Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ١٧٤ - ١٧٧
٢٦١
سُؤَدَّةُ الشعراء
وجُمِعَ الأمران لهم زيادةً في إهانتهم. وقيل: كان الائتفاكُ لطائفةٍ والإمطارُ
الأخرى منهم، وكانت هذه ـ على ما روي عن مقاتل - للذين كانوا خارجينَ من
القرية لبعض حوائجهم، ولعله مرادُ قتادةَ بالشُّذَّاذ فیما رُوي عنه.
﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ ﴿٣)﴾ اللامُ فيه للجنس، وبه يتسنَّى وقوعُ المضاف إليه
فاعلَ ((ساء)) بناءً على أنهما بمعنى بئس، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، وهو:
مطرُهم، وإذا لم تكن ((ساء)) كذلك جاز كونُها للعهد.
كَذَّبَ
١٧٥
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُ مُؤْمِينَ (٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَمُوَ الْعَبِزُ الرَّحِيمُ
الأَيْكَة: الغيضةُ التي تُنبتُ ناعمَ الشجر، وهي غيضةٌ من
أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ
ساحل البحر إلى مدينَ يسكنُها طائفةٌ، وكانوا ممن بُعث إليهم شعيبٌ عليه السلام،
وكان أجنبيًّ منهم ولذلك قيل: ﴿إِذْ قَالَ لَمْ شُعَيْبُ أَلَا نَتَّقُونَ (®) ولم يقل: أخوهم.
وقيل: ((الأيكة)): الشجر الملتفُّ، وكان شجرُهم الدَّوم وهو المُقْلُ(١).
وعلى القولين ((أصحاب الأيكة)) غيرُ أهلٍ مدينَ، ومن غريب النقل عن ابن
عباس أنهم هم أصحابُ مدین.
وقرأ الحِرْمِيَّان وابنُ عامر: ((لَيْكةَ)) بلام مفتوحةٍ بعدها ياءٌ بغير ألفٍ
ممنوع الصرف، هنا وفي ((ص))(٢)؛ قال أبو عبيد(٣): وجَدْنا في بعض كتب
التفسير أنَّ (لَيْكَةَ)) اسمٌ للقرية، و((الأيكة)) البلادُ كلُّها، كمكةَ وبَّة، ورأيتها في
الإمام مصحفٍ عثمان رَُّّه في ((الحجر)) و((ق)): ((الأيكة))، وفي (الشعراء)) و(ص)):
(لَيْكَةَ))، واجتَمَعَتْ مصاحفُ الأمصار كلُّها بعد ذلك ولم تختلف.
وفي ((الكشاف)): مَن قرأ بالنصب، وزَعَم أنَّ(لَيْكة)) بوزن لَيْلة اسم بلد، فَتَوَهُّمٌ
(١) المُقل: ثمر شجر الدوم، يُنْضَح ويؤكل، وهو قابض بارد مقوِّ للمعدة. والدوم: شجر عظام
من الفصيلة النخيلية، يكثر في صعيد مصر وفي بلاد العرب. ينظر القاموس (مقل)، والمعجم
الوسيط(دوم).
(٢) التيسير ص١٦٦، والنشر ٣٣٦/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٣) في الأصل و(م): عبيدة، والمثبت من معاني القرآن للزجاج ٩٨/٤، والكشف عن وجوه
القراءات لمكي بن أبي طالب ٣٢/٢، وإبراز المعاني لأبي شامة ص٦٢١، والبحر ٣٧/٧،
والدر المصون ٥٤٤/٨، وحاشية الشهاب ٢٥/٧، ونقله المصنف عن البحر.

سُورَةُ الشِّعرَّةِ
٢٦٢
الآية : ١٧٨ - ١٨١
قاد إليه خطّ المصحف، حيث وُجِدَتْ مكتوبةً هنا وفي ((ص)) بغير ألف، وفي
المصحف أشياءُ كُتبتْ على خلافِ الخطّ المصطلح عليه، وإنما كُتبت في هاتين
السورتين على حُكْم لَفْظِ اللّافِظِ كما يَكتبُ أصحاب النحو: الآن: لان، والأُولَى:
لُولَى، لبيان لَفْظِ المَخفَّف، وقد كُتبت في سائر القرآن على الأصل والقصةُ واحدةٌ،
على أنَّ (لَيْكة) اسمٌ لا يُعرَف(١). انتهى.
وتعقّب(٢) بأنه دعوى من غيرِ ثبتٍ، وكفى ثبتاً للمخالف ثبوتُ القراءة في
السبعة وهي متواترةٌ، كيف وقد انضمَّ إليه ما سمعتَ عن بعض كتب التفسير، وإن
لم تعوِّل عليه فما روى البخاري في صحيحه: ((الأيكة)) و((ليكة)): الغيضة(٣). هذا
وإنَّ الأسماء المرتَجَلَةَ لا مَنْعَ منها .
وفي ((البحر)): أنَّ كون مادة (ل ي ك) مفقودةٌ في لسان العرب، كما تشبّثَ به
مَن أنكر هذه القراءة المتواترةَ، إن صحَّ لا يضرُّ وتكونُ الكلمة عجميةً، وموادُّ كلام
العجم مخالفةٌ في كثيرٍ موادَّ كلام العرب، فيكون قد اجتمع على مَنْعِ صَرْفِها العَلَميةُ
والعجمةُ والتأنيثُ، وبالجملة إنكارُ الزمخشريِّ صحةَ هذه القراءة يقرُبُ من الرّة
والعياذُ بالله تعالى، وقد سبقه في ذلك المبرِّدُ وابنُ قتيبةَ والزجَّاجِ والفارسيُّ
والنحاس (٤).
وقرئ: ((ليكةٍ)) بحَذْفِ الهمزةِ وإلقاءِ حركتها على اللام والجرِّ بالكسرة(٥)،
وتُكتب على حُكْم لفظِ اللَّافِظِ بدون همزةٍ، وعلى الأصل بالهمزة، وكذا نظائرُها .
١٧٨
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿ وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
﴿إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ
أَوْفُواْ الْكَيْلَ﴾ أي: أتِمُوه ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ ﴾﴾ أي: حقوقَ
عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ لَ
(١) الكشاف ١٢٦/٣.
(٢) في الأصل: وقد تعقب.
(٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، قبل حديث (٤٧٦٨)، وينظر فتح الباري ٤٩٧/٨.
(٤) البحر ٧/ ٣٧. وينظر معاني القرآن للزجَّاج ٩٨/٤، وإعراب القرآن للنحاس ١٨٩/٣-١٩٠،
والحجة للفارسي ٣٦٧/٥-٣٦٨، وإبراز المعاني لأبي شامة ص٦٢١-٦٢٢، والكشف
لمكي ٣٢/٢.
(٥) الكشاف ١٢٦/٣، والإملاء ١٢٠/٤، وتفسير الرازي ١٦٣/٢٤، وهي قراءة شاذة كما ذكر
الشهاب في الحاشية ٢٦/٧ .

