Indexed OCR Text

Pages 221-240

الآية : ٨٥
٢٢١
سُورَةُ الشّعراء
ممَّا ذُكر، أعني قولَه: ﴿وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩] إلخ،
ولذا قال ◌َلي: ((أنا دعوة أبي إبراهيم عليه السلام))(١).
وقيل: إذا أريدَ ذلك فلا بدَّ من تقدير مضافٍ في كلامه عليه السلام، أي:
اجْعَلْ لي صاحبَ لسانِ صدقٍ في الآخِرِين، أو جَعْلِ اللسان مجازاً عن الدَّاعي
بإطلاق الجزء على الكلِّ؛ لأنَّ الدعوة باللسان، فكأنه قال: اجْعَلْ لي داعياً إلى
الحقِّ صادقاً في الآخرين. ولا يخفى أنَّ فيما ذكرناه غنّى عن ذلك كلِّه.
وفي تعليقات شيخ مشايخنا العلّامةِ صبغةِ الله الحيدريِّ - طاب ثراه - على
تفسير البيضاويِّ في هذه الآية كلامٌ ناشئٌ من قلَّة إمعانٍ النظر فلا تغترَّ به.
واستدلَّ الإمامُ مالكٌ بهذه الآية على أنه لا بأس أن يحبَّ الرجلُ أن يُثنى عليه
صالحاً. وفائدةُ ذلك بعد الموت - على ما قال بعضُ الأجلَّة - انصرافُ الهمم إلى
ما به يحصُلُ له عند الله تعالى زُلْفَى، وأنه قد يصير سبباً لاكتساب المُثْني أو غيرِهِ
نحوَ ما أَثْنَى به، فيئابُ فيشاركُه فيه المُثْنَى عليه، كما هو مقتضَى: ((مَن سَنَّ سُنَّةً
حسنةً فَلَهُ أَجْرُها وأَجْرُ مَن عَمِلَ بها إلى يومِ القيامة))(٢). ولا يخفَى عليك أنَّ الأمور
بمقاصدها .
﴿وَأَجْعَلْنِى﴾ في الآخرة ﴿مِن وَرَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾﴾ قد مرَّ معنى وراثة الجنة(٣)
قتذكَّر. واستُدِلَّ بدعائه عليه السلام بهذا بعد ما تقدَّم من الأدعية على أنَّ العمل
الصالح لا يوجبُ دخولَ الجنة، وكذا كونُ العبدِ ذا منزلةٍ عند الله عزَّ وجلّ، وإلَّا
لاستَغْنَى عليه السلام بطلب الكمال في العلم والعمل وكذا بطلب الإلحاق
(١) في (م): أنا دعوة إبراهيم عليه السلام. والحديث أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن
هشام ١٦٦/١، وابن سعد ١/ ١٥٠، والحاكم ٦٠٠/٢ من طريق خالد بن معدان عن
النبي 9َّ. قال الحاكم: خالد بن معدان من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل فمن بعده
من الصحابة، فإذا أسند حديثاً إلى الصحابة فإنه صحيح الإسناد وإن لم يخرجاه. وله شاهد
من حديث العرباض بن سارية ظه، عند أحمد (١٧١٥٠) وآخر من حديث أبي أمامة عند
أحمد أيضاً (٢٢٢٦١).
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٩١٧٤)، ومسلم (١٠١٧) عن جرير بن عبد الله
(٣) عند تفسير الآيتين (١٠- ١١) من سورة المؤمنون.

سُوَةُ الشّعراء
٢٢٢
الآية : ٨٦
بالصالحين ذوي الزُّلْفَى عنده تعالى عن طلب ذلك. وأنت تعلم أنه تَحسُنُ الإطالةُ
في مقام الابتهال، ولا يُسْتَغْنى بملزومٍ عن لازم في المقال، فالأَوْلَى الاستدلالُ
على ذلك بغيرِ ما ذُكِر، وهو كثيرٌ مشتهر.
هذا وفي بعض الآثار ما يدلُّ على مزيدٍ فَضْلِ هذه الأدعية، أخرج ابن
أبي الدنيا في ((الذكر)) وابنُ مردويه من طريق الحسن عن سَمُرةَ بنِ جندب قال: قال
رسول الله وَّل: ((إذا توضَّأ العبدُ لصلاةٍ مكتوبةٍ فأسْبِغَ الوضوءَ، ثم خرج من باب
داره يريدُ المسجد، فقال حين يخرج: بسم الله الذي خلقني فهو يهدین، هداه الله
تعالى للصواب - ولفظُ ابن مردويه: لصواب الأعمال - والذي هو يُطْعِمُني ويَسْقين،
أطعمه الله تعالى من طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة، وإذا مرضتُ فهو
يشفين، شفاه الله تعالى وجَعَلَ مرضه كفارةً لذنوبه، والذي يُميتني ثم يحيين،
أحياه الله تعالى حياةَ السعداء وأماته ميتةَ الشهداء، والذي أطمع أن يغفر لي
خطيئتي يومَ الدِّين، غفر الله تعالى له خطاياه كلَّها ولو كانت مِثْلَ زَبَدِ البحر، ربِّ
هَبْ لي حُكماً وألْحِقْني بالصالحين، وَهَبَ الله تعالى له حكماً وألْحقَه بصالحٍ مَن
مَضَى وصالحٍ مَن بقيَ، واجْعَلْ لي لسانَ صِدْقٍ في الآخرين، كُتب في ورقةٍ بيضاءَ
أنَّ فلانَ بنَ فَلاٍ من الصادقين، ثم يوفِّقُه الله تعالى بعد ذلك للصِّدق، واجْعَلْني من
ورثة جنة النعيم، جَعَلَ الله تعالى له القصور والمنازلَ في الجنة)) وكان الحسن
يزيد فيه: واغفر لوالديَّ كما ربَّياني صغيراً (١). وكأنه أخذ من قوله: ﴿وَأَغْفِرْ لِأَبِّ﴾
قال ابن عباس كما أخرج عنه ابن أبي حاتم: أي: امنُنْ عليه بتوبةٍ يستحقُّ بها
مغفرتك(٢). وحاصلُه: وفّقْه للإيمان، كما يَلُوحُ به تعليلُه بقوله: ﴿إِنَُّ كَانَ مِنَ
الضَّالِينَ
وهذا ظاهرٌ إذا كان هذا الدعاء قبل موته، وإن كان بعد الموت فالدعاءُ
بالمغفرة على ظاهره، وجاز الدعاءُ بها لمشركٍ - والله تعالى لا يغفر أن يُشْرَكَ
به - لأنه لم يُؤْحَ إليه عليه السلام بذلك إذ ذاك، والعقلُ لا يحكم بالامتناع.
(١) الدر المنثور ٨٦/٥، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٤٦٨/٢-٤٦٩. قال الذهبي في
الميزان ٣٥٠/١: وهو موضوع.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٨٢.

