Indexed OCR Text

Pages 161-180

الآية : ٢٣
١٦١
سُورَةُ الشِّعراء
ولا يخفى أنَّ الأَوْفَقَ بحديث الجزاء أن يكون المرادُ بقوله: فعلتُها وأنا من
الضالِّين: فعلتُها مُقْدِماً عليها من غير مبالاةٍ، على أنَّ الضلال بمعنى الجهل المفسَّر
بالإقدام من غيرِ مبالاةٍ، لكنَّ التزامَ كونِ ((إذاً» هنا للجواب والجزاء التزامُ ما لا يَلْزمُ،
فإنَّ الصحيح الذي قال به الأكثرون أنها قد تتمخّض للجواب، وفي ((البحر)): أنهم
حَمَلوا ما في هذه الآية على ذلك (١)، وتوجيهُ كونها للجزاء فيها بما ذُكِرَ لا يخلو
عن تكلُّفٍ.
والأظهرُ عندي معنَى ما آثره بعضُ أفاضل المحقّقين(٢) من أنها ظرفٌ مقطوعٌ
عن الإضافة، ولا أرى فيه ما يقال سوى أنه معنّى لم يذكره أكثر علماء العربية،
وهم لم يُحيطوا بكلِّ شيءٍ علماً. وإن أبيتَ هذا فهي للجواب فقط.
ومن العجيب قولُ ابن عطية: إنَّها هنا صلةٌ في الكلام، ثم قولُه: وكأنها بمعنى
حينئذٍ(٣). ولو اكتفى به على أنه تفسيرُ معنّ لكان له وجهٌ، فتأمل، والله تعالى
أعلم.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ مستفهماً عن المرسِلِ سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ وتحقيقُ
ذلك على ما قال العلامةُ الطيبيُّ: أنه عزَّ وجلَّ لمَّا أمرهما بقوله سبحانه: ﴿فَأْتِيَا
فِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىَ إِسْرَِّلَ﴾ [الآيتان: ١٦-١٧] فلا بدَّ
أن يكونا ممتثلين مؤدِّيين لتلك الرسالة بعينها عند اللَّعين، فلمَّا أُدِّيتْ عنده اعتَرَضَ
أوَّلاً بقوله: ((ألم نربك فينا وليدا)) إلى آخره، وثانياً بقوله: ((وما رب العالمين))،
ولذلك جيءَ بالواو العاطفة، وكرَّر ((قال)) للظُول، فكأنه قال: أأنت الرسولُ،
وما ربُّ العالمين؟.
وقال الزمخشريُّ: إنَّ اللعين لمَّا قال له بوَّابُه: إنَّ هاهنا مَن يزعمُ أنه رسولُ
ربِّ العالمين. قال له عند دخوله: وما ربُّ العالمين؟
واعتُرِضَ بأنه نَظْمٌ مختلٌّ؛ لسَبْق المقاولة بينهم كما أشار إليه هو في سابق
كلامه .
(١) البحر ٧/ ١١.
(٢) سلف كلامه ص١٥٦ من هذا الجزء.
(٣) المحرر الوجيز ٢٢٨/٤.

سُؤَةُ الشّعراء
١٦٢
الآية : ٢٣
وانتصر له صاحب ((الكشف)) فقال: أراد أنه تعالى ذَكَر مرَّةً: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا
رَبِّكَ فَأَزْسِلْ﴾(١) [طه: ٤٧] وأخرى: (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ) والقصةُ واحدةٌ
والمجلسُ واحدٌ، فحمله على أنَّ الثانيَ ما أدَّاه البوَّاب من لسانه عليه السلام،
والأول ما خاطبه به موسى عليه السلام مُشافهةً، وأنَّ اللعين أخذ أوَّلاً في الطعن
فيه، وأن مثلَه ممن قُرِفَ(٢) برذائل الأخلاق لا يُرشَحُ لمنصبٍ عالٍ فَضْلاً عمَّ اذَّعاه.
وثانياً في السؤال عن شأنٍ مَن ادَّعى الرسالة عنه استهزاءً. ومن هذا تبيَّن أنَّ سَبْقَ
المقاولةِ لا يدلُّ على اختلالِ النّظم الذي أشار إلیه. انتھی.
وجوَّز بعضُهم وقوعَ الأمر مرَّتين، وأنَّ فرعون سأل أولاً بقوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا
يَمُوسَى﴾ [طه: ٤٩] وسأل ثانياً بقوله: (وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ) وقد قصَّ الله تعالى الأولَ
فيما أنزله(٣) جلَّ وعلا أولاً وهو سورةُ طه، والثاني فيما أنزله سبحانه ثانياً وهو
سورةُ الشعراء، فقد روي عن ابن عباس أنَّ سورة طه نزلت، ثم الواقعة، ثم (طسم))
الشعراء.
وقال آخر: يحتمل أنهما إنما قالا: (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ) والاقتصارُ في سورة
طه على ذِكْرٍ ربوبيته تعالى لفرعون؛ لكفايته فيما هو المقصودُ.
وعلى القول بوقوع الأمر مرَّتين قيل: إنَّ فرعون سأل في المرة الأولى بقوله:
((مَن ربُّكما)) طلباً للوصف المشخَّصِ كما يقتضيه ظاهرُ الجواب، خلافاً للسكاكيّ(٤)
في دعواه أنه سؤالٌ عن الجنس، كأنه قال: أبَشرٌ هو أم مَلَكٌ أم جنيٌّ؟ والجوابُ
من الأسلوب الحكيم، وأخرى بـ ((ما ربُّ العالمين)) طلباً للماهية والحقيقة، انتقالاً
لِمَا هو أصعبُ؛ ليتوصَّل(٥) بذلك إلى بعض أغراضه الفاسدةِ حَسْبَما قصَّ الله تعالى
بعدُ.
و ((ما)) يُسأل بها عن الحقيقة مطلقاً سواءٌ كان المسؤول عن حقيقته مِن أُولي
(١) في الأصل و(م): أن أرسل، بدل: فأرسل.
(٢) أي: اتُّهم. القاموس (قرف).
(٣) في (م): أنزل.
(٤) في مفتاح العلوم ص٣١١.
(٥) في الأصل: ليتوسَّل.

الآية : ٢٤ - ٢٥
١٦٣
سُورَةُ الشِّعرَآء
العلم أوْ لا، فلا يتوهّم أنَّ حقَّ الكلام حينئذٍ أن يقال: من ربُّ العالمين؟ حتى
يوجَّه بأنه لإنكارِ اللَّعين له عزَّ وجلَّ عَبَّر بـ ((ما)).
ولمَّا كان السؤالُ عن الحقيقة مما لا يليقُ بجنابه جلَّ وعلا ﴿قَالَ﴾ عليه السلام
عادلاً عن جوابه إلى ذِكْرٍ صفاته عزَّ وجلَّ على نَهْجِ الأسلوب الحكيم إشارةً إلى
تعذّرِ بيانِ الحقيقة: ﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ﴾ والكلامُ في امتناع معرفةٍ
الحقيقة وعَدَمِه قد مرَّ عليك فتذكَّر(١).
ورُفع ((ربُّ)) على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو ربُّ السماواتِ والأرضِ
وما بينهما من العناصر والعنصريات.
﴿إِن كُم مُوقِنِينَ ﴾ أي: إن كنتم موقنين بالأشياء محقّقين لها علمتُم ذلك،
أو: إن كنتُم موقنين بشيءٍ من الأشياء فهذا أَوْلَى بالإيقان لظهوره وإنارةٍ دليله، فإنَّ
هذه الأجرامَ المحسوسةَ ممكنةٌ لتركُّبِها وتعدُّدِها وتغيُّرِ أحوالها، فلها مبدأ واجبٌ
لذاته، ثم ذلك المبدأُ لا بدَّ أن يكون مبدأَ لسائر الممكنات، ما يمكن أن يُحَسَّ بها
وما لا يمكن، وإلَّا لَزِمَ تعدُّد الواجب أو استغناءُ بعضٍ الممكنات عنه،
وكلاهما محالٌ. وجوابُ ((إنْ)) محذوفٌ كما أشرنا إليه.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ عند سماع جوابه عليه السلام خوفاً من أن يَعْلَقَ منه في قلوب
قومه شيءٌ ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه. قال ابن عباس ﴿ّ: كانوا خمسَ مئةٍ
رجلٍ عليهم الأساورُ، وكانت للملوك خاصةً:
﴿أَلَا تَسْتَّعُونَ ﴾﴾ جوابَه، يريدُ التعجيب(٢) منه والإزراءَ بقائله، وكان ذلك
لَعَدَمِ مطابقته للسؤال حيث لم يبَيِّن فيه الحقيقةَ المسؤولَ عنها، وكونِه في زعمه - نظراً
لِمَا عليه قومُه من الجهالة - غيرَ واضحٍ في نفسه؛ لخفاء العلم بإمكان ما ذُكِر أو
حدوثِه - الذي هو علَّةُ الحاجة إلى المبدأ الواجب لذاته - عليهم، وقد بالغ اللَّعين
في الإشارة إلى عدم الاعتداد بالجواب المذكورِ، حيث أَوْهَم أنَّ مجرَّد استماعِهِم
له کافٍ في ردّه وعدم قبوله.
(١) ينظر ما سلف ٢٣٠/١٦ وما بعدها.
(٢) في الأصل: التعجب.

