Indexed OCR Text

Pages 21-40

الآية : ٢٥
٢١
سُورَةُ القُرْقَانِ
هذا وتفسيرُ المستقرِّ والمقيل بالمكانين حَسْبما سمعتَ هو المشهورُ؛ وهو أحدُ
احتمالاتٍ تسعة. وذلك أنهم جوَّزوا أن يكون كلاهما اسمَ مكانٍ، أو اسمَ زمانٍ،
أو مصدراً، وأن يكون الأولُ اسمَ مكانٍ والثاني اسمَ زمانٍ أو مصدراً، وأن يكون
الأول اسمَ زمان والثاني اسمَ مكانٍ أو مصدراً، وأن يكون الأول مصدراً والثاني
اسمَ مكانٍ أو اسمَ زمانٍ. وما شئتَ تخيَّل في خيرية زمانِ أصحاب الجنة
وَأَحْسَنَّتِهِ، وكذا في خيريةِ استقرارِهم وأحسنيةِ استراحتهم يومئذٍ.
﴿وَبَوْمَ تَشَفَّقُ التَّمَاءُ بِالْغَمَِ﴾ العاملُ في ((يوم)) إمَّا ((اذْكُر))، أو: ينفردُ اللهُ تعالى
بالملك، الدالُّ عليه قوله تعالى: (الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنْ). وقيل: العاملُ ذاك
بمعناه المذکور(١).
وقيل: إنه معطوفٌ على ((يومئذ)) أو (يوم يرون)).
و ((تشفَّقُ)): تتفتّحُ، والتعبيرُ به دونه للتهويل، وأصله: تَتَشقَّقُ، فحُذِفَت إحدى
التاءين كما في ((تَلَظَّى)). وقرأ الحِرْمِيَّان وابنُ عامرٍ بإدغام التاء في الشين(٢)
لِما بينهما من المقارَبة.
٠
والظاهرُ أنَّ المراد بالسماء: المُظِلَّةُ لنا، وبالغمام: السحابُ المعروفُ، والباءُ
الداخلةُ عليهِ باءُ السبب، أي: تشقَّقُ السماءُ بسبب طلوع الغمام منها. ولا مانعَ من
أنْ تَشَقَّقَ به كما يُشَقُّ السنامُ بالشفرة، والله تعالى على كلِّ شيءٍ قدير، وحديثُ
امتناعِ الخَرْقِ على السماء حديثُ خُرافةٍ .
وقيل: باءُ الحال، وهي باءُ المُلاَبَسَة، واستَظْهَرَه بعضُهم، أي: تَشَفَّقُ متغيِّمةً.
وقيل: بمعنى ((عن))، وإليه ذهب الفرَّاء(٣)، والفرقُ بين قولك: انشقَّتِ الأرضُ
بالنبات، و: انْشَقَّتْ عنه، أنَّ معنى الأولِ: أنَّ الله تعالى شقَّها بطلوعه فانشقَّتْ به.
ومعنى الثاني: أنَّ التربةَ ارتفعتْ عنه عند طلوعِه.
(١) أي: قوله: ((الملكُ يومئذٍ الحقُّ للرحمن)) عاملٌ في ((يوم)) بالمعنى الذي ذكر آنفاً، أي:
ينفرد الله تعالى بالملك يوم تشقَّق. تفسير أبي السعود ٢١٣/٦ .
(٢) التيسير ص١٦٣ -١٦٤، والنشر ٣٣٤/٢. وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب من العشرة.
(٣) في معاني القرآن ٢٦٧/٢.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٢٢
الآية : ٢٥
وقيل: المراد بالغمام غمامٌ أبيضُ رقيقٌ مثل الضَّبابة، ولم يكن إلَّا لبني إسرائيل
في ٹھھم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: أنه الغمامُ الذي يأتي الله تعالى فيه يومَ
القيامة، المذكورُ في قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ
اُلْغَمَامِ﴾ (١) [البقرة: ٢١٠]. قال ابن جريح: وهو غمامٌ زعموا أنه في الجنة.
وعن مقاتل: أنَّ المراد بالسماء ما يعمُّ السماواتِ كلَّها، وتَشْقَّقُ سماءً سماءً.
وروي ذلك عن ابن عباس؛ فقد أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ((الأهوال))
وابن جريرٍ وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه رظُه أنه قرأ هذه الآية إلى قوله تعالى:
﴿وَزْلَ الْكَبِكَةُ تَنزِيلًا (٥)﴾ - أي: تنزيلاً عجيباً غير معهود - فقال: يَجْمَعُ الله تعالى
الخَلْقَ يومَ القيامةِ في صَعيدٍ واحدٍ، الجنَّ والإنسَ والبهائمَ والسِّباعَ والطيرَ وجميعَ
الخَلْقِ، فتنشقُّ السماءُ الدُّنيا فينزلُ أهلُها وهم أكثرُ ممن في الأرضِ من الجنِّ
والإنسِ وجميعِ الخَلْقِ، فيُحيطونَ بجميعهم، فتقول أهلُ الأرض: أفيكم ربُّنا؟
فيقولون: لا. ثم تنشقُّ السماءُ الثانيةُ، فينزلُ أهلُها وهم أكثرُ من أهل السماء
الدنيا ومن الجنِّ والإنسِ وجميع الخَلْقِ، فيُحيطونَ بالملائكة الذين نزلوا قبلهم
والجنِّ والإنس وجميع الخَلْقِ، ثَم تنشقُّ السماء الثالثةُ، فينزلُ أهلُها وهم أكثرُ من
أهل السماء الثانيةِ والَدنيا وجميع الخَلْقِ، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم
وبالجنِّ والإنس وجميع الخَلْقِ، ثم ينزل أهل السماء الرابعة، وهم أكثرُ من أهل
الثالثة والثانية والأولى وأهلِ الأرض، ثم ينزلُ أهل السماء الخامسةِ، وهم أكثرُ
ممن تقدَّم، ثم أهلُ السماءِ السادسة كذلك، ثم أهلُ السماءِ السابعةِ، وهم أكثر من
أهلِ السماوات وأهلِ الأرض، ثم ينزلُ ربُّنا في ظللٍ من الغمام وحولَه الكَرُوبيون،
وهم أكثرُ من أهل السماوات السَّبع والإنس والجنِّ وجميعِ الخَلْقِ، لهم قرونٌ
ككعوبِ القَنَا، وهم تحت العرش لهم زجلٌ بالتسبيح والتهليلِ والتقديس لله تعالى،
ما بين أخمصٍ [قدم] أحدِهم إلى كَعْبِهِ مسيرةُ خمسٍ مئة عامٍ، ومن فخذه إلى تَرْقُوَتِه
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٨٢/٨، وزاد: ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل. وأخرجه الطبري
٤٣٧/١٧ مع ما سيأتي من كلام ابن جريج.

