Indexed OCR Text
Pages 221-240
الآية : ٥ ٢٢١ سُورَّةُ الَّنُوزِ الثاني: أن يتَّحِدَ الجملتان نوعاً ويختلفا حكماً واسمُ الأولى مُضْمَرٌ في الثانية، كما لو قال: أَكْرِمْ بني تميم واستَأُجِرْهم إلا الطّال. الثالث: بعكس ما قبله، كما لو قال: أَكْرِمْ بني تميم وربيعةَ إلا الطّوال. الرابع: أن يختلف نوعُ الجمل إلَّا أنه قد أُضْمِرَ في الأخيرة ما تقدَّم، أو كان غرضُ الأحكام المختلفة فيها واحداً، وجُعِلَ آيَةُ الرمي التي نحن فيها من ذلك، حيث قيل: إنَّ جُملَها مختلفةُ النوع من حيث إنَّ قوله تعالى: (فَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً) أمرٌ، وقوله سبحانه: (وَلَا نَقبَلُوْ لَمْ شَدَةً أَبَدًّا) نهيٌّ، وقوله جل وعلا: (وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) خبرٌ، وهي داخلةٌ أيضاً تحت القِسْمِ الأول من هذه الأقسام الأربعة؛ الاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الانتقام والإهانة، وداخلةٌ أيضاً تحت القسم الثاني من جهة إضمار الاسم المتقدِّم فيها . وذهب الشريف المرتَضَى من الشيعة إلى القول بالاشتراك، وذهب القاضي أبو بكر والغزاليُّ وجماعةٌ إلى الوقف. وقال الآمديُّ: المختارُ أنه مهما ظهر كونُ الواو للابتداء، فالاستثناءُ يكون مختصّاً بالجملة الأخيرة كما في القسم الأول من الأقسام الثمانية؛ لعدم تعلُّق إحدى الجملتين بالأخرى، وهو ظاهرٌ، وحيث أمكن أن تكون الواو للعطف أو الابتداء كما في باقي الأقسام السبعة فالواجبُ الوقف، وذكر حجج المذاهب بما لها وعليها في (الإحكام))(١). وفي ((التلويح)) وغيره: أنه لا خلافَ في جواز رجوع الاستثناء إلى كلِّ، وإنما الخلاف في الأظهر. وفيه نظر؛ فإنَّ بعض حجج القائلين برجوعه إلى الجملة الأخيرة قد استدلَّ بما يدلُّ على عدم جواز رجوعه للجميع، قال القلانسيُّ(٢): إنَّ نَصْبَ ما بعد الاستثناء في الإثبات إنما كان بالفعل المتقدِّم بإعانة ((إلا)) على ما ذهب إليه أكابر البصريين، فلو قيل برجوعه إلى الجميع لكان ما بعد ((إلا)) منتصباً بالأفعال (١) الإحكام للآمدي ٢/ ٣٢١-٣٢٣، وعنه نقل المصنف قول القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وما بعده. (٢) كما في الإحكام للآمدي ٣٢٨/٢-٣٢٩، وعنه نقل المصنف. سُورَةُ الَّنُودِ ٢٢٢ الآية : ٥ المقدَّرةِ في كلِّ جملةٍ، ويلزم منه اجتماعُ عاملين على معمولٍ واحد، وذلك لا يجوز؛ لأنه بتقديرٍ مُضَادَّةٍ أحدهما للآخر في العمل يلزمُ أن يكون المعمولُ الواحد مرفوعاً منصوباً معاً، وهو محالٌ، ولأنه إن كان كلٌّ منهما مستقلًّا في العمل لزم عدمُ استقلاله، ضرورةً أنه لا معنى لكون كلٍّ مستقلًا إلا أنَّ الحكم ثبتَ به دون غيره، وإن لم يكن كلٌّ منهما مستقلًّا لزم خلافُ المفروض، وإن كان المستقلُّ البعضَ دون البعضِ لزم الترجيحُ بلا مرجّحٍ، ووجه دلالته - وإن بُحِثَ فیه - علی عدم جواز رجوعه للجميع ظاهرٌ. وكما اختلف الأصوليون في ذلك اختلف النحاة فيه، ففي ((شرح اللُّمع))(١) أنه يختصُّ بالأخيرة، وأنَّ تعليقه بالجميع خطأٌ؛ للزوم تعدُّد العامل في معمولٍ واحد، إلا على القول بأن العامل ((إلا))، أو تمام الكلام [قبله]. وقال أبو حيان: لم أرَ مَن تكلّم على هذه المسألة من النحاة غير المهاباذيِّ وابن مالكٍ، فاختار ابن مالك عودَ الاستثناء إلى الجمل كلِّها كالشرط، واختار المهاباذي عودَه إلى الجملة الأخيرة(٢). وقال الوليُّ بن العراقيّ(٣): لم يطلق ابن مالك عَوْدَه إلى الجمل كلِّها، بل استثنى مِن ذلك ما إذا اختلف العاملُ والمعمولُ، كقولك: أُكْسُ الفقراءَ وأَظْعِم أبناء السبيل إلا مَن كان مبتدعاً، فقال في هذه الصورة: إنه يعود إلى الأخيرة(٤) خاصةً. ونقل عن أبي عليٍّ الفارسيِّ القولُ برجوعه إلى الأخيرة مطلقاً، وهذا كقول الحنفية في المشهور، والحقُّ أنهم إنما يقولون برجوعه إلى الأخيرة فقط إذا تجرَّد (١) لأحمد بن عبد الله المهاباذي الضرير، من تلاميذ عبد القاهر الجرجاني. وهو شرح لكتاب اللمع في النحو لابن جني. بغية الوعاة ٣٢٠/١، وكشف الظنون ١٥٦٢/٢. ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٦/ ٣٦٠، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) البحر ٤٣٣/٦. (٣) أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الكردي الرازياني ثم المصري، أبو زرعة، له حاشية على الكشاف، وأخبار المدلسين، وغيرهما، توفي سنة (٨٠٦هـ). الضوء اللامع ٣٣٦/١، والأعلام ١٤٨/١ . (٤) في (م): الأخير. الآية : ٥ ٢٢٣ سودة النودِ الكلام عن دليلٍ رجوعه إلى الكلِّ، أما إذا وُجد الدليل عُمِلَ به، وذلك كما في قوله تعالى في المحاربين: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣-٣٤] فإن قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ يقتضي رجوعه إلى الكلِّ؛ فإنه لو عاد إلى الأخيرة أعني قوله سبحانه: (وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ) (١) لم يَبْقَ للتقيد بذلك فائدةٌ؛ للعلم بأنَّ التوبة تُسقِطٌ العذابَ، فليس فائدةُ (مِن قَبْلٍ)) إلخ إلا سقوطُ الحدِّ، وعلى مثل ذلك ينبغي حَمْلُ قول الشافعية، بأنْ يقال: إنهم أرادوا رجوعَ الاستثناء إلى الكلِّ إذا لم يكن دليلٌ يقتضي رجوعَه إلى الأخيرة. وذكر بعضُ أجلَّةِ المحقّقين أنَّ الحنفية إنما قالوا برجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة هنا؛ لأن الجملتين الأُوْلَيين وردتا جزاءً؛ لأنهما أُخرجتا بلفظ الطلب مخاطباً بهما الأئمةُ، ولا يضرُّ اختلافهما أمراً ونهياً، والجملةُ الأخيرة مستأنفةٌ بصيغة الإخبار دفعاً لتوهُّم استبعادٍ كون القذف سبباً لوجوب العقوبة التي تندرئُ بالشبهة، وهي قائمةٌ هنا لأنَّ القذف خبرٌ يحتمل الصدق وربما يكون حسبةً، ووجهُ الدفع أنهم فسِّقوا بهتك سترِ العفة بلا فائدة، حيث عجزوا عن الإثبات فلذا استحقُّوا العقوبةَ، وحيث كانت مستأنفةً توجَّه الاستثناءُ إليها . ونقل عن الشافعيِّ أنه جعل ((ولا تقبلوا)) استئنافاً منقطعاً عن الجملة السابقة، وأبى أن يكون من تتمة الحدِّ؛ لأنه لا مناسبة بين الجلد وعدم قبول الشهادة، وجَعَل الاستثناء مصروفاً إليه بجَعْلٍ مَن تاب مستثنّى من ضميرِ ((لهم))، ويكون قوله تعالى: (وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَِقُونَ) اعتراضاً جارياً مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة، غيرَ منقطع عما قبله، ولهذا جاز توسُّطُه بين المستثنى والمستثنى منه، ولا تعلّق للاستثناء به. وآثر ذلك ابن الحاجب في ((أماليه))(٢) حيث قال: إنَّ الاستثناء لا يرجع إلى الكلِّ، أمَّا الجلدُ فبالاتِّفاق، وأمَّا قولُه تعالى: (وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَِقُونَ) فلأنه إنما جيءَ به لتقريرِ منعِ الشهادة، فلم يبق إلا الجملةُ الثانية فيرجعُ إليها . (١) في الأصل و(م): ولهم عذاب عظيم. (٢) كما في حاشية الشهاب ٦/ ٣٦٠. الآية : ٥ ٢٢٤ سورةالنورِ وتعقّب بأن استئناف ((ولا تقبلوا)) إلخ في غاية البعد، والمرادُ من عدم قبول الشهادة ردُّها، ومناسبتُه للجَلْدِ ظاهرةٌ؛ لأن كلَّا منهما مُؤْلِمٌ زاجرٌ عن ارتكاب جريمة الرمي، وكم من شخصٍ لا يتألَّم بالضرب كما يتألَّم بردِّ شهادته. وربما يقال: إنَّ ردَّ الشهادة قَطْعٌ للآلة الخائنة معنًى، وهي اللسان، فيكون كَقَطْعِ اليد حقيقةً في السرقة. ومَن أَنْصَفَ رأى مناسبتَه للجَلْدِ أتمَّ من مناسبة التغريب له؛ لأنَّ التغريب ربما يكون سبباً لزيادة الوقوع في الزنى لقلَّة مَن يراقِبُ ويُسْتحَى منه في الغربة، وقد تُضْطَرُّ المرأةُ إذا غرِّبتْ إلى ما يسدُّ رمقها، فتسلِّم نفسَها لتحصيل ذلك. وأيضاً الجلدُ فِعْلٌ يَلزمُ على الإمام فعلُه، والردُّ المرادُ من عدم القبول كذلك، وقد خوطب بكلتا الجملتين الإنشائيتين لفظاً ومعنَى الأئمةُ، وبهذا يَقْوَى أمرُ المناسبة. واعترض الزيلعيُّ(١) على القول بأنَّ جملة ((وأولئك هم الفاسقون)» تعليلٌ لردِّ الشهادة، فقال: لا جائزَ أن يكون ردُّ شهادته لفِسْقِه؛ لأن الثابت بالنصِّ في خبر الفاسق هو التوقُّفُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَّكَُّواْ﴾ [الحجرات: ٦] لا الردُّ، وعلَّةُ الردِّ هنا ليست إلا أنه حدٌّ. انتهى. وفيه نظر. ولم يجعل الشافعيُّ على هذا النقل الجملةَ المذكورة مع كونها جاريةً مجرى التعليل لِمَا قبلها معطوفةً عليه؛ لِمَا قال غيرُ واحدٍ من أنَّ العطف بالواو يمنع قَصْدَ التعليل لردِّ الشهادة بسبب الفسق؛ لأن العلَّة لا تُعطَفُ على الحكم بالواو بل إنما تُذْكَرُ بالفاء. وكذا ينبغي أن لا تكون معطوفةً على ما أشير إليه سابقاً من أنها علَّةٌ لاستحقاق العقوبة؛ إذ ذلك غير منطوق. وانتُصِر للشافعيِّ عليه الرحمةُ فيما ذهب إليه من قبول شهادته إذا تاب بأنه إذا جُعِلَتِ الجملةُ تعليلاً للردِّ يتمُّ ذلك ولو سلِّم رجوعُ الاستثناء إلى الجملة الأخيرة من الجمل المتعاقبة بالواو؛ لوجوب زوال الحكم بزوال العلَّة، ولا أظنه يُدْفَعُ إلَّا بِالْتزام أنها ليست للتعليل. (١) في تبيين الحقائق ٢١٩/٤. الآية : ٥ ٢٢٥ سُورَّةُ الَّنُوزِ وقال بعضهم: لا انقطاعَ بين الجمل عند الشافعيِّ، ومقتضى أصلِه المشهورِ رجوعُ الاستثناء إلى الجميع، فيلزمُ حينئذٍ سقوطُ الجَلْدِ بالتوبة، لكنه لا يقول بذلك؛ لأن تحقیق مذهبه أنَّ الرجوع إلى الكلِّ قد يُعْدَلُ عنه، وذلك عند قيام الدليل وظهورِ المانع، والمانعُ هنا من رجوعه إلى الجملة الأولى - على ما قيل - الإجماعُ على عدم سقوط الجلد بالتوبة؛ لِمَا فيه من حقِّ العبد. وأولى منه ما أومأ إليه القاضي البيضاويُّ من أنَّ الاستسلام للجَلْدِ من تتمَّةٍ التوبة(١)، فكيف يعود إليه؟ ولا يمكن أن يقال: إن عدم قبول الشهادة والتفسيق من تتمَّتها أيضاً كما لا يخفى. وقيل: يجوز أن تُخرَّجَ الآية على أصله المشهور، ولا مانع من رجوع الاستثناء إلى الجملة الأولى أيضاً؛ لِمَا أنَّ المستثنى هو ((الذين تابوا وأصلحوا)) ومن جملة الإصلاح: الاستحلالُ وطلبُ العفو من المقذوف، وعند وقوع ذلك يسقطُ الجلد أيضاً. وفيه أن كون طلب العفو من الإصلاح غيرُ نافع؛ لأنَّ الجلد لا يسقط بطلب العفو بل بالعفو، وهو ليس من جملة هذا الإصلاح؛ إذ العفو فِعْلُ المقذوف، وهذا الإصلاحُ فِعْلُ القاذف، فلم يصحَّ صرفُ الاستثناء إلى الكلِّ كما هو أصلُه المشهور. وقال الزمخشريُّ: الذي يقتضيه ظاهرُ الآية ونَظْمُها أن تكون الجملُ الثلاثُ بمجموعهنَّ جزاءَ الشرط، والمعنى: ومَن قَذَفَ فاجمعوا لهم بين الأجزئة الثلاثة، إلَّا الذين تابوا منهم فيعودون غيرَ مجلودين ولا مردودي الشهادة ولا مفسَّقين(٢). قال في ((الكشف)): وهذا جارٍ على أصل الشافعيِّ من أنَّ الاستثناء يرجع إلى الكلِّ، وانضمَّ إليه هاهنا أنَّ الجمل دخلت في حيِّز الشرط فصِرْنَ كالمفردات. وتعقِّب القولُ بدخول قوله تعالى: (وَأُوْلَكَ هُمُ الْقَلِقُونَ) في حيِّز الجزاء بأنَّ دليل عدم المشاركة في الشرط يقتضي عدم الدخول؛ فإنه جملةٌ خبرية غير مخاطبٍ بها (١) تفسير البيضاوي على هامش حاشية الشهاب ٣٥٩/٦. (٢) الكشاف ٥١/٣. سورة النورِ ٢٢٦ الآية : ٥ الأئمة لإفراد الكاف في ((أولئك))، فهو عطفٌ على الجملة الاسمية، أي: الذين يرمون .. إلخ، أو مستأنفٌ لحكاية حالِ الرامين عند الشرع. وأورد عليه أنَّ عَطْفَ الخبر على الإنشاء وعكسَه لاختلاف الأغراض شائعان في الكلام. وأنَّ إفرادَ كافِ الخطاب مع الإشارة جائزٌ في خطاب الجماعة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢]. على أنَّ التحقيق