سُورَةُ السَّعراء
١٦٤
الآية : ٢٦ - ٢٨
وكأنَّ موسى عليه السلام لمَّا استشعر ذلك من اللعين ﴿قَالَ﴾ عُدولاً إلى ما هو
أوضحُ وأقربُ، إعطاءً لمنصب الإشارة حقَّه حَسبَ الإمكان؛ لتعذَّرِ الوقوف على
الحقيقة كما سمعتَ: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابََّبِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ فإنَّ الحدوثَ والافتقارَ إلى
واجبٍ مصوّرٍ حكيم في المخاطبين وآبائهم الذين ذهبوا وعُدِمُوا أظهرُ، والنظرُ في
الأنفس أقربُ وأوضحُ من النظر في الآفاق.
ولمَّا رأى اللعينُ ذلك، وقَوِيَ عنده خوفُ فتنةِ قومه ﴿قَالَ﴾ مبالغاً في الردِّ
والإشارة إلى عدم الاعتداد بذلك، مصرِّحاً بما ينفِّرُ قلوبَهم عن قائله وقبول ما يجيءُ
به: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢)﴾ حيث يُسألُ عن شيءٍ ويجيبُ عن
شيءٍ آخَرَ، وينَبَّه على ما في جوابه ولا يَنْتِهُ.
وسمّاه رسولاً بطريق الاستهزاء، وأضافه إلى مخاطَبيه ترفُّعاً من أن يكون
مرسَلاً إلى نفسه، وأكَّد ذلك بالوصف، وفيه إثارةٌ لغضبهم، واستدعاءٌ لإنكارهم
رسالتَه بعد سماع الخبر؛ ترقّعاً بأنفسهم عن أن يكونوا أهلاً لأنْ يُرسَلَ إليهم
مجنونٌ.
وقرأ مجاهد وحميد والأعرج: ((أَرْسَلَ)) على بناء الفاعل(١)، أي: الذي أَرْسَله
رُّه إلیکم.
وكأنَّه عليه السلام لمَّا رأى خشونةً في ردِّ اللَّعينِ، وإيماءً منه إلى(٢) أنه عليه
السلام لم يتنبَّه لِمَا في جوابه الأولِ من الخفاء عند قومه، بل كان عدولُه عنه إلى
الجواب الثاني لِمَا رماه به عليه اللَّعنةُ ﴿قَالَ﴾ عليه السلام تفسيراً لجوابه الأولِ،
وإزالةً لخفائه ليُعْلِمَ أنَّ العدول ليس إلا لظهور ما عَدَلَ إليه ووضوحِه وقُرْبِه إلى
الناظر، لا لِمَا رُمي به وحاشاه، مع الإشارة إلى تعذَّر بيانِ الحقيقة أيضاً بالإصرار
على الجواب بالصفات:
﴿َرَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيَنَهُمَاً﴾ وذلك لأنه لم يكن في الجواب الأول تصريحٌ
باستنادِ حركات السماواتِ وما فيها، وتغيُّراتِ أحوالها وأوضاعها، وكونِ الأرض
(١) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ١٣/٧ .
-
(٢) في (م): إلا، وهو تصحيف.

الآية : ٢٩
١٦٥
سُورَةُ الشّعراء
تارةً مظلمةً وأخرى منوّرةً، إلى الله تعالى. وفي هذا إرشادٌ إلى ذلك، فإنَّ ذِكْرَ
المَشْرقِ والمَغْربِ منبيٌّ عن شروق الشمس وغروبها المَنوطَيْنِ بحركات السماوات
وما فيها على نمطٍ بديعٍ يترتَّبُ عليه هذه الأوضاعُ الرصينةُ، وكلُّ ذلك أمورٌ حادثةٌ
لا شكَّ في افتقارها إلى مُحدِثٍ قادرٍ علیمٍ حکیم.
وارْتَكَبَ عليه السلام الخشونةَ كما ارْتُكِبَ معه بقوله: ﴿إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
أي: إن كنتم تعقلون شيئاً من الأشياء، أو: إن كنتم من أهل العقل، عَلِمتُم أنَّ
الأمر كما قلتُه وأشَرْتُ إليه، فإنَّ فيه تلويحاً إلى أنهم بمعزلٍ من دائرة العقل، وأنهم
الأحقَّاءُ بما رمَوه به عليه السلام من الجنون.
وقرأ عبد الله وأصحابُه والأعمش: ((ربُّ المشارق والمغارب)) على الجمع
فيهما(١) .
ولمَّا سمع اللَّعينُ منه عليه السلام تلك المقالات المبنية(٢) على أساس الحِكم
البالغة، وشاهَدَ شدَّةً حَزْمِه وقوَّةَ عَزْمِه على تمشيةِ أمره، وأنَّه ممن لا يُجارَى في
حلبة المُحاوَرةِ ﴿قَالَ﴾ ضارباً صفحاً عن المقاوَلةِ إلى التهديد، كما هو دَيْدنُ
المحجوج العنيد:
﴿لَيْنِ أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٣٦)﴾ وفيه مبالغةٌ في ردِّه عن
دعوى الرسالة، حيث أراد منه ما أراد ولم يَقْنَعْ منه عليه السلام بتَرْكِ دعواها وعَدَمِ
التعرُّض له، وفيه أيضاً عتوٌّ آخرُ حيث أَوْهَمَ أنَّ موسى عليه السلام متَّخذٌ له إلهاً في
ذلك الوقت، وأنَّ اتِّخاذَه غيره إلهاً بعدُ مشكوك، وبالَغ في الإيعاد (٣) على تقدير
وقوع ذلك، حيث أكَّد الفعلَ بما أكَّد. وعَدَلَ عن: لأسجُنَّكَ - الأخصر - لذلك
أيضاً، فإن ((أل)) في ((المسجونين)) للعهد، فكأنه قال: لأجعلنَّك ممن عَرفْتَ
أحوالهم في سجوني، وكان عليه اللعنةُ يطرحُهم في هوَّةٍ عميقةٍ - قيل: عمقُها
خمسُ مئةِ ذراعٍ، وفيها حياتٌ وعقاربُ - حتى يموتوا.
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٦، والبحر ١٣/٧.
(٢) في (م): المبينة، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٦/ ٢٤٠.
(٣) في (م): الإبعاد.

