Indexed OCR Text
Pages 441-460
الآية : ٣٦ ٤٤١ سُورَةُ النَّصْلِ تعرِّفني رأسها من أسفلها. وبقدح ماء وقالت: تملؤه ماءً رواءً ليس من الأرض ولا من السماء. فأرسل عليه السلام العصا إلى الهواء. وقال: أيُّ الطرفين سبق إلى الأرض فهو أصلُها. وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها، وقال: هذا ليس من ماء الأرض ولا من ماء السماء(١). اهـ. وكلُّ ذلك أخبارٌ لا يُدْرَى صحتُها ولا كذبها، ولعل في بعضها ما يميل القلب إلى القول بكذبه، والله تعالى أعلم. ﴿فَلَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ﴾ في الكلام حذف، أي: فأرسلت الهدية فلمَّا جاء .. إلخ، وضمير ((جاء)» للرسول: وجوِّز أن يكون لِمَا أهدت إليه، والأولُ أولى. وقرأ عبد الله: ((فلمَّا جاؤوا))(٢) أي: المرسلون. ﴿قَالَ أَتْمُِّونَنِ بِمَالٍ﴾ خطابٌ للرسول والمرسِل تغليباً للحاضر على الغائب، وإطلاقاً للجمع على الاثنين، وجوِّز أن يكون للرسول ومَن معه، وهو أوفقُ بقراءة عبد الله، ورجّح الأول لِمَا فيه من تشديد الإنكار والتوبيخ المستفادين من الهمزة على ما قيل، وتعميمهما لبلقيس وقومها، وأيِّد بمجيء قوله تعالى: (آرْجِعْ إِلَيْهِمْ) بالإفراد، وتنکیرُ ((مال)» للتحقیر. وقرأ جمهور السبعة: ((تمدونن)) بنونين، وأثبت بعضُ الياء، وقرأ حمزة بإدغام نون الرفع في نون الوقاية وإثباتِ ياء المتكلِّم(٣). وقرأ المسيبي عن نافع بنون واحدةٍ خفيفةٍ(٤)، والمحذوفُ نونُ الوقاية، وجوِّز أن يكون الأولى، فرَفْعُه بعلامةٍ مقدَّرةٍ كما قيل في قوله : (١) عرائس المجالس ص٣١٨-٣١٩، وتفسير البغوي ٤١٧/٣-٤١٩. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الاسرائيليات، والظاهر أن سليمان لم ينظر إلى ما جاؤوا به بالكلية ولا اعتنى به، بل أعرض عنه. (٢) الكشاف ١٤٧/٣، والبحر ٧٤/٧. (٣) وهي قراءة يعقوب من العشرة، وقرأ بنونين باقي العشرة، وأثبت الياء في الوصل نافع وأبو جعفر وأبو عمرو، وأثبتها في الحالين ابن كثير، وكذلك حمزة ويعقوب إلا أنهما يدغمان النون كما تقدم. التيسير ص ١٧٠، والنشر ٣٤٠/٢ (٤) القراءات الشاذة ص ١٠٩، والبحر ٧٤/٧. سُوَّةُ النَّصِْ ٤٤٢ الآية : ٣٦ وجهَك بالعنبر والمِسْكِ الذكي(١) أَبيتُ أَسْري وتَبِيتي تَذْلُكي ﴿فَمَآ ءَاتَئِنِءَ اللّهُ﴾ أي: من النبوَّة والملك الذي لا غايةً وراءه ﴿خَيْرٌ مِنَّاً ءَتَنكُمْ﴾ أي: من المال الذي جملته ما جئتم به. وقيل: عَنَى بما آتاه المالَ؛ لأنه المناسبُ للمفضَّل عليه. والأولُ أَوْلَى لأنه أبلغ. والجملةُ تعليلٌ للإنكار، والكلام كنايةٌ عن عدم القبول لهديتهم، وليس المراد منه الافتخار بما أوتیه، فكأنه قیل: أُنکر إمدادکم إیاي بمالٍ لأنَّ ما عندي خیرٌ منه، فلا حاجةً لي إلی ھدیتکم، ولا وَقْعَ لها عندي. والظاهر أنَّ الخطاب المذكور كان أول ما جاؤوه، كما يؤذِنُ به قولُه تعالى: (فَلَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ) إلخ، ولعل ذلك لمزيد حرصه على إرشادهم إلى الحقِّ. وقيل: لعله عليه السلام قال لهم ما ذكر بعد أن جرى بينهم وبينه ما جرى مما في خبر وهب وغيره. واستُدلَّ بالآية على استحباب ردِّ هدايا المشركين، والظاهر أنَّ الأمر كذلك إذا كان في الردِّ مصلحةٌ دينيةٌ، لا مطلقاً. وإنما لم يقل: وما آتاني الله خيرٌ مما آتاكم، لتكون الجملة حالاً؛ لِمَا أنَّ مثل هذه الحال وهي الحالُ المقرِّرة للإشكال يجبُ أن تكون معلومةً، بخلافِ العلة، وهي هنا ليست كذلك(٢). وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَّتِكُمْ نَفْرَحُونَ ﴾﴾ إضرابٌ عمَّا ذكر من إنكار الإمداد بالمال وتعليله، إلى بيان ما حملهم عليه من قياس حاله عليه السلام على حالهم، (١) الخصائص ٣٨٨/١، والخزانة ٣٣٩/٨، قال البغدادي: وهذا البيت لم أعرف قائله. (٢) قال الزمخشري في الكشاف ١٤٨/٣: فإن قلت: ما الفرق بين قولك: أتمدُّني بمال وأنا أغنى منك، وبين أن تقوله بالفاء؟ قلت: إذا قلتُه بالواو فقد جعلتُ مبخاطبي عالماً بزيادتي عليه في الغنى واليسار وهو مع ذلك يمدُّني بالمال، وإذا قلتُه بالفاء فقد جعلتُه ممن خفيت عليه حالي فأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج معه إلى إمداده، كأني أقول له: أُنكر عليك ما فعلت فأنا أغنى منك. الآية : ٣٧ ٤٤٣ سُورَةُ النَّصِ وهو قصورُ همَّتهم على الدنيا والزيادةِ فيها، فالمعنى: أنتم تفرحون بما يُهدَی إلیکم لقصور همتكم على الدنيا، وحبِّكم الزيادةَ فيها، ففي ذلك من الحطّ عليهم مالا يخفى، والهديةُ مضافةٌ إلى المهدى إليه، وهي تضاف إلى ذلك كما تضافُ إلى المهدي. أو إضرابٌ عن ذلك إلى التوبيخ بفرحهم بهديتهم التي أُهدَوْها إليه عليه السلام فَرَحَ افتخارٍ وامتنانٍ واعتدادٍ بها، وفائدةُ الإضراب التنبيهُ على أنَّ إمداده عليه السلام بالمال منكرٌ قبيحٌ، وعدُّ ذلك مع أنه لا قَدْر له عنده عليه السلام مما يتنافس فيه المتنافسون أقبح، والتوبيخ به أَدْخَل. قيل: ويُنْبئُ عن اعتدادهم بتلك الهدية التنكيرُ في قول بلقيس: ((وإِنِّي مُرْسِلةٌ إليهم بهديةٍ)) بعد عدِّها إياه عليه السلام مَلِكاً عظيماً. وكذا ما تقدَّم في خبر وهب وغيره من حديث الحُقِّ والجَزْعةِ، وتغيير زيِّ الغلمان