الآية : ٢٥
٢٣
سُورَةُ الفُرْقَانِ
مسيرةُ خمسٍ مئة عام، ومن تَرْقُوَتِهِ إلى موضع القُرْط مسيرةُ خمسٍ مئة عام، وما فوقَ
ذلك خمس مئة عام(١) .
ونزولُ الربِّ جلَّ وعلا من المتشابِهِ، وكذا قولهُ: وحولَه الكروبيون، وأهلُ
التأويل يقولون: المرادُ بذلك نزولُ الحُكْم والقضاء، فكأنه قيل: ثم ينزل حكمٌ
الربِّ وحولَه الكروبیون، أي: معه.
وأمَّا نزولُ الملائكة مع كثرتهم وعظم أجسامهم فلا يَمْنَعُ عنه ما يُشاهَدُ من
صِغَرِ الأرض؛ لأنَّ الأرض يومئذٍ تمتدُّ بحيث تسعُ أهلَها وأهلَ السماواتِ أجمعين،
وسبحان مَن لا يُعْجِزُه شيءٌ .
ثم الخبرُ ظاهرٌ في أنَّ الملائكة عليهم السلام لا ينزلون في الغمام، وذكر
بعضهم في الآية أنَّ السماء تنفتحُ بغمامِ يخرج منها، وفي الغمام الملائكةُ، ينزلون
وفي أيديهم صحائفُ الأعمال.
وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء: ((ونَزَّلَ)) ماضياً مبنيًّا للفاعل مشدّداً. وعنه
أيضاً: ((وأَنزل)) مبنيًّا للفاعل(٢)، وجاء مصدرُه (تنزيلاً))، وقياسُه: إنزالاً، إلَّا أنه لمَّا
كان معنى أَنْزِلَ ونزَّل واحداً جاء مصدرُ أحدهما للآخر كما قال الشاعر:
حتى تَطَوَّيتُ انْطِواءَ الحِضْبِ(٣)
كأنه قال: حتى انْطَوَيْتُ.
وقرأ الأعمش وعبد الله في نَقْلِ ابن عطية: ((وأُنْزِلَ)) ماضياً رباعيًّا مبنيًّا للمفعول(٤).
(١) تفسير الطبري ١٧/ ٤٣٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٦٨٢/٨، وعزاه لعبد بن حميد وابن
أبي الدنيا وابن المنذر السيوطي في الدر ٦٧/٥، وما سلف بين حاصرتين من المصادر.
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: مداره على علي بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، وفي
سياقاته غالباً نكارة شديدة. قوله: الكروبيون أي: المقرَّبون. النهاية (کرب).
(٢) القراءتان في القراءات الشاذة ص١٠٤، والبحر ٤٩٤/٦، والكلام منه.
(٣) البحر ٤٩٤/٦، والرجز لرؤية، وهو في ديوانه ص١٦، وتفسير القرطبي ١٠٥/٥، وفيهما:
وقد تطويت ... ، والحضب: الأفعى، وتصحفت في الأصل و(م) ومطبوع البحر إلى:
الخصب.
(٤) المحرر الوجيز ٢٠٨/٤، والبحر ٤٩٤/٦، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٢٤
الآية : ٢٥
وقرأ جناح بنُ حبيشٍ والخفافُ عن أبي عمرو : ((ونَزَلَ)) ثلاثيًّا مخفَّفاً مبنيًّا
للفاعل(١).
وقرأ أبو معاذ وخارجةُ عن أبي عمرو: ((ونُزِّلَ)) بضمِّ النون وشدِّ الزاي وكَسْرِها
ونَصْبٍ ((الملائكةَ))(٢). وخرَّجها ابنُ جنِّي بعد أن نسبها إلى ابن كثير وأهلِ مَّةَ على
أنَّ الأصل ((نُنزِّلُ)) - كما وُجِدَ في بعض المصاحف - فحذفت النونُ التي هي فاءُ
الفعل تخفيفاً لالتقاء النونين(٣).
وقرأ أبيّ: ((ونُزَّلَت)) ماضياً مشدّداً مبنيًّا للمفعول بتاء التأنيث (٤).
وقال صاحب ((اللَّوامح)) عن الخفاف عن أبي عمرو: ((ونُزِلَ)) مخفَّفاً مبنيًّا
للمفعول، و((الملائكةُ)) بالرفع، فإن صحَّتِ القراءةُ فإنه حُذِفَ منها المضافُ وأقيمَ
المضافُ إليه مقامَه، والتقدير: ونُزِلَ نزولُ الملائكةِ، فحذف النزولُ ونُقِلَ إعرابه
إلى ((الملائكة))، بمعنى: نُزِلَ نازِلُ الملائكة؛ لأن المصدر يكون بمعنى
الاسم (٥). اهـ.
وقال الطيبيُّ: قال ابن جِنِّي: ((نُزِلَ)) بالبناء للمفعول غيرُ معروفٍ؛ لأنَّ («نَزَلَ))
لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به، ولا يُقاس بجُنَّ - حيث إنه مما لا يتعدَّى إلى المفعول،
فلا يقال: جنَّه الله تعالى، بل: أَجَنَّه الله تعالى، وقد بُني للمفعول - لأنه شاقٌ
والقياسُ عليه مرودٌ، فإمَّا أن يكون ذلك لغةً نادرةً، وإمَّا أن يكون من حَذْفٍ
المضاف، أي: نُزِلَ نُزولُ الملائكةِ، فحُذِفَ المضافُ وأقيمَ المضافُ إليه مقامَه قال
العجاج:
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٤، والبحر ٦/ ٤٩٤.
(٢) القراءات الشاذة ص١٠٤، والبحر ٤٩٤/٦. وهي في المحتسب ٢/ ١٢٠ عن ابن كثير وأهل
مكة كما سيرد.
(٣) المحتسب ١٢٠/٢، وليس فيه: كما وجد في بعض المصاحف، وهذا ذكره أبو حيان في
البحر ٦ / ٤٩٤.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٠٤، والبحر ٦/ ٤٩٤.
(٥) البحر ٤٩٤/٦، وذكر القراءة ابن جني في المحتسب ١٢١/٢ عن عبد الوهاب عن
أبي عمرو.

الآية : ٢٦
٢٥
سُورَةُ الفُرْقَاتِ
حتى إذا اصْطَفُّوا له حذاراً(١)
فحذاراً منصوبٌ مصدراً لا مفعولاً به، يريد: اضْطَفُّوا له اصْطِفافاً حذاراً(٢)،
و: نُزِلَ نزولُ الملائكة، على حدٍّ قولك: هذا نزولٌ منزولٌ، وصعودٌ مصعودٌ،
وضربٌ مضروبٌ، وقريبٌ منه: وقد قيل قولٌ، وقد خِيفَ منه خوفٌ، فاعْرِفْ ذلك
فإنه أمْثَلُ ما يُحتَجُّ به لهذه القراءة. اهـ. وهو أحسنُ من كلام صاحب ((اللوامح)).
وعن أبي عمرو أيضاً أنه قرأ: ((وتَنزَّلتِ الملائكةُ))(٣).
فهذه مع قراءةِ الجمهورِ وما في بعض المصاحف عشرة قراءاتٍ، وما كان منها
بصيغة المضارع وجهُه ظاهر، وأمَّا ما كان بصيغة الماضي فوجهُه
على - ما قيل - الإشارةُ إلى سرعة الفعل.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: السلطنةُ القاهرةُ، والاستيلاءُ الكلِّيُّ العامُّ
الثابتُ صورةً ومعنًى، ظاهراً وباطناً، بحيث لا زوالَ له، ثابتٌ للرحمن يومَ إذ
تَشْفَّقُ السماءُ وتنزلُ الملائكةُ، فـ ((الملكُ)) مبتدأ، و((الحقُّ) صفتُه، و((للرحمن))
خبرُه، و((يومئذ)) ظرفٌ لثبوتِ الخبر للمبتدأ، وفائدةُ التقييد أنَّ ثبوتَ الملكِ له تعالى
خاصةً يومئذٍ، وأمَّا فيما عَدَاه من أيام الدنيا فيكونُ لغيره عزَّ وجلَّ أيضاً تصرُّفٌ
صُوْرِيٌّ في الجملة، واختار هذا بعضُ المحقّقين. ولعل أَمْرَ الفَصْلِ بين الصفة
والموصوف بالظرف المذكور سهلٌ.
وقيل: ((الملك)) مبتدأ، و((يومئذٍ)) متعلِّقٌ به، وهو بمعنى المالكية، و((الحقُّ))
خبرُه، و(للرحمن)) متعلِّقٌ بـ ((الحق)).
وتعقِّب بأنه لا يَظْهَرُ حينئذٍ نكتةُ إيرادِ المسند معرَّفاً، فإنَّ الظاهر عليه أن يقال:
الملكُ يومئذ حقٌّ للرحمن.
(١) الرجز لرؤبة بن العجاج، وهو في ديوانه ص٣٦٩، والمحتسب ١٢١/٢، وفيهما: حتى إذا
صفُّوا له جداراً، قال الأصمعي شارح الديوان: أي: صاروا صفًّا مثل الجدار.
(٢) في المحتسب: فجداراً منصوب ... اصطفافَ جدارٍ.
(٣) لم نقف عليها عن أبي عمرو، وذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢٠٨/٤، وأبو حيان في
البحر ٤٩٤/٦، والسمين في الدر المصون ٤٧٧/٨ عن أبيٍّ رَضُه.
١

