Indexed OCR Text
Pages 181-200
الآية : ٢ ١٨١ سُوَرَّةُ الَّنُوزِ واجباً، ولا يدلُّ على أنه واجبٌ بطريق الحدِّ، بل ما في ((صحيح البخاريِ)) من قول أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَّهِ قضى فيمَن زنى ولم يُحصَنْ بنفي عام وإقامةِ الحدِّ (١)، ظاهرٌ في أنَّ النفي ليس من الحدِّ؛ لعَظْفِه عليه. وكونُه استَعْمَلَ الحَدَّ في جزءٍ مسمَّاه وعَطَفَ على الجزء الآخَرِ بعيدٌ، فجاز كونُه تعزيراً لمصلحة، وقد يغرِّبُ الإمام لمصلحةٍ يراها في غير ما ذكر، كما صحَّ أنَّ عمر بن الخطاب تَظُه غرَّبَ نصر بن حجاج إلى البصرة بسبب أنه لجماله افتتن بعض النساء به، فسمع قائلةً - يقال: إنها أُّ الحجّاج الثقفيِّ، ولذا قال له عبد الملك يوماً: يا ابن المتمنِّية - تقول: أو هل سبيلٌ إلى نصر بنِ حجَّاج هل مِن سبيلٍ إلى خمرٍ فأَشْربَها سهلِ المحيًّا كريمٍ غيرٍ مِلْجاج(٣) إلى فتّى ماجدِ الأعراق مُقْتَبلٍ (٢) والقولُ بأنه لا يجتمع التعزيرُ مع الحدِّ لا يخفى ما فيه. وادَّعى الفقيهُ المرغينانيُّ أنَّ الخبر المذكور منسوخٌ، فإنَّ شطره الثانيَ الدالَّ على الجمع بين الجلدِ والرَّجْمِ منسوخٌ كما علمت(٤). وفيه: أنه لا لزومَ، فيجوزُ أن تُرْوَى جملٌ نُسِخَ بعضُها، وبعضُها لم يُنْسَخْ. نعم ربما يكون نَسْخُ أحدِ الشطرين مسهِّلاً لتطرُّقِ احتمالٍ نَسْخ الشطر الآخر، فيكون هذا الاحتمالُ قائماً فيما نحن فيه، فيَضْعُفُ عن درجة الآحاد التي لم يتطرّقْ ذلك الاحتمالُ إليها، فيكون أحرى أنْ لا يَنْسَخَ ما أفاده الكتابُ من أنَّ الحدَّ هو الجَلْدُ لا غيرَ على ما سمعتَ تقريرَه، فتأمَّلْ. ثم إنَّ التغريب ليس مخصوصاً بالرجل عند أولئك الأئمة، فقد قالوا: تغرَّبُ (١) صحيح البخاري (٦٨٣٣). (٢) جاء في هامش الأصل و(م): هو الذي لم يظهر فيه أثر كبر. (٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢٨٥/٣، وابن عساكر في تاريخه ٢٢/٦٢، وليس فيه تعيين القائلة، وورد ذلك عند ابن قتيبة في غريب الحديث ٢٢٣/٢، وفيه أن القائل: يا ابن المتمنية هو عروة بن الزبير في مجلس عبد الملك بن مروان. (٤) يعني حديث عبادة بن الصامت به الذي سلف قريباً، وتمامه: ((والثيِّبُ بالثيِّب، جلدُ مئةٍ والتغريب)). وكلام المرغيناني في الهداية مع فتح القدير ١٣٤/٤، وما سيأتي من كلام ابن الهمام. سورة النورِ ١٨٢ الآية : ٢ المرأةُ مع مَحْرَمٍ، وأجرتهُ عليها في قول، وفي بيتِ المالِ في آخَرَ. ولو امتنع ففي قولٍ يُجْبِرُهُ الإمام، وفي آخَرَ: لا. ولو كانت الطريق آمنةً ففي تغريبها بلا مَحْرَمٍ قولان. وعند مالك والأوزاعيِّ إنما يُنْفَى الرجل ولا تُنفَى المرأة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((البكرُ بالبكرِ)) إلخ. وقال غيرهما ممن تقدَّم: إنَّ الحديث يجب أن يشملها، فإنَّ أوَّلَه: ((خُذُوا عَنِّي، قد جَعَلَ الله تعالى لهنَّ سبيلاً، البكرُ بالبكرِ)) إلخ، وهو نصٌّ على أنَّ النفيَ والجَلْدَ سبيلٌ للنساء، والبكرُ يقال على الأنثى، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ((البكرُ تستأذن))(١)؟ ومع قَطْعِ النظر عن كلِّ ذلك قد يقال: إنَّ هذا من المواضع التي تَثْبتُ الأحكام فيه في النساء بالنصوص المفيدةِ إياها للرجال بتنقيح المناط (٢). هذا، ثم لا يَخْفَى أنَّ الظاهر من ((الزانية والزاني)) ما يَشْمَلُ الرقيقَ وغيرَه، فيكون مقدارُ الحدِّ في الجميع واحداً، لكنَّ قوله تعالى: ﴿فَعَلَتِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى اُلْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ الآية [النساء: ٢٥] أخرجت الإماء، فإنَّ الآية نزلت فيهنَّ، وكذا أخرجت العبيدَ؛ إذ لا فَرْقَ بين الذكر والأنثى بتنقيح المناط، فيرجع في ذلك إلى دلالة النصِّ بناءً على أنه لا يُشتَرَطُ في الدلالة أولويةُ المسكوت بالحكم من المذكور، بل المساواةُ تكفي فيه. وقيل: تدخلُ العبيد بطريق التغليب، عكسَ القاعدة وهي تغليبُ الذكور. ولا يشترطُ الإحصانُ في الرقيق؛ لِمَا روى مسلم وأبو داود والنسائيُّ عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله وَله: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، مَن أُحْصِنَ ومَن لم يُحْصَنْ))(٣) وفيه دليلٌ على أنَّ الشرط - أعني الإحصان (١) أخرجه البخاري (٦٩٧١) من حديث عائشة ﴿ا، ومسلم (١٤٢١) من حديث ابن عباس ٠ (٢) تنقيح المناط: إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق، أو: إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه. المحصول للرازي ٢٢٩/٥، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ١٩٤ . (٣) صحيح مسلم (١٧٠٥)، وسنن أبي داود (٤٤٧٣)، وسنن النسائي الكبرى (٧٢٠١) و(٧٢٢٩). وهو عند مسلم موقوف على عليٍّ ظُه، وليس في المرفوع عند أبي داود = الآية : ٢ ١٨٣ سُورَّةُ الَّنودِ في الآية الدالّة على تنصيف الحدِّ - لا مفهومَ له، ونقل عن ابن عباس وطاوس أنه لا حدَّ على الأمة حتى تُحْصَنَ بزوج، وفيه اعتبارُ المفهوم. ثم هذا الإحصانُ شرطٌ للجَلْدِ لأنَّ الرجم لا يتنصَّفُ. وللشافعيِّ في تغريب العبد أقوالٌ: يغرَّبُ سنةً. يغرَّبُ نصفَ سنةٍ. لا يغرَّب أصلاً. والخطاب في قوله تعالى: (فَأَجْلِدُوأ) لأئمَّةِ المسلمين ونوَّابهم. واختلف في إقامة المولى الحدَّ على عبده، فعندنا لا يقيمُه إلا بإذن الإمام، وقال الشافعيُّ ومالكٌ وأحمد: يقيمه من غير إذن، وعن مالك: إلا في الأَمَة المزوَّجة(١). واستثنى الشافعيُّ من المولى: الذميَّ والمكاتَبَ والمرأة. وكذا اختلف في إقامة الخارجيِّ المتغلب الحدَّ، فقيل: يقيم، وقيل: لا. وأدلَّةُ الأقوال المذكورة وتحقيقُ ما هو الحقُّ منها في محلّه. والظاهرُ أنَّ إقامة الحدِّ المذكور بعد تحقّق الزنى بإحدى الطرق المعلومة، وقال إسحاق: إذا وجد رجلٌ وامرأةٌ في ثوبٍ واحدٍ يُجْلَدُ كلُّ واحدٍ منهما مئةً جلدةٍ. وروي ذلك عن عمر وعليٍّ رًِّا. وقال عطاءٌ والثوريُّ ومالكٌ وأحمدُ: يؤدَّبان، على مذاهبهم في الأدب. · تَأْخُذُكُم بِمَا رَأَفَةٌ﴾ تلظُّفُ ومعاملةٌ برفقٍ وشفقةٍ ﴿ِ بِنِ اللهِ﴾ في طاعته وإقامةٍ حدِّه الذي شرعه عز وجل. والمرادُ النهيُّ عن التخفيف في الجلد، بأن يجلدوهما جلداً غيرَ مؤلم، أو بأن يكون أقلّ من مئة جلدةٍ. وقال أبو مجلز ومجاهد وعكرمة وعطاء: المراد النهيُ عن إسقاط الحدِّ بنحو شفاعةٍ، كأنه قيل: أقيموا عليهما الحدَّ ولابد. وروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن جبير، وفي هذا دليلٌ على أنه لا يجوز الشفاعة في إسقاط الحدِّ. والظاهرُ أن المراد عدمُ جوازِ ذلك بعد ثبوت سبب الحدِّ عند الحاكم، وأما قبل الوصول إليه والثبوتٍ = والنسائي: أحصن أولم يحصن. وله شاهد من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني عند البخاري (٢١٥٣، ٢١٥٤)، ومسلم (١٧٠٤). (١) هذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ملكاً للسيد، فلو كان جاز للسيد ذلك. ينظر المفهم لأبي العباس القرطبي ١٢٢/٥، وتفسير القرطبي ٢٤٠/٦. سُورَةُ النّورِ ١٨٤ الآية : ٢ فإنَّ الشفاعة عند الرافع لمن اتَّصَفَ بسبب الحدِّ إلى الحاكم ليطلقه قبل الوصول وقبل الثبوت، تجوز. ولم يَخصُّوا ذلك بالزنى؛ لِمَا صحَّ أنه عليه الصلاة والسلام أنكر على حِبِّه أسامةَ بنِ زيد حين شفع في فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية السارقة قطيفةً، وقيل حليّاً، فقال له: ((أَتَشْفَعُ في حدٍّ من حدود الله تعالى؟)) ثم قام فخطب فقال: ((أيها الناس، إنما ضلَّ مَن قَبْلَكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وايمُ الله تعالى لو أنَّ فاطمةً بنتَ محمدٍ سَرَقَتْ - وحاشاها - لقطعتُ يدها))(١) . وكما تَحرُمُ الشفاعة يَحْرُمُ قبولُها، فعن الزبير