سُورَةُ الشَّعراء
١٦٦
الآية : ٢٩
هذا وقال بعضهم: السؤالُ هنا وفي سورة طه عن الوصف، والقصةُ واحدةٌ
والمجلسُ واحدٌ، واختلافُ العبارات فيها لاقتضاءِ كلِّ مقام ما عبِّر به فيه، ويُلتزمُ
القول بأنَّ الواقع هو القَدْرُ المشتركُ بين جميع تلك العبارات، وبهذا ينحلُّ إشكالُ
اختلافِ العبارات مع دعوى اتِّحادِ القصة والمجلسِ، لكن تعيين القَدْرِ المشتركِ
الذي يصُّ أن يعبّر عنه بكلِّ من تلك العبارات يحتاجُ إلى نظرٍ دقيق مع مزيدِ لُظْفٍ
وتوفيقٍ.
ثم إنَّ العلماء اختلفوا في أنَّ اللَّعين: هل كان يعلم أنَّ للعالَم ربًّا هو الله عزَّ
وجلَّ أوْ لا؟.
فقال بعضهم: كان يعلمُ ذلك بدليلٍ: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]. ومنهم مَن استدلَّ بطلبه شَرْحَ الماهيةِ زَعْماً منه
أنَّ فيه الاعترافَ بأصلِ الوجود، وذكروا أنَّ ادِّعاءه الألوهيةَ وقوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبِّكُمُ
الْأَعَْى﴾ [النازعات: ٢٤] إنما كان إرهاباً لقومه الذين استخفّهم، ولم يكن ذلك عن
اعتقاد، وكيف يَعتقِدُ أنه ربُّ العالَم وهو يعلمُ بالضرورة أنه وُجِدَ بعد أنْ لم يكن،
ومضى على العالم ألوفٌ من السنين وهو ليس فيه، ولم يكن له إلَّا ملكُ مصرَ؟
ولذا قال شعيبٌ لموسى عليهما السلام لمَّا جاءه في مدين: ﴿لَا تَّخَفْ نَجَوَتَ مِنْـ
اٌلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].
وقال بعضُهم: إنه كان جاهلاً بالله تعالى، ومع ذلك لا يعتقدُ في نفسه أنه خالقُ
السماواتِ والأرضِ وما فيهما، بل كان دهريًّا نافياً للصانع سبحانه، معتقِداً وجوبَ
الوجودِ بالذات للأفلاك، وأنَّ حركاتها أسبابٌ لحصول الحوادث، ويعتقد أنَّ مَن
مَلَكَ قُظْراً وتولَّى أَمْرَه لقوَّةٍ طالِعِه استحقَّ العبادةَ من أهله وكان ربًّا لهم، ولهذا
خصَّص ألوهيته وربوبيته ولم يعمِّمْهما (١)، حيث قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهِ
غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] و: (أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعَْ).
وجوِّز أن يكون من الحلولية القائلين بحلولِ الربِّ سبحانه وتعالى في بعض
الذَّوَاتِ، ويكون معتقداً حلولَه عزَّ وجلَّ فيه، ولذلك سمَّى نفسه إلهاً .
(١) في (م): يعممها .

الآية : ٢٩
١٦٧
سُورَةُ الشّعراء
وقيل: كان يدَّعي الألوهيةَ لنفسه ولغيره، وهو ما كان يعبدُه من دون الله عزَّ
وجلَّ، كما يدلُّ عليه ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَيَذَّرَكَ وَءَالِهَتَّكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. وهو
وكذا ما قبلَه بعيدٌ.
والذي يغلبُ على الظنِّ ويقتضيه أكثر الظواهر أنَّ اللَّعينَ كان يعرفُ الله عزّ
وجلَّ، وأنه سبحانه هو خالقُ العالَم، إلا أنه غلبتْ عليه شقوتُه وغرَّتْه دولتُه، فَأَظْهَر
لقومه خلافَ عِلْمِهِ، فأذْعَنَ منهم لهَ مَن كَثُرِ جَهْلُه ونَزُرَ عَقْلُه، ولا يَبْعُدُ أن يكون في
الناس مَن يُذْعِنُ بمثل هذه الخرافات ولا يعرفُ أنَّها مخالفةٌ للبديهيات.
وقد نَقَلَ لي مَن أثقُ به أنَّ رجلين من أهل نجدٍ قبل ظهورِ أمرِ الوهَّابيِّ فيما بينهم
بينما هما في مزرعةٍ لهما إذ مرَّ بهما طائرٌ طويلٌ الرجلين لم يَعْهَدَا مثلَه في تلك
الأرض، فنزل بالقرب منهما، فقال أحدُهما للآخَرِ: ما هذا؟ فقال له: لا ترفع
صوتَك هذا ربُّنا. فقال له معتقداً صِدْقَ ذلك الهذيان: سبحانه ما أطولَ كراعيه
وأعظمَ جناحيه.
وأمَّا مَن له عقلٌ منهم ولا يَخْفَى عليه بطلانُ مثلٍ ذلك فيحتمل أن يكون قد
وافَقَ ظاهراً؛ لمزيدٍ خوفه من فرعون، أو مزيدٍ رغبته بما عنده من الدنيا، كما نشاهد
كثيراً من العقلاء وفَسَقةِ العلماء وافقوا جبابرةَ الملوك في أباطيلهم العِلْميَّةِ والعَمَلِيَّةِ
حبًّا للدنيا الدنيَّةِ، أو خوفاً مما يتوهّمونه من البليَّة، ويحتملُ أن يكون قد اعتقد
ذلك حقيقةً بضَرْبٍ من التوجيه وإن كان فاسداً، كزَعْم الحلول ونحوه. والمنكرُ
على القائل: أنا الحقُّ، والقائلِ: ما في الجبَّةِ إلا الله (١)، يزعُمُ أنَّ معتقدي
صِدْقِهما كمعتقدي صِدْقٍ فرعونَ في قوله: (أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعَْ).
وسؤالُ اللعين لموسى عليه السلام حكايةً لِمَا وقع في عبارته بقوله: ((ما ربُّ
العالمين)) كان لإنكاره الظاهرِ(٢) أن يكون للعالمين ربُّ سواه. وجوابُ موسى عليه
السلام له لم يكن إلَّا لإبطال ما يدَّعيه ظاهراً، وإرشادِ قومه إلى ما هو الحقُّ الحقيقُ
بالقبول، ولذا لم يقصُرِ الخطابَ في الأجوبة عليه. والتعجيبُ المفهومُ من قوله:
(١) هو طيفور بن عيسى أبو يزيد البسطامي، كما في سير أعلام النبلاء ٨٨/١٣.
(٢) في (م): لظاهر.

سُورَة الشُّعراء
١٦٨
الآية : ٣٠
((ألا تستمعون))؛ لزَعْمِه ظاهراً أنه عليه السلام ادَّعى خلافَ أمرٍ محقَّقٍ، وهي ربوبيةٌ
نَفْسِه .
ولمَّا داخَلَه من خوفِ إذعانِ قومه لِمَا قاله موسى عليه السلام ما داخَلَه بالَغَ في
صَرْفِهِم عن قبول الحقِّ بقوله: ((إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون). ولمَّا رأى
أنَّ ذلك لم يُفِدْ في دَفْعِ موسى عليه السلام عن إظهار الحقِّ وإبطالِ ما كان يُظْهِرُه
من الباطل، ذبَّ عن دعواه الباطلةِ بالتهديد وتشديدِ الوعيد فقال: ((لئن اتَّخذْتَ إلهاً
غيري لأجعلنَّكَ من المسجونين».
ولعل أجوبتَه عليه السلام مشيرةٌ إلى إبطال اعتقادِ نحو الحلول، بأنَّ فيه
الترجيحَ بلا مرجِّحٍ، وبأنه يستلزمُ المربوبيةَ لِمَا فيه من التغيُّر.
وبعدَ هذا القول عندي قولُ بعضهم: إنه عليه اللعنة كان دهريًّا إلى آخر ما سمعتَه
آنفاً، والتعجيب؛ لزَعْمِه حقيقةً أنه عليه السلام ادَّعى خلافَ أمرٍ محقَّقٍ وهو ربوبيةٌ
نفسِه عليه اللعنة، والله تعالى أعلم.
ولمَّا رأى عليه السلام فظاظةً فرعون ﴿قَالَ﴾ على جهة التلظُفِ به والطمعِ في
إيمانه: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ ﴾﴾ أي: تفعلُ ذلك ولو جئتُك بشيءٍ مبين، أي:
موضِّحِ لصِدْقِ دعوايَ، يريد به المعجزةَ فإنها جامعةٌ بين الدلالة على وجود الصانع
وحكمته وبين الدلالة على صِدْقٍ دعوى مَن ظهرتْ على يده، والتعبيرُ عنها بـ ((شيء))
للتهويل.
والواوُ للعطف على جملةٍ مقابِلةٍ للجملة المذكورة، ومجموعُ الجملتين
المتعاطفتين في موضع الحال، و(لو)) لبيان(١) تحقيق ما يفيدُه الكلامُ السابقُ من
الحُكْمِ على كلِّ حالٍ مفروضٍ من الأحوال المقارِنة له على الإجمال بإدخالها
على أَبَعدِها منه وأشدِّها منافاةً له، ليَظْهَرَ تَحقُّقُه مع ما عَدَاه من الأحوال بطريقٍ
الأولوية، أي: أتفعلُ فيَّ ذلك حالَ عَدَمِ مجيئي بشيءٍ مبينٍ وحالَ مجيئي به.
وتصديرُ المجيء بـ (لو)) دون ((إنْ)) ليس لَبيانِ استبعاده في نفسه بل بالنسبة إلى
فرعون.
(١) في (م): للبيان، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٦/ ٢٤٠، والكلام منه.