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٢٦
الآية : ٢٧
وأجيب بأنَّ في تعلُّقه بما ذُكر تأكيداً لِمَا يفيده تعريفُ الطرفين.
وقيل: هو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على التبين كما في: سقياً لك، والمبيَّن مَن له الملكُ.
وقيل: متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((الحق)). وهو كما ترى.
وقيل: ((يومئذ)) هو الخبرُ، و((الحقُّ)) نعتٌ لـ ((المُلْك))، و((للرحمن)) متعلِّقٌ به.
وفيه الفصلُ بين الصفة والموصوف بالخبر، فلا تغفل.
ومنعوا تعلُّقَ ((يومئذ)) فيما إذا لم يكن خبراً بـ: ((الحقِّ))، وعلَّلوا ذلك بأنه
مصدرٌ والمصدرُ لا تتقدَّمُ عليه صِلَتُّهُ ولو ظرفاً، وفيه بحث.
والجملة على أكثر الاحتمالات السابقة في عاملِ ((يوم)) استئنافٌ مسوقٌ لبيان
أحوالِ ذلك اليوم وأهوالِهِ، وإيرادُه تعالى بعنوان الرحمانية للإيذان بأنَّ اتِّصافه عزَّ
وجلَّ بغاية الرحمة لا يهوِّنُ الخطبَ على الكَفَرَةِ، المشارَ إليه بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ
يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا ﴾﴾ أي: وكان ذلك اليومُ مع كون المُلْكِ فيه للهِ تعالى
المبالِغِ في الرحمة بعباده شديداً على الكافرين، والمرادُ شدَّةُ ما فيه من الأهوال.
وفسَّر الرَّاغب العسيرَ بما لا يتيسَّر فيه أمرٌ(١).
والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لِمَا قَبْلَهُ، وفيها إشارةٌ إلى كون ذلك اليوم يسيراً
للمؤمنين، وفي الحديث: ((إنه يهوّنُ على المؤمن حتى يكون أخَفَّ عليه من صلاةٍ
مكتوبةٍ صلَّاها في الدنيا))(٢).
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ قال الطبرسيُّ: العاملُ في (يومَ)): اذكُر، محذوفاً،
ويجوزُ أن يكون معطوفاً على ما قبله(٣).
والظاهرُ أنَّ ((أل)) في ((الظالم)) للجنس، فيعمُّ كلَّ ظالم، وحكى ذلك أبو حيَّان
عن مجاهد وأبي رجاء، وذكر أنَّ المراد بـ ((فلان)) فيما بعدُ الشيطان (٤).
(١) مفردات الرَّاغب (عسر) بنحوه.
(٢) أخرجه أحمد (١١٧١٧) من حديث أبي سعيد ه، وقال ابن حجر في الفتح ٤٤٨/١١ :
سنده حسن .
(٣) مجمع البيان ٩٨/١٩.
(٤) البحر ٦ /٤٩٥ .

الآية : ٢٧
٢٧
سُورَةُ الفُرْقَانِ
وقيل: لتعريفِ العهد، والمراد بـ ((الظالم)) عقبةُ بنُ أبي معيط لعنه الله تعالى،
وبـ ((فلان)) أبيّ بنُ خلف، فقد روي أنه كان عقبةُ بن أبي معيط لا يَقْدَمُ من سفرٍ إلَّا
صَنَعَ طعاماً فدعا عليه أهل مكةَ كلَّهم، وكان يُكْثِرُ مجالسة النبيِّ وَّ ويعجبُه
حديثُه، وغَلَبَ عليه الشقاءُ فَقَدِمَ ذاتَ يومٍ من سفرٍ فصنع طعاماً ثم دعا رسولَ الله وَل
إلى طعامه، فقال: ((ما أنا بالذي آكُلُ منّ طعامك حتى تَشْهَدَ أنْ لا إله إلّا الله وأني
رسولُ الله)) فقال: اْعَمْ يا ابن أخي. فقال ◌َّ: ((ما أنا بالذي أفعلُ حتى تقولَ))
فَشَهِدَ بذلك وطَعمَ عليه الصلاة والسلام من طعامه، فبلغ ذلك أبيّ بنَ خلف، فأتاه
فقال: أَصَبَوْتَ يا عقبةُ؟! وكان خليلَه. فقال: والله ما صبوتُ ولكنْ دخل عليَّ رجلٌ
فأبى أن يَطْعَمَ من طعامي إلَّا أنْ أشهدَ له، فاستَحْيَيْتُ أن يخرجَ من بيتي قبل أن
يَطْعَمَ، فشهدتُ له فطَعِمَ. فقال: ما أنا بالذي أَرْضَى عنك حتى تأتيه فتفعلَ كذا.
وذَكَر فعلاً لا يليقُ إلَّا بوجهِ القائل اللعين، ففعل عقبةُ (١)، فقال له
رسول الله وَ﴾: ((لا ألقاك خارجاً من(٢) مكةَ إلَّا عَلَوْتُ رأسكَ بالسيف)) وفي
رواية: «إنْ وجدتُكَ خارجاً من جبالِ مكةً أضرب عنقَكَ صبراً)).
فلما كان يومُ بدرٍ وخرج أصحابُه أبَى أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج
معنا. قال: قد وعدني هذا الرجلُ إنْ وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضربَ عنقي
صبراً. فقالوا: لك جملٌ أحمرُ لا يُدْرَكُ، فلو كانت الهزيمةُ طِرْتَ عليه. فخرج
معهم فلمَّا هَزَمَ الله تعالى المشركين رَحَلَ به جملُه في جُدَدٍ من الأرض، فأُخِذَ
أسيراً في سبعين من قريش، وقدِّم إلى رسول اللهِوَّره، فأمر عليًّا كرَّم الله تعالى
وجهه - وفي روايةٍ: [عاصم بن] ثابت بن أبي الأقلح - بأن يضرب عنقه(٣)، فقال:
(١) جاء في هامش الأصل و(م): قال الضحاك: لما بزق عقبة رجع بصاقه على وجهه لعنه الله،
ولم يصل حيث أراد، فأحرق خديه وبقي أثر ذلك فيهما حتى ذهب إلى النار. اهـ منه. قلنا .
وجاء في رواية ابن عباس عند عبد الرزاق (٩٧٣): فلم يسلطه الله على ذلك.
(٢) في (م): عن.
(٣) أخرج الرواية الأولى عبد الرزاق في المصنف (٩٣٩٤) و(٩٧٣١) من حديث ابن عباس
وذكرها ابن هشام في السيرة ٦٤٤/١ عن الزهري وغيره، وأخرج الثانية البيهقي في السنن
الكبرى ٩/ ٦٤-٦٥ من حديث سهل بن أبي حثمة و٣٢٣/٦ عن ابن إسحاق، وهي في سيرة
ابن هشام ٦٤٤/١ عن ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، وما بين
=