أنَّ ((الذين يرمون)) منصوبٌ بفعلٍ محذوف، أي: اجلدوا الذين .. إلخ، فهو أيضاً جملةٌ فعليةٌ إنشائيةٌ مخاطبٌ بها الأئمةُ، فالمانعُ المذكورُ قائمٌ هنا، مع زيادة العدولِ عن الأقرب إلى الأبعد. ولو سلِّم أنَّ ((الذين)) مبتدأ، فلا بدَّ في الإنشائية الواقعة موقعَ الخبر من تأويلٍ وصرفٍ عن الإنشائية عند الأكثر، وحينئذٍ يصحُّ عطف ((أولئك هم الفاسقون)) عليه، وقال الزمخشريُّ: معنى ((أولئك هم الفاسقون)): فسِّقوهم(١). والإنصافُ يحكم بعدم ظهور دخول الجملة الأخيرة في حيِّز الجزاء، وجميعُ ما ذكروه إنما يفيدُ الصحة لا الظهور. ولعل الظاهر أنها استئنافٌ تذييليٍّ لبيانِ سوءِ حالِ الرَّامين في حكم الله تعالى، وحينئذٍ عودُ الاستثناء(٢) إليه ظاهر. لا يقال: إنَّ ذلك ينفي الفائدة؛ لأنه معلومٌ شرعاً أن التوبة تزيلُ الفسقَ من غير هذه الآية. لأنَّا نقول: لا شبهةَ في أنَّ العلم بذلك من طريق السمع، وقد ذُكر الدالُّ عليه منه، وكونُ آيةٍ أخرى تفيدُه لا يضرُّ؛ للقَطْعِ بأنَّ طريق القرآن تكرارُ الدَّوَالٌ، خصوصاً إذا كان التأكيدُ مطلوباً . هذا، وإلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من عدم قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب، ذهب الحسنُ وابن سيرين وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وقد رَوَی ذلك عن كلِّ الجلالُ السيوطيُّ في ((الدر المنثور))(٣). (١) الكشاف ٥١/٣، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٥٩/٦. (٢) في (م): الاستئناف، وهو تصحيف. (٣) ٢٠/٥-٢١. الآية : ٥ ٢٢٧ سُوءَةُ النودِ وإلى ما ذهب إليه الشافعيُّ من قبول شهادته، ذَهَب مالكٌ وأحمد، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وطاوس ومجاهد والشعبيُّ والزهريُّ ومحاربٌ وشريح ومعاوية بن قرة وعكرمة وسعيد بن جبير على ما ذكره الطيبيُّ. وعَدُّ ابنِ جُبيرٍ من القائلين كقول الشافعيِّ يخالفُه ما سمعتَ آنفاً. وعَدَّ ابنُ الهمام شريحاً ممَّن قال كقول أبي حنيفة(١). وعن ابن عباس روايتان. وفي ((صحيح البخاريِّ)): جَلَّدَ عمر تَظْلُبه أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعاً بقَذْفٍ المغيرة، ثم استتابهم، وقال: مَن تاب قُبِلتْ شهادته(٢). ومَن تتبَّع تحقَّق أنَّ أكثر الفقهاء قائلون كقول الشافعيّ عليه الرحمة، ودعوى إجماع فقهاء التابعين عليه غيرُ صحيحةٍ كما لا يخفى، والله تعالى أعلم. ووجهُ التعليل المستفادِ من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ على القولين ظاهرٌ، لكن قيل: إنه على قول أبي حنيفة أظهرُ، وهو تعليلٌ لِمَا يفيدُه الاستثناء، ولا محلَّ له(٣) من الإعراب. وجوَّز أبو البقاء كون ((الذين)) مبتدأ، وهذه الجملةُ خبرُه، والرابطُ محذوفٌ، أي: لهم(٤). واختار الجمهور الاستئناف والاستثناء، وهو على ما ذهب إليه أصحابنا منقطعٌ، وبيَّنَه أبو زيد الدبوسيُّ في ((التقويم))(٥) بما حاصله: أنَّ المستثنى وإنْ دخل في الصدر، لكنْ لم يُقْصَدْ إخراجُه من حُكْمِه على ما هو معنى الاستثناءِ المتَّصلِ، بل قُصِدَ إثباتُ حكمٍ آخَرَ له، وهو أنَّ التائب لا يبقى فاسقاً. وتعقَّبه العلَّامةُ الثاني: بأنه إنما يتم إذا لم يكن معنى ((هم الفاسقون)) الثباتَ والدوامَ، وإلا فلا تعذُّرَ للاتصال، فلا وجهَ للانقطاع. (١) فتح القدير ٦/ ٣٠. (٢) علقه البخاري قبل الحديث (٢٦٤٨). (٣) قوله: له، ساقط من (م). (٤) الإملاء ٦٩/٤. (٥) تقويم الأدلة في الأصول للقاضي أبي زيد عبد الله بن عمر الدبوسي الحنفي المتوفى سنة (٤٣٠هـ). سير أعلام النبلاء ١٧/ ٥٢١، وكشف الظنون ١/ ٤٦٧. الآية : ٥ ٢٢٨ سُوَدَّةُ النَّنودِ وبيَّنه فَخْرُ الإسلامِ(١) بأنَّ المستثنى غير داخلٍ في صدر الكلام؛ لأنَّ التائب ليس بفاسقٍ، ضرورةً أنه عبارةٌ عمَّن قام به الفسق، والتائبُ ليس كذلك لزوال الفسق بالتوبة. وهذا مبنيٍّ على أنه يُشترط في حقيقة اسم الفاعل بقاءُ معنى الفعل، وأما إذا لم يشترط ذلك فيتحقَّقُ التناولُ لكن لا يصحُّ الإخراج؛ لأنَّ التائب ليس بُمُخْرَجٍ ممن كان فاسقاً في الزمان الماضي. واعترض بأن المستثنى منه على تقدير اتصال الاستثناء ليس هو الفاسقين، بل الذين حُكم عليهم بذلك، وهم ((الذين يرمون)) المشارُ إليه بقوله تعالى: (وَأُوْلَكَ)، ولا شكَّ أنَّ التائبين داخلون فيهم، مُخْرَجون عن حُكمهم وهو الفسق، كأنه قيل: جميعُ القاذفين فاسقون إلَّا التائبين منهم، كما يقال: القومُ منطلقون إلا زيداً، استثناء متصلاً بناءً على أن زيداً داخلٌ في القوم مُخْرَجٌ عن حكم الانطلاق، فيصحُ الاستثناء المتصلُ سواءٌ جُعِلَ المستثنى منه بحسب اللفظ هو القومُ، أو الضميرُ المستتر في منطلقون بناءً على أنه أقربُ وأنَّ عمل الصفة في المستثنى أظهر، وليس المراد أنَّ المستثنى منه لفظاً هو لفظُ القوم ألبتة، وإذا جُعل المستثنى منه ضميرَ منطلقون فمعنى الكلام أن زيداً داخلٌ في الذوات المحكوم عليهم بالإطلاق، مخرجٌ عن حكم الانطلاق، كما في قولنا: انطلق القوم إلا زيداً، وكذا الكلام في الآية. وأجيبَ: بأن الفاسقين هاهنا إما أن يكون بمعنى الفاسق على قَصْدِ الدَّوام والثبات، أو بمعنى مَن صَدَرَ عنه الفسقُ في الزمان الماضي، أو مَن قام به الفسقُ في الجملة ماضياً كان أو حالاً، فإنْ أريدَ الأولُ فالتائبُ ليس بفاسقٍ، ضرورةً قضاء الشارع بأنَّ التائب ليس بفاسقٍ حقيقةً، ومِن شَرْطِ الاستثناء المتَّصل أن يكون الحكم متناولاً للمستثنى على تقدير السكوت عن الاستثناء، وهذا مرادُ فخر الإسلام بعدم تناول الفاسقين للتائبين، بخلاف منطلقون فإنه يدخل فيه زيد على تقدير عدم الاستثناء، وإن أريد الثاني أو الثالثُ فلا صحةَ لإخراج التائب عن الفاسقين؛ لأنه فاسقٌ بمعنى صدورِ الفسق عنه في