الآية : ١٨٢ - ١٨٣
٢٦٣
سُورَةُ الشعراء
الناس بالتطفيف، ولعل المبالغة المستفادةَ من التركيب متوجِّهةٌ إلى النهي، أو أنه
لا يعتبر المفهومُ؛ لنحو ما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾
[آل عمران: ١٣٠]، وأيًّا ما كان ففي النهي المذكور تأكيدٌ للأمر السابق عليه.
﴿وَزِينُواْ﴾ الموزونات ﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ﴾﴾ أي: بالميزان السويِّ.
وقيل: القسطاسُ: القبَّان، وروي ذلك عن الحسن.
وهو عند بعضٍ معرَّبٌ روميُّ الأصل، ومعناه: العدل، وروي ذلك عن
مجاهد. وعند آخرين عربيٍّ، فقيل: هو من القِسْطِ، ووزنه فِعْلاع بتكرير العين
شذوذاً؛ إذ هي لا تكرَّر وحدها مع الفصل باللام. وقيل: مِن قَسطَسَ، وهو رباعيٍّ
ووزنه فِعْلال.
والمراد الأمرُ بوفاء الوزن وإتمامِه، والنهيُ عن النقص دون النهي عن الزيادة،
والظاهرُ أنه لم يُنْهَ عنها ولم يُؤْمَرْ بها في الكيل والوزن، وكأنَّ ذلك دليلٌ على أنَّ
مَن فَعَلَها فقد أَحْسَنَ ومَن لم يَفْعَلْها فلا عليه.
وعن ابن عباس ﴿ه أنَّ معنى ((وزِنُوا)) إلخ: وعدِّلوا أمورَكم كلَّها بميزانِ العدل
الذي جَعَلَه الله تعالى لعباده. والظاهرُ - إذ عادَلَ سبحانه به ((أوفوا الكيل)) - ما تقدَّم.
وقرأ أكثر السبعة: ((بالقُسطاس)) بضم القاف(١).
﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ أي: لا تنقصوهم شيئاً من حقوقهم أيّ حقِّ كان،
فإضافةُ ((أشياء)» جنسيةٌ، ويجوزُ أن تكون للاستغراق، والمراد مقابلةُ الجمع
بالجمع، فيكون المعنى: لا تبخسوا أحداً شيئاً .
وجوِّز أن يكون الجمع للإشارة إلى الأنواع، فإنهم كانوا يبخسون كلَّ شيءٍ جليلاً
كان أو حقيراً، وهذا تعميمٌ بعد تخصيص بعض المراد بالذكر لغاية انهماكهم فيه .
وقيل: المراد بأشيائهم الدراهمُ والدنانيرُ، وبَخْسُها بالقَطْعِ من أطرافها، ولولاه
لم يُجمع.
(١) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو وابن كثير وشعبة من السبعة. التيسير ص١٤٠، والنشر
٣٠٧/٢، وقرأ بها من العشرة أبو جعفر ويعقوب.

سُورَةُ الشَّجَرَاء
٢٦٤
الآية : ١٨٤ - ١٨٦
وبَخَسَ مما يتعدَّى إلى اثنين، فالمنصوبان مفعولاه. وقيل: هو متعدٍّ لواحدٍ،
فالثاني بدلُ اشتمالٍ .
﴿وَلَا تَعْثَوْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨)﴾ بالقتل والغارة وقطع الطريق ونحو ذلك.
والعثوُّ: الفساد أو أَشدُّه، و((مفسدين)) حالٌ مؤكِّدةٌ. وجوِّز أن يكون المراد:
مفسدين آخرتكم، فتكون حالاً مؤسِّسةً.
﴿وَتَّقُواْ الَّذِى خَلَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَِّينَ (
والطبيعة، أو: والمجبولين على أحوالهم التي بُنوا عليها، وسُبُلهم التي قُيِّضوا
لسلوكها، المتقدِّمين عليكم من الأمم.
﴾﴾ أي: وذوي الجبلَّة، أي: الخِلقة
١٨٤
وجاء في روايةٍ عن ابن عباس: أنَّ الجبلَّة الجماعةُ إذا كانت عشرة آلافٍ.
كأنها شبِّهتْ ـ على ما قيل - بالقطعة العظيمة من الجبل.
وقيل: هي الجماعةُ الكثيرةُ مطلقاً، كأنها شبِّهت بما ذُكر أيضاً .
وقرأ أبو حصينٍ والأعمشُ والحسنُ بخلافٍ عنه: ((الجُبُلَّة)) بضم الجيم والباء
وشدِّ اللام(١). وقرأ السُّلميُّ: ((الجِبْلَةَ)) بكسر الجيم وسكونِ الباء كالخِلْقة، وفي
نسخةٍ عنه: بفتح الجيم وسكون الباء(٢). قيل: وتشديدُ اللام في القراءتين للمبالغة.
وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ الكلامُ فيه نظيرُ ما تقدَّم
﴿قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِنَ فَّ
في قصة ثمود، بيد أنه أَدْخَلَ الواو بين الجملتين هنا للدلالة على أنَّ كلَّا من
التسخير والبشرية مُنافٍ للرسالة، فكيف إذا اجتمعا. وأرادوا بذلك المبالغةً في
التكذيب، ولم تدخل هناك حيث لم يُقْصَدْ إلَّا معنّى واحدٌ، وهو كونُه مسخَراً، ثم
قرِّر بكونه بشراً مثلهم، كذا في ((الكشاف))(٣).
وفي ((الكشف)) أنَّ فيه ما يلوح إلى اختصاص كلِّ بموضعه، وأنَّ الكلام هنالك
في كونه مثلَهم غيرَ ممتازٍ بما يوجب الفضيلةَ، ولهذا عقَّبوه بقولهم: ((فأتِ بآيةٍ»،
فدلَّ على أنهم لم يجعلوا البشرية منافيةً للنبوَّة، وإنما جعلوا الوصفَ تمهيداً
(١) المحتسب ١٣٢/٢، والقراءات الشاذة ص١٠٧، والبحر ٣٨/٧، والكلام منه.
(٢) البحر ٣٨/٧، والثانية في القراءات الشاذة ص١٠٧ .
(٣) ١٢٧/٣.

الآية : ١٨٧
٢٦٥
سُورَةُ الشّعراء
للاشتراك، وأنه أَبْدَعَ في دعواه. وهاهنا ساقوا ذلك مساق ما ينافي النبوةَ، فجعلوا
كلَّ واحدٍ صفةً مستقلّةً في المنافاة ليكون أبلغَ، وجعلوا إنكار النبوّة أمراً مفروغاً،
ولذا عقَّبوه بقولهم: ((وإنْ نظنُّك)) إلخ.
وقال النيسابوريُّ في وجه الاختصاص: إنَّ صالحاً عليه السلام قلَّل في
الخطاب فقلَّلوا في الجواب، وأَكْثَرَ شعيبٌ عليه السلام في الخطاب - ولهذا قيل
له: خطيبُ الأنبياء - فأكثروا في الجواب(١). ولعله أراد أنَّ شعيباً عليه السلام بالَغَ
في زَجْرهم فبالغوا في تكذيبه، ولا كذلك صالحٌ عليه السلام مع قومه. فتأمَّل.
و((إنْ)) في قوله سبحانه: ﴿وَإِن ثَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِينَ ﴾﴾ هي المخفَّفة من
الثقيلة، واللامُ في ((لمن)) هي الفارقة. وقال الكوفيون: ((إنْ)) نافيةٌ، واللام بمعنى
((إلا)). وهو خلافٌ مشهورٌ.
أي: وإن الشأنَ نظنُّك من الكاذبين في الدعوى، أو: ما نظنُّك إلَّا من الكاذبين
فيها .
ومرادُهم أنه عليه السلام - وحاشاه ـ راسخ القدم في الكذب في دعواه
الرسالةَ، أو: فيها وفي دعوى نزولِ العذاب الذي يُشْعِرُ به الأمرُ بالتقوى من
التهديد. وظاهرُ حالهم إنهم عَنَوا بالظنِّ الإدراكَ الجازم.
٠١٨٧ من
وقولهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
الاقتراح الذي تحته كلُّ الإنكار، على نحو: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ
فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] ولعلهم قابلوا به ما أشعر به الأمرُ
بالتقوی ممَّا ذكرنا .
و((كِسَفاً)) أي: قِطعاً - كما رُوي عن ابن عباس وقتادة - جمعُ كِسْفةٍ كَقِطْعةٍ.
وقرأ الأكثرون: ((كِسْفاً)) بكَسْرِ الكاف وسكون السين(٢)، وهو أيضاً جمعُ
كِسْفةٍ، مثل سِدْرةٍ وسِدْرٍ، وقيل: الكِسْفُ والكِسْفَةُ كالرِّيْع والرِّيعة، وهي القطعة.
(١) غرائب القرآن للنيسابوري ١٩/ ٧١.
(٢) هي قراءة الجميع عدا حفصاً. التيسير ص١٦٦، والنشر ٣٠٩/٢.