سُورَةُ الْقُرْقَانِ
٢٨
الآية : ٢٧
أتقتُلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم. قال: بِمَ؟ قال: بكُفْرِكَ وفُجورِكَ وعُتَوِّك على الله
تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. وفي روايةٍ: أنه نَِّ صرَّح له بما فَعَل معه، ثم
ضُرِبتْ عنقُه.
وأمَّا أبيّ بنُ خلف فمع فِعْلِه ذلك قال: والله لأقتلنَّ محمداً - نَّر - فبلغ ذلك
رسولَ الله عليه الصلاة والسلام فقال: ((بل أقتلُه إن شاء الله تعالى)) فأَفْزَعَه ذلك وقال
لمن أخبره: أنشدكَ بالله تعالى أسمعتَه يقول ذلك؟ قال: نعم. فوقعت في نفسه لِمَا
علموا أنَّ رسول اللهِ وَّةِ ما قال قولاً إلا كان حقًّا. فلمَّا كان يومُ أُحدٍ خرج مع
المشركين، فجعل يلتمسُ غَفْلةَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام ليحمل عليه، فيَحُولُ
رجلٌ من المسلمين بين النبيِّ عليه الصلاة والسلام وبينه، فلمَّا رأى ذلك
رسولُ الله ◌َ﴿ قال لأصحابه: ((خلَّوا عنه)» فأخذ الحربةَ فرماه بها فوقعت في تَرقُوَته،
فلم يخرج منه دمٌ كثيرٌ، واحتقن الدمُ في جوفه، فخرَّ يخورُ كما يخورُ الثورُ، فأتى
أصحابُه حتى احْتَمَلوه وهو يخورُ فقالوا: ما هذا؟ فواللهِ ما بك إلَّا خدشٌ. فقال:
واللهِ لو لم يُصِبْني إلا بِرِيقه لقتلني، أليس قد قال: أنا أقتلُه؟ واللهِ لو كان(١) الذي
بي بأهل ذي المجاز(٢) لقَتَلَهم. فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى ذهب إلى
النار، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي هذا القولُ عن ابن عباس وجماعة، وفي
روايةٍ أخرى عن ابن عباس أنَّ ((الظالم)) أبيّ بنُ خلف، و((فلان)) عُقبة(٣).
وعضُّ اليدين إمَّا على ظاهره، وروي ذلك عن الضحاك وجماعةٍ، قالوا: يأكل
يديه إلى المرفق ثم تنبتُ، ولا يزالُ كذلك كلَّما أكلها نبتت، وإما كناية عن فَرْطِ
الحسرة والندامة، وكذا عضُّ الأناملِ، والسقوطُ في اليد، وحرقُ الأسنان والأدم
= حاصرتين من هذه المصادر. وقيل: إن الذي قتل عقبة هو عامر بن ثابت بن أبي الأقلح أخو
عاصم، كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ٢٨٥/٥. وينظر تخريج أحاديث الكشاف لابن
حجر ص١٢١ .
(١) في (م): لو أن.
(٢) ذو المجاز: سوق بعرفة كانت تقوم في الجاهلية ثمانية أيام. معجم البلدان (المجاز).
(٣) ينظر ما ورد من روايات عن ابن عباس رؤيا وغيره في هذه القصة في مصنف عبد الرزاق
(٩٧٣١)، وفي تفسيره ٦٨/٢-٦٩، وتفسير الطبري ٤٤٠/١٧-٤٤١، وتفسير ابن أبي حاتم
٢٦٨٤/٨-٢٦٨٥، ودلائل النبوة لأبي نعيم (٤٠١) و(٤١٥).

الآية : ٢٨
٢٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
ونحوها؛ لأنها لازمةٌ لذلك في العادة والعُرْفِ، وفي المَثَلِ: يأكلُ يديه ندماً،
ويسيلُ دمعُه دماً، وقال الشاعر:
أبَى الضيمَ والنعمانُ يحرقُ نابَه عليه فأفضى والسيوفُ مَعَاقِلُه(١)
والفعلُ ((عضَّ)) على وزن فَعِلَ مكسور العين، وحكى الكسائيُّ(٢): عَضَضْتُ
بفتح العين.
﴿يَقُولُ يَلَيْتَنِ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (®﴾ الجملةُ في(٣) موضع الحال من
((الظالم))، أو جملةٌ مستأنفةٌ أو مبيِّنَةٌ لِمَا قبلها. و((ياليتني)) إلخ مَقُولُ القول، و((يا))
إمَّا لمجرَّد التنبيه من غير قصدٍ إلى تعيين المنبّه، أو المنادى محذوفٌ: ياقومي
ليتني.
و((أل)) في ((الرسول)) إمَّا للجنس فيعمُّ كلَّ رسولٍ، وإما للعهد فالمرادُ به رسولُ
هذه الأمة محمدٌ وَ﴿، والأولُ إذا كانت ((أل)) في ((الظالم)) للجنس، والثاني إذا
كانت للعهد .
وتنكيرُ ((سبيلاً)) إمَّا للشُّيوع، أو للوحدة، وعدمُ تعريفه لادِّعاء تعيُّنه. أي:
ياليتني اتَّخذتُ طريقاً إلى النجاة أيَّ طريقٍ كان، أو طريقاً واحداً وهو طريقُ الحقِّ،
ولم تتشغَبْ بي طرقُ الضلالة.
﴿يَوَ﴾ بقَلْبٍ ياءِ المتكلِّم ألفاً كما في صحارى، وقرأ الحسن وابن قطيب:
(يا ويلتي)) بكسر التاء والياء على الأصل(٤)، وقرأت فرقةٌ بالإمالة(٥). قال أبو عليٍّ:
وتركُ الإمالة أحسنُ؛ لأنَّ الأصل في هذه اللفظة الياءُ، فأُبدِلَتِ الكسرةُ فتحةً والياءُ
ألفاً فراراً من الياء، فَمَن أمال رجع إلى الذي عنه فرَّ أولاً (٦).
(١) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص١٤٣، قوله: فأفضى ... ، قال الشارح:
أي: صار في فضاء، وصار يمتنع بالسيوف.
(٢) كما في إعراب القرآن للنحاس ١٥٨/٣.
(٣) في (م): مع.
(٤) القراءات الشاذة ص ١٠٤، والبحر ٦/ ٤٩٥.
(٥) قرأ بالإمالة من السبعة حمزة والكسائي. التيسير ص٤٨.
(٦) الحجة ٣٤٣/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٤٩٥/٦.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٣٠
الآية : ٢٨
وأيًّا ما كان فالمعنى: يا هَلَكتي تَعالَيْ واحضُري فهذا أَوَانُكِ.
﴿لَيْتَفِى لَمْ أَنَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (﴾﴾ أراد بـ ((فلان)) الشيطان، أو مَن أضلَّه في
الدنيا كائناً مَن كان، أو أُبيًّا إن كان ((الظالمُ)) عقبةَ، أو عقبةُ إن كان ((الظالم)) أبيًّا، وهو
كنايةٌ عن عَلَمِ مذكَّر، وفلانة عن عَلَمِ مؤنَّثٍ، واشترط ابن الحاجب في فلان أن يكون
محكيًّا بالقولّ كما هنا، وردّه في ((شرّح التسهيل)) بأنه سُمع خلافُه كثيراً كقوله:
وإذا فلانٌ مات عن أكرومةٍ دفعوا معاوِزَ فَقْرِهِ بفلان(١)
وتقديرُ القول فيه غيرُ ظاهرٍ .
والفلانُ والفلانةُ كنايةٌ عن غير العاقل من الحيوانات كما قال الرَّاغب(٢). وفُلُ
وقُلَةُ كنايةٌ عن نكرةِ مَن يَعْقِلُ، فالأول بمعنى رجل والثاني بمعنى امرأة. ووهم ابنُ
عصفورٍ وابنُ مالكٍ وصاحبُ ((البسيط)) كما في ((البحر))(٣) في قولهم: فُلُ كنايةٌ عن
العَلَمِ کفلان.
ويختصُّ بالنداء إلَّا ضرورةً كما في قوله:
في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فلاناً عن قُلٍ (٤)
وليسَ مرَّمَ فلان، خلافاً للفرَّاء(٥).
واختلفوا في لام ((قُلُ)) و((فلان))؛ فقيل: واو، وقيل: ياء. وكنوا بهَنٍ بفتح الهاء
وتخفيفِ النون عن أسماء الأجناس كثيراً، وقد كُني به عن الأعلام كما في قوله:
(١) البيت للمرَّار الفقعسي كما في أمالي القالي ٦٦/١، ودون نسبة في حاشية الشهاب ٦/ ٤٢٠،
وعنه نقل المصنف ورواية الأمالي: رفعوا معاوز ...
(٢) في مفرداته (فلن).
(٣) ٤٩٦/٦، وصاحب البسيط هو ابن العلج، ضياء الدين، محمد بن علي الإشبيلي. ينظر
البحر ٤٨/٨ .
(٤) الرجز لأبي النجم العجلي، وهو في ديوانه ص١٩٩، والخزانة ٣٨٩/٢، ووقع في (م):
فلان. قال البغدادي: اللَّجَّة بفتح اللام وتشديد الجيم: اختلاط الأصوات في الحرب.
وقوله: أمسك فلاناً ... ، هو على إضمار القول، أي: في لجة يقال فيها: أمسك فلاناً عن
فلان، أي: احجز بينهما .
(٥) كما في البحر ٤٩٦/٦.