الآية : ٣١
١٦٩
سُورَةُ الشَّعراء
وجَعَل بعضهم الواوَ للحال على معنى أنَّ الجملة التي بعدها حال، أي: أتفعلُ
فيَّ ذلك جائياً بشيءٍ مبينٍ، وهو ظاهرُ كلام ((الكشاف)) هنا (١). وظاهرُ كلام
((الكشف)) أنَّ الاستفهام للإنكار، على معنى: لا تقدِرُ على فِعْلِ ذلك مع أنِّي نبيٌّ
بالمعجزة. والظاهرُ تعلَّقُ هذا الكلام بالوعيد الصادر من اللعين، فذلك في تفسيره
إشارةٌ إلى جَعْلِه عليه السلام من المسجونين، فكأنه قال: أتجعلُني من المسجونين
إن انَّخذتُ إلهاً غيرَك ولو جئتك بشيءٍ مبين؟ .
وعلى ذلك حَمَلَ الطيبي كلام ((الكشاف))، ثم قال: يمكن أن يقال: إنَّ الواو
عاطفةٌ، وهي تستدعي معطوفاً عليه، وهو ما سبق في أول المكالمة بين نبيِّ الله
تعالى وعدوّه، والهمزةُ مُقْحَمةٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه للتقرير، والمعنى:
أتُقِرُّ بالوحدانية وبرسالتي إن جئتُك بعد الاحتجاج بالبراهين القاهرةِ والمعجزاتِ
الباهرةِ الظاهرة، و((لو)) بمعنى: إنْ عزَّ بزَّ، ويؤيِّد هذا التأويلَ ما في ((الأعراف)):
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِيِنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىّ إِسْرََّيلَ * قَالَ إِن كُنْتَ حِثْتَ بِثَايَتِ فَأْتِ
بِهَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الآيتان: ١٠٥-١٠٦] انتهى.
وهو كما ترى، وفيه جَعْلُ ((مُبين)) مِن أَبانَ اللَّازم بمعنى بان. وجَعْلُه مِن أبان
المتعدِّي وحَذْفُ المفعول كما أشرنا إليه أنسبُ للمقام.
ولمَّا سمع فرعونُ هذا الكلامَ من موسى عليه السلام ﴿قَالَ﴾ حيث طَمِعَ أن يجد
موضعَ معارضةٍ: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ أي: بشيءٍ مبين ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾ أي:
فيما يدلُّ عليه كلامُك من أنَّكَ تأتي بشيءٍ موضحِ لصِدْقٍ دعواك، أو من الصادقين
في دعوى الرسالةِ من ربِّ العالمين، وجوابُ الشّرط محذوفٌ لدلالة ما قبله علیه،
أي: إن كنتَ من الصادقين فأتٍ به. وقدَّره الزمخشريُّ: أتيتَ به. والمشهورُ تقديرُه
من جنس الدليل.
وقال الحوفيُّ: يجوز أن يكون ما تقدَّم هو الجوابَ، وجاز تقديمُ الجوابِ لأنَّ
حَرْفَ(٢) الشرط لم يعمل في اللفظ شيئاً.
(١) الكشاف ١١٠/٣.
(٢) في (م): حذف.

سُورَةُ الشّعراء
١٧٠
الآية : ٣٢ - ٣٣
وقد بَهَتَ الزمخشريُّ عامَلَه الله تعالى بعَدْلِه أهلَ السنة بما هم منه بُرآءُ(١)،
كما بيَّنه صاحب ((الكشف)) وغيره فارْجِعْ إليه إنْ أَرَدْتَه.
﴿فَلْقَى﴾ موسى بعد أنْ قال له فرعونُ ذلك ﴿عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ
ظاهرٌ ثعبانيَّتَهُ، أي: ليس بتمويهٍ وتخييلٍ كما يفعلُهُ السَّحرةُ، والثعبانُ أعظمُ ما يكون
من الحيَّات، واشتقاقُه من ثَعَبَ الماءُ بمعنى: جَرَى جَرْياً متَّسعاً، وسمِّي به لجَرْيِهِ
بسرعةٍ من غيرِ رِجْلٍ كأنه ماءٌ سائل.
والظاهرُ أنَّ نفس العصا انقلبت ثعباناً، وليس ذلك بمُحَال إذا كان بسَلْبِ
الوَصْفِ الذي صارت به عصاً، وخَلْقِهِ الوَصْفَ الذي تصيرُ به ثعباناً(٢)، بناءً على
رأي بعض المتكلِّمين من تجانُسِ الجواهر واستوائها في قبول الصفات، إنما المحالُ
انقلابُها ثعباناً مع كونها عصاً؛ لامتناع كونِ الشيء الواحدِ في الزمن الواحد عصاً
وثعباناً .
وقيل: إنَّ ذلك بخَلْقِ الثعبانِ بَدَلَها، وظواهرُ الآيات تُبْعِدُ ذلك.
وقد جاء في الأخبار ما يدلُّ على مزيدِ عظم هذا الثعبان، ولا يُعْجِزُ الله تعالى
شيءٌ، وقد مرَّ بيانُ كيفيةِ الحالِ(٣).
﴿وَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِنَّظِرِينَ ﴾﴾ أي: بياضُها يجتمعُ النَّّارةُ
على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضاً نُورانيًّا. رُوي أنه لمَّا أَبصر أمر
(١) حيث قال: وفي قوله: ((إن كنت من الصادقين)) أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق في
دعواه؛ لأنَّ المعجزة تصديقٌ من الله لمدَّعي النبوَّة، والحكيم لا يصدِّق الكاذب، ومن
العَجَبِ أن مثل فرعون لم يَخْفَ عليه هذا، وخفي على ناسٍ من أهل القبلة، حيث جوَّزوا
القبيح على الله تعالى. وتعقبه ابن المنير بقوله: ليته سلّم وجه تصنيفه من ثآليل هذه
الأباطيل، وكَلَفِ هذا التكلّف في كيده لأهل السنة وإن كيده لفي تضليل، بينا هو يعرِّض
بتفضيل فرعون عليهم إذا هو قد حثّم على إخوانه القدرية أنهم فراعنة ... لأنهم يعتقدون
أن أفعالهم خَلْقَهم، وأنهم لها مبدعون خالقون ... إلى آخر كلامه. الكشاف مع
الانتصاف ١١٠/٣-١١١.
(٢) في (م): وخلقه وصف الذي يصير ثعباناً.
(٣) ينظر ما سلف ٩/ ٢٨٠-٢٨١، و٢٧٤/١٦-٢٧٥.

الآية : ٣٤ - ٣٥
١٧١
سُورَةُ الشّعراء
العصا قال: هل لك غيرُها؟ فأخرج عليه السلام يده فقال: ما هذه؟ قال: يدك.
فَأَدْخَلَها في إبطه ثم نزعها ولها شعاعٌ يكاد يُعْشِي(١) الأبصار ويسدُّ الأفق.
﴿قَالَ لِلْمَلَا﴾ أشراف قومه ﴿حَوْلَهُ﴾ منصوبٌ لفظاً على الظرفية، وهو ظرفٌ
مستقرٌّ وقع حالاً، أي: مستقرِّين حولَه. وجوِّز أن يكونَ في موضع الصفة للملأ
على حدٍّ :
ولقد أمرُّ على اللئيم يَسُبُّني(٢)
والأول أسهلُ وأنسبُ.
ومن العجيب ما نقله أبو حيان عن الكوفيين أنهم يجعلون («الملأ)) اسمَ موصول
و ((حوله)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صلةً له، كأنه قيل: قال للذين استقروا حوله(٣).
﴿إِنَّ هَذَا لَسَِرُ عَلِيمٌ ﴾﴾ فائقٌ في عِلْمِ السحر ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ﴾ قسراً ﴿مِنْ
أَرْضِكُمْ﴾ التي نشأتُم فيها وتَوّنْتُموها ﴿يَسِخْرِهٍ﴾ وفي هذا غايةُ التنفيرِ عنه عليه
السلام، وابتغاءُ الغوائلِ له؛ إذ من أصعب الأشياء على النفوس مفارقةُ الوطن،
لا سيما إذا كان ذلك قسراً، وهو السرُّ في نسبةِ الإخراج والأرضِ إليهم.
﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٥)﴾ أي: أيَّ أمرٍ تأمرون، فمَحَلُّ ((ماذا)) النصبُ على
المصدرية، و((تأمرون)) من الأمر ضدِّ النهي، ومفعولُه محذوفٌ: أي: تأمروني. وفي
جَعْلِه عبيدَه بزَعْمِه آمِرِينَ له مع ما كان يظهرُه لهم من دعوى الألوهيةِ والربوبية ما يدلُّ
على أنَّ سلطانَ المعجزةِ بَهَرَه وحيَّره حتى لا يدري أيّ طرفيه أطول، فزَلَّ عنه (٤) ذكرُ
دَعْوَى الألوهيَّةِ، وحظّ عن منكبيه كبرياءَ الربوبيةِ، وانحطَّ عن ذروةِ الفَرْعَنةِ إلى
حضيض المَسْكَنةِ، ولهذا أظهر استشعارَ الخوفِ من استيلائه عليه السلام على ملكه.
وجوِّز أن يكون ((ماذا)) في محلِّ النصب على المفعولية، وأن يكون ((تأمرون))
من المؤامرةِ بمعنى المُشاورةِ لأمرٍ كلِّ بما يقتضيه رأيه، ولعلَّ ما تقدَّم أَوْلَى.
(١) في (م): يغش.
(٢) وعجزه: فمضيتُ ثمة قلت ما يعنيني، وسلف ٤٦٧/٧.
(٣) البحر ٧ /١٥.
(٤) في (م): عند.

سُورَةُ الشعراء
١٧٢
الآية : ٣٦
﴿قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَهُ﴾ أي: أخِّرْ أمرَهما إلى أنْ تأتِيَكَ السحرةُ، من أَرْجَأْتُه: إذا
أخَّرته. ومنه المرجِئةُ، وهم الذين يؤخِّرون العملَ لا يأتونه، ويقولون: لا يضرُّ مع
الإيمان معصيةٌ كما لا ينفعُ مع الكفر طاعةٌ.
وقرأ أهل المدينة والكسائيُّ وخلفٌ: (أَرْجِهِ)) بكَسْرِ الهاء(١). وعاصمٌ وحمزةٌ
(أَرْجِهْ)) بغير همزٍ وسكونِ الهاء، والباقون: ((أَرْجِتْهُ)) بالهمز وضمِّ الهاء(٢). وقال
أبو عليٍّ: لا بدَّ من ضمِّ الهاء مع الهمزةِ، ولا يجوزُ غيرُه، والأحسن أن لا يبلغَ
بالضمِّ إلى الواو(٣).
ومَن قرأ بكسر الهاء فـ ((أرجه)) عنده من أَرْجَيْتُه بالياء دون الهمزة، والهمزُ على
ما نقل الطيبيُّ أفصحُ. وقد تُوْصَلُ الهاءُ المذكورةُ بياءٍ فيقال: أرجهي، كما يقال:
مررتُ بھي.
وذكر الزجَّاج أنَّ بعضَ الحُذَّاقِ بالنحو لا يجوِّزُ إسكانَ نحوٍ هاءِ ((أرجه)) أعني
هاءَ الإضمار، وزعم بعضُ النحويين جوازَ ذلك، واستَشْهدَ عليه ببيت مجهولٍ (٤)،
ذكره الطبرسيُّ وقال: هو شعرٌ لا يُعْرَفُ قائلُه، والشاعر يجوز أن يخطئ(٥).
وقال بعض الأجلَّة: الإسكانُ ضعيفٌ؛ لأنَّ هذه الهاءَ إنما تُسكّنُ في الوقف،
لكنه أجری الوصل مجری الوقف.
وقيل: المعنى: احْبِسْه، ولعلَّهم قالوا ذلك لفَرْطِ الدهشة، أو تجلُّداً ومداهنةً
لفرعون، وإلا فكيف يمكنه أن يحبسه مع ما شاهد منه من الآيات؟
(١) التيسير ص١١١، والنشر ٣١٢/١، وروى قالون عن نافع، وابن وردان عن أبي جعفر
اختلاس الكسرة.
(٢) قرأ ابن كثير وهشام بإشباع الضم، وأبو عمرو ويعقوب بالاختلاس. وقرأ ابن ذكوان:
((أرجئهٍ)) بكسر الهاء والاختلاس. التيسير ص١١١، والنشر ٣١١/١-٣١٢.
(٣) الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي ٤/ ٦٠.
(٤) وهو :
لما رأى ألَّ دَعَهْ ولا شبَعْ مالَ إلى أرطاةِ حِقْف فالطجع
معاني القرآن للزجاج ٣٦٥/٢، والبيت في سر صناعة الإعراب ٣٢١/١، والخصائص
٣٢٦/٣، وشرح شواهد الشافية ٤/ ٢٧٤ -٢٧٥.
(٥) مجمع البيان ٩/ ١٤٠، وأصل الكلام للزجاج قاله إثر البيت المذكور.