الآية : ٨٧ - ٨٨
٢٢٣
سُورَةُ الشِّعرّة
وفي ((شرح مسلم)) للنووي(١) أنَّ كونه عزَّ وجلَّ لا يغفرُ الشركَ مخصوصٌ بهذه
الأمة، وكان قبلهم قد يُغفر، وفيه بحثٌ.
وقيل: لأنه كان يُخفي الإيمانَ تَقيَّةً من نمروذ، ولذلك وَعَده بالاستغفار، فلمَّا
تبيَّن عداوتَه للإيمان في الدنيا بالوَحْي، أو في الآخرة، تبرَّأ منه.
وقوله على هذا: (من الضالين)) بناءً على ما ظهر لغيره من حاله، أو معناه: من
الضالِّين في كتم إيمانه وعَدَم اعترافه بلسانه تقيةً من نمروذ، والكلامُ في هذا المقام
طويلٌ، وقد تقدَّم شيءٌ منه فتَذگَّرْ.
﴿وَلَا تُخْرِ﴾ بتعذيبٍ أبي، أو ببَعْئِه في عداد الضالِين بعدم توفيقه للإيمان، أو
بمعاتبتي على ما فرَّظْتُ، أو بنَقْصٍ رتبتي عن بعض الورَّاث، أو بتعذيبي، وحيث
كانت العاقبةُ مجهولةً وتعذيبُ مَن لا ذنبَ له جائزٌ عقلاً صحَّ هذا الطلبُ منه عليه
السلام. وقيل: يجوزُ أن يكون ذلك تعليماً لغيره. وهو من الخزي بمعنى الهوان،
أو من الخَزاية بفتح الخاء بمعنى الحياء.
﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾﴾ أي: الناسُ كافةً، والإضمارُ وإن لم يسبق ذكرهم لِمَا في
عموم البعث من الشهرة الفاشِيّةِ المغنية عنه. وقيل: الضمير للضالِّين، والكلامُ من
تتمَّةِ الدعاء لأبيه، كأنه قال: لا تُخْزِني يومَ يُبعَثُ الضالُّون وأبي فيهم، ولا يَخْفَى
أنه يجوزُ على الأول أن يكون من تتمَّةِ الدعاء لأبيه أيضاً، واستُظْهِرَ ذلك لأنَّ
الفَصْلَ بالدعاء لأبيه بين الدعوات لنفسه خلافُ الظاهر، وعلى ما ذُكِرَ يكون قد دعا
لأشدِّ الناس التصاقاً به بعد أن فرغ من الدعاء لنفسه.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌّ وَلَا بَنُونَ ﴾﴾﴾ بدلٌ من (يَوْمَ يُبْعَثُونَ) جيءَ به تأكيداً لتهويل ذلك
اليوم، وتمهيداً لِمَا يعقبُه من الاستثناء، وهو إلى قوله تعالى: (إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ) إلخ
من كلام إبراهيم عليه السلام.
وابنُ عطية بعد أن أَعْرَبَ الَّرفَ بدلاً من الظرف الأول قال: إنَّ هذه الآياتِ
عندي منقطعةٌ عن كلام إبراهيم عليه السلام، وهي إخبارٌ من الله عزَّ وجلَّ تتعلَّقُ
(١) جاء في هامش الأصل و(م): نقله الشهاب. اهـ منه. والكلام في حاشية الشهاب ١٩/٧،
وشرح صحيح مسلم ٧٢/٧ .

سُوَّةُ السَّعَرَائِ
٢٢٤
الآية : ٨٩
بصفة ذلك اليوم الذي طلب إبراهيمُ أنْ لا يُخْزِيَه الله تعالى فيه(١). ولا يَخْفَى عدمُ
صحة ذلك مع البَدَلية.
والمرادُ بالبنون معناه المتبادرُ. وقيل: المرادُ بهم جميعُ الأعوان. وقيل:
المعنى: يوم لا ينفعُ شيءٌ من محاسن الدنيا وزينتها، واقْتَصَر على ذكر المال
والبنين لأنهما معظمُ المحاسن والزينة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ يِقَلْبٍ سَلِيمٍ !
، استثناءٌ من أعمِّ المفاعيل،
٨٩
و(مَن)) في (٢) محلِّ نصبٍ، أي: ((يومَ لا ينفعُ مالٌ)) وإن كان مصروفاً في الدنيا إلى
وجوه البرِّ والخيرات ((ولا بنونَ)) وإن كانوا صُلَحاءَ مستأهلين للشفاعة أحداً إلَّا مَن
أتى الله بقلبٍ سليمٍ عن مرضٍٍ الكفر والنفاق، ضرورةَ اشتراطِ نَفْعِ كلِّ
منهما بالإيمان. وفي هذا تأييدٌ لكون استغفارِه عليه السلام لأبيه طلباً لهدايتَه إلى
الإيمان؛ لاستحالةِ طلب مغفرته بعد موته كافراً مع عِلْمِه عليه السلام بعَدَمِ نَفْعِه لأنه
من باب الشفاعة.
وقيل: هو استثناءٌ من فاعل ((ينفع))، و((مَن)) في محلٌّ رفع بدلٍ منه، والكلامُ
على تقدير مضافٍ إلى ((مَن))، أي: لا ينفع مال ولا بنونَ إلا مالُ وبنو مَن أتى الله
بقلبٍ سليم، حيث أنفق ماله في سبيل البرِّ، وأَرْشَدَ بَنِيْه إلى الحقِّ، وحثَّهم على
الخير، وقَصَدَ بهم أن يكونوا عباداً لله تعالى مطيعين شُفَعاءَ له يوم القيامة.
وقيل: هو استثناءٌ مما دلَّ عليه المالُ والبنون دلالةَ الخاصِّ على العامِّ، أعني
مطلقَ الغِنَى، والكلامُ بتقدير مضافٍ أيضاً، كأنه قيل: يوم لا ينفع غنّى إلَّ غِنَى مَن
أتى الله بقلبٍ سليم، وغِناه سلامةُ قلبه، وهو من الغنى الدينيِّ، وقد أشير إليه في
بعض الأخبار؛ أخرج أحمد والترمذيُّ وابنُ ماجه عن ثوبان قال: لمَّا نزلت:
﴿وَاُلَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾ الآية [التوبة: ٣٤] قال بعض أصحاب
رسول الله صَ﴾: لو علمنا أيّ المال خيرٌ اتَّخذناه. فقال رسول الله وَّةِ: ((أَفْضَلُه
لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وزوجةٌ صالحةٌ تُعِينُ المؤمنَ على إيمانه)»(٣).
(١) المحرر الوجيز ٢٣٦/٤.
(٢) قوله: في، ليس في (م).
(٣) مسند أحمد (٢٢٣٩٢)، وسنن الترمذي (٣٠٩٤)، وسنن ابن ماجه (١٨٥٦)، من طريق

الآية : ٨٩
٢٢٥
سُورَةُ الشّعراء
وقيل: هو استثناءٌ منقطعٌ من ((مال))، والكلامُ أيضاً على تقدير مضافٍ، أي:
لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا حال مَن أتى الله بقلبٍ سليم، والمرادُ بحاله: سلامةُ قلبه،
قال الزمخشريُّ: ولا بدَّ من تقدير المضاف، ولو لم يقدَّر لم يَحْصُلْ للاستثناء
معنّی(١).
ومنع ذلك أبو حيان بأنه لو قدِّر مثلاً: لكنْ مَن أتى الله بقلبٍ سليم يَسْلَم أو
ينتفع، يستقيم المعنى (٢).
وأجاب عنه في ((الكشف)) بأنَّ المراد أنه على طريق الاستثناء من ((مال))
لا يتحصَّلُ المعنى بدون تقدير المضاف، وما ذَكَرِه المانعُ استدراٌ من مجموع
الجملة إلى جملةٍ أخرى، وليس من المبحث في شيء، ولمَّا لم يكن هذا مناسباً
للمقام جَعَلَه الزمخشريُّ مفروغاً عنه، فلَمْ يُلَم علیه بوجهٍ.
وقد جوّز اتصال الاستثناء بتقدير الحال، على جَعْلِ الكلام من باب:
تحيةُ بينِهم ضربٌ وَجيع(٣)
ومثالهُ أن يقال: هل لزيدٍ مالٌ وبنونَ؟ فتقول: مالهُ وبنوه سلامةُ قلبه، تريد نفيَ
المال والبنين عنه، وإثباتَ سلامةِ القلب بدلاً عن ذلك.
هذا وكونُ المراد من القلب السليم: القلبَ السليمَ عن مرض الكفر والنفاق،
هو المأثورُ عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ وقتادةً وابن سيرين وغيرهم.
وقال الإمام: هو الخالي عن العقائد الفاسدة، والميلٍ إلى شهوات
الدنيا ولذَّاتها، ويَتْبعُ ذلك الأعمال الصالحات، إذ من علامة سلامة القلب تأثيرُها
في الجوارح(٤).
سالم بن أبي الجعد عن ثوبان به. قال الترمذي: هذا حديث حسن. سألت محمد بن
=
إسماعيل: سالم بن أبي الجعد سمع من ثوبان؟ قال: لا .
(١) الكشاف ١١٨/٣.
(٢) البحر ٢٦/٧، وحاشية الشهاب ٧/ ٢٠.
(٣) الكشاف ١١٨/٣. وصدر البيت: وخيلٍ قد دلفتُ لها بخَيْلٍ، وقائله عمرو بن معدي كرب،
وسلف ٤ / ٩٢.
(٤) تفسير الرازي ٢٤/ ١٥١.