بن العوام رَظُه أنه قال: إذا بلغ الحدُّ إلى الإمام فلا عفا الله تعالى عنه إن عفا. و((بهما)) قيل: متعلِّقٌ بمحذوفٍ على البيان، أي: أعني بهما، وقيل: بتَرْأفوا محذوفاً، أي: ولا تَرْأفوا بهما. ويُفْهِمُ صنيعُ أبي البقاء اختيارَ تعلُّقه بـ ((تأخذ)» والباء للسببية، أي: ولا تأخذكم بسببهما رأفةٌ، ولم يجوِّز تعلُّقه بـ ((رأفة)) معلِّلاً بأنَّ المصدرَ لا يتقدَّم معمولهُ عليه(٢). وعندي هو متعلِّقٌ بالمصدر، ويُتَوسَّعُ في الظرف ما لا يتوسَّعُ في غيره، وقد حقَّق ذلك العلّامةُ سعدُ الملَّةِ والدِّين في أول ((شرح التلخيص)) بما لا مزيدَ عليه. و((في دين)) قيل: متعلّقٌ بـ (تأخذ)) وعليه أبو البقاء (٣). وقيل: متعلِّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((رأفة)). وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والسُّلميُّ وابن مقسم، وداود بن أبي هند عن مجاهد: ((ولا يأخذكم)) بالياء التحتية(٤)؛ لأن تأنيث ((رأفة)) مجازيٌّ، وحسَّن ذلك الفَصْلُ. (١) أخرجه البخاري (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة (٢) الإملاء ٤/ ٦٨. (٣) في الإملاء ٦٨/٤. (٤) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والبحر ٤٢٩/٦. الآية : ٢ ١٨٥ سُورَةُ الَّنُوزِ وقرأ ابن كثير: ((رأَفةٌ)) بفتح الهمزة(١). وابن جريج: ((رآفة)) بألف بعد الهمزة على وزن فَعَالة، ورُوي ذلك عن عاصم وابن كثير(٢). ونقل أبو البقاء أنه قرئ: (رافةٌ)) بقَلْبِ الهمزة ألفاً(٣)، وهي في كلِّ ذلك مصدرٌ مسموٌ، إلا أنَّ الأشهر في الاستعمال ما وافق قراءة الجمهور. ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ من باب التهييج والإلهاب، كما يقال: إن كنتُ رجلاً فافعل كذا، ولاشكّ في رجوليَّته، وكذا المخاطبون هنا مقطوعٌ بإيمانهم، لكنْ قُصِدَ تهييجُهم وتحريكُ حَمِيَّتهم ليَجدُّوا في طاعة الله تعالى، ويجتهدوا في إجراء أحكامه على وجهها. وذكر ((اليوم الآخر)) لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة الرأفة بهما . ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَايِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: ليحضُرْه زيادةً في التنكيل، فإنَّ التفضيح قد ينكِّلُ أكثر من التعذيب، أو لذلك وللعبرة والموعظة. وعن نصر بن عَلْقمةَ (٤): أنَّ ذلك ليُدْعَى لهما بالتوبة والرحمة لا للتفضيح. وهو في غاية البُعْدِ من السياق. والأمر هنا - على ما يدلُّ عليه كلام الفقهاء - للنَّذْبِ. واختلف في هذه الطائفة؛ فأخرج عبد بن حميد(٥) وغيره عن ابن عباس أنه قال: الطائفةُ: الرجلُ فما فوقه. وبه قال أحمد. وقال عطاء وعكرمةُ وإسحاق بن راهويه: اثنان فصاعداً، وهو القولُ المشهور (١) التيسير ص ١٦١، والنشر ٣٣٠/٢. (٢) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والبحر ٤٢٩/٦، والمشهور عن ابن كثير فتح الهمزة كما سلف، وعن عاصم تسکینها . (٣) الإملاء ٦٨/٤. قال السمين في الدر المصون ٣٨٠/٨: ومثل هذا ظاهر غير محتاج للتنبيه عليه، فإنها لغة مستقلة وقراءة متواترة. اهـ. وقال الداني في التيسير ص ٣٦: اعلم أنَّ أبا عمرو كان إذا قرأ في الصلاة، أو أدرج قراءته، أو قرأ بالإدغام، لم يهمز كلَّ همزة ساكنة، سواءٌ كانت فاءً أو عيناً أو لاماً. (٤) الحضرمي، أبو علقمة الحمصي، من رجال التهذيب، وأخرج قوله ابن أبي حاتم ٢٥٢٠/٨. (٥) كما في الدر المنثور ١٨/٥، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ٢٥٢٠/٨. سودة النودِ ١٨٦ الآية : ٢ لمالك. وقال قتادة والزهريُّ: ثلاثةٌ فصاعداً. وقال الحسن: عشرة. وعن الشافعي وزيد: أربعة، وهو قولٌ لمالك. قال الخفاجيُّ: وتحقيقُ المقام أنَّ الطائفة في الأصل اسمُ فاعلٍ مؤنَّثٍ من الطّواف: الدوران أو الإحاطة، فهي إما صفةُ نفسٍ، أي: نفسٌ طائفةٌ، فتُطلَقُ على الواحد، أو صفةُ جماعةٍ، أي: جماعةٌ طائفة، فتطلق على ما فوقه، فهي كالمشترك بين تلك المعاني، فتُحْمَلُ في كلِّ مقامٍ على ما يناسبه. وذكر الراغب(١): أنها إذا أريد بها الواحد يصحُّ أن تكون جمعاً كُني به عن الواحد، ويصحُّ أن تكون مفرداً والتاءُ فيها كما في: راوية. وفي حواشي العَضُد للهرويِّ(٢): يصحُّ أن يقال للواحد: طائفة، ويراد: نفسٌ طائفةٌ، فهي من الطواف بمعنى الدوران. وفي ((شرح البخاري)): حَمَلَ الشافعيُّ الطائفة في مواضعَ من القرآن على أَوْجُوٍ مختلفةٍ بحسب المواضع، فهي في قوله تعالى: ﴿فَلَوَّلَا نَّفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] واحدٌ فأكثر، واحتَجَّ على قبول خبر الواحد، وفي قوله تعالى: (وَلَيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَابِقَةٌ) أربعةٌ، وفي قوله سبحانه: ﴿فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] ثلاثةٌ. وفرَّقوا في هذه المواضع بحسب القرائن؛ أما في الأولى فلأنَّ الإنذار يحصل به، وأما في الثانية فلأنَّ التشنيع فيه أشدّ، وأما في الثالثة فلضمير الجمع بعدُ في قوله تعالى: (وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ) وأقلُّه ثلاثةٌ. وكونُها مشتقَّةً من الطواف لا ينافيه؛ لأنه يكون بمعنى الدوران، أو هو الأصلُ وقد لا يُنْظَرُ إليه بعد الغلبة، فلذا قيل: إنَّ تاءها للنقل(٣). انتهى. ولا يخلو عن بحث. والحقُّ أن المراد بالطائفة هنا: جماعةٌ يَحْصُلُ بهم التشهيرُ والزَّجْر، وتختلف قلَّةً وكثرةً بحَسَبِ اختلاف الأماكن والأشخاص، فربَّ شخصٍ يحصل تشهيرُه (١) في مفرداته (طوف). (٢) لعله المحقق المولى حيدر الهروي، المتوفى في عشر الثلاثين وثمانمئة، وله شرح المواقف للعضد الإيجي. كشف الظنون ١٨٩٤/٢. والكلام من حاشية الشهاب ٣٥٦/٦. (٣) حاشية الشهاب ٣٥٦/٦، والكلام في عمدة القاري ٢٠٩/١ إلى قوله: وأقله ثلاثة، وينظر أحكام القرآن للشافعي ٢١٩/١. الآية : ٣ ١٨٧ سورة النورِ وزَجْرُه بثلاثةٍ، وآخَرَ لا يحصلُ تشهيرُهُ وزَجْرُه بعشرة، وللقائل بالأربعة هنا وجهٌ وجيه كما لا يخفى. ﴿اَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةُ﴾ تقبيحٌ لأمر الزاني أشدَّ تقبيح، ببيان أنه بعد أن رضي بالزنى لا يليق به أن ينكح العفيفةَ المؤمنةَ، فبينهما كما بَيْنَ سهيلٍ والثُّريًّا فترى هذه شاميَّةً إذا ما استقلَّت، وترى ذاك إذا ما استقلَّ يمانيّاً، وإنما يليقُ به أن ينكح زانيةً هي في ذلك طَبَقَه(١)، ليوافِقَ - كما قيل - شَنٌّ طَبَقَه(٢). أو مشركةً هي أسوأ منه حالاً وأقبح أفعالاً . فـ ((لا ينكحُ)) خبرٌ مرادٌ منه: لا يليقُ به أن ينكح، كما تقول: السلطانُ لا يكذب، أي: لا يليق به أن يكذب، نزل فيه عدمُ لياقة الفعل منزلةً عَدَمِه، وهو كثيرٌ في الكلام. ثم المرادُ اللياقةُ وعدمُ اللياقةِ من حيث الزنى، فيكون فيه من تقبيح الزنى ما فيه. ولا يُشْكِلُ صحةُ نكاح الزاني المسلم الزانيةَ المسلمةَ وكذا العفيفةَ المسلمةَ، وعدمُ صحة نكاحه المشركةَ المذكورةَ في الآية - إذا فسِّرت بالوثنية - بالإجماع؛ لأنَّ ذلك ليس من اللَّياقة وعدم اللياقة من حيث الزنى، بل من حيثيةٍ أخرى يعلمها الشارع كما لا يخفى. وعلى هذا الطرزِ قوله تعالى: ﴿وَالزََِّةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِلةٌ﴾ أي: الزانية بعد أن رضيت بالزنى، فَوَلَغَ فيها كلبُ شهوةِ الزاني، لا يليقُ أن ينكحها من حيث إنها كذلك إلَّا مَن هو مثلُها وهو الزاني، أو مَن هو أسوأ حالاً منها وهو المشرك، وأمَّا المسلم العفيفُ فَأَسَدُ غيرته يأبى ورودَ جُفْرَتها(٣): (١) الطَّبق من كل شيء: ما ساواه، والطَّبَق: غطاء كل شيء. القاموس (طبق). (٢) الشنُّ: وعاءٌ من أدم كان قد تشنَّنَ، أي: تقبَّض، فجُعل له غطاءٌ فوافقه. وقيل: طبق: قبيلة من إياد كانت لا تطاق، فأوقعت بها شنٍّ فانتصفت منها، فضربتا مثلاً للمتفقين في الشدة وغيرها. وقيل: طبقةُ: امرأة عاقلة تزوَّج بها رجل عاقل. ينظر جمهرة الأمثال ٢٣٦/٢، ومجمع الأمثال ٢٥٩/٢، والمستقصى ٤٣٣/١، والقاموس (طبق). (٣) الجُفْرة والجَفْر: البئر الواسعة التي لم تُطْوَ، أو هي التي طوي بعضها ولم يُظْوَ بعض. التاج (جفر). : سُورَةُ الَّنُوزِ ١٨٨ الآية : ٣ وتجتنبُ الأسودُ ورودَ ماءٍ إذا كان الكلاب يَلِغْنَ فيه(١) ولا يُشْكِلُ على هذا صحةُ نكاحه إياها، وعدمُ صحةِ نكاح المشرك سواءٌ فسِّر بالوثنيٍّ أو بالكتابيِّ ليحتاج إلى جواب، وهو ظاهر. والإشارةُ في قوله سبحانه: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ يحتمل أن تكون للزِّنا المفهوم مما تقدَّم، والتحريمُ عليه على ظاهره، وكذا ((المؤمنين)). ولعل هذه الجملة وما قبلها متضمِّنةٌ لتعليلِ ما تقدَّم من الأمر والنهي، ولذا لم يعطف قوله سبحانه: (الَّنِ لَا يَنكِحُ) إلخ عليه كما عطف قوله عز وجل الآتي: (وَالَّذِينَ يَّمُونَ الْمُعْصَنَتِ) إلخ، وأمرُ إشعارٍ ما تقدَّم بالتحریم سهلٌ. وتخصیصُ المؤمنین بالتحريم عليهم على رأيٍ مَن يقول: إنَّ الكفار غيرُ مكلَّفين بالفروع؛ ظاهر، وأمَّا على رأي مَن يقول بتكليفهم بها كالأصول - وإن لم تصَّ منهم إلا بعد الإيمان - فتخصيصُهم بالذكر لشرفهم. ويحتمل أن تكون النكاح الزانية، وعليه فالمرادُ من التحريم المنعُ، وبـ ((المؤمنين)) المؤمنون الكاملون، ومعنى مَنْعِهم عن نكاح الزواني: جَعْلُ نفوسهم أبيّةً عن المیل إلیه، فلا یلیقُ ذلك بهم. ولا يأبى حَمْلُ الآية على ما قرِّر فيها ما روي في سبب نزولها مما أخرج أبو داود، والترمذيُّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ وابن المنذر وغيرهم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان رجلٌ يقال له: مَرْثد، يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينةَ، وكانت امرأةٌ بَغيِّ بمكة يقال لها: عَناق، وكانت صديقةً له، وإنه وَعَدَ رجلاً من أسارى مكة بحمله، قال: فجئتُ حتى انتهيتُ إلى ظلِّ حائطٍ من حوائط مكة في ليلةٍ مقمرة، فجاءت عناقُ فأبصرتْ سوادَ ظلِّ تحت الحائط، فلما انتهتْ إليَّ عَرَفَتْني، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: مرحباً وأهلاً، هلمَّ فبِتْ عندنا الليلةَ. قلت: يا عَناق، حرَّم الله تعالى الزنى. قالت: يا أهل الخيام هذا الرجلُ يحمل أسراكم. قال: فتَبِعني ثمانيةٌ، وسلكتُ الخندمة فانتهيتُ إلى غارٍ أو كهفٍ فدخلتُ، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي [فبالُوا]، فطَلَّ بولُهم على (١) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ٧/ ٣٤٤، والمستطرف ١٠٤/١ . الآية : ٣ ١٨٩ سُودَةُالنّورِ رأسي، وعَمَاهم الله تعالى عنِّي، ثم رجعوا، ورجعتُ إلى صاحبي فحملتُه حتى قدمتُ المدينةَ، فأتيتُ رسول الله وَّه فقلت: يا رسول الله، أنكحُ عناق؟ فأمسك فلم يَرُدَّ عليَّ شيئاً، حتى نزل: (الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ) الآية، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((يا مرثد: (الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَِّيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّ زَنٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فلا تنكحها))(١) = لأنَّ تفريع النهي فيه عن نكاح تلك البغيِّ ممَّا لا شبهةَ في صحته على تقدير كون الآية المفرَّع عليها لتقبيح أمر الزاني والزانية، فكأنه قيل: إذا علمتَ أمرِ الزانية، وأنها بلغت في القُبْحِ إلى حيث لا يليقُ أن ينكحها إلا مثلُها أو مَن هو أسوأُ حالاً، فلا تنكحها. نعم في هذا الخبر ما هو أوفقُ بجَعْلِ الإشارة فيما مرَّ إلى نكاح الزانية، ويعلمُ منه وجهُ تقديم ((الزاني)) والإخبارِ عن ((الزانية)) بأنه لا ينكحها إلا زانٍ أو مشركٌ على خلاف ما تقتضيه المقابلةُ. هذا، وللعلماء (٢) في هذه