الجملة، ضرورةً أنه قاذفٌ والقذفُ فِسْقٌ. ولا يخفى أنَّ منعَ عدم دخول التائبين في الفاسقين بالمعنى الذي ذكرنا، ومَنْعَ عدم صحة إخراجِهِم عنهم بالمعنى الآخَرِ، غيرُ موجَّهٍ، وأنَّ الاستدلال على (١) أي: البزدوي، وكلامه في أصوله بهامش كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري ١٣٣/٣. الآية : ٥ ٢٢٩ سُورَةُالنُّدِ دخولهم بأنه قد حُكم بالفسق على ((أولئك)) المشارِ به إلى ((الذين يرمون)) وهو عامٌّ ليس بصحيح؛ للإجماع القاطع على أنه لا فِسْقَ مع التوبة، وكفى به مخصِّصاً. اهـ وفيه أنَّ الإجماع لا يكون مخصِّصاً فيما نحن فيه؛ لكونه متراخياً عن النصّ، ضرورةً أنه لا إجماع إلَّا بعد زمان النبيِّ وَّ، فالحكم بالفسق على ((أولئك)) المشارِ به إلى ((الذين يرمون)) وهو عامٌ، فيتمّ الاستدلال. وأجيب عن هذا: بأنَّ المراد بالتخصيص قَصْرُ العامِّ على بعض ما يتناولُه اللفظُ لا التخصیصُ المصطلحُ، وهو كما ترى. وفي قوله: ومِن شَرْطِ الاستثناء المتصل .. إلخ، بحثٌ يعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً . وقال العلامة: الظاهرُ كونُ الاستثناء متصلاً، أي: أولئك الذين يرمون محكومٌ عليهم بالفسق، إلا التائبين منهم فإنه غيرُ محكوم عليهم بالفسق؛ لأنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له (١). وكأنه أراد أنهم غيرُ محكوم عليهم بالفسق الدائم، وهو المحكومُ به عليهم في الصدر بقرينة الجملة الاسمية. وذكر بعضُ الأفاضل في توجيه كونه متصلاً: أنَّ دخول المستثنى في المستثنى منه إنما يكون باعتبارِ تناوُلِ المستثنى منه وشمولِه إياه، لا بحَسَبٍ ثُبوته له في الواقع، كيف ولو ثبت الحكم له لما صحَّ استثناؤه، فها هنا ((الذين يرمون)) شاملٌ للتائبين منهم، فلا يضرُّ في صحة الاستثناء أنهم ليسوا بفاسقين وأنَّ التوبة تُنافي ثبوتَ الفسقِ، كما إذا لم يدخل زيد في الانطلاق، فإنه يصحُ استثناؤه باعتبار دخوله في القوم، مثل: انطلق القوم إلا زيداً. والحاصل أنه يكفي في الاستثناء دخولُ المستثنى في حكم المستثنى منه بحسَبٍ دلالة اللفظ، وإنْ لم يدخل فيه بحسب دليلٍ خارج، كما يقال: خلق الله تعالى كلَّ شيءٍ إلَّا ذاتَه سبحانه وصفاتِهِ العُلَى. قال العلّامة: ويمكن الجواب عن هذا بأنه لا فائدة للاستثناء المتصل على هذا التقدير؛ لأنَّ خروج المستثنى من حكم المستثنى منه معلومٌ، فيحمَلُ على المنقطع (١) ورد فيه حدیث سيأتي تخريجه قريباً. الآية : ٦ ٢٣٠ سُودَةُالنودِ المفيدِ لفائدةٍ جديدةٍ، وهذا مرادُ فخر الإسلام بعدم دخول التائبين في صدر الكلام. وبَحَثَ فيه بأنَّ عدم التناول الشرعيِّ مستفادٌ من الاستثناء المذكور في الآية، والحديثُ - أعني: ((التائبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ له))(١) - مبيِّنٌ له، فلا وَجْهَ لمنْعِ وجود الفائدة. وبأنَّ كون خروج المستثنى من حُكُم المستثنى منه معلوماً هنا غيرُ معلوم؛ لمكان الخلاف في اشتراط بقاء الفعل. وبأن الفائدة الجديدة في المنقطع التي يَعْرَى عنها المتصلُ غيرُ ظاهرةٍ. وقال أيضاً: لا يقال: لمَ لا يجوزُ أن يكون المستثنى منه هو ((الفاسقون))، ويكون الاستثناء لإخراج التائبين منهم في الحكم الذي هو الحملُ على أولئك القاذفين والإثباتُ له، فإنَّ الاستثناء كما يجوزُ من المحكوم به يجوزُ من غيره، كما يقال: كرامُ أهلٍ بلدتنا أغنياؤهم إلَّا زيداً، بمعنى أنَّ زيداً وإن كان غنياً لكنه خارجٌ عن الحمل على الكرام = لأنَّا نقول: فحينئذٍ يلزمُ أن يكون التائبون من الفاسقين ولا يكونوا من القاذفين، والأمرُ بالعكس. وقد يقال: إنَّ الاستثناء منقطعٌ، على معنى: أنهم فاسقون في جميع الأحوال إلا حال التوبة. ولا يخفى أنه يحتاجُ إلى تكليفٍ (٢) في التقدير، أي: إلَّ حال توبة الذين .. إلخ، أو: إلا توبةَ القاذفين، أي: وقتَ توبتهِم، على أن يجعل ((الذين)) حرفاً مصدريًّا لا اسماً موصولاً، وضمير ((تابوا)) عائداً على ((أولئك))، وبعد اللُّنيًّا والتي يكونُ الاستثناء مفرَّغاً متصلاً لا منقطعاً. انتهى، فتأمَّلْ. ﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ بيانٌ لحكم الرامين لأزواجهم خاصةً، وهو ناسخٌ لعموم المحصَناتِ، وكانوا قبل نزول هذه الآية يفهمون من آية ((والذين يرمون)) إلخ أنَّ حكم مَن رَمَى الأجنبيةَ وحُكْمَ مَن رَمَى زوجته سواءٌ، فقد أخرج أبو داود وجماعةٌ عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت (وَالَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ) الآيةَ قال سعد بن عبادة وهو (١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥٠)، والطبراني في الكبير (١٠٢٨١) من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود ظُه عن النبيِّ وَّر. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٠٠/١٠: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. اهـ. وله شواهد عن ابن عباس وأبي سعدة الأنصاري وأبي عتبة الخولاني. ينظر سنن البيهقي ١٠/ ١٥٤ . (٢) كذا في الأصل و(م)، ولعل الأَوْلى: تكلّف. الآية : ٦ ٢٣١ سُورَةُ السّنّوْرِ سيدُ الأَنصار: أهكذا أُنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله وَله: (يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقولُ سيدكم؟» قالوا: يا رسول الله، لا تَلُمْه فإنَّه رجلٌ غَيُورٌ، واللهِ ما تزوَّج امرأةً قط إلَّا بكراً، وما طلَّق امرأةً فاجترأ رجلٌ منَّا على أن يتزوَّجها من شدة غيرته. فقال سعدٌ: واللهِ يا رسول الله إنِّي لأَعْلَمُ أنَّها حقٌّ، وأنَّها مِن عند الله تعالى، ولكِنِّي تعجَّْتُ أَنِّ لو وجدتُ لَكَاعاً قد تفخَّذَها رجلٌ، لم يكن لي أنْ أمِیجَه ولا أُحَرِّگه حتی آتي بأربعة