Indexed OCR Text
Pages 381-400
الآية : ٣٦ ٣٨١ سُودَةُالنّدِ المحسوس، وتصويرٌ لأوابدِ المعاني بصورة المأنوس، ولذلك مَثَّلَ جلَّ وعلا نورَه المرادَ به ما يشملُ القرآنَ أو القرآنَ المبينَ فقط بنورِ المشكاة. وإظهارُ الاسم الجليل في مقام الإضمار - على ما في ((إرشاد العقل السليم)»(١) - للإيذانِ باختلافِ ما أُسند إليه تعالى من الهداية الخاصَّةِ، وضَرْبٍ الأمثال الذي هو من قبيل الهداية العامة، كما يُفْصِحُ عنه تعليقُ الأولى بمن شاء والثانية بالناس كافة. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمٌ ٥﴾ معقولاً كان أو محسوساً، ظاهراً كان أو باطناً، ومن قضيته أن تتعلَّق مشيئتُه تعالى بهدايةٍ من يليقُ بها ويستحقُّها من الناس دون مَن عَدَاهم؛ لمخالفته الحكمةَ التي هي مَبْنَى التكوينِ والتشريع، وأن تكون هدايتُه سبحانه العامَّةُ على فنونٍ مختلفةٍ وطرائقَ شتَّى، حَسْبَما تقتضيه أحوالُهم وتقومُ به الحجّةُ له تعالى عليهم. والجملةُ اعتراضٌ تذييليٍّ مقرِّرٌ لِمَا قبله. وقيل: جيء بها لوَعْدٍ مَن تَدَبَّر الأمثال، ووعیدِ مَن لم یکترث بها . وقيل: لبيانِ أنَّ فائدة ضَرْبِ الأمثال التي هي التوضيحُ إنما هي للناس، ولیس بذاك. وإظهارُ الاسم الجليل لتأكيد استقلال الجملةِ، والإشعارِ بعلَّةِ الحُكْم، وبما ذُكر آنفاً من اختلافِ حالِ المحكوم به ذاتاً وتعلُّقاً . ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ, يُسَيِّحُ لَهُ فِهَا بِالْغُدُوِّ وَاَلْأَصَالِ ٣٦ رِجَالٌ﴾ إلخ استئنافٌ لبيان حالٍ مَن حَصَلَتْ لهم الهدايةُ لذلك النور، وذکرِ بعضٍ أعمالهم القلبيةِ والقالبية، فالجارُّ والمجرورُ - أعني قولَه تعالى: (فِ يُوتٍ) - متعلِّقٌ بـ ((يسبِّح))(٢)، وفيها تكريرٌ لذلك جيء به للتأكيد والتذكيرِ بما بعدُ في الجملة، وللإيذان بأنَّ التقديم للاهتمام دون الحصر، ومثلُ ما ذُكر في التكرير للتأكيد قولُه تعالى: ﴿فَفِى رَحْمَةٍ اُللَّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]. وقولك: مَررْتُ بزيدٍ به. (١) ٦/ ١٧٧ -١٧٨. (٢) في (م): أعني: متعلق قوله تعالى: ﴿فِىِ يُوتٍ﴾ ب: ﴿يُسَيْخُ﴾ سُورَةُ النّورِ ٣٨٢ الآية : ٣٦ وبعضُ النحاةِ أعربَ نحوّ ذلك بدلاً كما في ((شرح التسهيل)). وفي ((المغني)): هو من توكيدِ الحرف بإعادة ما دخل عليه مضمَراً، وليس الجارّ والمجرورُ توكيداً للجارِّ والمجرور؛ لأنَّ الظاهرَ - لكونه أقوى - لا يؤَّدُ بالضمير، وليس المجرورُ بدلاً بإعادة الجارِّ؛ لأنه لا يبدَلُ مُضْمَرٌ من مُظْهَرٍ، وإنما جوَّزه بعض النحاة قياساً(١). وأنت تعلم أنَّ ما ذَكَرَ غيرُ واردٍ؛ لأنَّ المجموعَ بدلٌ أو توكيدٌ، وأتى بالظاهر هرباً من التكرار. و((رجال)) فاعلُ ((يسبح))، وتأخيرُه عن الظروف لأنَّ في وَصْفِه نوعُ طولٍ فيُخِلُّ تقديمه بحسن الانتظام. وقال الرمَّانيُّ: ((في بيوتٍ)) متعلِّقٌ بـ ((يُوقَدُ)). وقال الحوفيُّ: متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((مشكاة)). وقيل: هو صفةٌ لـ ((مصباح)). وقيل: صفة لـ ((زجاجة)). وهو على هذه الأقوال الأربعة تقييدٌ للممثَّلِ به للمبالغة فيه، والتنوينُ في الموصوف للنوعية لا للفردية؛ لينافي ذلك جَمْعَ البیوت. وأورِدَ على ما ذُكر أنَّ شيئاً منه لا يليقُ بشأنِ التنزيل الجليل، كيف لا وإنَّ ما بعد قوله تعالى: (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) على ما هو الحقُّ، أو بعد قوله سبحانه: (نُورٌ عَلَى نُورٌ) - على ما قيل - إلى قوله تعالى: (بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ) كلامٌ متعلّقٌ بالممثَّل قطعاً، فتوسيطهُ بين أجزاء التمثيل - مع كونه من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه بالأجنبي - يؤدِّي إلى كونِ ذِكْرِ حالِ المنتفعينَ بالتمثيل، المَهْدِيِينَ لنوره تعالى، بطريق الاستتباع والاستطراد مع كون بيانِ حالِ أضدادِهم مقصوداً بالذات، ومثلُ هذا مما لا عَهْدَ به في كلام الناس، فضلاً أنْ يُحمَلَ عليه الكلامُ المعجِزُ. وتعقّبه الخفاجيُّ بأنه زخرفٌ من القول؛ إذ لا فَصْلَ فيه، وما قبله إلى هنا من المثل(٢). والظاهر عندي أنَّ التمثيل قد تمَّ عند قوله تعالى: (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ). (١) المغني ص ٥٨٣ . (٢) حاشية الشهاب ٣٨٥/٦. الآية : ٣٦ ٣٨٣ سُورَةُ النورِ وقيل: هو متعلِّقٌ بسبِّحوا أو نحوِه محذوفاً، وتلك الجملة - على ما قيل - مترتِّبةٌ على ما قبلها، وترك الفاء للعلم به، كما في نحو: قُمْ يَدْعوك(١)، ومنعوا تعلُّقه بـ ((يُذْكَر))؛ لأنه من صلةِ ((أنْ)) فلا يعمل فيما قبله. والمراد بالبيوت: المساجدُ كلُّها، كما روي عن ابن عباس ﴿ وقتادة ومجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد (٢) أنه قال: إنما هي أربعُ مساجدَ لم يبنهنَّ إلا نبيٌّ: الكعبةُ بناها إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام، وبيتُ المقدس بناه داودُ وسليمان عليهما السلام، ومسجدُ المدينةِ ومسجدُ قُباء بناهما رسولُ اللهِ وَالتّ. وعن الحسن: أنَّ المراد بها بيت المقدس، والجمعُ من حيث إنَّ فيه مواضعَ يتميّزُ بعضُها عن بعضٍ. وهو خلافُ الظاهرِ جدّاً. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبُريدةَ(٣) قال: قرأ رسول الله وَلي: هذه الآية: (فِ بُوتٍ) إلخ، فقام إليه عليه الصلاة والسلام رجلٌ فقال: أيُّ بيوتٍ هذه يا رسول الله؟ فقال ◌َله: ((بيوتُ الأنبياء عليهم السلام)) فقام إليه أبو بكر ظ ◌ُه فقال: يا رسول الله، هذا البيتُ منها؟ لبيتِ عليٍّ وفاطمةَ ظ﴿هَا، قال: ((نعم مِن أفاضلها)». وهذا إنْ صحَّ لا ينبغي العدولُ عنه (٤). وقال أبو حيان: الظاهر أنها مُظْلَقةٌ تَصْدُقُ على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم(٥). (١) والتقدير: قم فإنه يدعوك. ينظر البرهان ٣/ ١٨٢، وحاشية الشهاب ٣٨٦/٦، والكلام منه. (٢) كذا نقل المصنف عن السيوطي في الدر المنثور ٥٠/٥، والصواب: ابن بريدة، كما في تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٠٤/٨، ومثله في التمهيد ٢٦٨/١٣، وتفسير القرطبي ٣٨٠/١٠ و٢٧٠/١٥. وابن بريدة هو عبد الله بن بريدة، ويرويه عنه صالح بن حيان القرشي، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب. (٣) كما في الدر المنثور ٥٠/٥، وأخرجه أيضاً الثعلبي في تفسيره ٧/ ١٠٧، وينظر التعليق الذي بعده. (٤) ولم يصحَّ، فقد رواه عن أنس وبريدة نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى، وهو متروك، وقد كذبه ابن معين كما ذكر الحافظ في التقريب. (٥) البحر ٤٥٨/٦ . سُودَةُالنّورِ ٣٨٤ الآية : ٣٦ وجوّز أنْ يراد بها صلاةُ المؤمنين أو أبدانُهم، بأنْ تُشبَّه صلاتُهم الجامعةُ للعباداتِ القولية والفعلية، أو أبدانُهم المحيطةُ بالأنوار، بالبيوت المذكورة - أعني المساجدَ - ثم يستعارُ اسمُها لذلك. وتعقِّب بأنه لا حُسْنَ فيما ذُكر، وأظنُّك لا تكتفي بهذا المقدار من الجَرحِ. والمراد بالإذن: الأمْرُ، وبالرفع: التعظيمُ، أي: أَمَرَ سبحانه بتعظيم قَدْرِها، وروي هذا عن الحسن والضحاك. ولا يخفى أنه إذا أريد بها المساجد فتعظيمُ قَدْرِها يكون بأشياء شتَّى، كصيانتها عن دخول الجُنُبِ والحائض والنُّفساءِ ولو على وَجْهِ العبور، وقد قالوا بتحريم ذلك. وإدخالٍ نجاسةٍ فيها يُخاف منها التلويثُ، ولذا قالوا: ينبغي لمن أراد أن يدخل المسجد أن يتعاهَدَ النعلَ والخفّ عن النجاسة ثم يدخل فيه، احترازاً عن تلويث المسجد. ومنعٍ إدخالِ الميت فيها . ومنعٍ إدخال الصبيان والمجانين، وهو حرامٌ حيث غَلَبَ تنجيسُهم، وإلَّا فهو مكروهٌ. وقد جاء الأمرُ بتجنيبهم عن المساجد مطلقاً؛ أخرج ابن ماجه عن وائلةَ بن الأسقع عن رسول الله ﴿ ﴿ أنه قال: ((جَنِّبوا مساجدَكم صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعَكم، وخصوماتِكم ورفعَ أصواتكم، وإقامةً حدودِكم وسلَّ سيوفكم، واتَّخِذوا على أبوابها المطاهرَ، وجمِّروها في الجُمَعِ))(١). ومنع إنشادِ الضالَّة وإنشادِ الأشعار، فقد أخرج الطبرانيُّ وابنُ السنِّيِّ وابنُ منده عن ثوبان قال: سمعتُ رسول الله وَل﴿ يقول: ((مَن رأيتُموه يُنْشِدُ شعراً في المسجد (١) سنن ابن ماجه (٧٥٠) من طريق الحارث بن نبهان، عن عتبة بن يقظان، عن أبي سعيد، عن مكحول، عن واثلة به. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١٦٢/١ : أبو سعيد هو محمد بن سعيد، قال النسائي: كذاب، والحارث بن نبهان ضعيف. وأخرجه ابن عدي ١٨٦١/٥ من طريق العلاء بن كثير، عن مكحول عن واثلة وأبي الدرداء وأبي أمامة مرفوعاً. قال ابن عدي: للعلاء بن كثير عن مكحول عن الصحابة عن النبي ◌َ ◌ّ* نسخ كلها غير محفوظة، وهو منكر الحديث. الآية : ٣٦ ٣٨٥ سُورَةُ النَّنُوزِ فقولوا: فضَّ الله تعالى فاك، ثلاث مرات، ومَن رأيتموه يَنْشُدُ ضالَّةً في المسجد فقولوا: لا وَجَدْتها، ثلاث مرات)) الحديث(١). وينبغي أن يقيَّد المنعُ من إنشادِ الشعر بما إذا كان فيه شيءٌ مذمومٌ، كهَجْوِ المسلم، وصفةِ الخمر، وذِكْرِ النساء والمردان، وغيرِ ذلك ممَّا هو مذمومٌ شرعاً، وأما إذا كان مشتملاً على مدح النبوّة والإسلام، أو كان مشتملاً على حكمةٍ، أو باعثاً على مكارم الأخلاق والزهد، ونحو ذلك من أنواع الخير، فلا بأس بإنشاده فيها . ومنع إلقاءِ القَمْلةِ فيه بعد قَتْلِها، وهو مكروهٌ تنزيهاً على ما صرَّح به بعضُ المتأخِّرين، ويُنْدَبُ أنْ لا تُلْقَى حيةً في المسجد، فقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن رجلٍ من الأنصار قال: قال رسول الله وَل: ((إذا وَجَدَ أحدُكم القَمْلَةَ في المسجد فَلْيَصُرَّها في ثوبه حتى يُخْرِجَها))(٢). ومنع البول فيها ولو في إناءٍ، وقد صرَّحوا بحرمةِ ذلك، وفي ((الأشباه)): وأمَّا الفَصْدُ في المسجد في إناءٍ فلمْ أَرَه، وينبغي أنْ لا فَرْقَ(٣)، أي: لأنَّ كلَّا من البول والدَّم نجسٌ مغلَّظٌ. ومنع إلقاء البصاقِ فيها. وفي ((البدائع)): يُكْرَه التَّوضِّي في المسجد؛ لأنه مستَقْذَرٌ طبعاً، فيجب تنزيهُ المسجد عنه كما يجب تنزيهُه عن المخاط والبلغم(٤). (١) المعجم الكبير (١٤٥٤)، وعمل اليوم والليلة لابن السني (١٥٣)، من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه عن جده، وليس عند ابن السني قوله: ((ومن رأيتموه ينشد ضالة ... )) إلخ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥/٢: لم أجد مَن ترجم عبد الرحمن بن ثوبان. اهـ. وللحديث شواهد؛ ينظر حديث عبد الله بن عمرو عند الترمذي (٣٢٢)، والنسائي ٤٨/٢، وابن ماجه (٧٤٩). وحديث أبي هريرة عند أحمد (٨٥٨٨)، ومسلم (٥٦٨). وقُيِّد منعُ إنشاد الشعر في المسجد بما سيذكره المصنف لاحقاً، وقد ورد جوازه في حديث أبي هريرة ظله عند البخاري (٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥). (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٣٦٨/٢، ومسند أحمد (٢٣٤٨٥)، وأخرجه أيضاً أبو داود في المراسيل (١٦)، والبيهقي ٢٩٤/٢، وهو من طريق الحضرمي بن لاحق عن رجل من الأنصار. قال البيهقي: وهذا مرسل حسن في مثل هذا. (٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٤٣٩. (٤) بدائع الصنائع ٣٩٤/١. سُورَةُ الَّنودِ ٣٨٦ الآية : ٣٦ وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي، أنَّ النبيَّ وَّوَ رأى في قبلة المسجد نُخَامةً، فقام إليها فحكَّها بيده الشريفة وَّ، ثم دعا بخَلُوقٍ فلطّخَ مكانها، فقال الشعبيُّ: هو سنَّةٌ (١). وذكروا أنَّ إلقاء النخامة فوق الحصير أخفُّ من وَضْعِها تحته، فإن اضْطُرَّ إليه دَفَنها، وفي حديث أخرجه ابن أبي شيبة عن أنس مرفوعاً: ((التفلُ في المسجد خطيئةٌ، وكفارتُه أنْ يُوارِيَه))(٢) . وروى الطبرانيُّ في ((الأوسط)) عن ابن عباس مرفوعاً أيضاً نحوه(٣). ومنع الوطء فيها وفوقها كالتخلِّي، وصرَّحوا بحرمةِ ذلك. ومَنْع دخول مَن أكل ذا رائحةٍ كريهةٍ فيها كالثُّوم والبَصَلِ والكرَّاثِ، وآكل الفجل إذا تجشَّأ كذلك، وقد كان الرجلُ في زمان النبي ◌ََّ إذا وُجِدَ منه ريحُ الثومِ يؤخَذُ بيده ويُخْرَجُ إلى البقيع (٤). والظاهرُ أن الأَبْخَرَ(٥) أو مَن به صُنانٌ(٦) مستحكِمٌ حُكْمُه حكمُ آكلِ الثوم والبصل، وكذا حُكْمُ مَن رائحةُ ثيابه كريهةٌ، كثياب الزيَّاتين والدبًّاغين. وعن مالكٍ أنَّ الزيَّاتين يتأخَّرون ولا يتقدَّمون إلى الصفِّ الأول، ويقعدون في أُخريات الناس. ومنع النوم والأكل فيها لغير معتكفٍ، ومنع الجلوس فيها للمصيبة، أو للتحدُّثِ بكلام الدنيا، ومنع انِّخاذها طريقاً وهو مكروةٌ أو حرامٌ، وقد جاء النهيُ عن ذلك في حديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر ﴿يا مرفوعاً (٧). (١) مصنف ابن أبي شيبة ٣٦٣/٢، وله شاهد من حديث جابر حظوته عند مسلم (٣٠٠٨). (٢) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣٦٥، وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٨٩٠)، ومسلم (٥٥٢). (٣) المعجم الأوسط (٩٤٣١). (٤) أخرجه أحمد (٨٩)، ومسلم (٥٦٧) من حديث عمر نظرته، وفيه :... لقد رأيت رسول الله ◌َي إذا وجد ريحهما (يعني الثوم والبصل) من رجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليُمتهما طبخاً . (٥) الأبخر من بَخِرَ - كفرح - بَخَراً، والبَخَر: النَّتَنُّ في الفم. القاموس (بخر). (٦) الصُّنان: ذفر الإبط. القاموس (صنن). (٧) سنن ابن ماجه (٧٤٨)، وإسناده ضعيف كما قال البوصيري في الزوائد. الآية : ٣٦ ٣٨٧ سودةُ النّورِ وأخرج ابن أبي شيبةً عن ابن مسعودٍ أنَّ اتِّخاذَها طريقاً من أشراط الساعة(١)، وفي ((القنية)): معتادُ ذلك يأثم ويفسقُ، نعم إن كان هناك عذرٌ لمّ يُكره المرور. ومن تعظيمها رشُّها وقَمُّها، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: كان المسجد يُرَشُّ ويُقَمُّ على عَهْدِ رسولِ اللهِ وَِّ. وأخرج عن يعقوب بن زيد أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان يتبع غبارَ المسجدِ بجريدةٍ (٢). وكذا تعليقُ القناديل فيها، وفَرْشُها بالآجرِّ والحصير، وفي ((مفتاح السعادة)) : ولأهل المسجد أن يفرشوا المسجد بالآجرِّ والحصير، ويعلِّقوا القناديلَ، لكنْ مِن مالِ أنفسهم لا من مال المسجد، إلا بأمرِ الحاكم، ولعلَّ محلَّ ذلك ما لم يعيِّنِ الواقفُ شيئاً من ريع الوقف لذلك. وينبغي أن يكون إيقادُ القناديل الكثيرة فيها في لياليَ معروفةٍ من السَّنة، كليلة السابع والعشرين من رمضان، الموجبٍ لاجتماع الصبيان وأهل البطالة، ولعبِهم ورَفْعِ أصواتهم، وامتهانهم بالمساجد = بدعةً منكرةً. وكذا ينبغي أن يكون فَرْشُهاَ بالقطائف المنقوشة التي تُشوِّشُ على المصلِّين وتُذْهِبُ خشوعَهم كذلك . ومن التعظيم أيضاً تقديمُ الرِّجْلِ اليُمنى عند دخولها واليسرى عند الخروج منها، وصلاةُ الداخل ركعتين قبل الجلوس إذا كان دخولهُ لغير الصلاة على ما ذكره بعضُهم، وأخرج ابن أبي شيبةً عن أبي قتادةَ أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((أَعْطُوا المساجدَ حقَّها)) قيل: وما حقُّها؟ قال: ((ركعتان قبل أن تجلس))(٣). ومن ذلك أيضاً بناؤها رفيعةً عاليةً لا كسائر البيوت، لكنْ لا ينبغي تزيينُها بما يشوِّش على المصلِينَ، وفي حديثٍ أخرجه ابنُ ماجه والطبرانيُّ عن جبير بن (١) مصنف ابن أبي شيبة ٣٣٩/١-٣٤٠. (٢) الخبران في مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٤٠، وأخرجه بنحوه أحمد (٢٢٥٢٣)، والبخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤). سُودَةُ النّورِ ٣٨٨ الآية : ٣٦ مطعم مرفوعاً، أنها لا تبنى بالتصاوير، ولا تزيَّنُ بالقوارير(١). وفسَّر بعضُهم الرَّفْعَ ببنائها رفيعةً كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِنْزَهِعُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] والأَوْلَى عندي تفسيرُه بما سبق وجَعْلُ بنائها كذلك داخلاً في العموم، ويدخُلُ فيه أمورٌ كثيرةٌ غيرُ ما ذَكَرْنا وقد ذكرها الفقهاء وأطالوا الكلامَ فیھا . وزعم بعضُ المفسّرين أنَّ إسناد الرفع إليها مجازٌ، والمرادُ: تُرفع الحوائجُ فيها إلى الله تعالى. وقيل: تُرفع الأصواتُ بذكر الله عزَّ وجلَّ فيها. ولا يخفى ما فيه. وفي التعبير عن الأمر بالإذن تلويحٌ بأنَّ اللائق بحال المأمورِ أن يكون متوجّهاً إلى المأمور به قبل الأمر به ناوياً لتحقيقه كأنه مستأذِنٌ في ذلك، فيقع الأمرُ به موقعَ الإذن(٢) فيه. والمراد بذكر اسمه تعالى شأنُه ما يعمُّ جميعَ أذكاره تعالى، وجُعِلَ من ذلك المباحثُ العلميةُ المتعلّقةُ به عزَّ وجل . وعن ابن عباس رضيّ: المرادُ به توحيدُه عزَّ وجلَّ، وهو قولُ: لا إله إلا الله .