الآية : ٣٧ - ٤٠
١٧٣
سُورَةُ الشُّعَرَءُ
﴿وَبْعَثْ فِ اَلْدَآِنِ حَشِينَ ﴾﴾ شُرَطاً يَحْشُرون السَّحَرة ويجمعونهم عندك.
﴿يَأْتُكَ﴾ مجزومٌ في جواب الأمر، أي: إن تبعثْهم يأتوك ﴿يِكُلِّ سَخَارٍ﴾ كثيرٍ
، فائقٍ في عِلْمِهِ. ولكون المهمِّ هنا هو العملَ أتوا بما يدلُّ
العملِ بالسحر ﴿عَلِيمٍ (
على التفضيل فيه. وقرأ الأعمش وعاصمٌ في رواية: ((بكلِّ ساحرٍ عليم))(١).
﴿فَجُيِعَ السَّحَرَةُ﴾ أي: المعهودون، على أنَّ التعريف كما في ((المفتاح))
عهديٌّ(٢). وقال الفاضل المحقّقُ: إنَّ المعهود قد يكون عامًّا مستغرقاً كما هنا،
ولا منافاة بينهما كما يتوهّمُ، وفيه بحثٌ فتأمَّل.
﴿لِقَتِ يَوْمٍ فَعْلُومٍ ﴾﴾ لِمَا وُقُّتَ به من ساعاتِ يوم معيَّنٍ، وهو وقتُ
الضُّحى من يوم الزينةِ، على أنَّ الميقات من صفات الزمان. وفي ((الكشاف)): هو
ما وقِّتَ به، أي: حدِّد من زمانٍ أو مكانٍ، ومنه مواقيتُ الإحرام(٣).
﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ﴾ استبطاءً لهم في الاجتماع، وحثًّا على التبادُرِ إليه: ﴿مَلَ أَنْتُ
تُجْتَمِعُونَ ﴾ في ذلك الميقاتِ، فالاستفهامُ مجازٌ عن الحثِّ والاستعجالِ، كما في
قول تأبَّطَ شرًّا :
هل أنت باعثُ دينارٍ لحاجتنا أو عبدَ ربِّ أخا عون بنِ مخراق(٤)
فإنه يريد: ابعَثْ أحدَهما إلينا سريعاً ولا تُبْطِئ به.
﴿لَعَلَّنَا نَّعُ السَّحَرَةَ﴾ أي: في دينهم ﴿إِن كَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ ﴾﴾ لا موسى عليه
السلام. وليس مرادُهم بذلك إلَّا أن لا يتَّبعوا موسى عليه السلام في دينه، لكنْ
(١) القراءات الشاذة ص١٠٦، والبحر ١٥/٧.
(٢) مفتاح العلوم ص١٨٦ .
(٣) الكشاف ٣/ ١١٢.
(٤) جاء في هامش الأصل و(م): دينار اسم رجل، وعبد ربٍّ منصوب بالعطف على محلِّه، وهو
اسم رجلٍ أيضاً، وأخا عون منادى لا نعتٌ، ويجوز أن يكون عطف بيان لعبد رب. اهـ
منه. وينظر حاشية الشهاب ١٢/٧. والبيت في ملحق ديوان تأبط شراً ص٢٤٥، وهو من
شواهد الكتاب ١٧١/١، والخزانة ٢١٥/٨.
قال البغدادي: البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلها، وقال ابن خلف:
وقيل: هو لجابر بن خلف السُّنْبِسي. ونسبه غير خَدَمة سيبويه إلى جرير، وإلى تأبط شرّاً،
وإلى أنه مصنوع. اهـ.

سُورَةُ السَّعَرَاءِ
١٧٤
الآية : ٤١ - ٤٢
ساقوا كلامهم مساقَ الكناية حَمْلاً للسحرة على الاهتمام والجدِّ في المُغالبةِ.
وجوِّز أن يكون مرادُهم اتِّباعَ السحرة، أي: الثباتَ على ما كانوا عليه من
الدِّين، ويدَّعى أنهم كانوا على ما يريد فرعون من الدِّين.
والظاهرُ أنَّ فرعون غيرُ داخلٍ في القائلين، وعلى تقديرِ دخوله لم يجوِّز بعضُهم
إرادة المعنى الحقيقيِّ لهذا الكلام؛ لامتناع اتِّباع مدَّعي الإلهية السحرةَ. وجوَّزه
آخرون لاحتمال أن يكون قال ذلك لِمَا استولى عليه من الدهشة من أمر موسى عليه
السلام، كما طلب الأمرَ ممن حوله لذلك.
ولعل إتيانَهم بـ ((إنْ)) للإلهاب، وإلَّا فالاً وَفَقُ بمقامهم أن يقولوا: إذا كانوا هم
الغالبين.
﴿فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَبِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ أي: لأجراً عظيماً ﴿إِن كُنَّا نَحْنُ
اُلْغَلِينَ ﴾﴾ لا موسى عليه السلام، ولعلهم أخرجوا الشرط على أسلوبٍ ما وقع
في كلام القائلين موافقةً لهم، وإلا فلا يناسبُ حالَهم إظهارُ الشكِّ في غلبتهم.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ لهم: ﴿نَعَمْ﴾ لكم ذلك ﴿وَلِنَّكُمْ﴾ مع ذلك ﴿إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرِينَ
عندي. قيل: قال لهم: تكونون أولَ مَن يدخل عليَّ وآخِرَ مَن يخرج عني.
و ((إذا)) عند جمع على ما تقتضيه في المشهور من الجواب والجزاء، ونقل
الزركشيُّ في ((البرهانّ))(١) عن بعض المتأخِّرين أنها هنا مرَّبةٌ من ((إذا))(٢) التي هي
ظرفُ زمانٍ ماضٍ، والتنوينِ الذي هو عوضٌ عن جملةٍ محذوفةٍ بعدها، وليست هي
الناصبة للمضارع.
وقد ذهب إلى ذلك في نظير الآية الكافيجيُّ، والقاضي تقيُّ الدين بنُ رزين(٣)،
وأنا ممن يقول بإثبات هذا المعنى لها، والمعنى عليه: وإنَّكم إذا غلبتم - أو إذا
كنتم الغالبين - لمن المقرَّبين.
(١) ١٨٧/٤، وسلف ١٣/ ٤٠٧-٤٠٨.
(٢) في البرهان: إذ، والمذكور أعلاه موافق لما في الإتقان ٤٧٥/١ نقلاً عن البرهان.
(٣) سلف كلام الكافيجي ٣١٣/١١، و٤٠٧/١٣-٤٠٨، وكلام القاضي تقي الدين ١٣/ ٤٠٧-
٤٠٨، ونقل المصنف قولهما عن الإتقان ١/ ٤٧٥.

الآية : ٤٣ - ٤٤
١٧٥
سُورَةُ الشعراء
وقرئ: (نَعِمْ)) بفَتْحِ النون وكَسْرِ العين(١)، وذلك لغةٌ في ((نعم)).
﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَى﴾ أي: بعد ما قال له السَّحَرة: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْفِىَ وَإِمَّ أَنْ تَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ
)﴾ لم يُرِدْ عليه السلام الأمرَ بالسِّحر والتمويهِ
أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥]: ﴿ أَلْقُوْ مَآ أَنْتُم مُلْقُونَ
حقيقةً؛ فإنَّ السِّحر حرامٌ وقد يكون كفراً، فلا يليقُ بالمعصوم الأمرُ به، بل الإذنَ
بتقديم ما عَلِمَ بإلهامٍ أو فراسةٍ صادقةٍ أو قرائنِ الحال أنهم فاعلوه البتة، ولذا قال:
((ما أنتم ملقون)) ليتوَّسَّل(٢) بذلك إلى إبطاله.
وهذا كما يؤمرُ الزنديقُ بتقرير حجَّته لتُردَّ، وليس في ذلك الرضا الممتنع فإنه
الرضا على طريق الاستحسان، وليس في الإذن المذكور، ومطلقُ الرضا غيرُ
ممتنع، وما اشتهر من قولهم: الرضا بالكفر كفرٌ، ليس على إطلاقه كما عليه
المحقِّقون من الفقهاء والأصوليين.
﴿فَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعْصِيَّهُمْ وَقَالُواْ﴾ أي: وقد قالوا عند الإلقاء: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أي:
بقوَّته التي يمتنعُ بها من الضيم، من قولهم: أرض عَزَازٌ، أي: صلبةٌ. ﴿إِنَّا لَنَحْنُ
الْغَلِبُونَ @﴾ لا موسى عليه السلام.
والظاهرُ أنَّ هذا قَسَمٌّ منهم بعزَّته عليه اللعنةُ على الغلبة، وخصُّوها بالقَسَم هنا
لمناسبتها للغلبة، وقسمُهم على ذلك لفَرْطِ اعتقادِهم في أنفسهم، وإتيانِهم بأقصى
ما يمكنُ أنْ يؤتَى به من السحر. وفي ذلك إرهابٌ لموسى عليه السلام بزَعْمِهم.
وعدلوا عن الخطاب إلى الغيبة في قولهم: (بِزَّةَ فِرْعَوْنَ) تعظيماً له.
وهذا القسَمُ من نوع أقسام الجاهلية، وقد سلك كثيرٌ من المسلمين في الأيمان
ما هو أشنعُ من أيمانهم، لا يرضون بالقسم بالله تعالى وصفاتِه عزَّ وجلَّ،
ولا يعتدُّون بذلك، حتى يحلفَ أحدُهم بنعمة السلطان، أو برأسه، أو برأسٍ
المحلِّف، أو بلحيته، أو بترابٍ قبر أبيه، فحينئذٍ يستوثقُ منه، ولهم أشياءُ يعظّمونها
ويحلفون بها غير ذلك. ولا يَبْعدُ أن يكون الحَلِفُ بالله تعالى كذباً أقلَّ إثماً من
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٢/٧، وتفسير أبي السعود ٦/ ٢٤٢.
(٢) في (م): ليتوصل، والمثبت من الأصل، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٧/ ١٢،
والكلام منه.

