Indexed OCR Text

Pages 501-520

التفسير الإشاري
٥٠١
سُورَةُ النُّدِ
فينبِّتهم بما عملوا خيراً أو شرّاً فيرتِّبُ سبحانه على ذلك ما يليق به إن خيراً فخيرٌ
وإن شرّاً فشرٌّ .
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾﴾ لا يخفى عليه شيءٌ من الأشياء. والجملةُ تذييلٌ
مقرِّرٌ لِمَا قبله، وإظهارُ الاسم الجليل في مقام الإضمار لتأكيد استقلالِ الجملة
والإشعارِ بعلَّةِ الحكم، وتقديمُ الظرف لرعاية رؤوس الآي. وقيل - وفيه بحثٌ -:
إِنه للحَصْرِ على معنى: والله عليمٌ بكلِّ شيءٍ لا ببعضِ الأشياء كما يزعمهُ بعضُ
جَهَلةِ الفلاسفة ومَن حَذَا حَذْوَهم، حَفِظَنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من
الضلالات، وجَعَلَ لنا نوراً نهتدي به إذا اذْلَهمَّ ليلُ الجهالات.
هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ما قيل في قوله تعالى: ﴿أَ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى
سَحَابًا﴾ إلى آخره: إنّه إشارةٌ إلى جمع العناصر الأربعة وتركيبِ الإنسان منها، ثم
خروجِ مطرِ الإحساس من عينيه وأذنيه مثلاً، وينزِّلُ من سماء العقل الفيَّاض بَرَدَ
حقائق العلوم، فيصيب به مَن يشاء، فتظهرُ آثارُه عليه، ويَصْرِفُه عمَّن يشاء
حَسْبَما تقتضيه الحكمةُ الإلهية.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقٍِ﴾ نورُ تَجَلِّيه ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾(١) بأنْ يعطِّلَها عن الإبصار،
ويُقني أصحابَها عنها؛ لما أنَّ الإدراكَ بنورِهِ فوق الإدراك بنورِ الأبصار.
﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارُ﴾ إشارةٌ إلى ليل المَحْوِ ونهار الصَّحْوِ، أو ليلِ القَّبْضِ
ونهارِ البَسْطِ، أو ليل الجلال ونهار الجمال، أو نحو ذلك.
وقيل: يُزْجي سحابَ المعاصي إلى أن يتراكم، فتَرَى مَطَرَ التوبة يخرج من
خلاله كما خرج من سحابٍ ((وعصى آدم)) مَطرُ («ثم اجتباه ربُّه))، وينزِّلُ من سماء
القلوب من جبال القَسْوةِ فيها من بَرَدِ القَهْرِ، يقلِّبُ الله ليل المعصية لمن يشاء إلى
نهار الطاعة وبالعكس.
﴿وَلَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَةٍ مِّنِ مَّاءٍ﴾ تقدَّم الكلام في الماء ﴿فَمِنْهُمْ مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾
يعتمدُ في سيره على الباطن، وهم أهل الجذبة المغمورون في بحار المحبَّة ﴿وَمِنْهُم
(١) في (م): الأبصار.

سُورَةُ الَّنودِ
٥٠٢
التفسير الإشاري
مَنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ يعتمدُ في سيره الشريعةَ والطريقةَ، لكن فيما يتعلَّق به خاصةً
منهما، وهم صنفٌ من الكاملين سكنوا زوايا الخمول، ولم يخالطوا الناس ولم
يشتغلوا بالإرشاد ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَمْشِى عَلَى أَرَبَعْ﴾ يعتمد في سيره الشريعةً والطريقةَ
فيما يتعلَّق به وبغيره منهما، وهم صنفٌ آخَر من الكاملين برزوا للناس وخالطوهم
واشتغلوا بالإرشاد وعملوا في أنفسهم بما تقتضيه الشريعة والطريقة وعاملوا الناس
والمريدين بذلك أيضاً .
﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَةُ﴾ فلا يَبْعدُ أن يكون في خَلْقِه من يمشي على أكثر،
كالكاملين الذين أَوْقَفَهم الله تعالى على أسرار الملك والملكوت، وما حدَّه لكلِّ أمةٍ
من الأمم ونوعٍ من أنواع المخلوقات، فعامَلوا - بعد أن عملوا في أنفسهم ما يليقُ
بهم - كلَّ أمةٍ وَكلَّ نوعٍ بما حُدَّ له ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسِْسَةٌ﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِلرَّسُولِ﴾ الآياتِ إشارةٌ إلى أحوال
المنكرين في القلب على المشايخ، وأحوالِ المصدِّقين بهم قلباً وقالباً.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ طاعة الرسول سببٌ
الحصول المكاشَفات ونحوِها؛ قال أبو عثمان: من أمَّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً
نَطَقَ بالحكمة، ومَن أمَّر الهوى على نفسه نطقَ بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِن
تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ .
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ مَعَدُ عَّ أَمْيٍ
جَامِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَّى يَسْتَعَذِئُوهُ﴾ إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي للمريد الاستبدادُ بشيءٍ؛ قال
عبد الله الرازي: قال قومٌ من أصحاب أبي عثمان لأبي عثمان: أَوْصِنَا. فقال:
عليكم بالاجتماع على الدين، وإياكم ومخالفةَ الأكابر، والدخولَ في شيءٍ من
الطاعات إلَّا بإذنهم ومشورتهم، وواسُوا المحتاجين بما أمكنكم، فإذا فعلتُم أرجو
أن لا يُضيعَ اللهُ تعالى لكم سعياً.
﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فيه من تعظيم أمرٍ
الرسول ◌َّيه ما فيه، وذكر أنَّ الشيخ في جماعته كالنبيِّ في أمته، فينبغي أن يُحتَرمَ
في مخاطبته، ويميَّز على غيره.

سُوَّةُ الَّنُودِ
التفسير الإشاري
٥٠٣
﴿فَلَيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال
أبو سعيد الخزاز: الفتنةُ إسباغُ النعم مع الاستدراج. وقال الجنيد قدِّس سرُّه: قسوةُ
القلب عن معرفة المعروف والمنكر. وقال بعضهم: طبعٌ على القلوب. والعذابُ
الأليمُ هو عذابُ البعد، والحجابُ عن الحضرة، نعوذُ بالله تعالى من ذلك، ونسأله
سبحانه التوفيقَ إلى أَقْوَمِ المسالك، فلا ربَّ غيرُه، ولا يُرْجَى إِلَّا خَيْرُه.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
أَطْلقَ الجمهورُ القولَ بمكِّيتها، وعن ابن عباس ظنًّا وقتادةَ: هي مكيةٌ إلا ثلاثَ
آياتٍ نزلت بالمدينة، وهي: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إلى قوله
سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الآيات: ٦٨-٧٠]، وقال الضحاك: هي مدنيةٌ
إلا أوَّلَها إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ [الآية: ٣] فهو مكيٌّ.
وعددُ آياتها سبع وسبعون آية بلا خلافٍ، كما ذكره الطبرسيُّ(١) والداني في
كتاب ((العدد))(٢).
ولمَّا ذَكَر جلَّ وعلا في آخر السورة السابقة وجوبَ متابعةِ المؤمنين
للرسول وَل﴿، ومَدَح المتابعين وحذّر المخالفين، افتتح سبحانه هذه السورةَ بما يدلُّ
على تعاليه جلَّ شأنُه عمَّا سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، أو على كثرة خيره تعالى
ودوامِه، وأنه نزَّلَ(٣) الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، إطماعاً في خيره
وتحذيراً من عقابه جلَّ شأنُه، وفي هذه السورة أيضاً من تأكيد ما في السابقة من
مدح الرسول ◌َ له ما فيها، فقال تبارك وتعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿َتَارَكَ اَلَّذِى نَّلَ الْفُرْقَانَ عَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا ﴾﴾ أي: تعالى جلَّ
شأنُه في ذاته وصفاته وأفعاله على أتمٍّ وجهٍ وأبلغِه، كما يُشْعِرُ به إسنادُ صيغةٍ
التفاعُلِ إليه تعالى، وهذا الفعلُ لا يُسنَدُ في الأغلب إلى غيره تعالى، ومثله:
((تعالى))، ولا يتصرَّفُ، فلا يجيءُ منه مضارعٌ ولا أمرٌ ولا ولا في الأغلب أيضاً،
(١) في مجمع البيان ٨٣/١٨.
(٢) البيان في عَدِّ آي القرآن ص ١٩٤.
(٣) في (م): أنزل.

