Indexed OCR Text

Pages 101-120

الآية : ٦٣
١٠١
سُورَةُ الفُرْقَانِ
مكيةٌ، والسلامُ في ((النساء)) وهي مدنيةٌ، ولم يؤمرِ المسلمون بمكة أن يسلِّموا على
المشركين(١).
وقال الأصمُّ: هو سلامُ توديع لا تحيةٌ، كقول إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿سَلَمُ
عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧]. ولا يَخْفَى أنه راجع إلى المُتَارَكةِ، وهو كثيرٌ في كلام العرب.
وقال مجاهد: المراد: قالوا قولاً سديداً.
وتعقِّب بأنَّ هذا تفسيرٌ غيرُ سديدٍ؛ لأنَّ المراد هاهنا: يقولون هذه اللفظةَ،
لا أنهم يقولون قولاً ذا سدادٍ، بدليلٍ قوله تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾
[القصص : ٥٥].
وردَّه صاحبُ ((الكشف)) بأن تلك الآية لا تخالِفُ هذا التفسيرَ؛ فإنَّ قولهم:
سلامٌ عليكم، من سَدادِ القول أيضاً، كيف والظاهرُ أنَّ خصوصَ اللفظ غيرُ
مقصودٍ، بل هو أو ما يؤدِّي مؤذَّاه أيضاً من كلِّ قولٍ يدلُّ على المتارَكةِ مع الخلوِّ
عن الإثم واللغوِ، وهو حَسَنٌ لا غبارَ عليه.
وفي بعض التواريخ كما في ((البحر))(٢) أنَّ إبراهيم بنَ المهديِّ كان منحرفاً عن
عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، فرآه في النوم قد تقدَّم إلى عبورٍ قنطرةٍ، فقال له:
إنَّما تدَّعي هذا الأمرَ بامرأةٍ، ونحن أحقُّ به منك. فحَكَى ذلك على المأمون(٣) ثم
قال: ما رأيتُ له بلاغةً في الجواب كما يُذْكَرُ عنه. فقال له المأمون: فما أجابك
به؟ قال: كان يقول لي: سلاماً سلاماً. فقال المأمون: يا عمّ، قد أجابك بأبلغ
جوابٍ، ونبَّهه على هذه الآية، فخَزِيَ إبراهيمُ واستَحْيَى. عليه من الله تعالى
ما يستحق.
والظاهرُ أنَّ المراد مَدْحُهم بالإغضاء عن السفهاء وتَرْكِ مقابلتهم في الكلام،
ولا تعرُّضَ في الآية لمعاملتهم مع الكفرة، فلا تُنافي آيةَ القتال ليُدَّعَى نَسْخُها بها؛
(١) الكتاب ٣٢٥/١.
(٢) ٥١٣/٦، وذكره أيضاً أبو الفرج في الأغاني ١٢٦/١٠، وابن عطية في المحرر الوجيز
٢١٩/٤.
(٣) في البحر: للمأمون.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
١٠٢
الآية : ٦٤ - ٦٥
لأنها مكيةٌ وتلك مدنيةٌ. ونُقل عن أبي العاليةِ واختاره ابنُ عطية أنها نُسِخَتْ بالنظر
إلى الكفرة بآية القتال(١).
بيانٌ لحالهم في
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسِتُونَ لِرَيْهِمْ سُقَدًا وَقِيَمًا لـ
معاملتهم مع ربِّهم. وكان الحسن إذا قرأ ما تقدَّم يقول: هذا وصفُ نهارهم، وإذا
قرأ هذه قال: هذا وَصْفُ ليلهم.
والبيتوتةُ: أنْ يُدْرِكِكَ الليلُ نِمْتَ أوْ لَمْ تَنَمْ. و ((لربِّهم)) متعلِّقٌ بما بعده، وقدّم
للفاصلة والتخصيص.
والقِيامُ جمعُ قائم، أو مصدرٌ أُجْريَ مجراه، أي: يبيتون ساجدين وقائمين
لربِّهم سبحانه، أي: يُخَّيُونَ الليلَ كلًّا أو بعضاً بالصلاة.
وقيل: مَن قرأ شيئاً من القرآن بالليل في صلاةٍ فقد بات ساجداً وقائماً.
وقيل: أريدَ بذلك فِعْلُ الركعتين بعد المغرب والركعتين بعد العشاء.
وقيل: مَن شَفَعَ وأَوْتَرَ بعد أن صلَّى العشاء فقد دخل في عموم الآية.
وبالجملة: في الآية حضٍّ على قيام الليل في الصلاة. وقدَّم السجودَ على القيام
ولم يَعْكِسْ وإن كان متأخِّراً في الفِعْلِ لأَجْلِ الفواصل، ولأنه أقربُ ما يكون
العبدُ فيه من ربِّه سبحانه، وإباءٍ(٢) المستكبرين عنه في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾
الآيةَ [الفرقان: ٦٠].
وقرأ أبو البرهسم: ((سجوداً) على وزن قعوداً، وهو أوفقُ بـ ((قياماً)).
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ في أعقاب صلواتهم، أو في عامةِ أوقاتهم: ﴿رَبَّنَا أَصْرِفْ عَنَّا
عَذَابَ جَهَتَّمْ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾﴾ أي: لازماً، كما أخرجه الطستيُّ عن ابن
عباس، وأنشد رَضُه في ذلك قولَ بشر بن أبي خازم(٣):
(١) المحرر الوجيز ٢١٨/٤، وفيه: وهذه الآية كانت قبل آية السيف، فنسخ منها ما يختص
الكفرة، وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة.
(٢) أي: ولإباء. ينظر حاشية الشهاب ٤٣٦/٦.
(٣) في الأصل و(م): حاتم، والصواب ما أثبتناه.

الآية : ٦٦
١٠٣
سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ
رٍ كانا عذاباً وكانا غراماً(١)
ويومُ النِّسار ويومُ الجِفا
ومثلُه قول الأعشى:
إِنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غراماً وإن يُعْـ
◌ِ جزيلاً فإنَّه لا يبالي (٢)
وهذا اللزومُ إِمَّا للكفار، أو المرادُ به الامتدادُ كما في لزوم الغريم.
وفي روايةٍ أخرى عنه تفسيرُه بالفظيع الشديد. وفسَّره بعضُهم بالمُهْلِكِ.
وفي حكاية قولِهم هذا مزيدُ مَذْحٍ لهم ببيان أنهم مع حُسْنٍ معاملتهم مع الخلق
واجتهادِهم في عبادة الحقِّ يخافون العذابَ، ويبتهلون إلى ربِّهم عزَّ وجلَّ في صَرْفِه
عنهم غيرَ محتفلينَ بأعمالهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَهُمْ إِلَى
◌َهُمْ رَجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وفي ذلك تحقيقُ إيمانهم بالبعث والجزاء.
والظاهرُ أنَّ قوله تعالى: (إِنَ عَذَابَهَا) إلخ من كلام الدَّاعينَ، وهو تعليلٌ
لاستدعائهم المذكورِ بسوء حال عذابها. وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًا
وَمُقَامًا (٣)﴾ وهو تعليلٌ لذلك بسوء حالها في نفسها. وتركُ العطفِ للإشارة إلى أنَّ
كلاَّ منهما مستقلٌّ بالعِلِّية.
وقيل: تعليلٌ لِمَا علِّل به أوَّلاً، وضعَّفه ابن هشام في ((التذكرة))(٣) بأنه لا مناسبةً
بين كونِ الشيء غراماً وكونِه ساء مستقرًّا.
وأجيب: بأنه بملاحظة اللزوم والمقام، فإنَّ المقامَ من شأنه اللزومُ.
وقيل: كلتا الجملتين من كلامه تعالى ابتداء علِّل بهما القولُ على نحو ما تقدَّم،
أو علِّل ذلك بأولاهما وعلِّلتِ الأولى بالثانية. وجوِّز كونُ إحداهما مقولةً والأخرى
ابتدائیةً. والكلُّ كما ترى.
و(سَآءَتْ) في حُكْمٍ بئست، والمخصوصُ بالذِّ محذوفٌ تقديرُه هي، وهو
الرابطُ لهذه الجملة بما هي خبرٌ عنه إن لم يكن ضميرَ القصة، و(مُسْتَقَرًّا) تمييزٌ،
(١) الدر المنثور ٧٧/٥، والبيت في ديوان بشر ص١٩٨، ونسبه صاحب اللسان (غرم)
للطرماح، وهو في ذيل ديوانه ص٥٨٤ .
(٢) ديوان الأعشى ص١٦٧ .
(٣) كما في حاشية الشهاب ٤٣٦/٦، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
١٠٤
الآية : ٦٧
وفيها ضميرٌ مبهمٌ عائدٌ على ((مستقرًّا)) مفسَّر به، وأنّثَ لتأويل المستقرِّ بجهنم أو
مطابَقةً للمخصوص. ألا ترى إلى ذي الرُّمَّةِ كيف أنَّثَ الزورق على تأويلِ السفينة
حيث كان المخصوصُ مؤنَّئاً في قوله:
أو حرَّةٌ عيطلٌ تَبْجاءُ مُجْفَرةٌ
دعائمُ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زورقُ البلدِ(١)
قيل: ويجوزُ أن تكون ((ساءت)) بمعنى أَحْزَنَت، فهي فعلٌ متصرِّفٌ متعدٍّ،
وفاعلُه ضميرُ جهنّم، ومفعولُه محذوفٌ أي: أَحْزَنتْ أهلَها وأصحابَها، و((مستقرًّا))
تمييزٌ أو حالٌ، وهو مصدرٌ بمعنى الفاعل، أو اسمُ مكانٍ وليس بذاك.
والظاهرُ أنَّ ((مستقراً ومقاماً)) كقوله:
وأَلْفَى قولَها كذباً ومَيْنا (٢)
وحسَّنه كونُ المقام يستدعي التطويلَ، أو كونُه فاصلة. وقيل: المستقرُّ للعصاة
والمقامُ للكفرة. و((إنَّ) في الموضعين للاعتناء بشأن الخبر.
وقرأت فرقةٌ: ((ومَقاماً)) بفتح الميم، أي: مكانَ قيامٍ (٣).
﴿وَالَّذِينَ إِذّآ أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُوا﴾ أي: لم يتجاوَزوا حدَّ الكَرَمِ ﴿وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ أي:
ولم يضيِّقوا تضييقَ الشحيح.
وقال أبو عبد الرحمن الحُبُلي (٤): الإسرافُ: هو الإنفاقُ في المعاصي،
والقترُ: الإمساكُ عن طاعةٍ. وروي نحوُ ذلك عن ابن عباس ومجاهدٍ وابن زيدٍ .
وقال عون بنُ عبد الله بن عتبة(٥): الإسرافُ أن تُنْفِقَ مالَ غيرك.
(١) ديوان ذي الرمة ١٧٤/١. قوله: حرة، أي: كريمة. وعيطل: طويلة العنق. ثبجاء: ضخمة
الثََّج، والثبج: الوَسَط. مجفرة: ضخمة الوسط. الزَّور: عظم الصدر، ودعائم الزور:
الضلوع. قاله شارح الدیوان.
(٢) وصدره: وقدَّمَتِ الأديمَ لراهشَيْه. والبيت لعدي بن زيد، وهو في ديوانه ص١٨٣ ،
والراهشان: عرقان في باطن الذراعين. الصحاح (رهش). والشاهد فيه عطف المين على
الكذب - وهما بمعنى - لاختلاف اللفظ تأكيداً، ينظر تفسير القرطبي ٢/ ١٠٧.
(٣) البحر ٥١٣/٦.
(٤) هو عبد الله بن يزيد المعَافري، توفي سنة مئة بإفريقية، من رجال التهذيب.
(٥) ابن مسعود الهُذّلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة عابد، توفي قبل سنة (١٢٠ هـ)، من رجال

الآية : ٦٧
١٠٥
سُؤَدَّةُ الفُرْقَانِ
وقرأ الحسن وطلحةُ والأعمشُ وحمزةٌ والكسائيُّ وعاصمٌ: ((يَقْتُروا)) بفتح الياء
وضمِّ التاء. ومجاهدٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرو بفَتْحِ الياء وكَسْرِ التاء. ونافعٌ وابنُ عامر
بضمِّ الياء وكَسْرِ التّاءِ(١).
وقرأ العلاء ابن سيَابَةِ(٢) واليزيديُّ بضم الياء وفتح القَاف وكَسْرِ التاء
مشدّدةً(٣). وكلُّها لغاتٌ في التضييق.
وأنكر أبو حاتم لغةً أَقْتَرَ رباعيًّا هنا وقال: إنما يقال أقتر إذا افتقر، ومنه: ﴿وَعَلَى
اٌلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وغاب عنه ما حكاه الأصمعيُّ وغيرُه من أَقْتَرَ بمعنى ضيَّقَ(٤).
﴿وَكَانَ﴾ إنفاقُهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المذكورِ من الإسراف والقتر ﴿قَوَامًا
وَسَطاً وعَدْلاً، سمِّ به لاستقامة الطرفين وتعادُلهما كأنَّ كلَّ منهما يقاوِمُ الآخَرَ
كما سمِّي سواء لاستوائهما .
وقرأ حسان: ((قِواماً)) بكسر القاف(٥). فقيل: هما لغتان بمعنى واحدٍ، وقيل: هو
بالكسر ما يقام به الشيءُ، والمراد به هنا ما يقام به الحاجةُ لا يَفْضُلُ عنها ولا ينقص.
وهو خبرٌ ثانٍ لـ (كان)) مؤكِّدٌ للأول وهو ((بين ذلك))، أو هو الخبرُ و((بين ذلك))
إما معمولٌ لـ ((كان)) على مذهبٍ مَن يرى أنَّ ((كان)» الناقصةَ تعمل في الظرف،
وإما حالٌ من ((قواماً))؛ لأنه لو تأخّر لكان صفةً، وجوِّز أن يكون ظرفاً لغواً متعلِّقاً
به. أو ((بين ذلك)) هو الخبر، و((قواماً)) حالٌ مؤكّدة.
التهذيب. وأخرج قوله الطبري ١٧ / ٥٠٠ -٥٠١.
=
(١) التيسير ص١٦٤، والنشر ٣٣٤/٢، وقرأ خلف مثل قراءة حمزة والكسائي وعاصم. وقرأ
يعقوب مثل قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ أبو جعفر مثل قراءة نافع وابن عامر.
(٢) في الأصل و(م): سبابة، والصواب ما أثبتناه، وهو بسين مهملة، بعدها ياء مفتوحة، وبعد
الألف باء، والعلاء بن سيابة كوفي يروي عن طلحة بن مصرف وغيره، روى عنه ابنه
الوليد بن العلاء. الإكمال ١٤/٥ - ١٥.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والدر المصون ٥٠١/٨.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١٦٧/٣، والبحر ٥١٤/٦، وعنه نقل المصنف.
(٥) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والمحتسب ١٢٥/٢، والبحر ٥١٤/٦. وحسان هو ابن
عبد الرحمن الضُّبعي، نسبة إلى ضبعة قبيلة من قيس، تابعي روى عنه قتادة. الثقات ١٦٤/٤،
والإصابة ٣٨/٣، وفيض القدير ٣١٣/٥.