شهداءً، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته! قال: فما لبثوا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم، فغدا على رسول اللهِوَ﴿ فقال: يا رسول الله، إنِّي جئت أهلي(١) عشاءً فوجدتُ عندها رجلاً(٢)، فرأيتُ بعيني وسمعتُ بأذني. فكّرِهَ رسولُ الله ◌َچير ما جاء به، واشتدَّ عليه، واجتمعت الأنصارُ فقالوا: قد ابتُلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يَضْرِبُ رسول الله عليه الصلاة والسلام هلال بنَ أمية، وتَبْطُلُ شهادتُه في المسلمين. فقال هلالٌ: والله إنِّي لأرجو أن يَجْعَلَ اللهُ تعالى لي منها مَخْرجاً. فقال: يا رسول الله، إنِّي قد أرى ما اشتدَّ عليك مما جئتُ به، واللهُ تعالى يعلمُ إني لصادقٌ. فوالهِ إنَّ رسول الله بَّه يريدُ أن يأمر بضَرْبِه إذ نزل على رسول الله عليه الصلاة والسلام الوحيُّ، وكان إذا نزل عليه - عليه الصلاة والسلام - الوحيُّ عرفوا ذلك في ترَبُّدِ جِلْدِه، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت: (وَلَّذِينَ يَمُونَ أَزْوَجَهُمْ) الآيةَ، فَسُرِّيَ عن رسول الله وَِّ، فقال: ((أبشر يا هلال، قد كنتُ أرجو ذلك من ربِّي)) وقال عليه الصلاة والسلام: ((أرسلوا إليها)) فجاءت، فتلاها رسول الله عليهما وذكَّرهما، وأخبرهما أنَّ عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا، فقال هلالٌ: والله يا رسول الله لقد صَدَقْتُ عليها. فقالت: كَذَبَ. فقال: رسولُ اللهِ وَلجر: ((لاعِنوا بينهما)) الحديث(٣). ومنه - وكذا من روايةٍ أخرى ذكرها (١) جاء في هامش (م): اسمها خولة بنت عاصم. اهـ منه. (٢) جاء في هامش الأصل و(م): هو شريك بن سحماء كما في صحيح البخاري. اهـ منه. (٣) سنن أبي داود (٢٢٥٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٣١) واللفظ له، والطيالسي (٢٧٨٩)، والطبري ١٨٠/١٧ وهو من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس. قال البخاري: عباد بن منصور روى عن ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن عكرمة أشياء ربما نسيها، فجعلها عن عكرمة. وقال يحيى: عباد بن منصور ضعيف قدري. وقال ابن حبان: كان قدرياً داعياً إلى القدر، وكلُّ ما روى عن عكرمة سمعه من ابن أبي يحيى عن = الآية : ٦ ٢٣٢ سُورَةُ الَّنُوزِ البخاريُّ في صحيحه والترمذيُّ وابنُ ماجه (١) - يُعلم أنَّ قصة هلالٍ سببُ نزول الآية. وقيل: نزلت في عاصم بن عدي(٢). وقيل: في عويمر بن نصر العجلانيٌّ، وفي (صحيح البخاريِ) ما يشهدُ له(٣)، بل قال السهيليُّ: إنَّ هذا هو الصحيحُ، ونَسَبَ غيرَه للخطأ(٤). والمشهورُ كما في ((البحر)) أنَّ نازلةَ هلالٍ قبل نازلةٍ عويمر (٥). وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس أنه قال: لأوَّلُ لعانٍ كان في الإسلام ما وقع بين هلال بن أمية وزوجته(٦). ونقل الخفاجيُّ هنا عن السبكيِّ إشكالاً، وأنه قال: إنه إشكالٌ صعبٌ واردٌ على آية اللِّعان والسرقة والزنى، وهو أنَّ ما تَضمَّنَ الشرطَ نصُّ في العلِّية مع الفاء = داود فدلسها على عكرمة. نصب الراية ٢٥١/٣. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة. (١) صحيح البخاري (٤٧٤٧)، وسنن الترمذي (٣١٧٩)، وسنن ابن ماجه (٢٠٦٧). (٢) ذكره النووي في مبهماته من تهذيب الأسماء واللغات ٣٠٥/١، وتعقبه ابن حجر في فتح الباري ٤٥١/٨ بقوله: فيه نظر؛ لأنه ليس لعاصم فيه قصةُ أنه الذي لا عن امرأته، وإنما الذي وقع عن عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة. (٣) صحيح البخاري (٤٧٤٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي ظُه، وهو عند أحمد (٢٢٨٣٠)، ومسلم (١٤٩٢): (١). وقوله: عويمر بن نصر، كذا نقله عن حاشية الشهاب ٣٦١/٦ ولم يُذكر اسم أبيه في مصادر التخريج، وذكر الحافظ في الفتح ٩/ ٧ أن المعتمد: عويمر بن الحارث. وينظر تفسير القرطبي ١٥/ ١٤٠-١٤١. (٤) كذا نقل المصنف عن الشهاب في الحاشية ٣٦١/٦، وليس هذا القول للسهيلي، وإنما نقله السهيلي في التعريف والإعلام ص١٢٠ عن المهلب، وقال قبل ذلك: الحديث في كلِّ منهما (يعني هلالاً وعويمراً) صحيح، فيحتمل أن تكون قصتين: نزل القرآن في إحداهما، وحُكم في الأخرى بما حُكم في الأولى. اهـ. وقول المهلب ذكره أبو العباس القرطبي في المفهم ٤/ ٣٠٠ عن أبي عبد الله أخي المهلب، وابن حجر في الفتح ٨/ ٤٥٠ وقال: أما قول ابن أبي صفرة فدعوى مجردة، وكيف يجزم بخطأ حديثٍ ثابتٍ في الصحيحين مع إمكان الجمع؟ ! . (٥) البحر ٤٣٣/٦، وذكر ذلك أيضاً ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٦/٤. (٦) مسند أبي يعلى (٢٨٢٤)، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٣/٥. وأخرجه أيضاً النسائي في المجتبى ١٧٢/٦، وابن حبان (٤٤٥١). الآية : ٦ ٢٣٣ سُوَرَّةُ الَّنُوزِ ومحتملٌ لها بدونها، ولتنزيله منزلةَ الشرط يكون ما تضمَّنه من الحدث مستقبلاً لا ماضياً، فلا ينسحبُ حُكْمُه على ما قبله، ولا يَشْمَلُ ما قبله من سبب النزول. وتعقَّبه بأنه لا صعوبةَ فيه، بل هو أسهلُ من شرب الماء البارد في حرِّ الصيف؛ لأنَّ هذا وأمثالَه معناه: إن أردتم معرفةَ هذا الحكم فهو كذا، فالمستقبلُ معرفةٌ حُكْمِه وتنفيذه، وهو مستقبلٌ في سبب النزول وغيره، والقرينةُ على أنَّ المراد هذا أنها نزلت في أمرٍ ماضٍ أريدَ بيانُ حكمِه، ولذا قالوا: دخولُ سببِ النزول قطعيٌّ . ولا حاجةً إلى القول بأنَّ الشرط قد يدخل على الماضي، ولا أنَّ ما تضمَّن الشرطَ لا يلزمُه مساواتُه لصريحه من كلِّ وجهٍ، ولا أنَّ دخول ما ذكر بدلالة النصِّ؛ لفساده هنا (١). انتهى. ثم إنَّ المراد هنا نظيرُ ما مرَّ: والذين يرمون بالزنى أزواجَهم المدخولَ بهنَّ وغيرَ المدخولِ بهنَّ، وكذا المعتدَّات في طلاقٍ رجعيٍّ ﴿وَرْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآَةُ﴾ أربعةٌ یشهدون بما رَمَوْهنَّ به من الزنى. وقرئ: ((تكن)) بالتاء الفوقية(٢)، وقراءة الجمهور أفصح. ﴿إِلَّ أَنفُهُمْ﴾ بدلٌ من («شهداء))؛ لأنَّ الكلام غيرُ موجبٍ والمختارُ فيه الإبدالُ، أو ((إلا)) بمعنى ((غير)) صفة لـ ((شهداء)) ظَهَرَ إعرابُها على ما بعدها لكونها على صورة الحرف، كما قالوا في ((أل)) الموصولةِ الداخلةِ على أسماء الفاعلينَ مثلاً. وفي جَعْلِهم من جملة الشهداء إيذانٌ - كما قيل - من أول الأمر بعدم إلغاءٍ قولهم بالمرَّة، ونَظْمِه في سِلْكِ الشهادة، وبذلك ازداد حُسْنُ إضافة الشهادة إليهم في قوله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ أي: شهادةُ كلِّ واحدٍ منهم، وهو مبتدأ، وقولُه سبحانه: ﴿أَرْبَعُ شَهَدَتٍ﴾ خبرُه، أي: فشهادتُهم المشروعةُ أربعُ شهادات متعلّقٌ بـ ((شهادات))، وجوَّز بعضُهم تعلُّقَه بـ ((شهادة)). وتُعقِّبَ بأنه يلزم حينئذٍ الفصلُ بين المصدر ومعمولِه بأجنبيٍّ، وهو الخبر. وأنت تعلم أنَّ في كون الخبر أجنبيًّا كلاماً، وأنَّ (١) حاشية الشهاب ٦/ ٣٦١. (٢) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والبحر ٤٣٣/٦ . سُورَةُ الَّنُودِ ٢٣٤ الآية : ٧ - ٩ بعض النَّحْويِّينَ أجاز الفصل مطلقاً، وبعضُهم أجازه فيما إذا كان المعمول ظرفاً كما هنا . وقرأ الأكثر: ((أربعَ)) بالنصب على المصدرية(١)، والعاملُ فيه ((شهادة)) وهي خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: فالواجبُ شهادةُ، أو مبتدأ خبرُه محذوف، أي: فعليهم شهادةُ، أو: فشهادةُ أحدهم أربعُ شهادات بالله واجبةٌ أو كافيةٌ. ولا خلافَ في جواز تعلُّقِ الجارِّ على هذه القراءة بكلٍّ من الشهادة والشهادات، وإنما الخلافُ في الأولى. ﴿إِنَُّ لَمِنَ الضَّدِقِينَ ﴾﴾ أي: فيما رماها به من الزنى، والأصلُ: على أنه .. إلخ، فحُذِفَ الجارُّ وكُسِرتْ (إنَّ)، وعلِّق العاملُ عنها باللام للتأكيد، ولا يختصُّ التعليق بأفعال القلوب، بل يكونُ فيما يجري مجراها، ومنه الشهادةُ لإفادتها العلمَ. وجوِّز أن تكون الجملة جواباً للقسم، بناءً على أنَّ الشهادة هنا بمعنى القسم، حتى قال الراغب(٢): إنه يفهم منها ذلك وإن لم يذكر ((بالله))، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك. ﴿وَالْخَمِسَةُ﴾ أي: والشهادةُ الخامسةُ للأربع المتقدِّمة، أي: الجاعلةُ لها خمساً بانضمامها إليهنَّ، وإفرادُها مع كونها شهادةً أيضاً لاستقلالها بالفحوى ووكادتها في إفادتها ما يُقْصَدُ بالشهادة من تحقيق الخبر وإظهار الصدق. وهي مبتدأٌ خبره قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِينَ ﴾﴾ فيما رماها به من الزنى. ﴿وَيَدَرَؤُّأ﴾ أي: يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ أي: العذابَ الدنيويَّ، وهو الحبسُ عندنا والحدُّ عند الشافعيّ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُ الكلام فيه. ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ﴾ أي: الزوجَ ﴿لَمِنَ الْكَذِينَ ﴾﴾ فيما رماها به من الزنى. ﴿وَالْخَيِسَةَ﴾ بالنصب عطفاً على ((أربعَ شهاداتٍ)). وقولُه تعالى: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ﴾ أي: الزوجُ ﴿مِنَ الصََّدِقِينَ ﴾﴾ فيما رماها به من الزنى، بتقديرٍ (١) هي قراءة ابن عامر وابن كثير وشعبة وأبي عمرو ونافع وأبي جعفر ويعقوب. التيسير ص١٦١، والنشر ٣٣٠/٢. (٢) في مفرداته (شهد). الآية : ٩ ٢٣٥ سُوَرَّةُ الَّنَّوُدِ حَرْف الجرِّ، أي: بأنَّ غضب .. إلخ، وجوِّز أن تكون ((أنَّ) وما بعدها بدلاً من ((الخامسة)». وتخصيصُ الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها؛ لِمَا أنها مادَّةُ الفجور، ولأنَّ النساء كثيراً ما يَسْتَعْمِلْنَ اللَّعْنَ، فربما يجترئن على التفوُّه به لسقوط وَقْعِه عن قلوبهنَّ، بخلافِ غَضَبِهِ جلَّ جلالُه. وقرأ طلحةُ والسلميُّ والحسنُ والأعمشُ وخالد بنُ إياس بنصب ((الخامسةَ)) في الموضعين(١)، وقد علمتَ وَجْهَ النصب في الثاني، وأمَّا وجهُ النصب في الأول فهو عَظْفُ ((الخامسةَ)) على ((أربعَ شهادات)) على قراءة مَن نَصَبَ ((أربعَ))، وجَعْلُها مفعولاً لفعلٍ محذوفٍ يدلُّ عليه المعنى على قراءة مَن رَفَعَ ((أربعُ))، أي: ويَشْهَدُ الخامسةَ. والكلامُ في ((أنَّ لَعْنةَ)) إلخ كما سمعتَ في ((أَنَّ غَضَبَ)) إلخ. وقرأ نافع: (أنْ لعنةُ)) بتخفيفِ ((أنْ)) ورَفْع ((لعنةُ))، و: ((أنْ غَضِبَ)) بتخفيف (نْ)) و(غَضِبَ)) فعلٌ ماضٍ، والجلالةُ بعدُ مرفوعةٌ (٢)، و((أنْ)) في الموضعين مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الشأن. ولم يؤتَ بأحدِ الفواصل من ((قد)) والسين و(لا)) بينها وبين الفعل في الموضع الثاني لكون الفعل في معنى الدعاء، فما هناك نظيرُ قوله تعالى: ﴿أَنَّ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٨] فلا غرابةَ في هذه القراءة خلافاً لِمَا يوهِمُه كلامُ ابن عطية(٣). وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون، والأعرجُ ويعقوبُ بخلافٍ عنهما: ((أنْ لعنةُ)) كقراءة نافع و((أنْ غَضَبُ)) بتخفيف ((أنْ)) و(غَضَبُ)) مصدرٌ مرفوعٌ (٤). (١) المحرر الوجيز ١٦٦/٤، والبحر ٤٣٤/٦. وقد قرأ بالنصب في الموضع الثاني عاصم في رواية حفص عنه. التيسير ص١٦١، والنشر ٣٣١/٢. (٢) التيسير ص١٦١، والنشر ٣٣٠/٢. (٣) في المحرر الوجيز ٤ /١٦٧ . (٤) القراءة عن يعقوب في النشر ٣٣٠/٢، وذكرها عن الباقين ابن جني في المحتسب ١٠٢/٢، وأبو حيان في البحر ٦/ ٤٣٤، وعنه نقل المصنف. الآية : ٩ ٢٣٦ سُورَةُ الَّنُودِ هذا وظاهرُ قوله تعالى: (وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ) العمومُ، والمذكورُ في كتب الأصحاب