Indexed OCR Text

Pages 421-440

الآية : ٤٣
٤٢١
سُورَةُ النّورِ
وحَمْلُ الآيةِ على ما يوافق المشهور(١) لا يُخِلُّ بجزالتها، بل هي عليه أجزلُ، وعن
شكوك العوامٌ أبعدُ، لاسيما أهل الجبال الذين قد يُمطَّرون وينزِلُ على أرضهم البَرَدُ
وهم فوق الجبال في الشمس.
﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بما ينزل من البَرَدِ ﴿مَن يَّهُ﴾ أي: يصيبه فينالُه ما ينالُه من
ضررٍ في ماله ونفسه ﴿وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ﴾ أن يصرفَه عنه فينجو من غائلته.
ورجوعُ الضميرين إلى البَرَدِ هو الظاهر.
وفي ((البحر)) يحتمل رجوعُهما إلى الوَدْقِ والْبَرَدِ، وجرى فيهما مجرى اسم
الإشارة، كأنه قيل: فيصيب بذلك ويصرفُ ذلك، والمطر أغلبُ في الإصابة
والصرف وأَبْلِغُ في المنفعة والامتنان(٢). اهـ، وفيه بعدٌ ومنعٌ ظاهر.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِيٍ﴾ أي: ضوءُ برقِ السحاب الموصوفِ بما مرَّ من الإزْجاءِ
والتأليف وغيرِهما، وإضافةُ البرق إليه قبل الإخبار بوجوده فيه للإيذان بظهور أمره،
واستغنائه عن(٣) التصريح به، وعلى ما سمعتَ عن أبي بجيلةَ لا يحتاجُ إلى هذا.
ورجوعُ الضمير إلى البَرَد، أي: بَرْق البَرَدِ الذي يكون معه، ليس بشيءٍ، وتقدَّم
الكلامُ في حقيقة البرق(٤)، فتذكَّر.
وقرأ طلحة بن مصرف: (سَناءُ)) ممدوداً (بُرَقِه)) بضم الباء وفتح الراء جمع بُرْقَةٍ
بضم الباء(٥)، وهي المقدارُ من البرق، كالغُرْفةِ واللُّقْمة. وعنه أيضاً أنه قرأ: ((بُرُقه))
بضم الباء والراء (٦)، أَتْبَع حركةَ الراء لحركةِ الباء، كما قيل نظيره في ((ظلمات)).
والسناءُ ممدوداً بمعنى العلوِّ وارتفاعِ الشأن، وهو هنا كنايةٌ عن قوة الضوء.
وقرئ: ((يكاد سَّنا)) بإدغام الدال في السين(٧).
(١) في (م): المشهورة، وهو تصحيف.
(٢) البحر ٦/،٤٦٥ وفيه: أبلغ، بدل: وأبلغ.
(٣) في الأصل و(م): على، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٨٥/٦، والكلام منه.
(٤) ١ / ١٧٢ .
(٥) المحرر الوجيز ١٩٠/٤، والبحر ٤٦٥/٦.
(٦) القراءات الشاذة ص ١٠٢، والبحر ٦/ ٤٦٥.
(٧) التيسير ص٢٤، والنشر ٢٩١/١.

سُورَةُ الّنُوزِ
٤٢٢
الآية : ٤٤
﴿يَذْهَبُ بِلْأَبْصَرِ ﴾ أي: يَخْطِفُها من فَرْطِ الإضاءة وسرعةٍ وُرودِها، وفي
إطلاق الأبصار مزیدُ تهویلِ لأمره، وبیانٌ لشدة تأثيره فیها، کأنه یکاد یذهبُ بها
ولو عند الإغماض، وهذا من أقوى الدلائل على كمال القدرة من حيث إنه توليدٌ
للضدِّ من الضدِّ.
وقرأ أبو جعفر: ((يُذْهِبُ) بضمِّ الياء وكَسْرِ الهاء(١)، وذهب الأخفش
وأبو حاتم إلى تخطئته في هذه القراءة قالا: لأنَّ الباء تُعاقِبُ الهمزةَ، ولا يجوزُ
اجتماعُ أداتي تعديةٍ، وقد أخطأ في ذلك؛ لأنه لم يكن ليقرأ إلَّ بما رَوَى،
وقد أخذ القراءةَ عن ساداتِ التابعين الآخِذين عن جلَّةِ الصحابة أبيٍّ وغيره پ،،
ولم ينفرد هو بها كما زعم الزجَّاج (٢)، بل قرأ أيضاً كذلك شيبةُ(٣)، وخرِّجَ
ذلك على زيادة الباء، أي: يُذْهِبُ الأبصارَ، وعلى أن الباء بمعنى ((مِن)) كما في
قوله :
شُرْبَ النزيفِ ببردِ ماءِ الحَشْرَج(٤)
فلَثَمْتُ فاها قابضاً بقُرونها
والمفعول محذوفٌ، أي: يُذْهِبُ النورَ من الأبصار. وأجاز الحريريُّ كما نقل
عنه الطيبيُّ الجمعَ بين أداتي تعدیة.
﴿يُغَلِّبُ اللَّهُ الَِّلَ وَالنَّهَارُ﴾ بإتيان أحدهما بعد الآخر، أو بنَقْصِ أحدهما وزيادةٍ
الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحرِّ والبرد وغيرهما مما يقع فيهما من الأمور التي من
جملتها ما ذُكر من إزجاء السحاب وما ترتّب عليه، وكأنَّ الجملة على هذا استئناف
لبيان الحكمة فيما مرَّ، وعلى الأوَّلين استئنافٌ لبيانِ أنه عزَّ وجلَّ لا يتعاصاه ما تقدَّم
من الإزجاء وما بعده.
(١) النشر ٣٣٢/٢.
(٢) في معاني القرآن ٤/ ٥٠.
(٣) البحر ٤٦٥/٦، والكلام منه.
(٤) البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ديوانه ص٤٣، وذكر أيضاً في ملحق ديوان الراعي
النميري ص٣٠٢، ونقل صاحب اللسان (حشرج) عن ابن بري قوله: البيت لجميل بن معمر
وليس لعمر بن أبي ربيعة. والنزيف: المحموم الذي منع من الماء. ولثمت فاها: قبَّلتُه.
والحشرج: كوز صغير لطيف، فكأنه قال: شربتُ ريقها شُرْبَ النزيف للماء البارد.