سُورَةُ السَّعراء
٢٢٦
الآية : ٩٠ - ٩١
وقال سفيان: هو الذي ليس فيه غيرُ الله عزَّ وجلَّ.
وقال الجنيد قدِّس سرُّه: هو اللَّديغُ من خشية الله تعالى، القلقُ المنزعجُ من
مخافة القطيعة. وشاع إطلاقُ السليم في لسان العرب على اللَّديغ.
وقيل: هو الذي سَلِمَ من الشرك والمعاصي، وسلَّم نفسه لحُكْمِ الله تعالى،
وسالَمَ أولياءه وحارَبَ أعداءه، وأَسْلَم حيث نَظَر فعرف، واستسلم وانقاد لله تعالى
وأذعن لعبادته سبحانه .
والأنسبُ بالمقام المعنى المأثور، وما ذُكر من تأويلات الصوفية. وقال في
((الكشاف)) فيما نُقِلَ عن الجنيد قدِّس سرُّه وما بعده: إنه من بِدَع التفاسير (١).
وصدَّقه أبو حيان بذلك في شأن الأول(٢).
﴿وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ
، عطفٌ على ((لا ينفع))، وصيغةُ الماضي فيه
٩٠
وفيما بعده من الجمل المنتظِمةِ معه في سلك العطف للدلالة على تحقّقِ الوقوع
وتقرُّرِه، كما أنَّ صيغة المضارع في المعطوف عليه للدلالة على الاستمرار، وهو
متوجِّهٌ إلى النفع، فيدلُّ الكلام على استمرار انتفاءِ النفع واستمراره(٣) حَسْبَما يقتضيه
مقامُ التهويل، أي: قرِّتِ الجنةُ للمتقين عن الكفر - وقيل: عنه وعن سائر
المعاصي - بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن،
فيبتهجون بأنهم المحشورون (٤) إليها .
الضالِّين عن طريق الحقِّ وهو التقوى والإيمان،
٩١
﴿وَبُرْزَتِ الْجَحِمُ لِلْغَاوِينَ (
أي: جُعلت بارزةً لهم بحيث يرونها مع ما فيها من أنواع الأحوال الهائلةِ،
ويتحَسَّرون على أنهم المسوقون إليها .
وفي اختلافِ الفعلين على ما ذكره بعض المحقّقين ترجيحٌ لجانب الوعد؛ لأنَّ
التعبير بالإزلاف - وهو غايةٌ التقريب - يشيرُ(٥) إلى قرب الدخول وتحقُّقِه، ولذا قدِّم
(١) الكشاف ١١٨/٣.
(٢) البحر ٧/ ٢٧ .
(٣) في تفسير أبي السعود ٢٥١/٦ (والكلام منه): ودوامه، بدل: واستمراره.
(٤) في الأصل و(م): المحشرون، والمثبت من تفسير أبي السعود.
(٥) في الأصل: يشعر، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٧/ ٢٠، والكلام منه.

الآية : ٩١
٢٢٧
سُؤَدَةُ الشّعراء
السَبْقِ رحمته تعالى، بخلافِ الإبراز وهو الإراءةُ ولو مِن بُعْدٍ، فإنه مُطْمِعٌ في
النجاة، كما قيل: من العمود إلى العمود فَرَجٌ.
وقال ابن كمال: في اختلاف الفعلين دلالةٌ على أنَّ أرض الحشر قريبةٌ من
الجحيم، وحاصلهُ أنَّ الجنة بعيدةٌ من أرض المحشر بُعداً مكانيًّا، والنار قريبةٌ منها
قرباً مكانياً، فلذا أسند الإزلاف - أي: التقريب - إلى الجنة دون الجحيم.
قيل: ولعله مبنيٌّ على أنَّ الجنة في السماء، وأنَّ النار تحت الأرض، وأنَّ
تبديل الأرض يومَ القيامة بمدِّها وإذهابٍ كُرَيَّتها؛ إذ حينئذٍ يظهر أمرُ البُعْدِ
والقُرْب.
لكن لا يخفى أنَّ كون الجنة في السماء مما يعتقده أهل السُّنة، وليس في ذلك
خلافٌ بينهم يعتدُّ به، وأمَّا كونُ النار تحت الأرض ففيه توقُّفٌ؛ قال الجلال
السيوطيُّ في ((إتمام الدراية)): نعتقد أنَّ الجنة في السماء، ونقفُ عن النار ونقول:
محلُّها حيث لا يعلمه إلَّ اللهُ تعالى، فلم يثبت عندي حديثٌ أعتمدُه في ذلك،
وقيل: تحت الأرض(١). انتهى.
وكونُ تبديل الأرض بمدِّها وإذهابٍ كريَّتها قولٌ لبعضهم، واختار الإمام
القرطبيُّ - بعد أن نقل في ((التَّذْكِرة)) أحاديثَ كثيرةً - أنَّ تبديلَ الأرض بمعنى أنَّ الله
سبحانه يخلقُ أرضاً أخرى بيضاءَ من فضةٍ لم يُسْفَكْ عليها دمٌ حرامٌ، ولا جرى فيها
ظلمٌ قطٌ(٢).
والأولى أن يقال في بُعْدِ الجنة وقُرْبِ النار من أرض المحشر: إنَّ الوصول إلى
الجنة بالعبور على الصراط، وهو منصوبٌ على متن جهنم كما نطقتْ به
الأخبارُ(٣)، فالوصولُ إلى جهنم أولاً وإلى الجنة آخِراً بواسطة العبور، وهو ظاهرٌ
في القُرْبِ والبعد.
ثم إنَّ ظاهر الآية يقتضي أنَّ الجنة تُنقَلُ عن مكانها اليوم يومَ القيامة، إذ
(١) إتمام الدراية لقراء النقاية ص ١٥ .
(٢) التذكرة ص ١٩١ و١٩٢ و٢٠٣.
(٣) ينظر حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٥٧٣) باب: الصراط جسر جهنم، ومسلم (١٨٢).