سُورَةُ القُرْقَان
١٠٦
الآية : ٦٧
وأجاز الفرَّاء(١) أنْ يكون ((بين ذلك)) اسمَ ((كان)) وبُنيَ لإضافته إلى مَبنيٍّ، كقوله
تعالى: ((ومِن خزيٍ يومَئذٍ)) في قراءةٍ مَن فَتَحَ الميم (٢)، ومنه قولُ الشاعر:
حمامةٌ في غصونٍ ذاتٍ أَوْقالٍ (٣)
لم يمنع الشربَ منها غيرَ أنْ نَطَقَتْ
وتعقَّبه الزمخشريُّ بأنه من جهة الإعراب لا بأسَ به، ولكنَّ المعنى ليس بقويٌّ؛
لأنَّ ما بين الإسراف والتقتير قوامٌ لا محالةَ، فليس في الخبر الذي هو معتمَدُ
الفائدةِ فائدةٌ(٤). وحاصلُه أنَّ الكلام عليه من باب: كان الذاهبُ جاريتُه صاحبَها،
وهو غيرُ مفيدٍ. ولا يخفى أنه غيرُ واردٍ على قراءةِ ((قِواماً)) بالكسر على القول الثاني
فيه، وعلى غير ذلك متَّجهٌ.
وما قيل من أنه من بابٍ: شِعْري شِعْري(٥)، والمعنى: كان قَواماً معتبراً مقبولاً،
غيرُ مقبولٍ لأنه مع بُعْدِه إنما ورد فيما اتَّحد لَفْظُه، وما نحن فيه ليس كذلك.
وكذا ما قيل: إنَّ ((بين ذلك)) أعمُّ من القَوَام بمعنى العَدْلِ الذي يكون نسبةُ كلِّ
واحدٍ من طرفيه إليه على السواء، فإنَّ ما بين الإقتار والإسراف لا يلزم أن يكون
قَواماً بهذا المعنى؛ إذ يجوز أن يكون دون الإسراف بقليلٍ وفوق الإقتار بقليلٍ = فإنه
تكلُّفٌ أيضاً؛ إذ ما بينهما شاملٌ لحاقٌ الوسط وما عَدَاه كالوسط من غير فرقٍ،
ومِثْلُه لا يُستعمل في المخاطبات لإلْغازِهِ.
وقيل: لأنه بعد تسليم جواز الإخبار عن الأعمِّ بالأخصِّ يبعدُ أن يكون مَدْحُهم
بمراعاةٍ حاقٌّ الوسط مع ما فيه من الحرج الذي نُفي عن الإسلام.
وفيه أنه لا شكَّ في جواز الإخبار عن الأعمِّ بالأخصِّ، نحو: الذي جاءني
زيدٌ، والقائل لم يُرِدْ الحاقَّ الحقيقيَّ بل التقريبيَّ كما يدلُّ عليه قولُه: بقليل،
ولا حَرَجَ في مثله فتأمَّل.
(١) في معاني القرآن ٢٧٣/٢.
(٢) هي قراءة نافع والكسائي كما سلف ٥٣٢/١١-٥٣٣.
(٣) سلف ١٢/ ٦٩.
(٤) الكشاف ١٠٠/٣.
(٥) سلف ٤١٧/٢. وهو قطعة من رجز لأبي النجم في ديوانه ص٩٩، وتمامه: أنا أبو النجم
وشعري شعري، وبعده: لله درِّي مما يُچِنُّ صَذري.

الآية : ٦٧
١٠٧
سُورَةُ القُرْقَانِ
ولعل الإخبار عن إنفاقهم بما ذُكر بعد قوله تعالى: (إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ
يَقْتُرُواْ) المستلزم لكونِ إنفاقهم كذلك للتنصيص على أنَّ فِعْلَهم من خير الأمور، فقد
شاع: خيرُ الأمَورِ أوساطُها(١). والظاهرُ أنَّ المراد بالإنفاق ما يعمُّ إنفاقَهم على
أنفسهم وإنفاقَهم على غيرها، والقَوامُ في كلِّ ذلك خير، وقد أخرج أحمد
والطبرانيُّ عن أبي الدرداء عن النبيِّ بَّهِ: (مِنْ فِقْهِ الرَّجلِ رِفْقُه في معيشِه))(٢).
وأخرج ابن ماجه في ((سننه)) عن أنس قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ من السَّرَفِ
أن تأكلَ كلَّ ما اشْتَهْتَ)»(٣).
وحُكي عن عبد الملك بن مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز عليه الرحمةُ حين
زوَّجه ابنته فاطمةَ: ما نفقتُك؟ فقال له عمر: الحسنةُ بين السيئتين، ثم تلا الآية (٤).
وقد مَدَحِ الشعراء التوسُّطَ في الأمور والاقتصادَ في المعيشة قديماً وحديثاً،
ومن ذلك قولُه:
كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذميمُ"
ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمرِ واقْتَصِدْ
وقول حاتم :
وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذمِّ أجمعًا (٦)
إذا أنت قد أعطيتَ بطنكَ سُؤْلَه
(١) أخرجه ابن سعد ٧/ ١٤٢، وابن أبي شيبة ٤٧٩/١٣ عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قوله،
وأخرجه الطبري ١٧/ ٥٠٠ من قول يزيد بن مرة الجعفي، وأبو نعيم في الحلية ٢٨١/٢ من
قول أبي قلابة. وينظر المقاصد الحسنة ص٣٣٢، وجمهرة الأمثال ٤١٩/١.
(٢) مسند أحمد (٢١٦٩٥)، ومسند الشاميين (١٤٨٢)، وفي إسناده أبو بكر بن عبد الله بن
أبي مريم، وهو ضعيف.
(٣) سنن ابن ماجه (٣٣٥٢)، وأخرجه أيضاً ابن حبان في المجروحين ٤٧/٣ وهو من طريق
نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس به، ونوح بن ذكوان، قال عنه ابن حبان: منكر الحديث
جدًّا. وقال أبو حاتم: نوح ليس بشيء. الميزان ٢٧٧/٤. وأخرج عبد الرزاق في التفسير
٧١/٢، وأحمد في الزهد ص ١٥٣ نحوه من طريق الحسن عن عمر رظراته قوله، والحسن لم
يسمع من عمر. وينظر تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص ١٢٢ .
(٤) الكشاف ٣/ ١٠٠، والبحر ٥١٤/٦ وعنه نقل المصنف.
(٥) البيت لحَمْد بن محمد الخطابي، وهو في قرى الضيف ٣٨٥/٤، ومعجم الأدباء ٢٥٩/٤.
وينظر الخزانة ١٢٢/٢-١٢٣.
(٦) ديوان حاتم ص٦٨ برواية: وإنك مهما تُعطِ بطنك ....

