Indexed OCR Text

Pages 441-460

الآية : ٥٤
٤٤١
سُودُالنّورِ
فإنما عليك ما حمِّلتَ وعليهم ما حمِّلوا، بمعنى: فما يضرُّونك شيئاً وإنما يضرُّون
أنفسهم، على الماضي والغيبة في ((تَوَلَّوا))، فصَرَفَ الكلام إلى المضارع، والخطاب
في تتولوا بحذف إحدى التاءين بمعنى: فما ضَرَرْتُموه وإنما ضررتُم أنفسَكم، لتكون
المواجهةُ بالخطاب أبلغَ في تبكيتهم، وجَعَلَ ذلك جارياً مجرى الالتفات. وجَعَلَه
غيرُه التفاتاً حقيقيّاً من حيث إنهم جُعِلوا أولاً غيَّباً، حيث أمر الرسول وَّه بخطابهم
بـ: قل لهم، ثم خوطبوا بإنْ تتولَّوا استقلالاً من الله تعالى لا من رسوله وَل.
ولا يخفى أنَّ حَمْلَ الآية على الخطاب الاستقلاليِّ الغيرِ الداخلِ تحت القول أدخلُ
في التبكيت.
وفي ((الإحكام)): أنه استُدلَّ بهذه الآية على أنَّ الأمر للوجوب؛ لأنه تعالى أمر
بالإطاعة ثم هدَّد بقوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّأ) إلخ، والتهديد على المخالفة دليلُ
الوجوب(١).
وتعقِّب بأنه لا نسلِّم أنَّ ذلك للتهديد بل للإخبار، وإن سلَّمنا أنه للتهديد فهو
دليلٌ على الوجوب فيما هدّد على تركه ومخالفته من الأوامر، وليس فيه ما يدلُّ
على أن كلَّ أمرٍ مهدَّدٌ بمخالفته، بدليل أمر الندب، فإنَّ المندوب مأمورٌ به وليس
مهدَّداً على مخالفته، وإذا انقسم الأمر إلى مهدَّدٍ عليه وغيرِ مهدَّدٍ عليه وجب اعتقادُ
الوجوب فيما هدِّد عليه دون غيره، وبه يخرج الجواب عن كلِّ صيغةِ أمرٍ هدّد على
مخالفتها وحذّر منها ووصف مخالفها بكونه عاصياً، وبه يُدفع أكثر ما ذكره القائلون
بالوجوب في معرض الاستدلال على دعواهم (٢)، فتدبر.
﴿وَإِن تُطِيعُ﴾ فيما أَمَرَكم به عليه الصلاة والسلام من الطاعة ﴿تَهْتَدُواْ﴾ إلى
الحقِّ الذي هو المقصدُ الأصليُّ المُؤْصِلُ إلى كلِّ خيرٍ، المنجي عن كلِّ شرِّ، ولعل
في تقديم الشقِّ الأول وتأخيرِ هذا إشارةً إلى أنَّ الترهيب أولى بهم، وأنهم مُلابِسون
لِمَا يقتضيه. وفي ((الإرشاد))(٣): تأخيرُ بيانِ حكم الإطاعة عن بيان حكم التولِّ لِمَا
في تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب، وتقريبه مما هو من بابه من الوعد الكريم.
(١) الإحكام للآمدي ١٦٤/٢ .
(٢) الإحكام ١٦٨/٢ -١٦٩.
(٣) ١٨٩/٦.

سُؤَدَّةُ الَّنُوزِ
٤٤٢
الآية : ٥٥
اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لِمَا
٥٤
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ
قبله من أنَّ غائلة التولِّي وفائدةَ الإطاعة مقصورتان على المخاطبين. و((أل)) إما للجنس
المنتظِم له وَل﴿ انتظاماً أوَّليّاً، أو للعهد، أي: ما على جنس الرسول كائناً مَن كان،
أو: ما على رسولنا محمدٍ وَّهِ، إلا التبليغُ الموضِّحُ لكلِّ ما يَحتاجُ إلى الإيضاح، أو
الواضحُ في نفسه على أنَّ((المبين)) من أبان المتعدِّي بمعنى بان اللازِمِ، وقد علمتُم
أنه عليه الصلاة والسلام قد فعله بما لا مزيد عليه وإنما بقي ما عليكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ خطابٌ لرسول اللهِ وَّهُ ومَن آمَنَ
معه، ففي الآية تنويعُ الخطاب، حيث خاطب سبحانه المُقْسِمينَ على تقدير
التولِّي، ثم صرفه تعالى عنهم إلى المؤمنين الثابتين، وهو كالاعتراض بناءً على
ما سيأتي إن شاء الله تعالى من كون (وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ) عطفاً على قوله سبحانه:
(أَطِيعُوا اللَّهَ)، وفائدتُه أنه لمَّا أفاد الكلامُ السابق أنه ينبغي أن يأمرهم بالطاعة
كفاحاً ولا يخافَ مضرَّتهم، أكّد بأنه عليه الصلاة والسلام هو الغالبُ ومَن معه،
فأنَّى للخوفِ مجال.
وإن شئتَ فاجعله استئنافاً جيء به لتأكيد ما يفيده الكلامُ من نفي المضرَّة على
أبلغ وجهٍ، من غير اعتبارٍ كونه اعتراضاً، فإنَّ في العطف المذكور ما ستسمعه إن
شاء الله تعالى.
و (من)) بيانية، ووسِّط الجارُّ والمجرورُ بين جملة ((آمنوا)) والجملةِ المعطوفةِ
عليها الداخلةِ معها في حيِّز الصلة، أعني قولَه تعالى: ﴿وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾ مع
التأخير في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ تَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
[الفتح: ٢٩] قيل: للدلالة على أنَّ الأصل في ثبوت الاستخلاف الإيمانُ، ولهذا كان
الأصحَّ عدمُ الانعزال بالفسق الطارئ، ودلَّ عليه صحاحُ الأحاديث(١)، ومدخلية
الصلاح في ابتداء البيعة، وأما في المغفرة والأجر العظيم فكلاهما أصلٌ، فكان
(١) منها حديث عبادة بن الصامت مظ له عند البخاري (٧٠٥٤-٧٠٥٥)، ومسلم (١٧٠٩): (٤٢)
كتاب الإمارة، وفيه: بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا،
وأَثَرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: ((إلا أن تَرَوْا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه
برهان».