سُؤَةُ الشّعراء
٢٢٨
الآية : ٩١
التقريبُ يستدعي النقلَ، وليس في الأحاديث على ما نعلم ما يدلُّ على ذلك، نعم
جاء فيها ما يدلُّ على نقل النار.
ففي ((التذكرة)): أخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول وَله:
(يؤتَى بجهثَّم يومئذٍ لها سبعون ألفَ زمامٍ مع كلِّ زمام سبعون ألف مَلَكٍ))(١)،
والظاهرُ أنَّ معنى ((يؤتى بها)»: يجاء بها من المحلِّ الذي خلقها الله تعالى فيه، وقد
صرَّح بذلك في ((التذكرة))(٢).
وقال أبو بكر الرازيُّ في أسئلته(٣): فإنْ قيل: قال الله تعالى: (وَأَزْلِفَتِ الْجَّةُ
لِلْمُنَّقِينَ) أي: قَرِّبت، والجنة لا تنتقل عن مكانها ولا تحوَّل.
قلنا: معناه: وأُزلفتِ المتَّقون إلى الجنة، وهذا كما يقول(٤) الحاجُّ إذا دنوا إلى
مكة: قربَتْ مكةُ منَّا. وقيل: معناه أنها كانت محجوبةً عنهم، فلمَّا رُفِعَتِ الحجُبُ
بينها وبينهم كان ذلك تقريباً. انتهى.
ويَرِدُ على الأخير أنه يمكن أن يقال مثلُه في الجحيم، وحينئذٍ يُسألُ عن وجه
اختلاف الفعلین.
ويَرِدُ على القول بأنَّ الجنة لا تنتقل عن مكانها أنه خلافُ ظاهرِ الآية، ولا يلزمُ
لصحةِ القول به نقلُ حديثٍ يدلُّ على نقلها يومئذٍ، فلا مانع من القول به وتفويضٍ
الكيفية إلى عِلْمٍ مَن لا يُعْجِزُه شيءٌ وهو بكلِّ شيءٍ عليم، وإذا أُرِيدَ التأويلُ فليكن
ذلك بحَمْلِ التقريب على التقريب بحَسَبِ الرؤية وإن لم يكن هناك نقلٌ، فقد يُرى
الشيء قريباً وإن كان في نفس الأمر في غاية البعد كما يشاهَدُ ذلك في النجوم، وقد
يقرَّبُ البعيد في الرؤية بواسطة المناظر والآلات الموضوعة لذلك، وقد ينعكسُ
الحال بواسطتها أيضاً فيُرى القريبُ بعيداً، ومتى جاز وقوعُ ذلك بواسطة الآلات
(١) التذكرة ص٣٨٧، والحديث في صحيح مسلم (٢٨٤٢).
(٢) ص٣٨٨.
(٣) واسمه: أسئلة القرآن وأجوبتها، لأبي بكر محمد بن أبي بكر الرازي صاحب مختار
الصحاح، المتوفى سنة (٦٦٠هـ)، وهي ألف ومئتا سؤال. كشف الظنون ١/ ٩٢.
(٤) في (م): قال.

الآية : ٩٢ - ٩٤
٢٢٩
سُورَةُ الشّعراء
في هذه النشأة جاز أن يقع في النشأة الأخرى بما لا يعلمُه إلا اللطيف الخبير،
فتأمَّلْ والله تعالى أعلم.
وقرأ الأعمش: ((فبرِّزت)) بالفاء. وقرأ مالك بن دينار: ((وبَرَزَت)) بالفتح
والتخفيف، و((الجحيمُ)) بالرفع على الفاعلية(١).
﴿وَقِيلَ لَمْ أَيْنَ مَا كُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَعْبُدُونَ (3﴾﴾ تستمرُّون على عبادته ﴿مِن دُونِ
اللَّهِ﴾ أي: أين آلهتكم الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاؤكم في هذا الموقف.
﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُ﴾ بدَفْع ما تشاهدون من الجحيم وما فيها من العذاب ﴿أَوْ
بدَفْعِ ذلك عن أنفسهم.
يَصِرُونَ ﴾﴾
وهذا سؤالُ تقريع لا يُتَوقَّعُ له جوابٌ، ولذلك قيل: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا﴾ أي: أُلقوا
في الجحيم على وجوههم مرةً بعد أخرى إلى أن يستقرُّوا في قَعْرِها، فالكبكبةُ تکریرُ
الكبِّ، وهو مما ضُوعِفَ فيه الباء (٢) كما قال الزجَّاج (٣) وجمهور البصريين(٤).
وذهب الكوفيون إلى أنَّ الثالث بدلٌ من مِثْلِ الثاني، فأصلُ كَبْكَبَ عندهم:
كَّبَ، فأُبدِلَ من الباء الثانية كافٌ.
وضمير الجمع لِمَا يعبدون من دون الله وهم الأصنام، وأكّد بالضمير المنفصل
وكِلا الضميرين للعقلاء، واستعملا في الأصنام تهكَّماً، أو بناءً على
أعني: ﴿
(١) القراءتان في المحرر الوجيز ٢٣٦/٤، والبحر ٢٧/٧. قال أبو حيان عن قراءة الأعمش:
جعل تبريز الجحيم بعد تقريب الجنة يعقبه، وهو من تقديم الرحمة على العذاب، وهو حسنٌ
لولا أنَّ رسم المصحف بالواو.
(٢) في الأصل و(م): الفاء، والمثبت من البحر ٣/٧، والكلام منه، ومثله في تفسير الثعالبي
١٤٩/٣.
(٣) البحر ٣/٧، ومعاني القرآن للزجاج ٩٤/٤، وفيه: وحقيقة ذلك في اللغة تكرير الانكباب،
كأنه إذا ألقي ينكبُّ مرةً بعد مرَّةٍ حتى يستقر فيها.
(٤) كذا ذكر المصنف، والذي في البحر ٣/٧، والدر المصون ٥٣٤/٨، وتفسير الثعالبي
١٤٩/٣ أن مذهب البصريين هو أن كبكب حروفه كلها أصلية. ففيها ثلاثة مذاهب
كما ذكر السمين: الأول مذهب الزجَّاج، والثاني مذهب البصريين، والثالث مذهب
الكوفيين، وسيأتي.

سُورَةُ السَّعراء
٢٣٠
الآية : ٩٥ - ٩٦
الذين عبدوها،
٩٤
إعطائها الفَهْمَ والنطق، أي: كُبْكِبَ فيها الأصنامُ ﴿ وَالْغَاُنَ
والتعبيرُ عنهم بهذا العنوان دون ((العابدون)) للتسجيل عليهم بوَصْفِ الغواية. وفي
تأخير ذِكْرِهم عن ذِكْرٍ آلهتهم رمزٌ إلى أنهم يؤخّرون في الكبكبة عنها ليشاهدوا سوءً
حالها، فينقطع رجاؤهم قبل دخول الجحيم.
وعن السديِّ أنَّ ضمير ((كبكبوا)) ومؤكِّدُه لمشركي العرب، و((الغاوون)» سائرُ
المشركين .
وقيل: الضميرُ للمشركين مطلقاً ويرادُ بهم التَّبَعةُ، و((الغاوون)) هم القادةُ
المتَّبَعُون.
وقيل: الضمير لمشركي الإنس مطلقاً، و((الغاوون)) الشياطين. والكلُّ كما ترى.
ويُبْعِدُ الأخيرَ قولهُ تعالى: ﴿وَحُدُ إِبْلِسَ﴾ فإنَّ الظاهر أنَّ المراد منه الشياطينُ،
وأنه عَطْفٌ على ما قبله، والعطفُ يقتضي المغايرةَ بالذات في الأغلب، ولا حاجةً
إلى تخريجه على الأقلِّ وجَعْلِه من باب:
إلى الملك النَّذْبِ وابنِ الهمام(١)
وقيل: المراد بجنود إبليس متَّبِعوه من عصاة التَّقَلين.
واختار بعضُ الأجلَّةِ الأولَ، وادَّعى أنه الوجهُ لأنَّ السياق والسباقَ في بيانٍ
سوءِ حالِ المشركين في الجحيم، وقد قال ذلك إبراهيم عليه السلام لقومه
المشركين، فلا وجاهةً لذكر حال قوم آخرين في هذا الحال، بل لا وجودَ لهم في
القصة، وذِكْرُ الشياطين مع المشركين لكونهم المسؤِّلين لهم عبادةَ الأصنام،
ولا يخفى أن للتعميم وجهاً أيضاً من حيث إنَّ فيه مزيدَ تهويلٍ لذلك اليوم.
تأكيدٌ للضمير وما ◌ُطِفَ عليه.
وقوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ (4)
وقوله سبحانه: ﴿قَالُواْ﴾ إلخ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ عمَّا قبله، كأنه
لمَّا قيل: كُبْكِبَ الآلهةُ والغاوون عَبَدتُها والشياطينُ الداعون إليها، قيل: فما وقع؟
(١) وعجزه: وليث الكتيبة في المزدحم، وسلف ٣٤٠/١ و٨٦/١٣ برواية: القرم، بدل:
الندب. والندب: الخفيف في الحاجة الظريف النجيب. القاموس (ندب).