الآية : ٤٤
٤٢٣
سُودَةُ الَّنودِ
وقيل: هي معطوفةٌ على ما تقدَّم داخلةٌ في حيّز الرؤية، وأسقط حرف العطف
القَصْدِ التعداد، وهو كما ترى.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما فصِّل آنفاً، وما فيه من معنى البُعْدِ مع قُرْبٍ المشار
إليه؛ للإيذان بعلوِّ رتبته وبُعْدٍ منزلته.
﴿لَعِبْرَةً﴾ لدلالةً واضحةً على وجود الصانع القديم ووحدته وكمالٍ قدرته،
وإحاطةِ عِلْمِه بجميع الأشياء، ونفاذٍ مشيئته، وتنزُّهِه عمَّا لا يليقُ بشأنه العليِّ،
ودلالةُ ذلك على الوحدة بواسطة برهان التمانُع، وإلَّا ففيه خفاءٌ، بخلافٍ دلالته
على ما عدا ذلك فإنها واضحةٌ.
﴿لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴾ أي: لكلِّ مَن له بصيرةٌ يراجعُها ويُعْمِلُها، فالأبصارُ هنا
جمعُ بصرٍ بمعنى البصيرة، بخلافها فيما سبق.
وقيل: هو بمعنى البصر الظاهرِ كما هو المتبادِرُ منه، والتعبيرُ بذلك دون
البصائر للإيذان بوضوحٍ الدلالة.
وتعقِّبَ بأنه يلزم عليه ذهابُ حُسْنِ التجنيس، وارتكابُ ما هو كالإيطاء(١)،
واشتهر أنه ليس في القرآن جناسٌ تامٌّ غير ما في قوله تعالى: ﴿وَبَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] وفيه كلامٌ نقله السيوطيُّ في
((الإتقان)) ناشئٌ عند مَن دَفَّق النظر من عَدَم الإتقان(٢). واستنبط شيخ الإسلام ابنُ
حجرٍ العسقلانيُّ(٣) موضعاً آخر وهو هذه الآيةُ الكريمةُ، وهو لا يتمُّ إلا على
ما قلنا، وأشار إليه البيضاويُّ(٤) وغيره(٥)، ولعل مَن اختار المتبادر راعَى أنَّ حُسْنَ
تلك الإشارة فوق حُسْنِ التجنيس، فتأمَّل.
(١) الإيطاء: أن تتكرر القافية في قصيدة واحدة بمعنى واحد، فإن كان بمعنيين لم يكن إيطاء.
الكافي في العروض والقوافي للتبريزي ص١٦٢ .
(٢) الإتقان ٩٢١/٢. وينظر حاشية الشهاب ٣٩٢/٦.
(٣) كما في الإتقان ٢/ ٩٢٠.
(٤) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٦/ ٣٩٢.
(٥) بعدها في حاشية (م): كالثعالبي. اهـ منه.

سُورَةُ الَّنودِ
٤٢٤
الآية : ٤٥
﴿وَللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾ أي: كلَّ حيوانٍ يدبُّ على الأرض، وأَدْخَلوا في ذلك
الطيرَ والسمك، وظاهرُ كلام بعضٍ أئمة التفسير أنَّ الملائكة والجنَّ يدخلون في
عموم الدابة، ولعلها عنده كلُّ ما دبَّ وتحرَّك مطلقاً، ومعظمُ اللغويين يفسِّرها
بما سمعتَ، والتاءُ فيها للنقل إلى الاسمية لا للتأنيث، وقيل: دابة واحدُ دابٍّ،
کخائنة وخائن.
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وابن وثابٍ والأعمش: ((خالقُ)) اسم فاعل ((كلِّ دابةٍ))
بالجرِّ بالإضافة(١).
﴿مِنِ مَّأَمِ﴾ هو جزءُ مادَّتِهِ، وخصَّه بالذكر لظهورِ مزيدٍ احتياج الحيوان بعد كمال
تركيبه إليه، وأنَّ امتزاجَ الأجزاءِ الترابيةِ به، إلى غير ذلك. أو ماء مخصوص هو
النطفةُ. فالتنكيرُ على الأول للإفراد النوعيِّ، وعلى الثاني للإفراد الشخصيِّ، وجوِّز
أن يكون عليهما لذلك(٢).
وكلمة ((كلّ)) على الثاني للتكثير، كما في قوله تعالى: ﴿يُحْنَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ
شَىْءٌ﴾ [القصص: ٥٧] لأنَّ من الدوابِّ ما يتولَّدُ لا عن نطفة، وزعم بعضهم أنها على
الأول لذلك أيضاً، بناءً على شمول الدابة للملائكة المخلوقين من نورٍ، وللجنِّ
المخلوقین من نار.
وادُّعي أيضاً أنّ من الإنس مَن لم يُخْلَق من ماءٍ أيضاً، وهو آدمُ وعيسى
عليهما السلام؛ فإنَّ الأول خُلِقَ من التراب والثاني خُلِقَ من الروح. ولا يخفى
ما فيه .
وجوِّز أن يُعتبر العمومُ في ((كلّ))، ويرادَ بالدابَّةِ ما يُخْلَقُ بالتوالُدِ بقرينة ((من
ماء»، أي: نطفة. وفيه بحث.
وقيل: ما من شيءٍ - دابةً كان أو غيرَه - إلا وهو مخلوقٌ من الماء، فهو أصلُ
جميع المخلوقات؛ لِمَا رُؤُي أنَّ أولَ ما خَلَقَ اللهُ تعالى جوهرةٌ، فنظر إليها بعين
(١) قراءة حمزة والكسائي في التيسير ص١٣٤، والنشر ٢٨٩/٢ و٣٣٢، وهي قراءة خلف من
العشرة. وذكرها عن ابن وثاب والأعمش أبو حيان في البحر ٦/ ٤٦٥.
(٢) أي: على الأول والثاني للإفراد الشخصي. حاشية الشهاب ٣٩٣/٦.

الآية : ٤٥
٤٢٥
سُورَةُالَّنُرِ
الهيبةِ فصارت ماءً، ثم خَلَقَ من ذلك الماءِ النارَ والهواءَ والنورَ، وخَلَق منها
الخَلْقَ(١).
وأيًّا ما كان فـ (مِن)) متعلِّقةٌ بـ ((خَلَقَ)). وقال القفَّال واستحسنه الإمام(٢): هي
متعلّقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((دابة))، فالمرادُ الإخبارُ بأنه تعالى خَلَقَ كلَّ دابةٍ كائنةٍ
أو متولِّدةٍ من الماء، فعمومُ الدابة عنده مخصَّصٌ بالصفة، وعمومُ ((كل)) على
ظاهره، والظاهرُ أنه متعلِّقٌ بـ ((خَلَق))، وهو أوفقُ بالمقام كما لا يخفى على ذوي
الأفهام.
وتنكيرُ الماء هنا وتعريفُه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيّ﴾
[الأنبياء: ٣٠] لأنَّ القصد هنا إلى معنى الإفراد شخصاً أو نوعاً، والقصدُ هناك إلى
معنى الجنس، وأنَّ حقيقة الماء مبدأ كلِّ شيءٍ حيّ.
﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحياتِ والسمك، وتسميةُ حركتها مشياً مع كونها
زحفاً مجازٌ؛ للمبالغة في إظهار القدرة، وأنها تزحف بلا آلةٍ كشِبْهِ المشي وأقوى،
ويَزِيدُ ذلك حُسْناً ما فيه من المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين، ونظيرُ ما هنا من
وجهٍ قولهُ تعالى: ﴿يَدُ الَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] على رأيٍ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنس والطير ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ﴾ كالنعم
والوحش، والظاهر أنَّ المراد: أربع أرجلٍ، فيفيدُ إطلاقَ الرِّجْلِ على ما تقدَّم من
قوائم ذواتِ القوائم الأربع، وقد جاء إطلاق اليد عليه.
وعدمُ ذِكْرٍ مَن يمشي على أكثر من أربع، كالعناكب، وأمّ أربعٍ وأربعين، وغيرٍ
ذلك من الحشرات؛ لعدم الاعتدادِ بها مع الإشارة إليها بقوله سبحانه: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا
يَشَآؤُ﴾ أي: مما ذُكر ومما لم يُذْكَر، بسيطاً كان أو مركَّباً، على ما يشاء من الصور
والأعضاء والحركات والطبائع والقوى والأفاعيل.
وزعم الفلاسفة أنَّ اعتمادَ ما لَه أكثر من أربعٍ من الحيوان إنما هو على أربعٍ،
ولا دليلَ لهم على ذلك.
(١) ذكره أبو حيان في البحر ٤٦٥/٦، دون قوله: وخلق منها الخلق.
(٢) في تفسيره ١٦/٢٤ .