أنه يُشترط في القاذف وزوجته التي قذفها أن يكون لهما أهليةُ أداء الشهادة على المسلم، فلا يجري اللعان بين الكافرين والمملوكين، ولا إذا كان أحدُهما مملوكاً أو صبياً أو مجنوناً أو محدوداً في قَذْفٍ. ويشترطُ في الزوجة كونُها مع ذلك عفيفةً عن الزنى وتهمتِّه بأنْ لم تُوطأ حراماً لعينه ولو مرةً بشبهةٍ أو بنكاحٍ فاسدٍ، ولم يكن لها ولدٌ بلا أبٍ معروفٍ في بلدِ القَذْفِ. واشتراطُ هذا لأنَّ اللِّعانَ قائمٌ مقامَ حدِّ القذف في حقِّ الزوج، كما يشيرُ إليه ما قدَّمناه من الخبر، لكنْ بالنسبة إلى كلِّ زوجةٍ على حِدَةٍ لا مطلقاً، ألا ترى أنه لو قَذَفَ بكلمةٍ أو كلماتٍ أربعَ زوجاتٍ له بالزِّنى، لا يَجْزِيه لعانٌ واحدٌ لهنَّ، بل لا بدَّ أن يُلاعِنَ كلًّا منهنَّ، ولو قَذَفَ أربعَ أجنبياتٍ كذلك حُدَّ حدّاً واحداً بهنَّ. فمتى لم تَكُنِ الزوجة ممن يُحدُّ قاذفُها - كما إذا لم تكن عفيفةً - لم يتحقَّق في قَذْفِها ما يوجب الحدَّ ليقام اللعانُ مقامَه. وأمَّا اشتراطُ كونِهما ممَّن له أهليةُ أداءِ الشهادة، فلأِنَّ اللعان شهاداتٌ مؤكَّداتٌ بالأيمان عندنا، خلافاً للشافعي فإنه عنده أيمانٌ مؤكّدةٌ، وهو الظاهرُ من قول مالكٍ وأحمدَ، فيقع ممَّن كان أهلاً لليمين، وهو مَن(١) يملك الطلاق، فكلُّ مَن يملكُه فهو أهلٌ لِلِّعان عنده، فيكون مِن كلِّ زوجٍ عاقلٍ وإنْ كان كافراً أو عبداً. واستدلَّ على أنَّ اللعان أيمانٌ مؤكّدةٌ بقوله سبحانه: (فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَزْبَعُ شَهَدَاتِ بِلهٌ)، وذلك أنَّ قوله تعالى: (بِلّهِ) مُحْكَمٌ في اليمين، والشهادةُ مُحتَمِلةٌ لليمين، ألا يُرى أنه لو قال: أشهدُ، ينوي به اليمينَ، كان يميناً؟ فيُحْمَلُ المحتملُ على المحكّم؛ لأنَّ حَمْلَه على حقيقته متعذِّرٌ؛ لأنَّ المعهود في الشرع عدمُ قبول شهادة الإنسان لنفسه بخلاف يمينه. وكذا المعهودُ شرعاً عدمُ تكرُّرِ الشهادة في موضعٍ، بخلافِ اليمين فإنَّ تكرُّرَه معهودٌ فِي القَسَامة. ولأنَّ الشهادة محلّها الإثباتُ واليمين للنفي، فلا يتصوَّر تعلَّق حقيقتهما بأمرٍ واحد، فوجب العمل بحقيقة أحدهما ومجازٍ الآخر، فليكن المجازُ لفظُ الشهادة لِمَا سمعتَ من المُؤْجِبَيْن. (١) في الأصل و(م): ممن، والمثبت من فتح القدير ٢٤٨/٣، والكلام منه. الآية : ٩ ٢٣٧ سُودَةُالنودِ واستدلَّ أصحابنا على أنه شهاداتٌ مؤكّدةٌ بأيمانٍ بالآيةِ أيضاً؛ لأنَّ الحمل على الحقيقة يجب عند الإمكان، وقولُه سبحانه وتعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّمْ تُهَدَلَهُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ) أثبتَ أنهم شهداءُ؛ لأنَّ الاستثناء من النفي إثباتٌ، وجَعْلُ الشهداء مجازاً عن الحالفينَ يصيِّرُ المعنى: ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسُهم، وهو غيرُ مستقيم؛ لأنه يفيدُ أنه إذا لم يكن للذين يرمون أزواجهم مَن يحلف لهم يحلفون لأنفسهم، وهذا فرعُ تصوُّرٍ حلفِ الإنسانِ لغيره، ولا وجود له أصلاً. فلو كان معنى اليمين حقيقيّاً لِلَفْظِ الشهادة، كان هذا صارفاً عنه إلى مجازه، كيف وهو مجازيٌّ لها. ولو لم يكن هذا كان إمكانُ العمل بالحقيقة مُؤْجِباً لعدم الحمل على اليمين، فكيف وهذا صارفٌ عن المجاز، وما توهّم كونُه صارفاً مما ذكر غيرُ لازم. قوله: قبولُ الشهادة لنفسه وتكرُّرُ الأداء لا عهدَ بهما . قلنا: وكلٌّ من الحلف لغيره والحلفِ لإيجابِ الحكم لا عَهْدَ به، بل اليمينُ لرفع(١) الحكم، فإنْ جاز شرعيةُ هذين الأمرين في محلِّ بعينه ابتداءً، جاز أيضاً شرعيةُ ذلك ابتداءً (٢)، بل هي أقربُ لعقليةِ كونِ التعدُّدِ في ذلك أربعاً بدلاً عمَّا عجز عنه من إقامة شهود الزنى، وهم أربع، وعدم قبول الشهادة له(٣) عند التهمة، ولذا تثبتُ عند عَدَمِها أعظمَ ثبوتٍ؛ قال الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] فغيرُ بعيدٍ أن تُشْرَعَ عند ضَعْفِها بواسطة تأكيدها باليمين، وإلزام اللعنة والغضب إن كان كاذباً، مع عدم ترتّبٍ موجبها في حقِّ كلٍّ من الشاهدَيْن، إذ موجبُ شهادةٍ كلٌّ إقامةُ الحدِّ على الآخر، وليس ذلك بثابتٍ هنا، بل الثابتُ عند الشهادتين هو الثابتُ بالإيمان، وهو اندفاعُ موجبٍ دعوى كلٍّ عن الآخر، وإنما قيل: عندهما، ولم يُقَلْ: بهما؛ لأنَّ هذا الاندفاعَ ليس موجبَ الشهادتين، بل هو موجبُ تعارضهما . (١) في فتح القدير ٢٤٩/٣: لدفع. (٢) كذا جاءت عبارة المصنف مختصرة، وفي فتح القدير: فإن جاز لمن له ولايةُ الإيجادِ والإعدام والحكم كيفما أراد شرعيةُ هذين الأمرين في محلٌّ بعينه، جاز له أيضاً شرعية ذلك ابتداء . (٣) في فتح القدير: لنفسه، بدل: له. سُوَدَّةُ الَّنُوزِ ٢٣٨ الآية : ٩ وأما قوله: واليمينُ للنفي .. إلخ، فمحلُّه ما إذا وقعت في إنكارِ دعوى مدَّع، وإلَّا فقد يحلفُ على إخبارٍ بأمرٍ نفيٍ أو إثباتٍ، وهنا كذلك؛ فإنها على صِدْقِهِ فَي الشهادة، والحقُّ أنها على ما وقعت الشهادةُ به، وهو كونُه من الصادقين فيما رماها به، كما إذا جمع أيماناً على أمرٍ واحدٍ يخبر به، فإنَّ هذا هو حقيقةُ كونها مؤكِّدةً للشهادة، إذ لو اختلف متعلّقُهما لم يكن أحدهما مؤكّداً للآخر. وأُورِدَ على اشتراط الأهلية لأداء الشهادة، أنهم قالوا: إنَّ اللعان يجري بين الأعميين والفاسقين مع أنه لا أهلية لهما لذلك. ودُفع بأنهما من أهل الأداء، إلا أنه لا يقبل؛ للفِسْقِ، ولعدم تمييز الأعمى بين المشهود له وعليه، وهنا هو قادرٌ على أن يَفْصِلَ بين نفسه وزوجتهِ، فيكون أهلاً لهذه الشهادة دون غيرها. وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أنَّ الأعمى لا يلاعِن(١). وعمم القهستانيُّ(٢) الأهليةَ فقال: ولو بحكم القاضي. والفاسقُ يصحُّ القضاءُ بشهادته، وكذا