الآية : ٩٧ - ٩٩
٢٣١
سُورَةُ الشَّعراء
فقيل: قالوا، أي: العَبدُ الغاوون ﴿وَهُمْ﴾ أي: الغاوون ﴿فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴾﴾ أي:
يخاصمون مَن معهم من الأصنام والشياطين.
والجملةُ في موضع الحال، والمراد: قالوا معترفين بخطئهم وانهماكهم في
الضلالة متحسِّرين معيِّرين لأنفسهم، والحالُ أنهم بصَدَدِ مخاصمةٍ مَن معهم،
مخاطبين لآلهتهم حيث يجعلها الله تعالى أهلاً للخطاب:
﴿وَِّ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَلٍ مُبِينٍ
((إنْ)) مخففةٌ من المثقَّلة، واسمُها - على
٩٧
ما قيل - ضميرُ الشأن محذوفٌ، واللامُ فارقةٌ بينها وبين النافية كما ذهب إليه
البصريون، أي: إنه - أي: الشأنُ - كنَّا في ضلالٍ مبين. وذهب الكوفيون إلى أنَّ
((إنْ)) نافيةٌ، واللام بمعنى ((إلَّا))، أي: ما كنّا إلا في ضلالٍ واضح لا خفاء فيه.
ووصفُهم له بالوضوح للمبالغة في إظهار ندمهم وتحسُّرهم، وبيانِ خطئهم في رأيهم
مع وضوح الحقِّ، كما ينبئُ عنه تصديرُهم قَسَمَهم بحرف التاء المشعِرةِ بالتعجُّب
على ما قيل.
وقوله سبحانه: ﴿إِذْ نَُوِّيِكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
ظرفٌ لكونهم في ضلال مبين.
٩٨
وقيل: لمحذوفٍ دلَّ عليه الكلامُ، أي: ضَلَلْنا، وقيل: للضلال المذكور وإن كان
فيه ضعفٌ صناعيٍّ من حيث إنَّ المصدر الموصوف لا يعمل بعد الوصف، ويهوِّنُ
أمرَ ذلك كونُ المعمول ظرفاً. وقيل: ظرفٌ لـ ((مبين)).
وجوِّز أن تكون ((إذا تعليليةً، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ
فَظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩].
وصيغةُ المضارع لاستحضار الصورة الماضية، أي: تالله لقد كنّا في غاية
الضلال الفاحش وقتَ تسويتِنا إياكم - أو: لأنَّا سوَّيْناكم - أيها الأصنام في
استحقاق العبادة بربِّ العالمين الذي أنتم أدنى مخلوقاته وأذلَّهم وأَعْجَزُهم.
الظاهرُ بناءً على ما تقدَّم من أنَّ الاختصام مع
٩٩
﴿وَمَآ أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ
الأصنام والشياطين أن يكون المراد بالمجرمين الشياطينَ؛ ليكون ذلك من
الاختصام معهم وإنْ لم يُورَدْ على وجه الخطاب، كما أنَّ ما تقدَّم من الاختصام مع
الأصنام، وكونُ المراد بهم ذلك مرويٌّ عن مقاتل.

سُورَةُ الشَّجَرَآء
٢٣٢
الآية : ٩٩
وفي ((إرشاد العقل السليم))(١): أنه بيانٌ لسبب ضلالهم بعد اعترافهم بصدوره
عنهم. والمرادُ بالمجرمين رؤساؤهم وكبراؤهم، كما في(٢) قوله تعالى ﴿رَبَّاً إِنََّ
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧].
وعن السديِّ: هم الأوَّلون الذين اقتدوا بهم.
وقيل: مَن دعاهم إلى عبادة الأصنام من الجنِّ والإنس. وعن ابن جريج: أنهم
إبليس وابنُ آدم القاتلُ؛ لأنه أوَّلُ مَن سنَّ القتلَ والمعاصي.
والقَصْرُ قيل: بالنسبة إلى الأصنام، ولعلهم أرادوا بنفي الإضلال عنها إهانتها
بأنها لا قدرةَ لها، وفيه تأكيدٌ لكونهم في ضلال مبين، ولعل الأَوْلى كونُه قَصْراً
حقيقيّاً بادِّعاء أنهم الأوحديُّون في سببيةِ الإضلال، حتى إنَّ سببيةً غيرهم له كَلَا
سببيةٍ، وهذا واضحٌ في الشياطين لأنَّ إضلال غيرهم من الكبراء ونحوهم بواسطة
إضلالهم؛ لأنهم الذين يزيِّنون الباطلَ للمتبوع والتابع، ويمكن أن يعتبر في غيرهم
بضربٍ من التأويل، وذلك إذا أريد بالمجرمين غيرُهم. ثم إن المشركين لا يزالون
في حيرةٍ يومَ القيامة لا يدرون بم يتشبَّئون، فلا يضرُّ إسنادُهم الإضلالَ تارةً إلى
شيءٍ، وأخرى إلى غيره، على أنَّ الإسناد إلى كلِّ باعتبارِ هذا.
وجوِّز أن يكون الاختصامُ بين العَبَدةِ بعضِهم مع بعضٍ، والخطابُ في
(نسوِّيكم)) للأصنام من غيرِ التزامِ القول بجَعْلِهم أهلاً له، بل هو كخطاب المضطرِّ
للحَجَر والشجر، وفيه مبالغةٌ في التحسُّر والندامة، والمعنى: إنَّ العبدة مع تخاصُم
بعضهم مع بعضٍ بأن يقول أحدهم للآخر: أنت مبدأ ضلالي ولولا أنت لكنتُ
مؤمناً، اعترفوا بجرمهم وتعجَّبوا وبيَّنوا سببه.
وجوِّز أيضاً أن يكون من الأصنام، يُنْطِقُهم الله تعالى فيخاصمون العبدةَ، فضمير
((هم)) عائدٌ عليهم، والمعنى: قال العبدةُ معترفين بضلالهم متعجّبين منه مبيِّنين سببه:
إن كنَّا .. إلخ، والحالُ أنَّ الأصنام يخاصمونهم قائلين: نحن جماداتٌ متبرِّئون عن
جميع المعاصي، وأنتم اتّخذْتُمونا آلهةً فألقيتمونا في هذه الورطة.
(١) ٦/ ٢٥٢.
(٢) في (م): وفي، بدل: كما في، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
.