الآية : ١
٥٠٥
سُورَةُ القُرْقَانِ
وإلا فقد قرأ أبيُّ كما سيأتي إن شاء الله تعالى: ((تباركتِ الأرضُ ومَن حولها))(١)،
وجاء كما في ((الكشف)): تباركتِ النخلةُ: أي: تعالت. وحكى الأصمعيُّ أن
أعرابيّاً صعد رابيةً فقال لأصحابه: تبارَكْتُ عليكم، وقال الشاعر:
إلى الجذع جذع النخلة المتبارك (٢)
وقال الخليل(٣): معنى تبارك: تمَجَّد. وقال الضَّاك: تعظّم. وهو قريبٌ من
قریپٍ .
وعن الحسن والنخعيّ أن المعنى: تَزايَدَ خيرُه وعطاؤه وتكاثَرَ. وهي إحدى
روايتين عن ابن عباس ﴿يا، ثانيتُهما أن المعنى: لم يزل، ولا يزال.
وتحقيقُ ذلك أنَّ ((تَبارَكَ)) من البركة، وهي في الأصل مأخوذةٌ من بَرْكِ البعير
وهو صدرهُ، ومنه بَرَكَ البعير: إذا أَلْقَى بَرْكَه على الأرض، واعتُبر فيه معنى اللزومِ
فقيل: بَرَاكاءُ الحرب وبَرُوْكاؤُها(٤) للمكان الذي يلزمُه الأبطال، وسمِّي مَحْبِسُ
الماء بِرْكةً كسِدْرةٍ، ثم أُطلقتْ على ثبوتِ الخير الإلهيِّ في الشيء ثبوتَ الماء في
البِرْكَةِ، وقيل لِمَا فيه ذلك الخيرُ: مبارَك، ولمَّا كان الخيرُ الإلهيُّ يَصْدُرُ من حيث
لا يُحسُّ، وعلى وجهٍ لا يُحصَى ولا يُخْصَرُ، قيل لكلِّ ما يشاهَدُ منه زيادةٌ غيرُ
محسوسةٍ: هو مبارَكٌ، و: فيه بَرَكة.
فَمَن اعتبر معنى اللزوم كابن عباس بناءً على الرواية الثانية عنه، قال: المعنى:
لم يَزَلْ ولا يَزَالُ، أو نحو ذلك. ومَن اعتبر معنى التزايُدِ انقسم إلى طائفتين، فطائفةٌ
جعلوه باعتبارِ كمالِ الذات في نفسها ونقصانِ ما سواها، ففسَّروا ذلك بالتعالي
ونحوِهِ، وطائفةٌ جعلوه باعتبارِ كمالِ الفعل، ففسَّرِوه بتزايدِ الخير وتكاثُرِهِ،
ولا اعتبارَ للتغيُّر المبنيِّ على اعتبارٍ معنى اللزوم؛ لقلَّة فائدةِ الكلام عليه، وعدم
مناسبةِ ذلك المعنى لِمَا بَعْدُ، ومن هنا ردَّد الجمهور المعنى بين ما ذكرناه
أوَّلاً وما رُوِيَ عن الحسن ومَن معه.
(١) ستأتي عند تفسير الآية (٨) من سورة النمل.
(٢) ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث١٦/١، والشهاب في الحاشية ٤٠٥/٦.
(٣) كما في البحر ٦/ ٤٨٠.
(٤) كَجَلُولاء. التاج (برك).

الآية : ١
٥٠٦
سُورَةُ القُرْقَانِ
وترتيبُ وَصْفِه تعالى بقوله سبحانه: (تَبَارَكَ) بالمعنى الأوَّلِ على إنزاله جلَّ شأنُه
الفرقانَ لِمَا أنه ناطقٌ بعلوٍّ شأنه سبحانه وسموٍّ صفاتِهِ، وابتناءِ أفعاله على أساس
الحِكَمِ والمصالح، وخلوِّها عن شائبة الخللِ بالكلِّية.
وترتيبُ ذلك بالمعنى الثاني عليه لِمَا فيه من الخير الكثير؛ لأنه هدايةٌ ورحمةٌ
للعالَمين، وفيه ما ينتظمُ به أمر المعاشِ والمعادِ.
وكِلَا المعنيين مناسبٌ للمقام، ورجِّح الأولُ بأنه أنسبُ به لمكان قوله تعالى:
(لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا) فقد قال الطيبيُّ: في اختصاصِ النذير دون البشير سلوكُ طريقةٍ
براعةِ الاستهلالِ، والإيذانُ بأنَّ هذه السورةَ مشتملةٌ على ذكر المعاندين المتَّخذين لله
تعالى ولداً وشريكاً، الطاعنين في كتبه ورسله واليوم الآخر، وهذا المعنى يؤيِّدُ
تأويلَ ((تبارك)» بـ: تَزايَدَ عن كلِّ شيءٍ، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله جلَّ وعلا؛
لإفادته صفةً الجلال والهيبةِ، وإيذانه من أول الأمر بتَعَاليه سبحانه عمَّا يقول
الظالمون علوّاً كبيراً، وهو من الحُسْنِ بمكان.
و((الفرقان)) مصدرُ فَرَقَ الشيءَ من الشيء وعنه: إذا فَصَلَه، ويقال أيضاً كما ذكره
الراغب(١): فَرَقْتُ بين الشيئين: إذا فَصَلْتَ بينهما، سواءٌ كان ذلك بفَصْلٍ يدركُه
البصرُ أو بفَصْلٍ تدركُه البصيرة. والتفريقُ بمعناه إلَّا أنه يدلُّ على التكثير دونه.
وقيل: إنَّ الفَرْقَ في المعاني، والتفريقَ في الأجسام.
والمرادُ به القرآنُ، وإطلاقُه عليه لفَصْلِهِ بين الحقِّ والباطل بما فيه من البيان، أو بين
المُحِقِّ والمُبْطِلِ لِمَا فيه من الإعجاز، أو لكونه مفصولاً بعضُه عن بعضٍ في نفسه أو في
الإنزال حيث لم ينزل دفعةً كسائر الكتب - وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يقولُه الصوفيةُ في
ذلك۔ فهو مصدرٌ بمعنی الفاعل أو بمعنى المفعول، ویجوزُ أن یکون ذلك من بابٍ:
. هي إقبالٌ وإدبار(٢)
فلا تغفل.
والمراد بـ ((عبده)): نبيِّنا محمدٌ وَلِهِ، وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بذلك العنوانِ
(١) في مفرداته (فرق).
(٢) طرف بيت للخنساء، وسلف ٤٨٣/١١.