الآية : ٥٥
٤٤٣
سُوَرَّةُ السَّنُّدِّ
المناسبُ التأخيرَ. وقد يقال: إنَّ ذلك لتعجيل مسرَّةِ المخاطبين، حيث إنَّ الآية
سيقتْ لذلك.
وقيل: الخطاب للمُقْسِمينَ، والكلامُ تتميمٌ لقوله تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ)،
ببيانِ ما لهم في العاجل من الاستخلاف وما يترتَّب عليه، وفي الآجل ما لا يقادرُ
قَدْرُه على ما أُدمج في قوله سبحانه: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، والجارُّ للتبعيض، وأمرُ
التوسيط على حاله.
ولم يرْتَضِه بعضُ الأجِلَّة؛ لأنَّ (آمنوا)) إن كان ماضياً على حقيقته لم يستقم؛ إذ
لم يكن فيهم مَن كان آمَنَ حالَ الخطاب، وإن جُعِلَ بمعنى المضارع على المألوف
من إخبار الله تعالى، فمع نبوِّه عن هذا المقام لم يكن دليلاً على صحة أمر
الخلفاء، ولم يطابق الواقع أيضاً؛ لأنَّ هؤلاء الأجلَّاءَ لم يكن مِن بعضٍ مَن آمَنَ من
أولئك المخاطبين، ولا كان في المقسِمينَ مَن نال الخلافة. انتهى. وفيه شيءٌ،
ولعله لا يضرُّ بالغرض.
وارتضى أبو السعود تعلُّقَ الكلام بذلك، وادَّعى أنه استئنافٌ مقرِّرٌ لِمَا في
قوله تعالى: (وَإِن تُطِيعُوُ تَهْتَدُواْ) إلخ من الوعد الكريم، مُعْرِبٌ عنه بطريق
التصريح، ومبيِّنٌ لتفاصيل ما أُجمل فيه من فنون السعادات الدينية والدنيوية التي
هي من آثار الاهتداء، ومتضمِّنٌ لِمَا هو المراد بالطاعة التي نيطَ بها الاهتداءُ.
وأنَّ المراد بالذين آمنوا كلُّ مَن اتَّصَفَ بالإيمان بعد الكفر على الإطلاق، من أيِّ
طائفةٍ كان، وفي أيِّ وقتٍ كان، لا مَن آمَنَ من طائفة المنافقين فقط، ولا مَن
آمَنَ بعد نزول الآية الكريمة فحسبُ، ضرورةَ عمومِ الوعد الكريم. وأنَّ الخطاب
ليس للرسول عليه الصلاة والسلام ومَن معه من المؤمنين المخلصين، أو مَن
يعمُّهم وغيرَهم من الأمة، ولا للمنافقين خاصةً، بل هو لعامَّةِ الكفرة. وأنَّ ((مِن))
للتبعیض.
وقال في نكتة التوسيط: إنه لإظهار أصالة الإيمان وعراقتِه في استتباع الآثار
والأحكام، والإيذانِ بكونه أولَ ما يُظْلَبُ منهم، وأهمَّ ما يجبُ عليهم، وأمَّا
التأخيرُ في آية سورة الفتح، فلأنَّ ((من)) هناك بيانيةٌ، والضمير للذين معه عليه
الصلاة والسلام مِن خلّصٍ المؤمنين، ولا ريب في أنهم جامعون بين الإيمان

سورة النورِ
٤٤٤
الآية : ٥٥
والأعمال الصالحة مثابرون عليهما، فلا بدَّ من ورود بيانهم بعد ذكر نعوتهم الجليلة
بکمالها(١). انتهى.
وأنت تعلم أنَّ كون الخطاب لعامَّة الكفرة خلافُ الظاهر، وحَمْلُ الفعل
الماضي على ما يعمُّ الماضي والمستقبل كذلك. وفيما ذكره أيضاً بُعْدٌ عن سبب
النزول، فقد أخرج ابن المنذر، والطبرانيُّ في ((الأوسط))، والحاكم وصححه، وابن
مردويه، والبيهقيُّ في ((الدلائل))، والضياء في ((المختارة))، عن أبيّ بن كعب رقُّه
قال: لمَّا قَدِمَ رسول اللهِ وَّهِ المدينةَ وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوسٍ
واحدة، فكانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يُصبحون إلَّا فيه، فقالوا: ترون أنَّاً
نعيشُ حتى نبيتَ آمنين مطمئنِّين لا نخاف إلا الله تعالى؟ فنزلت: (وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ) الآية(٢).
ولا يتأتّى معه الاستدلالُ بالآية على صحة أمرٍ الخلفاء أصلاً، ولعله لا يقول
به، ويستغني عنه بما هو أوضحُ دلالةٌ.
وعن ابن عباس ومجاهد: عامةٌ في أمة محمد بَّهِ، وأطلقا الأمة، وهي تُطْلَقُ
على أمةِ الإجابة وعلى أمةِ الدعوة (٣)، لكنَّ الأغلب في الاستعمال الإطلاقُ الأول،
فلا تغفل.
وإذا كانت ((مِن)) بيانيةً فالمعنى: وَعَدَ اللهُ الذين آمنوا الذين هم أنتم
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: ليجعلنَّهم خلفاءَ متصرِّفين فيها تصرُّفَ الملوك في
مماليكهم، أو خلفاءَ من الذين كانوا يخافونهم من الكفرة، بأن ينصرَهم عليهم
ویورثهم أرضهم.
والمراد بالأرض على - ما قيل - جزيرةُ العرب. وقيل: ما رآه(٤) عليه الصلاة
(١) تفسير أبي السعود ٦/ ١٩٠.
(٢) المعجم الأوسط (٧٠٢٩)، والمستدرك ٢/ ٤٠١، ودلائل النبوة ٦/٣، والأحاديث المختارة
٣٥٢/٣-٣٥٣، وعزاه لابن المنذر وابن مردويه السيوطي في الدر ٥٥/٥.
(٣) أمة الدعوة هم مَن بُعثَ إليهم مطلقاً، وأمة الإجابة هم مَن آمَن به. حاشية الشهاب
٣٩٦/٦.
(٤) في (م): مأواه، وهو تصحيف.

الآية : ٥٥
٤٤٥
سودة النودِ
والسلام من مشارق الأرض ومغاربها ففي الصحيح: ((زُويَتْ لي الأرضُ فأُريْتُ
مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وسَيَبْلِغُ ملكُ أمَّتي ما زُوي لي منها))(١).
واللامُ واقعةٌ في جواب القسم المحذوفِ، ومفعولُ ((وعد» الثاني محذوفٌ دلَّ
عليه الجواب، أي: وَعَدَ الله الذين آمنوا استخلافَهم، وأقسم ليستخلفنَّهم، ويجوز
أن ينزَّلَ وعدُه تعالى لتحقَّقِ إنجازه لا محالةَ منزلةَ القسم، وإليه ذهب الزجَّاج،
ويكون (ليستخلفنهم)) منزَّلٌ منزلةَ المفعول فلا حَذْفَ.
و ((ما)) في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَسْتَخْلَفَ﴾ مصدريةٌ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ
بمحذوفٍ وقع صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: ليستخلفنّهم استخلافاً كائناً کاستخلافه
﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم بنو إسرائيل، استَخْلَفَهم الله عزَّ وجلَّ في الشام بعد إهلاك
الجبابرة، وكذا في مصر على ما قيل من أنها صارت تحت تصرُّفهم بعد هلاك
فرعون، وإن لم يعودوا إليها. أو هم ومَن قبلهم من الأمم المؤمنة، الذين
أسكنهم الله تعالى في الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين.
وقرئ: ((كما استُخْلِفَ)) بالبناء للمفعول(٢)، فيكون التقديرُ: لِيَسْتَخْلِفَنَّهم في
الأرض فيُسْتَخْلَفون فيها استخلافاً، أي: مُستخلفيةً كائنةً كمُستخلفيةِ الذين من
(٣)
قبلهم(٣) .
﴿وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾ عطفٌ على ((ليستخلفنهم))، والكلامُ فيه كالكلام فيه؛
وتأخيرهُ عنه مع كونه أَجَلَّ الرغائب الموعودةِ وأَعْظَمَها؛ لِمَا أنه كالأثر للاستخلاف
المذكور.
وقيل: لِمَا أنَّ النفوس إلى الحظوظ العاجلة أَمْيَلُ، فتصديرُ المواعيد بها في
الاستمالة أَدْخَلُ.
(١) صحيح مسلم (٢٨٨٩) من حديث ثوبان ضه، وأخرجه أحمد (١٧١١٥) من حديث شداد بن
أوس ټڅ﴾.
(٢) التيسير ص ١٦٣، والنشر ٣٣٢/٢ عن شعبة.
(٣) تفسير أبي السعود ٦/ ١٩٠-١٩١، وقال أبو السعود: فليس العامل في الكاف الفعل
المذكور، بل ما يدل هو عليه من فعل مبني للمفعول جارٍ منه مجرى المطاوع؛ فإن
استخلافه تعالى إياهم مستلزمٌ لكونهم مستخلفين لا محالة.