الآية : ١٠٠ - ١٠١
٢٣٣
سورة الشعراء
وهذا كلُّه على تقدير كون جملة ((قالوا)» مستأنفةً كما هو الظاهر. وجوِّز أن
يكون ((جنود إبليس)) مبتدأ، وجملةُ ((قالوا)) إلخ خبره، وضمير ((قالوا)) وكذا ما بعده
عائدٌ عليه.
وأنت تعلم أنه مع كونه خلافَ الظاهر لا يتسنَّى على تقديرٍ أنْ يرادَ بجنود
إبليس الشياطينُ لِمَا أنَّ المقول المذكور لا يصحُّ أن يكون منهم، وإذا أُرِيدَ بهم
متَّبعوه من عصاة الثَّقَلَيْنِ عَبَدةِ الأصنام وغيرهم يَرِدُ أنَّ المقولَ المذكورَ قولُ فرقةٍ
منهم وهي العبدةُ، فإسنادهُ إلى الجميع خلافُ الظاهر.
ويَبْعُدُ كلَّ البُعْدِ - بل لو قيل بفساده لم يَبعُدْ - احتمالُ كونِ كلِّ شخصٍ سواءٌ
كان من عبدة الأصنام أو غيره يخاصمُ مع كلِّ مَن يصادفهُ، من غيرٍ صلاحية الآخَر
للاختصام، ويقول ما ذكر للأصنام لغاية الحيرة والضجرة.
نعم لو أريدَ بجنود إبليس - على تقديرِ كونه مبتدأً، ورجوع الضمائر إليه - الغاوون
بعينهم، وتكونُ الإضافة للعهد، والتعبيرُ عنهم بهذا العنوان بعد التعبير عنهم
بالعنوان السابق لتذليلهم = لم يَبْعُدْ جدًّا .
ومن الناس مَن جوَّز الابتدائية والخبريةَ المذكورتين، وفسَّر الجنودَ بالعصاة
مطلقاً، وجَعَل ضمير ((قالوا)) لـ ((الغاوون))، وضميرَ ((هم)) و((يختصمون)) للجنود أو
للأصنام. وفيه مع خروج الآية عليه عن حُسْنِ الانتظام ما لا يخفى على ذوي الأفهام.
﴿ وَلَ صَدِيقٍ حِيمٍ ﴾﴾ مرتَّبٌ على ما اعترفوا
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ (
به من عظم الجناية وظهورِ الضلالة. والمراد التلُّفُ والتأسُّفُ على فَقْدِ شفيعٍ يشفعُ
لهم مما هم فيه، أو صديقٍ شفيقٍ بهمُّه ذلك.
وقد ترقّوا - لمزيد انحطاط حالهم - في التأسُّفِ، حيث نَفَوا أولاً أن يكون لهم
مَن ينفعُهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته، ونفوا ثانياً أن يكون لهم مَن يَهمُّه
أمرُهم ويُشْفِقُ عليهم ويتوجَّعُ لهم وإن لم يخلّصهم.
وأتي بالشافع في سياق النفي جمعاً، وإن كان حكمُ هذا الجمع في الاستغراق
لمكان ((من)) الزائدةِ حُكْمَ المفرد بلا خلافٍ، إنَّما الخلاف فيما إذا لم تُزَدْ ((مِن))
بعدَ النفي داخلةً على الجمع، رعايةً لِمَا كانوا يأتون به في الإثبات من الجمع.

سُورَةُ الشّعراء
٢٣٤
الآية : ١٠١
وقال في ((الكشاف)): جُمِعَ الشافعُ لكثرة الشفعاء ووحِّد الصديقُ لقلَّتِهِ، ألا ترى
أنَّ الرجل إذا امتُحِنَ بإرهاقٍ ظالم نهضت جماعةٌ وافرةٌ من أهل بلده رحمةً له
وحسبةً وإن(١) لم تسبق له بأكثرهمّ معرفةٌ، وأمَّا الصديقُ الصادقُ في ودادك الذي
يهمُّه ما يهمُّك فهو أعزُّ من بيض الأنوق. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع(٢). أي:
فإنه يُطلَقُ عليه لِمَا أنه على زِنةِ المصدر، بخلاف الشافع.
وذكر البيضاويُّ في توحيد الصديق وجهاً آخر أيضاً، وهو أنَّ الصديق الواحدَ
يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء(٣). وحاصلُه أنَّ الواحد في معنى الجمع بحسب
العادة، فلذا اكتفى به لما فيه من المطابقة المعنوية، كما قيل:
وواحدٌ كالألف إنْ أمرٌ عَنَا (٤)
والناسُ ألفٌ منهمُ كواحدٍ
وقال بعضُ الكَملة: إنَّ إيراد الشافعين بصيغة الجمع لمجرَّد مصلحةِ الفاصلة،
وأمَّا إيرادُ الصديق مفرداً فلأنَّ المقامَ مقامُ المفرد، ومصلحةُ الفاصلة حصلتْ قبله.
وهو كما ترى.
وقال سعدي(٥) أفندي: لا يبعُدُ أن يكون جمعُ الأول وإفرادُ الثاني إشارةً إلى
أنه لا فرق بين الاستغراقین.
وفيه أنَّ إيثار صيغةٍ لإفادة مسألةٍ عربيةٍ ليس من دَأْبِ القرآن المجيد.
والذي أميلُ إليه أنَّ الإفراد على الأصل، والجمعُ وإن أدى مؤذَّه على سَنَنِ
ما كانوا يقولونه ويزعمونه في الدنيا من تعدُّدِ الشفعاء، ولا يضرُّ في ذلك كونُ
المنفيِّ هنا أعمَّ من المثبت هناك، من حيث شمولُه للأصنام والكبراء والملائكة
والأنبياء عليهم السلام كما هو المتبادرُ إلى الفهم.
(١) في (م): إن، والمثبت من الأصل والكشاف.
(٢) الكشاف ١١٩/٣ .
(٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢١/٧، وما بعده من كلام الشهاب.
(٤) سلف ٤٣٥/٧ .
(٥) في (م): سعد. وسعدي أفندي هو سعد الله بن عيسى، له حاشية على تفسير البيضاوي من
أول سورة هود إلى آخر القرآن، توفي سنة (٩٤٥هـ). كشف الظنون ١٩١/١ .

الآية : ١٠١
٢٣٥
سِوَةُ الشَّجَرَآء
وأخرج ابنُ جريرٍ وابنُ المنذر عن عكرمةَ عن ابن جُرَيْج (١) أنَّ المعنى: فما لنا
من شافعين من أهل السماء، ولا صديقٍ حميم من أهل الأرض.
وزعم بعضهم أنهم عَنَوا بالشافعين هنا ما عَنَوا بالمجرمين من كبرائهم
وساداتهم، وفرَّعوا النفي على قولهم: ((ما أضلَّنا إلا المجرمون)) فكأنهم قالوا:
سادتنا وكبراؤنا الذين أضلُّونا مجرمون معذَّبون مثلنا، فلم يقدروا على السعي في
نَفْعِنا والشفاعةِ لنا .
وفي ((الكشاف)): ((فما لنا من شافعين)) كما نرى المؤمنين لهم شفعاءُ من
الملائكة والنبيِّين، ((ولا صديقٍ)) كما نرى لهم أصدقاء، فإنه لا يتصادقُ في
الآخرة إلا المؤمنون، قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّءُ يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوُّ إِلَّا
اُلْمُنَّفِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. أو فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميم من الذين
كنّا نعدُّهم شفعاءً وأصدقاءَ؛ لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم
عند الله تعالى، وكان لهم الأصدقاءُ من شياطين الإنس، أو أرادوا أنهم وقعوا
في مهلكةٍ علموا أنَّ الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا
بنفيهم نفيَ ما يتعلَّق بهم من النفع؛ لأنَّ مالا ينفع حُكْمُه حُكْمُ المعدوم(٢).
انتھی.
والظاهرُ على هذا الأخير أنَّ الكلام كنايةٌ عن شدَّة الأمر بحيث لا ينفعُ فيه أحدٌ
ولو أدنى نفعٍ، وهو وجهٌ وجيهٌ.
والوجهُ الأولُ لا يكاد يَتَسَّى على مذهب المعتزلة الذين لا يجوِّزون الشفاعةَ
في الخلاص من النار بعد دخولها أو قبله؛ لأنَّ الظاهر من قولهم: فما لنا من
شافعين كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين: فما لنا من شافعين
يخلِّصونا من النار كما نرى المؤمنين لهم شفعاءُ من الملائكة والنبيين يخلِّصونهم
منها، فارتضاءُ الزمخشريِّ لهذا الوجه غريبٌ، اللَّهمَّ إلَّا أن يقال: المرادُ التشبيهُ
(١) كذا ذكر المصنف، والصواب أنهما خبران أخرجهما ابن جرير وابن المنذر: الأول عن
عكرمة، والثاني - وهو المذكور هنا - عن ابن جريج. ينظر الدر المنثور ٩١/٥، وخبر ابن
جريج في تفسير الطبري ٩١/٥ .
(٢) الكشاف ١١٩/٣.