سورة النورِ
٤٢٦
الآية : ٤٦ - ٤٧
وفي مصحف أبيٍّ: ((ومنهم مَن يمشي على أكثر))(١)، وهو ظاهرٌ في خلاف
ما يزعمون، لكنه لم يَثْبُتْ قرآناً.
وتذكيرُ الضميرِ في ((منهم)) لتغليبِ العقلاء، وبُنيَ على تغليبهم في الضمير
التعبيرُ بـ ((مَن)) واقعةً على ما لا يَعْقِلُ؛ قاله الرَّضيُّ. وظاهرُ بعض العبارات يُشْعِرُ
باعتبارِ التغليب في ((كلّ دابةٍ))، وليس بمرادٍ، بل المرادُ أنَّ ذلك لمّا شمل العقلاءَ
وغيرَهم على طريق الاختلاط لزم اعتبارُ ذلك في الضمير العائد عليه وتغليبُ
العقلاء فيه .
ويُفْهَمُ من كلام بعض المحقّقين أنْ لا تغليب في ((مَن)) الأولى والثالثة، بل هو
في الثانية فقط، وقد يقال: لا تغليبَ في الثلاثة بعد اعتباره في الضمير، فتدبّر.
وترتيبُ الأصناف حَسْبَما رتِبتْ لتقديم ما هو أَعْرَفُ في القدرة، ولا ينافي ذلك
كون المشي على البطن بمعنى الزحف مجازاً كما توهِّم.
وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن الخَلْقِ المذكور،
والإيذانِ بأنه من أحكام الألوهية، والإظهارُ في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ أي: فيفعلُ ما يشاء كما يشاء - لذلك أيضاً، مع تأكيدِ استقلال
الاستئناف التعليليِّ.
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتٍ مُّبِيِنَتٍ﴾ أي: لكلِّ ما يليقُ بيانُه من الأحكام الدينية والأسرارِ
التكوينية، أو: واضحاتٍ في أنفسها، وهذا كالمقدِّمة لِمَا بعده، ولذا لم يأتِ
بالعاطف فيه كما أتى سبحانه به فيما مرَّ من قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءَايَتٍ
◌ُبِّنَتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ) الآيةَ، ومِن اختلافِ المَسَاقِ يُعلَمُ وجهُ ذِكْرِ ((إليكم)) هناك
وعَدَمِ ذِکړه هنا.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ هدايتَه بتوفيقه للنظر الصحيح فيها والتدبُّرِ لمعانيها ﴿إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ مُؤْصِلٍ إلى حقيقة الحقِّ والفوزِ بالجنة.
﴿وَيَقُولُونَ ءَمَنَّا بِاللَّهِ وَيِالرَّسُولِ﴾ شروعٌ في بيان أحوال بعضٍ مَن لم يشأ الله تعالى
(١) المحرر الوجيز ١٩١/٤، والبحر ٦ /٤٦٦.

الآية : ٤٧
٤٢٧
سُودَةُالنودِ
هدايته إلى صراطٍ مستقيم، وهم صنفٌ من الكفرة الذي سَبَقَ وصفُ أعمالهم؛
أخرج ابن المنذر(١) وغيره عن قتادة أنها نزلت في المنافقين. وروي عن الحسن
نحوه.
وقيل: نزلت في بشرِ المنافقِ، دعاه يهوديٌّ في خصومةٍ بينهما إلى
رسول الله وَّر، ودعا هو اليهوديّ إلى كعب بن الأشرف، ثم تحاكما إلى رسول الله
عليه الصلاة والسلام، فحكم لليهوديِّ، فلم يَرْضَ المنافقُ بقضائه عليه الصلاة
والسلام، وقال: نتحاكمُ إلى عمر عظُبه، فلمَّا ذهبا إليه قال له اليهوديُّ: قضى لي
النبيُّ ◌َّهِ فلم يَرْضَ بقضائه. فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم. فقال:
مكانكما حتى أخرج إليكما. فدخل ظُه بيتَه وخرج بسيفه فضرب عنقَ ذلك المنافق
حتى بَرَدَ، وقال: هكذا أقضي لمن لم يَرْضَ بقضاء الله تعالى ورسوله وَّهِ. فنزلت،
وقال جبريل عليه السلام: إنَّ عمر فرق بين الحقِّ والباطل فسمِّ لذلك الفاروق(٢).
(٣)
وروي هذا عن ابن عباس
وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بنٍ وائل، كان بينه وبين عليٍّ كرم الله تعالى
وَجْهَه خصومةٌ في أرضٍ، فتقاسما، فوقع لعليٍّ ما لا يصيبه الماء إلا بمشقَّةٍ، فقال
المغيرةُ: بعني أرضك. فباعها إياه وتقابضا، فقيل للمغيرة: أخذتَ سبخةً لا ينالُها
الماء. فقال لعليٍّ كرم الله تعالى وجهه: اقبض أرضك فإنما اشتريتُها إن رضيتُها،
ولم أرْضَها فإنَّ الماء لا ينالُها. فقال عليٍّ: قد اشتريتَها ورضيتَها وقَبَضْتَها وأنت
(١) كما في الدر المنثور ٥٤/٥ .
(٢) وردت القصة مختصرة عند تفسير هذه الآية في تفسير أبي الليث ٤٤٥/٢، وأسباب النزول
للواحدي ص ٣٤٠، والمحرر الوجيز ١٩١/٤، والكشاف ٧٢/٣، والقرطبي ٣١٥/١٥.
قال الواحدي: وقد مضت هذه القصة عند قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الَّغُوتِ﴾
[النساء: ٦٠]. وينظر التعليق الذي بعده.
(٣) وردت القصة بتمامها من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿يا في سبب نزول
الآية (٦٠) من سورة النساء، كما في أسباب النزول للواحدي ص ١٥٥، وتفسير البغوي
٤٤٦/١، والعجاب في بيان الأسباب لابن حجر ٩٠٣/٢، وعزاه ابن حجر في تخريج
أحاديث الكشاف ص٤٥، والسيوطي في الدر ١٧٩/٢ للثعلبي. وذكر القصة الحكيم
الترمذي في نوادر الأصول ص٥٩ عن مكحول. وأما لقب عمر بالفاروق فهو باتفاق وفي
أخبارٍ أخر. ينظر فتح الباري ٧/ ٤٤ .

سورة النورِ
٤٢٨
الآية : ٤٧
تعرفُ حالها، لا أقبلُها منك. ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله وَّهُ فقال: أمَّا
محمدٌ فلستُ آتيه فإنه يبغضني، وأنا أخاف أن يَحيف عليَّ. فنزلت(١).
وعلى هذا وما قبله جمعُ الضمير لعموم الحكم، أو لأنَّ مع القائل طائفةً
يساعدونه ويشايعونه في تلك المقالة، كما في قولهم: بنو فلان قتلوا قتيلاً، والقاتلُ
واحدٌ منھم.
وإعادةُ الباء للمبالغة في دعوى الإيمان، وكذا التعبيرُ عنه ◌َّر بعنوان الرسول،
وقولهم مع ذلك ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أي: وأطعنا الله تعالى والرسول بَّه في الأمر والنهي.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَى﴾ أي: يُعْرِضُ عمَّا يقتضيه هذا القولُ من قبول الحكم الشرعيِّ عليه
﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنَّ بَعْدِ ذَلِكٌ﴾ أي: من بعد ما صدر عنهم من ادِّعاء الإيمان بالله تعالى
وبالرسول وَ﴿ والطاعةِ لهما، وما في ((ذلك)) من معنى البُعْدِ للإيذان بكونه أمراً
معتدّاً به واجبَ المراعاة.
﴿وَمَا أُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى القائلين: ((آمنا)) إلخ، وهم المنافقون جميعُهم، لا إلى
الفريق المتولِّي منهم فقط، وما فيه من معنى البُعْدِ للإيذان بيُعْدِ منزلتهم في الكفر
والفساد، أي: وما أولئك الذين يدَّعون الإيمانَ والطاعةَ ثم يتولَّى بعضُهم الذين
يشاركونهم في العقد والعمل ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: المؤمنين حقيقةً، كما يُعْرِبُ
عنه اللامُ، أي: ليسوا بالمؤمنين المعهودين بالإخلاص والثبات عليه، ونفيُ الإيمان
بهذا المعنى عنهم مقتضٍ لنفيه عن الفريق على أبلغ وجهٍ وآكَدِهِ، ولذا اختير كونُ
الإشارة إليهم.
وجوِّز أن تكون للفريق على أنَّ المراد بهم فريقٌ منافقون، وضميرُ ((يقولون))
للمؤمنين مطلقاً، والحكمُ على أولئك الفريق بنفي الإيمان؛ لظهور أَمارةٍ
التكذيبٍ - الذي هو التولِّي - منهم. و (ثم)) على هذا - حَسْبمَا قرَّره
الطيبيُّ - للاستبعاد، كأنه قيل: كيف يدخلون في زمرة المؤمنين الذي يقولون: آمنًّا
بالله وبالرسول وأطعنا، ثم يُعْرِضون ويتجاوزون عن الفريق المؤمنين، ويرغبون عن
تلك المقالة، وهذا بعيدٌ عن العاقل المميِّز! وعلى الأول حَسْبمَا قَرَّره أيضاً للتراخي
(١) تفسير الرازي ٢٠/٢٤، وذكر القصة الماوردي في النكت والعيون ١١٥/٤ دون نسبة.