سُورَةُ القُرْقَانِ
١٠٨
الآية : ٦٨
وقول الآخر:
ولمْ يَنْهَها تاقَتْ إلى كلِّ باطلٍ
إذا المرءُ أعطى نفسَه كلَّ ما اشتهتْ
دَعَتْه إليه من حلاوةِ عاجلٍ(١)
وساقتْ إليه الإثمَ والعارَ بالذي
إلى غير ذلك.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ أي: لا يشركون به غيرَه سبحانه.
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِ حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أي: حرَّمها الله تعالى؛ بمعنى: حرَّم
قَتْلَها؛ لأنَّ التحريم إنَّما يتعلَّقُ بالأفعال دون الذَّوَاتِ، فخُذِفَ المضافُ وأُقيم
المضافُ إليه مقامَه مبالغةً في التحريم. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ((لا يقتلون))،
والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ الأسباب، أي: لا يقتلونها بسببٍ من الأسباب إلَّا
بسببِ الحقِّ المزيلِ لحُرْمَتِها وعِصْمَتِها، كالزنى بعد الإحصان، والكفرِ بعد
الإيمان.
وجوِّز أن يكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: لا يقتلونها نوعاً من القتل إلا قتلاً
ملتبساً بالحقِّ. وأن يكون حالاً، أي: لا يقتلونها في حالٍ من الأحوال إلَّ حالَ
كونهم ملتبسين بالحقِّ.
وقيل: يجوزُ أن يكون متعلِّقاً بالقتل المحذوفِ، والاستثناءُ أيضاً من أعمِّ
الأسباب، أي: لا يقتلون النفس التي حرَّم الله تعالى قَتْلَها بسببٍ من الأسباب
إلا بسببٍ الحقِّ. ويكون الاستثناءُ مفرَّغاً في الإثبات لاستقامة المعنى بإرادة
العموم، أو لكون «حرَّم» نفياً معنّى. ولا يخفى ما فيه من التكلُّف.
﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ ولا يطؤون فَرْجاً محرَّماً عليهم.
والمرادُ من نفي هذه القبائح العظيمة التعريضُ بما كان عليه أعداؤهم من قريشٍ
وغيرهم، وإلا فلا حاجةَ إليه بعد وَصْفِهم بالصفات السابقة، من حُسْنِ المعاملة
(١) نسبهما ياقوت في معجم الأدباء ١٥٣/١٠ للحسين بن محمد بن عبد الوهاب، المعروف
بالبارع البغدادي، ثم نسبهما ٤٤/١٩ لمحمد بن محمد بن القاسم المعروف بابن
أبي المناقب. وجاء في الأصل: كلما اشتهت.

الآية : ٦٨
١٠٩
سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
وإحياءِ الليل بالصلاة ومَزيدٍ خوفهم من الله تعالى؛ لظهورِ استدعائها نفيَ ما ذُكر
عنهم. ومنه يُعْلَم حَلُّ ما قيل: الظاهرُ عكسُ هذا الترتيبِ وتقديمُ التخليةِ على
التحليةِ، فكأنه قيل: والذين طهّرهم الله تعالى وبرَّأهم سبحانه مما أنتم عليه من
الإشراك وقَتْلِ النفس المحرَّمةِ كالموؤودة والزنى.
وقيل: إنَّ التصريح بنفي الإشراك مع ظهور إيمانهم لهذا، أو لإظهار كمالٍ
الاعتناء والإخلاص، وتهويلٍ أمر القتل والزنى بنَظْمِهما في سِلْكِه، وقد صحَّ من
رواية البخاريِّ ومسلم والترمذيِّ عن ابن مسعود قال: سألتُ رسول اللهِ وَالَ: أيُّ
الذنبِ أكبر؟ قال: ((أن تجعل الله تعالى ندًّا وهو خلقك)) قلت: ثم أي؟ قال: ((أنْ
تَقْتلَ وَلَدَكَ خشيةَ أن يَطْعَمَ معك)) قلت: ثم أي؟ قال: ((أنْ تُزانيَ حليلةَ جارٍك))
فأنزل الله تعالى تصديقَ ذلك: (وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ) الآية(١).
أنَّ ناساً من أهل
وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائيُّ عن ابن عباس رضيّ
الشِّرْكِ قد قَتَلوا فَأَكْثَروا، وزَنَوا فأكثروا، ثم أتوا محمداً وَّهِ فقالوا: إنَّ الذي
تقولُ وتدعو إليه لَحَسنٌ لو تخبرُنا أنَّ لِمَا عَمِلْنا كفارةٌ؟ فنزلت: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ) الآية، ونزلت: (قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ) الآية (٢)
[الزمر : ٥٣].
وقد ذكر الإمام الرازي أنَّ ذِكْرَ هذا بعد ما تقدَّم؛ لأنَّ الموصوف بتلك الصفاتِ
قد يرتكبُ هذه الأمورَ تديُّناً، فبيَّن سبحانه أنَّ المكلَّف لا يصير بتلك الخلال
وحدَها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونُه مُجانباً لهذه الكبائر(٣). وهو
كما ترى.
وجوِّز أن يقال في وَجْهِ تقديم التَّحْليةِ على التَّخْليةِ: كونَ الأوصافِ المذكورة
في التَّحليةِ أوفقَ بالعبودية التي جُعلت عنوانَ الموضوع؛ لظهور دلالتها على تَرْكِ
(١) صحيح البخاري (٦٠٠١)، وصحيح مسلم (٨٦)، وسنن الترمذي (٣١٨٢)، وهو عند أحمد
(٤١٣٤) .
(٢) صحيح البخاري (٤٨١٠)، وصحيح مسلم (١٢٢): (١٩٣)، وسنن أبي داود (٤٢٧٣)،
وسنن النسائي الكبرى (٣٤٥٢).
(٣) تفسير الرازي ١١٠/٢٤-١١١.

سُوَّةُ القُرْقَانِ
١١٠
الآية : ٦٨
الأنانية ومزيدِ الانقيادِ والخوفِ، والاقتصادِ في التصرُّفِ بما أَذِنَ المولى بالتصرُّفِ
فيه. ولا يأبى هذا قَصْدَ التعريضِ بما ذُكر في التخلية.
ويؤيِّد هذا القَصْدَ التعقيبُ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً
أي: ومَن يفعلُ ما ذكر يَلْقَ في الآخرة عقاباً لا يقادرُ قَدْرُه. وتفسيرُ الأثام بالعقاب
مرويٌّ عن قتادة وابنٍ زيد، ونَقَله أبو حيان عن أهلِ اللغة وأنشد قولَه:
عقوقاً والعقوقُ له أثامُ(١)
جَزَى الله ابنَ عُروةَ حيث أمسى
وأخرج ابن الأنباريٌّ عن ابن عباس أنه فسَّره لنافع بن الأزرق بالجزاء، وأنشد
قولَ عامر بن الطفيل :
ورؤَّينا الأسنَّةَ من صدَاءٍ ولاقتْ حميرٌ منَّا أَثَاما (٢)
والفرقُ یسیرٌ.
وقال أبو مسلم: الأثام: الإثمُ، والكلامُ عليه على تقدير مضافٍ، أي: جزاءً
أثامٍ، أو هو مجازٌ مِن ذِكْرِ السبب وإرادةِ المسَّبِ.
وقال الحسن: هو اسمٌ من أسماء جهنّم، وقيل: اسمُ بئرٍ فيها، وقيل: اسمُ
جبلٍ.
وروى جماعة عن عبد الله بن عمر ومجاهدٍ : أنه وادٍ في جهنم. وقال مجاهد:
فيه قیحٌ ودٌ.
وأخرج ابن المبارك في (الزهد)» عن شفيٍّ الأصبحي أنَّ فيه حياتٍ وعَقارِبَ
في فِقَارٍ إحداهُنَّ مقدارُ سبعين قُلَّةً من سمٌّ، والعقربُ منهنَّ مثلُ البغلة
الموكفة(٣).
(١) البحر ٦/ ٥١٥، والبيت لبَلْعاء بن قيس الكناني، كما في مجاز القرآن ٨١/٢، وتفسير
الطبري ٥٠٥/١٧، ونسب في اللسان (أثم) لشافع الليثي. ووقع في الأصل و(م): جزاء،
بدل: أثام، والمثبت من المصادر.
(٢) إيضاح الوقف والابتداء ٩٤/١، ولم نقف عليه في ديوان عامر بن الطفيل. ووقع في (م):
صداه .
(٣) الزهد (٣٣٦ - زوائد نعيم).