والجواري، وغيرِ ذلك. وقيل: فرحُهم بما أهدَوْه إليه عليه السلام من حيث توقُّعُهم به ما هو أزيَدُ منه، فإِنَّ الهدايا للعظماء قد تفيد ما هو أزيدَ منها مالاً أو غيره، كمنع تخريب ديارهم هنا . وقيل: الكلامُ كنايةٌ عن الردِّ، والمعنى: أنتم من حقِّكم أن تفرحوا بأخذ الهدية لا أنا، فخذوها وافرحوا، وهو معنّى لطيفٌ إلَّا أنَّ فيه خفاءً. ﴿أَرْجِعْ﴾ أمرٌ للرسول، ولم يَجْمَعِ الضميرَ كما جَمَعه فيما تقدَّم من قوله: (أتُمدونني)) إلخ لاختصاص الرجوع به، بخلاف الإمداد ونحوه. وقيل: هو أمرٌ للهدهد محمَّلاً كتاباً آخر، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد (١). وتعقِّب بأنه ضعيف درايةً وروايةً. وقرأ عبد الله: ((ارجعوا))(٢) على أنه أمرٌ للمرسَلين. والفعلُ هنا لازمٌ، أي: انْقَلِبْ وانْصَرِفْ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ أي: إلى بلقيس وقومِها (١) في الأصل و(م): زهير بن زهير، وهو خطأ، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨١، والدر المنثور ١٠٨/٥ . (٢) المحرر الوجيز ٢٥٩/٤، والبحر ٧/ ٧٤. سُورَةُ النَّصِ ٤٤٤ الآية : ٣٨ ﴿فَلَأْنِيَنَّهُمْ﴾ أي: فواللهِ لنأتينَّهم ﴿بِحُرٍ لَّا قِبَلَ لَمُ بِهَا﴾ أي: لا طاقةَ لهم بمقاومتها، ولا قدرةً لهم على مقابلتها، وأصلُ القِبَل المقابلةُ، فجُعل مجازاً أو كنايةً عن الطاقة والقدرة عليها. وقرأ عبد الله: ((بهم)(١). ﴿وَلَنُخْرِجَهُ﴾ عطفٌ على جواب القَسَم ﴿مِنْآ﴾ أي: من سبأ ﴿أَوِلٌَّ﴾ أي: حالَ كونهم أذلةً بعد ما كانوا فيه من العزِّ والتمكين، وفي جمع القلّة تأكيدٌ لذلَّتهم. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ ﴾﴾ حالٌ أخرى، والصَّغار وإن كان بمعنى الذلِّ إلَّا أنَّ المراد به هنا وقوعُهم في أسرٍ واستعبادٍ، فيفيد الكلام أنَّ إخراجهم بطريق الأَسْرِ لا بطريق الإجلاء، وعدمُ وقوع جواب القَسَم لأنه كان معلَّقاً بشرط قد حُذف عند الحكاية ثقةً بدلالة الحال عليه، كأنه قيل: ارجِعْ إليهم فليأتوني مسلمين وإلَّا فلنأتينَّهم .. إلخ. ﴿قَالَ يَيُّهَا الْمَلَوْا أَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْضِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ في الكلام حذفٌ، ٣٨ أي: فرجع الرسول إليها وأخبرها بما أقسم عليه سليمان، فتجهَّزت للمسير إليه إذ علمت أنه نبيٌّ ولا طاقةَ لها بقتاله، فرُوي أنها أمرت عند خروجها فجُعِل عرشُها في آخرِ سبعةٍ أبياتٍ بعضُها في جوف بعضٍ، في آخرٍ قصرٍ من قصورها، وغلَّقت الأبوابَ ووّلت به حرَّاساً يحفظونه، وتوجّهت إلى سليمان في أقيالها وأتباعهم، وأرسلت إلى سليمان: إنِّي قادمةٌ عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرُك، وما تدعو إليه من دينك. قال عبد الله بن شدَّاد: فلمَّا كانت على فرسخ من سليمان قال: أيُكم يأتيني بعرشها؟ وعن ابن عباس: كان سليمان مهيباً لا يُبتدأ بشيءٍ حتى يكون هو الذي يَسأل عنه، فنظر ذاتَ يوم رهجاً قريباً منه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: بلقيس. فقال: ایُكم .. إلخ. ومعنى ((مسلمين)) على ما روي عنه: طائعين. وقال بعضهم: هو بمعنى مؤمنين . (١) الكشاف ١٤٨/٣، والبحر ٧٤/٧. الآية : ٣٨ ٤٤٥ سُورَةُ النَّصْلِ ٠٠٠١ واختلفوا في مقصوده عليه السلام من استدعائه عرشَها؛ فعن ابن عباس وابن زيد: أنه عليه السلام استدعى ذلك ليُرِيَها القدرةَ التي هي من عند الله تعالى، وليُغْرِبَ(١) عليها. ومن هنا قال في ((الكشاف)): لعله أُوحي إليه عليه السلام باستيثاقها من عرشها، فأراد أن يُغْرِبَ عليها، ويريَها بذلك بعضَ ما خصَّه الله تعالى به من إجراء العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قُدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوَّة سليمان عليه السلام ويصدِّقها(٢). انتهى. وتقييدُ الإتيان بقوله: ((قَبْلَ)) إلخ لِمَا أنَّ ذلك أبدعُ وأغربُ وأبعدُ من الوقوع عادةً، وأدلُّ على عظيم قدرة الله عزَّ وجلَّ، وصحةِ نبوَّتِه عليه السلام، وليكون إطلاعُها على بدائع المعجزات في أول مجيئها . وقال الطبريُّ: أراد عليه السلام أن يختبر صدقَ الهدهد في قوله: ((ولها عرشٌ عظيم))(٣). واستُبعِدَ ذلك لعدم احتياجه عليه السلام إلى هذا الاختبار، فإنَّ أمارة الصدق في ذلك في غاية الوضوح لديه عليه السلام، لا سيما إذا صحَّ ما روي عن وهب وغيرِه. وقيل: أراد أن يؤتَى به فيُنكَّرَ ويغيَّر، ثم ينظر أتْتُهُ أم تُنْكِره، اختباراً لعقلها. وقال قتادة وابن جُريجٍ: إنه عليه السلام أراد أخذه قبل أن يعصمها وقومَها الإيمان، ويُمنعَ أَخْذَ أموالهم. قال في ((الكشف)): فيه أنَّ حِلَّ الغنائم مما اختصَّ به نبِيُّنَا وَّرِ. وقال في ((التحقيق)): لا يناسبُ ردَّ الهدية وتعليلَه بقوله: ((فما آتاني الله خيرٌ مما آتاكم)) . وأجيب بأنَّ هذا ليس من باب أَخْذِ الغنائم، وإنما هو من باب أخذ مال الحربيِّ والتصرُّفِ [فيه](٤) بغير رضاه، مع أنَّ الظاهر أنه بوحي، فيجوزُ أنه من (١) أَغْرَبَ: جاء بالشيء الغريب. المعجم الوسيط (غرب). (٢) الكشاف ١٤٨/٣ . (٣) تفسير الطبري ٦٢/١٨، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٧٦/٧، وقد اختار الطبري بعد ذلك مثل ما نقل المصنف عن الزمخشري. (٤) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٧/ ٤٧، والكلام فيه بنحوه. سُورَةُ النَّصَلِ ٤٤٦ الآية : ٣٩ خصوصياته لحكمةٍ، ولم يكن ذلك هديةً لها حتى لا يناسبَ الردَّ السابق، وفيه بحث . ولعلَّ الألصق بالقلب أنَّ ذاك لينكِّره فيمتحنَها اختباراً لعقلها، مع إراءتها بعض خوارقه الدالَّةِ على صحة نبوَّته وعظيم قدرة الله عز وجل. ثم الظاهرُ أنَّ هذا القول بعد ردِّ الهدية، وهو الذي عليه الجمهور، وفي رواية عن ابن عباس: أنه عليه السلام قال ذلك حين ابتدأ النظر في صدق الهدهد من كذبه لمَّا قال: ((ولها عرشٌ عظيم)) ففي ترتيب القصص تقديمٌ وتأخيرٌ، وأظنُّ أنه لا یصحُّ هذا عن ابن عباس. ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾ أي: خبيثٌ ماردٌ ﴿مِّنَ الِنِ﴾ بيانٌ له؛ إذ يقال للرجل الخبيث المنكَرِ الذي يعفِّر أقرانه. وقرأ أبو حيوة: ((عَفريت)) بفتح العين(١). وقرأ أبو رجاء وأبو السَّمَّال وعيسى ورُويت عن أبي بكر الصدِّيق ◌ِظُه: ((عِفْرِيَةٌ)) بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء بعدها ياء مفتوحة بعدها تاء التأنيث(٢)، وقال ذو الرُّمَّة: كأنه كوكبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مصوَّبٌ في سواد الليل مُنْقَضِبُ(٣) وقرأت فرقةٌ: ((عِفْر)) بلا ياء ولا تاء(٤)، ويقال في لغة طيئ وتميم: عفراة بألف بعدها تاء التأنيث، وفيه لغة سادسة عُفَارِيَة. وتاء عفريت زائدة للمبالغة في المشهور، وفي ((النهاية)): الياء في عِفْرِيَة وعُفَارِيَة للإلحاق بشِرْذِمَة وعُذَافِرَة، والهاءُ فيهما للمبالغة، والتاءُ في عفريت للإلحاق بقنديل(٥). اهـ. (١) البحر ٧٦/٧. (٢) القراءات الشاذة ص١٠٩، والمحتسب ١٤١/٢، والمحرر الوجيز ٢٦٠/٤، والبحر ٧٦/٧، والكلام منه . (٣) ديوان ذي الرمَّة ١/ ١١١، والمحرر الوجيز ٢٦٠/٤، والبحر ٧٦/٧، ورواية الديوان: مسؤَّمٌ، بدل: مصوَّب. وجاء في شرح الديوان: يصف ثوراً، فيقول: كأن الثور في سرعته كوكبٌ في إثر شيطان. ومسؤَّم، يريد: الكوكب مُعلمٌ، مسؤَّم بالبياض في سواد الليل، ويكون بمعنى: مخلَّى عنه. ومنقضب: منقضُّ. (٤) المحرر الوجيز ٢٦٠/٤. (٥) النهاية (عفر). الآية : ٤٠ ٤٤٧ سُورَةُ الفَصْلِ واسم هذا العفريت على ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس: صخر (١). وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن شعيب الجبائيّ أن اسمه كوزن(٢). وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان أن اسمه كوزي(٣). وقيل: اسمه ذكوان. ﴿أَنّ ◌َائِكَ بِهِ.﴾ أي: بعرشها، و(آتي)) يحتمل أن يكون مضارعاً، وأن يكون اسمَ فاعلٍ؛ قيل: وهو الأنسبُ بمقام ادِّعاء الإتيان به في المدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِ﴾ أي: من مجلسك الذي تجلس فيه للحكومة، وكان عليه السلام يجلس من الصبح إلى الظهر في كلِّ يوم؛ قاله قتادة ومجاهد ووهب وزهير بن محمد. وقيل: أي: قبل أن تستويّ من جلوسك قائماً. ﴿وَإِى عَيْهِ لَقَوِىُّ﴾ لا يَثْقِلُ عليَّ حمله، والقوةُ صفةٌ تَصْدُرُ عنها الأفعالُ الشاقَّة، ويُطيق بها مَن قامت به تَحمُّلَ (٤) الأجرام العظيمة، ولذا اختير ((قوي)) على قادر هنا. وظاهرُ كلام بعضهم أنَّ في الكلام حذفاً، فمنهم من قال: أي: على حَمْلِهِ، ومنهم قال: أي: على الإتيان به. ورجّح الثاني بالتبادرِ نظراً إلى أول الكلام، والأولُ بأنه أنسبُ بقوله: ((لقويّ)). ﴿أَمِينٌ ﴾﴾ لا أقتطعُ منه شيئاً ولا أبدِّله. ﴿قَالَ الَّذِىِ عِنْدَهُ عٌِّ مِّنَ الْكِتَبِ﴾ فَصَله عمَّا قبله للإيذان بما بين القائلَين ومقالتيهما وكيفيتي قدرتيهما على الإتيان به من كمال التباين، أو لإسقاط الأول عن درجة الاعتبار. واختلف في تعيين هذا القائل، فالجمهورُ ومنهم ابن عباس ويزيد بن رومان والحسن على أنه آصف بن برخيا بن شمعيا بن منكيل، واسم أمِّه باطورا من بني (١) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٥، وعزاه للطبري وابن المنذر السيوطي في الدر ١٠٨/٥. (٢) تفسير الطبري ٦٦/١٨-٦٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٤. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٤. (٤) في الأصل و(م): لتحمل، والمثبت من حاشية الشهاب ٧/ ٤٧، والكلام منه. سُوَّةُ النَّهِ ٤٤٨ الآية : ٤٠ اسرائيل، كان وزيرَ سليمان على المشهور، وفي ((مجمع البيان)»(١): أنه وزيره وابن أخته، وكان صدِّيقاً يعلم الاسم الأعظم. وقيل: كان كاتبه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: أنه رجل اسمه أسطوم (٢). وقيل: أسطورس. وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد أنه رجل يقال له: ذو النور. وأخرج هو أيضاً عن ابن لهيعة أنه الخَضِر عليه السلام(٣). وعن قتادة أنَّ اسمه مليخا. وقيل: ملخ. وقيل: تمليخا. وقيل: هود. وقالت جماعةٌ: هوضبة بن أُدّ جدُّ بني ضبة من العرب(٤)، وكان فاضلاً يخدم سليمان، كان على قطعة من خيله. وقال النخعيُّ: هو جبريل عليه السلام، وقيل: هو مَلَكٌ آخر أيَّد الله تعالى به سليمان عليه السلام. وقال الجبائي: هو سليمان نفسُه عليه السلام. ووجه الفصل عليه واضحٌ، فإنَّ الجملة حينئذٍ مستأنفةٌ استئنافاً بيانيّاً، كأنه قيل: فما قال سليمان عليه السلام حين قال العفريت ذلك؟ فقيل: قال .. إلخ، ويكون التعبير عنه بما في النظم الكريم للدلالة على شرف العلم، وأنَّ هذه الكرامةَ كانت بسببه، ويكون الخطاب في قوله: ﴿قَالَ الَّذِى عِندَهُ عٌِّ مِّنَ الْكِتَبِ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكْ﴾ للعفريت، وإنما لم يأتِ به أولاً بل استفهم القومَ بقوله: ((أيُّكم يأتيني بعرشها)) ثم قال ما قال وأتى به؛ قصداً لأنْ يُريَهم أنه يتأتَّى له ما لا يتهيَّأ لعفاريت الجنِّ، فضلاً عن غيرهم. وتخصيصُ الخطاب بالعفريت لأنه الذي تصدَّى لدعوى القدرة على الإتيان به من (١) ١٩/ ٢٢٥. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٨٨٦/٩. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٥. (٤) ذكره السهيلي في التعريف والإعلام ص١٢٨ عن النقاش، ثم تعقبه بقوله: وهذا لا يصح البتة؛ لأن ضبة هو ابن أد بن طابخة واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدً، ومعدّ كان في زمان بختنصر، وذلك بعد عهد سليمان بزمن طويل، فإذا لم يكن معد في عهد سليمان فكيف ضبة بن أد، وهو بعده بخمسة آباء. الآية : ٤٠ ٤٤٩ سُوَّةُ النَّصْلِ بينهم، وجَعْلُه لكلِّ أحدٍ كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ [النساء: ٣] غيرُ ظاهر بالنسبة إلى ما ذكر. وآثر هذا القول الإمامُ، وقال: إنه أقربُ لوجوهٍ : الأول: أنَّ الموصول موضوعٌ في اللغة لشخصٍ معيَّنٍ بمضمون الصلة المعلومة عند المخاطب، والشخصُ المعلومُ بأنَّ عنده علمُ الكتاب هو سليمان، وقد تقدَّم في هذه السورة ما يُستأنس به لذلك، فوجب إرادتُه وصَرْفُ اللفظ إليه، وآصف وإن شاركه في مضمون الصلة لكن هو فيه أتُّ لأنه نبيٌّ، وهو أعلم بالكتاب من أمته. الثاني: أنَّ إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجةٌ عاليةٌ، فلو حصلت لأحدٍ من أمته دونه لاقتضى تفضيلَ ذلك عليه عليه السلام، وأنه غير جائز. الثالث: أنه لو افتقر في إحضاره إلى أحدٍ من أمته لاقْتضَى قصورَ حاله في أعين الناس. الرابع: أن ظاهر قوله عليه السلام فيما بعد: ((هذا من فَضْلٍ ربّي)) إلخ يقتضي أنَّ ذلك الخارق قد أظهره الله تعالى بدعائه عليه السلام (١). اهـ، وللمناقشة فيه مجال. واعتَرضَ على هذا القول بعضُهم بأنَّ الخطاب في ((آتيك)) يأباه، فإنَّ حقَّ الكلام عليه أن يقال: أنا آتي به قبل أن يرتَّد إلى الشخص طرفُه مثلاً، وقد علمتَ دَفْعَه. وبأنَّ المناسب أن يقال فيما بعد: فلمَّا أتَى به، دون ((فلما رآه» إلخ. وأجيب عن هذا بأنَّ قوله ذاك للإشارة إلى أنه لا حول ولا قوةً له فيه. ولعل الأظهر أنَّ القائل أحدُ أتباعه، ولا يلزمُ من ذلك أنه عليه السلام لم يكن قادراً على الإتيان به كذلك، فإنَّ عادة الملوك تكليفُ أتباعهم بمصالحَ لهم لا يُعْجِزُهم فعلُها بأنفسهم، فليكن ما نحن فيه جارياً على هذه العادة، ولا يضرُّ في ذلك كونُ الغرض ممَّا يتمُّ بالقول وهو الدعاء ولا يحتاج إلى إعمال البدن وإتعابه، كما لا يخفى. (١) تفسير الرازي ٢٤/ ١٩٧ -١٩٨. سُوَّةُ النَّمْلِ ٤٥٠ الآية : ٤٠ وفي ((فصوص الحكم)): كان ذلك على يد بعض أصحاب سليمان عليه السلام؛ ليكون أعظم لسليمان في نفوس الحاضرين. وقال القيصريُّ(١): كان سليمان قطبَ وقته ومتصرِّفاً وخليفةً على العالم، وكان آصف وزيرَه، وكان كاملاً، وخوارقُ العادات قلما تَصْدُر من الأقطاب والخلفاء، بل من ورَّائهم وخلفائهم؛ لقيامهم بالعبودية التامة، واتِّصافهم بالفقر الكليِّ، فلا يتصرَّفون لأنفسهم في شيءٍ، ومن منن الله تعالى عليهم أن يرزقهم صحبة العلماء الأمناء يحملون منهم أثقالهم وينفّذون أحكامهم وأقوالهم. اهـ، وما في الفصوص أقربُ المشرب أمثالنا، على أنَّ ما ذُكر لا يخلو عن بحثٍ على مشرب القوم أيضاً. وفي ((مجمع البيان)): روى العياشيُّ بإسناده قال: الْتَقَى موسى بن محمد بن علي بن موسى ويحيى بن أكثم، فسأله عن مسائل منها: هل كان سليمانُ محتاجاً إلى علم آصف؟ فلم يُجب حتى سأل أخاه علي بن محمد، فقال: اكتب له: لم يَعْجز سليمانُ عن معرفة ما عرف آصف، لكنه عليه السلام أحبَّ أن يعرِّف أمتَه من الجنِّ والإنس أنه الحُجَّةُ من بعده، وذلك من علم سليمان أودعه آصف بأمرِ الله ففهَّمه الله تعالى ذلك لئلا يُختلف في إمامته، كما فهّم سليمان في حياة داود لتُعرَفَ إمامتهُ من بعده، لتأكيد الحُجَّة على الخَلْقِ(٢). اهـ، وهو كما ترى. والمراد بالكتاب: الجنسُ المنتظِمُ لجميع الكتب المنزلة. وقيل: اللوح المحفوظ، وكونُ المراد به ذلك على جميع الأقوال السابقة في الموصول بعيد جدّاً. وقيل: المراد به: الذي أُرسل إلى بلقيس. و (من)) ابتدائية، وتنكيرُ ((عِلْم)) للتفخيم والرمزِ إلى أنه علمٌ غيرُ معهود؛ قيل: كان ذلك: العِلْمُ باسم الله تعالى الأعظم الذي إذا سئل به أجاب، وقد دعا ذلك العالِمُ به فحصل غرضُه، وهو: يا حيُّ يا قيُّوم. وقيل: يا ذا الجلال والإكرام. وقيل: الله الرحمن. وقيل: هو بالعبرانية: آهيا شراهيا . (١) هو شرف الدين داود بن محمود القيصري المتوفى سنة (٧٥١هـ)، له: شرح التائية لابن الفارض، ومطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم. كشف