الدنيوية، وماذا عليَّ إذا آمنتُ بما جاء ممَّا أخبر به الصادق من الأمور السمعية ممَّا لا يستحيل على ما جاء، وفوَّضتُ الأمرَ إلى خالق الأرض والسماء، أسأل الله تعالى أن يثبِّت قلوبنا على دينه. ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَلِحَتِ﴾ لمَّا ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدَّم الكفارَ وما يؤولُ إليه حالهُم في الآخرة، وكان في ذلك أبلغُ التخويف والإنذار، عقّب بالمؤمنين ومالِهم جرياً على السنَّة الإلهية من شَفْعِ الترغيب بالترهيب، والوعدِ بالوعيد؛ لأنَّ من الناس مَن لا يَحْديه التخويف ولا يُجديه وينفعه اللطف، ومنهم عكسُ ذلك، فكأنَّ هذا وما بعده معطوفٌ على سابقه عطفَ القصة على القصة، والتناسُبُ بينهما باعتبار أنه بيانٌ لحال الفريقين المتباينين، وكشفٌ عن الوصفين المتقابلين. وهل هو معطوفٌ على ((وإن كنتم)) إلى (أعدَّت))، أو على ((فإن لم تفعلوا)) الآية، قولان؟ اختار السيد أوَّلَهما(٤)، واذَّعى بعضهم أنه أَقْضَى لحقِّ البلاغة، (١) في (م): فك. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣١/١، وابن المنذر في الأوسط ٢٤٩/١. (٣) قوله: والمخالفة ... إلخ، لم يتبين لنا معناها، ولعل في الكلام سقطاً، والله أعلم. (٤) ينظر حاشية الجرجاني على هامش الكشاف ٢٥٣/١-٢٥٤. سُورَّةُ الْبََّوَة ٤٦ الآية : ٢٥ وأَدْعَى لتلاؤم النظم؛ لأنَّ (يا أيها الناس اعبدوا)) خطابٌ عام يشمل الفريقين، ((وإن كنتم)، إلخ مختصٌّ بالمخالِف ومضمونُه الإنذار، ((وبشر)» إلخ مختصٌّ بالموافِق ومضمونُه البشارة، كأنه تعالى أوحى إلى نبيه وَّ# أن يدعو الناس إلى عبادته، ثم أمر أن يُنذرَ مَن عاند ويبشِّرَ مَن صدَّق. والسعدُ اختار ثانيَهما؛ لأنَّ السَّوق لبيان حال الكفار ووصفِ عقابهم. وقيل: عطف على ((فاتقوا)) وتغايُر المخاطَبينَ لا يضرُّ، كـ ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَأْ وَأَسْتَغْفِرِى﴾ [يوسف: ٢٩]، وترتُبُهُ على الشرط بحكم العطف باعتبار أنَّ ((اتقوا)) إنذارٌ وتخويفٌ للكفار، ((وبشِّر)» تبشيرٌ للمؤمنين، وكلٌّ منهما مترتّبٌ على عدم المعارضة بعد(١) التحدِّي؛ لأنَّ عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه، وهو يستلزم استيجابَ منكره العقابَ، ومصلِّقِه الثوابَ؛ لأنَّ الحجة تمَّت والدعوة كملت، واستيجابُهما إياهما يقتضي الإنذار والتبشير، فترتُّب الجملة الثانية على الشرط ترتّبَ الأولی علیه بلا فرق. وقد يقال: إن الجزاء: فآمِنوا محذوفاً، والمذكورُ قائمٌ مقامه، فالمعنى: إنْ لم تأتوا بكذا فآمِنوا وبشِّر الذين آمنوا، أي: فليوجَد إيمانٌ منهم وبشارةٌ منك، ووُضع الظاهرُ موضعَ الضمير، وفيه حثٍّ لهم على الإيمان، ولعله أقلُّ مؤونة. واختار صاحب ((الإيضاح)) عَظْفَه على: أَنْذِرْ، مقدَّراً بعد جملةٍ ((أعِدَّتْ))(٢). وقيل: عطفٌ على: قل، قبل ((وإن لم تفعلوا)). وتقديرهُ قبل ((يا أيها الناس)) يُخْرِجُ إلى إجراء ((مما نزلنا على عبدنا)) على طريقة كلام العظماء، أو تقدير: قال الله، بعد قُلْ. والبشارة - بالكسر والضمِّ - اسمٌ من بَشَرَ بَشْراً وبُشوراً، وتفتح الباء فتكون بمعنى الجَمَال، وفي الفعل لغتان؛ التشديد وهي العليا، والتخفيف وهي لغة أهل تهامة، وقرئ بهما في المضارع في مواضع، والتكثير في المشدَّد بالنسبة إلى المفعول، فإنَّ واحداً كان فَعَل فيه مغنياً عن فعَّل، وفسَّروها في المشهور - وصحّح - (١) في (م): بعدم. (٢) أي: فأنذرهم وبشر ... ، الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني ١/ ١٦١. الآية : ٢٥ ٤٧ سُورَةُ الْبَرَة بالخبر السارِّ الذي ليس عند المخُبَرِ علم به، واشترط بعضهم أن يكون صدقاً. وعن سيبويه: أنها خبر يؤثر(١) في البشرة حزناً أو سروراً. وكثر استعماله في الخير، وصحَّحه في ((البحر))(٢)، و﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيِ﴾ [التوبة: ٣٤] ظاهرٌ عليه، ومن باب التهّم على الأول. والمأمورُ بالتبشير البشيرُ النذيرِوَّهِ، وقيل: كلُّ مَن يتأتَّى منه ذلك كما في قوله وَ﴾: ((بشّر المشَّائين إلى المساجد)) الحديث(٣)، ففيه رمزٌ إلى أنَّ الأمر لعظمته حقيقٌ بأن يتولَّى التبشير به كلُّ مَن يقدِرُ عليه، ويكون هناك مجازٌ إن كان الضمير موضوعاً لجزئيًّ بوضع كلِّيَّ، وإلا ففي الحقيقة والمجاز كلامٌ في محله. ولم يخاطَّب المؤمنون كما خوطب