سُورَةُ الَّنوزِ
٤٤٦
الآية : ٥٥
والتمكين في الأصل: جَعْلُ الشيء في مكان، ثم استُعمل في لازِمِه، وهو
التثبيتُ، والمعنى: لَيَجْعلنَّ دينَهم ثابتاً مقرَّراً، بأنْ يُعليَ سبحانه شأنَه، ويقوِّيَّ
بتأييده تعالى أركانه، ويعِّم أهلَه في نفوس أعدائهم الذين يستغرقون النهار والليل
في التدبير لإطفاء أنواره، ويستنهضون الرَّجِلَ والخيلَ للتوصُّلِ إلى إعفاء آثاره،
فيكونون بحيث ييأسون من التجمّع لتفريقهم عنه ليذهب من البين، ولا تكاد تحدِّثُهم
أنفسُهم بالحيلولة بينهم وبينه ليعود أثراً بعد عين.
وقيل: المعنى: ليَجْعَلنَّه(١) مقرَّراً ثابتاً بحيث يستمرُّون على العمل بأحكامه،
ويرجعون إليه في كلِّ ما يأتون وما يَذَرون، وأصلُ التمكين: جَعْلُ الشيءِ مكاناً
لآخر، والتعبيرُ عن ذلك به للدلالة على كمالٍ ثبات الدين، ورصانةِ أحكامه،
وسلامته عن التغيير والتبديل؛ لابتنائه على تشبيهه بالأرض في الثبات والقرار،
مع ما فيه من مراعاة المناسبة بينه وبين الاستخلاف في الأرض. انتهى، وفيه
بحث.
وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول الصريح للمسارعة إلى بيان كون
الموعود مِن منافعهم، مع التشويق إلى المؤشّر، ولأنَّ في توسيطه بينه وبين وَصْفه،
أعني قوله تعالى: ﴿الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾، وتأخيرِه عن الوصف، من الإخلال بجزالةٍ
النظم الكريم ما لا يخفى.
وفي إضافة الدين وهو دينُ الإسلام إليهم، ثم وَصْفِه بارتضائه لهم، من مزید
الترغيب فيه والتثبيت عليه ما فيه.
﴿وَلَيُبَدِّلْنَهُمُ﴾ بالتشديد، وقرأ ابن كثير وأبو بكر والحسن وابن محيصن
بالتخفيف من الإبدال(٢)؛ وأخرج ذلك عبد بن حميد(٣) عن عاصم. وهو عطف
على (ليستخلفنَّهم)) أو ((ليمكنَنَّ)). ﴿مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ بمقتضى البشرية في الدنيا من
أعدائهم في الدِّين ﴿أَمْنَّ﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه.
(١) في الأصل و(م): ليجعله، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٩١/٦، والكلام منه.
(٢) التيسير ص ١٦٣، والنشر ٣٣٣/٢ عن ابن كثير وأبي بكر، وهي قراءة يعقوب من العشرة.
وذكرها عن الحسن وابن محيصن أبو حيان في البحر ٦/ ٤٦٩.
(٣) كما في الدر المنثور ٥٥/٥ .
١

الآية : ٥٥
٤٤٧
سودة النودِ
وقيل: الخوف في الدنيا من عذاب الآخرة، والأمن في الآخرة، ورجّح بأنَّ
الكلام عليه أبعدُ من احتمال التأكيد بوجهٍ من الوجوه، بخلافه على الأول.
وأنت تعلم أن الأول أوفقُ بالمقام، والأخبارُ الواردةُ في سبب النزول تقتضيه،
وأمرُ احتمالِ التأكيد سهلٌ.
﴿يَعْبُدُونَنِ﴾ جوِّز أن تكون الجملةُ في موضع نصبٍ على الحال؛ إما من
((الذين)) الأول لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد؛ لأنَّ ما في حيِّز الصلة من الإيمان
وعمل الصالحات بصيغة الماضي لمَّا دلَّ على أصل الاتِّصاف به، جيء بما ذُكر
حالاً بصيغة المضارع الدالِّ على الاستمرار التجدُّديّ. وإمّا من الضمير العائد عليه
في (ليستخلفنهم))، أو في (ليبدلنهم)).
وجوِّز أن تكون مستأنفةً، إما لمجرَّد الثناء على أولئك المؤمنين، على معنى:
هم يعبدونني، وإما لبيان علَّة الاستخلاف وما انْتَظَم معه في سلك الوعد.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يُثْرِكُنَ بِي شَيْئاً﴾ حالٌ من الواو في ((يعبدونني))، أو من
(الذين))، أو بدلٌ من الحال، أو استئنافٌ.
ونصب ((شيئاً)) على أنه مفعولٌ به، أي: شيئاً مما يُشْرَكُ به، أو مفعولٌ مطلقٌ،
أي: شيئاً من الإشراك. ومعنى العبادةِ وعدمِ الإشراك ظاهرٌ.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ◌ًا أنه قال في قوله سبحانه: (يَعْبُدُونَنِى لَا
يُتْرِكُنَ بِ شَيْئاً): لا يخافون أحداً غيري. وأخرج هو وجماعةٌ عن مجاهد
نحوه(١) .
ولعلهما أرادا بذلك تفسير ((لا يشركون بي شيئاً))، وكأنهما عدَّا خوفَ غيرِ الله
تعالى نوعاً من الإشراك، واختيرَ على هذا حاليةُ الجملة من الواو، كأنه قيل:
يعبدونني غير خائفين أحداً غيري.
وجوِّز أن يكونا قد أرادا بيان المراد بمجموع (يعبدونني لا يشركون)) إلخ
وكأنهما اذَّعيا أنَّ عدم خوف أحدٍ غيرِه سبحانه من لوازِمِ العبادة والتوحيد، وأنَّ
(١) الدر المنثور ٥٥/٥ .

سورة النورِ
٤٤٨
الآية : ٥٥
جملة ((يعبدونني)) إلخ استئنافٌ لبيانِ ما يَصِلُون إليه في الأمن، كأنه قيل: يأمنون إليّ
حيث لا يخافون أحداً غيرَ الله تعالى.
ولا يخفى ما في التعبير بضميرٍ المتكلّم وحدَه في ((يعبدونني)) و((لا يُشْرِكون بي))
دون ضميرٍ الغائب ودونَ ضمير العظمة من اللطافة.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: ومَن ارتدَّ من المؤمنين ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعد حصولٍ
الموعود به ﴿فَأَوْلَكَ﴾ المرتدُّون البعداءُ عن الحقِّ ﴿هُمُ الْفَسِقُونَ @﴾ أي:
الكاملون في الفسق والخروج عن حدود الكفر والطغيان؛ إذ لا عُذْرَ لهم حينئذٍ
ولا گَجناح بعوضة.
وقيل: ((كَفَر)) من الكفران، لا من الكفر مقابل الإيمان، وروي ذلك عن
أبي العالية، وكمالُهم في الفسق لعظم النعمة التي كَفَروها.
وقيل: ((ذلك)) إشارةٌ إلى الوعد السابق نفسه. وفي ((إرشاد العقل السليم))(١):
أنَّ المعنى: ومَن انَّصف بالكفر بأن ثبتَ واستمرَّ عليه، ولم يتأثَّر بما مرَّ من
الترغيب والترهيب بعد ذلك الوعد الكريم بما فصِّل من المطالب العالية المستوجبةِ
لغاية الاهتمام بتحصيلها، فأولئك هم الكاملون في الفسق. وكونُ المرادِ بـ ((كفر)
ما ذُكر أنسبُ بالمقام من كونِ المراد به: ارتدَّ أو كَفَرَ النعمةَ. انتهى.
والأَوْلَى عندي ما تقدَّم، فإنه الظاهرُ، وفي الكلام عليه تعظيمٌ لقَدْرِ الموعودِ
به، من حيث إنه لا يبقى بعدَ حصوله عذرٌ لمن يرتدُّ، وقوةُ مناسبته(٢) للمقام
لا تخفی.
وهو ظاهرُ قولِ حذيفة رَُّه؛ فقد أخرج ابن مردويه عن أبي الشعثاء قال: كنتُ
جالساً مع حذيفةً وابنٍ مسعود ◌ًِّا، فقال حذيفةُ: ذهب النفاقُ؛ إنما كان النفاقُ
على عهد رسول الله وَّهِ، وإنما هو الكفرُ بعد الإيمان. فضحك ابنُ مسعود ثم
قال: بِمَ تقول؟ قال: بهذه الآية: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ) إلى آخِرِ
الآية.
(١) ٦ / ١٩١.
(٢) في الأصل: مناسبة.