سُورَةُ الشَّهَرائِ
١٧٦
الآية : ٤٥ - ٤٦
الحَلِفِ بها صدقاً، وهذا ممَّا عمَّتْ به البَلْوَى، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله تعالى
العليِّ العظيم.
وقال ابن عطيةً(١) بعد أنْ ذَكَر أنه قَسَمٌ: والأحرى أن يكون على جهة التعظيم
والتبُّكِ باسمه إذ(٢) كانوا يعبدونه، كما تقول إذا ابتدأتَ بشيءٍ: بسم الله تعالى،
وعلى بركة الله(٣)، ونحو ذلك.
﴿فَأَلْفَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ﴾ أي: تبتلعُ بسرعةٍ، وأصلُ التلقُّفِ: الأخذُ
بسرعةٍ. وقرأ أكثر السبعة: ((تَلَقَّفُ)) بفتح اللام والتشديدِ (٤)، والأصلُ: تتلقَّفُ،
فحُذِفَتْ إحدى التاءين. والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة(٥) والدلالةِ على
الاستمرار.
﴿مَا يَأْفِكُونَ ﴾ أي: الذي يَقْلبونه من حاله الأولِ وصورتِه بتمويههم
وتزويرِهم، فيخيِّلون حبالَهم وعصيّهم أنها حياتٌ تسعى، فـ ((ما)) موصولةٌ حُذِفَ عائِدُها
للفاصلة، وجوِّز أن تكون مصدريةً، أي: تلقفُ إنْكَهم، تسميةً للمأفوك به مبالغةً.
﴾ أي: خرُّوا ساجدينَ إثر ما شاهدوا ذلك من غير
﴿فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ (
تلعثُم وتردُّدٍ؛ لعِلْمِهم بأنَّ مثلَ ذلك خارجٌ عن حدود السِّحر، وأنه أمرٌ إلهيٌّ قد ظهر
على يده عليه السلام لتصديقه.
وعبَّر عن الخرور بالإلقاء لأنه ذُكر مع الإلقاءات، فسلك به طريق المشاكلة،
وفيه أيضاً مع مراعاة المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أنْ رَمَوا بأنفسهم
إلى الأرض ساجدين كأنهم أُخذوا فطُرحوا طرحاً، فهناك استعارةٌ تبعيةٌ زاد(٦)
حُسْنَها المشاكلةُ.
(١) في المحرر الوجيز ٢٣٠/٤، ونقله عنه أيضاً أبو حيان في البحر ٧/ ١٥.
(٢) في (م): إذا، وهو تصحيف.
(٣) في الأصل و(م): وعلى بركة رسول الله بَّه، والمثبت من المحرر والبحر.
(٤) قرأ حفص: (تَلْقَفُ)) بسكون اللام وتخفيف القاف، والباقون: ((تَلَقَّفُ))، وشدد البزي التاء
وصلاً. وينظر ما سلف عند تفسير الآية (١١٧) من سورة الأعراف.
(٥) في (م): السورة، وهو تصحيف.
(٦) في (م): زادت.

الآية : ٤٦
١٧٧
سُورَةُ الشّعراء
وبَحَثَ في ذلك بعضُهم بأنَّ الله تعالى خالقُ خرورِهم عند أهلِ الحقِّ، وخَلْقُه
هو الإلقاء، فلا حاجة إلى التجوُّز. وأنت تعلم أنَّ إيجاد خرورهم وخَلْقَه فيهم
لا يسمَّى إلقاءً حقيقةً ولغةً.
ثم ظاهرُ كلامِهم أن فاعل الإلقاء - لو صرّح به - هو اللهُ عزَّ وجلَّ
بما خوَّلهم من التوفيق، وجوَّز الزمخشريُّ(١) أن يكون إيمانَهم، أو ما عاينوا من
المعجزة الباهرة، ثم قال: ولك أن لا تقدِّر فاعلاً؛ لأنَّ ((ألقوا)) بمعنى: خرُّوا
وسقطوا .
وتعقّب هذا أبو حيان بأنه ليس بشيءٍ، إذ لا يمكن أن يُبْنَى الفعلُ للمفعول
الذي لم يسمَّ فاعلُه إلَّا وقد حُذِفَ الفاعلُ فناب ذلك عنه، أمَّا أنه لا يقدَّرُ فاعلٌ
فقولٌ ذاهبٌ عن الصواب(٢).
ووجَّه ذلك صاحبُ ((الكشف)): بأنه أراد أنه لا يحتاجُ إلى تقديرٍ فاعلٍ آخَر غيرِ
مَن أُسْنِدَ إليه المجهولُ؛ لأنه فاعلُ الإلقاء، ألا ترى أنك لو فسَّرتَ سقط بـ : ألقى
نفسِه لصحّ؟.
والطيبيُّ: بأنه أراد أنه لا يحتاج إلى تعيين فاعلٍ؛ لأنَّ المقصود المُلْقَى لا تعيينُ
من ألقاه، كما تقول: قُتل الخارجيُّ.
وأنت تعلم أنَّ التعليل الذي ذكره الزمخشريُّ إلى ما اختاره صاحب ((الكشف))
أقرب. وبالجملةِ لا بدَّ من تأويل كلام صاحب ((الكشاف))، فإنه أجلُّ من أن يريد
ظاهرَه الذي يَرِدُ عليه ما أَوْرَدَه أبو حيان.
وفي سجود السحرة وتسليمِهم دليلٌ على أنَّ منتهى السحر تمويهٌ وتزويقٌ يخيِّل
شيئاً لا حقيقة له؛ لأنَّ السحر أقوى ما كان في زمن موسى عليه السلام، ومن أتى
به فرعونُ أعلمُ أهلِ عَصْرِه به، وقد بَذَلوا جهدهم، وأظهروا أعظم ما عندهم منه،
ولم يأتوا إلا بتمويهٍ وتزويقٍ، كذا قيل. والتحقيقُ أنَّ ذلك هو الغالبُ في السحر،
لا أنَّ كلَّ سحرٍ كذلك.
(١) في الكشاف ٣/ ١١٣ .
(٢) البحر ١٦/٧ .