الكفرةُ؛ تفخيماً لشأنهم، وإيذاناً تامًّا بأنهم أحقّاءُ بأن يبشَّروا ويُهنَّؤوا بما أعدَّ لهم، وقيل: تغييراً للأسلوب؛ لتخييل كمالٍ التباين بين حال الفريقين. وعندي أنه سبحانه لمَّا كسى رسوله وَّرِ حُلَّةً عبوديته في قوله: ﴿مِّنَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ناسَبَ أن يطرِّزها بطرازِ التكليف بما يزيد حبَّ أحبابه له، فيزدادون إيماناً إلى إيمانهم، وفي ذلك من اللطف به وَ له وبهم ما لا يخفى. وقرأ زيد بن علي: ((وبُشِّر)) مبنيًّا للمفعول(٤)، وهو معطوفٌ على ((أعدَّت)) كما اشتهر، وقيل: إنه خبرٌ بمعنى الأمر، فَتَوَافَقُ القراءتان معنىً وعطفاً. وتعليقُ التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلَّلٌ بما في حيِّز الصلة من الإيمان والعمل الصالح، لكن لا لذاتهما بل بجَعْل الشارع ومقتَضَى وَعْدِهِ. وجَعْلُ صلته فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة الفاعل لحثِّ المخاطَبين بالاتقاء على إحداث الإيمان، وتحذيرهم من الاستمرار على الكفر. ثم لا يخفى أنَّ كونَ مناطِ البشارة مجموعُ الأمرين لا يقتضي انتفاءَ البشارة عند انتفائه، فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرِّدِ الجنةَ، كما هو رأي (١) في الأصل: مؤثر، والمثبت من (م) والبحر ١٠٩/١. (٢) ١٠٩/١. (٣) أخرجه أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٢٢٣) من حديث بريدة ظه. وأخرجه ابن ماجه (٧٨٠) من حديث سهل بن سعد، و(٧٨١) من حديث أنس . وينظر تخريج أحاديث الکشاف لابن حجر ص٦ . (٤) الكشاف ٢٥٤/١، والبحر ١١٠/١-١١١. ٤٨ الآية : ٢٥ المعتزلة، على أنَّ مفهوم المخالفة ظنيٍّ لا يعارض النصوص الدالّة على أنَّ الجنة جزاءُ مجرَّدِ الإيمان. ومتعلَّق ((آمنوا)) مما لا يخفى، وقدَّره بعضهم هنا: بأنه منزَّل من عند الله عز وجل. و ((الصالحات)): جمعُ صالحة، وهي في الأصل مؤنَّثُ الصالح، اسم فاعل من صَلَحَ صُلوحاً وصَلاحاً خلاف فسد، ثم غَلَبتْ على ما سوَّغه الشَّرعُ وحسّنه، وأجريتْ مجرى الأسماءِ الجامدة في عدم جَرْيِها على الموصوف وغيره، وتأنيثها على تقدير الخَلَّة، وللغلبة تُرك، ولم تُجعل التاء للنقل (١)؛ لعدم صيرورتها اسماً. و((أل)) فيها للجنس، لكن لا من حيث تحقُّقُه في الأفراد؛ إذ ليس ذلك في وسع المكلَّف، ولو أُريدَ التوزيع يلزم كفايةُ عملٍ واحد، بل في البعض الذي يبقى مع إرادته معناه الأصلي: الجنسية مع الجمعية، وهو الثلاثة أو الاثنان، والمخصِّص حالُ المؤمن، فما يستطيع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد، فالمؤمن الذي لم يعمل أصلاً - أو عَمِل عملاً واحداً - غيرُ داخلٍ في الآية، ومعرفةُ كونه مبشَّراً من مواقع أُخَر، وبعضُهم جعل فيها شائبة التوزيع بأن يعمل كلَّ ما يجب من الصالحات إن وجب، قليلاً كان أو كثيراً، وأَدخَل مَن أسلم ومات قبل أن يجب عليه شيء، أو وَجَبَ شيءٌ واحد، وليس هذا توزيعاً في المشهور، كـ: رَكب القوم دوابَّهم، إذ قد يطلق أيضاً على مقابلة أشياءً بأشياء أخذ كلٌّ منها ما يخصُّه، سواء الواحدُ الواحدَ، كالمثال، أو الجمعُ الواحدَ كـ: دخل الرجال مساجدَ محلَّاتهم، أو العكس كـ: لبس القوم ثيابهم، ومنه ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والسيد يسمِّى هذا شائبة التوزيع(٢) فتدبر. ﴿أَنَّ لَمْ جَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَِّ﴾ أراد سبحانه: بأنَّ لهم ... إلخ؛ لتعدِّي البشارة بالباء؛ فحذف لاطّرادِ حَذْفِ الجارِّ مع ((أنَّ) و((أنْ)) بغير عوضٍ لطولهما بالصلة، ومع غيرهما فيه خلافٌ مشهورٌ. وفي المحلِّ بعد الحذف قولان، النصبُ بنزع الخافض كما هو المعروف في أمثاله، والجرُّ لأنَّ الجارَّ بعد الحذف قد يبقى أثره. (١) أي: للنقل إلى الاسمية، لأنه قد يوصف به. حاشية الشهاب ٢/ ٦٢. (٢) حاشية الجرجاني على هامش الكشاف ٢٥٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢/ ٦٢. الآية : ٢٥ ٤٩ سُورَةُ الْبَرَة ولامُ الجرِّ للاستحقاق، وكيفيتُه مستفادةٌ من خارج، ولا استحقاقَ بالذات، فهو بمقتضى وعد الشارع الذي لا يخلفه فضلاً وكرماً، لكن بشرط الموت على الإيمان. والجنة في الأصل: المرة من الجَنِّ - بالفتح - مصدر جنَّه: إذا سَتَره، ومدارُ التركيب على الستر، ثم سُمِّي بها البستان الذي سَتَرتْ أشجارُه أرضّه، أو كلُّ أرض فيها شجر ونخل، فإنْ كَرْمٌ ففردوس، وأطلقت على الأشجار نفسِها، ووردت في شعر الأعشى(١) بمعنى النخل خاصة(٢). ثم نقلت وصارت حقيقةً شرعيةً في دار الثواب إذ فيها من النعيم ما لا، ولا، مما هو مغيَّبٌ الآن عنَّا. وجمعت جمعَ قلَّةٍ في المشهور لقلَّتها عدداً، كقلَّة أنواع العبادات، ولكن في كلِّ واحدةٍ منها مراتبُ شتَّى، ودرجاتٌ متفاوتة على حَسَب تفاؤُتِ الأعمال والعمال، وما نقل عن ابن عباس رضيًّا أنها سبع، لم يقف على ثبوته الحقَّاظ. وتنوينُها إما للتنويع أو للتعظيم، وتقديمُ الخبر لقُرْبِ مَرْجعِ الضمير وهو أَسَرُّ للسامع، والشائع التقديم إذا كان الاسم نكرةً كـ: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرَا﴾ [الأعراف: ١١٣]. وتحت: ظرف مكانٍ لا يتصرَّف فيه بغير ((من)) كما نصَّ عليه أبو الحسن، والضمير للجنات، فإن أريد الأشجارُ فذاك مع ما فيه قريبٌ في الجملة، وإن أريد الأرض قيل: من تحت أشجارها، أو عاد إليها(٣) باعتبار الأشجار استخداماً ونحوه. وقيل: إنَّ ((تحت)) بمعنى جانب، كـ: داري تحت دار فلان، وضُعِّف (١) كذا في الأصل و(م)، والصواب أنه زهير، على ما يأتي. (٢) البيت في ديوان زهير ص ٤١، وهو: كأنَّ عينيَّ في غَرْبَيْ مُقَتلةٍ من النواضح تسقي جنةً سُحُقا الغربان: الدلوان الضخمان. والمقتَّلة: المذلَّة، وهي الناقة التي كثر استعمالها حتى سهل انقيادها. والنواضح: جمع ناضح، وهو البعير الذي يستَقَّى عليه، ويستعمل في إخراج الماء من البئر. والسُّحُق بضمتين: جمع سحوق، وهي النخلة الطويلة المرتفعة جدًّا. يقول: كأن عينيَّ من كثرة دموعهما في غربي ناقة ينضح عليها، وخص المقتَّلة لأنها ماهرة تخرج الغرب ملآن. ينظر شرح الديوان، وحاشية الشهاب ٢/ ٦٤ . (٣) في (م): عليها. سُورَةُ الََّة ٥٠ الآية : ٢٥ كالقول: من تحت أوامرٍ أهلها. وقيل: منازلها(١). وإن أريد مجموعُ الأرض والأشجار، فاعتبارُ التحتية - كما قيل - بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحِّح لإطلاق الجنة على الكلّ، والوارد في الأثر الصحيح عن مسروق: إنَّ أنهار الجنة تجري في غير أخدود (٢)، وهذا في أرض حصباؤها الدرّ والياقوت أبلغ في النزهة وأحلى في المنظر وأبهج للنفس: وتحدَّثَ الماءُ الزلالُ مع الحصَى فجرَى النسيمُ عليه يسمعُ ما جَرَى (٣) والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها، والفتحُ أفصح، وأصله الشقُّ، والتركيبُ للسعة ولو معنويةً، كـ: نهَرَ السائلَ، بناء على أنه الزَّجر البليغ، فأطلق على ما دون البحر وفوق الجدول، وهل هو نفسُ مجرى الماء، أو الماءُ في المجرى المتَّسع؟ قولان: أشهرهما الأول، وعليه فالمرادُ: مياهها أو ماؤها، وتأنيث ((تجري)) رعاية للمضاف إليه أو للفظ الجمع، وفي الكلام مجازٌ في النَّقص(٤) أو في الظَّرف، أو لا، ولا، والإسناد مجازيٌّ. و ((أل)) للعهد الذهني. قيل: أو الخارجي، لتقدُّم ذكر الأنهار في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّنِ مٍَّ﴾ الآية [محمد: ١٥]، فإنها مكية على الأصح، وذي مدنية نزلت بعدها، واستبعده السيد والسعد(٥). وقيل: عوض عن المضاف إليه، أي: أنهارها، وهو مذهبٌ کوفي . وحَمْلُها على الاستغراق على معنى: تجري تحت الأشجار جميعُ أنهار الجنة، فهو وصفٌ لدار الثواب بأنَّ أشجارها على شواطئ الأنهار، وأنهارها تحت ظلال الأشجار= أبرد من الثلج، ولا يخفى الكلام على جمع القلة. ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَقَ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ﴾ صفةٌ ثانية (١) أي: من تحت منازلها. حاشية الشهاب ٦٦/٢. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣ / ٩٧. (٣) البيت لأبي الحكم مالك بن المرحل المالقي، كما في البحر ١١٣/١ . (٤) يعني بمجاز النقص: تقدير المضاف، وقد قدروه هنا: مياه أو ماء كما سلف، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَسْثَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. حاشية الشهاب ٢/ ٦٧ . (٥) ذكر قولهما الشهاب في الحاشية ٢/ ٦٧، وقول السيد - وهو الجرجاني - في حاشيته على هامش الكشاف ٢٥٩/١. الآية : ٢٥ ٥١ سُورَةُ الْبَرَة (( جناتٍ)) أُخّرت عن الأولى لأنَّ جريان الأنهار من تحتها وصفٌ لها باعتبار ذاتها، وهذا باعتبار سگانها . أو خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم، والقرينةُ ذِكْرُه في السابقة واللاحقة، وكونُ الكلام مسوقاً لبيان أحوال المؤمنين، وفائدةُ حذف هذا المبتدأ تحقَّق التناسبِ بين الجمل الثلاثة: صورةً لاسميَّتها، ومعنّى لكونها جوابَ سؤال، كأنه قيل: ما حالُهم في تلك الجنات؟ فأجيب بأنَّ لهم فيها ثماراً لذيذةً عجيبة، وأزواجاً نظيفة، وهم فيها خالدون. وتقدير المبتدأ هو أو هي - للشأن أو القصة - ليس بشيء، بناءً على أنه لا يجوز حذف هذا الضمير، وإذا لم تدخله النواسخ لا بدَّ أن يكون مفسِّره جملة اسمية، نعم جاز تقدير هي للجنات والجملة خبر، إلا أنَّ التناسب أنسب. أو جملةٌ مستأنفة، كأنه لما وصف الجنات بما ذكر، وقع في الذهن أنَّ ثمارها كثمار جنات الدنيا أوْ لا؟ فبَيَّن حالها، و((لهم فيها أزواج)) زيادةٌ في الجوابِ، ولو قُدِّر السؤال نحو: أَلَهم في الجنات لذَّاتٌ كما في هذه الدار أم أتمّ وأَزْيَد؟ كان اصحَّ وأوضح. وأجاز أبو البقاء كونَها حالاً من ((الذين)) أو من ((جنات)) لوصفها (١)، وهي حينئذٍ حالٌ مقدَّرةٌ، والأصل في الحال المصاحَبة. والقولُ بأنها صفةٌ مقطوعة، دعوى موصولةٌ بالجهل بشرطِ القَطْع، وهو عِلْمُ السامع بانِّصاف المنعوت بذلك النعت، وإلا لاحتاج إليه، ولا قَطْعَ مع الحاجة. و ((كلما)) نصبٌ على الظرفية بـ ((قالوا)) و((رزقاً)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((رُزقوا))، كرَزَقَه مالاً، أي: أعطاه، وليس مفعولاً مطلقاً مؤكّداً لعامله؛ لأنه بمعنى المرزوق أَعرَفُ، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيد، مع اقتضاء ظاهر ما بعده له، وتنكيرُهُ للتنويع أو للتعظيم، أي: نوعاً لذيذاً غيرَ ما تعرفونه. و ((من)) الأولى والثانية للابتداء، قصد بهما مجرَّدُ كون المجرور بهما موضعاً انفصل عنه الشيء، ولذا لا يحسن في مقابلتها نحو ((إلى))، وهما ظرفان مستقرَّان (١) الإملاء ٨٦/١. بـ سُوَّةُ الْبَعَة ٥٢ الآية : ٢٥ واقعان حالاً على التداخل، وصاحبُ الأولى ((رزقاً)، والثانيةِ ضميرُه المستكنُّ في الحال، والمعنى: كلَّ حينِ رُزقوا مرزوقاً مبتدأً من الجنات مبتدأ من ثمرة، والشائعُ كونُهما لغواً، والرزق قد ابتدأ من الجنات، والرزق من الجنات قد ابتدأ من (ثمرة))، وجُعل بمنزلة أن تقول: أعطاني فلان، فيقال: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقول: من أيِّ ثمرة؟ فتقول: من الرمَّان، وتحريره أنَّ (رزقوا)) جُعل مطلقاً مبتدأً من الجنات، ثم جُعل مقيّداً بالابتداء من ذلك مبتدأ من ((ثمرة))، وعلى القولين لا يَرِدُ أنهم منعوا تعلَّق حرفي جرِّ متَّحدَي اللفظ والمعنى بعامل واحد، والآية تخالفه، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنَّ ذاك إذا تعلَّقا به من جهةٍ واحدة ابتداءً من غير تبعية، وما نحن فيه ليس كذلك؛ للإطلاق والتقييد، والمراد من الثمرة - على هذا - النوعُ؛ كالتفاح والرمان، لا الفرد؛ لأنَّ ابتداء الرزق من البستان من فردٍ يقتضي أن يكون المرزوقُ قطعةً منه لا جميعه، وهو ركيكٌ جداً. ويحتمل أن تكون الثانية مبيِّةً للمرزوق، والظرفُ الأول لغوٌ، والثاني مستقرِّ - خلافاً لمن وهم فيه - وقع حالاً من النكرة لتقدُّمه عليها، ولتقدُّمها تقديراً جاز تقديم المبيّن على المبهم، والثمرة يجوز حَمْلُها على النوع وعلى الجناة الواحدة. ولم يلتفت المحقّقون إلى جَعْلِ الثانية تبعيضيةً في موقع المفعول، و((رزقاً» مصدرٌ مؤكّدٌ، أو في موقع الحال من ((رزقاً))= لبُعْده، مع أنَّ الأصل التبيين والابتداء، فلا يعدل عنهما إلا لداع، على أنَّ مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزءاً لمجرورها، لا جزئيًّا، فتأتي الركاكة هاهنا. وجمع سبحانه بين ((منها)) و((من ثمرة))، ولم يقل: من ثمرها، بدلَ ذلك؛ لأنَّ تعلُّق (منها)) يفيد أنَّ سكانها لا تحتاج لغيرها؛ لأنَّ فيها كلَّ ما تشتهي الأنفس، وتعلُّق ((من ثمرة)) يفيد أنَّ المراد بيانُ المأكول على وجهٍ يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذَّات المعلومة من السابق واللاحق، وهذا إشارةٌ إلى نوعٍ ما رزقوا، ويكفي إحساس أفراده، وهذا كقولك مشيراً إلى نهر جار: هذا الماءَ لا ينقطع. أو إلى شخصه، والإخبارُ عنه بـ ((الذي) إلخ على جَعْلِه عينَه مبالغةً، أو تقديرٍ: مِثْلُ الذي رُزِقْناه من قبل، أي: في الدنيا، والحكمة في التشابُوِ أنَّ النفس تميل إلى ما يُستطاب وتطلب زيادته : الآية : ٢٥ ٥٣ سُوَّةُ الْبَرَة هو المسكُ ما كرَّرته يتضوّع أَعدْ ذِكْرَ نعمان لنا إنَّ ذِكره وهذا مختلفٌ بحسب الأحوال والمقامات، أو لتبيين المزية وكُنْهِ النعمة فيما رزقوه هناك، إذ لو كان جنساً لم يُعْهَد ◌ُنَّ أنه لا يكون إلا كذلك. أو في الجنة، والتشابُه في الصورة إما مع الاختلاف في الطعم، كما روي عن الحسن: إنّ أحدهم يؤتى بالصَّحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى، فيقول ذلك، فيقول الملك: كُلْ فاللون واحد والطعم مختلف(١). أو مع التشابه في الطعم أيضاً كما يشير إليه قوله وَله: ((والذي نفسُ محمد بيده، إنَّ الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها، فما هي واصلةٌ إلى فيه حتى يبدِّل الله تعالى مكانها مثلها)(٢) فلعلَّهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، والداعي لهم لهذا القول فرط استغرابهم وتبجّحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم. والمشهور أنَّ كون المرادِ بالقَبْليةِ في الدنيا أَوْلَى ممَّا تقدَّم في الآخرة؛ لأنَّ (كلما)) تفيد العموم، ولا يتصوَّر قولهم ذلك في أول ما قُدِّم إليهم. وقيل: كونُ المراد بها في الآخرة أولى، لئلا يلزمَ انحصارُ ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في الدنيا، مع أنَّ فيها ما علمت وما لم تعلم، على أنَّ فيه توفيةً بمعنى حديث تشابُهِ ثمار الجنة، وموافقته لـ ((متشابهاً)) بعدُ، فإنه في رزق الجنة أظهرُ. وإعادةُ الضمير إلى المرزوق في الدارين تكلُّفٌ، وستسمعه بمنّه تعالى. وفي الآية محملٌ آخر يميل إليه القلب، بأن يكون ما رُزِقوه قبلُ هو الطاعاتُ والمعارِفُ التي يستلذَّها أصحاب الفطرة والعقولِ السليمة، وهذا جزاءٌ مشابهٌ لها فيما ذكر من اللذة، كالجزاء الذي في ضدِّه في قوله تعالى: ﴿ذُوقُواْ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥] أي: جزاءَه، فـ ((الذي رزقنا)) مجازٌ مرسلٌ عن جزائه بإطلاق اسم المسبَّب على السبب، ولا يضرُّ في ذلك أنَّ الجنة وما فيها من فنون الكرامات من الجزاء كما لا يخفى، أو هو استعارةٌ بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف (١) ذكره عن الحسن الزمخشري في الكشاف ٢٦١/١، وأخرجه الطبري ١/ ٤١٠ من قول یحیی بن أبي کثیر. (٢) قطعة من حديث طويل أخرجه الحاكم ٤٤٩/٤-٤٥٠ عن ثوبان څ۵ وصححه. سُوَّةُ الْبَقَة ٥٤ الآية : ٢٥ فيما ذكر. وقيل: أرض الجنة قيعان يظهر فيها أعمال الدنيا، كما يشير إليه بعض الآثار(١)، فثمرةُ النعيم ما غرسوه في الدنيا، فتدبر. ﴿وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً﴾ تذييلٌ للكلام السابق، وتأكيدٌ له بما يشتمل على معناه، لا محلَّ له من الإعراب، ويحتمل الاستئنافَ، والحاليةَ بتقدير ((قد)) وهو شائع، وحُذف الفاعل للعلم به، وهو ظاهراً الخدم والولدان كما يشير إليه قراءة هارون والعتكي: ((وَأَتَوا)) على الفاعل(٢)، وفيها إضمارٌ لدلالة المعنى عليه، وقد أظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانُ تُخَلَّدُونَ﴾ إلى قوله سبحانه ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَّرُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ -٢٠]. والضمير المجرور: أمَّا على تقدير أن يراد ((من قبل)): في الدنيا، فراجعٌ إلى المفهوم الواحد الذي تضمَّنه اللفظان ((هذا)) و((الذي رزقنا من قبل)) وهو المرزوقُ في الدارين، أي: أُتُوا بمرزوق الدارين متشابهاً بعضُه بالبعض، ويسمَّى هذا الطريق بالكناية الإيمانية، ولو رجع إلى الملفوظ لقيل: بهما، وعبَّر عما بعضُه ماضٍ وبعضُه مستقبل بالماضي، لتحقُّق وقوعه، وفي ((الكشف)): أنَّ المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنسُ الصالح التناول لكلٍّ منهما، لا المقيّد بهما . وأمَّا على تقديرٍ أن يراد: في الجنة، فراجعٌ إلى الرزق، أي: أُتُوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد. قال أبو حيان: والظاهر هذا؛ لأنَّ مرزوقهم في الآخرة هو المحدَّث عنه والمشبَّه بالذي رُزقوه من قبل، ولأنَّ هذه الجملة إنما جاءت محدَّثَاً وَّه بها عن الجنة وأحوالها، وكونُه يخبر عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابهٌ ليس من حديث الجنة إلا بتكلُّف(٣). (١) أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث ابن مسعود به عن النبي وَ لقر قال: ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبةٌ الماء، وأنها قيعان، وأن غِراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، قال الترمذي: حسن غريب. (٢) القراءات الشاذة ص٣. (٣) البحر ١١٥/١- ١١٦. الآية : ٢٥ ٥٥ سُوَّةُ الجَوَة ولا يعكِّر على دعوى تشابُهُ(١) ما في الدارين ما أخرجه البيهقيُّ وغيره عن ابن عباس ها أنه قال: ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء(٢). لأنه لا يُشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه، وهو حاصلٌ في الصورة التي هي مناطُ الاسم وإن لم يكن في المقدار والطعم، وتحريرُه أنَّ إطلاق الأسماء عليها لكونها على الاستعارة يقتضي الاشتراك فيما هو مناطُها، وهو الصورة، وبذلك يتحقَّق التشابُه بينهما، فالمستثنى في الأثر الأسماء وما هو مناطها بدلالة العقل. ®﴾ صفةٌ ثالثةٌ ورابعةٌ للجنات، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ وأوردت الأوَّليتان بالجملة الفعلية لإفادة التجدُّد، وهاتان بالاسمية لإفادة الدوام، وتَرْكُ العاطف في البعض مع إيراده في البعض قيل: (٣) للتنبيه على جواز الأمرين في الصفات، واختصَّ كلٌّ بما اختصَّ به لمناسبةٍ لا تخفى. وذهب أبو البقاء إلى أنَّ هاتين الجملتين مستأنفتان، وجوَّز أن تكون الثانية حالاً من ضمير الجمع في ((لهم)) والعاملُ فيها معنى الاستقرار (٤). والأزواج: جمع قلَّة، وجمعُ الكثرة زِوَجة، كعَوْدِ(٥) وعِوَدة، ولم يكثر استعماله في الكلام، قيل: ولهذا استغني عنه بجمع القلّة توسُّعاً، وقد ورد في الآثار ما يدلُّ على كثرة الأزواج في الجنة من الحور وغيرهنَّ. ويقال الزوجُ للذكر والأنثى، ويكون لأحد المزدوجين، ولهما معاً، ويقال للأنثى زوجة في لغة تميم وکثیرٍ من قیس. والمراد هنا بالأزواج: النساء اللاتي تختصُّ بالرجل لا يَشْرَكُه فيها غيره، وليس في المفهوم اعتبارُ التوالُدِ الذي هو مدارُ بقاء النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج الجنة لخلودهم فيها واستغنائهم عن الأولاد، على أنَّ بعضهم صحَّح التوالُد فيها - وروى آثاراً في ذلك - لكنْ على وجهٍ يليقُ بذلك المقام، وذكر بعضهم أنَّ الأولاد روحانيون، والله قادرٌ على ما يشاء. (١) في (م): متشابه. (٢) البعث والنشور للبيهقي (٣٦٨)، وأخرجه الطبري ٤١٦/١. (٣) قوله: قيل، ليس في الأصل. (٤) الإملاء ٨٧/١. (٥) هو المُسِنُّ من الإبل. الصحاح (عود). سُوَّةُ الْبَحَة ٥٦ الآية : ٢٥ ومعنى كونها مطهّرةً: أنَّ الله سبحانه نزَّههنَّ عن كلِّ ما يَشينُهنّ، فإن كُنَّ من الحور كما روي عن عبد الله، فمعنى التطهُّر: خَلْقُهنَّ على الطّهارة، لم يَعْلَقْ بهنَّ دنسٌ ذاتيٌّ ولا خارجيٍّ، وإن كُنَّ من بني آدم، كما روي عن الحسن: من عجائزكم الرُّمْصِ الغُمْصِ(١) يَصِرْنَ شوابَّ. فالمراد إذهابُ كلِّ شينٍ عنهنَّ من العيوب الذاتية وغيرها . والتطهير - كما قال الراغب - يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعاً، فيكون عامًّا هنا بقرينةٍ مقام المدح لا مطلقاً منصرفاً إلى الكامل، وكمالُ التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل، فإنَّ المعهود من إرادة الكامل إرادةُ أعلى أفرادِه لا الجميع. وقرأ زيد بن علي: ((مطهَّراتٌ)) بناءً(٢) على طَهُرْنَ، لا طَهُرَتْ كما في الأُولى، ولعلها أولى استعمالاً، وإن كان الكلُّ فصيحاً؛ لأنهم قالوا: جمعُ ما لا يعقل إما أن يكون جمعَ قلَّةٍ أو كثرة، فإن كان جمعَ کثرةٍ فمجيءُ الضمير على حدٍّ ضمیر الواحدة أَوْلى من مجيئه على حدٍّ ضمير الغائبات، وإن كان جمعَ قَّةٍ فالعكس، وكذلك إذا كان ضميراً عائداً على جمع العاقلات، الأَوْلى فيه النون دون التاء كـ ﴿بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] و﴿يُضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ولم يفرِّقوا في هذا بين جمع القلّة والكثرة. ومجيء هذه الصفة مبنيةً للمفعول، ولم تأتِ: طاهرةٌ أو طاهراتٌ(٣) - وصفٌ من ظَهَر بالفتح على الأفصح، أو طهُر بالضم، وعلى الأول قياس، وعلى الثاني شاذٌّ للتفخيم - لأنه أَفْهَم أنَّ لها مطهّراً وليس سوى الله تعالى، وكيف يصف الواصفون من طهَّره الربُّ سبحانه؟! (١) الرَّمَص: وسخ يجتمع في الموق، فإن سال فهو غَمَص وإن جمد فهو رمص. الصحاح (رمص). وذكر الخبر البغوي في تفسيره ١ / ٥٧ بنحوه. وأخرجه بنحوه أيضاً عبد الرزاق ٢/ ٢١٠، وأحمد في العلل ومعرفة الرجال ٥٣٤/٢، وفيهما أن الحسن سئل: من حدثك بهذا الحديث يا أبا سعيد؟ فحسر عن ذراعيه ثم قال: حدثني فلان وفلان، حتى عدَّ من المهاجرين خمسة ومن الأنصار أربعة. (٢) في الأصل: بناه، والقراءة في الكشاف ٢٦٢/١، والبحر ١/ ١١٧. (٣) قوله: أو طاهرات، ليس في (م). الآية : ٢٥ ٥٧ وقرأ عبيد بن عمير: ((مَطَّهِّرة)) (١) وأصلُه متطهِّرة، فأدغم. ثم لمّا(٢) ذكر سبحانه وتعالى مسكن المؤمنين ومطعمهم ومنكحهم، وكانت هذه الملاذُّ لا تبلغ درجة الكمال مع خوفِ الزوال، ولذلك قيل: أشدُّ الغمِّ عندي في سرورٍ تيقَّنَ عنه صاحبُه انتقالا(٣) أَعْقَبَ ذلك بما يزيلُ ما ينغِّص إنعامه، من ذكر الخلود في دار الكرامة. والخلودُ عند المعتزلة: البقاءُ الدائم الذي لا ينقطع، وعندنا: البقاءُ الطويل انقطع أو لم ينقطع، واستعمالهُ في المكث الدائم من حيث إنه مكثٌ طويل لا من حيث خصوصُه حقيقة، وهو المرادُ هنا، وقد شهدت له الآياتُ والسُّنن. والجهمية يزعمون أنَّ الجنة وأهلها يفنيان، وكذا النار وأصحابها، والذي دعاهم إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأول والآخِر، والأوَّلية تقدُّمه على جميع المخلوقات، والآخِرية تأخّره، ولا يكون إلا بفناء السِّوى، ولو بقيت الجنة وأهلُها كان فيه تشبيهٌ لمن لا شبيه له سبحانه، وهو محالٌ، ولأنه إن لم يعلم أنفاسَ أهل الجنة كان جاهلاً، تعالى عن ذلك، وإنْ عَلِمَ لَزِمَ الانتهاء، وهو بعد الفناء. ولنا النصوصُ الدالَّةُ على التأبيد، والعقلُ معها؛ لأنها دارُ سلام وقدسٍ، لا خوفٍ ولا حزنٍ، والمرء لا يهنأ بعيشٍ يخاف زوالَه، بل قيل: البؤس خيرٌ من نعيم زائل. والكفر جريمةٌ خالصةٌ، فجزاؤها عقوبة خالصة لا يشوبها نقص. ومعنى ((الأول والآخر)) ليس كما في الشاهد، بل بمعنى لا ابتداءً ولا انتهاءَ له في ذاته من غير استنادٍ لغيره، فهو الواجبُ القِدَمِ المستحيلُ العَدَم، والخلقُ ليسوا كذلك، فأين الشَّبَه؟ والعِلْمُ لا يتناهى فيتعلَّق بماَ لا يتناهى، وما أنفاسُ أهل الجنة إلا كمراتب الأعداد، أفيقال: إنَّ الله سبحانه لا يعلمها، أو يقال: إنها متناهية؟! تبًّا للجهمية ما أَجْهَلَهَم! (١) بتشديد الطاء المفتوحة وبعدها هاء مكسورة مشدّدة أيضاً. حاشية الشهاب ٧٦/٢، والقراءة ذكرها أيضاً الزمخشري في الكشاف ٢٦٢/١، وأبو حيان في البحر ١١٧/١. (٢) في (م): ولما، بدل: ثم لما. (٣) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٣٤١/٣. سُؤَدَّةُ الْبَقَة ٥٨ الآية : ٢٦ وأجهلُ منهم مَن قال: إنَّ الأبدان مؤلفةٌ من الأجزاء المتضادّة في الكيفية، معرّضةٌ للاستحالات المؤدِّية إلى الانحلال والانفكاكِ، فكيف يمكن التأبيد؟ وذلك لأنَّ مدار هذا على قياس هاتيك النشأة على هذه النشأة، وهيهات هيهات، كيف يقاس ذلك العالَم الكامل على عالم الكون والفساد؟! على أنه إذا ثبت كونه تعالى قادراً مختاراً ولا فاعل في الوجود إلا هو، فلِمَ لا يجوز أن يعيد الأبدان بحيث لا تتحلل، أو إن تحلَّلت فَلِمَ لا يجوز أن يخلق بدل ما تحلَّل دائماً أبداً؟ وسبحان القادر الحكيم الذي لا يُعْجِزُه شيء. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىٌ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةٌ﴾ قال ابن عباس ◌َا وغيرُه: نزلت في اليهود؛ لمَّا ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت والذباب وغير ذلك مما يُستحقر، قالوا: إنَّ الله تعالى أعزُّ وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقَّرات، فردَّ الله تعالى عليهم بهذه الآية (١). ووجهُ رَبْطِها بما تقدَّم على هذا . وكان المناسبُ عليه أن توضع في سورة العنكبوت مثلاً - أنها جوابٌ عن شبهةٍ تورَد على إقامة الحجة على حقِّية(٢) القرآن بأنه مُعْجِزٌ، فهي من الرَّيب الذي هو في غاية الاضمحلال، فكان ذكرها هنا أنسب. وقال مجاهد وغيره: نزلت في المنافقين، قالوا لمَّا ضرب الله سبحانه المثلَ بالمستوقد والصيِّب: الله تعالى أعلى وأعظمُ من أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها، فردَّ الله تعالى عليهم(٣). ووجهُ الربط عليه ظاهر، فإنها للذبِّ عن التمثيلات السابقة على أحسن وجهٍ وأبلغِه. وقيل: إنها متّصلةٌ بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَارًا﴾ أي: لا يستحي أن يضرب مثلاً لهذه الأنداد. وقيل: هذا مَثَلٌ ضُرب للدنيا وأهلها، فإنَّ البعوضة تحيا