سُورَةُ الشَّجَرَآء
٢٦٦
الآية : ١٨٨
والمرادُ بالسماء إمَّا المُظِلَّةُ - وهو الظاهر - وإما السحابُ. والظاهرُ أنَّ الجارَّ
والمجرور متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لِمَا قبله، وتعلُّقه بـ ((أسْقِطْ)) في غاية السقوط،
وجوِّز عليه أن يراد بالسماء جهةُ العلوِّ.
وجواب ((إنْ)) محذوفٌ دلَّ عليه ((فَأَسْقِظْ))، ومَن جوَّز تقدُّم الجواب جَعَلَه
الجواب.
﴾ أي: هو تعالى أعلمُ بأعمالكم من الكفر
﴿قَالَ رَبِيِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (َ
والمعاصي، وبما تستَوْجِبون عليها من العذاب، فسيُنْزِلُهُ عليكم حَسْبَما تستَوْجِبون
في وقته المقدَّرِ له لا محالة.
﴿فَكَذَّبُهُ﴾ فاستمرُّوا على تكذيبه، وكذَّبوه تكذيباً بعد تكذيب.
﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الْقُللَّةِ﴾ وذلك على ما أخرج عبد بن حميد وابنُ جرير وابنُ
المنذر، وابنُ أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس: أنَّ الله تعالى بعث عليهم حرّاً
شديداً فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا أجواف البيوت فدخل عليهم، فخرجوا منها هراباً
إلى البرية، فبعث الله تعالى عليهم سحابةً فأظلَّتهم من الشمس، وهي الظلَّة،
فوجدوا لها برداً ولذةً، فنادى بعضُهم بعضاً، حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقطها الله
عزَّ وجلَّ عليهم ناراً فأكلتهم جميعاً(١).
وجاء في كثيرٍ من الروايات أنَّ الله عز وجلَّ سلَّط عليهم الحرَّ سبعةَ أيامٍ
ولياليهنَّ، ثم كان ما كان من الخروج إلى البرية وما بعده، وكان ذلك على نحوٍ
ما اقترحوه، لا سيما على القول بأنهم عَنَوا بالسماء السحابَ.
وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلَّة دون نفسها إيذانٌ بأنَّ لهم عذاباً آخر غيرَ
عذابِ الظَّةِ، وفي ترك بيانه تعظيمٌ لأمره.
وقد أخرج ابن جرير والحاكم وابن أبي حاتم عن ابن عباس ظًا أنه قال: مَن
حدَّثك من العلماء ما عذابُ يوم الظلَّة فكذِّبه(٢). وكأنه أراد بذلك مجموعَ عذابٍ
(١) تفسير الطبري ٦٣٨/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٨١٤/٩، والمستدرك ٢/ ٥٦٨ -٥٦٩،
وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر السيوطي في الدر ٩٣/٥-٩٤ وعنه نقل المصنف.
(٢) تفسير الطبري ٦٣٩/١٧، وتفسير ابن أبي حاتم ٩/ ٢٨١٥، والمستدرك ٢/ ٥٦٩.

الآية : ١٨٩ - ١٩٣
٢٦٧
سُورَةُ الشّعراء
الظلَّة الذي ذُكر في الخبر السابقِ، والعذابِ الآخر الذي آذَنَتْ به الإضافةُ إلى
اليوم.
﴿إِنَُّ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ أي: في الشدة والهولِ، وفظاعةِ ما وقع فيه
من الطامَّة والداهية التامَّة.
®) هذا
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِزُ الَّحِيمُ
آخر القصص السبع التي سيقَتْ لِمَا عَلِمْتَه سابقاً، ولعل الاقتصار على هذا
العدد - على ما قيل - لأنه عددٌ تامٌّ، وأنا أفوّضُ العلم بسرِّ ذلك، وكذا العلم بسرِّ
ترتيب القصص على هذا الوجه، لحضرة علام الغيوب جلَّ شأنُه.
وقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لََّغِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (®﴾ إلخ عَوْدٌ لِمَا في مطلع السورة
الكريمة من التنويه بشأن القرآن العظيم، وردِّ ما قال المشركون فيه، فالضميرُ راجعٌ
إلى القرآن.
وقيل: هو تقريرٌ لحقِّيةِ تلك القصص، وتنبيهٌ على إعجاز القرآن ونبوّةٍ
محمدٍ وَلِّ، فإنَّ الإخبار عنها ممن لم يتعلَّمها لا يكون إلَّ وحياً من الله عزَّ وجلَّ،
فالضميرُ لِمَا ذُكِرَ من الآيات الكريمة الناطقةِ بتلك القصص المحكية. وجوِّز أن
يكون للقرآن الذي هي من جملته، والإخبارُ عن ذلك بـ ((تنزيل)) للمبالغة، والمراد:
إنه لمنزَّلٌ من الله تعالی.
ووَصْفُه سبحانه بربوبية(١) العالمين للإيذان بأنَّ تنزيله من أحكام تربيته عزَّ
وجلَّ، ورأفته بالكلِّ.
﴿نَزَلَ بِهِ﴾ أي: أنزله، على أنَّ الباء للتعدية. وقال أبو حيان وابنُ عطية: هي
للمصاحبة، والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدَ دَّخَلُواْ
بَالْكُفِ﴾ (٢) [المائدة: ٦١]، أي: نزل مصاحباً له.
﴿الزُُّعُ آلْأَمِينُ ﴾ يعني جبرائيل عليه السلام، وعبَّر عنه بالرُّوح لأنه يحيا به
الخَلْقُ في باب الدِّين، أو لأنه رُوحٌ كلَّه، لا كالناس الذين في أبدانهم روحٌ.
(١) في الأصل: بربوبيته، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٦٣/٦، والكلام منه.
(٢) المحرر الوجيز ٢٤٣/٤، والبحر نقلاً عن المحرر ٧/ ٤٠ .

سُورَةُ الشّعراء
٢٦٨
الآية : ١٩٤
ووُصف عليه السلام بالأمين لأنه أمينُ وَحْيِه تعالى، ومُوصِلُه إلى مَن شاء مِن عباده
جلَّ شأنُه من غيرِ تغييرٍ وتحريفٍ أصلاً.
وقرأ حمزة والكسائيُّ وأبو بكر وابن عامر: ((نزَّلَ به الروحَ الأمينَ)) بتشديد
الزاي ونَصْبٍ ((الروح)) و((الأمين))(١)، أي: جَعَل الله تعالى الروح الأمين نازلاً به ..
﴿عَلَى قَلِكَ﴾ متعلِّقٌ بـ ((نزل)) لابـ ((الأمين)).
والمراد بالقلب إمَّا الروح، وهو أحدُ إطلاقاته كما قال الراغب(٢)، وكونُ
الإنزال عليه - على ما قال غيرُ واحد - لأنه المدرِكُ والمكلَّفُ دون الجسد.
وقد يقال: لمَّا كان له بَّهِ جهتان: جهةٌ مَلَكية يستفيضُ بها، وجهةٌ بشريةٌ
يفيضُ بها، جُعِلَ الإنزالُ على روحه وَّهِ؛ لأنها المتَّصفةُ بالصفات الملكية التي
يستفيضُ بها من الروح الأمين. وللإشارة إلى ذلك قيل: ((على قلبك)) دون: عليك،
الأخصَرِ .
وقيل: إنَّ هذا لأنَّ القرآن لم ينزل في الصحف كغيره من الكتب.
وإمَّا العضوُ المخصوصُ، وهو الإطلاقُ المشهور، وتخصيصهُ بالإنزال عليه،
قيل: للإشارة إلى كمال تعقُّله وَّهِ وفَهْمِه ذلك المنزَل، حيث لم تُعتبر واسطةٌ في
وصوله إلى القلب الذي هو محلُّ العقل، كما يقتضيه ظاهرُ كثيرٍ من الآيات
والأحاديث، ويشهدُ له العقلُ، على مالا يخفى على مَن كان له قلبٌ أو أَلْقَى
السَّمْعَ وهو شهيد.
وقد أطال في الانتصار لذلك الإمامُ في تفسيره، ورَدَّ على من ذهب إلى أنَّ
الدماغ محلُّ العقل(٣).
وقيل: للإشارة إلى صلاح قلبه عليه الصلاة والسلام وتقدُّسه حيث كان مَنْزِلاً
لكلامه تعالى؛ ليُعْلَم منه حالُ سائر أجزائه وَّهِ؛ فإنَّ القلب رئيسُ جميع الأعضاء
ومَلِكُها، ومتى صَلَحَ المَلِكُ صَلَحتِ الرعيةُ، وفي الحديث: ((أَلَا وإنَّ في الجسد
(١) التيسير ص١٦٦، والنشر ٣٣٦/٢. وهي قراءة يعقوب وخلف.
(٢) في مفرداته (قلب).
(٣) تفسير الرازي ١٦٦/٢٤-١٦٨.