الآية : ٤٨
٤٢٩
سُوَرَّةُ الَّنُوزِ
في الرتبة؛ إيذاناً بارتفاع درجةٍ كفرِ الفريق المتولِّي منهم (١) وانحطاطِ درجة أولئك.
وفي ((الكشف)): إنَّ الكلام - على تقديرِ كونِ الإشارة إلى القائلين لا إلى الفريق
المتولِّي وحده - كالاستدراك، وفيه دلالةٌ على توغُّل المتولِّين في الكفر، وأصلُ
الكفر شاملٌ للطائفتين. وأما على تقدير اختصاصِ الإشارة بالمتولِّين، ففائدةُ ((ثم))
استبعادُ التولِّي بعد تلك المقالة، وفائدةُ الإخبار إظهارُ أنهم لم يَثْبُتُوا على قولهم،
كأنه قيل: يقولون هذا ثم يوجدُ فيهم ما يُضَادُّه، فلا يكون في دليل خطابه أنَّ
غيرهم مؤمنٌ. انتهى، وعليه فضميرُ ((يقولون)) للمنافقين الشاملين للفريق المتولِّي
لا للمؤمنين مطلقاً على الوجهين، فتأمَّل.
﴿وَإِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَّهُمْ﴾ أي: وبين خصومهم، وضميرُ ((يحكم))
للرسول عليه الصلاة والسلام. وجوِّز أن يكون الضمير عائداً إلى ما يُفْهَم من
الكلام، أي: المدعوُّ إليه، وهو شاملٌ لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، لكنَّ
المباشر للحكم هو الرسولُ اله.
وذِكْرُ الله تعالى على الوجهين لتفخيمه عليه الصلاة والسلام، والإيذانِ بجلالة
محلِّه عنده تعالى، وأنَّ حُكْمَه في الحقيقة حُكْمُ الله عز وجل، فقد قالوا: إنه إذا
ذكر اسمان متعاطفان والحكمُ إنما هو لأحدهما، كما في نحو قوله تعالى:
﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: ٩] أفاد قوةَ اختصاص المعطوفِ بالمعطوف
عليه، وأنهما بمنزلةٍ شيءٍ واحد، بحيث يصحُّ نسبةٌ أوصافِ أحدهما وأحوالِه إلى
الآخر.
وضمير (دُعوا)) يعودُ إلى ما يعود إليه ضميرُ ((يقولون))، أي: وإذا دُعي
المنافقون أو المؤمنون مطلقاً ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُعْرِضُونَ ﴾﴾ أي: فاجأ فريقٌ منهم
الإعراضَ عن المحاكمة إليه عليه الصلاة والسلام؛ لكون الحقِّ عليهم، وعِلْمِهم
بأنه وَلِّ لا يحكم إلا بالحقِّ.
والجملةُ الشرطيةُ شرحٌ للتولِّي ومبالغةٌ فيه، حيث أفادت مفاجأتَهم الإعراضَ
عقبَ الدعوة دون الحُكم عليهم، مع ما في الجملة الاسمية الواقعة جزاءً من
(١) في (م): عنهم.

سُؤَدَّةُ الَّنُّدِ
٤٣٠
الآية : ٤٩ - ٥٠
الدلالة على الثبوت والاستمرار على ما هو المشهور.
والتعبير بـ ((بينهم)) دون: عليهم؛ لأنَّ المتعارَفَ قولُ أحد المتخاصمين للآخر:
اذهب معي إلى فلانٍ ليحكم بيننا، لا: عليك، وهو الطريقُ المُنْصِفُ.
وقيل: هذا الإعراضُ إذا اشْتَبَه عليهم الأمر، ولذا قال سبحانه: (بَتْنَهُمْ) لا:
عليهم، وفي ذلك زيادةٌ في المبالغة في ذمِّهم، وفيه بحث.
﴿وَإِنِ يَكُنْ لَُّ الْمَنُّ﴾ أي: لا عليهم، كما يؤذِنُ به تقديمُ الخبر ﴿يَأْتُواْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى
﴾﴾ منقادين؛ لعِلْمِهِم بأنه عليه الصلاة والسلام يحكم لهم.
الرسول وَله ﴿مُذْعِنِينَ
والظاهر تعلُّق ((إلى)) بـ ((يأتوا))، وجوِّز تعلُّقُها بـ ((مذعنين)) على أنها بمعنى اللام،
أو على تضمين الإذعان معنى الإسراع. وفسَّره الزّجَّاج بالإسراع مع الطاعة (١)،
وتقديمُ المعمول للاختصاص أو للفاصلة أو لهما .
وعبَّر بـ ((إذا)) فيما مرَّ إشارةً إلى تحقّق الشرط، وبـ ((إِنْ)) هنا إشارةً إلى عدم
تحقُّقه، وفي ذلك أيضاً ذٌّ لهم.
وقوله تعالى: ﴿أَفِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَمِ آَرْقَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِفَ اَللَّهُ عَلَيِمْ وَرَسُولَةٌ﴾
ترديدٌ لسبب الإعراض المذكورِ، فمدارُ الاستفهامِ ما يُفْهَمُ من الكلام، كأنه قيل:
أسببُ إعراضِهم عن المحاكمة إليه وَّرِ أنهم مَرْضَى القلوبِ لكفرهم ونفاقهم، أم
سببُه أنهم ارتابوا وشكُّوا في أمر نبوَّته عليه الصلاة والسلام مع ظهور حقِّيتها، أم
سببُهُ أنهم يخافون أن يَحيفَ ويجورَ الله تعالى شأنُه عليهم ورسولُهُ وَِّ؟!
وهذا نظيرُ قولك: أفيه مرضٌ، أم غاب عن البلد، أم يخافُ من الواشي؟ بعد
قولٍ: هَجَر الحبيبُ - مثلاً - فإنَّ كون المعنى: أسببُ هَجْرِهِ أنَّ فيه مرضاً، أم سببُه
أنه غاب عن البلد، أم سببه أنه يخاف من الواشي، ظاهرٌ جدّاً، وهو كثيرٌ في
المحاورات، إلا أنَّ الاستفهام في الآية إنكاريٌّ، وهو لإنكارِ السببية.
وقولُه تعالى: ﴿بَلْ أُوْلَيْكَ هُمُ الَّلِمُونَ ﴾﴾ تعيينٌ للسبب بعد إيطالِ سببيةٍ
جميع ما تقدَّم، ففيه تأكيدٌ لما يفيدُه الاستفهامُ، كأنه قيل: ليس شيءٌ مما ذُكر سبباً
(١) معاني القرآن للزجاج ٤/ ٥٠.