الآية : ٥٥
٤٤٩
سُورَةُ الَّنُودِ
وكأنَّ ضَحِكَ ابنِ مسعودٍ كان استغراباً لذلك، وسكوتُه بعد الاستدلال ظاهرٌ في
ارتضائه لِمَا فَهِمَه معدنُ سرِّ رسول الله ◌ِِّ من الآية.
و(مَن)) تحتملُ أن تكون موصولةً، وتحتملُ أن تكون شرطيةً. وجملةُ ((مَن
كَفَرَ)) إلخ، قيل: معطوفةٌ على جملةِ ((وَعَدَ اللهُ)) إلخ، أو على جملةٍ محذوفة، كأنه
قيل: مَن آمَنَ فَهُمُ الفائزون ومَن كفر .. إلخ.
وقيل: إنَّ هذه الجملةَ وكذا جملة ((يعبدونني)) استئنافٌ بيانيٌّ؛ أمَّا ذلك في
الأولى فالسؤالُ ناشىءٌ من قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ) إلخ، فكأنه قيل: فما ينبغي
للمؤمنين بعد هذا الوعد الكريم، أو بعد حصوله؟ فقيل: يعبدونني لا يشركون بي
شيئاً. وأما في الثانية فالسؤالُ ناشئٌّ من الجواب المذكور، فكأنه قيل: فإن لم
يفعلوا فماذا؟ فقيل: ومَن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وجزاؤُهم معلومٌ،
وهو كما ترى.
هذا واستدلَّ كثيرٌ بهذه الآية على صحةٍ خلافة الخلفاء الأربعة ◌ِّ؛ لأنَّ الله
تعالى وعد فيها مَن في حضرة الرسالة من المؤمنين بالاستخلاف وتمكينِ الدِّين
والأمنِ العظيم من الأعداء، ولابد من وقوع ما وَعَدَ به ضرورةَ امتناعِ الخُلُّفِ في
وعده تعالى، ولم يقع ذلك المجموعُ إلَّ في عهدهم، فكان كلٌّ منهمَ خليفةً حقّاً
باستخلافِ الله تعالى إياه حَسْبمَا وَعَدَ جلَّ وعلا، ولا يلزم عمومُ الاستخلافِ
لجميع الحاضرين المخاطبين، بل وقوعُه فيهم كبنو فلانٍ قتلوا فلاناً، فلا ينافي ذلك
عمومَ الخطابِ الجميعَ، وكونَ ((من)) بيانيةً. وكذا لا ينافيه ما وقع في خلافةِ عثمانَ
وعليٍّ ◌َّ من الفتن؛ لأنَّ المرادَ من الأمن الأمنُ من أعداء الدِّين، وهم الكفارُ
كما تقدم.
وأقامها بعضُ أهلِ السُّنةِ دليلاً على الشيعة في اعتقادهم عدمَ صحَّةٍ خلافةٍ
الخلفاءِ الثلاثة - ولم يَسْتدِلَّ بها على صحة خلافةِ الأمير كرَّم الله تعالى وجهه لأنها
مسلَّمةٌ عند الشيعة، والأدلَّةُ كثيرةٌ عند الطائفتين على مَن يُنْكِرها من النواصب عليهم
من الله تعالى ما يستحقُّون - فقال: إنَّ الله تعالى وَعَدَ فيها جمعاً من المؤمنين
الصالحين الحاضرين وقتَ نزولها بما وَعَدَ من الاستخلاف وما معه، ووَعْدُه
سبحانه الحقُّ، ولم يقع ذلك إلَّا في عهد الثلاثة، والإمامُ المهديُّ لم يكن موجوداً

سُوُدَّةُ النّورِ
٤٥٠
الآية : ٥٥
حين النزول قطعاً بالإجماع، فلا يمكن حَمْلُ الآية على وَعْدِه بذلك، والأميرُ
كرَّم الله تعالى وجهه وإن كان موجوداً إذ ذاك لكن لم يَرُج الدينُ المَرْضيُّ كما هو
حقُّه في زمانه عَه بزَعْم الشيعة، بل صار أسوأ حالاً - بزَعْمِهم - مما كان في عهد
الكفار، كما صرَّح بذلك المرتضى في تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم السلام، بل كلُّ
كتب الشيعة تصرِّح بأنَّ الأمير وشيعته كانوا يُخْفون دينَهم ويُظْهِرون دين المخالفين
تَقِيَّةً، ولم يكن الأمنُ الكاملُ حاصلاً أصلاً في زمانه تَظُه، فقد كان أهلُ الشام
ومصرَ والمغربِ ينكرون أصلَ إمامته ولا يَقْبَلون أحكامَه، وهم كفرةٌ بزَعْم الشيعة،
وأغلبُ عسكر الأمير يخافونهم ويحذرون غايةَ الحذرِ منهم، ومع هذا الأميرُ فردٌ
فلا يمكن إرادتُه من ((الذين آمنوا)) ليكون هو ظله مصداقَ الآية كما يزعمون، فإنَّ
حَمْلَ لَفْظِ الجمع على واحدٍ خلافُ أصولهم؛ إذ أقلُّ الجمع عندهم ثلاثةُ أفراد،
وأمَّا الأئمةُ الآخرون الذين وُلدوا بعدُ فلا احتمالَ لإرادتهم من الآية؛ إذ ليسوا
بموجودين حالَ نزولها، ولم يحصل لهم التسلّط في الأرض، ولم يقع رواجُ دينهم
المرتَضَى لهم، وما كانوا آمنين بل كانوا خائفين من أعداء الدين مثَّقين منهم،
كما أجمع عليه الشيعة، فلزم أنَّ الخلفاء الثلاثة هم مصداقُ الآية، فتكون خلافتُهم
حقَّةً، وهو المطلوب.
وزعم الطبرسيُّ أن الخطاب للنبيِّ وأهلٍ بيته بَّر، فهم الموعودون بالاستخلاف
وما معه، ويكفي في ذلك تحقَّقُ الموعودِ في زمن المهديِّ ◌َظُبه، ولا ينافي ذلك
عدمَ وجودِه عند نزول الآية؛ لأنَّ الخطاب الشفاهيّ لا يخصُّ الموجودين، وكذا
لا ينافي عدمَ حصوله للكلِّ، لأنَّ الكلام نظيرُ: بنو فلان قتلوا فلاناً.
واستدلَّ على ذلك بما رَوَى العياشيُّ بإسناده عن علي بن الحسين ظًُّا أنه قرأ
الآية فقال: هم والله شيعتُنا أهل البيت، يُفْعَلُ ذلك بهم على يد رجلٍ منَّا، وهو
مهديُّ هذه الأمة، وهو الذي قال رسول الله وَّر فيه: ((لو لم يَبْقَ من الدنيا إلا يومٌ
واحدٌ لطوَّل الله تعالى ذلك اليومَ حتى يليَ رجلٌ من عترتي اسمُه اسمي، يملأ
الأرضَ عدلاً وقسطاً كما مُلئتْ ظلماً وجوراً» وزَعَم أنه رُويَ مثلُ ذلك عن أبي جعفر
جه(١) .
وأبي عبد الله
(١) مجمع البيان ٦٨/١٨.