الآية : ١٩٤
٢٦٩
سُورَةُ الشِّعراء
مُضْغةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسدُ كلُّهِ، أَلَا وهي
القلب))(١).
وقد يقال: يجوزُ أن يكون التخصيصُ لأنَّ الله تعالى جَعَلَ لقلب رسوله وَّل
سمعاً مخصوصاً يسمعُ به ما ينزلُ عليه من القرآن، تمييزاً لشأنه على سائر ما يسمعه
ويَعِيه، على حدٍّ ما قيل وذكره النوويُّ في ((شرح صحيح مسلم)) في قوله تعالى: ﴿مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ﴾ [النجم: ١١] من أنَّ الله عزَّ وجلَّ جَعَلَ لفؤاده عليه الصلاة
والسلام بصراً فرآه به سبحانه ليلةَ المعراج (٢).
وهذا كلُّه على القول بأنَّ جبرائيل عليه السلام ينزل بالألفاظ القرآنيةِ المحفوظةِ
له بعد أنْ نزل القرآنُ جملةً من اللَّوح المحفوظ إلى بيت العزة، أو التي يحفظها من
اللوح عند الأمر بالإنزال، أو التي يوحَى بها إليه، أو التي يسمعها منه سبحانه على
ما قاله بعضُ أجلَّة السلف عنده، فيلقيها إلى النبيِّ وَِّ على ما هي عليه من غير
تغييرٍ أصلاً. وكذا على القول بأنَّ جبرائيل عليه السلام أُلقي عليه المعاني القرآنية،
وأنه عبَّر عنها بهذه الألفاظ العربية، ثم نزل بها كذلك فألقاها إلى النبيِّ وَل.
وأمَّا على القول بأنه عليه السلام إنما نزل بالمعاني خاصةً إلى النبيِّ عليه
الصلاة والسلام، وأنه عليه الصلاة والسلام علم تلك المعانيَ وعبَّر عنها بلغةٍ
العرب، فقيل: إنَّ القلب بمعنى العضو المخصوص لا غير، وتخصيصهُ لأنَّ
المعاني إنما تُدْرَكُ بالقوة المودَعةِ فيه. وقيل: يجوزُ أن يراد به الروحُ، وروحُه عليه
الصلاة والسلام لغايةٍ تقدُّسها وكمالِها في نفسها تدركُ المعانيَ من غير توسُّطِ آلةٍ.
ومن الناس مَن ذهب إلى هذا القول، وجَعَل الآيةَ دليلاً له، وهو قولٌ مرجوحٌ.
ومثلهُ القولُ بأنَّ جبرائيل عليه السلام ألقي عليه المعاني فعبَّر عنها بألفاظِ فنزل
بما عبّر هو به.
والقول الراجحُ أنَّ الألفاظ منه عزَّ وجلَّ كالمعاني لا مدخل لجبرائيل عليه
السلام فيها أصلاً، وكان النبيُّ وَّهِ يسمعها ويَعيها بقوّى إلهيةٍ قُدْسيةٍ لا كسماع
(١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) عن النعمان بن بشير
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ٦/٣ نقلاً عن الواحدي.

سُورَةُ الشّعَرَآء
٢٧٠
الآية : ١٩٤
البشر إياها منه عليه الصلاة والسلام، وتنفعلُ عند ذلك قواه البشرية، ولهذا يظهر
على جسده الشريفِ وَّ﴿ ما يظهر، ويقال لذلك: بُرَحَاء الوحي، حتى يُظَنّ في بعض
الأحايين أنه أُغمي عليه عليه الصلاة والسلام.
وقد يُظَنُّ أنه وَلِّ أَغْفَى، وعلى هذا يخرَّجُ ما رواه مسلم عن أنس قال: بَيْنَا
رسول الله وَّهُ بين أَظْهُرِنا، إذا أغفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه متبسِّماً فقلنا: ما أضحكك
يا رسول الله؟ فقال: ((أنزل علي آنفاً سورةٌ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا
١)
٣
أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ جَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ جَ إِنَ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرَّ
ولا يحتاجُ مَن قال: إنَّ الأشبه أنَّ القرآن كلَّه نزل في اليقظة، إلى تأويل هذا
الخبر بأنه عليه الصلاة والسلام خَطَر له في تلك الإغفاءة سورةُ الكوثر التي نزلت
قبلها في اليقظة، أو عُرِضَ عليه ((الكوثر)) الذي أنزلت فيه السورة فقرأها عليهم.
ثم إنه على ما قيل من أنَّ بعض القرآن نزل عليه عليه الصلاة والسلام وهو نائمٌ
استدلالاً بهذا الخبر، يبقى ما قلناه من سماعه عليه الصلاة والسلام ما ينزل إليه وَليه
ووَعْبِهِ إياه بقوّى إلهيةٍ قدسيةٍ، ونومُه عليه الصلاة والسلام لا يمنع من ذلك، كيف
وقد صحَّ عنه ◌ِّر أنه قال: ((تنام عيني ولا ينامُ قلبي))(٢).
وقد ذَكَر بعضُ المتصدِّرين في محافل الحكمة من المتأخِّرين في بيانِ كيفيةٍ
نزول الكلام وهبوطِ الوحي من عند الله تعالى بواسطة الملك على قلب النبيِّ وَلّ:
أنَّ الروح الإنسانيَّ إذا تجرَّد عن البدن، وخرج عن وثاقه من بيت قالبه وموطنٍ
طَبْعِه مهاجراً إلى ربِّه سبحانه لمشاهدةٍ آياته الكبرى، وتطهّر عن درن المعاصي
واللذات والشهواتِ والوساوسِ العاديةِ والمتعلّقات، لاح له نورُ المعرفة والإيمان
بالله تعالى ومَلَكوتِه الأعلى، وهذا النورُ إذا تَأَّدَ وتَجَوْهَرَ كان جوهراً قدسيًّا
يسمَّى في لسان الحكمة النظرية بالعقل الفعَّال، وفي لسان الشريعة النبوية بالروح
القدسيِّ.
(١) صحيح مسلم (٤٠٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٠٧٣)، والبخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨): (١٢٥) من حديث
عائشة ٹا.