- وعنه أيضاً: المرادُ تلاوةُ كتابه سبحانه. وقيل: ذكرُ أسمائه تعالى الحسنى. والظاهرُ ما قدَّمنا. وعَظْفُ الذكر على الرفع من قبيل عَظْفِ الخاصِّ على العام، فإنَّ ذكر اسمِه تعالى فيها من أنواع تعظيمها، وليس مِن عَظْفِ التفسير في شيءٍ، خلافاً لمن تَوَهَّمه. والتسبيحُ: التنزيهُ والتقديسُ، ويُستعمل باللَّام وبدونها كما في قوله تعالى: ﴿َِّجِ اسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى ﴾﴾ والمرادُ به: إما ظاهرهُ، أو الصلاةُ لاشتمالها عليه، وروي هذا عن ابن عباس والحسن والضحاك، وعن ابن عباس: كلُّ تسبيح في القرآن صلاةٌ، وأيَّدَ إرادةَ الصلاةِ هنا تعيينُ الأوقات بقوله سبحانه: (بِالْغُدُوِّ (١) المعجم الكبير (١٥٨٩)، ولم نقف عليه عند ابن ماجه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٥/٢: رواه الطبراني في الكبير، وفيه بشر بن جبلة وهو ضعيف. (٢) في الأصل و(م): الأمر، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٧٨/٦، والكلام منه. الآية : ٣٦ ٣٨٩ سُودَةُ النودِ وَالْأَصَالِ) والغدوُّ جمعُ غداةٍ كَقُنِيٍّ وقَنَاةُ (١)، أو مصدرٌ أطلق على الوقت(٢)، وأيّد بأنَّ أبا مجلز قرأ: ((والإيصال)) مصدراً(٣)، أي: الدخول في وقت الأصيل. و((الآصال)) كما قال الجوهريُّ(٤): جمعُ أصيل، كشريف وأشراف، واختاره جماعةٌ مع أنَّ جمع فعيل على أفعال ليس بقياسيٍّ. واختار الزمخشريُّ(٥) أنه جمع أُصُل، كعُنُقٍ وأَغْناق، والأُصُل كالأصيل: العشيُّ، وهو من زوال الشمس إلى الصباح، فيشملُ الأوقاتِ ما عدا الغداةَ، وهي من أوَّل النهار إلى الزوال، ويُطلقان على أول النهار وآخره، وإفرادُهما بالذِّكر لشرفِهما وكونهما أشهرَ ما يقعُ فيه المباشرةُ للأعمال، والاشتغالُ بالأشغال. وعن ابن عباس أنه حَمَلَ الغداةَ على وقت الضحى، وهو مقتضَى ما أخرج ابنُ أبي شيبة والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عنه ◌َّه من قوله: إنَّ صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوصُ عليها إلا غوَّاص، وتلا الآيةَ حتى بلغ ((الآصال))(٦). وقرأ ابن عامر، وأبو بكر، والبحتريُّ عن حفص، ومحبوبٌ عن أبي عمرو، والمنهال عن يعقوب، والمفضَّل وأبان: ((يُسبَّح)) بالياء التحتية والبناءِ للمفعول(٧)، ونائبُ الفاعل ((له))، أو ((فيها)) إن لم يتعلَّق ((في بيوت)) به، أو ((بالغدو))، والأوَّليةُ للأول؛ لأنه وَليَ الفعلَ، والإسنادُ إليه حقيقيٌّ دون الأخيرين. وجوِّز أن يكون المجرورُ فيما ذُكر نائبَ الفاعلِ والجارُّ فيه زائداً (٨)، وفيه ارتكابٌ لِمَا لا داعيَ إليه. (١) القناة: الرمح. القاموس (قنو). (٢) بعدها في (م): الغدو. (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٢، والمحتسب ١١٣/٢، والبحر ٤٥٨/٦. (٤) في الصحاح (أصل). (٥) في الكشاف ٦٨/٣ . (٦) مصنف ابن أبي شيبة ٤٠٧/٢، وعزاه للبيهقي السيوطي في الدر ٥٢/٥، وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق (٤٨٧١) وفيه بدل الآية المذكورة قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]. وتحرف قوله: ولا يغوص عليها إلا غوَّاص، عند ابن أبي شيبة إلى: ولا يعوض عنها الأعواض. (٧) التيسير ص ١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢ عن ابن عامر وأبي بكر، والكلام من البحر ٤٥٨/٦. (٨) في الأصل: زائد. سُورَةُ الّنُوزِ ٣٩٠ الآية : ٣٦ ورفع ((رجالٌ)) على هذه القراءة على أنه فاعلٌ لفعلِ محذوفٍ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ على ما في ((البحر))، أي: يُسَبِّحُ له، أو: المسبِّحُ له رجالٌ(١). والجملةُ استئنافٌ بيانيٍّ وقع جواباً لسؤالٍ نشأ من الكلام السابق، وهذا نظيرُ قوله: ليُبْكَ يزيدٌ ضارعٌ لخصومةِ ومختبٌ مما تطيحُ الطوائح(٢) وهو قياسيٌّ عند الكثير، فيجوز عندهم أن يقال: ضُرِبَتْ هندٌ زيدٌ، بتقدير: ضَرَبها - أو: ضارِبُها - زید. وليس هذا كذكر الفاعل تمييزاً بعد الفعل المبنيّ للمفعول، نحو: ضُرِبَ أخوك رجلاً، المِصرِّحِ بعدم جوازه ابنُ هشام في الباب الخامس من ((المغني))(٣)، وإنْ أَوْهَمتِ العلَّةُ أنهَ مثلُه، فتأمَّل. وقرأ أبو حيوة وابن وثاب: ((تُسبِّحُ)) بالتاء الفوقية والبناء للفاعل(٤) وهو (رجالٌ))، والتأنيثُ لأنَّ جمع التكسير كثيراً ما يعامَلُ معاملةَ المؤنَّثِ. وقرأ أبو جعفر: ((تُسبَّحُ)) بالتاء الفوقية والبناء للمفعول(٥) وهو قوله تعالى: (بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ)، على أنَّ الباء زائدة والإسنادُ مجازيٌّ بجَعْلِ الأوقات المسبَّحِ فيها ربُّها مسبحةً. وجوَّز أبو حيان أن يكون الإسناد إلى ضمير التسبيحة الدالٌ عليه ((تُسبَّح))، أي: تُسبَّح هي، أي: التسبيحةُ، كما قالوا في قوله تعالى: ((ليُجْزَى قوماً)) على قراءةٍ مَن بنى ((يُجْزَى)) للمفعول، أي: ليُجْزَى هو، أي: الجزاء(٦). قال في ((إرشاد العقل السليم)): وهذا أَوْلَى مِن التوجيه الأولِ إذ ليس هنا مفعولٌ صريحٌ(٧). (١) البحر ٤٥٨/٦. (٢) سلف ٣٦٩/٥. (٣) ص ٦٨٥ . (٤) القراءات الشاذة ص ١٠٢، والبحر ٤٥٨/٦. (٥) المصدران السابقان. (٦) البحر ٤٥٨/٦، والقراءة المذكورة هي قراءة أبي جعفر، وستأتي عند تفسير الآية (١٤) من سورة الجاثية. (٧) تفسير أبي السعود ١٧٩/٦ . الآية : ٣٧ ٣٩١ سُوَّةُ الَّنودِ وضعَّفه بعضُهم هنا بأنَّ الوحدة لا تناسبُ المقامَ. وأجيب بالتزام كونِ الوحدة جنسيةً. وأيّاً ما كان فرفعُ ((رجال)) على هذه القراءة على الفاعلية أو الخبرية كما سمعتَ آنفاً، والتنوينُ فيه على جميع القراءات للتفخيم، وقوله سبحانه: ﴿لَا نُلْهِهِمْ تِجَرَةٌ﴾ صفةٌ له، مؤكِّدةٌ لِمَا أفاده التنوينُ من الفخامة، مفيدةٌ لكمال تبتُّلهم إلى الله تعالى من غير صارِفٍ يَلْوِيهِم ولا عاطفٍ يُثْنيهم كائناً ما كان. وتخصيصُ الرجال بالذِّكر لأنهم الأَحِقَّاءُ بالمساجد، فقد أخرج أحمد والبيهقيُّ عن أمِّ سلمةَ، عن رسول الله وَّهِ: ((خيرُ مساجدِ النساءِ قَعْرُ بيوتهنَّ»(١). وتخصيصُ التجارةِ التي هي المُعاوَضةُ مطلقاً بذلك؛ لكونها أقوى الصوارِف عندهم وأشهرَها، أي: لا يَشغلُهم نوعٌ من أنواع التجارة ﴿وَلَا بَيْعُ﴾ أي: ولا فردٌ من أفراد البياعات وإن كان في غاية الربح، وإفرادُه بالذِّكر مع اندراجِه تحت التجارة للإيذان بإنافته على سائر أنواعها، لأنَّ ربحَه متيقَّنٌ ناجِزٌ، وربح ما عَدَاه متوقَّعٌ في ثاني الحال عند البيع، فلمْ يَلْزَم من نفي إلهاءِ ما عداه نفيُ إلهائه، ولذلك كرر كلمة ((لا)) لتذكير النفي وتأكيدِه. وجوِّز أن يراد بالتجارة المعاوضةُ الرابحة، وبالبيع المعاوضةُ مطلقاً، فيكون ذكرُه بعدها من باب التعميم بعد التخصيص للمبالغة. ونقل عن الواقديِّ أنَّ المراد بالتجارة هو الشراء لأنه أصلُها ومبدؤها، فلا تخصيصَ ولا تعمیم. وقيل: المراد بالتجارة الجلبُ؛ لأنه الغالبُ فيها فهو لازمٌ لها عادةً، ومنه يقال: تَجَرَ في كذا، أي: جَلَبَه. ويؤيِّد هذا ما أخرجه ابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه عن أبي هريرةً عن رسول الله وَ ر أنه قال في هؤلاء الموصوفين بما ذكر: ((هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله تعالى))(٢)، وأخرج الديلميُّ وغيرُه عن (١) مسند أحمد (٢٦٥٤٢)، وسنن البيهقي ١٣١/٣. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٦٠٧/٨، وهو من طريق ابن لهيعة، عن دَرَّاج، عن ابن حجيرة، عن سُورَةُ النودِ ٣٩٢ الآية : ٣٧ أبي سعيد الخدريِّ مرفوعاً نحوه (١). وفي ذلك أيضاً ما يقتضي أنهم كانوا تجَّاراً، وهو الذي يدلُّ عليه ظاهرٌ الآية؛ لأنه لا يقال: فلانٌ لا تُلْهِيه التجارة، إلا إذا كان تاجراً، ورُوي ذلك عن ابن عباس؛ أخرج الطبرانيُّ وابن مردويه عنه أنه قال: أَمَا واللهِ لقد كانوا تجاراً، فلم تكن تجارتُهم ولا بيعُهم يُلْهيهم عن ذكر الله تعالى(٢). وبه قال الضحاك . وقيل: إنهم لم يكونوا تجَّاراً، والنفيُ راجعٌ للقيد والمقيَّد كما في قوله: على لاحِبٍ لا يُهتدَى بمناره (٣) كأنه قيل: لا تجارةً لهم ولا بيعٌ فيُلهيهم؛ فإنَّ الآية نزلت فيمَن فرغَ عن الدنيا كأهل الصُّفَّةِ. وأنت تعلم أنَّ الآية على الأول المؤيَّدِ بما سمعتَ أمدحُ، ولم نجد لنزولها فيمَن فرغ عن الدنيا سنداً قوياً أو ضعيفاً، ولا يُكْتَفَى في هذا الباب بمجرَّدٍ الاحتمال. ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بالتسبيح والتحميد ونحوهما ﴿وَإِقَاءِ الصَّلَوْةِ﴾ أي: إقامتها لمواقيتها من غير تأخيرٍ، والأصل: إقوام، فنُقِلتْ حركة الواو لما قبلها فالتقى ساكنان فحذفت، فقيل: إقام. وعن الزجَّاج: أنه قلبت الواو ألفاً ثم حذف لاجتماع ألفين(٤). وأُورِدَ عليه أنه لا داعيَ إلى قَلْبِها ألفاً مع فَقْدِ شرطه، وهو أن لا يسكَّن ما بعدها. أبي هريرة به، قال أبو حاتم كما في العلل لابنه ٣٩٤/١: هذا حديث منكر، ودراج في = حديثه صنعة . (١) الفردوس بمأثور الخطاب ٢٧٧/٢ . (٢) المعجم الكبير (١٧٨٨). (٣) وعجزه: إذا سافه العَوْدُ النباطيُّ جرجرا، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٦٦، وسلف ١/ ٤٥٧ . (٤) معاني القرآن للزجاج ٤٦/٢. الآية : ٣٧ ٣٩٣ سُورَةُ الَّنُودِ وأَوْجَبَ الفرَّاء لجوازٍ هذا الحذف تعويضَ التاء، فيقال: إقامة، أو الإضافةً كما هنا، وعلى هذا جاء قولُه: إِنَّ الخليط أجَدُّوا البينَ وانْجَرَدوا وأَخْلَفوك عِدَا الأمرِ الذي وَعَدُوا (١) فإنه أراد: عِدَةَ الأمر. وتأوَّل خالد بنُ كلثوم (٢) ما في البيت على أنَّ عِدَا جمعُ عدوةٍ بمعنى ناحية، كأنَّ الشاعر أراد: نواحي الأمر وجوانبه. ومذهبُ سيبويه(٣) جوازُ الحذفِ من غير تعويضٍ التاء أو الإضافة. ﴿وَإِنَِّ الزَّكَوُؤْ﴾ أي: المال الذي فُرِضَ إخراجهُ للمستحقِّينَ كما روي عن الحسن، ويدلُّ على تفسير الزكاة بذلك دون الفعلِ ظاهرُ إضافةِ الإيتاء إليها . وعن ابن عباس ﴿ّ تفسيرُ إيتاء الزكاة بإخلاص طاعةِ اللهِ تعالى، وفيه بُعْدٌ كما ترى. وإيرادُ هذا الفعل ها هنا وإن لم يكن مما يُفعل في البيوت؛ لكونه قرينةً لا تفارِقُ إقامةَ الصلاة في عامَّةِ المواضع، مع ما فيه من التنبيه على أنَّ محاسن أعمالهم غيرُ منحصرةٍ فيما يقع في المساجد. وكذا قولهُ تعالى: ﴿يَخَافُونَ﴾ إلى آخره؛ فإنه صفةٌ أخرى لـ ((رجال))، أو حالٌ من مفعولٍ ((لا تُلهيهم))، أو استئنافٌ مسوقٌ للتعليل. وأيًّا ما كان فليس خوفُهم مقصوراً علی کونهم في المساجد. وقوله تعالى: ﴿يَوْمًا﴾ مفعولٌ لـ ((يخافون)) على تقدير مضافٍ، أي: عقابَ يومٍ وهولَه، أو بدونه. وجَعْلُه ظرفاً لمفعولٍ محذوفٍ بعيدٌ. وأمَّا جَعْلُه ظرفاً لـ ((يخافون)) والمفعولُ محذوفٌ، فليس بشيءٍ أصلاً؛ إذ المرادُ أنهم يخافون في الدنيا يوماً ﴿نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ ﴾﴾ لا أنَّهم يخافون شيئاً في ذلك اليوم الموصوفِ بأنه تتقلَّبُ فيه .. إلخ. (١) معاني القرآن للفراء ٢٥٤/٢، وسلف البيت ٢٨٥/٧ و٣٥٩/١٠. (٢) كما في البحر ٤٥٩/٦، وخالد بن كلثوم الكوفيُّ الكلبيُّ لغويٌّ نحويٌّ راويةٌ نسَّابةٌ، له كتاب الشعراء المذكورين، وأشعار القبائل. إنباه الرواة ٣٥٢/١، وبغية الوعاة ٥٥٠/١. (٣) في الكتاب ٨٣/٤. سُورَةُ النُّدِ ٣٩٤ الآية : ٣٨ والمراد به يومُ القيامة، ومعنى تقلَّبِ القلوب والأبصار فيه: اضطرابُها وتغيُّرُها أنفسها فيه من الهول والفزع، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ اُلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. أو تغيُّر أحوالها بأنْ تَفْقَهَ القلوبُ ما لم تكن تَفْقَهُ، وتُبْصِرَ الأبصارُ ما لم تكن تُبْصِرُ. أو بأن تتوقَّعَ القلوبُ النجاةَ تارةً وتخافَ الهلاكَ أخرى، وتَنْظُرَ الأبصارُ يميناً تارةً وشمالاً أخرى؛ لِمَا أنَّ أغلب أهل الجمع لا يدرون من أيِّ ناحيةٍ يؤخَذُ بهم، ولا من أيِّ جهةٍ يؤتَوْنَ كُبَهم. وقيل: المراد: تُقلَّبُ فيه القلوبُ والأبصار على جمر جهنم. وليس بشيءٍ. ومثلُه قولُ الجبائيّ أن المراد: تنتقلُ من حالٍ إلى حالٍ، فَتَلْفَحُها النارُ ثم تُنْضِجُها ثم تُحْرِقُها . وقرأ ابن محيصن: ((تَثْقَلَّبُ)) بإسكان التاء الثانية (١). وقوله سبحانه: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ متعلِّقٌ - على ما اسْتَظْهَرَه أبو حيان - بـ ((يسبح))(٢). وجوَّز أبو البقاء أن يتعلَّق بـ ((لا تُلهيهم)) أو بـ ((يخافون))(٣). ولا يخفى أن تعلُّقه بأحد المذكورين مُخْرِجٌ إلى تأويل، ولعل تعلُّقه بفعلٍ محذوفٍ يدلُّ عليه ما حُكي عنهم أَوْلَى من جميع ذلك، أي: يفعلون ما يفعلون من التسبيح والذكر وإيتاءِ الزكاة والخوفِ من غيرِ صارف لهم عن ذلك لَيَجْزِيَهم اللهُ تعالى ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾. واللامُ على سائر الأوجُهِ للتعليل. وقال أبو البقاء(٤): يجوزُ أن تكونَ لامَ الصيرورةِ، كالتي في قوله تعالى: ﴿ِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القَصص: ٨] وموضعُ الجملة حالٌ، والتقدير: يخافون مُلْهَمِينَ(٥) لَيَجْزِيَهم الله، وهو كما ترى. والجزاءُ: المقابلةُ والمكافأةُ على ما يُحْمَدُ، ويتعدَّى إلى الشخص المجزيِّ بـ ((عن))، قال تعالى: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسَّ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وإلى ما فَعَلَه ابتداءً (١) لم نقف عليها، وفي القراءات الشاذة ص١٠٢ عن ابن محيصن أنه قرأ بتشديد التاء، وكذا ذكر أبو حيان في البحر ٦/ ٤٥٩ عنه أنه قرأ بإدغام التاء في التاء. (٢) البحر ٤٥٩/٦ . (٣) الإملاء ٧٨/٤. (٤) في الإملاء ٧٨/٤-٧٩. (٥) كذا في الأصل و(م)، والذي في الإملاء: ملهين. الآية : ٣٨ ٣٩٥ سُودَةُالنّورِ بـ ((على))، تقول: جزيتُهُ على فِعْلِه، وقد يتعدَّى إليه بالباء، فيقال: جزيتُه بفعله. وإلى ما وقع في مقابلته بنفسه وبالباء؛ قال الراغب: يقال: جزيتُه كذا وبكذا(١). والظاهرُ أنَّ ((أحسن)) هو ما وقع في المقابلة، فيكون الجزاء قد تعدَّى إليه بنفسه، ويحتاجُ إلى تقديرِ مضافٍ، أي: ليجزيهم أحسنَ جزاءٍ عَملِهم، أو الذي عَمِلوه - حسبما وعد لهم بمقابلةٍ حسنةٍ واحدةٍ عشرةً أمثالِها إلى سبع مئةٍ ضِعْفٍ - ليكون الأحسنُ من جنس الجزاء. وجوِّز أن يكون الأحسنُ هو الفعل المجزيَّ عليه أو به الشخصُ، وليس هناك مضافٌ محذوفٌ، والكلامُ على حذف الجارِّ، أي: ليجزيهم على أحسنِ أو بأحسنِ ما عملوا، وأحسنُ العمل أدناه المندوبُ، فاحترز به عن الحسن وهو المباحُ؛ إذ لا جزاء له. ورجِّح الأولُ بسلامته عن حذف الجارِّ الذي هو غيرُ مقيسٍ في مثل ما نحن فیه، بخلافٍ حذفِ المضاف فإنه کثیرٌ مقیسٌ. وجوِّز أن يكون المضافُ المحذوفُ قبل ((أحسن))، أي: جزاءَ أحسنِ ما عملوا، والظاهرُ أن المراد بما عملوا أعمُّ ممَّا سبق، وبعضُهم فسَّره به. ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: يتفضَّل عليهم بأشياء لم تُؤْعَدْ لهم بخصوصيتها أو بمقاديرها، ولم يخطرْ ببالهم كيفياتُها ولا كمِّيتُها، بل إنما وُعِدَتْ بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقوله وَلّهِ حكايةً عنه عزَّ وجلَّ: ((أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأَتْ ولا أذن سمعتْ ولا خَطَرَ على قلبٍ بشر))(٢). إلى غير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَّهُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾﴾ فإنه تذييلٌ مقرِّرٌ للزيادة، ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غيرَ أجزيةِ أعمالهم من الخيرات ما لا يفي به الحسابُ، والموصولُ عبارةٌ عمَّن ذُكرتْ صفاتُهم الجميلة، كأنه قيل: والله يرزقُهم بغيرِ حسابٍ، ووَضْعُه موضعَ ضميرهم (١) مفردات الراغب (جزا). (٢) أخرجه أحمد (١٠٠١٧)، والبخاري (٤٧٨٠)، ومسلم (٢٨٢٤) من حديث أبي هريرة سورة النورِ ٣٩٦ الآية : ٣٩ للتنبيه بما في حيِّز الصلة على أنَّ مناط الرزق المذكورِ محضُ مشيئته تعالى، لا أعمالُهم المحكيةُ، كما أنها المناطُ لِمَا سبق من الهداية لنوره عز وجل، وللإيذان بأنهم ممن شاء الله تعالى أن يرزقهم، كما أنهم ممَّن شاء سبحانه أن يهدیهم لنوره، حَسْبَما يُعْرِبُ عنه ما فضِّل من أعمالهم الحسنةِ، فإنَّ جميعها من آثار تلك الهداية. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخره عطفٌ على ما قبله عطفَ القصة على القصة، أو على مقدَّرٍ ينساقُ إليه ما قبله، كأنه قيل: الذين آمنوا أعمالُهم حالاً ومالاً كما وُصِفَ، والذين كفروا ﴿أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ﴾ أي: أعمالُهم التي هي من أبوابِ البِرِّ، كصلةِ الأرحام، وفكِّ العناةِ(١)، وسقاية الحاجِّ، وعمارةِ البيتِ، وإغاثة الملهوفين، وقِرَى الأضيافِ، ونحوِ ذلك على ما قيل. وقيل: أعمالُهم التي يظنون الانتفاعَ بها، سواءٌ كان ممَّا يشترطُ فيها الإيمان كالحجِّ، أم كانت مما لا يُشْتَرطُ فيها ذلك، كسقاية الحاجِّ وسائرِ ما تقدَّم. وقيل: المراد بها ما يشملُ الحَسَنَ والقبيحَ؛ ليتأتَّى التشبيهان، وسيأتي إن شاء الله تعالی الکلامُ في ذلك. والسرابُ: بخارٌ رقيقٌ يرتفعُ من قعور القيعان، فإذا اتَّصل به ضوءُ الشمس أَشْبَهَ من بعيدٍ الماءَ السارب، أي: الجاري، واشتَرَطَ فيه الفرَّاءُ اللصوقَ في الأرض(٢). وقيل: هو ما تَرَفْرقَ من الهواء في الهجير في فيافي الأرض المنبسطة. وقيل: هو الشعاعُ الذي يُرى نصفَ النهار عند اشتداد الحرِّ في البرِّ، يخيَّلُ للناظر أنه ماءٌ ساربٌ؛ قال الشاعر: كَلَمْعِ سرابٍ في الفلا متألِّقٍ(٣) فلمَّا كفَفْنا الحربَ کانت عهودُکم وإلى هذا ذهب الطبرسيُّ، وفسَّر الآل بأنه شعاعٌ يرتفعُ بين السماء والأرض كالماء ضحوةَ النهار (٤). (١) جمع العاني، وهو الأسير. مختار الصحاح (عني). (٢) معاني القرآن للفراء ٢٥٤/٢. (٣) تفسير الطبري ١/ ٣٨٧، وأمالي ابن الشجري ٧٧/١، والحماسة البصرية ٢٦/١. (٤) مجمع البيان ١٨/ ٥٤ . الآية : ٣٩ ٣٩٧ سُوَدَّةُ الَّنودِ ﴿ِقِيعَةٍ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ ((سراب))، أي: كائنٍ بقيعة، وهي الأرضُ المنبسطةُ المستويةُ، وقيل: هي جمعُ قاعِ، كجِيْرةٍ في جارٍ، ونيرةٍ في نار. وقرأ مَسْلَمَةُ بنُ محاربٍ: ((بقيعاتٍ)) بتاءٍ طويلةٍ على أنه جمعُ قيعةٍ، كديماتٍ وقيماتٍ في ديمةٍ وقيمة. وعنه أيضاً أنه قرأ: ((بقيعاة)) بتاءٍ مدوَّرةٍ ويقف عليها بالهاء، فيحتمل أن يكون جمعَ قيعةٍ ووَقَفَ بالهاء على لغة طيِّئ، كما قالوا: البَنَاه والأخَوَاه، ويحتمل كما قال صاحب ((اللوامح)) أن يكون مفرداً، وأصلهُ: قيعة كما في قراءة الجمهور، لكنه أشبع الفتحةَ فتولَّدتْ منها الألف (١). ﴿يَحْسَبُهُ الَّمْثَانُ مَآءَ﴾ صفةٌ أخرى لـ ((سراب)). وجوِّز أن يكون هو الصفةَ، و((بقيعة)) ظرفاً لما يتعلَّق به الكافُ وهو الخبر. والحسبان: الظنُّ على المشهور، وفرَّق بينهما الراغبُ (٢) بأنَّ الظنَّ أنْ يَخْطُرَ النقيضان بباله ويغلّب أحدهما على الآخر، والحسبان أنْ يَحْكُم بأحدهما من غير أن يَخْطُرَ الآخَرُ بباله، فيعقد (٣) عليه الإصبع، ويكون بعرضٍٍ أن يعتريَه فيه شكٌّ. وتخصيصُ الحسبان بالظمآن مع شموله لكلِّ مَن يراه كائناً مَن كان من العطشان والريَّانِ؛ لتكميل التشبيهِ بتحقيق شركة طرفيه في وجه الشَّبَهِ الذي هو المَظْلَعُ المُطْمِعُ والمَقْطَعُ المُؤْيِسُ. وقرأ شيبة وأبو جعفر ونافعٌ بخلاف عنهما: ((الَّمانُ)) بحَذْفِ الهمزةِ ونَقْلٍ حركتها إلى الميم(٤). ﴿حَقََّ إِذَا جَآءَهُ﴾ أي: إذا جاء العطشانُ ما حَسِبَه ماءً، وقيل: إذا جاء موضِعَه ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾ أي: لم يَجِدْ ما حَسِبَه ماءً وعلَّقَ رجاءَه به ﴿شَيْئًا﴾ أصلاً، لا محقَّقاً (١) البحر ٦/ ٤٦٠، والقراءتان في المحتسب ١١٣/٢، والأولى في القراءات الشاذة ص١٠٢. (٢) في مفرداته (حسب). (٣) في المفردات: فيحسبه ويعقد. (٤) المحرر الوجيز ١٨٧/٤، وتفسير القرطبي ٢٩٩/١٥، والبحر ٤٦٠/٦، وعنه نقل المصنف. والمشهور عنهما الهمز كما قال القرطبي. سورة النورِ ٣٩٨ الآية : ٣٩ ولا مظنوناً [كما] كان يراه من قبلُ، فضلاً عن وجدانه(١) ماء. ونصب ((شيئاً)) قيل: على الحالية، وأمرُ الاشتقاقِ سهلٌ. وقيل: على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((وَجَدَ))، بناءً على أنها من أخوات ((ظنَّ». وجوِّز أن يكون منصوباً على البَدَلية من الضمير، ويجوزُ إبدالُ النكرةِ من المعرفة بلا نعتٍ إذا كان مفيداً، كما صرَّح به الرضيُّ. واختار أبو البقاء أنه منصوبٌ على المصدرية، كأنه قيل: لم یجده وجداناً(٢)، وهو كما ترى. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عطف على جملة ((لم يَجِدْه)) فهو داخلٌ في التشبيه، أي: ووجَّدَ الظمآنُ مقدورَه تعالى من الهلاك عند السراب المذكور. وقيل: أي وَجَدَ اللهَ تعالى محاسباً إياه، على أنَّ العِنْدِيَّة بمعنى الحساب؛ لذكر التوفيةِ بعدُ بقوله سبحانه: ﴿فَوَقَّئُهُ حِسَابَةٌ﴾ أي: أعطاه وافياً كاملاً حسابَ عمله وجزاءَه، أو: أَتَّمَّ حسابَه بعَرْضِ الكَتَبةِ ما قدَّمه ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ لا يشغلُه حسابٌ عن حساب. وفي ((إرشاد العقل السليم)): أنَّ بيان أحوالِ الكفرة بطريق التمثيل قد تمَّ بقوله سبحانه: (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا)، وقوله تعالى: (وَوَجَدَ) إلخ بيانٌ لبقية أحوالِهم العارضةِ لهم بَعْدَ ذلك بطريق التكملة؛ لئلا يُتُوهَّمَ أنَّ قصارى أمرِهم هو الخيبةُ والقنوطُ فقط، كما هو شأنُ الظمآن، ويَظْهَرَ أنه يعتريهم بعد ذلك من سوء الحال ما لا قَدْرَ للخيبة عنده أصلاً، فليست