الآية : ٦٩
١١١
سُورَةُ القُرْقَانِ
وعن عكرمة: اسمٌ لأوديةٍ في جهنم فيها الزناةُ.
وقرئ: ((يُلَقَّ)) بضمِّ الياء وفتح اللام والقافُ مشدّدةٌ(١). وقرأ ابن مسعود
وأبو رجاء: (يَلْقَى)) بألفٍ (٢)، كأنه نوى حَذْفَ الضمة المقدَّرةِ على الألف فأقرَّتِ
الألف.
وقرأ ابن مسعود أيضاً: ((أياماً) جمع يوم(٣)، يعني شدائد، واستعمالُ الأيام
بهذا المعنى شائعٌ، ومنه: يوم ذو أيام، و: أيامُ العرب، لوقائعهم ومقاتَلَتِهم.
﴿يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ بدلٌ من ((يَلْقَ)) بدلَ كلٍّ من كلٍّ، أو بَدَل
اشتمالٍ. وجاء الإبدالُ من المجزوم بالشرط في قوله:
متى تأتنا تَلْمُمْ بنا في ديارنا تَجِدْ حطباً جَزْلاً وناراً تأجَّجا (٤)
﴿وَيَخْلٌُّ فِيهِ﴾ أي: في ذلك العذاب المضاعف ﴿مُهَانًا ﴾﴾ ذليلاً مستحقَراً،
فيجتمع له العذابُ الجسمانيُّ والروحانيُّ.
وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن كثير: ((يُضَعَّف)) بالياء والبناءِ للمفعول وطَرْحٍ
الألف والتضعيف(٥).
وقرأ شيبةُ وطلحةُ بنُ سليمان وأبو جعفر أيضاً: ((نُضَعِّفْ)) بالنون مضمومةً وكَسْرٍ
العين مضعَّفةً و((العذابَ)) بالنصب(٦).
وطلحة بن مصرِّفٍ: ((يُضاعِفْ)) مبنيًّا للفاعل، و((العذابَ)) بالنصب(٧).
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٥ عن ابن مسعود وأبي رجاء. وهي في البحر ٦/ ٥١٥ دون نسبة.
(٢) البحر ٦/ ٥١٥، وهي في الكشاف ١٠١/٣ دون نسبة.
(٣) الكشاف ١٠١/٣، والبحر ٥١٥/٦.
(٤) الكتاب ٨٦/١، والخزانة ٩٠/٩، ونسبه البغدادي لعبيد الله بن الحر. والحطب الجزل:
الغليظ منه .
(٥) التيسير ص١٦٤، والنشر ٢٢٨/٢ و٣٣٤ عن ابن كثير وأبي جعفر ويعقوب جزماً، وعن ابن
عامر رفعاً. والكلام من البحر ٦/ ٥١٥.
(٦) المحتسب ١٢٥/٢ عن طلحة بن سليمان، والكلام من البحر ٥١٥/٦، والمشهور عن
أبي جعفر ((يُضعَّفْ)) كما سلف.
(٧) البحر ٥١٥/٦.

سُورَةُ القُرْقَانِ
١١٢
الآية : ٧٠
وقرأ طلحة بن سليمان: ((وتَخْلُدُ)) بتاء الخطاب على الالتفات المنبئ عن شدَّة
الغضب مرفوعاً (١).
وقرأ أبو حيوة: ((ويُخلَّدْ)) مبنيًّا للمفعول مشدَّد اللام مجزوماً(٢). ورويتْ عن
أبي عمرو، وعنه كذلك مخفَّفاً(٣).
وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((يُضاعَفُ)) ((ويَخْلُدُ)) بالرفع فيهما(٤)، وكذا ابنُ عامٍ
والمفضَّلُ عن عاصم: ((يضاعَفُ)) ((ويُخْلَدُ)) مبنيًّا للمفعول مرفوعاً مخفَّفاً(٥).
والأعمش بضم الياء مبنيًّا للمفعول مشدّداً مرفوعاً (٦).
وقد عرفتَ وَجْهَ الجزم. وأمَّا الرفعُ فوجهُه الاستئنافُ، ويجوزُ جَعْلُ الجملة
حالاً من فاعلٍ ((يَلْقَ))، والمعنى: يلقَ أثاماً مضاعفاً له العذاب.
ومضاعفتُه مع قوله تعالى: ﴿وَحَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقوله
سبحانه: ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَ إلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] قيل: لانضمام
المعصية إلى الكفر، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا
صَلِحًا﴾ فإنَّ استثناء المؤمن يدلُّ على اعتبار الكفر في المستثنى منه.
وأُوْرِدَ عليه أنَّ تكرُّرَ ((لا)) النافيةِ يفيدُ نفيَ كلٍّ من تلك الأفعال، بمعنى:
لا يُؤْقِعون شيئاً منها، فيكون ((ومَن يَفْعَلْ ذلك)) بمعنى: ومَن يفعل شيئاً من ذلك،
ليتَّحِدَ مَوْرِدُ الإثبات والنفي، فلا دلالةَ على الانضمام، والمستثنى مَن جَمَعَ بين
ما ذُكر من الإيمان والتوبة والعمل الصالح، فيكون المستثنى منه غيرَ جامعٍ لها،
فلعل الجواب أنَّ المضاعفة بالنسبة إلى عذابٍ ما دونَ المذكورات.
(١) البحر ٦/ ٥١٥. وهي في المحتسب ١٢٥/٢ عن طلحة ولكن بالجزم.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والبحر ٦/ ٥١٥.
(٣) البحر ٦ / ٥١٥، والمشهور عن أبي عمرو: ((ويَخْلُدْ) كما في التيسير ص١٦٤، والنشر ٣٣٤/٢.
(٤) التيسير ص١٦٤، والنشر ٣٣٤/٢.
(٥) البحر ٦/ ٥١٥، وهي غير المشهور عنهما، فقراءة عاصم من رواية أبي بكر قد ذكرت قبلها،
وقراءته من رواية حفص: ((يُضاعَفْ)) ((ويَخلُدْ)) بالجزم فيهما، وهي قراءة حمزة والكسائي
وأبي عمرو ونافع وخلف. والمشهور عن ابن عامر: ((يُضَّفُ)) ((ويَخْلُدُ)). التيسير ص١٦٤،
والنشر ٢٢٨/٢ و٣٣٤.
(٦) البحر ٥١٥/٦.

الآية : ٧٠
١١٣
سُورَةُ الفُرْقَان
وتعقِّب بأنَّ الجواب المذكور لا بُعْدَ فيه وإن لم يُذْكَرْ ما دونها، إلَّا أنَّ الإيراد
ليس بشيءٍ؛ لأنَّ الكلام تعريضٌ للكفرة، ومن يَفْعَلْ شيئاً من ذلك منهم فقد ضمَّ
معصيته إلى كفره. ولو لم يلاحَظُ ذلك - على ما اختاره - لَزِمَ أنَّ مَن ارتكب كبيرةً
يكون مخلَّداً، ولا يَخْفَى فسادُه عندنا. وما ذكر من اتِّحادِ مورد الإثبات والنفي ليس
بلازم.
ثم إنَّ في الكلام قرينةً على أنَّ المستثنى منه مَن جَمَعَ بين أضدادها كما علمتَ،
ولذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح مع أن العمل مشروط بالإيمان، فذكره
للإشارة إلى انتفائه عن المستثنى منه، ولذا قدَّم التوبة عليه، ويحتمل أنَّ تقديمها
لأنها تخليةٌ .
وقال بعضُهم: ليس المرادُ بالمضاعَفَةِ المذكورة ضمَّ قَدْرَينٍ متساويين من
العذاب كلٌّ منهما بقَدْرٍ ما تقتضيه المعصية، بل المرادُ لازمُ ذلك، وهو الشدّة،
فكأنه قيل: ومَن يفعل ذلك يعذَّب عذاباً شديداً، ويكون ذلك العذابُ الشديد جزاءً
كلٍّ مِن تلك الأفعال وممائِلاً له، والقرينةُ على المجاز قولُه تعالى: ﴿وَمَن جَّةً
بِالسَّيْئَةِ فَلَ يُجْزَىٌ إلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ونحوُه، ويراد من الخلود المكثُ الطويلُ
الصادق بالخلود الأبديِّ وغيره، ويكونُ لمن أَشْرَكَ باعتبارٍ فَرْدِهِ الأوَّلِ، ولمن
ارتكب إحدى الكبيرتين الأخيرتين باعتبارِ فردِهِ الآخَرِ. وهو كما تری.
ومثلُه ما قيل من أنَّ المضاعَفةَ لحفظ ما تقتضيه المعصيةُ، فإنَّ الأمر الشديد إذا
دام هان.
هذا، والظاهرُ أنَّ الاستثناءَ متَّصِلٌ على ما هو الأصلُ فيه، وقال أبو حيَّان(١):
الأَوْلَى عندي أن يكون منقطعاً، أي: لكنْ مَن تابَ .. إلخ؛ لأنَّ المستثنى منه على
تقديرِ الاتّصال محكومٌ عليه بأنه يضاعَفُ له العذابُ، فيصيرُ التقدير: إلَّا من تاب
وآمن وعمل عملاً صالحاً فلا يضاعَفُ له العذاب، ولا يلزمُ من انتفاءِ التضعيف
انتفاءُ(٢) العذاب غيرِ المضعَّف.
(١) في البحر ٥١٥/٦.
(٢) في الأصل و(م): لقاء، والمثبت من البحر، ومثله في الدر المصون ٥٠٤/٨ نقلاً عن
البحر.