الآية : ١
٥٠٧
سُورَةُ القُرْقَانِ
لتشريفه، والإيذانِ بكونه صلواتُ الله تعالى وسلامُه عليه في أقصى مراتبِ العبودية،
والتنبيهِ على أنَّ الرسول لا يكون إلَّا عبداً للمرسِل ردّاً على النصارى.
وقيل: المرادُ بالفرقان: جميعُ الكتب السماوية؛ لأنَّها كلَّها فَرَقَتْ بين الحقِّ
والباطل، وبعبده: الجنسُ الشاملُ لجميعِ مَن نزلت عليهم، وأيِّد بقراءةِ ابنِ الزبير:
((على عباده)(١)، ولا يَخْفَى ما في ذلك من البُعْدِ.
والمرادُ بالعباد في قراءة ابن الزبير: الرسولُ عليه الصلاة والسلام وأمتُه،
والإنزالُ كما يضاف إلى الرسول وَله يضافُ إلى أمته، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
أَلْنَا إِلَيْكُ﴾ [النور: ٣٤] لأنه واصلٌ إليهم، ونزولُه لأَجْلِهم، فكأنه مُنزلٌ عليهم وإن
كان إنزالُه حقيقةً عليه عليه الصلاة والسلام.
وقيل: المرادُ بالجمع هو ◌َّهِ، وعبّر عنه به تعظيماً.
وضميرُ (يكون)) عائدٌ على (عبده)). وقيل: على ((الفرقان)) وإسنادُ الإنذار إليه
مجازٌ. وقيل: على الموصول الذي هو عبارةٌ عنه تعالى، ورجِّح بأنه العمدةُ المسنَدُ
إليه الفعلُ، والإنذارُ من صفاته عزَّ وجل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَا مُنذِرِينَ﴾
[الدخان: ٣]. وقيل: على التنزيل المفهوم من ((نزَّل)). والمتبادرُ إلى الفهم هو
الأول، وهو الذي يقتضيه ما بعدُ.
والنذيرُ صفةٌ مشبَّهةٌ بمعنى مُنْذِر، وجوِّز أن يكون مصدراً بمعنى إنذار، كالنكير
بمعنى إنكار، وحكمُ الإخبار بالمصدر شهيرٌ. والإنذارُ إخبارٌ فيه تخويفٌ ويقابله
التبشير، ولم يتعرَّض له لِمَا مرَّ آنفاً.
والمرادُ بالعالَمين عند جَمْع من العالِمِين: الإنسُ والجنُّ ممن عاصَرَه ◌َّ إلى يوم
القيامة. ويؤيِّدهُ قراءةُ ابنِ الزبير: ((للعالمين للجنِّ والإنس))(٢). وإرسالُه وَّل إليهم
معلومٌ من الدِّين بالضرورة فيكفَّرُ مُنْكِرُه، وكذا الملائكةُ عليهم السلام كما رجَّحه
جمعٌ محقِّقون كالسُّبكيِّ ومَن تَبِعه، وردَّ على مَن خالَفَ ذلك. واذَّعَى بعضُهم دلالةَ
الآيةِ عليه؛ لأنَّ العالَمَ ما سوى اللهِ تعالى وصفاتِهِ العُلَى، فيشملُ الملائكة عليهم
السلام، وصيغةُ جمع العقلاء للتغليب، أو جُمع بعد تخصيصِه بالعقلاء.
(١) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والمحتسب ١١٧/٢، والبحر ٦/ ٤٨٠.
(٢) البحر ٤٨٠/٦.

سُورَةُ القُرْقَانِ
٥٠٨
الآية : ١
ومَن قال كالبارزي: إنه عليه الصلاة والسلام أُرْسِلَ حتى إلى الجمادات بعد
جَعْلِها مُدْرِكةً لظاهرٍ خبرِ مسلم: ((وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافةً))(١) لم يخصِّص واكتفى
بالتغلیب.
وفائدةُ الإرسالِ للمعصوم وغير المكلَّفِ طَلَبُ إذعانهما لشرفه عليه الصلاة
والسلام، ودخولِهما تحت دعوته وأتباعه تشريفاً على سائرِ المرسلين عليهم
السلام.
.ف
وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على متعلَّقه للتشويق ومراعاةِ الفواصل، وللحَصْرِ أيضاً
على القول الأول في ((العالمين)).
وإبرازُ تنزيل الفرقان في مَعْرِضِ الصِّلةِ التي حقُّها أن تكون معلومَة الثبوتِ
للموصول عند السامع مع إنكار الكَفَرةِ له؛ لإجرائه مجرى المعلوم المسلَّمِ تنبيهاً
على قوَّةٍ دلائله، وكونِه بحيث لا يكادُ يجهلُه أحدٌ، كقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبٌ فِهِ﴾
[البقرة: ٢] وكذا يقال في نظائره من الصِّلات التي ينكرُها الكَفَرةُ.
وقال بعضهم: لا حاجةَ لِمَا ذُكر؛ إذ يكفي في الصِّلة أن تكون معلومةً للسامع
المخاطَّبِ بها، ولا يلزم أن تكون معلومةً لكلِّ سامع، والمخاطبُ بها هنا هو
رسول الله وَله، وهو عليه الصلاة والسلام عالمٌ بثبوتها للموصول. وفي ((شرح
التسهيل)): أنه لا يلزم فيها أن تكون معلومةً، وأنَّ تعريفَ الموصول كتعريفِ (أل))؛
يكون للعهد والجنسٍ، وأنه قد تكون صلتُه مُبْهَمةً للتعظيم كما في قوله :
فمثلُ الذي لاقيتُ يُغْلَبُ صاحبُه(٢)
فإنْ أُستَطِئْ أَغْلِبْ وإنْ یَغْلِبِ الھوی .
وما ذُكر أوَّلاً من تنزيلها منزلةَ المعلوم أبلغُ؛ لكونه كنايةً عمَّا ذُكِرَ مناسِبةً للردِّ
على مَن أنكر النبوَّةَ وتوحيدَ الله تعالى.
(١) صحيح مسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة مظلته، وهو عند أحمد (٩٣٣٧)، والبارزي هو
قاضي حماة، شرف الدين، هبة الله بن عبد الرحيم الجهني، له: شرح الحاوي، والتمييز،
والوفا في سرائر المصطفى، توفي سنة (٧٣٨هـ). طبقات الشافعية ٣٨٧/١٠. وقد سلف
كلامه عند تفسير الآية (٥٩) من سورة الأعراف.
(٢) البيت لابن ميادة كما في أمالي القالي ١٦٥/١، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٣٣٤/٣،
ومعجم الأدباء ١٤٨/١١ .