الآية : ١٩٤
٢٧١
سُورَةُ الشعراء
وبهذا النور الشديد العقليِّ يتلألأ فيه أسرارُ ما في الأرض والسماء، ويتراءى
منه حقائقُ الأشياء كما يتراءى بالنور الحسيِّ البَصَريِّ الأشباحُ المثاليةُ في قوة البصر
إذا لم يمنع حجاب، والحجابُ هاهنا هو آثارُ الطبيعة وشواغلُ هذه الأولى. فإذا
عَريَتِ النفس عن دواعي الطبيعة والاشتغالِ بما تحتها من الشهوة والغضب والحسِّ
والتخيُّل، وتوجَّهتْ بوجهها شَطْرَ الحقِّ وتلقاءَ عالمَ الملكوت الأعلى، اتَّصلت
بالسعادة القصوى، فلاح لها سرُّ الملكوت، وانعكس عليها قُدسُ اللاهوت، ورأت
عجائب آیات الله تعالی الکبری.
ثم إنَّ هذه الروحَ إذا كانت قدسيةً شديدةً القوى، قوية الآثار لقوَّةٍ اتِّصالها
بما فوقها، فلا يشغلُها شأنٌ عن شأنٍ، ولا يمنعها جهة فوقها عن جهة تحتها،
فتضبطُ الطرفين، وتَسعُ قوتُها الجانبين؛ لشدة تمكّنها في الحدِّ المشترك بين الملك
والملكوت، كالأرواح الضعيفة التي إذا مالت إلى جانبٍ غاب عنها الجانبُ
الآخر، وإذا رَكَنتْ إلى مَشْعَرٍ من المشاعر ذهلتْ عن المَشْعَرِ الآخرَ.
وإذا توجَّهت هذه الروحُ القدسيةُ التي لا يشغلُها شأنٌ عن شأنٍ، ولا تَصْرِفُها
نشأةٌ عن نشأةٍ، وتلقَّت المعارفَ الإلهية بلا تعلُّم بشريٍّ بل من الله تعالى، يتعدّى
تأثيرها إلى قواها، ويتمثَّلُ لروحه البشريِّ صورةٌ مّا بروحه القدسيِّ، وتبرزُ منها إلى
ظاهر الكون فتتمثَّلُ للحواسِّ الظاهرة، سيَّما السمع والبصر لكونهما أشرفَ
الحواسِّ الظاهرةِ، فيرى ببصره شخصاً محسوساً في غاية الحُسْنِ والصَّبَاحةِ،
ويسمعُ بسمعه كلاماً منظوماً في غاية الجودة والفصاحة، فالشخصُ هو المَلَكُ
النازلُ بإذن الله تعالى، الحاملُ للوحي الإلهيِّ، والكلامُ هو كلام الله تعالى، وبيده
لوحٌ فيه كتابٌ هو كتابُ الله تعالی.
وهذا الأمر المتمثِّلُ بما معه أو فيهِ ليس مجرَّدَ صورةٍ خياليةٍ لا وجودَ لها في
خارج الذهن والتخيُّل، كما يقوله مَن لا حظّ له من علم الباطن، ولا قدم له في
أسرار الوحي والكتاب، كبعض أتباع المشَّائين، معاذ الله تعالى عن هذه العقيدة
الناشئة عن الجهل بكيفية الإنزال والتنزيل.
ثم قال: إنارة قلبية وإشارة عقلية، عليك أن تعلم أنَّ للملائكة ذواتٍ حقيقيةً
وذواتٍ إضافيةً مضافةً إلى ما دونها إضافةً النفس إلى البدن الكائنِ في النشأة

سُورَةُ السَّعراء
٢٧٢
الآية : ١٩٤
الآخرة، فأما ذواتُها الحقيقيةُ فإنما هي أَمْريَّةٌ قضائيةٌ قوليةٌ، وأما ذواتُها الإضافيةُ
فإنما هي خَلْقيةٌ قَدَريةٌ تنشأ منها الملائكةُ اللّوْحيةُ، وأعظمُهم إسرافيل عليه السلام،
وهؤلاء الملائكة اللوحيةُ يأخذون الكلام الإلهيَّ والعلوم اللَُّنيةَ من الملائكة القَلَمية
ويثبتونها في صحائف ألواحهم القدرية الكتابية.
وإنما كان يلاقي النبيُّ وَّه في معراجه الصنفَ الأولَ من الملائكة، ويشاهدُ
روحَ القُدُسِ في اليقظة، فإذا اتَّصلتِ الروحُ النبويةُ بعالَمهم عالَمِ الوحي الربانيِّ
يسمعُ كلامَ الله تعالى، وهو إعلامُ الحقائق بالمكالمة الحقيقيةَ، وهي الإفاضةُ
والاستفاضةُ في مقام قاب قوسين أو أدنى، وهو مقامُ القُرْبِ، ومقعدُ الصِّدقِ،
ومعدنُ الوحي والإلهام.
وكذا إذا عاشر النبيُّ الملائكةَ الأعْلَيْنَ يسمعُ صريفَ أقلامهم وإلقاء كلامهم،
وهو كلامُ الله تعالى النازلُ في محلِّ معرفتهم، وهي ذواتُهم وعقولُهم لكونهم في
مقام القرب. ثم إذا نزل عليه الصلاة والسلام إلى ساحة الملكوت السماويِّ يتمثّلُ
له صورةٌ ما عَقَلَه وشاهَدَه في لوح نفسه الواقعةِ في عالم الأرواح القدرية السماوية،
ثم يتعدَّى منه الأثر إلى الظاهر، وحينئذٍ يقع للحواسِّ شبهُ دهشٍ ونومٍ؛ لِمَا أنَّ
الروح القدسيةَ لضَبْطِها الجانبين تستعملُ المشاعرَ الحسِّيةَ، لكن لا في الأغراض
الحيوانية بل في سبيل السلوك إلى الربِّ سبحانه، فهي تُشايعُ الروحَ في سبيل معرفته
تعالی وطاعته.
فلا جَرَمَ إذا خاطبه الله تعالى خطاباً من غير حجابٍ خارجيٍّ، سواءٌ كان
الخطاب بلا واسطةٍ أو بواسطةِ المَلَكِ، واطّلع على الغيب فانْطَبَع في فصِّ نفسه
النبوية نَقْشُ الملكوت وصورةُ الجبروت، تنجذبُ قوةُ الحسِّ الظاهرِ إلى فوق،
ويتمثَّل لها صورةٌ غيرُ منفكّةٍ عن معناها وروحِها الحقيقيِّ، لا كصورةِ الأحلام
والخيالات العاطلة عن المعنى، فيتمثَّل لها حقيقةُ المَلَكِ بصورته المحسوسة
بحسب ما يحتملها، فيرى مَلَكاً على غير صورته التي كانت له في عالم الأمر؛ لأن
الأمر إذا نزل صار خَلْقاً مقدَّراً، فيرى صورته الخَلْقية القدرية، ويسمعُ كلاماً
مسموعاً بعد ما كان وحياً معقولاً، أو يرى لوحاً بيده مكتوباً. فالمُؤْحَى إليه يتَّصل
بالمَلَكِ أولاً بروحه العقليِّ، ويتلقَّى منه المعارفَ الإلهيةَ، ويشاهدُ ببصره العقليِّ

الآية : ١٩٤
٢٧٣
سُورَةُ الشِّعر
آياتِ ربِّه الكبرى، ويسمعُ بسَمْعِه العقليِّ كلام ربِّ العالمين من الروح الأعظم. ثم
إذا نزل عن هذا المقام الشامخ الإلهيِّ يتمثَّلُ له الملكُ بصورةٍ محسوسة بحسبه، ثم
ينحدرُ إلى حسِّه الظاهر، ثم إلى الهواء. وهكذا الكلامُ في كلامه، فيسمع أصواتاً
وحروفاً منظومةً مسموعةً يختصُّ هو بسماعها دون غيره، فيكون كلٌّ من المَلَكِ
وكلامه وكتابه قد تأدَّى من غيبه إلى شهادته، ومن باطنٍ سرِّه إلى مشاعره.
وهذه التأديةُ ليست من قبيل الانتقال والحركة للمَلَكِ المُؤْحي من موطنه
ومقامه، إذ كلٌّ له مقامٌ معلومٌ لا يتعدَّاه ولا ينتقلُ عنه، بل مرجعُ ذلك إلى انبعاثٍ
نفسٍ(١) النبيِّ عليه الصلاة والسلام من نشأة الغيب إلى نشأة الظهور، ولهذا كان
يَعْرِضُ له شبهُ الدَّهشِ والغَشْي، ثم يَرَى ويَسْمَعُ، ثم يقعُ منه الإنباءُ والإخبارُ. فهذا
معنى تنزيلِ الكتاب وإنزالِ الكلام من ربِّ العالمين. انتهى.
وفيه ما تأباه الأصولُ الإسلامية مما لا يخفى عليك. وقد صرَّح غيرُ واحدٍ من
المحدِّثين والمفسِّرين وغيرهم بانتقال الملك، وهو جسمٌ عندهم، ولمْ يؤوِّل أحدٌ
منهم نزولَه فیما نعلم.
نعم أوَّلوا نزولَ القرآن وإنزالَه؛ قال الأصفهاني في أوائل تفسيره(٢): اتَّفق أهلُ
السنةِ والجماعةِ على أنَّ كلام الله تعالى منزلٌ، واختلفوا في معنى الإنزال؛ فمنهم
مَن قال: إظهار القراءة. ومنهم مَن قال: إنَّ الله تعالى ألْهمَ كلامه جبريلَ عليه
السلام وهو في السماء، وعلَّمه قراءته، ثم جبريلُ أذَّاه في الأرض، وهو يهبطُ في
المكان، وفي ذلك طريقتان: إحداهما: أنَّ النبيَّ وَله انخلع من صورة البشرية إلى
صورة المَلَكية وأخذه من جبريل عليه السلام. وثانيتُهما: أنَّ الملك انخلع إلى
البَشَرية حتى يأخذه النبيُّ وَِّ منه. والأولى أصعبُ الحالين. انتهى.
وقال الطيبيُّ: لعل نزولَ القرآن على الرسول عليه الصلاة والسلام أنْ يتلقَّفه
الملكُ تلقُّفاً روحانيّاً، أو يحفظَه من اللوح المحفوظ، فينزلَ به إلى الرسول ويُلقيه
عليه .
(١) في (م): نفسي.
(٢) كما في الإتقان ١٣٨/١، وعنه نقل المصنف، وكذا ما سيأتي من أقوال.

سُورَةُ الشعراء
٢٧٤
الآية : ١٩٤
وقال القطب في ((حواشي الكشاف)): الإنزالُ في اللغة: الإيواء، وبمعنى
تحريك الشيء من علوٍ إلى سفل، وكلاهما لا يتحقَّقان في الكلام، فهو مستعملٌ
بمعنّى مجازيٍّ، فمن قال: القرآنُ معنّى قائمٌ بذاتِ الله تعالى، فإنزالهُ أنْ توجد (١)
الكلمات والحروف الدالّة على ذلك المعنَى ويثبتها في اللوح المحفوظ. ومَن قال:
القرآنُ هو الألفاظُ الدالَّةُ على المعنى القائم بذاته تعالى، فإنزالهُ مجرَّدُ إثباتهِ في
اللوح المحفوظ، وهذا المعنى مناسبٌ لكونه مجازاً عن أوَّل المعنيين اللغويين.
ويمكن أن يكون المرادُ بإنزاله إثباته في السماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح
المحفوظ، وهذا مناسبٌ للمعنى الثاني.
والمراد بإنزالِ الكتب على الرسل أن يتلقَّفها الملكُ من الله تعالى تلقُّفاً
روحانياً، أو يَحْفَظَها من اللوح المحفوظ وينزلَ بها فيُلْقيها عليهم. انتهى، وفيه
بحثٌ لا يخفى.
وعندي: أنَّ إنزاله إظهارُه في عالم الشهادة بعد أنْ كان في عالم الغيب.
ثم إنَّ ظاهر الآية يقتضي أنَّ جميع القرآن نزل به الروحُ الأمينُ على قلبه
الشريف وَل﴿، وهذا ينافي ما قيل: إنَّ آخِرَ سورة البقرة كلَّمه الله تعالى بها ليلةً
المعراج حيث لا واسطةَ، احتجاجاً بما أخرجه مسلم عن ابن مسعود: لمَّا أُسريَ
برسول الله وَّ﴿ انتهى إلى سِدْرَةِ المُنتَهَى، الحديثَ، وفيه: فأعطي رسول الله وَل
الصلواتِ الخمسَ، وأُعطيَ خواتيمَ سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لا يشركُ من أمته بالله
تعالى شيئاً المقحِمات(٢).
وأجيب بعد تسلیم أن یکون ما ذکر دليلاً لذلك: یجوزُ أن یکون قد نزل جبريل
عليه السلام بما ذُكر أيضاً تأكيداً وتقريراً، أو نحو ذلك، وقد ثبت نزولهُ عليه
السلام بالآية الواحدةِ مرَّتين لِمَا ذُكر.
وجوِّز أن تكون الآيةُ باعتبارِ الأغلب. واعتبر بعضُهم كونَها كذلك لأمرٍ آخَرَ،
(١) في الإتقان: يوجد.
(٢) صحيح مسلم (١٧٣)، وهو عند أحمد (٣٦٦٥). والمُقْحِمات: الذنوب العظام التي تُقْحِم
أصحابها في النار، أي: تُلْقيهم فيها.

الآية : ١٩٤
٢٧٥
سُوَّةُ الشّعراء
وهو أنَّ من القرآن ما نزل به إسرافيلُ عليه السلام، وهو ما كان في أول النبوَّة. وفيه
أنَّ ذلك لم يثبت أصلاً .
وفي ((الإتقان)): أخرج الإمامُ أحمد في ((تاريخه)) من طريق دواد بن أبي هند
عن الشعبيِّ قال: أُنزل على النبيِّ ◌َّ النبوَّةُ وهو ابنُ أربعين سنةً، فقُرِنَ بنبوَّته
إسرافيل عليه السلام ثلاثَ سنين، فكان يعلِّمه الكلمةَ والشيء، ولم ينزل عليه
القرآن على لسانه، فلمَّا مضت ثلاثُ سنين قُرِنَ بنبوَّتِه جبريلُ عليه السلام، فنزل
عليه القرآن على لسانه عشر سنين (١). انتهى. وهو صريحٌ في خلاف ذلك، وإن كان
فيه ما يخالفُ الصحيحَ المشهورَ من أنَّ جبريلَ عليه السلام هو الذي نزل عليه عليه
الصلاة والسلام بالوحي من أول الأمر(٢)، إلا أنه نزل عليه وَلِّ غيرُه عليه السلام
من الملائكة أيضاً ببعض الأمور، وكثيراً ما ينزلون لتشييع الآيات القرآنية مع جبريل
عليه وعليهم السلام(٣).
ومن الناس مَن اعتبر كونَها باعتبارِ الأغلب؛ لأنَّ إنزال جبريل عليه السلام قد
لا يكون على القلب، بناءً على ما ذكره الشيخ محيي الدين قدِّس سرُّه في الباب
الرابع عشر من ((الفتوحات)) من قوله: اعلم أنَّ المَلَكَ يأتي النبيَّ عليه الصلاة
والسلام بالوحي على حالين: تارةً ينزل بالوحي على قلبه، وتارةً يأتيه في صورةٍ
جسديةٍ من خارجٍ، فيُلْقي ما جاء به إلى ذلك النبيِّ على أذنه فيَسمعُه، أو يلقيه على
بصره فيُبْصِرُه، فيحصلُ له من النظر ما يحصل من السمع سواء(٤).
وتعقِّب بأنه لا حاجةً إلى ما ذكر، وما نُقل عن محيي الدين قدِّسَ سرُّه لا يدلُّ
(١) الإتقان ١/ ١٤٣. ومن طريق الإمام أحمد أخرجه البيهقي في الدلائل ١٣٢/٢، وابن
عبد البر في الاستيعاب ٧١/١. وجاء في جميع هذه المصادر: عشرين سنة، بدل: عشر
سنين. وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات ١/ ١٩١. وصحح إسناده إلى الشعبي ابن كثير
في البداية والنهاية ١٠/٤، والخبر بنحوه في العلل ومعرفة الرجال لأحمد ٣٣٧/٢.
(٢) ينظر حديث عائشة عند البخاري (٦٩٨٢). وذكر ابن سعد ١٩١/١ أنه ذكر خبر الشعبي
للواقدي فقال: ليس يَعْرِفُ أهل العلم ببلدنا أن إسرافيل قُرن بالنبي بَّ، وإن علماءهم وأهل
السيرة منهم يقولون: لم يُقرن به غيرُ جبريلَ من حين أُنزل عليه الوحي إلى أن قبض.
(٣) ينظر ما سلف ٦/٨.
(٤) الفتوحات المكية ١٥٠/١.