سُؤَدَّةُ الفُرْقَانِ
١١٤
الآية : ٧٠
وفيه أنَّ قوله تعالى الآتي: (فَأُوْلَكَ) إلخ احتراسٌ لدَفْع توهُّم ثبوتِ أصل
العذاب بإفادةٍ أنهم لا يلقونه أصلاً على أكمل وَجْهٍ.
وقيل أيضاً في ترجيح الانقطاع: إنَّ الاتصالَ مع قَطْع النظر عن إيهامه ثبوتَ
أصل العذاب، بل وعن إيهامه الخلودَ غيرَ مهانٍ، يُوهِمُ أنَّ مضاعفةَ العمل الصالح
شرط لنفي الخلود، مع أنه ليس كذلك.
ثم أيَّةُ ضرورةٍ تدعو إلى أنْ يُرْتَكبَ ما فيه إيهامٌ ثم يُتَشَبَّثَ بأذيالِ الاحتراس،
على أنَّ الظاهر أنْ يُجعل ((مَن)) مبتدأً، والجملةُ المقرونةُ بالفاء خبره، وقُرِنَتْ بذلك
لوقوعها خبراً عن الموصول، كما في قولك: الذي يأتيني فله درهمٌ. وأنا أميلُ لِمَا
مال إليه أبو حيان؛ لمجموع ما ذُكر.
وذكر الموصوف في قوله سبحانه: (وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا) مع جريان الصالح
والصالحات مجرى الاسم؛ للاعتناء به، والتنصيصٍ على مُغايَرتِه للأعمال السابقة.
﴿فَأُوْلَكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصول، والجمعُ باعتبارِ معناه، كما أنَّ الإفراد في
الأفعال الثلاثة باعتبار لفظه، أي: فأولئك الموصوفون بالتوبة والإيمان والعمل
الصالح ﴿يُدِّلُ اللَّهُ﴾ في الدنيا ﴿سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَتْ﴾ بأنْ يمحوَ سَوابِقَ معاصيهم
بالتوبة، ويُثْبِتَ مكانها لَواحِقَ طاعاتهم، كما يشير إلى ذلك كلامُ كثيرٍ من السلف.
وقيل: المرادُ بالسيئات والحسنات مَلَكَتُهما لأنفسهما، أي: يبدِّلُ عزَّ وجلَّ
بملَكةِ السيئات ودواعيها في النفس مَلَكةَ الحسنات بأنْ يزيلَ الأولى ويأتي بالثانية.
وقيل: هذا التبديلُ في الآخرة، والمرادُ بالسيئاتِ والحسناتِ العقابُ والثوابُ
مجازاً من باب إطلاق السبب وإرادةِ المسبّب، والمعنى: يعفو جلَّ وعلا عن
عقابهم ويتفضَّلُ سبحانه عليهم بَدَلَه بالثواب. وإلى هذا ذهب القفَّالُ والقاضي.
وعن سعيد بن المسيّب وعمرو بنٍ ميمون ومكحولٍ: أنَّ ذلك بأنْ تُمحَى
السيئاتُ نفسُها يومَ القيامةِ من صحيفة أعمالهم، ويكتبَ بدلَها الحسناتُ، واحتجُّوا
بالحديث الذي رواه مسلم في الصحيح عن أبي ذرِّ قال: قال رسول الله وَله: ((يؤتَى
بالرجل يومَ القيامة فيقال: اعْرِضوا عليه صغارَ ذنوبه، ويُنَخَّى عنه كبارُها، فيقال:
عَمِلْتَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا، وهو يُقِرُّ لا يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ من الكبائر، فيقال:

الآية : ٧١
١١٥
سُورَةُ الفُرْقَان
أَعْطُوه مكانَ كلِّ سيئةٍ عَمِلَها حسنةً. فيقول: إنَّ لي ذنوباً لم أرَها هنا))؟! قال: ولقد
رأيتُ رسولَ اللهِ نَّهِ ضَحِكَ حتى بَدَتْ نَواحِدُهُ(١).
ونحوُ هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرةً قال: قال
رسول الله وَّر: ((ليأتينَّ ناسٌ يومَ القيامة ودُّوا أنهم استكثروا من السيئات)) قيل: مَن
هم؟ قال ◌َله: ((الذين يبدِّلُ الله تعالى سيئاتهم حسناتٍ))(٢).
ويسمَّى هذا التبديلُ: کرم العفو، وكأنه لذلك قال أبو نواس:
تركتَ مخافةَ الذَّنْبِ السرورا(٣)
تعضُّ ندامةٌ كفَّيْكَ ممَّا
ولعل المراد: أنه تُغْفَرُ سيِّئَاتُه ويُعْطَى بَدَلَ كلِّ سيئةٍ ما يَضْلُحُ أن يكون ثوابَ
حسنةٍ تفضُّلاً منه عزَّ وجلَّ وتكرُّماً، لا أنه يُكتب له أفعالُ حسناتٍ لم يفعلها ويثابُ
عليها .
وفي كلام أبي العالية ما هو ظاهرٌ في إنكار تمنِّي الاستكثارِ من السيئات، فقد
أخرج عبد بن حميد عنه أنه قيل له: إنَّ أناساً يزعمون أنهم يتمنَّوْنَ أن يَسْتَكْثِروا من
الذنوب؟ فقال: ولمَ ذلك؟ فقيل: يتأوَّلون هذه الآية: (فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ
حَسَنَثٍ) وكان أبو العالية إذا أُخبر بما لا يعلم قال: آمنتُ بما أنزل الله تعالى من
كتابه، فقال ذلك ثم تلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخُضَرًا وَمَا
عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأَ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وكأنه ظنَّ أن ما تلاه
مُنَافٍ لِمَا زعموه من التمنِّي.
ويمكنُ أنْ يقال: إنَّ ما دلَّتْ عليه تلك الآيةُ يكون قبل الوقوف على التبديل،
والله تعالى أعلم.
﴿وَكَانَ اَللّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله.
﴿وَمَنْ تَابَ﴾ أي: عن المعاصي التي فَعَلَها بتَرْكِها بالكلِّية والنَّدمِ عليها ﴿وَعَمِلَ
(١) صحيح مسلم (١٩٠)، وهو عند أحمد (٢١٣٩٣).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٣٣/٨، وهو فيه موقوف على أبي هريرة، وعزاه لابن مردويه وابن
أبي حاتم مرفوعاً السيوطي في الدر المنثور ٧٩/٥ -٨٠، وعنه نقل المصنف.
(٣) ديوان أبي نواس ص٣٠٧، ومنه .... مخافة النار السرورا .