الآية : ٢٩
٣١
سُورَةُ الفُرْقَانِ
على هَنٍ وهَنٍ فيما مضى وَهَنِ(١)
والله أعطاك فضلاً عن عطيَّته
فإنه على ما قال الخفاجيُّ أراد عبد الله وإبراهيم وحَسَناً (٢).
والخليل من الخُلَّةِ بضمِّ الخاء بمعنى المودّة، أُطلق عليها ذلك إمَّا لأنها تتخلَّلُ
النفسَ، أي: تتوسّطُها، وأنشد:
قد تخلَّلْتَ مَسْلَكَ الروح منِّي
وبه سمِّي الخليلُ خليلاً(٣)
وإمَّا لأنَّها تخلُّها فتؤثِّرُ فيها تأثيرَ السهم في الرميَّة، وإما لفَرْطِ الحاجة إليها .
وهذا التمنِّي وإن كان مَسوقاً لإبراز الندم والحسرة، لكنَّه متضمِّنٌ لنوعِ تعلُّلٍ
واعتذارٍ بتَوْريكِ (٤) جنايته إلى الغير.
وقولُه تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ﴾ تعليلٌ لتمنِّه المذكورِ وتوضيحٌ لتعلُّلُه.
وتصديرُه باللَّام القَسَميةِ للمبالغة في بيان خطئه، وإظهارٍ نَدَمِه وحسرتِه، أي: والله
لقد أضلَّني فلانٌ عن ذِكْرِ الله تعالى، أو عن موعظة الرسول عليه الصلاة والسلام،
أو عن كلمة الشهادة، أو عن القرآن.
﴿َبَعْدَ إِذْ جَآءَفِيُ﴾ أي: وصل إليَّ وعَلِمتُه أو تمكَّنْتُ منه، فلا دلالةَ في الآية
على إيمانٍ مَن أُنزِلَتْ فيه ثم ارتداده.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِسَانِ خَذُولًا (٣)﴾ مُبالِغاً في الخذلان، وهو تَرْكُ
المعاونةِ والنصرة وقتَ الحاجة ممن يُظنُّ فيه ذلك. والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ
لمضمون ما قبله: إمَّا من جهته تعالى، أو من تمام كلام الظالم على أنه سمَّى خليلَه
شيطاناً بعد وَصْفِه بالإضلال الذي هو أخصُّ الأوصاف الشيطانية، أو على أنه أراد
(١) البيت لابن هرمة، وهو في ديوانه ص٢٢٣، والأغاني ٣٧٦/٤، ومجالس ثعلب ص٢١،
وحاشية الشهاب ٦/ ٤٢٠، وجاء في هذه المصادر: من عطيته. والبيت أحد ثلاثة أبيات
أنشدها ابن هرمة يمدح الحسن بن زيد، ويعرض بعبد الله وحسن وإبراهيم بني حسن بن
حسن لأنهم وعدوه شيئاً فأخلفوه.
(٢) حاشية الشهاب ٦/ ٤٢٠ .
(٣) البيت نسب لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٢/ ٤٧٥ ونسب للبحتري، وهو في ديوانه
١٩٠٨/٣.
(٤) أي: تحميل. القاموس (ورك).

سُورَةُ القُرْقَانِ
٣١
الآية : ٣٠
بالشيطان إبليس؛ لأنه الذي حمله على مجالسةِ المضلِّين ومخالفةِ الرسول الهادي
عليه الصلاة والسلام بوسوسته وإغوائه، فإنَّ وَصْفَه بالخذلان يُشْعِرُ بأنه كان يَعِدُه
في الدنيا ويمنِّه بأن ينفعَه في الآخرة، وهو أوفقُ لحالِ إبليسَ عليه اللعنة.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ عطفٌ على قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرَّجُونَ لِقَاءَنَا) إلخ،
وما بينهما اعتراضٌ مسوقٌ لاستعظام ما قالوه، وبيانِ ما يَحيقُ بهم من الأهوال
والخطوب. والمرادُ بالرسول نبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم وشرَّف وعظّم وكرَّم،
وإيرادهُ عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة لتحقيق الحقِّ والردِّ على نحورهم،
حيث كان ما حُكي عنهم قدحاً في رسالته بَّ، أي: قالوا كيت وكيتَ، وقال
الرسولُ إثرَ ما شاهَدَ منهم غايةَ العتوِّ ونهايةَ الطغيان بطريق البثِّ إلى ربِّه عزَّ وجلَّ
والشكوى عليهم: ﴿يَرَبِّ إِنَّ قَوَى﴾ الذين حُكي عنهم ما حُكي من الشنائع ﴿أَتَّخَذُواْ
هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ الجليلَ الشأنِ، المشتَمِلَ على ما فيه صلاحُ معاشِهِم ومعادِهم
وَمَهْجُورًا ﴾﴾ أي: متروكاً بالكلِّية، ولم يؤمنوا به، ولم يرفعوا إليه رأساً، ولم
يتأثَّروا بوعيده ووَعْدِهِ. فـ ((مهجوراً)) من الهَجْرِ - بفتح الهاء - بمعنى التّرْكِ، وهو
الظاهرُ، وروي ذلك عن مجاهدٍ والنَّخعيِّ وغيرهما .
واستدلَّ ابن الفرس بالآية على كراهةِ هَجْرِ المصحف وعدم تَعاهُدِه بالقراءة
فيه، وكأنَّ ذلك لئلا يَنْدَرِجَ مَن لم يتعاهَدِ القراءةَ فيه تحت ظاهر النَّظْم الكريم؛ فإنَّ
ظاهره ذُّ الهَجْرِ مطلقاً، وإن كان المرادُ به عَدَمَ القبول لا عَدَمَ الاشتغالِ مع القبول
ولا ما يعمُّهما، فإنْ كان مثلُ هذا يكفي في الاستدلال فذاك، وإلا فليُظْلَبْ دليلٌ
آخَرُ للكراهة.
وأَوْرَدَ بعضُهم في ذلك خبراً وهو: ((مَن تعلَّم القرآن، وعلَّق مصحفَه لم يتعاهَذْه ولم
ينظر فيه، جاء يومَ القيامة متعلِّقاً به يقول: ياربِّ عبدُكَ هذا اتخذني مهجوراً، اقْضٍ بيني
وبينه))(١) وقد تعقّب هذا الخبر العراقيُّ بأنه روي عن أبي هدبة وهو كذَّاب(٢). وَالحقُّ
أنه متى كان ذلك مُخِلَّا باحترام القرآن والاعتناءِ به كُرِهَ بل حَرُمَ، وإلا فلا.
(١) أخرجه الثعلبي في تفسيره ١٣٢/٧ من طريق أبي هدية إبراهيم بن هدية، عن أنس حظه به.
(٢) ذكر قول العراقي الشهاب في الحاشية ٤٢١/٦، ومثله قال ابن حجر في تخريج أحاديث
الكشاف ص١٢١ .