الجملةُ معطوفةً على ((لم يجده شيئاً) بل على ما يُفْهَمُ منه بطريقِ التمثيل من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم عيناً ولا أثراً، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] كيف لا وإنَّ الحكم بأنَّ أعمال الكفرة كسرابٍ يَحْسَبُه الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءه لم يَجِدْه شيئاً حكمٌ بأنها بحيث يحسبونها في الدنيا نافعةً لهم في الآخرة حتى إذا جاؤوها لم يجدوها شيئاً، كأنه قيل: حتى إذا جاء الكَفَرةُ يومَ القيامة أعمالهم التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعةً لهم في الآخرة لم يجدوها شيئاً ووَجَدوا الله، أي: حُكْمَه (١) في (م): وجد أنه، وفي الأصل: وجدانه أنه، والمثبت من تفسير أبي السعود ٦/ ١٨١، والكلام وما سلف بین حاصرتین منه. (٢) الإملاء ٧٩/٤. الآية : ٣٩ ٣٩٩ سِوَرَّةُ اللَّنُودِ وقضاءَه، عند المجيء - وقيل: عند العمل - فوقَّاهم، أي: أعطاهم وافياً حسابهم، أي: حسابَ أعمالهم المذكورةِ وجزاءَها، فإنَّ اعتقادهم لنَفْعِها بغير إيمانٍ وعَمَلَهم بموجبه كفرٌ على كفرٍ موجبٌ للعقاب قطعاً، وإفرادُ الضميرين الراجعين إلى الذين كفروا؛ إما لإرادة الجنس كالظمآن الواقع في التمثيل، وإمَّا للحَمْلِ على كلِّ واحدٍ منهم، وكذا إفرادُ ما يرجع إلى أعمالهم(١). انتهى، ولا يخفى ما فيه من البُعدِ وارتكابٍ خلاف الظاهر. وأيًّا ما كان فالمراد بالظمآن مطلقُ الظمآن. وقيل: المرادُ به الكافر، وإليه ذهب الزمخشريُّ؛ قال: شبَّه سبحانه ما يعملُه مّن لا يعتقد الإيمانَ بسرابٍ يراه الكافرُ بالساهرة وقد غَلَبه عطشُ القيامةِ، فيحسبه ماءً، فيأتيه فلا يجدُه، ويجدُ زبانيةَ اللهِ تعالى عنده يأخذونه فيَسْقُونه الحميمَ والغسَّاقَ(٢). وكأنه مأخوذٌ مما أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدِّيِّ في غرائبه عن أصحاب رسول الله وَلِ﴾ (٣) قال: إنَّ الكفار يبعثون يومَ القيامة وِرْداً عِطاشاً، فيقولون: أين الماء؟ فيمثَّلُ لهم السرابُ فيحسبونه ماءً، فينطلقون إليه فيجدون الله تعالى عنده فيوفيهم حسابهم، والله سريع الحساب. واستَظْيَبَ ذلك العلَّامةُ الطيبيُّ حيث قال: إنما قبَّد المشبّه به برؤية الكافر وجعل أحواله ما يلقاه يوم القيامة ولم يُظْلِقْ؛ لقوله تعالى: (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) إلخ لأنه من تتمَّةٍ أحوال المشبّه به، وهذا الأسلوبُ أبلغُ لأنَّ خيبةَ الكافر أَدْخَلُ، وحصوله على خلافٍ ما يؤمِّلُه أعرق (٤). وتعقّبه أبو حيان بأنه يلزم من حَمْلِ الظمآن على الكافر تشبيهُ الشيء بنفسه(٥). (١) تفسير أبي السعود ١٨١/٦. (٢) الكشاف ٦٩/٣. (٣) كذا في الأصل و(م)، وفي الدر المنثور ٥٣/٥ (والكلام منه): من طريق السدي عن أبيه عن أصحابه، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٢٦١١/٨ من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل (وهو ابن يونس بن أبي إسحاق)، عن أبيه، عن أصحاب محمد ◌َّر. ثم أخرج ابن أبي حاتم نحوه من طريق أسباط عن السدي قوله. (٤) في الأصل: أعرف، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٨٨/٦، والكلام فيه بنحوه. (٥) البحر ٦ / ٤٦١ . الآية : ٤٠ ٤٠٠ سُؤَدَّةُ الَّنودِ ورُدَّ بأنَّ التشبيه على ما ذكره جار الله تمثيليٍّ أو مقيّدٌ، لا مفرّقٌ كما توهّم، فلا يلزمُ من اتِّحاد بعضٍ المفردات في الطرفين تشبيهُ الشيء بنفسه، كاتِّحاد الفاعل في: أراكَ تقدِّم رِجْلاً وتؤخِّر أخرى. وبالجملة هو أحسن مما في ((الإرشاد)» كما لا يخفى على مَن سَلِمَ ذهنُه من غبار العناد. والآيةُ على ما روي عن مقاتل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان تعبَّد ولبس المسوحَ والتمسَ الدين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام. ولا يأْبَى ذلك قوله تعالى: (وَلَّذِينَ كَفَرُوْ) لأنه غيرُ خاصٌّ بسبب النزول وإن دخل فيه دخولاً أوليّاً . ولا يَرِدُ عليه أنَّ الآية مدنيةٌ نزلت بعد بدر وعتبةُ قتل في بدر، فإن كثيراً من الآيات نزل بسبب الأموات، وليس في ذلك محذورٌ أصلاً. ثم لا يَبْعدُ أن يكون في حُكْم هؤلاء الكفرةِ الفلاسفةُ ومتَّبعوهم من المتزيِّينَ بزيِّ الإسلام، فإن اعتقاداتهم وأعمالَهم - حيث لم تكن على وفقِ الشرع - كسرابٍ بقيعة . ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ﴾ عطفٌ على ((كسراب))، وكلمةُ ((أو)) قيل: لتقسيم حالِ أعمالهم الحسنة، وجوِّز الإطلاقُ باعتبارٍ وقتين، فإنها كالسراب في الآخرة من حيث عدمُ نَفْعِها، وكالظلماتِ في الدنيا من حيث خلوُّها عن نورِ الحقِّ، وخصَّ هذا بالدنيا لقوله تعالى: (وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ، مِن نُورٍ) فإنه ظاهرٌ في الهداية والتوفيق المخصوص بها، والأولُ بالآخرة لقوله تعالى: (وَوَجَدَ) إلخ، وقدّم أحوال الآخرة التي هي أعظم وأهمُّ؛ لاتِّصال ذلك بما يتعلَّق بها من قوله سبحانه: (ِلِيَجْزِيهُ) إلخ، ثم ذكر أحوال الدنيا تتميماً لها. وجوِّز أن يُعْكَسَ ذلك، فيكون المراد من الأول تشبيه أعمالهم بالسراب في الدنيا حالَ الموت، ومن الثاني تشبيهَها بالظلمات في القيامة، كما في الحديث: ((الظلمُ ظلماتٌ يومَ القيامة))(١)، ويكون ذلك تَرقِّياً مناسباً للترتيب الوقوعيٍّ. وليس بذلك لِمَا سمعتَ. (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٤٤٦١)، ومسلم (٢٥٧٨) عن أبي هريرة ظ ◌ُه.