سُورَةٌ الشعراء
٢٧٦
الآية : ١٩٤
على أنَّ نزول الوحي إلى كلِّ نبيٍّ يكون على هذين الحالين، فيجوزُ أن يكون نزولُ
الوحي إلى نبيِّنَا بَّهِ على الحال الأولى فقط.
سلَّمنا دلالته على العموم، وأنَّ نزول الوحي إلى نبيِّنا عليه الصلاة والسلام قد
يكون بتمثُّلِ الملك بناءً على بعض الأخبار الصحيحة في ذلك(١)، لكنْ لا نسلِّم أنه
يدلُّ على أنَّ نزول الوحي إذا كان الموحَى قرآناً يكون على الحال الثانية.
سلَّمنا دلالته على ذلك، لكنْ لا نسلِّم صحةَ جَعْلِهِ مبنّى لتأويلِ الآية، وكيف
يؤوَّلُ كلام الله تعالى لكلام منافٍ لظاهره صَدَر من غير معصومٍ، ويكفي محيي
الدِّين قدِّس سرُّه من علماءَ الشريعة أن يؤوِّلوا كلامه ليوافقَ كلامَ الله عزَّ وجلَّ،
فِيَسْلَمَ من الطعن.
ولعل مَن يؤوِّلُ في مثل ذلك يُحْسِنُ الظنَّ بمحيي الدِّين قدِّس سرُّه، ويقول: إنه
لم يقل ذلك إلا لدليلٍ شرعيٍّ، فقد قال قدِّس سرُّه في الكلام على الإذن(٢) من
((الفتوحات)): اعلم أنِّي لم أقرِّر بحمد الله تعالى في كتابي هذا ولا غيرِه قظُّ أمراً
غيرَ مشروعٍ، وما خرجتُ عن الكتاب والسنَّة في شيءٍ من تصانيفي (٣) .
وقال في الباب السادس والستين وثلاثٍ مئة من الكتاب المذكور: جمیعُ
ما أتكلّم به في مجالسي وتأليفي إنما هو من حضرة القرآن العظيم، فإِنِّي أُعطيتُ
مفاتيحَ العلم فيه، فلا أستمدُّ قُ في علم من العلوم إلَّا منه، كلُّ ذلك حتى لا أخرج
من مجالسة الحقِّ تعالى في مناجاته بكلامه أو بما تضمَّنه كلامُه سبحانه (٤). إلى غير
ذلك، فالداعي للتأويل في الحقيقة ذلك الدليلُ، لا نفسُ كلامه قدِّس سرُّه العزيز،
وهو اللائقُ بالمسلمين الكاملين.
(١) منها ما أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٢٣٣٣) من حديث عائشة غنيًا، وفيه:
(( ... وأحياناً يتمثل لي المَلَكُ رجلاً، فيكلمني فأعي ما يقول)). وينظر ما سلف ٤٩/٨،
و ١٤ / ١٢٤-١٢٥.
(٢) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: الأذان، لأنَّ كلامه ورد بنحوه في فصول الأذان
والإقامة من الفتوحات.
(٣) بنحوه في الفتوحات ٤٠٤/١ .
(٤) بنحوه في الفتوحات ٣٣٤/٣.

الآية : ١٩٥
٢٧٧
سُؤَدَةُ الشّعراء
وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنَّذِرِينَ ﴿٢﴾ متعلِّقٌ بـ ((نَزَل))، أي: نزل به لتنذرهم
بما في تضاعيفه من العقوبات الهائلة. وإيثارُ ما في النظم الكريم للدلالة على
انتظامه وَ﴿ في سِلْكِ أولئك المنذِرين المشهورين في حقِّية الرسالة وتقرُّرِ العذاب
المنذَرِ به.
· متعلّقٌ بـ ((نزل)) عند جمعٍ من
١٩٥
وكذا قوله سبحانه: ﴿يلِسَانٍ عَرٍ مُبِينٍ
الأجلَّة، ويكون حينئذٍ - على ما قال الشهاب - بدلاً من ((به)) بإعادة العاملُ(١).
وتقديم (لتكون)) إلخ للاعتناء بأمر الإنذار، ولئلا يُتوهّم أنَّ كونه عليه الصلاة
والسلام من جملة المنذرين المذكورين متوقِّفٌ على كون الإنزال بلسان عربيٍّ مبين.
واستُحْسِنَ كونُ الباء للملابسة، والجارِّ والمجرور في موضع الحال من ضمير
(به))، أي: نزل به ملتبساً بلغةٍ عربيةٍ واضحةٍ المعنى ظاهرةِ المدلول؛ لئلا يبقى لهم
عذرٌ. وقيل: بلغةٍ مبِيِّئَةٍ لهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم على أنَّ ((مبين))
من أبان المتعدِّي، والأولُ أظهر.
وجوِّز أنْ يعلَّق الجارُّ والمجرور بـ ((المنذرين))، أي: لتكون من الذين أَنذروا
بلغة العرب، وهم هودٌ وصالحٌ وإسماعيلُ وشعيبٌ ومحمدٌ إِلّ، وزاد بعضهم:
خالد بن سنان(٢)، وصفوان بن حنظلة(٣) عليهما السلام.
وتعقِّب(٤) بأنه يؤدِّي إلى أنَّ غاية الإنذار كونُه عليه السلام من جملة المنذرين
باللغة العربية فقط، من هودٍ وصالحٍ وشعيبٍ عليهم السلام، ولا يَخْفَى فساده،
كيف لا والطامَّةُ الكبرى في باب الإنذار ما أنذره نوح وموسى عليهما السلام،
وأشدُّ الزَّواجر تأثيراً في قلوب المشركين ما أنذره إبراهيم عليه السلام؛ لانتمائهم
إليه وادِّعائهم أنهم على ملَّته عليه السلام.
(١) حاشية الشهاب ٢٧/٧ .
(٢) سلفت قصته ١٢٧/٧ -١٢٨.
(٣) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٢٧/٧، والصواب: حنظلة بن صفوان
كما سلف ٣٤٨/١٧، وكذا في التعريف والإعلام للسهيلي ص١١٢، وتاريخ ابن عساكر
١٢/١، والإكمال ٥٧/٧، وتفسير البغوي ٢٩١/٣ و٣٦٩، والمحرر الوجيز ١٥٨/٥،
وزاد المسير ٦/ ٩٠، وتفسير القرطبي ١٨١/١٤، واللسان (عنق).
(٤) المتعقّب هو أبو السعود في تفسيره ٦/ ٢٦٤.