الآية : ٢
٥٠٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
﴿اَلَِّى لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: له سبحانه خاصةً دون غيره - لا استقلالاً
ولا اشتراكاً - السلطانُ القاهرُ والاستيلاءُ الباهرُ عليهما، المستلزِمُ للقدرة التامَّة
والتصرُّفِ الكلِّيِّ فيهما وفيما فيهما، إيجاداً وإعداماً، وإحياءً وإماتةً، وأمراً ونهياً،
حَسْبَما تقتضيه مشيئتُه المبنيَّةُ على الحِكَم والمصالح.
ومحلُّ الموصول الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، والجملةُ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ
لِمَا قبلها أو على أنه نعتٌ للموصول الأول، أو بيانٌ له، أو بدلٌ منه، وما بينهما ليس
بأجنبيٍّ لأنه من تمام الصلة ومتعلّقٌ بها، فلا يضرُّ الفصلُ به بين التابع والمتبوع
كما في ((البحر))(١). أو محلّه الرفعُ أو النصبُ على المدح، بتقدير: هو، أو:
أَمْدُ.
واختار الطيبيُّ أنَّ محلَّه الرفعُ على الإبدال، وعلَّله بقوله: لأنَّ من حقِّ الصلةِ
أن تكون معلومةً عند المخاطب، وتلك الصلةُ لم تكن معلومةً عند المعانِدين،
فأبدل ((الذي له)) إلخ بياناً وتفسيراً. وهو بعيدٌ مِن مِثْلِهِ، وسبحان مَن لا يعابُ عليه
شيءٌ.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ أي: لم يُنْزِلْ أحداً منزلةَ الولد. وقيل: أي: لم يكن له ولدٌ
كما يزعم الذين يقولون في حقِّ المسيح وعُزَيرٍ والملائكة عليهم السلام ما يقولون،
فسبحان اللهِ عما يصفون.
والجملةُ معطوفةٌ على ما قَبْلَها من الجملة الظرفية، وكذا قولهُ تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنَ
لَّهُ شَرِكُ فِ الْمُلْكِ﴾ أي: ملكِ السماوات والأرض، وأُفرد بالذكر مع أنَّ ما ذُكر من
اختصاصٍ ملكهما به تعالى مستلزمٌ له قطعاً؛ للتصريح ببطلان زَعْمِ الثنويةِ القائلين
بتعدُّدِ الآلهة، والردِّ في نحورهم. وتوسيطُ نفي اتخاذٍ الولد بينهما؛ للتنبيه على
استقلاله وأصالته، والاحترازِ عن توقُّم كونِه تتمةً للأول.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: أَخْدَثَه إحداثاً جارياً على سَنَنِ التقدير والتسوية
حَسْبَما اقتضته إرادتُه المبنيَّةُ على الحِكَم البالغةِ، كخلقهِ الإنسان من موادّ
مخصوصةٍ، وصورٍ وأشكالٍ معيّنةٍ.
(١) ٦/ ٤٨٠.

سُورَةُ الفُرْقَانِ
٥١٠
الآية : ٢
﴿فَقَدََّهُ﴾ أي: هيَّه لِمَا أراد به من الخصائص والأفعال اللائقة به ﴿نَقْدِيرًا
بديعاً لا يقادَرُ قَدْرُه، ولا يُبْلَغُ كنهُه، كتهيئةِ الإنسان للفَهْمِ والإدراك، والنظرِ
والتدبُّرِ في أمور المعادِ والمعاشِ، واستنباطِ الصنائع المتنوِّعةِ، ومُزاولةِ الأعمال
المختلفةِ، إلى غير ذلك، فلا تكرارَ في الآية؛ لِمَا ظهر من أنَّ التقدير الدالّ عليه
الخَلْقُ بمعنى التسويةِ، والمعبَّرَ عنه بلَفْظِه بمعنى التهيئة، وهما غيران، والخَلْقُ
على هذا على حقيقته.
ويجوزُ أن يكون الخَلْقُ مجازاً، بل منقولاً عرفّاً في معنى الإحداث والإيجاد
غير ملاحظ فيه التقديرُ وإن لم يَخْلُ عنه، ولهذا صحَّ التجوُّز، ويكون التصریحُ
بالتقدير دلالةً على أنَّ كلَّ واحدٍ مقصودٌ بالذات، فكأنه قيل: وأَوْجَدَ كلَّ شيءٍ
فقدَّره في إيجاده لم يُؤْجِدْه متفاوتاً بل أَوْجَدَه مُتناصِفاً مُتناسِباً .
وقيل: التقدير الثاني هو التقديرُ للبقاء إلى الأَجَلِ المسمَّى، فكأنه قيل: وأَوْجَدَ
كلَّ شيءٍ على سَنَّنِ التقدير، فأدامه إلى الأجل المسمَّى.
والقولُ الأول مختارُ الزَّجَّاج (١)، وهو كما في ((الكشف)) أظهرُ، والفاءُ عليه
للتعقيب مع الترتيب.
وزَعَم بعضُهم أنَّ في الكلام قلباً، وهو على ما فيه لا يَدْفَعُ لزومَ التكرار بدون
أحدِ الأ وجهِ المذكورة كما لا يخفى.
وجملةُ ((خَلَق)) إلخ عطفٌ على ما تقدَّم، وفيها ردٌّ على الثَّنوية القائلين بأن خالقَ
الشرِّ غيرُ خالقِ الخير، ولا يضرُّ كونهُ معلوماً مما تقدَّم؛ لأنها تفيدُ فائدةً جديدةً لِمَا
فيها من الزيادة.
وقيل: هي ردٌّ على مَن يعتقد اعتقادَ المعتزلة في أفعال الحيوانات الاختيارية.
وفي (إرشاد العقل السليم)): أنها جاريةٌ مجرى التعليل لِمَا قبلها من الجمل
المنتظمةِ [مثلها] في سلك الصلة؛ فإنَّ خَلْقَه تعالى لجميع الأشياء على النَّمَطِ
البديع - كما يقتضي استقلالُه تعالى باتِّصافه بصفاتِ الألوهية - يقتضي انتظامَ كلِّ
(١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٥٧، وحاشية الشهاب ٦/ ٤٠٦-٤٠٧.

الآية : ٣
٥١١
سُورَةُ القُرْقَانِ
ما سواه كائناً ما كان تحت ملكوته القاهر، بحيث لا يشذَّ من ذلك شيءٌ، ومَن كان
كذلك كيف يتوهّم كونُه ولداً له سبحانه أو شريكاً في ملكه عزَّ وجل(١).
وذكر الطيبيُّ أنَّ قولَه تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) توطئةٌ وتمهيدٌ لقوله
سبحانه: (وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيٌ فِى الْمُلْكِ) وأردف بقوله تعالى: (وَخَلَقَ
كُلَّ شَىْءٍ) لِمَا أنَّ كونه سبحانه بديعَ السماواتِ والأرضِ وفاطرَهما ومالكهما منافٍ
لاتِّخاذ الولدِ والشريك؛ قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَ يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ﴾ الآية
[الأنعام: ١٠١].
وقد يقال: إنَّ هذه الجملةَ تصريحٌ بما عُلِمَ قبلُ؛ ليكون التشنيع على المشركين
بقوله سبحانه: ﴿وَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةُ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أظهرَ.
وضميرُ ((اتَّخذوا)) للمشركين المفهوم من قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيٌ فِی
الْمُلْكِ)، أو من المقام وقولِه سبحانه: (نَذِيرًا). وقال الكرمانيُّ: للكفار(٢)، وهم
مندرجون في قوله تعالى: (لِلْعَلَمِينَ).
والمرادُ حكايةُ أباطيلِهم في أمر التوحيد والنبوَّةِ وإظهارُ بطلانها، بعد أن بيَّن
سبحانه حقيقةَ الحقِّ في مطلع السورة الكريمة، أي: اتَّخذوا لأنفسهم متجاوزين الله
تعالى الذي ذكر بعض شؤونه العظيمةِ آلهةً لا يقدرون على خَلْقِ شيءٍ من الأشياء،
وهم مخلوقون لله تعالى، أو هم يَخْتِلِقُهم عَبَدَتُهم بالنحت والتصوير.
ورُجِّح المعنى الأولُ بأنَّ الكلام عليه أشملُ، ولا يختصُّ بالأصنام، بخلافه
على الثاني، ويكونُ التعبيرُ بالمضارع عليه في ((يُخْلَقون)) المبنيّ للمفعول لمشاكلةٍ
(يَخلقون)) المبنيِّ للفاعل، مع استحضارِ الحال الماضية.
ورجّح المعنى الثاني بأنه أنسبُ بالمقام؛ لأنَّ الذين أنذرهم نبيُّنَا وَِّ شفاهاً
عَبَدَةُ الأصنام، وأنَّ الأحكام الآتية أوفقُ بها، نعم فيه تفسيرُ الخَلْقِ بالافتعال كما في
قوله تعالى: ﴿وَتَّخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] لأنه الذي يصحُّ نسبتُه لغيره عز
وجل، وكذا الخلقُ بمعنى التقدير كما في قول زهير:
(١) تفسير أبي السعود ٦/ ٢٠١، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) يعني ضمير ((اتخذوا))، وكلام الكرماني في البحر ٦/ ٤٨١، وعنه نقل المصنف.