الآية الجليلة كلامٌ كثيرٌ لا بأس بنقل ما تيسّر منه وإبداءِ بعض ما قيل فيه، ثم انظر فيه وفيما قدَّمناه واخْتَرْ لنفسك ما يحلو. فأقول: نُقل عن الضخَّاك والقفَّال - وقال النيسابوريُّ(٣): إنه أحسنُ الوجوه في الآية - أنَّ قوله سبحانه: (الَِّ لَا يَنكِحُ) إلخ حُكْمٌ مؤسَّسٌ على الغالب المعتاد، جيءَ به لزَجْرِ المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زَجْرِهم عن الزنى، وذلك أنَّ الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنى والتقُّبُ لا يرغبُ غالباً في نكاح الصَّوَالِح من النساء اللاتي على خلافٍ صفته، وإنما يرغبُ في فاسقةٍ خبيثةٍ من شَكْلِه أو في مُشْرِكٍ. والفاسقةُ الخبيئةُ المسافحةُ كذلك لا يرغب في نكاحها الصُّلَحاءُ من الرجال، وينفرون عنها، وإنَّما يرغبُ فيها مَن هو مِن شَكْلِها من الفَسَقةِ والمشركين، ونظيرُ هذا الكلام: لا يفعلُ الخيرَ إلَّا تقيٍّ، فإنَّه جارٍ مجرى الغالب. (١) سنن أبي داود (٢٠٥١) مختصراً، وسنن الترمذي (٣١٧٧) واللفظ له وما بين حاصرتين منه، والمستدرك ١٦٦/٢، وسنن البيهقي الكبرى ٧/ ١٥٣، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ١٩/٥، وأخرجه أيضاً النسائي في المجتبى ٦٦/٦. (٢) في (م): والعلماء، وهو خطأ. (٣) في غرائب القرآن ٥٧/١٨. سُودَةُالّنُزِ ١٩٠ الآية : ٣ ومعنى التحريم على المؤمنين على هذا، قيل: التنزيهُ، وعبّر به عنه للتغليظ، ووجهُ ذلك أنَّ نكاح الزَّوَاني متضمِّنٌ التشبُّه بالفسَّاق، والتعرُّضَ للتهمة، والتسبُّبَ لسوء القالة والطعنِ في النسب، إلى كثيرٍ من المفاسد. وقيل: التحريمُ على ظاهره، وذلك الفعلُ يتضمَّن محرَّماتٍ، والحرمةُ ليست راجعةً إلى نفس العقد ليكون العقد باطلاً. وعلى القولين الآيةُ محكمةٌ. ولا يخفى أنَّ حمل الزاني والزانية على مَن شأنُهما الزنى والتقخُّبُ لا يخلو عن بُعْدٍ؛ لأنهما فيما تقدَّم لم يكونا بهذا المعنى، والظاهر الموافقة، وأيضاً لا يكاد يسلَّم أنَّ الغالب عدمُ رغبةٍ مَن شأنهُ الزنى في نكاح العفائف، ورغبتُه في الزواني أو المشركات، فكثيراً ما شاهدنا كثيراً من الزناة يتحرَّون في النكاح أكثر من تحرِّي غيرِهم، فلا يكاد أحدهم ينكحُ مَن في أقاربها شبهةُ زنّى، فضلاً عن أن تكون فيها، وقليلاً ما سمعنا برغبة الزاني في نكاح زانيةٍ أو مشركةٍ. وأيضاً في حَمْلِ التحريم على التنزيه نوعُ بُعْدٍ، وكذا حَمْلُه على ظاهره مع التزامِ أنَّ الحرمة ليست راجعةً إلى نفس العقد. وفي ((البحر)): (١) روي عن ابن عمر (٢) وابن عباس وأصحابه أنَّ الآية في قومٍ مخصوصين كانوا يزنون في جاهليتهم ببغايا مشهوراتٍ، فلمَّا جاء الإسلام وأسلمواً لم يُمكِنْهم الزنى، فأرادوا لفقرهم زواجَ أولئك النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاقُ على مَن تَزَوَّجهن، فنزلت الآية لذلك. والإشارةُ بالزاني إلى أحد أولئك القوم، أطلق عليه اسم الزنى الذي كان في الجاهلية للتوبيخ، ومعنى ((لا ينكحُ إلا زانيةً أو مشركةً)): لا يريد أن يتزوَّج إلا زانيةً أو مشركة، أي: لا تَنْزِعُ نفسُه إلا إلى هذه الخسائس لقلَّة انضباطها، والإشارةُ بـ ((ذلك)) إلى نكاح أولئك البغايا، والتحريم على ظاهره. ويَرِدُ على هذا التأويل أنَّ الإجماع على أنَّ الزانية لا يجوز أن يتزوَّجها مشرٌ. انتهى. (١) ٤٣٠/٦ (٢) كذا في الأصل و(م) والبحر، ولعل الصواب: ابن عمرو، وخبره أخرجه أحمد (٦٤٨٠) و(٧٠٩٩)، والنسائي في الكبرى (١١٢٩٥)، والطبري ١٧/ ١٥٠، والواحدي في أسباب النزول ص ٣٢٧-٣٢٨. الآية : ٣ ١٩١ سُورَةُ الَّنُوزِ وأنت تعلم أنَّ هذا لا يَرِدُ بعد حَمْلٍ نفي النكاح على نفي إرادة التزوّج؛ إذ يكون المعنى حينئذ: الزانيةُ لا يريد أن يتزوَّجها إلا زانٍ أو مشرٌ، وليس في الإجماع ما يأباه. وفيه أيضاً كلامٌ ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى. نعم كونُ («الزاني)) إشارةً إلى أحد أولئك القوم، وهم من المهاجرين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين كما جاء في آثارٍ كثيرة وقد أسلموا وتابوا من الزنى، محلُّ تردُّدٍ؛ إذ يَبعْدُ كلَّ البُعْدِ أنْ يسمِّيّ الله عز وجل بالزنی صحابيًّا كان قد زنی قبل إسلامه، ثم أسلم وتاب فخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه، ويُطْلِقَ سبحانه عليه هذا الوصفَ الشنيعَ الذي غَفَرَه تبارك وتعالى له بمجرَّدٍ أنه مال إلی نکاح زانیةٍ بسبب ما به من الفقر قبل العلم بحَظْرٍ ذلك، مع أنهم كانوا ناوين(١) على فراق مَن ينكحونهنَّ إذا وجدوا عنهنَّ غنّی. فقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه قال: لمَّا قدم المهاجرون المدينةَ قَدِموها وهم بجهدٍ إلا قليلٌ منهم، والمدينةُ غاليةُ السعر شديدةُ الجهد، وفي السوق زَوَانٍ مُتَعالِناتٌ من أهل الكتاب وإماء لبعض الأنصار، قد رَفَعَتْ كلُّ امرأةٍ على بابها علامةً لتُعرَف أنها زانية، وكنَّ من أخصبٍ أهل المدينة وأكثرِهم خيراً، فرغب أناسٌ من مهاجري المسلمين فيما يكتَسِبْنَ للذي فيهم من الجهد، فأشار بعضُهم على بعضٍ: لو تزوَّجْنا بعضَ هؤلاء الزواني، فنصيبَ من فضول ما يكتَسِبْنَ. فقال بعضهم: نستأمرُ رسولَ اللهِ وَّهِ. فَأَتَوْه فقالوا: يا رسول الله، قد شقَّ علينا الجهدُ، ولا نجدُ ما نأكل، وفي السوق بغايا نساءٍ أهل الكتاب وولائدهن وولائد الأنصار يكتسبن لأنفسهنَّ، فيَصْلُحُ لنا أن نتزوَّجَ منهنَّ فنُصيبَ من فضولِ ما يكتسبن، فإذا وجدنا عنهنَّ غنّى تركناهنَّ؟ فأنزل الله تعالى الآية(٢). وأيضاً إطلاقُ الزاني عليه بهذا المعنى لا يوافقُ إطلاق الزانية على إحدى صاحبات الرايات، وكذا لا يوافقُ إطلاق الزاني على مَن أطلق عليه في قوله سبحانه: (الزَِّيَةُ وَالزَِّ فَاجْلِدُوا) إلخ. (١) في (م): نادين، وهو تصحيف. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٢٢/٨ - ٢٥٢٣. سُورَةُ الَّنُوزِ ١٩٢ الآية : ٣ وقال أبو مسلم وأبو حيان(١)، وأخرجه أبو داود في ((ناسخه))، والبيهقيُّ في (سننه))، والضياء في ((المختارة))، وجماعةٌ، من طريق ابن جبير عن ابن عباس، أنَّ النكاح بمعنى الوطء - أي: الزنى - و ((ذلك)) إشارةٌ إليه(٢)، والمعنى: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلَّا زانيةً من المسلمين، أو أخسَّ منها وهي المشركةُ، والزانيةُ لا يطؤُها حين زناها إلا زانٍ من المسلمين، أو أخسُّ منه وهو المشركُ، وحرَّم الله تعالى الزنى على المؤمنين. وتعقّبَ بأنه لا يُعْرَفُ النكاحُ في كتاب الله تعالى إلَّا بمعنى التزويج، وبأنه يؤدِّي إلى قولك: الزاني لا يزني إلَّا بزانيةٍ، والزانيةُ لا تزني إلا بزانٍ، وهو غيرُ مسلَّم؛ إذ قد يزني الزاني بغيرِ زانيةٍ، يعلم أحدُهما بالزنى والآخر جاهلٌ به يظنُّ الْحِلَّ، وإذا ادُّعي أنَّ ذلك خارجٌ مخرجَ الغالب كان من الإخبار بالواضحات، وإن حُمِلَ النفي على النهي كان المعنى نهيَ الزاني عن الزنى إلا بزانيةٍ، وبالعكس، وهو ظاهرُ الفساد. وأجيب عن الأول: بأنَّ جلَّ العلماء على أن النكاح في قوله تعالى: ﴿حَّ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] بمعنى الوطء دون العقد، وردُّوا على مَن فسَّره بالعقد وزعم أنَّ المطلَّقة ثلاثاً تَحِلُّ لزوجها الأول بعقدِ الثاني عليها دون وطٍ. وعن الثاني: بأنه إخبارٌ خارجٌ مخرجَ الغالب أريد به تشنيعُ أمرِ الزنى، ولذلك زِيدَتِ المشركةُ، والاعتراضُ بالوضوح ليس بشيءٍ. وللفاضلِ سريِّ الدِّين المصريِّ كلامٌ طويلٌ في ذلك. وما قيل: إنه حينئذٍ يكون كقوله تعالى: (الْخَبِيثَتُ لِلْخَبِيثِنَ) إلخ فيحصل التكرار، ستعلم إن شاء الله تعالى أنه لا يتمُّ إلا في قول. وقيل: النكاحُ بمعنى التزوُّجِ، والنفيُ بمعنى النهي، وعبّر به عنه للمبالغة، وأيِّد بقراءة عمرو بن عبيد: ((لا