الآية : ٣١
٣٣
سُورَةُ الفُرْقَان
وقيل: مهجوراً من الهُجْرِ - بالضم على المشهورِ - أي: الهذيان وفُحشِ القول،
والكلامُ على الحذف والإيصال، أي: جَعَلوه مهجوراً فيه، إما على زَعْمِهم الباطلِ
نحو ما قالوا: إنه أساطيرُ الأولين اكتَتَبها، وإمَّا بأنْ هَجَروا فيه ورفعوا أصواتهم
بالهذيان لمَّا قرئ لئلا يُسمَعَ، كما قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِمَذَا الْقُرْءَانِ وَالْفَوْا فِيهِ﴾
[فصلت: ٢٦].
وجوِّز أن يكون مصدراً من الهُجْرِ بالضم، كالمعقول بمعنى العقل، والمجلود
بمعنى الجلادة، أي: اتَّخذوه نفسَ الهُجْرِ والهذيان، ومَجِيءُ مفعول مصدراً مما أثبته
الكوفيون لكنْ على قلَّةٍ.
وفي هذه الشكوى من التخويف والتحذير ما لا يَخْفَى، فإنَّ الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام إذا شَكَوا إلى الله تعالى قومَهم عُجِّل لهم العذابُ ولم يُنْظَروا.
وقيل: إن ((قال) إلخ عطفٌ على ((يَعَضُّ الظالم)) والمرادُ: ويقولُ الرسول،
إلا أنه عدل إلى الماضي لتحقُّقِ الوقوع مع عَدَمٍ قَصْدِ الاستمرار التجدُّديِّ المراد
بمعونة المقام في ((يَعَضُّ)) وإن كان إخباراً عمَّا في الآخرة. وحالُ عَطْفِه على ((وكان
الشيطان)) إلخ على أنه من كلامه تعالى لا يَخْفَى حالُه. وقولُ الرسول ذلك يومَ
القيامة، وهو كالشهادة على أولئك الكفرة وليس بتخويف. وإلى ذلك ذهبت فرقةٌ
منهم أبو مسلم.
والأول(١) أنسبُ بقوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِنُّ﴾ فإنه تسليةٌ
لرسول الله وَّه، وحَمْلٌ له على الاقتداء بمَن قبله من الأنبياء عليهم السلام، والبليةُ
إذا عمَّتْ هانَتْ.
والعدوُّ يحتملُ أن يكون واحداً وجمعاً، أي: كما جَعَلْنا لك أعداءً من
المشركين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون من الأباطيل، جعلنا لكلِّ نبيٍّ من
الأنبياء الذين هم أصحابُ الشريعة والدعوة إليها عدوًّا من مرتكبي الجرائم والآثام.
(١) قوله: والأول، يعني به ما سلف عند بداية تفسير الآية من أن ((وقال الرسول)) معطوف على
((وقال الذين لا يرجون لقاءنا))، أي أن قول الرسول ذلك كان في الدنيا. وينظر حاشية
الشهاب ٦/ ٤٢١.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٣٤
الآية : ٣٢
ويدخل في ذلك آدم عليه السلام؛ لدخول الشياطين وقابيل في المجرمين، ويُكتَفَى
بدخول قابيل إن أريد بالمجرمين مجرمو الإنس، أو مجرمو أمة النبيّ. وقيل: الكلّيّةُ
بمعنى الگثْرةِ.
والمرادُ بجَعْلِ الأعداءِ جَعْلُ عداوتهم وخَلْقُها وما ينشأ منها فيهم، لا جَعْلُ
ذواتهم، ففي ذلك ردٌّ على المعتزلة في زَعْمِهم أنَّ خالق الشرِّ غيرُه تعالى شأنُه.
وقولُه تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ﴾﴾ وعدٌ كريمٌ له عليه الصلاة
والسلام بالهداية إلى كافَّةِ مطالبه، والنصرِ على أعدائه، أي: كفاكَ مالِكُ أَمْرِكَ
ومُبلغكَ إلى الكمال هادياً لك إلى ما يُؤْصِلُكَ إلى غاية الغايات، التي من جملتها
تبليغُ ما أُنزل إليك، وإجراءُ أحكامه في أكناف الدنيا إلى أن يبلغ الكتابُ أَجَلَه،
وناصراً لك عليهم على أبلغ وجه.
وقدَّر بعضُهم متعلَّق ((هادياً)): إلى طريقٍ قَهْرِهم. وقيل: المعنى: هادياً لمن آمن
منهم ونصيراً لك على غيره.
وقيل: هادياً للأنبياء إلى التحرُّزِ عن عداوة المجرمين بالاعتصام بحَبْلِه، ونصيراً
لهم عليهم. وهو كما ترى. ونصبُ الوصفين على الحال أو التمييز.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ حكايةٌ لنوعٍ آخَرَ من أباطيلهم، والمرادُ بهم المشركون
كما صحَّ عن ابن عباس، وهم القائلون أوَّلاً، والتعبيرُ عنهم بعنوان الكفر لذمِّهم به
والإشعارِ بعَّةِ الحكم.
وقيل: المراد بهم طائفة من اليهود.
﴿َوَّلَا نُزْلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ﴾ أي: أُنزل عليه كخبَّر بمعنى أَخْبَرَ، فلا قَصْدَ فيه إلى
التدريج لمكانٍ ﴿ُمْلَةُ وَحِدَةٌ﴾ فإِنَّه لو قُصِدَ ذلك لتَدَافَعَا؛ إذ يكون المعنى: لولا فرِّقَ
القرآنُ جملةً واحدة، والتفريقُ ينافي الجملية. وقيل: عبَّر بذلك للدلالة على كثرة
المُنزلِ في نفسه.
ونَصْبُ ((جملةً)) على الحال، و((واحدةً)» على أنه صفةٌ مؤكِّدةٌ له، أي: هلَّا أُنزِلَ
القرآنُ عليه عليه الصلاة والسلام دفعةً غيرَ مفرَّقٍ كما أُنزلت التوراةُ والإنجيلُ
والزبور، على ما تدلُّ عليه الأحاديثُ والآثارُ، حتى كاد يكونُ إجماعاً كما قال

الآية : ٣٢
٣٥
سُورَةُ القُرْقَانِ
السيوطيّ (١)، وردّ على مَن أنكر ذلك من فضلاء عصره، فقولُ ابن الكمال: إنَّ
التوراة أُنزلت منجَّمةً في ثماني عَشْرةَ سنةً، ويدلُّ عليه نصوصُ التوراة، ولا قاطِعَ
بخلافه من الكتاب والسنَّة. ناشئٌ من نقصان الاطّلاع.
وهذا الاعتراضُ مما لا طائل تحته؛ لأنَّ الإعجاز مما لا يَخْتلِفُ بنزوله جملةً
أو مفرَّقاً مع أنَّ للتفريق فوائدَ، منها ما ذكره الله تعالى بعدُ.
وقيل: إنَّ شاهِدَ صحةِ القرآن إعجازُه، وذلك ببلاغته، وهي بمطابقته لمقتضَى
الحال في كلِّ جملةٍ منه، ولا يتيسَّر ذلك في نزوله دفعةً واحدةً، فلا يقاسُ بسائر
الكتب فإنَّ شاهِدَ صحَتها ليس الإعجاز.
وفيه أنَّ قوله: ولا يتيسّر .. إلخ، ممنوعٌ، فإنه يجوز أن ينزل دفعةً واحدةً مع
رعايةِ المطابقةِ المذكورةِ في كلِّ جملةٍ لِمَا يتجدَّد من الحوادث الموافِقةِ لها، الدالَّةِ
على أحكامها، وقد صحَّ أنه نزل كذلك إلى السماء الدنيا، فلولم يكن هذا لزم كونُه
غيرَ معجِزٍ فيها، ولا قائلَ به، بل قد يقال: إنَّ هذا أقوى في إعجازه، والبليغُ يفهم
من سياق الكلام ما يقتضيه المقام، فافهم.
﴿كَذَلِكَ لِيُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادٌَ﴾ استئنافٌ واردٌ من جهته تعالى لردِّ مقالتهم
الباطلةِ، وبيانِ بعض الحِكُم في تنزيله تدريجاً، ومحلُّ الكافِ نصبٌ على أنّها
صفةٌ لمصدرٍ مؤكِّدٍ لمضمرٍ معلَّلٍ بما بعده، وجوِّز نَصْبُها على الحالية، و(«ذلك))
إشارةٌ إلى ما يفهم من كلامهم، أي: تنزيلاً مثلَ ذلك التّنزيلِ الذي قَدَحوا فيه
واقْتَرحوا خلافَه نزَّلناه، لا تنزيلاً مغايراً له، أو: نزَّلناه مماثلاً لذلك التّنزيل
النقوِّي به فؤادك فإنَّ في تنزيله مفرَّقاً تيسيراً لحِفْظِ النَّظم، وفَهْم المعاني، وضَبْطِ
الكلام، والوقوفِ على تفاصيل ما رُوعِيَ فيه من الحِكَمَ والمصالح، وتعدُّدِ نزول
جبريل عليه السلام، وتجدُّدِ إعجاز الطّاعنين فيه في كلِّ جملةٍ مقدارَ أقصرِ سورةٍ
تنزلُ منه.
ولذلك فوائدُ غيرُ ما ذُكِرَ أيضاً، منها معرفةُ الناسخ المتأخِّر نزولُه من المنسوخ
المتقدِّم نزولُه المخالفِ لحُكْمِه. ومنها انضمامُ القرائن الحالية إلى الدلالات
(١) في الإتقان ١٣٤/١ -١٣٥.
٠٠٠