ما جاعت، وإذا شبعت ماتت، كذلك أهل الدنيا إذا امتلؤوا منها هلكوا. أو مَثَلُ لأعمال العباد، وأنه لا يمتنع أن يذكر منها ما قلَّ أو كثر ليجازيَّ عليه ثواباً وعقاباً . (١) أسباب النزول للواحدي ص٢١-٢٢. (٢) في الأصل: حقيقة. (٣) أخرجه الطبري ٤٢٣/١ عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي وقلقه. الآية : ٢٦ ٥٩ سُورَةُ الْبَّرَة وعلى هذين القولين لا ارتباط للآية بما قبلها بل هي ابتداء كلام، وهذا - وإن جاز - لا أقول به، إذ المناسب بكلِّ آيةٍ أن ترتبط بما قبلها . وفي الآية إشارةٌ إلى حسن التمثيل، كيف والله سبحانه وتعالى مع عظمته وبالغ حکمته لم یترکه ولم یستح منه: وما انفكَّتِ الأمثالُ في الناسِ سائِرَةُ(١) والحياء كما قال الراغب: انقباضُ النَّفْسِ عن القبائح (٢)، وهو مركّبٌ من جُبنٍ وعِفَّة، وليس هو الخجل، بل ذاك حيرةُ النفس لفَرْطِ الحياء، فهما متغايران وإن تلازما . وقال بعضهم: الخجل لا يكون إلا بعد صدور أمر زائدٍ لا يريده القائم به، بخلاف الحياء فإنه قد يكون مما لم يقع فيُتُرك لأجله، وما في ((القاموس)): خجل: استحیی(٣)، تَسامُحٌ. وهو مشتقٌّ من الحياة؛ لأنه يؤثِّر في القوة المختصَّة بالحيوان، وهي قوة الحسِّ والحركة. والآية تُشعر بصحة نسبة الحياء إليه تعالى؛ لأنه في العرف لا يُسلَب الحياء إلا عمَّن هو من(٤) شأنه، على أنَّ النفي داخل على كلام فيه قيد، فيرجع إلى القيد فيفيد ثبوتَ أصل الفعل، أو إمكانَه لا أقل. وأما في الأحاديث فقد صرَّح بالنسبة(٥). وللناس في ذلك مذهبان: فبعضٌ يقول بالتأويل؛ إذ الانقباضُ النفسانيُّ ممَّا (١) وصدره: كما لقيت ذات الصفا من حليفها، والبيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٦٩ . (٢) مفردات الراغب (حيى). (٣) القاموس (خجل). (٤) قوله: من، ليس في (م). (٥) منها حديث سلمان به عند أبي داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، ولفظه ((إن الله حييٍّ كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردَّهما خائبتين)). قال الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه. اهـ. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٩٦٤٨) من حديث أنس ﴿ه، وزاد في آخره: ((حتى يجعل فيها خيراً). سُورَةُ الْبَنْدَة ٦٠ الآية : ٢٦ لا يحوم حول حظائر قدسه سبحانه، فالمراد بالحياء عنده تركُ اللازم للانقباض، وجوّز جعل ما هنا بخصوصه من باب المقابلة لِمَا وقع في كلام الكَفَرة، بناءً على ما روي أنهم قالوا: ما يستحي ربُّ محمد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت؟ وبعضِّ - وأنا والحمد لله منهم - لا يقول بالتأويل، بل يمرُّ هذا وأمثالَه مما جاء عنه سبحانه في الآيات والأحاديث على ما جاءت، ويَكِلُ عِلْمَها بعد التنزيه عما في الشاهد إلى عالم الغيب والشهادة. وقرأ الجمهور: ((يستحيي)) بياءين والماضي استحيا، وجاء استفعل هنا للإغناء عن الثلاثي المجرّد، کاستأثر. وقرأ ابن كثير في روايةٍ - وقليلون - بياءٍ واحدة(١)، وهي لغة بني تميم. وهل المحذوفُ اللامُ فالوزن يَسْتَفِعِ، أو العين فالوزن يَسْتَفِل؟ قولان؛ أشهرهما الثاني، وهذا الفعل مما يكون متعدِّياً بنفسه وبالحرف، فيقال: استَخْييتُه واستَحَيْتُ منه، والآية تحتملُهما . والضرب: إيقاعُ شيءٍ على شيء، وضربُ المثل من ضرب الدراهم، وهو ذِكْرُ شيء يظهر أثره في غيره، فمعنى يضرب هنا: يذكر. وقيل: يبيِّن. وقيل: يضع، من ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّهُ﴾ [آل عمران: ١١٢]. و ((ما)) اسمٌ بمعنى شيء يوصفُ به النكرةُ لمزيد الإبهام، ويسدُّ طرق التقييد، وقد يفيدُ التحقيرَ أيضاً، كـ: أعطه شيئاً ما، والتعظيم كـ : لأمرٍ ما جَدَعَ قصيرٌ أنفه(٢). والتنويع، كـ: اضربه ضرباً ما، وقد تُجعل سيفَ خطيب، والقرآن أجلُّ من أن يُلغَى فيه شيءٍ. و (بعوضة)) إما صفة لـ ((ما)) أو بدلٌ منها، أو عطفُ بيان إن قيل بجوازه في النكرات. أو بدلٌ من «مثلاً))، أو عطفُ بیانٍ له إن قیل (ما)» زائدة. أو مفعول و«مثلاً)) حال وهي المقصودة، أو منصوب على نزع الخافض، أي: ما من بعوضة(٣) (١) القراءات الشاذة ص٤. (٢) قالته الزيَّاء لما رأت قصيراً مجدوعاً. مجمع الأمثال ١٩٦/٢ . (٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٨٩/٢، والذي في المصادر أن التقدير: ما بين بعوضة. وينظر التعليق الذي بعده.