سُورَةُ الفُرْقَانِ
١١٦
الآية : ٧٢
صَالِحًا﴾ يتلافَى به ما فرطَ منه. أو: ومَن خرج عن جنس المعاصي - وإن لم
يفعله - ودخل في الطاعات ﴿فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يرجعُ إليه سبحانه بذلك
﴿مَتَابًا ﴾﴾ أي: رجوعاً عظيم الشأن، مَرْضيًّا عنده تعالى، ماحياً للعقاب،
محصِّلاً للثواب.
أو: فإنه يتوب إلى الله تعالى ذي اللطفِ الواسع، الذي يحبُّ التائبين ويصطنع
إليهم، أو: فإنه يرجع إلى الله تعالى - أو إلى ثوابه سبحانه - مرجعاً حسناً.
وأيًّا ما كان فالشرطُ أو الجزاءُ متغايران. وهذا لبيان حالٍ مَن تاب من جميع
المعاصي، وما تقدَّم لبيانِ مَن تاب من أمَّهاتها، فهو تعميمٌ بعد تخصيص.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ أي: لا يُقيمون الشهادةَ الكاذبة، كما رُوي عن
عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والباقرِ رَظُبه، فهو من الشهادة، و((الزور)) منصوبٌ على
المصدر أو بنزع الخافض، أي: شهادةَ الزُّورِ، أو: بالزُّورِ.
ويُفْهَمُ من كلام قتادةَ أنَّ الشهادة هنا بمعنّى يعمُّ ما هو المعروف منها، أخرج
عبد بن حميد وابنُ أبي حاتم عنه أنه قال: أي: لا يساعدون أهل الباطل على
باطلهم ولا يؤمِّلونهم فيه(١) .
وأخرج جماعةٌ عن مجاهدٍ أنَّ المراد بالزُّور الغناءُ، ورُوِيَ نحوُه عن محمد بن
الحنفية رضُبه(٢). وضمَّ الحسنُ إليه النِّياحةَ.
وعن قتادة: أنَّه الكذبُ. وعن عكرمةَ: أنه لعبٌ كان في الجاهلية.
وعن ابن عباس: أنه صنم كانوا يلعبون حوله سبعةً أيام(٣). وفي روايةٍ أخرى
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٣٦/٨، وعزاه لعبد بن حميد السيوطي في الدر ٥/ ٨٠.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٢٧٣٧/٨، وخبر مجاهد أخرجه الطبري ١٧/ ٥٢٢.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): قال الراغب: وسمي الصنم زوراً في قوله: جاؤوا بزُوْريهم
وجئنا بالأصم، لكون ذلك كذباً وميلاً عن الحق. وظاهره أنه مطلق الصنم. اهـ منه.
والكلام في مفردات الراغب (زور) إلى قوله: وميلاً عن الحق. وقوله: جاؤوا
بزوريهم ... ، هذا الرجز للأغلب العجلي، وقيل: ليحيى بن منصور، وذكروا بعده: شيخٍ
لنا كالليث من باقي إِرَمْ. ينظر التاج (زور).

الآية : ٧٢
١١٧
سُوَّةُ الفُرْقَانِ
عنه: أنه عيدُ المشركين. ورُوي ذلك عن الضخَّاك. وعن هذا(١) أنه الشرك.
فـ (يَشْهَدون)) - على هذه الأقوال - من الشهود بمعنى الحضور، و((الزور)) مفعولٌ
به بتقدير مضافٍ، أي: محالَّ الزور.
وجوِّز أن يراد بالزور ما يعمُّ كلَّ شيءٍ باطلٍ مائلٍ عن جهة الحقِّ، من الشِّرك
والكذب والغناء والنياحةِ ونحوِها، فكأنه قيل: لا يشهدون مجالسَ الباطل لِمَا في
ذلك من الإشعار بالرضا به، وأيضاً مَن حَامَ حول الحمى يوشكُ أن يقع فيه.
﴿وَإِذَا مَرُوا﴾ على طريق الاتِّفاق ﴿بَِلَغْوِ﴾ بما ينبغي أن يُلْغَى ويُطْرَحَ ممَّا لا خيرَ
فيه ﴿مَرُواْ كِرَامًا ﴾﴾ أي: مُكْرِمِينَ أنفُسَهم عن الوقوف عليه والخوضِ فيه،
مُعْرِضینَ عنه.
وفسَّر الحسن اللغوَ - كما أخرج عنه ابن أبي حاتم - بالمعاصي (٢). وأخرج هو
وابن عساكر عن إبراهيم بن ميسرةً قال: بلغني أنَّ ابن مسعود رَظُهُ مرَّ بلَهْوِ مُعْرِضاً
ولم يقف، فقال النبيُّ ◌َّرِ: ((لقد أصبح ابنُ مسعودٍ وأمسى كريماً)) ثم تلا إبراهيم:
(وَإِذَا مَرُواْ بِلَّغْوِ مَنُواْ كِرَاءً)(٣).
وقيل: المراد باللغو: الكلامُ الباطل المؤذي لهم، أو ما يعمُّه والفعل المؤذي،
وبالكرم العفوُ والصَّفْحُ عمَّن آذاهم، وإليه يشير ما أخرجه جماعةٌ عن مجاهدٍ أنه
قال في الآية: إذا أُوذوا صَفَحُوا، وجُعِلَ الكلام على هذا بتقديرِ مضافٍ، أي: إذا
مرُّوا بأهل اللَّغو أعرضوا عنهم، كما قيل:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني
فمضيتُ ثُمتَ قلتُ لا يعنيني (٤)
ولا يَخْفَى أنه ليس بلازمٍ.
(١) يعني الضحاك، وأخرجه عنه الطبري ٥٢٢/١٧، وابن أبي حاتم ٢٧٣٧/٨.
(٢) لم نقف عليه في تفسير ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في الدر ٨١/٥ للطبري، وهو في
تفسيره ٥٢٤/١٧.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٣٨/٨-٢٧٣٩، وتاريخ ابن عساكر ١٢٨/٣٣.
(٤) البيت في الكتاب ٢٤/٣ عن رجل من بني سلول، وعزاه الأصمعي في الأصمعيات ص٢٦
إلى شمر بن عمرو الحنفي، وسلف ٧/ ٤٦٧ .