الآية : ٥٠
٤٣١
سُوَّةُ الَّنودِ
لذلك الإعراض، أمَّا الأوَّلان فلأنه لو كان شيءٌ منهما سبباً له لأَعْرَضوا عن
المحاكمة إليه بَ﴿ عند كون الحقِّ لهم ولَمَا أتوا إليه عليه الصلاة والسلام مذعنين
لحُكْمِه؛ لتحقُّق نفاقِهم وارتيابهم حينئذٍ أيضاً، وأمَّا الثالثُ فلانتفائه رأساً حيث
كانوا لا يخافون الحيفَ أصلاً؛ لمعرفتهم بتفاصيل أحواله عليه الصلاة والسلام في
الأمانة والثباتِ على الحقِّ، بل سببُ ذلك أنهم هم الظالمون يريدون أن يظلموا مَن
الحقُّ له عليهم، ولا يتأتَّى مَرَامُهم مع الانقيادِ إلى المحاكمة إليه عليه الصلاة
والسلام، فيُعْرِضون عنها لأنه وَّهِ يقضي بالحقِّ عليهم، فمناطُ النفي المستفادِ من
الاستفهام الإنكاريِّ والإضرابِ الإبطاليِّ في الأوَّلين هو وصفُ سببيتهما للإعراض
فقط مع تحقّقهما في نفسهما، وفي الثالث هو الأصلُ والوصف جميعاً .
وإذا خُصَّ الارتيابُ بما لَه جهةٌ مصحِّحةٌ لعرُوضِه لهم في الجملة كما فَعَلَ
البعضُ، حيث جَعَلَ المعنى: أم ارتابوا بأنْ رأوا منه وَّرِ تهمةً فزالتْ ثقتُهم ويقينُهم
به عليه الصلاة والسلام، كان مناطُ النفي في الثاني كما في الثالث، كذا قرَّره بعضُ
الأجلَّة، و((أم)) عليه منَّصلةٌ. وقد ذهب إلى أنها كذلك الزمخشريُّ والبيضاويُّ،
حيث جَعَلَا ما تقدَّم تقسيماً لسبب الإِعراض، إلا أنَّ الأول جَعَلَ الإضرابَ عن
الأخير من الأمور الثلاثة(١)، ووجِّه بأنه أدلُّ على ما كانوا عليه، وأَدْخَلُ في الإنكار
من حيث إنه يناقضُ تسرُّعهم إليه وٍَّ إذا كان الحقُّ لهم على الغير.
والثاني جَعَلَه إضراباً عن الأخيرين منها لتحقيق القسم الأول، وقال: وَجْهُ
التقسيم أنَّ امتناعَهم عن المحاكمة إليه وَّه إمَّا أن يكون لخللٍ فيهم أو في الحاكم،
والثاني إما أن يكون محقَّقاً أو متوقَّعاً - وفسَّر الارتيابَ برؤيةِ مثلٍ تهمةٍ تزيلُ
يقينَهم - ثم قال: وكلاهما باطلان فتعيَّن الأول، أما الأولُ فظاهرٌ، وأما الثاني
فلأنَّ منصب النبوَّةِ وفَرْطَ أمانته عليه الصلاة والسلام يمنعه، وظلمُهم يعمُّ خَلَلَ
عقيدتهم وميلَ نفوسِهم إلى الحيف(٢).
وقال العلّامة الطيبيُّ: الحقُّ أن ((بل)) إضرابٌ عن نفس التقسيم، وهو إضرابٌ
انتقاليٌّ، كأنه قيل: دع التقسيم فإنهم هم الكاملون في الظلم، الجامعون لتلك
(١) الكشاف ٣/ ٧٢.
(٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٩٥/٦.

سُورَةُ السّنُوزِ
٤٣٢
الآية : ٥١
الأوصاف، فلذلك صدُّوا عن حكومتك. يدلُّ عليه الإتيانُ باسم الإشارة،
والخطابُ، وتعريفُ الخبر بلام الجنس، وتوسيطُ ضمير الفصل.
ونُقل عن الإمام(١) ما يدلُّ على أنَّ ((أم)) منقطعةٌ، قال: أَثْبتَهم على كلِّ واحدٍ
من هذه الأوصاف، فكان في قلوبهم مرضٌ وهو النفاق، فكان فيها ارتيابٌ، فكانوا
يخافون الحيفَ، ووَجْهُ الإضراب أنَّ كلَّ مُسبَّبٌ عن الآخر عَلَمٌ على وجودِهِ
وزيادة.
واعتُرِضَ بأنه لا يجب التسبُّبُ إلَّا أنْ يُدَّعَى في هذه المادة خصوصاً.
وصرَّح أبو حيان بأنها منقطعةٌ، وبأنَّ الاستفهام للتوقيف والتوبيخ ليُقِرُّوا بأحد
هذه الأوجُهِ التي عليهم في الإقرار بها ما عليهم، ويُستعمل في الذمِّ والمدح كما في
قوله :
ألستَ من القوم الذين تَعاهدوا على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر(٢)
و قوله :
وأَنْدَى العالمين بطونَ راح(٣)
ألستُم خيرَ مَن ركب المطايا
ولا يخفى أنَّ الأظهر أنها متّصلةٌ، والتلازمُ بين الأمور الثلاثة ممنوعٌ على أنه
لا يضرُّ، وأنَّ معنى الآية ما ذكرناه أوّلاً .
وتقديم ((عليهم)) على الرسول لتأكيدِ أن حُكْمَه عليه الصلاة والسلام هو حكمُ الله
تعالى، ووجهُ اختلاف أساليب الجمل يظهر بأدنى تأمُّل.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ
سَمِعْنَا وَأَعْنَا﴾ جارٍ على عادته تعالى في إتباعِ ذِكْرِ المحقِّ المبطِلَ، والتنبيهِ على
ما ينبغي بعد إنكاره لِمَا لا ينبغي، ونصب ((قول)) على أنه خبرُ ((كان)) و((أنْ)) مع
ما في حيِّزها في تأويل مصدرٍ اسمُها .
(١) في تفسيره ٢٤/ ٢١.
(٢) البحر ٦ / ٤٦٧ .
(٣) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٨٩/١، والبحر ٦/ ٤٦٧.