ـرَةُ القُرْقَان
٣٦
الآية : ٣٣
اللَّفظية، فإنه يُعِينُ على معرفة البلاغة؛ لأنّه بالنظر إلى الحال يتنبَّهُ السامعُ لِمَا
يطابقُها ويوافقُها. إلى غير ذلك.
وقيل: قوله تعالى: (كَذَلِكَ) من تمام كلام الكفرة، والكافُ نصبٌ على
الحال من ((القرآن))، أو الصفةِ لمصدرِ ((نزِّل)) المذكورِ، أو لـ «جملة)) والإشارةُ إلى
تنزيل الكتب المتقدِّمةِ، ولامُ ((لنثبّتَ)) لامُ التعليل، والمعلَّلُ محذوفٌ نحو ما سمعتَ
أولاً، أي: نزَّلناه مفرَّقاً لنثَبِّتَ .. إلخ. وقال أبو حاتم: هي لامُ القسم، والتقديرُ:
واللهِ لُشَبََّنَّ، فَحُذِفَت(١) النونُ وكُسِرَتِ اللامُ. وقد حَكَى ذلك عنه أبو حيان - والظاهرُ
أنها عنده كذلك على القولين في ((كذلك)) - وتعقّبه بأنّه قولٌ في غاية الضَّعْفِ، وكأنه
ينحو إلى مذهب الأخفش أنَّ جواب القسم يُتلقَّى بلام ((كي))، وجَعَل منه: ﴿وَلِنَصْفَى
إِلَيْهِ أَفْئِدَةٌ﴾ إلخ [الأنعام: ١١٣] وهو مذهبٌ مرجوحٌ (٢).
وقرأ عبد الله: ((ليثبِّتَ)) بالياء، أي: ليئبِّتَ اللهُ تعالى(٣).
وقولُه تعالى: ﴿وَرَتَّْتَهُ تَرْبِيلًا ﴾ عطفٌ على الفعل المحذوف المعلَّل بما ذُكر،
وتنكيرُ ((ترتيلاً)) للتفخيم، أي: كذلك نزَّلناه ورتَّلناه ترتيلاً بديعاً لا يقادرُ قَدْرُه.
وترتيلُه: تفريقُه آيةً بعد آيةٍ، قاله النخعيُّ والحسنُ وقتادةُ.
وقال ابن عباس: بيَّنَّاه بياناً فيه ترسُّلٌ. وقال السدِّيُّ: فصَّلناه تفصيلاً. وقال
مجاهدٌ: جعلنا بعضَه إثرَ بعضٍ. وقيل: هو الأمرُ بترتيل قراءته بقوله تعالى: ﴿وَرَتِلِ
الْقُرْءَانَ تَّرْتِلًا﴾ [المزمل: ٤].
وقيل: قرأناه عليك بلسانٍ جبريل عليه السلام شيئاً فشيئاً في عشرين أو في
ثلاثٍ وعشرين سنةً على تُؤَدَّةٍ وتمهُّلٍ، وهو مأخوذٌ من قولهم: ثغرٌ مرثَّلٌ، أي:
مُفَلَّجُ الأسنان غيرُ مُتلاصِقِها .
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ من الأمثال التي من جملتها اقتراحاتُهم القبيحةُ الخارجةُ
عن دائرةٍ العقول، الجاريةُ لذلك مجرى الأمثال، أي: لا يأتونك بكلامٍ عجيبٍ هو
(١) في (م): فحذف.
(٢) البحر ٦ / ٤٩٧ .
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٤، والبحر ٦ / ٤٩٧.

الآية : ٣٣
٣٧
سُورَةُ القُرْقَانِ
مَثَلٌ في البطلان يريدون به القَدْحَ في نبؤَّتك ويُظْهِرونه لك ﴿إِلَّ ◌ِثْتَكَ﴾ في مقابَلتِّه
﴿يَلْحَقِ﴾ أي: بالجواب الحقِّ الثابت الذي يُنْحي عليه بالإبطال، ويحسمُ مادَّةَ القيلِ
والقال، كما مرَّ من الأجوبة الحقَّةِ القالِعَةِ لعروق أسئلتهم الشنيعةِ، الدامغةِ لها
بالكلِّية.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾﴾ عطفٌ على ((الحق))، أي: جئناك بأَحْسنَ
تفسيراً، أي: بما هو أحسن، أو على محلِّ ((بالحقِّ) أي: استحضرنا لك وأنزلنا
عليك الحقِّ وأحسن تفسيراً، أي: كَشْفاً وبياناً، على معنى أنه في غايةٍ ما يكون من
الحُسْنِ في حدٍّ ذاته، لا أنَّ ما يأتون به له حُسْنٌ في الجملة وهذا أحسنُ منه، وهذا
نظيرُ قولهم: اللهُ تعالى أكبرُ، أي: له غايةُ الكبرياء في حدٍّ ذاته.
وبعضُهم قدَّر مفضَّلاً عليه فقال: أي: وأَحْسَنَ تفسيراً من مَثَلِهم، وحُسْنُه على
زَعْمِهم، أو هو تهكُمٌ.
وتُعقِّب الأولُ بأنه يَفُوتُ عليه معنى التسلية؛ لأنَّ المراد: لا يهمّك(١)
ما اقترحوه من قولهم: (لَوَلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ) فإنَّ تنزيله مفرَّقاً أحسنُ
مما اقترحوه لفوائدَ شتَّى. وفيه منعٌ ظاهر.
وقيل: المراد بالتفسير المعنى، والمرادُ: وأَحْسَنَ معنًى؛ لأنه يقال: تفسيرُ كذا
كذا، أي: معناه، فهو مصدرٌ بمعنى المفعول؛ لأنَّ المعنى: مفسَّرٌ، كـ : درهمٌ
ضَرْبُ الأمير(٢). ورُدَّ بأنَّ المفسَّر اسم مفعولٍ هو الكلامُ لا المعنى، لأنه يقال:
فسَّرْتُ الكلام، لا معناه.
وقال الطّبيُّ: وُضِعَ التفسيرُ موضعَ المعنى من وَضْعِ السَّببِ موضعَ المسبَّبِ؛
لأنَّ التفسير سببٌ لظهور المعنى وكَشْفِهِ.
وقيل عليه: إنه فَرْقٌ بين المعنى وظهورِهِ، فلا يتمُّ التقريبُ، وقد يُكْتَفَى بسببيَّتِه
له في الجملة.
وأيًّا ما كان فهو نصبٌ على التمييز. والاستثناءُ مفرَّغْ من أعمِّ الأحوال،
(١) في الأصل و(م): لا يهلك، وهو تصحيف، والمثبت من حاشية الشهاب ٦/ ٤٢٣.
(٢) أي: مضروبه.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٣٨
الآية : ٣٣
فالجملةُ في محلِّ النصب على الحالية، أي: لا يأتونك بمثلٍ في حالٍ من
الأحوال(١) إلَّا حالَ إنزالنا عليك واستحضارِنا لك الحقَّ وأحسنَ تفسيراً، وجُعِلَ
ذلك مقارِناً لإتيانهم وإن كان بعده للدلالةِ على المسارعة إلى إبطال ما أَتوا به تثبيتاً
لفؤاده عليه .
وجوِّز أن يكون ((المَثَلُ)) عبارةً عن الصفة الغريبة التي كانوا يقترحون كونَه عليه
الصلاة والسلام عليها، من الاستغناء عن الأكل والشرب، وحِيازةِ الكَنْز والجنةِ،
ونزولِ القرآن عليه جملةً واحدةً، على معنى: لا يأتوك بحالةٍ عجيبةٍ يقترحون
اتِّصافك بها قائلين: هلَّا كان على هذه الحالةِ، إلا أعطيناك نحن من الأحوال
الممكنةِ ما يحقُّ لك في حِكْمَتِنا ومشيئتنا أن تُعطاه، وما هو أحسنُ.
وتعقِّب بأنه يأباه الاستثناءُ المذكورُ، فإنَّ المتبادرَ منه أن يكون ما أعطاه الله
تعالى من الحقِّ مترتِّباً على ما أتوا به من الأباطيل دامغاً لها، ولا ريبَ في أنَّ
ما آتاه الله تعالى من المَلكَاتِ السَّنِيَّةِ الطائفةِ بالرسالة قد أتاه من أول الأمر،
لا بمقابلةِ ما حُكي عنهم من الاقتراحات لأَجْلِ دَمْغِها وإِبْطالِها .
وأجيب بأنَّ معنى ((إلا جئناك)) إلخ على ذلك: إلَّا أَظْهَرْنا فيك ما يكشِفُ عن
بطلان ما أتوا به. وهو كما ترى، فالحقُّ التعويلُ على الأول.
والمشهور أنَّ الإتيانَ والمجيءَ بمعنّى، لكنْ عبِّر أولاً بالإتيان وثانياً بالمجيءِ
للتفتُّنِ، وكراهةً أن يتَّحِدَ ما يُنْسَبُ إليه عزَّ وجلَّ وما يُنسب إليهم لفظاً، مع كون
ما أتوا به في غاية القبح والبطلان، وما جاء به سبحانه في غاية الحقِّية والحُسْنِ.
وفرق الرَّاغبُ بينهما فقال: المجيءُ كالإتيان، لكنَّ المجيءَ أعمُّ لأنَّ الإتيان
مجيءٌ بسهولةٍ، ومنه قيل للسّيل المارِّ على وجهه: أَتِيٍّ وأَتاوِيٌّ، والإتيانُ قد يقال
باعتبارِ القَصْدِ وإن لم يكن منه الحصولُ، والمجيءُ يقال اعتباراً بالحصول(٢).
ولعلّ في التعبير بالإتيان أولاً والمجيءِ ثانياً على هذا إشارةً إلى أنَّ ما يأتون به
من الأمثال في نفسه من الأمور التي تُتخَيَّلُ بسهولةٍ ولا تحتاجُ إلى إعمالِ فِكْرٍ
(١) بعدها في (م): أي، وهو خطأ. ينظر الدر المصون ٤٨٢/٨، وتفسير أبي السعود ٢١٦/٦.
(٢) مفردات الراغب (أتى) و(جاء).