سُوَّةُ الفُرْقَانِ
٥١٢
الآية : ٣
ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبعـ
ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي(١)
والمتبادرُ منه إيجادُ الشيءٍ مقدَّراً بمقدارٍ كما هو المرادُ من سابقه، وتفسيرُه
بذلك أيضاً كما فعل الزمخشريُّ(٢) بعيدٌ. كذا قيل، وتعقِّب بأنه يجوز أن يراد منه
هذا المتبادِرُ، والأصنامُ بذواتها وصورِها وأشكالِها مخلوقةٌ لله تعالى عند أهل
الحقِّ؛ لأنَّ أفعال العباد وما يترتَّب عليها وينشأ منها من الآثار مخلوقةٌ له عزَّ وجلَّ
عندهم كما حقِّق في موضعه(٣). بل لو قيل بتعيُّنِ هذه الإرادةِ على ذلك الوجه لم
يَبْعُدْ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَعْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ لبيان حالهم بعد خَلْقِهم
ووجودهم، والمرادُ: لا يَقْدِرون على التصرُّف في ضرِّ ما ليدفعوه عن أنفسهم،
ولا في نفعِ ما حتى يجلبوه إليهم. ولمَّا كان دفعُ الضرِّ أهمَّ أُفيد أوَّلاً عجزُهم عنه،
وقيل: ((لأنفسهم)) ليدلَّ على غايةِ عجزهم؛ لأنَّ مَن لا يقدِرُ على ذلك في حقِّ نفسه
فَلأَنْ لا يقدِرَ عليه في حقِّ غيره من باب أَوْلَی.
ومَن خصَّ الأحكام في الأصنام قال: إنَّ هذا لبيان ما لم يدلَّ عليه ما قبله من
مراتب عجزهم وضَعْفِهم، فإنَّ بعض المخلوقين العاجزين عن الخلق ربما يملك
دَفْعَ الضرِّ وجَلْبَ النفع في الجملة كالحيوان.
وقد يقال: التصرُّفُ في الضرِّ والنفع بالدفع والجَلْبِ على الإطلاق ليس على
الحقيقة إلَّا لله عز وجل، كما يُنْبِئُ عنه قولُه سبحانه لنبيه وَّهِ: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى
نَفْعًا وَلَا ضَرَّ إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُنَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةً وَلَا نُشُورًا ﴾﴾ أي: لا يقدرون على
التصرُّفِ في شيء منها بإماتةِ الأحياء وإحياءِ الموتى في الدنيا وبَعْثِهم في الأخرى؛
للتصريح بعَجْزِهم عن كلِّ واحدٍ مما ذُكر على التفصيل، والتنبيهِ على أنَّ الإله يجب
أن يكون قادراً على جميع ذلك. وتقديمُ الموت لمناسبةِ الضرِّ المقدَّم.
(١) ديوان زهير ص٩٤، وسلف ١٢/٢ وص ٣٧ من هذا الجزء.
(٢) في الكشاف ٨١/٣.
(٣) قوله: في موضعه، ليس في (م)، وينظر ما سلف ٣٩٥/١ وما بعد و١٦٦/٦-١٦٧ و١٠١/٣.

الآية : ٤
٥١٣
سُؤَدَّةُ الفُرْقَانِ
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّ إِنْهُ﴾ القائلون - كما أخرجه جمعٌ عن قتادةَ ـ هم
مشركو العرب لا جميعُ الكفار، بقرينةِ ادِّعاء إعانةٍ بعض أهل الكتاب له وَّر، وقد
سمِّي منهم في بعض الروايات: النضر بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية،
ونوفلُ بن خويلد. ويجوز أن يراد غُلاتھُم كهؤلاء ومَن ضامَّهم، وروي عن ابن
عباس ما يؤيِّده.
وروي عن الكلبيِّ ومقاتلٍ: أنَّ القائل هو النضرُ، والجمعُ لمشايعة الباقين له في
ذلك.
ومَن خصَّ ضمير ((اتخذوا)) بمشركي العرب، وجَعَل الموصول هنا عبارةً عنهم
كلِّهم، جَعَل وَضْعَ الموصول موضعَ ضميرِهم لذمِّهم بما في حيِّز الصلة، والإيذانِ
بأنَّ ما تفوَّهوا به كفرٌ عظيم.
وفي كلمة (هذا)) حطّ لرتبة المشار إليه، أي: قالوا: ما هذا إلا كذبٌ مصروفٌ عن
وجهه ﴿أَفْتَرَهُ﴾ يريدون أنه اخترعه رسولُ اللهِ وَله ولم ينزل عليه عليه الصلاة والسلام.
﴿وَعَنَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: على افترائه واختراعهٍ، أو: على الإفك ﴿قَوْمُ ءَآخَرُونٌَ﴾
يعنون اليهودَ، بأنْ يُلْقوا إليهِ وَيُّهَ أخبارَ الأمم الدَّارِجة، وهو عليه الصلاة والسلام
يعبِّر عنها بعبارته.
وقيل: هم عدَّاس - وقيل: عابس(١) - مولى حويطب بنِ عبد العُزَّى، ويسار
مولى العلاء بن الحضرميِّ، وجبر مولى عامر، وكانوا كتابيِّينَ يقرؤون التوراةَ
أسلموا وكان الرسول ◌َل﴿ يتعهَّدهم، فقيل ما قيل.
وقال المبرِّد: عَنَوا بقوم آخرين: المؤمنين؛ لأنَّ آخَرَ لا يكونُ إلَّا من جنس
الأول. وفيه أنَّ الاشتراك في الوصف غيرُ لازم، ألا ترى قوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَتِلُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾(٢) [آل عمران: ١٣].
(١) في الأصل و(م): عائش، والمثبت من الإصابة ٢٦٦/٥، وتجريد أسماء الصحابة للذهبي
ص٢٨٠، وينظر تفسير القرطبي ١٢/ ٤٣٠. والذي ذكر أنه عداس هو الزمخشري في
الكشاف ٣/ ٨١.
(٢) أي: إن الفئتان اشتركتا في مطلق الفئة واختلفتا في الوصف. البحر ٤٨١/٦، وعنه نقل
المصنف قول المبرد وما بعده.