الآية : ٥١
٤٣٣
سودة النوږِ
ونصَّ سيبويه(١) في مثل ذلك على جوازٍ العكس، فيرفع ((قول)) على الاسمية،
وينصب المصدر الحاصل من السَّبْكِ على الخبرية. وقد قرأ عليٍّ كرم الله تعالى
وجهه وابن أبي إسحاق والحسن برفع ((قول)) على ذلك(٢)، قال الزمخشريُّ:
والنصبُ أقوى؛ لأنَّ الأَوْلَى للاسمية ما هو أَوْغَلُ في التعريف، وذلك هو المصدرُ
الذي أُوِّل به ((أنْ يقولوا)) لأنه لا سبيلَ عليه للتنكير، بخلافِ ((قول المؤمنين))(٣) فإنه
يحتملُه، كما إذا اختزلتَ عنه الإضافة.
وقيل في وجه أَعْرَفيَّتِهِ: إنه لا يوصَفُ، كالضمير. ولا يَخْفَى أنه لا دَخْلَ له في
الأعرفيَّة.
ثم أنت تعلم أنَّ المصدر الحاصل من سَبْكِ ((أنْ)) والفعل لا يجب كونُه مضافاً
في كلِّ موضعٍ، ألا ترى أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا اُلْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى﴾
[يونس: ٣٧] إنه بمعنى: ما كان هذا القرآن افتراءً.
وذُكر أنَّ جوازَ تنكيره مذهبُ الفارسيِّ، وهو متعيّنٌ في نحوِ: أنْ يقومَ رجلٌ، إذ
هو مؤوَّلٌ قطعاً بـ : قيام رجلٍ، وهو نكرةٌ بلا ريب.
وفي ((إرشاد العقل السليم)): أن النصب أقوى صناعةً، لكنَّ الرفعَ أقعدُ معنّی
وأَوْفَى لمقتضَى المقام؛ لِمَا أنَّ مَصَبَّ الفائدةِ وموقعَ البيان في الجمل هو الخبرُ،
فالأحقُّ بالخبرية ما هو أكثرُ إفادةً وأظهرُ دلالةً على الحدوث، وأوفرُ اشتمالاً على
نسبٍ خاصةٍ بعيدةٍ من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع، ولا ريب في أنَّ ذلك
ها هنا في ((أنْ)) مع ما في حيِّزها أتمُّ وأكملُ، فإذن هو أحقُّ بالخبرية، وأما ما تفيدُه
الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت قليلةَ الجدوى سهلةَ الحصول
خارجاً وذهناً كان حقّها أن تلاحَظَ ملاحظةً مجملةً وتُجعلَ عنواناً للموضوع،
فالمعنى: إنما كان مُظْلَقُ القول الصادر عن المؤمنين إذا دُعوا إلى الله تعالى
ورسوله ◌َّي ليحكم بينهم وبين خصومهم أن يقولوا ((سمعنا)) إلخ، أي: خصوصية
هذا القول المحكيِّ عنهم لا قولاً آخَرَ أصلاً، وأما النصبُ فالمعنى عليه: إنما كان
(١) في الكتاب ٥٠/١.
(٢) القراءات الشاذة ص ١٠٣، والمحتسب ١١٥/٢، والكشاف ٧٢/٣، والبحر ٤٦٨/٦.
(٣) الكشاف ٣/ ٧٢.

سورة النورِ
٤٣٤
الآية : ٥١
قولاً للمؤمنين خصوصيةُ قولهم: ((سمعنا)) إلخ، ففيه من جَعْلِ أخصِّ النسبتين
وأبعدِهما وقوعاً وحضوراً في الأذهان وأحقٌّهما بالبيان مفروغاً عنها عنواناً للموضوع،
وإبرازِ ما هو بخلافها في معرض القصد الأصليّ، ما لا يخفى (١). انتهى.
وبحث فيه بعضُهم بأنَّ مساق الآية يقتضي أن يكون قولُ المؤمنين: سمعنا
وأطعنا، في مقابلةِ إعراض المنافقين، فحيث ذَّ ذلك على أتمٍّ وجهٍ ناسَبَ أن يمدح
هذا، ولا شكَّ أن الأنسبَ في مَدْحِه الإخبارُ عنه لا الإخبارُ به، فينبغي أن يجعل
((أن يقولوا سمعنا وأطعنا)) اسمَ كان، و((قول المؤمنين)) خبرَها، وفي ذلك مدحٌ
لقولهم: سمعنا وأطعنا؛ إذ معنى كونه قولَ المؤمنين أنه قولٌ لائقُ بهم ومن شأنهم،
على أنَّ الأهمَّ بالإفادة كونُ ذلك القولِ الخاصِّ هو قولهم إذا دُعوا إلى الله ورسوله
ليحكم بينهم، أي: قولهم المقيَّد بما ذُكر، ليظهر أتمَّ ظهورٍ مخالفةُ حالِ قولهم:
سمعنا وأطعنا، وحالٍ قولِ المنافقين: آمنًّا بالله وبالرسول وأطعنا، فتدبَّر فإنه لا يخلو
عن دغدغةٍ.
والظاهرُ أنَّ المراد من ((أطعنا)) هنا غيرُ المرادِ منه فيما سبق، فكأنهم أرادوا:
سمعنا كلامَكم وأطعنا أمرَكم بالذهاب إلى رسول الله وَّر ليحكم بيننا وبينكم.
وقيل: المعنى: قَبِلْنا قولَكم وانْقَدْنا له، وأَجَبْنا إلى حكم الله تعالى
ورسولهِ ◌َلټ .
وعن ابن عباس ومقاتل أنَّ المعنى: سمعنا قولَ النبي ◌َّرِ وأطعنا أمره.
وقيل: المراد من الطاعة الثبوتُ أو الإخلاصُ لتُغايِرَ ما مرَّ، وهو كما ترى.
وقرأ الجحدريُّ وخالد بن إلياس: ((ليُحْكَم)) بالبناء للمفعول(٢) مجاوباً
لـ (دُعوا))، وكذلك قرأ أبو جعفر هنا وفيما مرَّ(٣)، ونائبُ الفاعل ضميرُ المصدر،
أي: ليُحْكَم هو، أي: الحكمُ، والمعنى: ليُفْعَلَ الحكم، كما في قوله تعالى:
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ [سبأ: ٥٤].
(١) تفسير أبي السعود ١٨٧/٦-١٨٨.
(٢) البحر ٤٦٨/٦، والقراءة ذكرت في القراءات الشاذة ص ١٠٢ ونسبها ليزيد بن القعقاع.
(٣) النشر ٢٢٧/٢.

الآية : ٥٢
٤٣٥
سُوَّةُ الَّنُورِ
﴿وَأُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى المؤمنين باعتبارِ صدورِ القول المذكورِ عنهم، وما فيه
من معنى البُعْدِ للإيذان بعلوِّ رتبتهم، وبُعْدٍ منزلتهم في الفضل، أي: وأولئك
المنعوتون بما ذكر من النعت الجليل ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾﴾ أي: هم الفائزون بكلِّ
مطلوبٍ، والناجون عن كلِّ محذور.
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ استئنافٌ جيءَ به لتقريرِ مضمونِ ما قبله من حُسْنِ حالٍ
المؤمنين، وترغيبٍ مَن عَدَاهم في الانتظام في سِلْكِهم، أي: ومَن يطع الله تعالى
ورسولَه وَلِ كائناً من كان فيما أمر به من الأحكام اللازمة والمتعدِّية.
وعن ابن عباس أنه قال: ومَن يطع الله ورسوله في الفرائض والسنن، وهو
يَحْتَمِلُ اللفّ والنشر، وعلى ذلك جرى في ((البحر))(١).
﴿وَيَخْشَرِ اللَّهَ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل ﴿فَأُوْلَتِكَ﴾
الموصوفون بما ذكر من الطاعة والخشية والاتِّقاء ﴿هُمُ الْفَابِزُونَ ﴾﴾ بالنعيم
المقيم، لا مَن عَدَاهم.
وقرأ أبو جعفر، وقالون عن نافع، ويعقوبُ: ((ويَتَّقِهِ)) بكسر القاف وكَسْرِ الهاء
من غير إشباعٍ (٢).
وقرأ أبو عمرو، وحمزةٌ في رواية العجليِّ، وخلَّاد، وأبو بكر في رواية حماد،
ويحيى، بكَسْرِ القاف وسكون الهاء(٣).
وقرأ حفصٌّ بسكون القاف وكَسْرِ الهاء غير مشبعةٍ. والباقون بكسر القاف وكَسْرٍ
الهاء مشبعةً بحيث يتولَّد ياء(٤)، ووجَّه ذلك أبو عليّ(٥) بأنَّ الأصل في هاء الضمير
(١) ٦ / ٤٦٨.
(٢) التيسير ص ١٦٣، والنشر ٣٠٧/١ عن قالون ويعقوب، وهو أحد وجهي هشام، أما أبو جعفر
فروى عنه ابن وردان إسكان الهاء، وروى ابن جماز الإشباع فيها .
(٣) التيسير ص١٦٢، والنشر ٣٠٦/١ عن أبي عمرو وأبي بكر وخلاد بخلاف عنه، وهي قراءة
ابن وردان كما أسلفنا .
(٤) هي قراءة ورش وابن كثير وابن ذكوان وخلف عن حمزة وعن نفسه، والوجهُ الآخر عن خلاد
وعن هشام. وهي قراءة ابن جماز كما أسلفنا. التيسير ص ١٦٣، والنشر ٣٠٦/١ - ٣٠٧.
(٥) في الحجة ٣٢٧/٥.