الآية : ٥٥
٤٥١
سوداالنورِ
وهذا على ما فيه مما يأباه السياقُ والأخبارُ الصحيحةُ الواردةُ في سبب النزول،
وأخبارُ الشيعةِ لا يخفى حالُها، لاسيما على مَن وقف على ((التحفة الاثني
عشرية))(١).
نعم ورد من طريقنا ما يُستأنَسُ به لهم في هذا المقام، لكنه لا يعوَّل عليه أيضاً
مثل أخبارهم، وهو ما أخرجه عبد بن حميد (٢) عن عطيةً، أنه عليه الصلاة والسلام
قرأ الآية فقال: ((أهل البيت ها هنا)) وأشار بيده إلى القبلة.
وزعم بعضُهم نحوَ ما سمعتَ عن الطبرسيِّ، إلا أنه قال: هي في حقِّ جميع
أهل البيت، عليٍّ كرم الله تعالى وجهَه وسائرِ الأئمة الاثني عشر، وتحقُّقُ ذلك فيهم
زَمَنَ الرجعة حين يقومُ القائم ◌ُْه. وزَعَم أنها أحدُ أدلّة الرجعة، وهذا قد زاد في
الطنبور نغمةً.
وقال الملَّا عبدُ الله المشهديُّ في كتابه «إظهار الحق» لإبطال الاستدلال بها
على صحة خلافة الخلفاء الثلاثة: يحتملُ أن يكون الاستخلافُ بالمعنى اللغويِّ،
وهو الإتيانُ بواحدٍ خلفَ آخر، أي: بعده، كما في قوله تعالى في حقِّ بني
إسرائيل: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩]
فقصارى ما يثبتُ أنهم خلفاءُ بالمعنى اللغويِّ، وليس النزاعُ فيه بل هو في المعنى
الاصطلاحيِّ، وهو معنّى مستحدَثٌ بعد رحلة النبيِّ وٍَّ. اهـ.
وأجيب: بأنه لو تمَّ هذا لا يتمُّ لهم الاستدلالُ على خلافة الأمير كرَّم الله تعالى
وجهه بالمعنى المصطلح بحديث: ((أنت منِّ بمنزلة هارون من موسى))(٣) المعتضدٍ
بما حكاه سبحانه عن موسى عليه السلام من قوله لهارون: ﴿أَخْلُفِى فِ قَوْمی﴾
[الأعراف: ١٤٢] وبما يَرْؤُونه من قوله وَّهِ: ((يا عليٍّ، أنت خليفتي من بعدي)) (٤).
(١) التحفة الاثنا عشرية في رد الروافض، فارسي. تأليف عبد العزيز الدهلوي المتوفى
سنة (١٢٣٩ هـ). إيضاح المكنون ١/ ٢٣٧.
(٢) كما في الدر المنثور ٥٥/٥ .
(٣) أخرجه البخاري (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبي وقاص
(٤) ذكره ابن تيمية في منهاج السنَّة النبوية ٧/ ٢٩٧-٢٩٩، وقال: هذا الحديث ليس في شيء من
كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل: لا في الصحاح، ولا في المسانيد والسنن
والمغازي والتفسير التي یذکر فيها الإسناد الذي يحتج به.

سُورَةُ الَّنودِ
٤٥٢
الآية : ٥٥
وكذا لا يتمُّ لهم الاستدلالُ على إمامة الأمير كرم الله تعالى وجهه بما تضمَّن
لفظُ الإمام؛ لأنه لم يُستعمل في الكتاب المجيد بالمعنى المصطلح أصلاً،
وإنما استُعمل بمعنى النبيِّ والمُرشِدِ والهادي والمقتدَى به في أمرٍ، خيراً كان أو
شرًّا، ومتى ادَّعى فهمَ المعنى المصطلح من ذلك بطريق اللزوم، فليَدَّعِ فَهْمَ المعنى
المصطلحِ من الخليفة كذلك، وربما يدَّعي أنَّ فهمه منه أقوى؛ لأنهَ مقرونٌ حيث
وقع في الكتاب العزيز بلفظ: ((في الأرض)) الدالِّ على التصرُّفِ العامّ الذي هو شأنُ
الخليفة بذلك المعنى.
على أنَّ مبنى الاستدلالِ على خلافة الثلاثة بهذه الآيةِ ليس مجرَّدَ لَفْظِ
الاستخلافِ حتى يتمَّ غرضُ المناقش فيه، بل ذلك مع ملاحظةِ إسنادهِ إلى الله
تعالى، وإذا أسند الاستخلاف اللغوي إلى الله عز وجل فقد صار استخلافاً
شرعيّاً .
وقد يُستَفْتَى في هذه المسألة من علماء الشيعة فيقال: إنَّ إتيانَ بني إسرائيلَ
بمكان آل فرعون والعمالقةِ، وجَعْلَهم متصرِّفين في أرض مصر والشام، هل كان
حقّاً أو لا؟ ولا أظنُّهم يقولون إلا أنه حقٌّ، وحينئذٍ يلزمُهم أن يقولوا به في الآية
لعدم الفرق، وبذلك يتمُّ الغرض، هذا حاصلُ ما قيل في هذا المقام.
والذي أميلُ إليه أنَّ الآية ظاهرةٌ في نزاهةِ الخلفاء الثلاثة ﴿ه عمَّا رماهم
الشيعةُ به من الظلم والجور والتصرُّفِ في الأرض بغير الحقِّ؛ لظهور تمكين الدِّين
والأمنِ التامٌّ من أعدائه في زمانهم، ولا يكاد يَحْسنُ الامتنان بتصرُّفٍ باطلٍ عُقْبَاهُ
العذابُ الشديد. وكذا لا يكاد يَحْسُنُ الامتنانُ بما تضمنته الآيةُ على أهل عصرهم
مع كونهم الرؤساءَ الذين بيدهم الحلُّ والعقدُ لو كانوا - وحاشاهم - كما يزعم
الشيعة فيهم، ومتى ثبت بذلك نزاهتُهم عمَّا يقولون اكتفينا به، وهذا لا يتوقَّفُ إلَّا
على اتِّصافهم بالإيمان والعمل الصالح حالَ نزول الآية، وإنكارُ الشيعة له إنكارٌ
للضروريات، وكونُ المراد بالآية عليّاً كرَّم الله تعالى وجهه، أو المهديَّ ◌ُبه، أو
أهلَ البيت مطلقاً، مما لا يقولُهُ مُنْصِفٌ.
وفي كلام الأمير كرم الله تعالى وجهه ما يقتضي بسوقه خلافَ ما عليه الشيعةُ،
ففي ((نهج البلاغة)): أن عمر بن الخطاب ﴿به لمَّا استشار الأميرَ كرم الله تعالى