الآية : ٤
٥١٤
سُورَةُ القُرْقَانِ
﴿فَقَدْ جَاءُو﴾ أي: الذين كفروا كما هو الظاهر ﴿ظُلْمًا﴾ منصوبٌ بـ ((جاؤوا)) فإنَّ
جاء وأتى يُستعملان في معنى فَعَلَ فيتعدَّيان تَعْدِيتَه كما قال الكسائيُّ، واختار هذا
الوجهَ الطبرسيُّ وأنشد قولَ طرفة :
على غيرٍ ذنبٍ جئتهُ غيرَ أنني نَشَدْتُ فلم أُغفِلْ حَمولةَ مَعْبَدٍ(١)
وقال الزجَّاج: منصوبٌ بنزع الخافض(٢)، فهو من باب الحذف والإيصال.
وجوَّز أبو البقاء كونَه حالاً، أي: ظالمين(٣). والأول أولى.
والتنوينُ فيه للتفخيم، أي: جاؤوا بما قالوا ظلماً هائلاً عظيماً لا يقادَرُ
قَدْرُه، حيث جعلوا الحقَّ البحتَ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من
خلفه إفكاً مفترَى من قِبَلِ البشر، وهو من جهة نَظْمِه الرائقِ وطرازِه الفائق
بحيث لو اجتمعت الإنسُ والجنُّ على مباراته لعجزوا عن الإتيان بمثلٍ آيةٍ من
آياته، ومن جهة اشتماله على الحِكْمِ الخفيَّةِ والأحكامِ المستتبعةِ للسعادات
الدينية والدنيوية والأمورِ الغيبيةِ، بحيثَ لا تنالُه عقولُ الَبشر، ولا تحيطٌ بفَهْمِه
القُوَى والقُدَر.
وكذا التنوينُ في ﴿وَزُورًا ﴾﴾ أي: وكذباً عظيماً لا يبلغ غايته، حيث قالوا
ما لا احتمالَ فيه للصدق أصلاً. وسمِّي الكذبُ زوراً لازْوِراره، أي: ميله عن جهة
الحقّ.
والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، لكنْ لا على أنَّهما أمران متغايران حقيقةً
يقعُ أحدُهما عقيبَ الآخر أو يحصلُ بسببه، بل على أنَّ الثاني عينُ الأول حقيقةً،
وإنما الترتيبُ بحسب التغايُرِ الاعتباريِّ، و((قد)) لتحقيق ذلك المعنى، فإنَّ ما جاؤوه
من الظلم والزور هو عينُ ما حُكي عنهم، لكنَّه لمَّا كان مغايراً له في المفهوم وأَظْهَرَ
(١) مجمع البيان ٨٦/١٨، والبيت في الديوان ص٣٥، وفيه: على غير ذنب قلتُه ... ، ومثله في
شرح المعلقات للنحاس ٨٥/١، وللتبريزي ص ١١٠، وفيه: معبد أخوه، والحمولة: الإبل
التي تحمل، والحمولة: الأحمال. وقوله: فلم أغفل، أراد: نشدت حمولة معبد فلم أغفل
ذلك .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٥٨/٤ .
(٣) الإملاء ٤ / ٩١.

الآية : ٥
٥١٥
سُورَةُ القُرْقَانِ
منه بطلاناً، رتِّب عليه بالفاء ترتيبَ اللازِم على الملزوم؛ تهويلاً لأمره كما قال شيخ
الإسلام(١).
وقيل: ضميرُ ((جاؤوا)) عائدٌ على ((قوم آخرين؟، والجملةُ من مقولِ الكفار،
وأرادوا أنَّ أولئك المعيَّنين جاؤوا ظلماً بإعانتهم وزُوراً بما أعانوا به، وهو
كما ترى.
﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بعد ما جعلوا الحقَّ الذي لا مَحِيدَ عنه إفكاً مُخْتَلَقاً
بإعانة البشر، بيَّنوا على زَعْمِهم الفاسدِ كيفيةَ الإعانة، وتقدَّم الكلامُ في
الأساطير(٢)، وهي خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذه، أو: هو، أو: هي أساطيرُ.
وقولُه تعالى: ﴿أَكْتَتَبَهَا﴾ خبرٌ ثان. وقيل: حالٌ بتقدير ((قد)». وتعقّب بأنَّ عامل
الحال إذا كان معنويّاً لا يجوزُ حَذْفُه كما في ((المغني))(٣). وفيه أنه غيرُ مسلَّم كما في
شَرْحِه. وجوِّز أن يكون ((أساطير)) مبتداً، وجملةُ ((اكتبها)) الخبرَ.
ومرادُهم: كتبها لنفسه، والإسنادُ(٤) مجازيٌّ كما في: بَنَى الأميرُ المدينة،
والمراد: أَمَر بكتابتها. أو يقالُ: حقيقةُ اكتتب: أَمَرَ بالكتابة، فقد شاع افْتَعَلَ بهذا
المعنى، كاحْتَجَمَ وافْتَصَد: إذا أَمَرَ بالحجامة والفَصْدِ .
وقيل: قالوا ذلك لظنِّهم أنه عليه الصلاة والسلام يَكتبُ حقيقةً، أو لمحضٍ
الافتراء عليه وَله، بناءً على عِلْمِهم أنه(٥) لم يكن يكتبُ وَّل.
وقيل: مرادُهم: جَمعَها، مِن كَتَبَ الشيء: جَمَعَه. والجمهورُ على الأول.
وقرأ طلحة: ((اكتُتِبَها)) مبنيّاً للمفعول(٦)، والأصلُ: اكتَتَبَها له كاتبٌ، فحذفَ
اللامُ وأَفْضَى الفعلُ إلى الضمير، فصار: اكتَتَبها إياه كاتبٌ، ثم حُذف الفاعلِ لعَدَمِ
تعلُّق الغرض العلميِّ بخصوصه، فبُنيَ الفعلُ للمفعول وأسند للضمير، فانقلب
(١) تفسير أبي السعود ٢٠٣/٦.
(٢) في (م): أساطير. وينظر ما سلف ٩٤/١٠ و١٢٨/١٨.
(٣) ص٤٧٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٦/ ٤٠٧.
(٤) في الأصل: على أن الإسناد.
(٥) في الأصل: بأنه.
(٦) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والمحتسب ١١٧/٢، والبحر ٦/ ٤٨٢.

سُؤَدَّةُ القُرْقَانِ
٥١٦
الآية : ٥
مرفوعاً مستتراً بعد أن كان منصوباً بارزاً، وهذا مبنيٌّ على جوازِ إقامة المفعول الغيرِ
الصريح مقامَ الفاعل مع وجودِ الصريح وهو هنا ضميرُ الأساطير، وهو الذي
ارتضاه الرضيُّ وغيرُه. وجمهورُ البصريين على عَدَمِ الجوازِ وتعيُّنِ المفعول الصريح
للإقامة، فيقال عندهم: اكتُنِيَتْه، وعليه قول الفرزدق:
ومنَّا الذي اختيرَ الرجالَ سماحةً وجوداً إذا هبَّ الرياحُ الزَّعازِعُ(١)
بنَصْبِ الرجال، وعلى الأوَّلِ كان حقُّ التركيب: اخْتِيرَه الرجالُ بالرفع؛ فإنَّ
الأصل: اختاره من الرجال مختارٌ، وظاهرٌ أنه إذا عَمِلَ فيه ما تقدَّم يصير إلى ما ذكر.
﴿فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُلْقَى تلك الأساطيرُ عليه بعد اكتتابها ليَحْفَظَها من أفواه
مَن يُمْليها عليه من ذلك المكتَتَب؛ لكونه أمِّاً لا يقدرُ على أن يتلقَّاها منه بالقراءة،
فالإملاء: الإلقاء للحفظ بعد الكتابة استعارة، لا الإلقاءُ للكتابة كما هو المعروفُ،
حتى يقال: إنَّ الظاهر العكسُ بأن يقال: أُمْلِيتْ عليه فهو يكتتبها .
أو المعنى: أراد اكتتابَها أو طلَبَ كتابتَها فأُمْلِيَتْ عليه، أي: عليه نفسِه أو على
كاتبه، فالإملاءُ حينئذٍ باقٍ على ظاهره.
وقرأ طلحةُ وعيسى: ((تُتْلَى)) بالتاء بدل الميم(٢).
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾﴾ أي: دائماً، أو: قبل انتشار الناس وحين يأتون إلى
مساكنهم، وعَنَوا بذلك أنها تُملَى عليه خفيةً لئلا يقف الناسُ على حقيقةِ الحال،
وهذه جراءةٌ عظيمةٌ منهم قَاتَلهم الله تعالى أنى يؤفكون.
وعن الحسن: أنَّ ((اكتتبها)) إلخ من قول الله عز وجل يكذُّبهم به، وإنما يستقيم
أن لو فتحت(٣) الهمزة في ((اكتتبها)) للاستفهام الذي هو في معنى الإنكار، ووجهُه
أن يكون نحوَ قول حَضْرميّ بن عامر وقد خرج يتحدَّثُ في مجلس قومٍ وهو في
حلَّتين له، فقال جَزْء بنُ سنان بن مَوَلة: والله إنَّ حضرمياً لجذلٌ بموت أخيه أن
ورثه :
(١) ديوان الفرزدق ٤١٨/٢، والبحر ٤٨٢/٦، وجاء في الديوان: وخيراً، بدل: وجوداً.
(٢) البحر ٦ / ٤٨٢.
(٣) في الأصل و(م): افتتحت، والمثبت من الكشاف ٨٢/٣، والبحر ٤٨٢/٦.