الظنون ٢٦٦/١ و٢/ ١٧٢٠. (٢) مجمع البيان ٢٢٩/١٩ -٢٣٠. الآية : ٤٠ ٤٥١ سُوَرَّةُ النَّصْلِ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهريِّ أنه دعا بقوله: يا إلهنا وإله كلِّ شيءٍ إلها واحداً لا إله إلا أنت ائتني بعرشها(١). والطرفُ: تحريكُ الأجفان وفتحُها للنظر إلى شيءٍ، ثم تجوِّز به عن النظر. وارتدادُه انقطاعه بانضمام الأجفان، ولكونه أمراً طبيعياً غيرَ منوطِ بالقَصْدِ أُوثر الارتدادُ على الرَّدِّ، فالمعنى: آتيك به قبل أن ينضم جفنُ عينك بعد فتحه. وقيل: لا حاجةَ إلى اعتبار التجوُّز في الطرف؛ إذ المراد: قبل ارتداد تحريك الأجفان بطبقها بعد فتحها، وفيه نظر. والكلامُ جارٍ على حقيقته، وليس من باب التمثيل للسرعة، فقد روي أنَّ آصف قال لسليمان عليه السلام: مدَّ عينيك حتى ينتهي طَرْفُك، فمدَّ طَرْفَه فنظر نحو اليمن، فقبل أن يرتد إليه حضر العرش عنده. وقيل: هو من باب التمثيل، فيحتمل أن يكون قد أتى به في مدة طلوع درجةٍ أو درجتین، أو نحو ذلك. وعن ابن جبير وقتادة أنَّ الطَّرْفَ بمعنى المطروف، أي: مَن يقع إليه النظر، وأنَّ المعنى: قبل أن يصل إليك مَن يقع طَرُفُك عليه في أبعدٍ ما ترى إذا نظرت أمامك. وهو كما ترى. ﴿فَنَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾ أي: فلما رأى سليمانُ عليه السلامُ العرشَ ساكناً عنده قارًّا على حاله التي كان عليها ﴿قَالَ﴾ تلقِّياً للنعمة بالشكر، جرياً على سَنَنِ إخوانه الأنبياء عليهم السلام وخُلَّصِ عباد الله عزَّ وجلَّ: ﴿هَذَا﴾ أي: الإتيانُ بالعرش أو حضورُه بين يديَّ في هذه المدة القصيرة. وقيل: أي: التمكُّن من إحضاره بالواسطة أو بالذات ﴿مِن فَضْلِ رَبِّ﴾ أي: تفضُّلِه جلَّ شأنهُ عليَّ مِن غير استحقاقٍ ذاتيٍّ لي له، ولا عملٍ مِنِّ يُوجِبُه عليه سبحانه وتعالى. وفي الكلام حذف، أي: فأتاه به فرآه فلمَّا رآه .. إلخ، وحَذْفُ ما حُذِفَ للدلالة على كمال ظهوره، واستغنائه عن الإخبار به، وللإيذان بكمال سرعة الإتيان (١) تفسير الطبري ٦٩/١٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨٨٦. سُورَةُ النَِّ ٤٥٢ الآية : ٤٠ به، كأنه لم يقع بين الوعد به ورؤيته عليه السلام إياه شيءٌ ما أصلاً، وفي تقييد رؤيته باستقراره عنده تأكيدٌ لهذا المعنى؛ لإيهامه أنه لم يتوسّط بينهما ابتداء الإتيان أيضاً، كأنه لم يزل موجوداً عنده. فـ (مستقرّا)) منتصبٌ على الحال، و((عنده)) متعلِّقٌ به، وهو على ما أشرنا إليه كونٌ خاصٌّ، ولذا ساغ ذكرُه. وظنَّ بعضهم أنه كونٌ عام فَأَشْكَلَ عليهم ذكرُه مع قول جمهور النحاة: إنَّ متعلَّقَ الظرف إذا كان كوناً عامًّا وجب حذفهُ، فالتزم بعضُهم لذلك كونَ الظرف متعلِّقاً بـ ((رآه)) لا به. ومنهم مَن ذهب كابن مالكٍ إلى أنَّ حَذْفَ ذلك أغلبيٍّ وأنه قد يظهر، كما في هذه الآيةِ، وقوله : لك العزُّ إنْ مولاك عزَّ وإِنْ يَهنْ فأنت لدى بحبوحةِ الهون كائنٌ(١) وأنت تعلم أنه يمكن اعتبارُ ما في البيت كوناً خاصّاً كالذي في الآية. وفي كيفية وصول العرش إليه عليه السلام حتى رآه مستقرّاً عنده خلاف؛ فأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس أنه قال: لم يَجْرِ عرشُ صاحبة سبأ بين السماء والأرض، ولكن انشقَّت به الأرضُ فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان(٢). وإلى هذا ذهب مجاهدٌ وابنُ سابطٍ وغيرهما . وقيل: نزل بين يدي سليمان عليه السلام من السماء. وكان عليه السلام إذ ذاك في أرض الشام - على ما قيل - رجع إليها من صنعاء، وبينها وبين مأرب محلِّ العرش نحوٌ من مسافة شهرين. وعلى القول بأنه كان في صنعاء فالمسافةُ بين محلِّه ومحلِّ العرش نحو ثلاثة أيام. وأيّاً ما كان فقَطْعُه المسافة الطويلة في الزمن القصير أمرٌ ممكنٌ، وقد أخبر بوقوعه الصادقُ فيجب قبوله. وقد اتفق البرُّ والفاجرُ على وقوع ما هو أعظمُ من ذلك، وهو قطعُ الشمس في طرفة عين آلافاً من الفراسخ، مع أنَّ نسبة عرش بلقيس إلى جرمها نسبةَ الذرة إلى الجبل. (١) البحر ٧٧/٧، والمغني ص ٥٨٢، وشرح ابن عقيل ٢١١/١. (٢) تاريخ ابن عساكر ٧٧/٦٩، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر السيوطي في الدر ١٠٩/٥. الآية : ٤٠ ٤٥٣ سُؤَدَّةُ النَّسْلِ وقال الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه: إنَّ آصف تصرَّف في عين العرش، فأعدمه في موضعه وأوجده عند سليمان من حيث لا يشعر أحدٌ بذلك إلا مَن عرف الخلق الجديد الحاصل في كلِّ آنٍ، وكان زمانُ وجوده عينَ زمانٍ عَدَمِه، وكلٌّ منهما في آنٍ، وكان عينُ قول آصف عينَ الفعل في الزمان، فإنَّ القول من الكامل بمنزلة (كن)) من الله تعالى. ومسألةُ حصول العرش من أشكل المسائل، إلَّا عند مَن عرف ما ذكرناه من الإيجاد والإعدام، فما قَطَعَ العرشُ مسافةً، ولا زُوِيتْ له أرضٌ، ولا خَرَقها. اهـ ملخّصاً. وله تتمةٌ ستأتي إن شاء الله تعالى. وما ذكره من أنه كان بالإعدام والإيجاد مما يجوز عندي وإن لم أقل بتجدُّد الجواهر تجدُّدَ الأعراضِ عند الأشعري، إلا أنه خلافُ ظاهرِ الآية. واستدلَّ بها على ثبوت الكرامات، وأنت تعلم أنَّ الاحتمال يسقط الاستدلال. وعلَّل عليه السلام تفضّلَه تعالى بذلك عليه بقوله: ﴿لِّلُوَنِ﴾ أي: ليعاملَني معاملةَ المبتلي، أي: المختبِر ﴿وَأَشْكُرُ﴾ على ذلك بأنْ أراه محضَ فَضْلِه تعالى من غير حولٍ من جهتي ولا قوةٍ، وأقُومَ بحقٌّه ﴿أَمْ أَكْفُرٌ﴾ بأنْ أجدَ لنفسي مدخلاً في البين، أو أقصِّرَ في إقامة مواجبه كما هو شأنُ سائر النعم الفائضة على العباد. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن جُريجٍ أنَّ المعنى: ليبلوني أأشكرُ إذا أتيتُ بالعرش أم أكفر إذا رأيتُ مَن هو أدنى منِّي فَي الدنيا أعلمَ مني (١). ونقل مثله في (البحر)) عن ابن عباس(٢)، والظاهر عدمُ صحته. وأبعدُ منه عن الصحة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السديِّ أنه قال: لمَّا رآه مستقراً عنده جزع وقال: رجلٌ غيري أَقْدَرُ على ما عند الله عزَّ وجلَّ منِّي(٣). ولعل الحقَّ الجزمُ بكذب ذلك. وجملة ((أأشكر)) إلخ في موضع نصبٍ على أنها مفعولٌ ثانٍ لفعل البلوى، وهو معلّقٌ بالهمزة عنها إجراءً له مجرى العلم وإن لم يكن مرادفاً له. (١) تفسير الطبري ٧٤/١٨-٧٥، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٠٩/٥، وهو عند الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس. (٢) البحر ٧/ ٧٧. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٨٨٩/٩. سُورَةُ الْنَصْلِ ٤٥٤ الآية : ٤١ وقيل: محلُّه النصب على البدل من الياء. ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: لنَفْعِها؛ لأنه يربطُ به العتيد(١)، ويستجلبُ المزيدَ، ويحظُّ به عن ذمته عبءَ الواجب، ويتخلَّصُ عن وَصْمَةِ الكفران. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: لم يشكر ﴿فَإِنَّ رَبِّ غَنِىٌّ﴾ عن شكره ﴿كَرِيمٌ ﴾﴾ بتَرْكِ تعجيل العقوبة، والإنعام مع عدم الشكر أيضاً. والظاهر أنَّ ((مَن)) شرطيةٌ، والجملةُ المقرونةُ بالفاء جواب الشرط. وجوِّز أن يكون الجواب محذوفاً دلَّ عليه ما قبله من قسيمه، والمذكورُ قائمٌ مقامه، أي: ومَن كفر فعَلَى نفسِه، أي: فضررُ كفرانه عليها. وتعقّب بأنه لا يناسب قوله: ((کریم». وجوِّز أيضاً أن تكون ((مَن)) موصولةً، ودخلت الفاء في الخبر لتضمُّنها معنى الشرط . ﴿قَالَ﴾ أي: سليمان عليه السلام، كرِّرت الحكايةُ مع كون المحكيّ سابقاً ولاحقاً من كلامه عليه السلام تنبيهاً على ما بين السابق واللاحق من المخالفة؛ لِمَا أنَّ الأول من باب الشكر لله عزَّ وجلَّ والثاني أمرٌ لخدمه: ﴿يَكْرُوْ لَمَا عَرْشَهَا﴾ أي: اجعلوه بحيث لا يُعرف، ولا يكون ذلك إلَّا بتغييره عمَّا كان عليه من الهيئة والشكل، ولعل المراد التغيير في الجملة. روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أنه كان بالزيادة فيه والنقصٍ منه. وقيل: بنَزْعِ ما عليه من الجواهر. وقيل: بجعل أسفله أعلاه، ومقدَّمِه مؤخّرَه. ولام ((لها)) للبيان كما في ﴿هَيْتَ لَكْ﴾ [يوسف: ٢٣]، فيدلُّ على أنها المرادة خاصةً بالتنكير. ﴿َنَظُرْ﴾ بالجزم على أنه جواب الأمر، وقرأ أبو حيوة بالرفع على الاستئناف(٢). (١) في (م): القيد، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢٨٧/٦. والعتيد: الحاضر المهيأ. القاموس (عند). (٢) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٧٨/٧. الآية : ٤٢ ٤٥٥ سُورَةُ النَضْلِ ﴿أَهْنَدِىّ﴾ إلى معرفته، أو إلى الجواب اللائق بالمقام. وقيل: إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله عليه السلام إذا رأت تقدُّم عرشها وقد خلَّفته مغلَّقةً عليه الأبواب، مؤكِّلةً عليه الحرَّاس والحجَّاب، وحكاه الطبرسيُّ عن الجبائي(١). وفيه أنه لا يَظْهَرُ مدخليةُ التنكير في الإيمان. ﴿أَمْ تَكُونُ﴾ أي بالنسبة إلى عِلْمِنا ﴿مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ﴾﴾ أي: إلى ما ذُكر من معرفة عَرْشِها، أو الجواب اللائق بالمقام، فإنَّ كونها في نفس الأمر منهم وإن كان أمراً مستمرّاً، لكنَّ كونها منهم عند سليمان عليه السلام وقومِه أمرٌ حادث يظهر بالاختبار. ﴿فَلَّا جَّدَتْ﴾ شروعٌ في حكاية التجربة التي قصدها سليمان عليه السلام، أي: فلما جاءت بلقيس سليمانَ وقد كان العرشُ منكَّراً بين يديه ﴿قِلَ﴾ أي: من جهة سليمان، بالذات أو بالواسطة ﴿أَمَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: أمثلُ هذا العرشِ الذي تَرَيْنَه عرشُك الذي تركتيه ببلادك؟ ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقيناً لها، فيفوت ما هو المقصودُ من الأمر بالتنكير، من إبراز العرش في معرض الإشكال والاشتباه حتى يتبيَّن لديه عليه السلام حالُها، وقد ذُكرت عنده عليه السلام بسخافة العقل. وفي بعض الآثار أنَّ الجنَّ خافوا من أن يتزوَّجها فيُرْزَقَ منها ولداً يَحوزُ (٢) فطنةً الإنس وخفّة الجنِّ حيث كانت لها نسبةٌ إليهم، فيضبطهم ضبطاً قويّاً، فرمَوْها عنده بالجنون، وأنَّ رِجْليها كحوافر البهائم، فلذا اختبرها بهذا، وبما يكون سبباً للكشف عن ساقيها . ومَن لم يقل بنسبتها إلى الجنِّ يقول: لعلها رماها حاسدٌ بذلك، فأراد عليه السلام اختبارها ليقف على حقيقة الحال. ومنهم مَن يقول: ليس ذاك إلا ليقابلها بمثل ما فعلتْ هي، حيث نكّرت . الغلمانَ والجواريَ، وامتحنته عليه