الآية : ٥٦
٤٥٣
سُوَّةُالّنُوبِ
وجهه لانطلاقه لقتال أهل فارس حين تجمَّعوا للحرب، قال له: إنَّ هذا الأمرَ لم
يكن نَصْرُه ولا خذلانُه بكثرةٍ ولا بقلَّةٍ، وهو دينُ الله تعالى الذي أظهره، وجندُه
الذي أعزَّه وأيَّدَه، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعودٍ من الله
تعالى حيث قال عز اسمه: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ
اْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا) والله تعالى منجزٌ وعدَه، وناصرٌ جندَه، ومكانُ القيِّم في الإسلام
مكان النظام من الخرز، فإن انقطع النظام تفرَّق، ورُبَّ متفرِّقٍ لم يجتمع، والعربُ
اليومَ وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطباً واستدر
الرحى بالعرب، وأَصْلِهِم دونك نارَ الحرب، فإنك إن شخصتَ من هذه الأرض
تنقَّضت عليك العربُ من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تَدَعُ وراءك من العورات
أهَّ إليك مما بين يديك، وكان قد آن للأعاجم أن ينظروا إليك غداً يقولون: هذا
أصلُ العرب فإذا قطعتُموه استرحتُم، فيكون ذلك أشدَّ لكَلَبِهِم عليك وطَمَعِھم فیك،
فأما ما ذكرتَ من عددهم فإنَّا لم نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنّا نقاتلُ بالنصر
والمعونة. اهـ، فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك.
﴿وَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ جوِّز أن يكون عطفاً على
(أطيعوا الله)) داخلاً معه في حيِّز القول، والفاصلُ ليس بأجنبيٍّ من كلِّ وجهٍ، فإنه
وعدٌّ على المأمور به، وبعضُه من تتمَّته(١).
وفي ((الكشاف))(٢): ليس ببعيدٍ أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصلٌ
وإن طال؛ لأن حقَّ المعطوف أن يكون غيرَ المعطوف عليه، والفاصلُ يؤكّد
المغايرةَ ويرشِّحُها؛ لأنَّ المجاورةَ مَظِنَّةُ الاتِّصال والاتحاد، فيكونُ تكرير الأمر
بإطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام للتأكيد، وأكّد دون الأمر بطاعة الله تعالى لِمَا
أنَّ في النفوس لاسيما نفوس العرب من صعوبة الانقياد للبشر ما ليس فيها من
صعوبة الانقياد لله تعالى، ولتعليق الرحمة بها أو بالمندرجة هي فيه - وهي الجملُ
(١) قوله: وبعضه من تتمته، أي أن قوله تعالى: ((ومن كفر)) من تتمة الوعد. حاشية الشهاب
٣٩٨/٦.
(٢) ٣/ ٧٤.

سُودَةُ النّورِ
٤٥٤
الآية : ٥٧
الواقعةُ في حيِّز القول - بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْجُونَ ﴾﴾ كما علَّق الاهتداء
بالإطاعة في قوله تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ).
والإنصافُ أنَّ هذا العطفَ بعيدٌ، بل قال بعضهم (١): إنه مما لا يليقُ بجزالة
النظم الكريم.
وجوِّز أن يكون عطفاً على ((يعبدونني)) وفيه تخصيصٌ بعد التعميم، وكان
الظاهر أن يقال: يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة
ويطيعون الرسول لعلهم يرحمون، لكن عدلَ عن ذلك إلى ما ذُكر التفاتاً إلى
الخطاب لمزيد الاعتناء، وحسّنه هنا الخطابُ في ((منكم)).
وتعقِّب بأنه ممَّا لا وجه له؛ لأنه بعد تسليم الالتفاتِ، وجوازٍ عَظْفِ الإنشاء
على الإخبار، لا يناسبُ ذلك كونَ(٢) الجملةِ السابقةِ حالاً أو استئنافاً بيانياً.
والذي أختارُه كونَه عطفاً على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام ويستدعيه النظام، فإنه
سبحانه لمَّا ذكر: (وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) فُهِمَ النهيُ عن الكفر،
فكأنه قيل: فلا تكفروا وأقيموا الصلاة .. إلخ.
وجوِّز أن يكون انفهامُ المقدَّر من مجموع ما تقدَّم من قوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا
اللَّهُ) إلخ، حيث إنه يوجبُ الأمر بالإيمان والعمل الصالح، فكأنه قيل: فآمِنوا
واعْمَلوا الصالحات وأقيموا .. إلخ.
وجوِّز في ((أطيعوا)) أن يكون أمراً بإطاعته وَله بجميع الأحكام الشرعية المنتظمة
للآداب المَرْضِيَّة، وأن يكون أمراً بالإطاعة فيما عدا الأمرين السابقين فيكون ذكره
لتكميلهما، كأنه قيل: وأطيعوا الرسول في سائر ما يأمركم به، وقولُه تعالى:
(لَعَلَّكُمْ) إلخ متعلقٌ بالأوامر الثلاثة، وجُعل على الأول متعلِّقاً بالأخير.
وقولُه تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ بيانٌ لمآل الكفرة في الدنيا والآخرة
بعد بيانِ تَنَاهيهم في الفسق، وفوزِ أضدادهم بالرحمة المطلقةِ المستتبعةِ لسعادة
الدارين.
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٦/ ١٩٢.
(٢) في (م): وكون، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٩٧/٦، والكلام منه.

الآية : ٥٧
٤٥٥
سُورَّةُ النَّذِّ
وفي ذلك أيضاً رفعُ استبعاد تحقّق الوعد السابق مع كثرة عَدَدِ الكفَرَةِ وعُدَدِهم.
والخطابُ لكلِّ مَن يتأتَّى منه الحسبانُ، نظير ما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ
الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢].
وجوِّز أن يكون للرسول وَّهِ على سبيل التعريض بمَن صَدَر منه ذلك، كقوله:
إياكٍ أعني فاسمعي يا جاره(١)
أو الإشارة إلى أنَّ الحسبان المذكورَ بَلَغَ في القُبْحِ والمحذورية إلى حيث يُنْهَى
مَن يَمتنعُ صدورُه عنه، فكيف بمن يُمكنُ ذلك منه؟ كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَكُونَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص: ٨٧] فقولُ أبي حيان: إنَّ جَعْلَ الخطاب للرسول وَهل
ليس بجيد؛ لأنَّ مثلَ هذا الحسبانِ لا يتصوَّرُ وقوعُه منه عليه الصلاة والسلام(٢).
ليس بجيدٍ؛ لما فيه من الغفلة عما ذُكر.
ومحلُّ الموصول نصبٌ على أنه مفعولٌ أولُ للحسبانِ، وقولُه تعالى:
﴿مُعْجِزِينَ﴾ ثانيهما، وقولُه تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِّ﴾ ظرفٌ لـ ((معجزين)) لكنْ لا لإفادةِ
كونِ الإعجاز المقصودِ بالنفي فيها لا في غيرها، فإنَّ ذلك غنيٌّ عن البيان، بل
الإفادةِ شمولٍ عدمِ الإعجاز لجميع أجزائها، أي: لا تحسبنَّهم معجزين الله تعالى
عن إدراكهم وإهلاكهم في قطرٍ من أقطار الأرض بما رَحُبَتْ، وإن هربوا منها كلَّ
مَهْرَبٍ.
وقرأ حمزة وابن عامر: ((يحسبن)) بالياء آخرِ الحروف(٣)، على أنَّ الفاعل كلُّ
أحدٍ، كأنه قيل: لا يحسبنَّ حاسبٌ الكافرين معجزين له عز وجل في الأرض، أو
ضميرُهُ وَّهِ لتقدُّم ذكره عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: (وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ)، وإليه
ذهب أبو عليّ(٤).
(١) وقبله: أصبح يَهْوَى حرَّةً مِعْطارَه، كما في المستقصى ١/ ٤٥٠. والرجز لسيَّار بن مالك
الفزاري، وذكره العسكري في جمهرة الأمثال ٢٩/١، وقبله:
مَذْفَعُ مَيْئاءَ إلى قراره
(٢) البحر ٦/ ٤٧٠ .
(٣) التيسير ص ١٦٣، والنشر ٢٧٧/٢.
(٤) في الحجة ٣٣٢/٥.