سُورَةُ الشعراء
٢٧٨
الآية : ١٩٦
وذكر بعضُهم أنَّ المراد على هذا الوجه: إنك أنذرتهم كما أُنذر آباؤهم
الأوَّلون، وإنك لستَ بمبتدع بهذا، فكيف كذَّبوك.
والحقُّ أنَّ الوجه المذكور دون الوجهِ السابق، وأمَّا أنه فاسدٌ معنًى كما يقتضيه
كلام المتعقّب فلا.
﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الْأَوَِّينَ (٣)﴾ أي: وإنَّ ذِكْرَ القرآن لفي الكتب المتقدِّمة، على أنَّ
الضمير للقرآن والكلامَ على حذفِ مضافٍ، وهذا كما يقال إنَّ فلاناً في دفتر
الأمیر.
وقيل: المراد: وإنَّ معناه لفي الكتب المتقدِّمة، وهو باعتبارِ الأغلب، فإنَّ
التوحيد وسائرَ ما يتعلَّقُ بالذات والصفات وكثيراً من المواعظ والقصص مسطورٌ في
الكتب السابقة، فلا يضرُّ أنَّ منه ما ليس في ذلك بحسب الظنِّ الغالب، كقصة
الإفك، وما كان في نكاح امرأةٍ زيد، وما تضمَّنه صدرُ سورة التحريم، وغيرِ ذلك.
واشتهر عن الإمام أبي حنيفة ظله أنه جوَّز قراءة القرآن بالفارسية والتركية
والهندية، وغير ذلك من اللغات مطلقاً، استدلالاً بهذه الآية. وفي روايةٍ: تخصيصُ
الجواز بالفارسية لأنها أشرفُ اللغات بعد العربية؛ لخبر: لسانُ أهلِ الجنة العربيُّ
والفارسيُّ الدِّي(١).
وفي روايةٍ أخرى: أنها إنما تجوزُ بالفارسية إذا كان ثناءً كسورة الإخلاص، أمَّا
إذا كان غيره فلا تجوز.
وفي أخرى: أنها إنما تجوز بالفارسية في الصلاة إذا كان المصلِّي عاجزاً عن
العربية وكان المقروءُ ذكراً وتنزيهاً، أمَّا القراءة بها في غير الصلاة، أو في الصلاة
وكان القارئُ يُحْسِنُ العربية، أو في الصلاة وكان القارئُ عاجزاً عن العربية لكنْ
كان المقروء من القصص والأوامر والنواهي، فإنها لا تجوز. وذُكر أنَّ هذا قولُ
صاحبیه، وکان څه قد ذهب إلى خلافه ثم رجع عنه إليه، وقد صحَّح رجوعه عن
القول بجواز القراءة بغير العربية مطلقاً جمعٌ من الثقات المحقّقين(٢).
(١) حديث موضوع كما سلف ١٢/ ١٨٣ والدرِّي: الفصيح. ينظر حاشية ابن عابدين ٤٨٣/١.
(٢) سلف الكلام في هذه المسألة ١٢/ ١٨١ - ١٨٣.

الآية : ١٩٧
٢٧٩
سُورَةُ الشّعر
وللعلَّامة حسن الشُّرنبلالي رسالةٌ في تحقيق هذه المسألة سماها: ((النفحةُ
القُدْسيةُ في أحكام قراءة القرآنِ وكتابتهِ بالفارسية)»(١) فَمَنْ أراد التحقيق فليرجع
إليها. وكأنَّ رجوعَ الإمام عليه الرحمةُ عمَّا اشتهر عنه لضَعْفِ الاستدلال بهذه الآية
عليه، كما لا يخفى على المتأمِّل.
وفي ((الكشف)): أنَّ القرآن كان هو المُنْزَلُ للإعجاز، إلى آخر ما يُذْكَر في
معناه، فلا شكَّ أنَّ الترجمة ليست بقرآنٍ وإنْ كان هو المعنى القائمَ بصاحبه،
فلا شكَّ أنه غيرُ ممكنِ القراءة.
فإن قيل: هو المعنى المعبَّرُ عنه بأيّ لغةٍ كان.
قلنا: لا شكَّ في اختلاف الأسامي باختلاف اللغات، وكما لا يسمَّى القرآن
بالتوراة لا يسمَّى التوراةُ بالقرآن، فالأسماءُ لخصوص العبارات فيها مدخلٌ لا أنها
لمجرَّدِ المعنى المشترك. اهـ.
وفيه بحث، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًا﴾ [فصلت: ٤٤] يستلزمُ
تسميته قرآناً أيضاً لو كان أعجميّاً، فليس لخصوص العبارة العربية مدخلٌ في
تسميته قرآناً، والحقُّ أنَّ ((قرآناً)) المنكَّرَ لم يُعْهَدْ فيه نقلٌ عن المعنى اللغويِّ،
فيتناولُ كلَّ مقروء، أمَّا القرآنُ باللام فالمفهومُ منه العربيُّ في عُرْفِ الشَّرْعِ،
فلخصوص العبارة مدخلٌ في التسمية نظراً إليه، وقد جاء كذلك في الآية الدالَّة
على وجوب القراءة، أعني قوله سبحانه: ﴿فَأَقْرَءُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]
وبذلك تمَّ المقصود. وجَعْلُ ((مِن)) فيه للتبعيض، وإرادةُ المعنى من هذا البعض،
لا یخفی ما فيه.
وقيل: ضمير ((إنه)) عائدٌ على رسول الله وَلقول، وليس بواضح.
وقرأ الأعمش: ((زُثْرِ) بسكون الباء (٢).
﴿أَوَلَزْ يَكُنْ لَّهُمْ عَةٌ﴾ الهمزةُ للتقريرٍ، أو للإنكار والنفي، والواوُ للعطف على
مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ، كأنه قيل: أَغَفَلوا عن ذلك ولم يكن لهم آيةً دالَّةً على أنه تنزيلُ
(١) سلف بعضٌ من كلام الشرنبلالي في هذه الرسالة ١٢/ ١٨٢ .
(٢) البحر ٧ /٤١ .

سُؤَدَةُ الشّعراء
٢٨٠
الآية : ١٩٧
ربِّ العالمين وأنه في (١) زُبُر الأوَّلين، على أنَّ ((لهم)) متعلِّقٌ بالكون قدِّم على اسمه
وخبرِه للاهتمام، أو بمحذوفٍ هو حالٌ من («آيَةً)) قدِّمت عليها لكونها نكرةً و («آيَةً»
خبرٌ للكون قدِّم على اسمه الذي هو قولُه تعالى: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَُّواْ بَنِىّ إِسْرَةَيلَ
١١٩٧
لِمَا مرَّ مراراً من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤشّر.
والعلمُ بمعنى المعرفة، والضميرُ للقرآن، أي: أَلَمْ يكن لهم آيةً معرفةُ علماء
بني إسرائيل القرآنَ بنعوته المذكورة في كتبهم. وعن قتادة: أنَّ الضمير للنبيِّ ◌َّه.
وقيل: العلم على معناه المشهورِ، والضميرُ للحُكْمِ السابق في قوله تعالى:
﴿وَإِنَُّ لَنَغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ آلْأَمِينُ * عَلَى قَلِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٤] إلخ،
وفيه بُعْدٌ كما لا يخفى.
وذكر الثعلبيُّ(٢) عن ابن عباس أنَّ أهل مكةَ بعثوا إلى أحبار يثربَ يسألونهم عن
النبيِّ، فقالوا: هذا زمانهُ، وذكروا نعتَه وخلَّطوا في أمر محمدٍ وََّ، فنزلت الآيةُ في
ذلك. وهو ظاهرٌ في أنَّ الضمير له عليه الصلاة والسلام، ويؤيِّده كونُ الآية مكيةً.
وقال مقاتل: هي مدنيّة. وعلماءُ بني إسرائيل عبدُ الله بنُ سلام ونحوه، كما روي
عن ابن عباس ومجاهد. وذلك أنَّ جماعةً منهم أسلموا ونصُّوا على مواضعَ من
التوراة والإنجيل فيها ذكر الرسول وقتلته .
وقيل: علماؤهم مَن أسلم منهم ومَن لم يُسْلِمْ.
وقيل: أنبياؤهم، فإنهم نبَّهوا على ذلك، وهو خلافُ الظاهر.
ولعل أظهرَ الأقوال كونُ المراد به معاصريه وَلّ من علماء أهل الكتابين
المسلمين وغيرهم .
وقرأ ابن عامر والجحدريُّ: (تَكُنْ)) بالتأنيث، و((آيَةٌ)) بالرفع(٣)، وجُعِلَتْ اسمَ
(تكن)) و((أَنْ يعلمه)) خبرها. وضعِّف بأنَّ فيه الإخبارَ عن النكرة بالمعرفة، ولا يدفعُه
كونُ النكرة ذات حالٍ بناءً على أحد الاحتمالين في ((لهم)).
(١) في الأصل و(م): لفي، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٦٤/٦، والكلام منه.
(٢) كما في البحر ٤١/٧، وعنه نقل المصنف.
(٣) التيسير ص١٦٦، والنشر ٣٣٦/٢ عن ابن عامر. وذكرها عنهما أبو حيان في البحر ٧/ ٤١.