الآية : ٣٤
٣٩
سُورَةُ الفُرْقَانِ
بخلافٍ ما يكون في مقابَلتِهِ فإنّه في نفسه من الأمور العقلية التي صَقَلها الفِكرُ
فلا يجد أحدٌ سبيلاً إلى ردِّها والطّعنِ فيها، أو إلى أنَّ فِعْلَهم لخروجه عن حيِّز
القبول منزَّلٌ منزلةَ العدم حتى كأنّهم لم يتحقَّقْ منهم القصدُ دون الحصولِ
بخلافٍ ما كان من قِبَلِه عزَّ وجلَّ، فتأمَّلْ، والله تعالى أعلمُ بأسرارِ كتابه.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أي: يحشرون ماشينَ على وجوههم،
فقد روى الترمذيُّ عن أبي هريرة ◌َُّه قال: قال رسول الله وَله: ((يُحْشَرُ الناسُ يومَ
القيامة ثلاثةً أصنافٍ: صنفاً مشاةً، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم))، قيل
يا رسول الله: وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: ((إنَّ الذي أَمْشاهُم على أقدامهم
قادرٌ على أنْ يمشِّيَهم على وجوههم، أمَا إنهم يتَّقون بوجوههم كلَّ حَدَبٍ
وشوكٍ))(١) .
وهذا يَحْتَمِلُ أن يكون بمسِّ وجوهِهم وسائرِ ما في جهتها من صدورهم
وبطونهم ونحوِها الأرضَ، وأن يكون بِنَكْسِهم على رؤوسهم، وجَعْلٍ وجوههم إلى
ما يلي الأرضَ، وارتفاعٍ أقدامهم وسائرٍ أبدانهم، ولعل الحديث أظْهَرُ في الأول.
وقيل: إنَّ الملائكة عليهم السلام تَسْحَبُهم وتجرُّهم على وجوههم إلى جهنم،
والأمرُ عليه ظاهرٌ لا غرابةَ فيه.
وقيل: الحشرُ على الوجه مجازٌ عن الذلَّةِ المُفْرِطةِ والخزى والهوان.
وقيل: هو من قول العرب: مرَّ فلانٌ على وجهه، إذا لم يَدْرِ أين ذهب.
وقيل: الكلامُ كنايةٌ أو استعارةٌ تمثيليةٌ، والمرادُ أنهم يُحشَرون متعلِّقةً قلوبُهم
بالسفليات من الدنيا وزخارِفِها، متوجِّهةً وجوهُهم إليها. ولعل كونَ هذه الحال في
الحشر باعتبارٍ بقاء آثارها، وإلا فَهُم هناك في شغلٍ شاغلٍ عن التوجُّه إلى
الدنيا وزخارِفها وتعلُّقِ قلوبهم بها .
(١) سنن الترمذي (٣١٤٢)، وهو عند أحمد (٨٦٤٧). وله شاهد من حديث معاوية بن حيدة
وآخر من حديث أبي ذر أخرجهما أحمد (٢٠٠١١) و(٢١٤٥٦). ويشهد للقسم الأخير منه
حديث أنس عند البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦). وقوله: حَدَب، هو الغليظ المرتفع
من الأرض. ينظر النهاية (حدب).

سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ
٤٠
الآية : ٣٤
ومحلُّ الموصول، قيل: إمَّا النصبُ بتقديرِ أذُّ أو أعني، أو الرفعُ على أنه
خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم الذين، أو على أنه مبتدأ، وقولُه تعالى: ﴿أُوْلَبِكَ﴾
بدلٌ منه أو بيانٌ له، وقولُه تعالى: ﴿شَرِّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا
®﴾ خبرٌ له، أو اسمُ
الإشارة مبتدأ ثانٍ، و((شرٌّ) خبرُه، والجملةُ خبرُ الموصول.
وقال صاحب ((الفرائد)»: يمكن أن يكون الموصول بدلاً من الضمير في
(يأتونك))، و((أولئك شرٌّ مكاناً) كلامٌ مستأنفٌ. ولعل الأقربَ كونُ الموصولِ مبتدأً
وما بعده خبرُه.
قال الطيبيُّ: وذلك من باب كلام المنصف وإرخاء العنان. وفُصِلَ ((الذين
يحشرون)) عمَّا قبله استئنافاً (١)، لأنَّ التسليةَ السابقةَ حرَّكتْ منه وَلِّ بأن يَسأل: فإذاً
بماذا أجيبهم؟ وما يكون قولي لهم؟ فقيل: قل لهم: الذين يُحشَرون على وجوههم
إلى جهنّم .. إلخ، يعني: مقصودُكم من هذا التعنُّتِ تحقيرُ مكاني وتضليلُ سبيلي،
وما أقول لكم: أنتم كذلك، بل أقول: الذين يُحشَرونَ على وجوههم إلى جهنّم شرٌّ
مكاناً وأضلُّ سبيلاً، فانظروا بعين الإنصاف، وتفكّروا مَن الذي هو أَوْلَى بهذا
الوصف منَّا ومنكم، لتعلموا أنَّ مكانكم شرٌّ من مكاننا، وسبيلَكم أضلُّ من سبيلنا،
وعليه قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
فالمكانُ: الشَّرفُ والمنزلةُ، ويجوز أن يُرادَ به الدارُ والمسكن. و((شرٌّ)) و((أضلُ))
محمولان على التفضيل على طريقة قوله تعالى: ﴿قُلّ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍ مِّن ذَلِكَ مَثُوَةٌ عِنْدَ
اللَّهِّ مَن لََّنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]. وجَعَل صاحب ((الفرائد)) ذلك لإثبات
كلِّ الشرِّ لمكانهم وكلِّ الضلال لسبيلهم. ووَصْفُ السبيل بالضلال من باب الإسناد
المجازيِّ للمبالغة.
والآيةُ على ما سمعتَ متَّصلةٌ بما قَبْلَها من قوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ) إلخ. وقال
الكرمانيُّ: هي مثَّصلةٌ بقوله تعالى: (أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ) الآيةَ. قيل: ويجوزُ أن
تكون متَّصلةً بقوله سبحانه: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ) انتهى. وما ذُكر
أوَّلاً أبعدُ مغزّى.
(١) في الأصل: استئناف.