السلام بالدرَّة العذراء والجَزْعةِ المعوجَّة الثقبِ، (١) مجمع البيان ٢٢٧/١٩. (٢) في الأصل: فيحوز، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٤٨/٧، والكلام منه. : سُورَةُ النَّصِْ ٤٥٦ الآية : ٤٢ وكونُ ذلك في عرشها الذي يَبعُدُ كلَّ البعد إحضارُه مع بُعْدِ المسافة وشدَّة محافظتها له أتمُّ وأقوى، ويتضمَّن أيضاً من إظهار المعجزة ما لا يخفى، وهذا عندي ألصقُ بالقلب من غيره. ﴿قَالَتْ كَنَّهُ, هُوَّ﴾ أجابت بما أنبأ عن كمالِ رجاحةٍ عقلها، حيث لم تَجْزِمْ بأنه هو لاحتمال أن يكون مثلَه، بل أتت بـ ((كأنَّ) الدالَّةِ كما قيل على غلبة الظنِّ في اتِّحاده معه مع الشكِّ في خلافه، وليست ((كأنّ)) هنا للدلالة على التشبيه كما هو الغالب فيها . وذكر ابن المنير في ((الانتصاف)) ما يدلُّ على أنها تُفيد قوَّة الشَّبه، فقال: الحكمةُ في عدول بلقيس في الجواب عن: هكذا هو، المطابقِ للسؤال إلى ((كأنه هو)): أنَّ ((كأنه هو)) عبارةُ مَن قَوِيَ عنده الشَّبَهُ حتى شكَّك نفسَه في التغاير بين الأمرين وكاد يقول: هو هو، وتلك حالُ بلقيس، وأمَّا: هكذا هو، فعبارةٌ جازمِ بتغايُرِ الأمرين، حاكمٍ بوقوع الشبه بينهما لا غير، فلا تُطابِقُ حالها، فلذا عَدَلَثَ عنها إلى ما في النظم الجليل(١). ﴿وَأُوِّنَا أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَا مُسْلِينَ (٧) من تتمَّة كلامها على ما اختاره جمعٌ من المفسرين، كأنها استَشْعَرتْ مما شاهدته اختبارَ عقلها وإظهارَ معجزةٍ لها، ولمَّا كان الظاهر من السؤال هو الأول سارعتْ إلى الجواب بما أنبأ عن كمال رجاحة عقلها، ولمَّا كان إظهارُ المعجزة دون ذلك في الظهور ذكرت ما يتعلَّق به آخِراً، وهو قولُها: ((وأوتينا)) إلخ، وفيه دلالةٌ على كمال عقلها أيضاً، ومعناه: وأوتينا العلمَ بكمال قدرة الله تعالى وصحةٍ نبوَّتِكَ من قَبْلِ هذه المعجزة، أو من قبل هذه الحالة، بما شاهدناه من أمر الهدهد، وما سمعناه من رسلنا إليك، من الآيات الدالّة على ذلك، وكنّا مؤمنين من ذلك الوقت، فلا حاجةً إلى إظهار هذه المعجزة. ولك أن تجعله من تتمة ما يتعلَّق بالاختبار، وحاصلهُ: لا حاجة إلى الاختبار لأني آمنتُ قبلُ، وهذا كافٍ في الدلالة على كمال عقلي. (١) الانتصاف ١٤٩/٣ - ١٥٠. الآية : ٤٣ ٤٥٧ سُورَةُ الْنَمْلِ وجوِّز أن يكون لبيانِ منشأ غلبة الظنِّ بأنّه عرشها، والداعي إلى حُسْنِ الأدب في محاورته عليه السلام، أي: وأوتينا العلم بإتيانك بالعرش من قَبْلِ الرؤية أو من قبل هذه الحالة بالقرائن أو الأخبار، وكنّا من ذلك الوقت مؤمنين. والتعبيرُ بنون العظمة جارٍ على سَنَنِ تعبيرات الملوك، وفيه تعظيمٌ لأمر إسلامها، وليس ذاك لإرادةِ نفسها ومَن معها من قومها؛ إذ يبعده قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتَ تَّعْبُ مِن دُونِ اللهِ﴾ وهو بيانٌ من جهته عزَّ وجلَّ لِمَا كان يمنعها من إظهار ما ادَّعتْ من الإسلام إلى الآن، أي: صدَّها عن إظهار ذلك يومَ أُوتيت العلم الذي يقتضيه عبادتُها القديمةُ للشمس، فـ ((ما) مصدرية والمصدرُ فاعلُ ((صَدَّ»، وجوِّز كونُها موصولةً واقعةً على الشمس، وهي فاعلٌ أيضاً، والإسناد مجازيٌّ على الوجهین. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾﴾ تعليلٌ لسببية عبادتها المذكورة للصدِّ، أي: إنها كانت من قوم راسخين في الكفر، فلذلك لم تكن قادرةً على إظهار إسلامها وهي بين ظهرانيهم، إلى أن حضرت بين يدي سليمان عليه السلام. وقرأ سعيد بن جبير وابن أبي عبلة: ((أنها)) بفتح الهمزة (١) على تقدير لام التعليل، أي: لأنها، أو جَعْلِ المصدر بدلاً من فاعلِ ((صدَّ) بدلَ اشتمالٍ. وقيل: قوله تعالى: (وَأُوِّنَا) إلخ من كلام قوم سليمان عليه السلام، كأنهم لمَّا سمعوها أجابت السؤال بقولها: ((كأنه هو))، قالوا: قد أصابت في جوابها فطبَّقْتِ المَفْصِلَ(٢)، وهي عاقلةٌ لبيبةٌ، وقد رُزِقَتِ الإسلام، وعَلِمتْ قدرةَ الله عزَّ وجلَّ وصحَّة النبوّةِ بالآيات التي تقدَّمت، وبهذه الآية العجيبة من أمرٍ عَرْشِها، وعطفوا على ذلك قولَهم: وأُوتينا العلمَ بالله تعالى وبقدرته وبصحة ما جاء من عنده سبحانه قبلَ عِلْمِها، ولم نَزَلْ على دين الإسلام، وكان هذا منهم شكراً لله تعالى (١) القراءات الشاذة ص ١١٠، والبحر ٧٩/٧. (٢) المَفْصِل: طبق العظمين، أي: ملتقاهما، وأصل التطبيق: إصابة المفصل، وطبّق فلان، أي أصاب سيفُه المفصل فأبان العضوَ، ويقال للبليغ من الرجال: قد طبَّق المَفْصِلَ فأغناك عن المفسر. النهاية والمعجم الوسيط (طبق)، والصناعتين لأبي هلال العسكري ص٤٨ . سُورَةُ الفَصِ ٤٥٨ الآية : ٤٣ على فضلهم عليها، وسَبْقِهم إلى العلم بالله تعالى والإسلام قبلها، ويومئُ إلى هذا المطويِّ جَعْلُ عِلْمِهم وإسلامِهم قَبْلَها. وقوله تعالى: (وَصَدَّهَا) إلخ على هذا يحتمل أن يكون من تتمة كلام القوم، ويحتمل أن يكون ابتداءَ إخبارٍ من جهته عزَّ وجلَّ. وعن مجاهد وزهير بن محمد أنَّ ((وأوتينا)) من كلام سليمان عليه السلام، وفي (وَصَدَّها)) إلخ عليه أيضاً احتمالٌ. ولا يخفى ما في جَعْلِ ((وأوتينا)) إلخ من كلام القوم أو من كلام سليمان عليه السلام من البعد والتكلَّف، وليس في ذلك جهةُ حُسْنٍ سوى اتِّساقِ الضمائر المؤنَّة. وقيل: إنَّ ((وأوتينا)) إلخ من تتمَّة كلامها، وقوله تعالى: (وَصَدَّهَا) إلخ ابتداءُ إخبارٍ من جهته تعالى لبيانِ حُسْنِ حالها، وسلامةِ إسلامها عن شَوْبِ الشرك، بجَعْلٍ فاعلٍ ((صدَّها)) ضميرَه عزَّ وجلَّ أو ضميرَ سليمان عليه السلام، و((ما)) مصدريةٌ أو موصولةٌ قبلها حرفُ جرِّ مقَّدٍ، أي: صدَّها الله تعالى أو سليمانُ عن عبادتها من دون الله، أو عن الذي تعبده من دونه تعالى. ونقل ذلك أبو حيان عن الطبريِّ وتعقّبه بقوله: وهو ضعيفٌ لا يجوز إلّا في الشعر نحو قوله : تمرُّون الديار ولم تَعُوجُوا(١) وليس من مواضع حَذْفٍ حرف الجر(٢). وأنت تعلم أنَّ المعنى مع هذا مما لا ینشرحُ له الصدر. وأَبْعَدَ بعضهم كلَّ البعد فزعم أنَّ قوله تعالى: (وَصَدَّهَا) إلخ متصلٌ بقوله سبحانه: (أَنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ) والواو فيه للحال، و((قد)» مضمَرة. وفي (١) وعجزه: كلامكم عليَّ إذاً حرامٌ، والبيت لجرير، وهو في ديوانه ٢٧٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٩٠/٢، واللسان (مرر)، والخزانة ١٢١/٩، وصدره في الديوان: أتمضون الرسومَ ولا تُحيَّسى (٢) البحر ٧٩/٧، وكلام الطبري في تفسيره ١٨/ ٨٠. الآية : ٤٤ ٤٥٩ سُورَةُ النَّصْلِ ((البحر)) أنه قولٌ مرغوبٌ عنه لطول الفصل بينهما (١)، ولأنَّ التقديم والتأخير لا يُذْهَبُ إليه إلَّا عند الضرورة(٢). ولَعَمْري مَن أنْصفَ رأى أنَّ ما ذكر مما لا ينبغي أن يخرَّج عليه كلامُ الله تعالى المجيد. وأنا أقول بعد القيل والقال: إنَّ وجه رَبْطِ هذه الجمل مما يحتاج إلى تدقيق النظر، فليتأمل، والله تعالى الموفِّق. ﴿قِيلَ لَمَا آدْخُلِ الضَّرْحِّ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ، كأنه قيل: فماذا قيل لها بعد الامتحان المذكور؟ فقيل: ((قيل لها ادخلي)) إلخ، ولم يعطف على قوله تعالى: (أَمَكَذَا عَرْشُكِ) لئلا يفوتَ هذا المعنى. وجيء بـ ((لها)) هنا دون ما مرَّ لمكان أمرها. و((الصرح)): القصرُ وكلُّ بناءٍ عالٍ، ومنه: ﴿أَبْنِ لِ صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] وهو من التصريح: وهو الإعلان البالغ. وقال مجاهد: (الصرح)) هنا البِرْكةُ(٣). وقال ابن عيسى: الصحن، وصرحةٌ الدار ساحتُها . وروي أنَّ سليمان عليه السلامُ أمر الجنَّ قبل قدومها فبنوا له على طريقها قصراً من زجاجٍ أبيضَ، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه من دوابٌّ البحر السمكَ وغيرَه. وفي رواية: أنهم بنوا له صرحاً، وجعلوا له طوابيقَ من قواريرَ كأنها الماءُ، وجعلوا في باطن الطوابيق كلَّ ما يكون من الدوابِّ في البحر، ثم أطبقوه. وهذا أوفقُ بظاهر الآية. ووضع سريره في صدره فجلس عليه وعكفت عليه الطير والجنُّ والإنس. وفعل ذلك امتحاناً لها أيضاً على ما قيل. وقيل: ليزيدها استعظاماً لأمره وتحقيقاً لنبوَّته وثباتاً على الدين. وقيل: لأنَّ الجنَّ قالوا له عليه السلام: إنها شَعْراءُ الساقين، ورجْلُها كحافر الحمار، فأراد الكشف عن حقيقة الحال بذلك. (١) في (م): بينها. (٢) البحر ٧٩/٧. (٣) أخرجه الطبري ٨٢/١٨ بلفظ: ((الصرح)): بركة من ماء، ضرب عليها سليمان قوارير، ألبسها . سُورَةُ الْتَسْلِ ٤٦٠ الآية : ٤٤ وقال الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه ما حاصله: إنه أراد أن ينبِّهها بالفعل على أنها صَدَقَتْ في قولها في العرش: ((كأنه هو))، حيث إنه انعدم في سبأ ووُجد مثلهُ بين يديه، فجعل لها صرحاً في غاية اللطف والصفاء كأنه ماءٌ صافٍ وليس به، وهذا غايةُ الإنصاف منه عليه السلام. ولا أظنُّ الأمر كما قال، والله تعالى أعلم. واستُدلَّ بالآية على القول بأنَّ أَمْرَها بدخول الصرح ليتوصَّل به إلى كشف حقيقة الحال على إباحة النظر قبل الخطبة، وفيه تفصيلٌ مذكورٌ في كتب الفقه. ﴿فَلَمَّا رَأَنْهُ﴾ أي: رأت صَحْنَه، بناءً على أنَّ الصَّرح بمعنى القصر ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةٌ﴾ أي: ظنَّته ماءً كثيراً ﴿وَكَتَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾ لئلا تبتلَّ أذيالُها، كما هو عادةُ مَن يريد الخوض في الماء. وقرأ ابن كثير برواية قنبل: ((سأقيها)) بهمز ألفٍ ساق(١) حملاً له على جمعه سُؤْق وأسْؤُق، فإنه يطَّرد في الواو المضمومة هي أو ما قَبْلَها قَلْبَها همزةً، فانجرَّ ذلك بالتبعية إلى المفرد الذي في ضمنه. وفي ((البحر))(٢): حكى أبو عليَّ(٣) أنَّ أبا حيَّةَ النميريَّ كان يهمز كلَّ واوٍ قبلها ضمَّةٌ، وأنشد: أحبُّ المؤقِدَيْنِ إليَّ مؤسى(٤) وفي ((الكشف)): الظاهر أنَّ الهمز لغةٌ في ((ساق))، ويشهد له هذه القراءة الثابتةَ في السبعة. وتعقِّب بأنه يأباه الاشتقاق. وأيًّا ما كان فقولُ مَن قال: إنَّ هذه القراءة لا تصحُّ، لا يصحُّ. (١) التيسير ص١٦٨، والنشر ٣٣٨/٢. (٢) ٧ / ٨٠. (٣) في الحجة ٣٩٢/٥. (٤) البحر ٧/ ٨٠، والحجة ٢٣٩/١، و٣٩٢/٥، والخصائص لابن جني ١٧٥/٢. وعجزه: وجعدةُ لو أضاءهما الوقود، ورواية الحجة والخصائص: لحبَّ المؤقدان، والبيت لجرير، وهو في ديوانه بشرح محمد بن حبيب ٢٨٨/١ برواية: لحب الواقدان إليَّ موسى. قال الشارح: موسى ابنه، وجعدة ابنته.