سُورَةُ النودِ
٤٥٦
الآية : ٥٧
وزَعْمُ أبي حيان أنه ليس بجيدٍ لِمَا تقدَّم(١)، ليس بجيدٍ لما تقدّم.
أو ضميرُ الكافر، أي: لا يحسبنَّ الكافر الذين كفروا معجزين، ونُقِلَ ذلك عن
عليّ بن سليمان(٢).
أو الموصولُ، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ، كأنه قيل: لا يحسبنَّ الذين كفروا
أنفسَهم معجزين في الأرض. وذُكر أن الأصل على هذا: لا يحسبنَّهم الذين كفروا
معجزين، ثم حُذف الضمير الذي هو المفعولُ الأول، وكأنَّ الذي سوَّغ ذلك أنَّ
الفاعل والمفعولَيْنِ لما كانت كالشيءِ الواحد اقتُنِعَ بذكر اثنين عن ذكر الثالث.
وتعقَّبه في ((البحر)) بأن هذا الضمير ليس من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدها،
فلا يجوزُ كونُ الأصل: لا يحسبنَّهم الذين .. إلخ، كما لا يجوزُ: ظنَّه زيدٌ قائماً (٣).
وقال الكوفيون: ((معجزين)) المفعولُ الأول، و((في الأرض)) المفعولُ الثاني،
والمعنى: لا يحسبنَّ الذين كفروا أحداً يُعْجِزُ اللهَ تعالى في الأرض حتى يطمعوا في
مثل ذلك؛ قال الزمخشريُّ: وهذا معنى قويٌّ جيد(٤).
وتعقِّب بأنه بمعزلٍ عن المطابقة لمقتضى المقام، ضرورةَ أنَّ مصبَّ الفائدة هو
المفعولُ الثاني، ولا فائدة في بيان كون المعجزين في الأرض.
ورُدَّ بأنه وإن كان مصبُّ الفائدة جُعِلَ مفروغاً منه وإنما المطلوبُ بيانُ المحلِ،
أي: لا يعجزوه سبحانه في الأرض. والإنصافُ أنَّ ما ذكر خلافُ الظاهر،
والظاهرُ إنما هو تعلُّق ((في الأرض)» بـ ((معجزين)).
وأيّاً ما كان فالقراءةُ المذكورةُ صحيحةٌ وإن اختلفت مراتبُ تخريجاتها قوةً
وضعفاً، ومن ذلك يُعلم ما في قول النحاس(٥): ما علمتُ أحداً من أهل العربية
بَصْريّاً ولا كوفيّاً إلا وهو يخطّئُ قراءةَ حمزة، فمنهم مَن يقول: هي لحنٌ لأنه لم
(١) البحر ٦/ ٤٧٠ .
(٢) كما في إعراب القرآن للنحاس ١٦٤/٤، والبحر ٦/ ٤٧٠.
(٣) البحر ٦/ ٤٧٠ .
(٤) الكشاف ٣/ ٧٤.
(٥) في إعراب القرآن ١٤٦/٤.
%

الآية : ٥٧
٤٥٧
سُورَةُ الَّنودِ
يأتِ إلا بمفعولٍ واحد لـ ((يحسبن))، وممَّن(١) قال هذا أبو حاتم. انتهى = من قلَّة
الوقوف ومزيدِ الهذيان، والجسارةٍ على الطعن في متواتر من القرآن.
ولعمري لو كانت القراءةُ بالرأي، لكان اللائقُ بمن خفي عليه وجهُ قراءة حمزةً
أن لا يتكلَّم بمثل ذلك الكلام، ويتَّهم نفسه، ويُحْجِمَ عن الطعن في ذلك الإمام.
وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِ﴾ عطفٌ على جملة النهي بتأويلها بجملة خبريةٍ؛
لأن المقصود بالنهي عن الحسبان تحقيقُ نفي الحسبان، كأنه قيل: [ليس] (٢) الذين
كفروا معجزين ومأواهم النار.
وجوِّز أن يكون عطفاً على مقدَّرٍ؛ لأن الأول وعيدٌ [في] الدنيا، كأنه قيل: فهم
مقهورون في الدنيا بالاستئصال، ومُخْزَون(٣) في الآخرة بعذاب النار. وعن
صاحب ((النظم) (٤) تقديره: بل هم مقدورٌ عليهم ومحاسبون ومأواهم النار.
قال في ((الكشف)): وجَعْلُه حالاً على معنى: لا ينبغي الحسبانُ لمن مأواه
النار، كأنه قيل: أنَّى للكافر هذا الحسبانُ وقد أُعِدَّ له النار، والعدولُ إلى ((ومأواهم
النار)) للمبالغة في التحقُّق، وأنَّ ذلك معلومٌ لهم لا ريب = وجهٌ حَسَنٌ خالٍ عن
كلف الكلفة، ألمّ به بعضُ الأئمة. انتهى. ولا يخفى أنَّ في ظاهره ميلاً إلى بعض
تخريجات قراءة ((يحسبنَّ)) بياء الغيبة.
وتعقّب في ((البحر)) تأويلَ جملةِ النهي لتصحيح العطف عليها بقوله: الصحیحُ
أنه يجوز عطفُ الجمل على اختلافها بعضاً على بعضٍ وإن لم تتَّحِدْ في النوعية،
وهو مذهبُ سيبويه(٥).
(١) في الأصل و(م): ومنهم من، بدل: وممن، والمثبت من إعراب القرآن، وفيه أيضاً: إلا وهو
يحظر هذه القراءة، بدل: إلا وهو يخطئ قراءة حمزة.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٩٢/٦، والكلام منه.
(٣) في حاشية الشهاب ٣٩٨/٦: ومجزيون، والكلام وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) نظم القرآن لأبي علي الحسن بن يحيى بن نصر الجُرجاني الجَمَاجمي. ينظر البحر ٦/ ٤٧٠،
والدر المصون ٨/ ٤٧٠، وحاشية الشهاب ٣٩٨/٦، وتاريخ جرجان ص ١٨٧ - ١٨٨،
والأنساب ٢٨٩/٣.
(٥) البحر ٤٧٠/٦-٤٧١ .

سودة النودِ
٤٥٨
الآية : ٥٨
والمأوى: اسمُ مكانٍ، وجوِّز فيه المصدريةُ، والأولُ أظهر.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْمَصِيرُ ﴾﴾ جوابٌ لقسم مقدَّرٍ، والمخصوصُ بالذمِّ
محذوفٌ، أي: وبالله لبئس المصيرُ هي، أي: النار، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ
لِمَا قبله.
وفي إيراد النار بعنوان كونها مأوّى ومصيراً لهم إثر نفي فَوْتِهم بالهرب في
الأرض كلَّ مهربٍ، من الجزالةِ ما لا غايةً وراءه، فلِلّهِ تعالى درُّ شأن التنزيل.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إلخ رجوعٌ عند الأكثرين إلى بيانِ تتمَّة الأحكام السابقة
بعد تمهيدِ ما يوجبُ الامتثالَ بالأوامر والنواهي الواردةِ فيها وفي الأحكام اللاحقةِ،
من التمثيلات والترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وفي التحقيق: ويحتمل أن
يقال: إنه مما يطاعُ الله تعالى ورسوله وَّر فيه، وتخصيصُه بالذكر لأنَّ دخولَه في
الطاعة باعتبارِ أنه من الآداب أبعدُ من غيره.
والخطابُ إما للرجال خاصةً والنساءُ داخلاتٌ في الحكم بدلالة النصِّ، أو
للفريقين تغليباً. واعتُرضَ الأولُ بأنَّ الآية نزلت بسبب النساء، فقد رُوي أنَّ أسماء
بنتَ أبي مَرْئَد (١) دخل عليها غلامٌ كبيرٌ لها في وقتٍ كرهتْ دخولَه، فأتثْ
رسولَ الله ﴿ه فقالت: إنَّ خَدَمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالٍ نكرهُها،
فنزلت(٢)، وقد ذَكَر في ((الإتقان))(٣) أنَّ دخول سبب التزول في الحكم قطعيٍّ.
وأجيب بأنه ما المانع من أن يُعلم الحكم في السبب بطريق الدلالة والقياس
الجليِّ ويكون ذلك في حكم الدخول، ونقل عن السبكيِّ أنه ظنيٌّ فيجوز إخراجُه،
وتمامُ الكلام في ذلك في كتب الأصول.
ثم ما ذُكر في سبب النزول ليس مُجْمَعاً عليه، فقد رُوي أنَّ رسول الله وَّل بعث
(١) في هامش الأصل و(م): وقيل: أبي مرشد بالشين المعجمة، واختاره جمع. اهـ منه. وقال
الشهاب في الحاشية ٣٩٨/٦: بنت أبي مرشد بالشين المعجمة أو الثاء المثلثة، قيل: وهو
بفتح الميم فيهما .
(٢) أسباب النزول للواحدي ص ٣٤٢، وتفسير البغوي ٣٥٥/٣، وتفسير القرطبي ٣٢٩/١٥ عن
مقاتل، وأخرجه عنه بنحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٣٣ .
(٣) الإتقان ٩٣/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٩٨/٦.