سُورَةُ الشِّجراء
١٧٨
الآية : ٤٧ - ٤٨
وقولُ القزوينيّ: إنَّ دعوى أنَّ في السحر تبديلَ صورةٍ حقيقةً من خرافات العوامِّ
وأسمار النسوة؛ فإن ذلك مما لا يمكن في سِحْرٍ أبداً = لا يخلو عن مجازفةٍ.
واستُدِلَّ بذلك أيضاً على أنَّ المبخُّر في كلِّ علم نافعٌ، فإنَّ أولئك السَّحرةِ
لتبخّرهم في علم السحر علموا حقِّيةً(١) ما أتى به موسى عليه السلام وأنه معجزةٌ،
فانتفعوا بزيادة عِلْمِهم لأنه أدَّهم إلى الاعتراف بالحقِّ والإيمان؛ لفَرْقِهم بين
المعجزة والسحر.
وتعقِّب بأنَّ هذا إنما يُثْبِتُ حكماً جزئيًّا كما لا يخفى.
وذكر بعضُ الأجلَّةِ أنهم إنما عرفوا حقِّيةَ ذلك بعد أن أخذ موسى عليه السلام
العصا فعادت كما كانت، وذلك أنهم لم يروا لحبالهم وعصيِّهم بعدُ أثراً، وقالوا:
لو كان هذا سحراً لبقيت حبالُنا وعصيُّنا. ولعلها على هذا صارت أجزاءٌ هَبَائِيَّة
وتفرَّقَتْ أو عُدِمَتْ لانقطاع تعلُّق الإرادة بوجودها .
وقال الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه في الباب السادس عَشَرَ والبابِ الأربعين من
(الفتوحات))(٢): إنَّ العصا لم تَلْقَفْ إلَّا صُوَرَ الحيَّات من الحبال والعصيِّ، وأمَّا
هي فقد بقيت ولم تعدم كما توقَّمه بعض المفسِّرين، ويدل عليه قوله تعالى: (نَلْقَفْ
مَا صَنَعُواْ) وهم لم يصنعوا إلا الصُّوَرَ، ولولا ذلك لوقعت الشبهةُ للسحرة في عصا
موسى عليه السلام فلم يؤمنوا. انتهى ملخَّصاً فتأمَّل.
﴿قَالُواْ ءَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ (﴾﴾ بدلُ اشتمالٍ من ((ألقي))؛ لِمَا بَيْنَ الإلقاءِ المذكورِ
وهذا القولِ من الملابَسة، أو حالٌ بإضمار ((قد)» أو بدونه، ويحتمل أن يكون
استئنافاً بيانياً، كأنه قيل: فما قالوا؟ فقيل: ((قالوا آمنا برب العالمين)).
عطفُ بيانٍ لـ ((ربّ العالمين)) أو بدلٌ منه، جيء به لدَفْعِ
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
٤٨
توهُّم إرادةٍ فرعونَ، حيث كان قومُه الجهلةُ يسمُّونه بذلك، وللإشعارِ بأنَّ الموجبَ
لإيمانهم به تعالى ما أجراه سبحانه على أيديهما من المعجزة القاهرة. ومعنى كونه
تعالى ربَّهما أنه جلَّ وعلا خالقهما ومالِكُ أمرِهما .
(١) في الأصل: حقيقة.
(٢) الفتوحات المكية ١٥٨/١، ٢٣٤.

الآية : ٤٩
١٧٩
سُؤَدَّةُ الشّعراء
وجوِّز أن يكون إضافةُ الربِّ إليهما باعتبار وَصْفِهما له سبحانه بما تقدَّم من قول
موسى عليه السلام: ((ربُّ السماواتِ والأرض وما بينهما)) وقوله: ((ربُّكم وربُّ
آبائكم الأوَّلين)) وقوله: ((ربُّ المشرقِ والمغربِ وما بينهما))، فكأنهم قالوا: آمنًّا
بربِّ العالمين الذي وَصَفَه موسى وهارون. ولا يَخْفَى ما فيه وإن سلِّم سماعُهم
للوصف المذكور بعد أن حُشروا من المدائن.
﴿قَالَ﴾ فرعونُ للسحرة: ﴿َمَنْتُمْ لَهُ، قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ﴾ أي: بغير أنْ آذَنَ(١) لكم
بالإيمان له، كما في قوله تعالى: ﴿قَّلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِ﴾ [الكهف: ١٠٩] إلَّا أنَّ
الإذن منه ممكنٌ أو متوقَّعٌ.
﴿إِنَّهُ لَكِيُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ اٌلِخْرَ﴾ فتواطأْتُم على ما فعلتُم، فيكون كقوله: ﴿إِنَّ
هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ﴾، إلخ [الأعراف: ١٢٣]، أو علَّمكم شيئاً دون شيءٍ فلذلك غلبكم
كما قيل، ولا يَرِدُ عليه أنه لا يتوافَقُ الكلامان حينئذٍ، إذ يجوزُ أن يكون فرعون قال
كلّ منهما وإن لم يُذْكَرا معاً هنا. وأراد اللعين بذلك التلبيسَ على قومه كيلا يعتقدوا
أنّهم آمنوا عن بصيرةٍ وظهورٍ حقٍّ.
وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ وأبو بكر وروح: (أآمنتم)) بهمزتين(٢).
﴿فَلَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وَبالَ ما فعلتُم. واللامُ قيل: للابتداء دخلت الخبر لتأكيد
مضمون الجملةِ، والمبتدأ محذوف، أي: فلأنتم سوف تعلمون. وليست للقسم
لأنها لا تدخل على المضارع إلّا مع النون المؤكِّدة. وجمعُها مع ((سوف)) للدلالة
على أنَّ العلم كائنٌ لا محالةَ، وإن تأخّر لداعٍ.
وقيل: هي للقسم، وقاعدةُ التلازُم بينها وبين النون فيما عدا صورةَ الفَصْلِ بينها
وبين الفعل بحرف التنفيس، وصورةَ الفَصْلِ بينهما بمعمولِ الفعل، كقوله تعالى:
﴿لَإِلَى الَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨].
وقال أبو عليٍّ: هي اللامُ التي في لأقومنَّ، ونابَتْ ((سوف)) عن إحدى نوني
التأكيد، فكأنه قيل: فلَتَعلمُنَّ.
(١) في الأصل: بغير إذن، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٤٣/٦، والكلام منه.
(٢) سلفت هذه القراءة عند تفسير الآية (١٢٣) من سورة الأعراف.

سُورَةُ الشعراء
١٨٠
الآية : ٥٠ - ٥١
وقولُه تعالى حكايةٌ عنه: ﴿لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُ وَأَزْجُلَكُ مِنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلْتَّكُمْ أَجْمَعِينَ
٤٩
بيانٌ لمفعولِ ((تعلمون)» المحذوفِ الذي أشرنا إليه، وتفصيلٌ لِمَا أُجْمِلَ، ولذا فُصِلَ
وعُطِفَ بالفاء في محلٌّ آخر(١). وقد مرَّ معنى ((من خلافٍ))(٢).
﴿قَالُواْ﴾ أي: السَّحَرةُ: ﴿لَا ضَيْرِّ﴾ أي: لاضَرَرَ علينا فيما ذَكَرْتَ مِن قَطْعِ
الأيدي وما معه. والضيرُ مصدرُ ضارَ، وجاء مصدرُه أيضاً: ضَوْراً، وهو اسمُ
((لا))، وخبرُها محذوفٌ، وحَذْفُه في مثل ذلك كثيرٌ.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِنَا﴾ أي: الذي آمنًّا به ﴿مُقَلِبُونَ ﴾﴾ تعليلٌ لنفي
الضير، أي: لا ضير في ذلك، بل لنا فيه نفعٌ عظيمٌ لِمَا يَحْصُلُ لنا من الصبر عليه
لوجه الله تعالى من الثواب العظيم.
أو لا ضير علينا فيما تفعلُ لأنه لا بدَّ من الموت بسببٍ من الأسباب،
والانقلابِ إلى الله عزَّ وجلَّ :
ومَن لم يَمُتْ بالسيفِ مات بغيره تعدَّدتِ الأسبابُ والموتُ واحد (٣)
وحاصلُه نفيُ المبالاة بالقتل معلّلاً بأنه لا بدَّ من الموت، ونظيرُ ذلك قولُ عليٍّ
كرم الله وجهه: لا أبالي أَوَقعْتُ على الموت أم وقع الموتُ عليَّ.
أو: لا ضيرَ علينا في ذلك؛ لأنَّ مصيرنا ومصيرَكَ إلى ربِّ يحكمُ بيننا فينتقم لنا
منك، وفي معنى ذلك قولُه:
إلى ديَّانِ يوم الدِّين نمضي وعند الله تجتمعُ الخصومُ(٤)
ولم يَرْتَضِه بعضُهم لأنَّ فيه تفكيكَ الضمائر لكونها للسحرة فيما قبلُ وبعدُ،
ومُنِعَ بدخولهم في ضمير الجمع، فتأمَّل.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَلْنَآ أَنْ كُنَّا﴾ أي: لِأَنْ كِنَّا ﴿أَوَّلَ
الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ تعليلٌ ثانٍ لنفي الضَّيْرِ، ولم يعطف إيذاناً بأنه مما يستقلُّ بالعلِّية.
(١) في الآية (٧١) من سورة طه.
(٢) عند تفسير الآية (١٢٤) من سورة الأعراف.
(٣) سلف عند تفسير الآية (١٢٥) من سورة الأعراف.
(٤) سلف عند تفسير الآية (١٢٥) من سورة الأعراف.