سُورَةُ الفُرْقَانِ
١١٨
الآية : ٧٣ - ٧١
وقيل: اللغوُ: القولُ المستهجَنُ، والمراد بمرورهم عليه: إتيانُهم على ذِكْرِهِ،
وبكّرَمِهم: الكفُّ عنه والعدولُ إلى الكناية، وإليه يومئُ ما أخرجه جماعةٌ عن
مجاهدٍ أيضاً أنه قال فيها: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح گنَوا عنه.
وعمَّم بعضُهم وجَعَلَ ما ذُكر من باب التمثيل، وجوَّز أن يراد باللغو الزورُ
بالمعنى العامٌّ، أعني: الأمرَ الباطل، عبّر عنه تارةً بالزور لميله عن جهة الحقِّ،
وتارةً باللغو لأنه من شأنه أن يُلْغَى ويُطْرحَ، ففي الكلام وضعُ المُظْهَرِ موضعَ
المُضْمَرِ، والمعنى: والذين لا يحضرون الباطلَ وإذا مرُّوا به على طريق الاتِّفاق
أعرضوا عنه.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بَِايَتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآنيةِ المنطوية على المواعظ والأحكام
﴿لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا (٣)﴾ أي: أَكُبُّوا عليها سامعينَ بآذانٍ واعيةٍ، مُبْصِرين
بعيونٍ راعيةٍ، فالنفيُ متوجّهٌ إلى القيد على ما هو الأكثرُ في لسان العرب، وفي
التعبير بما ذُكر دون: أَكْبُّوا عليها سامعينَ مُبْصِرينَ ونحوِهِ، تعريضٌ لِمَا عليه الكفرةُ
والمنافقون إذا ذكِّروا بآيات ربِّهم، والخرورُ: السقوط على غير نظامٍ وترتيب، وفي
التعبير به مبالغةٌ في تأثير التذكير بهم.
وقيل: ضمير ((عليها)) للمعاصي المدلولِ عليها باللغو، والمعنى: إذا ذكِّروا
بآيات ربِّهم المتضمِّنةِ للنهي عن المعاصي والتخويفِ لمرتكبها، لم يفعلوها ولم
یکونوا کمن لا يسمعُ ولا يبصرُ، وهو كما ترى.
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَيِّنَا وَذُرِيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ بتوفيقهم للطاعة،
كما روي عن ابن عباس والحسن وعكرمةً ومجاهدٍ؛ فإنَّ المؤمنَ الصادق إذا رأى
أهلَه قد شاركوه في الطاعة قرَّتْ بهم عينُه، وسرَّ قلبُهُ، وتوقَّعَ نفعهم له في الدنيا حيًّا
وميتاً، ولحُوقَهم به في الأخرى.
وذُكر أنه كان في أول الإسلام يهتدي الأبُ، والابنُ كافرٌ. والزوجُ، والزوجةُ
كافرةٌ، فلا يطيبُ عيشُ ذلك المهتدي، فكان يدعو بما ذُكر.
وعن ابن ابن عباس: قُرَّةُ عينِ الوالدِ بولده أن يراه يكتب الفقه.
و ((من)) ابتدائيةٌ متعلِّقةٌ بـ ((هَبْ)) أي: هَبْ لنا من جهتهم. وجوِّز أن تكون بيانيةً،

الآية : ٧٤
١١٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
كأنه قيل: هَبْ لنا قرةَ أعيُنٍ، ثم بُيِّنَتِ القرَّةُ وفسِّرتْ بقوله سبحانه: (مِنْ أَزْوَجِنَا
وَذُرَِِّّنَ) وهذا مبنيٌّ على مجيء ((من)) للبيان، وجوازٍ تقدُّم المبيِّن على المبيَّن.
وقرةُ العين كنايةٌ عن السرور والفرح، وهو مأخوذٌ من القرِّ، وهو البردُ؛ لأنَّ
دمعة السرور باردةٌ، ولذا يقال في ضدِّه: أَسْخَنَ الله تعالى عينَه، وعليه قولُ
أبي تمام:
وأمّا عيونُ الشامتينَ فقرَّتٍ(١)
فأمَّا عيونُ العاشقينَ فأُسْخِنَتْ
وقيل: هو مأخوذٌ من القرار؛ لأنَّ ما يَسُرُّ يَقِرُّ النظرُ به، ولا ينظرُ إلى غيره.
وقيل في الضدِّ: أَسْخَنَ الله تعالى عينَه، على معنى: جعله خائفاً مترقِّباً ما يُحزِنُه
ينظرُ يميناً وشمالاً، وأماماً ووراءً، لا يدري من أين يأتيه ذلك، بحيث تسخُنُ عينه
لمزيد الحركة التي تُورِثُ السخونةَ. وفيه تكلُّفٌ.
وقيل: ((أَعْينٍ)) بالتنكير مع أنَّ المراد بها أعينُ القائلين - وهي معيَّنةٌ - لقَصْدٍ
تنكير المضافِ للتعظيم، وهو لا يكونُ بدون تنكيرِ المضاف إليه.
وجمعُ القَلَّةِ على ما قال الزمخشريُّ: لأنَّ أعين المتقين قليلةٌ بالإضافة إلى
عیونٍ غیرهم(٢).
وتعقّبه أبو حيان وابن المنير: بأنَّ المتقين وإن كانوا قليلاً بالإضافة إلى غيرهم
إلَّا أنهم في أنفسهم على كثرةٍ من العدد، والمعتبرُ في إطلاق جَمْع القَلَّةِ أن يكون
المجموعُ قليلاً في نفسه لا بالإضافة إلى غيره(٣).
وأجيب بأنَّ المراد أنه استعمل الجمع المذكور في معنى القلّة مجرَّداً عن العدد
بقرينةٍ كثرةٍ القائلين وعيونهم.
واستَظْهَر ابنُ المنير أنَّ ذلك لأنَّ المحكيَّ كلامُ كلِّ واحدٍ من المثَّقين، فكأنه
قيل: يقولُ كلُّ واحدٍ منهم: هَبْ لنا من أزواجنا وذرِّياتنا قرَّةَ أعيُنٍ (٤).
(١) ديوان أبي تمام ٣٠٠/١.
(٢) الكشاف ٣/ ١٠٢ .
(٣) الانتصاف ٣/ ١٠٢، والبحر ٦/ ٥١٧.
(٤) الانتصاف ٣/ ١٠٢.

سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ
١٢٠
الآية : ٧٤
فتدبّر وتأمَّل في وجهِ اختيارِ هذا الجمع في غيرِ هذا الموضع مما لا يتأتّى فيه
ما ذکروه ها هنا .
وأنا أظنُّ أنه اختيرَ الأعيُنُ جمعاً للعين الباصرةِ، والعيونُ جمعاً للعين الجاريةِ،
في جميع القرآن الكريم، ويخطر لي في وَجْهِ ذلك شيءٌ لا أظنُّه وجيهاً، ولعلك
تفوزُ بما يُغْنِيكَ عن ذِكْرِه، والله تعالى وليُّ التوفيق.
وقرأ طلحة وأبو عمرو وأهلُ الكوفة غيرَ حفصٍ: ((وذرِّيتنا)) على الإفراد(١).
وقرأ عبد الله وأبو الدرداء وأبو هريرة: ((قُرَّات)) على الجمع(٢).
﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ﴾ أي: اجعلنا بحيث يقتدون بنا في إقامة مراسم
الدِّين، بإفاضةِ العلم، والتوفيقِ للعمل. و((إمام)) يستعملُ مفرداً وجَمْعاً، كهِجان(٣)،
والمراد به هنا الجمعُ ليطابق المفعولَ الأولَ لجَعَلَ، واختير على: أئمة؛ لأنَّه أَوْفقُ
بالفواصل السابقة واللاحقة .
وقيل: هو مفردٌ، وأُفْرِدَ مع لزوم المطابقة لأنه اسمُ جنسٍ، فيجوزُ إطلاقُه على
معنى الجمع مجازاً بتجريده من قيد الوحدة. أو لأنه في الأصل مصدرٌ، وهو
لكونه موضوعاً للماهية شاملٌ للقليل والكثير وَضْعاً، فإذا نُقل لغيره قد يُراعى
أصلُه. أو لأنَّ المراد: واجْعَلْ كلَّ واحدٍ منَّا. أو لأنهم كنفسٍ واحدةٍ لاتُّحادٍ
طريقتهم واتِّفاق کلمتهم.
وفي (إرشاد العقل السليم)) بعد نَقْلِ ما ذُكر: أنَّ مدار التوجيه على أنَّ هذا
الدعاءَ صَدَرَ عن الكلِّ على طريق المعيَّة وهو غيرُ واقعٍ، أو عن كلِّ واحدٍ [بطريقِ
تشريكِ غيره] وهو غيرُ ثابتٍ، فالظاهرُ أنه صَدَرَ عنّ كلِّ واحدٍ قولُ: واجعلني
للمتقين إماماً، فعبَّر عنهم للإيجاز بصيغة الجمع، وأبقى ((إماماً)) على حاله(٤).
(١) التيسير ص ١٦٤، والنشر ٣٣٥/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٠٥، والبحر ٥١٧/٦.
(٣) الهجان من الإبل: البيض والبيضاء. القاموس (هجن).
(٤) تفسير أبي السعود ٦/ ٢٣١، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٤٣٨/٦، وما سلف
بین حاصرتین منهما .