الأعمى على القول بصحَّتها فيما يثبتُ بالتسامُع، كالموت والنكاح والنسب، وهذا بخلاف المحدود بالقذف؛ فإنه لا يصحُّ القضاء بشهادته، ولعل مراد ابن كمال باشا (٣) بقوله: لو قضى بشهادة المحدود بالقذف نَفَذَ = نفاذُ الحكم بصحّتها ممَّن يراها کشافعيٍّ على ما قيل، وهو خلاف ظاهر كلامه، كما لا يخفى علی مَن رجع إليه. ويشترط كونُ القذف في دار الإسلام، وكونُه بصريح الزنى، فلا لعانَ بالقذف باللِّواط عند الإمام، وعندهما فيه لعانٌ، ولا لعانَ بالقذف كنايةً وتعريضاً، والقذفُ بصريحه نحوُ أن يقال(٤): أنت زانية، أو: يا زانية، أو: رأيتُك تَزْنينَ. والمشهورُ (١) فتح القدير ٢٤٧/٣. (٢) كما في حاشية ابن عابدين ٤٨٣/٣. (٣) شمس الدين أحمد بن سليمان الحنفي الشهير بابن كمال باشا، أحد الموالي الرومية، له تفسير حسنٌ اخْتَرمَتْه المنية ولم يكمله، وله حواش على الكشاف، وشرح بعض ((الهداية))، وله متن في الفقه وشرحه، وغير ذلك، توفي سنة (٩٤٠هـ). شذرات الذهب ٣٣٥/١٠. وكلامه في حاشية ابن عابدين ٤٨٣/٣ . (٤) فى الأصل: يقول. الآية : ٩ ٢٣٩ سُوَرَّةُ الَّنُوزِ عن مالكٍ أنَّ القذفَ بالأوَّلَينِ يوجبُ الحدَّ والذي يوجب اللِّعان القذفُ بالأخير، وهو قول الليث وعثمان ويحيى بن سعيد. وضُعِّفَ بأنَّ الكلَّ رميٍّ بالزنى، وهو السببُ كما تدلُّ عليه الآية فلا فرق. وبمنزلة القذفِ بالصريح نفيُّ نَسَبٍ ولدها منه أو من غيره. وفي ((المحيط)) و((المبتغى)): إذا نفى الولدَ فقال: ليس هذا بابني، ولم يقذفها بالزنى، لا لعانَ بينهما؛ لأنَّ النفي ليس بقذفٍ لها بالزنى يقيناً، لاحتمال أن يكون الولدُ من غيره بوطءٍ شبهةٍ، وهو احتمالٌ ساقط لا يُلتفتُ إليه كما حقَّقه زين في ((البحر))(١). ويشترط في وجوب اللِّعان طلبُ الزوجة في مجلس القاضي - كما في (البدائع))(٢) - إذا كان القذفُ بصريح الزنى؛ لأنَّ اللِّعان حقُّها فإنه لدفع العار عنها، وبذلك قالت الأئمةُ الثلاثة أيضاً. وإذا كان القذفُ بنفي الولد فيشترطُ طلبُ القاذف، لأنه حقُّه أيضاً؛ لاحتياجه إلى نفي مَن ليس ولدَه عنه، ويجب عليه هذا النفيُ إذا تيقّن أن الولد ليس منه؛ لِمَا في السكوت أو الإقرار من استلحاق نسبٍ مَن ليس منه، وهو حرامٌ كنفي نسبٍ مَن هو منه، فقد روى أبو داود والنسائيُّ أنه عليه الصلاة والسلام قال حين نزلت آية الملاعنة: ((أبُّما امرأةٍ أدخلت على قومٍ مَن ليس منهم فليست من الله تعالى في شيءٍ، ولن يُدْخِلَها اللهُ تعالى جنَّتَه، وأيُّما رجلٍ جَحَدَ ولدَه وهو ينظر إليه احْتَجَبَ الله عز وجل عنه يومَ القيامةِ وفَضَحَہ علی رؤوس الأوَّلين والآخِرِين))(٣) . وإن احتملَ أن يكون الولدُ منه فلا يجب، بل قد يباحُ وقد يكون خلافَ الأَوْلَى، بحسب قوةِ الاحتمال وضَعْفِهِ. وقد يَضْعُفُ الاحتمالُ إلى حدٍّ لا يباحُ معه النفيُ، كأنْ أتتِ امرأتُه المعروفةُ بالعفاف بولدٍ لا يشبهُه؛ فعن أبي هريرة: أنَّ رجلاً قال للنبيِّ وَّهِ: إنَّ امرأتي وَلَدَتْ غلاماً أسود. فقال: ((هل لك من إبل؟)) قال: نعم. قال: ((ما ألوانها؟)) قال: (١) البحر الرائق ١٢٣/٤، وينظر بدائع الصنائع ٣٤/٥. (٢) البحر الرائق ١٢٤/٤، وينظر بدائع الصنائع ٢٦/٥-٢٧. (٣) سنن أبي داود (٢٢٦٣)، والمجتبى ١٧٩/٦ من حديث أبي هريرة ظُه. الآية : ٩ ٢٤٠ سُودُ النودِ حمرٌ. قال: ((فهل فيها أَوْرَقُ؟)) قال: نعم. قال: ((فكيف ذلك؟)) قال: نَزَعَهُ عِرْقٌ. قال: ((فلعل هذا نَزَعَه عِرْقٌ))(١). وذكروا فيما إذا كانت مثَّهمةً برجلٍ، فأتت بولدٍ يشبهُه وجهين: إباحة النفي، وعَدَمَها . وأمَّا القذفُ بصريح الزنى فمع التحقُّق يباح، ويجوزُ أن يَسْتُرَ عليها ويمسكَها؛ لظاهر ما روي من أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ امرأتي لا تردّ يَدَ لامسٍ، قال: ((طلِّقها)) قال: إنِّي أحبُّها. قال: ((فأمْسِكُها))(٢) وفيه احتمالٌ آخر ذكره شرَّاحُ الحديث(٣). ومع عدم التحقُّق لا يباح ذلك. والأفضلُ للزوجة أن لا تطالب باللِّعان وتَسْتُرَ الأمر، وللحاكم أن يأمرها [به](٤)، وإذا طَلَبتْ وقد أقرَّ الزوجُ بقَذْفِها، أو ثبت بالبينةِ وهي رجلان لا رجلٌ وامرأتان؛ إذ لا شهادةً للنساء في الحدود - وما في ((النهر)) و((الدرِّ المنتقى))(٥) من جواز ذلك سَبْقُ قلم - لاعَنَ إن كان مصرّاً وعجزَ عن البينة على زناها، أو على إقرارها به، أو على تصديقها له، أو أقام البينةَ على ذلك ثم عمي الشاهدان، أو (١) أخرجه أحمد (٧١٨٩)، والبخاري (٧٣١٤)، ومسلم (١٥٠٠)، وسلف ص٩٢ من هذا الجزء. (٢) أخرجه أبو داود (٢٠٤٩)، والنسائي في المجتبى ١٦٩/٦-١٧٠ من حديث ابن عباس ؤها. قال ابن كثير عند تفسير الآية (٣) من هذه السورة: هذا إسناد جيد. اهـ. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٣٢٤/٣ من حديث جابر وقال: قال أحمد بن حنبل: هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله وَّر، ليس له أصل. اهـ. وسئل عنه ابن حجر - كما في تنزيه الشريعة ٢ / ٢١٠ - فأجاب بأنه حسن صحيح، وقال: لم يصب مَن قال: إنه موضوع. اهـ. قال ابن كثير: قيل: المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس، لا أن هذا الأمر واقع منها وأنها تفعل الفاحشة؛ فإن رسول الله بَل﴿ لا يأذن في مصاحبة مَن هذه صفتها، فإن زوجها في هذه الحالة يكون ديوثاً . (٣) ذكر هذا الاحتمال ابن كثير عن ابن قتيبة قال: إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلاً. وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٣٢٥/٣: حمله أبو بكر الخلال على الفجور، ولا يجوز هذا، إنما يحمل على تفريطها في المال، لو صحَّ الحديث. (٤) ما بين حاصرتين من الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤٨٥/٣. (٥) كما في حاشية ابن عابدين ٤٨٥/٣.