الآية : ٦
٥١٧
سُوَدَّةُ القُرْقَانِ
أَفْرعُ أنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأنْ أُوْرَثَ ذَوْداً شصائصاً نَبَلَا (١)
من أبياتٍ، وحقَّ للحسن على ما في ((الكشاف))(٢) أن يقف على ((الأوَّلِينَ)).
﴿قُلْ﴾ لهم ردّاً عليهم وتحقيقاً للحقِّ: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الْتِرَّ فِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ﴾ وَصَفَه تعالى بإحاطة عِلْمِه بجميع المعلومات الخفيَّةِ والجليَّةِ المعلومةِ من
بابٍ أَوْلَى، للإيذان بانطواء ما أنزله على أسرارٍ مَظْويَّةٍ عن عقول البشر، مع ما فيه
من التعريض بمجازاتهم بجناياتهم المحكية التي هي من جملة معلوماته تعالى،
أي: ليس ذلك كما تزعمون بل هو أمرٌ سماويٌّ أنزله الله تعالى الذي لا يَعْزُبُ عن
عِلْمِه شيءٌ من الأشياء، وأَوْدَعَ فيه فنونَ الحِكَمِ والأسرار على وجهٍ بديع لا تحومُ
حوله الأفهامُ، حيث أعجزكم قاطبةً بفصاحته وبلاغته، وأخبركم بمغيَّباتٍ مستقبلةٍ
وأمورٍ مكنونةٍ لا يُهتدَى إليها ولا يُوقَف(٣) إِلَّ بتوفيق الله تعالى العليم الخبير عليها،
وإذا أرادوا بـ ((بكرةً وأصيلاً)): خفيةً عن الناس، ازداد موقعُ السرِّ حُسْناً.
وأما التذييلُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾﴾ فهو للتنبيه على أنهم
استَوْجَبوا العذابَ على ما هم عليه من الجنايات المحكيَّة، لكن أخّر عنهم لِمَا أنه
سبحانه أزلاً وأبداً مستمرٌّ على المغفرة والرحمة المستتبعتين للتأخير، فكأنه قيل: إنه
جلَّ وعلا متَّصفٌ بالمغفرة والرحمة على الاستمرار، فلذلك لا يعجِّلُ عقوبتكم على
ما أنتم عليه، مع كمال استيجابه إياها، وغايةٍ قدرته سبحانه عليها، ولولا ذلك
لصَبَّ عليكم العذاب صَبّاً .
وذكر الطيبيُّ أنَّ فيه على هذا الوجه معنى التعجّبِ، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدِ
اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١].
(١) أمالي القالي ٦٧/١، وجمهرة الأمثال ٣٧٦/١، والخزانة ٤٢٩/٣، والكشاف ٨٢/٣،
والبحر ٤٨٢/٦. وجاء في هامش الأصل و(م): الشصائص جمع شَصُوص، وهي القليلةُ
اللبن، والنَّبَلا جمع نبيل - ككَرَم في كريم -: الصِّغَار وتطلق على الكبار. اهـ منه.
وحضرمي بن عامر بن مَوَلَة - بفتحات - الأسديُّ يكنى أبا كدم، وفد على النبي ◌َّ مع
قومه بني أسد بن خزيمة، فأسلموا وكتب لهم رسول الله ولا كتاباً. الإصابة ٢٦٤/٢. وجاء
في المصادر: جزء بن مالك، بدل: جزء بن سنان.
(٢) ٣/ ٨٢، وفيه: وحقُّ الحسن ...
(٣) في الأصل: يوفق، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٠٣/٦، والكلام منه.

الآية : ٧
٥١٨
سُورَةُ القُرْقَانِ
وجوِّز أن يكون الكلامُ كنايةً عن الاقتدار العظيم على عقوبتهم؛ لأنه لا يوصفُ
بالمغفرة والرحمة إلا القادرُ على العقوبة، وفي إيثارها تعييرٌ لهم، ونعيٌّ على
فِعْلِهم، يعني: أنكم فيما أنتم عليه بحيث يتصدَّى لعذابكم مَن صفتُه المغفرةُ
والرحمةُ. وليس بذاك.
وقال صاحب ((الفرائد)): يمكن أن يقال: ذكر المغفرةَ والرحمةَ بعد ذلك لأَجْلِ
أن يعرفوا أنَّ هذه الذنوبَ العظيمةَ المتجاوزةَ عن الحدِّ مغفورةٌ إنْ تابوا، وأنَّ
رحمته واصلةٌ إليهم بعدها، وأن لا ييأسوا من رحمته تعالى بما فرط منهم مع
إصرارهم على ما هم عليه من المعاداة والمخاصَمَةِ الشديدة. وهو كما ترى.
﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الَّعَامَ﴾ إلخ نزلت في جماعةٍ من كفار قريش؛
أخرج ابن إسحاق (١) وابن جريرٍ وابنُ المنذر عن ابن عباس ﴿ًّا: أنَّ عتبةَ وشيبةً
ابني ربيعة، وأبا سفيان بنَ حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البختريِّ، والأسودَ بن
المطّلب، وزمعةً بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بنَ
أبي أمية، وأمية بنَ خلف، والعاصي بن وائل، ونبيه بن الحجّاج، ومنبِّه بن
الحجَّاج، اجتمعوا، فقال بعضُهم لبعضٍ: ابعثوا إلى محمدٍ وكلِّموه وخاصِموه حتى
تُعْذَروا منه، فبعثوا إليه: إنَّ أشرافَ قومك قد اجتمعوا لك ليكلِّموك. فجاءهم عليه
الصلاة والسلام فقالوا: يا محمد، إنَّا بَعَثْنا إليك لتُعْذَرَ منك، فإنْ كنتَ إنما جئتَ
بهذا الحديث تطلبُ به مالاً جَمَعْنا لك من أموالنا، وإن كنتَ تطلبُ الشرفَ فنحن
نسوِّدُكَ، وإن كنت تريد مُلْكاً ملَّكناك. فقال رسول الله وَلير: ((ما بي مما تقولون،
ما جئتُكم بما جئتكم به أطلبُ أموالكم، ولا الشرفَ فيكم، ولا الملكَ علیکم،
ولكنَّ اللهَ تعالى بَعَثَني إليكم رسولاً، وأَنْزَلَ عليَّ كتاباً، وأَمَرني أنْ أكونَ لكم بشيراً
ونذيراً، فبلَّغتُكم رسالةَ ربِّي ونَصَحْتُ لكم، فإنْ تَقْبَلوا مِنِّي ما جئتُكم به فهو حظُكم
في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليَّ أصبرْ لأَمْرِ اللهِ تعالى حتَّى يَحْكُمَ اللهُ عزَّ وجلَّ
بيني وبينكم)) قالوا: يا محمد، فإن كنتَ غير قابلٍ منَّا شيئاً مما عرضنا عليك فسَلْ
لنفسك، سَلْ ربَّكَ أن يبعث معك مَلَكاً يصدِّقُكَ بما تقول ويراجعُنا عنك، وسله أن
يجعل لك جناناً وقصوراً من ذهبٍ وفضةٍ تُغنيكَ عمَّا تبتغي، فإنك تقومُ بالأسواق
(١) في الأصل و(م): ابن أبي إسحاق، وهو خطأ.