٤٣٦
الآية : ٥٢
إذا كان ما قبلها متحرِّكاً أن تُشْبَعَ حركتُها، كما في يُؤْتِهِ ويؤدِّه. ووجهُ عدم الإشباع
أنَّ ما قبل الضمير ساكنٌ تقديراً، ولا إشباعَ بحركته فيما إذا سكن ما قبله، كـ :
عنه(١)، ومنه.
ووجهُ إسكان الهاء أنها هاءُ السكتِ وهي تسكّنُ في كلامهم. وقيل: هي هاءُ
الضمير لكنْ أُجْرِيَتْ مجرى هاء السكت فسكِّنَتْ، وكثيراً ما يجري الوصلُ مجرى
الوقف، وقد حكي عن سيبويه أنه سمع مَن يقول: هذِهْ أَمَة الله، في الوصل
والوقف(٢).
ووجهُ قراءةٍ حفصٍ أنه أعطى ((تقه))(٣) حكمَ كَتْف لكونه على وزنه، فخفّف
بسكون وسطه لجعله ككلمةٍ واحدة، كما خفّف يلد في قوله:
وذي ولدٍ لم يَلْدَه أبوان (٤)
وعن ابن الأنباريِّ أنه لغةٌ لبعض العرب في كلِّ معتلِّ حُذِفَ آخرُه، فيقولون:
لم أرْ زيداً، يُسْقِطون الحرفَ للجزم ثم يسكِّنون ما قَبْلُ، وعلى ذلك قولُه:
ورزقُ الله مؤتابٌ وغادٍ(٥)
ومَن يثَّقْ فإنَّ الله معه
وقوله :
قالت سُلَيْمَى اشْتَرْ لنا سويقا وهاتٍ خبزَ البرِّ أو دقيقا (٦)
والهاءُ إمَّا للسَّكْتِ وحرِّكتْ لالتقاء الساكنين، أو ضميرٌ، وكان القياسُ ضمَّها
حينئذٍ كما في ((منه))، لكنَّ السكون لعُروضِه لم يُعتدَّ به، ولئلا ينتقل من كَسْرٍ لضمِّ
تقديراً. وضعِّف الأول؛ لتحريك هاء السكت، وإثباتِها في الوصل، كذا قيل
فلا تغفل.
(١) في (م): كفيه.
(٢) الكتاب ١٩٨/٤ .
(٣) في الأصل و(م): يتقه، والمثبت من حاشية الشهاب ٦/ ٣٩٥، والكلام منه.
(٤) وصدره كما في الكتاب ٢٦٦/٢: ألا ربَّ مولود وليس له أبٌّ، وهو في الخزانة ٣٨١/٢
برواية: عجبت لمولود وليس ... ونسبه سيبويه لرجل من أزد السراة.
(٥) المحتسب ٣٦١/١، والخصائص ٣٠٦/١، وشرح شواهد الشافية للبغدادي ٢٢٩/٢.
(٦) الرجز للعُذافر الكندي كما في نوادر أبي زيد ص٣٠٦، وشرح شواهد الشافية ٢٢٥/٢.

الآية : ٥٣
٤٣٧
سُورَةُ النّورِ
﴿وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ﴾ حكايةٌ لبعضٍ آخَرَ من أكاذيب الكفرة المنافقين مؤَّداً بالأيمان
الفاجرة، فهو عَوْدٌّ على بَدْءٍ، والقَسَمُ: الحَلِفُ، وأصلُه من القسامة، وهي أيمانٌ
تُقْسَمُ على مثَّهمينَ بقتلٍ حَسْبَما بيِّن في كتب الفقه، ثم صار اسماً لكلِّ حَلِفٍ.
وقولُه سبحانه: ﴿جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ﴾ نصبٌ على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لِفِعْلِه المحذوف،
وجملةُ ذلك الفعل مع فاعله في موضع الحال. أو هو نصبٌ على الحال. أي:
حَلَفوا به تعالى يجهدون أيمانَهم جهداً أو جاهِدينَ أيمانَهم.
ومعنى جهد اليمين: بلوغُ غايتِها بطريق الاستعارة، من قولهم: جَهَدَ نفسَه إذا
بلغ أقصى وسعِها وطاقتها، والمراد: أقسموا بالغينَ أقصى مراتب اليمين في الشدّة
والوكادة.
وجوِّز أن يكون مصدراً مؤكّداً لـ («أقسموا))، أي: أقسموا إقسامَ اجتهادٍ في
اليمين. قال مقاتل: مَن حَلَفَ بالله تعالى فقد اجتهد في اليمين. والظاهرُ هنا أنهم
غلَّظوا الأيمانَ وشدَّدوها، ولم يكتفوا بقولِ: والله.
﴿لَبِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ أي: بالخروج، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿لَيَخْرُجُنِّ﴾. والمراد
بهذا الخروج: الخروجُ للجهاد كما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل(١).
وأخرج ابن مردويه(٢) عن ابن عباس ﴿يا ما يدلُّ على أنَّ المراد الخروجُ من
الأموال.
وأيًّا ما كان فالجملةُ جوابٌ لـ («أقسموا))، وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة هذه
الجملة عليه، وهي حكايةٌ بالمعنى، والأصل: لنَخْرُجَنَّ، بصيغة المتكلِّم مع الغير.
وقيل: الأصل: لخرجنا، إلا أنه أريدَ حكايةُ الحالِ الماضية فعبَّر بذلك.
وتعقِّب بأن المعتبَر زمانُ الحكم وهو مستقبلٌ.
﴿قُل﴾ أي: ردّاً عليهم وزجْراً لهم عن التفوُّهِ بتلك الأيمان، وإظهاراً لعدم
القبول لكونهم كاذبين فيها: ﴿لَا نُقْسِمُواْ﴾ على ما ينبئُ عنه كلامكم من الطاعة.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٢٥/٨.
(٢) كما في الدر المنثور ٥٤/٥ .