سُورَةُ الشّعراء
٢٣٦
الآية : ١٠٢
باعتبار مطلق الشفاعة، والمعتزلة يجوِّزون بعض أصنافها، كالشفاعة في زيادة
الدرجات في الجنة، لكنْ لا يخلو عن بُعْدٍ، والله تعالى أعلم.
و (لو)) في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ مستعملةٌ في التمنِّ بدليلِ نصبٍ قوله
سبحانه: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ في جوابها، وأصلُها ((لو)) الامتناعية، وحيث إنَّ
التمنِّي يكون لِمَا يَمتِنِعُ أريدَ بها ذلك مجازاً مرسلاً أو استعارةً تبعيةً، ثم شاع حتى
صارت كالحقيقة في ذلك. وقيل: هي حقيقةٌ فيما ذكر. وقيل: أصلُها المصدرية،
وليس بشيء.
والمعنى: فليت لنا رجعةً إلى الدنيا فأنْ نكونَ من المؤمنين فلا ينالنا إذا متنا
فُبُعِثْنا مثلُ ما نحن فيه من العذاب الذي لا ينفع فيه أحد.
وجوِّز كونُ (لو)) شرطيةً وجوابُها محذوفٌ، والتقدير: لفعلنا من الخيرات كيتَ
وكيتَ، أو: لخلصْنا من العذاب، أو: لكان لنا شفعاءُ وأصدقاءُ، أو: ما أضلَّنا
المجرمون. والتقديرُ الأول أَجْزَلُ، ويقدَّر المحذوفُ بعد ((فنكون)» إلخ لأنَّ المصدر
المتحصّلَ منه معطوفٌ على ((كرة))، أي: فلو أنَّ لنا كرةً فكوناً (١) من المؤمنين
لفعلنا .. إلخ.
وتعقّب شيخُ الإسلام ذلك بأنه إنما يفيدُ تحقَّقَ مضمون الجواب على تقدير
تحقّقِ كرَّتِهم وإيمانهم معاً، من غير دلالةٍ على استلزام الكرَّة للإيمان أصلاً مع أنه
المقصود حتماً (٢).
وفي قوله: من غير دلالةٍ .. إلخ، بحثٌ على ما قيل، حيث يمكن أن يقال:
حاصلُ الآية: إنْ تيسَّر لنا الرجعةُ والإيمانُ المتعقِّب إياها لفعلنا من عبادات أهل
الإيمان ما يقصر عنه العبارة، والتزامُ ثمرات الإيمان التزامٌ للإيمان أولاً،
ومقصودُهم بيانُ استلزامِ الرجعة لفعل الخيرات كلِّها، وأمَّا نفسُ الإيمان بعد هذه
المشاهدة فلا يحتاج إلى البيان.
وقال بعض الناس: إن قولهم: ((فنكونَ من المؤمنين)) بمعنى: فنكون من
(١) في (م): فنكونا، وهو تصحيف.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٥٣/٦.

الآية : ١٠٣ - ١٠٦
٢٣٧
سُورَةُ الشّعراء
المقبول إيمانُهم، وقبولُ الله تعالى إيمانَهم لا يترتَّب على رجعتهم البتةَ، بل يجوزُ
أن يتخلَّف، فلا بدَّ أن يكون مرادهم: إنْ تيسَّر لنا الرجعةُ وإن قُبِلَ إيمانُنا
لفعلنا .. إلخ، فليس المقصودُ الدلالةَ على استلزام الكرَّة للإيمان كما زعم شيخ
الإسلام. ونوقش فيه بأنَّ تيسُّر الرجعةِ إنما يكون لرحمة الله تعالى وعفوِه، وهي
تستلزمُ قبولَ إيمانهم.
والحقُّ أنه لا ينبغي الالتفاتُ إلى احتمال شرطيةِ (لو)) والتكلَّفُ له، مع جزالةٍ
المعنى الظاهرِ المتبادر.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَّوَ
١٠٣
والكلامُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ قد تقدَّم آنفاً فلا حاجة إلى إعادته، وقد علمتَ مختارَنا في ذلك
فتذكَّر فما في العهد من قِدَمِ.
ولشيخ الإسلام(١) كلامٌ في هذه الآية لا يَخْفَى ما فيه على المتأمِّل، فتأمَّل.
١٠٥
، القومُ كما في ((المصباح)) يذكَّر ويؤنَّثُ، وكذلك
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ
كلُّ اسمٍ جمعٍ لا واحدَ له من لَفْظِهِ، نحو: رَهْط ونَفَر (٢)، ولذا يصغَّر على قُوَيْمة.
وقيل: هو مذكَّرٌ، ولحقتْ فعلَه علامةُ التأنيث على إرادةِ الأمة والجماعةِ منه.
وتكذيبُهم المرسلين باعتبار إجماع الكلِّ على التوحيد وأصولِ الشرائع، التي
لا تختلف باختلاف الأزمنة والأعصار.
وجوِّز أن يراد بالمرسلين نوحٌ عليه السلام بجَعْلِ اللام للجنس، فهو نظيرُ
قولك: فلانٌ يركب الدوابَّ ويلبسُ الْبُرودَ. وما له إلَّا دابةٌ واحدةٌ وبُرْدٌ واحد.
و((إذ)) في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَمْ﴾ ظرفٌ للتكذيب على أنه عبارةٌ عن زمانٍ
مديدٍ وقع فيه ما وقع من الجانبين إلى تمام الأمر، كما أنَّ تكذيبهم عبارةٌ عمَّا صدر
منهم من حين ابتداءٍ دعوته عليه السلام إلى انتهائها .
وزعم بعضهم أن ((إذ)) للتعليل، أي: كذَّبَتْ لأَجْلِ أنْ قال لهم ﴿أَخُهُمْ نُوُ﴾
(١) في تفسيره ٦/ ٢٥٣.
(٢) المصباح المنير (قوم).

سُورَةُ الشّعراء
٢٣٨
الآية : ١٠٧ - ١١١
أي: نسيبهم، كما يقال: يا أخا العرب، ويا أخا تميم، وعلى ذلك قولُه:
في النائبات على ما قال برهانا (١)
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
والضميرُ لقوم نوح. وقيل: هو للمرسلين، والأخوَّةُ: المجانسةُ، وهو خلافُ
الظاهر.
﴿أَلَا نَتَّقُونَ ﴾﴾ اللهَ عزَّ وجلَّ حيث تعبدون غيره ﴿إِّ لَكُمْ رَسُولُ﴾ من الله تعالى
أرسلني لمصلحتكم ﴿أَمِينٌ ﴾﴾ مشهورٌ بالأمانة فيما بينكم. وقيل: أمينٌ على أداء
رسالته جلَّ شأنه.
فيما آمركم به من التوحيد والطاعةِ الله تعالى. وقدَّم
١٠٨
﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بالطاعة لأنَّ تقوى الله تعالى سببٌ لطاعته عليه
السلام.
﴿وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على ما أنا متصدِّ له من الدعاء والنصح ﴿مِنْ أَجْرٍ ﴾
أي: ما أطلبُ منكم على ذلك أجراً أصلاً، لا مالاً ولا غيرَه ﴿إِنْ أَجْرِىَ﴾ فيما أتولَّاه
﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (3)﴾ فهو سبحانه الذي يؤجِرُني في ذلك تفضُّلاً منه، لا غيرُه.
، لترتيب ما بعدها على ما قبلها
والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
من تَنزُّهِه عليه السلام من الطمع، كما أنَّ نظيرتها السابقةً لترتيب ما بعدها على
كونه رسولاً من الله تعالى بما فيه نَفْعُ الدارين مع أمانته، والتكريرُ للتأكيد والتنبيهِ
على أنَّ كلّ منهما مستقلٌّ في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا؟
وقرئ: ((إنْ أَجريْ)) بسكون الياء(٢)، وهو والفتحُ لغتان مشهورتان في مثل ذلك
اختلف النحاةُ في أيتهما الأصل.
أي: وقد اتَّبعك، على أنَّ الجملة في موضع
﴿قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (®﴾
الحال، و((قد)» لازمةٌ فيها إذا كان فعلها ماضياً، وكثيرٌ من الأجلَّة لا يوجبُ ذلك.
وقرأ عبد الله وابنُ عباس والأعمشُ وأبو حيوةَ والضَّّاك وابنُ السَّمَيْفَعِ وسعيد بنُ
(١) البيت لقريط بن أنيف، وسلف ٣٥٦/١٠.
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي وابن كثير وشعبة ويعقوب وخلف. التيسير ص١٦٧، والنشر ٣٣٦/٢.

الآية : ١١٢ - ١١٣
٢٣٩
سُؤَةُ الشعراء
أبي سعيد الأنصاريُّ وطلحةُ ويعقوبُ: ((وأتباعُك))(١) جمعُ تابعٍ، كصاحبٍ
وأصحاب. وقيل: جمع تَبيعِ، كشريف وأشراف. وقيل: جمع تَبَع، كبطل وأبطال.
وهو مرفوعٌ على الابتداء، و(«الأرذلون)» خبرُه، والجملةُ في موضع الحال أيضاً.
وقيل: معطوفٌ على الضمير المستتر في ((نؤمن)) وحَسُنَ ذلك للفصل بـ ((لك))،
و((الأرذلون)) صفتُه. ولا يخفى أنه رکیكٌ معنّى.
وعن اليماني: ((وأتباعِكَ)) بالجرِّ عطفاً على الضمير في ((لك))، وهو قليل،
وقاسه الكوفيون، و(«الأرذلون)» رفعٌ بإضمارِ ((هم))(٢). وهو جمعُ الأرذل على
الصحة، والرذالةُ: الخسَّةُ والدناءة.
والظاهر أنهم إنما استرذلوا المؤمنين به عليه السلامُ لسوءِ أعمالهم، يدلُّ عليه
قولهُ في الجواب: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (19)﴾ أي: ما وظيفتي إلا اعتبارُ
الظواهر وبناءُ الأحكام عليها، دون التجسُّسِ والتفتيش عن البواطن.
و((ما)) استفهاميةٌ. وقال الحوفيُّ والطبرسيُّ(٣): نافيةٌ، وعليه يكون في الكلام
حذفٌ، أي: وما عِلْمي بما كانوا يعملون ثابتٌ.
﴿إِنّ حِسَابُهُمْ﴾ أي: ما محاسبتُهم على ما يعملون ﴿إِلَّ عَلَى رَبِ﴾ فاعتبارُ البواطنِ
من شؤونه عزَّ وجلَّ وهو المطّلعُ عليها ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾﴾ أي: بشيءٍ من الأشياء،
أو: لو كنتم من أهل الشعور لعلمتم ذلك لكنكم لستم كذلك فلذا قلتم ما قلتم،
و((أل)) على هذا الوجه للجنس.
وقال جمعٌ: إنَّ استرذالهم إياهم لقلَّة نصيبهم من الدنيا .
وقيل: لكونهم من أهل الصناعات الدنيئة، وقد كانوا كما روي عن عكرمة
حاكةً وأساكفة.
وقيل: لاتِّضاع نسبهم.
(١) النشر ٣٣٥/٢ عن يعقوب، وذكرها عن الباقين ابن جني في المحتسب ١٣١/٢، وأبو حيان
في البحر ٧/ ٣١ .
(٢) البحر ٣١/٧.
(٣) في مجمع البيان ١٦٥/١٩، وذكره عن الحوفي أبو حيان في البحر ٣١/٧.

سُورَة الشعراء
٢٤٠
الآية : ١١٣
ومنشأ ذلك على الجميع سخافةُ عقولهم وقصورُ أنظارهم؛ لأنَّ الفقر ليس من
الرذالة في شيء:
قد يُدرِكُ المجدَ الفتى ورداؤه
خلقٌ وجيبُ قميصِه مَرْقوعُ(١)
وكذا خسَّةُ الصناعة لا تزري بالشرف الأخرويِّ، ولا تلحق التقيّ نقيصة عند الله
عز وجل، وقد أنشد أبو العتاهية:
إذا صحَّحَ التقوى وإنْ حاكَ أو حَجَمْ (٢)
وليس على عبدٍ تقيٍّ نَقيصةٌ
ومثلُها ضعةُ(٣) النسب، فقد قيل:
أبي الإسلامُ لا أبَ لي سواه
إذا افْتَخَروا بقيسٍ أو تميم(٤)
وما ذكره الفقهاء في باب الكفاءة مبنيٌّ على عُرْفِ العامَّةِ لانتظام أمرٍ المعاش
ونحوِهِ، على أنه روي عن الإمام مالكٍ عَدَمُ اعتبارٍ شيء من ذلك أصلاً، وأنَّ
المسلمين كيفما كانوا أَكْفاءَ بعضهم لبعض.
و((أل)) على هذه الأقوال للعهد.
والجواب بما ذُكر عمَّا(٥) أشاروا إليه بقولهم ذلك من أنَّ إيمانهم لم يكن عن
نظرٍ وبصيرةٍ وإنما كان لحظٌّ نفسانيٌّ، كحصولِ شوكةٍ بالاجتماع ينتظمون بها في
سِلْكِ ذوي الشرفِ، ويُعدُّون بها في عدادهم، وحاصلهُ: وما وظيفتي إلَّا اعتبارُ
الظواهر دون الشَّقِّ عن القلوب، والتفتيشِ عمَّا في السرائر، فما يضرُّني(٦) عدمُ
إخلاصهم في إيمانهم كما تزعمون.
(١) البيت لإبراهيم بن هرمة، وهو في ديوانه ص١٤٣ برواية: قد يدرك الشرفَ الفتى ...
(٢) ديوان أبي العتاهية ص٣٤٩.
(٣) في (م): صفة.
(٤) البيت لنهار بن تَوْسِعةً كما في الكامل ١٠٩٧/٣، والحلل للبطليوسي ص٢١٢، والشعر
والشعراء ٥٣٧/١، وفيه :... إذا هتفوا ببكرٍ أو تميم. ونسبه المرزباني في معجم الشعراء
ص٩٦ لعيسى بن فاتك.
(٥) قوله: عما، متعلق بخبر محذوف، والمبتدأ هو قوله: الجواب.
(٦) في الأصل: يضرُّ في.