الآية : ٧
٥١٩
سُورَةُ القُرْقَانِ
وتلتمسُ المعاشَ كما نلتمسُه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إنْ كنتَ رسولاً
كما تزعُم. فقال لهم رسول الله وَليقول: ((ما أنا بفاعلٍ، ما أنا بالذي يسأل ربَّه هذا،
وما بُعِثْتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله تعالى بعثني بشيراً ونذيراً)) فأنزل الله تعالى في
قولهم ذلك ﴿وَقَالُوْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ إلخ(١).
وقد سيقَ هنا لحكاية جنايتهم المتعلّقةِ بخصوص المُنْزَلِ عليه الفرقانُ بعد
حكايةٍ جنايتهم التي تتعلَّق بالمُنْزَلِ، و((ما)) استفهاميةٌ بمعنى إنكارِ الوقوع ونفيه في
محلٌّ رفع على الابتداء، والجارُّ والمجرورُ بعدها متعلِّقٌ بمحذوف خبر لها، وقد
وقعت اللّامُ مفصولةً عن هذا المجرور بها في خطّ الإمام وهي سنَّةٌ متَّبعة. وعَنَوا
بالإشارة والتعبير بالرسول الاستهانة والتھگم.
وجملةُ ﴿بَأْكُلُ الظَّعَامَ﴾ حالٌ من ((الرسول))، والعاملُ فيها ما عَمِلَ في الجارِّ
من معنى الاستقرارِ، وجوِّز أن يكون الجارَّ والمجرورَ، أي: أيُّ شيءٍ وأيُّ سببٍ
حَصَلَ لهذا الزاعِم أنه رسولٌ حالَ كونِه يأكلُ الطعامَ كما نأكلُ ﴿وَبَيْشِی فی
الْأَتْوَةٌ﴾ لابتغاء الأرزاق كما نفعلهُ، على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب فقط مع
تحقّق المسبّب الذي هو مضمونُ الجملة الحالية. ومن الناس مَن جوَّز جَعْلَ الجملة
استئنافيةً. والأوْلَى ما ذَكَرْنا.
ومرادُهم استبعادُ الرسالةِ المنافيةِ لأَكْلِ الطعام وطَلَبِ المعاش على زَعْمِهِمٍ،
فكأنهم قالوا: إنْ صحَّ ما يدَّعيه فما بالُهُ لَم يخالِفْ حاله حالَنا، وليس هذا إلَّا
لَعَمَهِهم(٢) وركاكةٍ عقولهم، وقصورِ أبصارهم على المحسوسات، فإنَّ تميُّز الرسل
عليهم السلام عمَّا عَدَاهم ليس بأمورٍ جسمانيةٍ، وإنما هو بأمورٍ نفسانيةٍ، أعني:
ما جَبَلَهم الله تعالى عليه من الكمال كما يشير إليه قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَّ أَنَّمَّا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَيٌِّ﴾ [الكهف: ١١٠].
واستُدِلَّ بالآية على إباحةِ دخولِ الأسواق للعلماء وأهلِ الدِّين والصلاح،
خلافاً لمن گرِهَه لهم.
(١) سيرة ابن هشام ٢٩٥/١-٢٩٨، وتفسير الطبري ٨٧/١٥-٩٠ و٤٠٢/١٧، وعزاه لابن
المنذر السيوطي في الدر ٦٣/٥، وعنه نقل المصنف.
(٢) العمه في البصيرة كالعمى في البصر. حاشية الشهاب ٤٠٨/٦.

الآية : ٨
٥٢٠
سُؤَدَّةُ القُرْقَانِ
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٣ أَوْ يُلْقَ إِلَيْهِ كَتْزُّ أَوْ تَكُنُ لَهُ
جَثَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ تَنُزُّلُ عمَّا تقدَّم، كأنهم قالوا: إن لم تُوجد المخالفةُ بيننا وبينه
في الأكل والتعيُّش، فهلا يكون معه مَن يخالفُ فيهما يكون رِذءاً له في الإنذار،
فإن لم توجد فهلا يخالفنا في أحدهما وهو طلبُ المعاشِ بأن يُلْقَى إليه من السماء
كنزٌ يَسْتظهرُ به، ويَرْتَفِعُ احتياجُه إلى التعيُّش بالكلِّية، فإنْ لم يوجد فلا أقلّ من رَفْعِ
الاحتياج في الجملة بإتيانٍ بستانٍ يتعيَّش بريعه كما للدَّهَاقين(١) والمَيَاسيرِ من
الناس.
والزمخشريُّ (٣) ذكر أنهم عَنَوا بقولهم: ((ما لهذا الرسول يأكلُ الطعامَ ويمشي في
الأسواق)) أنه كان يجب أن يكون مَلَكاً، ثم نزلوا عن مَلَكِيته إلى صحبةِ مَلَكِ له
يُعينُه، ثم نزلوا عن ذلك إلى كونه مرفوداً بكنزٍ، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستانٌ
یأکلُ منه ویرتزقُ.
وقيل: الجملةُ الأخيرة فقط تنزُّلٌ منهم، وما قبلُ استئنافٌ جواباً عمَّا يقال:
كيف يخالفُ حالُهُ وَِّ حالَكم، وبأيِّ شيءٍ يحصل ذلك ويتميَّزُ عنكم؟ ولا يخفى
ما فيه.
ونصب ((يكونَ)) على جواب التحضيض، وقرئ: ((فيكونُ)) بالرفع حكاه
أبو معاذ(٣)، وخرّج على أن يكون معطوفاً(٤) على ((أُنزل))؛ لأنه لو وَقَعَ موقعَه
المضارعُ لكان مرفوعاً؛ لأنك تقول ابتداءً: لولا يَنْزِلُ بالرفع، وقد عُطِفَ عليه
(يُلْقَى)) و((تكونُ)) وهما مرفوعان. أو هو جوابُ التحضيض على إضمارِ ((هو))، أي:
فهو يكون.
ولا يجوزُ في مثل هذا التركيب نصبُ ((يُلْقَى)) و((تكونُ)) بالعطف على ((يكونَ))
المنصوبٍ؛ لأنهما في حُكْم المطلوب بالتحضيض، لا في حكم الجواب.
(١) جمع دهقان، وهو صاحب الصنعة والزراعة، وهو معرب: ده جان، أي: رئيس القرية.
حاشية الشهاب ٤٠٨/٦.
(٢) في الكشاف ٨٢/٣.
(٣) القراءات الشاذة ص ١٠٤، والبحر ٤٨٣/٦.
(٤) في الأصل و(م): معطوف، والصواب ما أثبتناه.