سُودَةُ النودِ
٤٣٨
الآية : ٥٣
﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: طاعتُكم طاعةٌ، والجملةُ تعليلٌ
للنهي، كأنه قيل: لا تُقْسِموا على ما تدَّعون من الطاعة؛ لأنَّ طاعتكم طاعةٌ معروفةٌ
بأنها واقعةٌ باللسان فقط من غيرِ مواطأةٍ من القلب لا يجهلُها أحدٌ من الناس.
وقيل: التقدير: المطلوبُ منكم طاعةٌ معروفةٌ معلومةٌ لا يُشَكُّ فيها، كطاعةٍ
الخلَّص من المؤمنين.
وقيل: ((طاعةٌ)) مبتدأ خبرُه محذوفٌ، أي: طاعةٌ معروفةٌ متوسِّطٌ على قَدْرِ
الاستطاعةِ أَمثلُ وأولى بكم من قَسَمِكم، واختاره الزجَّاج(١).
وقيل: مرفوعٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: لتَكُنْ طاعةٌ معروفٌ منكم.
وضعِّف الكلُّ بأنه ممَّا لا يساعدُه المقام، والأخيرُ بأنَّ فيه حَذْفَ الفعل في غيرِ
موضعٍ الحذف.
وقال البقاعيُّ(٢): لا تقدير في الكلام، و((طاعة)) مبتدأُ خبره ((معروفةٌ))، وسوَّغ
الابتداءَ بالنكرة أنها أريدَ بها الحقيقةُ فتعمُّ، والعمومُ من المسوِّغات، ولم تعرَّفْ
لئلّا يُتَوهَّم أنَّ تعريفَها للعهد، والجملةُ تعليلٌ للنهي، أي: لا تُقْسِموا فإنَّ الطاعةَ
معروفةٌ منكم ومن غيركم لا تَخْفَى، فقد جَرَتْ سنَّةُ الله تعالى على أنَّ العبد وإن
اجتهد في إخفاء الطاعة لابدَّ وأن يُظْهِرَ سبحانه مَخَابِلَها على شمائله، وكذا
المعصيةُ، فلا فائدةً في إظهار ما يخالفُ الواقع.
وفي الأحاديث ما يَشْهَدُ لِمَا ذُكر، فقد رَوَى الطبرانيُّ عن جندب: ((ما أسرَّ
عبدٌ سريرةً إلَّا أَلْبَسَه الله تعالى رداءَها))(٣).
(١) في معاني القرآن ٤/ ٥١.
(٢) في نظم الدرر ٣٠٠/١٣ - ٣٠١، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٩٦/٦.
(٣) المعجم الكبير (١٧٠٢)، وزاد: ((إن خيراً فخير وإن شراً فشر)). قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٢٢٥/١٠: فيه حامد بن آدم، وهو كذاب. وقال العجلوني في كشف الخفاء ٢/ ٣٥٠: قيل
لیس بحدیث ولکن معناه صحيح.
وأخرج الطبري ١٢٧/١٠ نحوه من حديث عثمان ، وذكره ابن كثير عند تفسير الآية
(٢٦) من سورة الأعراف، وقال: هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه
ضعف .

الآية : ٥٤
٤٣٩
سُورَةُ الْنُودِ
ورَوَى الحاكم - وقال: صحيحُ الإسناد - عن رسول الله وَلِّ أنه قال: ((لو أنَّ
أحدكم يعملُ في صخرةٍ صماءً ليس لها بابٌ ولا كوَّةٌ، لخرج عملُه للناس كائناً مَن
كان))(١).
وهذا المعنى - على ما قيل - حسنٌ لكنه خلافُ الظاهر.
وقرأ زيد بن عليٍّ واليزيديُّ: ((طاعةً معروفةً)) بالنصب(٢)، على تقدير: تُطيعون
طاعةً معروفةً نِفَاقيةً. وقيل: أطيعوا طاعةً معروفةً حقيقيةً، و((طاعةً)) بمعنى: إطاعةً،
كما في قوله تعالى: ﴿أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَّبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ من الأعمال الظاهرة والباطنةِ، التي من
جملتها ما تُظْهِرونه من الأكاذيب المؤكَّدةِ بالأيمان الفاجرة، وما تُضْمِرونه من الكفر
والنفاق والعزيمةِ على مُخادَعةِ المؤمنين، وغيرِها من فنون الشرِّ والفساد، والمرادُ
الوعيدُ بأنه تعالى مُجازيهم بجميع أعمالهم السيئةِ التي منها نفاقُهم.
وفي ((الإرشاد)): أنَّ الجملة تعليلٌ للحكم بأنَّ طاعتهم طاعةٌ نفاقيةٌ، مشعرٌ بأن
مَدارَ شهرةٍ أمرِها فيما بين المؤمنين إخبارُه تعالى بذلك، ووعيد لهم بالمجازاة (٣).
﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولٌ﴾ كرَّر الأمر بالقول لإبراز كمالِ العناية به،
والإشعارِ باختلافهما، حيث إنَّ المقول الأولَ نهيٌّ بطريق الردِّ والتبكيت، وفي
الثاني أمرٌ بطريق التكليفِ والتشريع. وفي تكرُّرِ فِعْلِ الإطاعة، والعدولِ عن:
أطيعوني، إلى: أطيعوا الرسول، مالا يخفى من الحثِّ على الطاعةِ. وإطلاقُها عن
وصف الصحة والإخلاصِ ونحوِهما بعد وصفِ طاعتهم بما تقدَّم؛ للتنبيه على أنها
ليست من الطاعة في شيءٍ.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ خطابٌ للمنافقين الذين أُمر عليه الصلاة والسلام
أن يقول لهم ما سمعتَ، وارِدٌ من قِبَلِه عزَّ وجلَّ، غيرُ داخلٍ في حيِّز ((قل)) على
(١) المستدرك ٣١٤/٤، وأخرجه أيضاً أحمد (١١٢٣٠) وهو من طريق دراج عن أبي الهيثم عن
أبي سعيد الخدري ظُه. ودراج ضعيف في روايته عن أبي الهيثم.
(٢) القراءات الشاذة ص١٠٣، والبحر ٦ / ٤٦٨.
(٣) تفسير أبي السعود ١٨٩/٦ .

سُورَةُ النوزِ
٤٤٠
الآية : ٥٤
ما اختاره صاحب ((التقريب)) وغيرُه، وفيه تأكيدٌ للأمر السابق، والمبالغةُ في إيجاب
الامتثال به، والحملُ عليه بالترهيب والترغيب؛ لِمَا أنَّ تغيير الكلام المسوقِ لمعنّی
من المعاني، وصَرْفَه عن سَنَّتِهِ المسلوكِ، يُنْيِئ عن اهتمامٍ جديدٍ بشأنه من المتكلِّم،
ويَسْتَجلبُ مزيدَ رغبةٍ فيه من السامع، لاسيما إذا كان ذلك بتغيير الخطاب بالواسطة
[إلى الخطاب] بالذات كما هنا.
والفاءُ لترتيب ما بعدها على تبليغه عليه الصلاة والسلام للمأمور به إليهم،
وعدمُ التصريح به(١) للإيذان بغايةٍ مسارعته وَّه إلى تبليغ ما أُمر به، وعدم الحاجة
إلى الذكر، أي: إن تتولّوا عن الطاعة إِثْرَ ما أمركم الرسول وَلَّه بها ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾.
أي: على الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَا حُّلَ﴾ أي: ما أُمِرَ به من التبليغ، وقد
شاهدتُموه عند قوله: ((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)) ﴿وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ أي:
ما أمرتم به من الطاعة.
ولعل التعبير بالتحميل أولاً للإشعار بثقل الوحي في نفسه، وثانياً للإشعار بثقل
الأمر علیھم.
وقيل: لعل التعبير بذلك في جانبهم للإشعار بثقله، وكونِه(٢) مؤنة باقيةً في
عهدتهم بعدُ، كأنه قيل: وحيث تولَّيتم عن ذلك فقد بقيتُم تحت ذلك الحمل الثقيل،
والتعبيرَ به في جانبه عليه الصلاة والسلام للمشاكلة.
والفاء واقعةٌ في جواب الشرط، وما بعدها قائمٌ مقام الجواب أو جوابٌ، على
حدِّ ما في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] كأنه قيل: فإن
تتولَّوا فاعلموا أنما عليه .. إلخ.
هذا واختار بعضُهم دخولَ الجملة الشرطية في حيِّز القول، قال الطيبيُّ: الظاهرُ
أنه تعالى أَمَرَ رسولَه وَ لّر بأن يقول لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ولا يخافَ
مضرَّتهم، فكان أصلُ الكلام: قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولَّوا
(١) قوله: به، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٨٩/٦، والكلام
وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) في الأصل و(م): وكون، والمثبت من تفسير أبي السعود.