الآية : ٥٨
٤٥٩
سُوَرَّةُ الَّنُوزِ
وقتَ الَّهيرةِ إلى عمر ◌َبه غلاماً من الأنصار يقال له: مُذْلِج، وكان تَظُه نائماً،
فدقَّ عليه الباب ودخل، فاستيقظ وجلس فانكشف منه شيءٌ، فقال عمر ربه:
لوددتُ أنَّ الله تعالى نهى آباءنا وأبناءنا وخَدَمَنا عن الدخول علينا في هذه الساعة
إلا بإذنٍ. فانْطَلَقَ معه إلى رسول اللهِوَّر، فوجد هذه الآيةَ قد نزلت، فخرَّ
ساجداً (١). وهذا أحدُ موافقاتِ رأيه الصائبِ نَُّه للوحي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدِّيِّ أنه قال: كان أناسٌ من أصحاب رسول الله وَّة
يُعْجِبهُم أن يُواقِعوا نساءهم في هذه الساعات، فيغتسلوا ثم يخرجون إلى الصلاة،
فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك
الساعات إلا بإذنٍ بقوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواأ)(٢).
ويُعلم منه أنَّ الأمر في قوله سبحانه: ﴿لِيَسْتَعْدِنِكُمُ الَّذينَ مَلَكَتْ أَيْفَتُكُرْ وَالَّذِينَ لَمْ يَلُغُواْ
اٌلُّلُمُ مِنْكُمْ﴾ وإنْ كان في الظاهر للمملوكين والصبيان، لكنه في الحقيقة للمخاطَبین،
فكأنهم أُمروا أن يأمروا المذكورينَ بالاستئذان، وبهذا ينحلُّ ما قيل: كيف يأمر الله
عز وجل مَن لم يبلغ الحلمَ بالاستئذانِ، وهو تكليفٌ ولا تكليفَ قبل البلوغ؟
وحاصلُه أنَّ الله تعالى لم يأمره حقيقةً، وإنما أمر سبحانه الكبيرَ أن يأمره بذلك،
كما أمره أن يأمره بالصلاة، فقد روي عنه وَّ أنه قال: ((مُرُوا أولادكم بالصلاةِ
وهم أبناءُ سبعٍ سنينَ، واضْرِبوهم عليها وهم أبناءُ عشرٍ سنين))(٣) وأَمْرُه بما ذُكر
ونحوه من باب التأديب والتعليم، ولا إشكال فيه.
وقيل: الأمرُ للبالغين من المذكورين على الحقيقة، ولغيرهم على وجه
التأديب.
وقيل: هو للجميع على الحقيقة، والتكليفُ يعتمِدُ التمييزَ ولا يتوقَّف على
(١) أخرجه ابن منده - كما في الإصابة ٩/ ١٥٥ - من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن
أبي صالح عن ابن عباس رضيثا بنحوه، وهذا إسناد تالف.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٣٣/٨-٢٦٣٤.
(٣) أخرجه أحمد (٦٦٨٩) و(٦٧٥٦)، وأبو داود (٤٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو
،
وأخرجه أحمد (١٥٣٣٩)، وأبو داود (٤٩٤)، والترمذي (٤٠٧) من حديث سمرة بن
جندب

سُودَةُ النّورِ
٤٦٠
الآية : ٥٨
البلوغ، فالمرادُ بالذين لم يبلغوا الحلم: المميِّزون من الصغار، وهو كما ترى.
واختلف في هذا الأمر؛ فذهب بعضٌ إلى أنه للوجوب، وذهب الجمهورُ إلى
أنه للنَّذْبِ، وعلى القولين هو مُحْكُمٌ على الصحيح، وسيأتي تمامُ الكلام في ذلك.
والجمهورُ على عموم ((الذين مَلَكَتْ أيمانكم)» في العبيد والإماء، الكبارِ
والصغار، وعن ابن عمر ومجاهدٍ أنه خاصٌّ بالذكور كما هو ظاهرُ الصيغة، ورُوي
ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله څًا.
وقال السُّلميُّ: إنه خاصٌّ بالإناث(١). وهو قولٌ غريبٌ لا يعوَّل عليه.
وعن ابن عباس ﴿ّ تخصيصُه بالصغار، وهو خلافُ الظاهر جداً.
والمراد بـ ((الذين لم يبلغوا الحلم)) الصبيانُ ذكوراً وإناثاً على ما يقتضيه ما مرَّ
في سابقه عن الجمهور، وخُصَّ بالمراهقين منهم. و((منكم)) لتخصيصهم بالأحرار،
ويُشْعِرُ به المقابلةُ أيضاً. وفي ((البحر)): هو عامٌّ في الأطفال عبيداً كانوا أو
أحراراً (٢). وكنى عن القصور عن درجة البلوغ بما ذكر لأن الاحتلام أقوى دلائله.
وقد اتفق الفقهاءُ على أنه إذا احتلم الصبيُّ فقد بَلَغَ، واختلفوا فيما إذا بلغ
خمسَ عَشْرةَ سنةً ولم يحتلم، فقال أبو حنيفة في المشهور: لا يكون بالغاً حتى يَتِمَّ
له ثماني عَشْرةَ سنةً، وكذا الجاريةُ إذا لم تحتلم أو لم تَحِضْ أو لم تَحْبَلْ لا تكون
بالغةً عنده حتى يتمَّ لها سَبْعَ عَشْرةَ سنةً، ودليلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّا
◌ِلَّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤] وأَشُدُّ الصبيِّ - كما روي عن ابن
عباسٍ، وتبعه القُتيبيُّ(٣) - ثماني عَشْرةَ سنةً، وهو أقلُّ ما قيل فيه، فيبنَى الحكم عليه
للتيقُّن به، غيرَ أنَّ الإناث نشؤهنَّ وإدراكهنَّ أسرعُ، فنقص في حقهنَّ سنة؛
لاشتمالها على الفصول الأربعة التي يوافقُ واحدٌ منها المزاجَ لا محالة.
(١) أخرجه عن أبي عبد الرحمن السلميّ أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٠٢)، وابن
أبي شيبة ٤/ ٤٠٠، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ٥٥٢/٢-٥٥٣. وأخرج عنه الطبري
٣٥١/١٧-٣٥٢ قوله: هي في الرجال والنساء، يستأذنون على كل حال، بالليل والنهار.
(٢) البحر ٦ / ٤٧٢ .
(٣) في تفسير غريب القرآن ص٢٥٤.