يَنْكِحْ)) بالجزم(٣)، والتحريمُ على ظاهره. (١) في البحر ٦/ ٤٢٩. (٢) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ١٥٤، والأحاديث المختارة ١٥٠/١٠، وعزاه لأبي داود السيوطي في الدر ١٩/٥، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في التفسير ٥١/٢، وابن أبي حاتم ٢٥٢٢/٨. (٣) القراءات الشاذة ص ١٠٠، والبحر ٤٣١/٦. الآية : ٣ ١٩٣ سودة النّورِ قال ابن المسيب: وكان الحكم عامّاً في الزناة أن لا يتزوَّج أحدُهم إلا زانيةً، ثم جاءت الرخصةُ ونُسِخَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَى مِنْكُرُ﴾ [النور: ٣٢] وقوله سبحانه: ﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. وروي القول بالنسخ عن مجاهد، والى ذلك ذهب الإمام الشافعيُّ؛ قال في ((الأم): اختلف أهلُ التفسير في قوله تعالى: (الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَإِيَةٌ) إلخ اختلافاً متبايناً، قيل: هي عامةٌ ولكنها نُسِخَتْ؛ أخبرنا سفيان، عن يحيى، عن سعيد بن المسيّب أنه قال: هي منسوخةٌ، نَسَخَتْها: (وَأَنْكِحُواْ الْأَيَ مِنْكُرْ) فهي - أي: الزانية - من أيامى المسلمين كما قال ابن المسيب إن شاء الله تعالى، ولنا دلائلُ من الكتاب والسنَّة على فساد غيرِ هذا القول، وبَسَطَ الكلام(١). وقد نقل هذا عن الإمام الشافعيِّ البقاعيُّ، ثم قال(٢): إنَّ الشافعيَّ لم يُرِدْ أنَّ هذا الحكم نُسِخَ بآية الأيامى فقط، بل مع ما انضمَّ إليها من الإجماع وغيرِه من الآيات والأحاديث، بحيث صيَّر ذلك دلالتها على ما تناولته متيقَّناً كدلالة الخاصِّ على ما تناوله، فلا يقال: إنه خالف أصله في أنَّ الخاصَّ لا يُنْسَخُ بالعامِّ، بل العامُّ المتأخِّر محمولٌ على الخاصِّ؛ لأنَّ ما تناوله الخاصُّ متيقَّنٌ وما تناوله العامُ مظنونٌ. اهـ. والجبائيُّ يزعم أنَّ النسخ بالإجماع، ولعله أراد أنه كاشفٌ عن ناسخ، وإلَّا فالإجماع لا يكون ناسخاً كما بيِّن في علم الأصول، نعم في تحقَّقِ الإجماع هنا کلام. واعترض هذا الوجهُ بأنه يلزم عليه حِلُّ نكاح المشرك للمسلمة، وأقول: إنَّ نكاح الكافر للمسلمة كان حلالاً قبل الهجرة وبعدها إلى سنة الستِّ، وفيها بعد الحديبية نزلت آيةُ التحريم كما صرَّح بذلك العلَّامُ ابنُ حجر الهيتميُّ وغیرُه، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ ◌َه زوَّج بنته زينب ﴿َُّا لأبي العاص بن الربيع قبل البعثة، وبُعث عليه الصلاة والسلام ثم هاجَرَ وهاجَرَتْ معه وهي في نكاح أبي العاص، ولم يكن (١) الأم ١٣١/٥ (٢) في نظم الدرر ٢١٠/١٣. سُوَّةُ الَّنُوزِّ ١٩٤ الآية : ٣ مؤمناً إذ ذاك، واستمرَّ الأمر على ذلك إلى سنة الستِّ، فلمَّا نزلت آيةُ التحريم لم يَلْبَثْ إلَّا يسيراً حتى جاء وأظهر إسلامه ◌َظُبه، فردَّهَا وَِّ له بنكاحه الأول(١). فيحتمل أن يكون النكاح المذكور حلالاً عند نزول الآية التي نحن فيها، بأنْ يكون نزولُها قبل سنة الستِّ ثم نُسخ، وفي هذه السورة آياتٌ نصُّوا على أنَّ نزولها كان قبل ذلك، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُو بِآلْإِفْكِ﴾ إلخ [الآية: ١١] قالوا (٢): إنها نزلت عامَ غزوةٍ بني المُصطَلِقِ، وكانت سنة خمسٍ(٣) لِلَيْلتين خَلَتا من شعبان، فلعل هذه الآيةَ من هذا القبيل، بل في أثرٍ رواه ابنُ أبي شيبة عن ابن جبير وذكره العراقيُّ وابنُ حجر ما ظاهرهُ أنَّ هذه الآية مكيةٌ(٤)، فإذا انضمَّ هذا إلى ما روي عن ابن المسيب وقال به الشافعيُّ يكون فيها نسخان، لكنْ لم أَرَ مَن نبّه على ذلك، وإذا صحَّ كان هذا الوجهُ أقلّ من الأَوْجُهِ السابقة مؤنةً، وكأنِّي بك لا تفضِّلُ عليه غيره. وذهب قومٌ إلى أنَّ حرمة التزوُّج بالزانية أو من الزاني إن لم تَظْهَر التوبةُ من الزنى باقيةٌ إلى الآن، وعندهم أنه إن زنى أحد الزوجين يَفْسُد النكاح بينهما. وقال (١) أخرج أحمد (٢٣٦٦)، وأبو داود (٢٢٤٠)، والترمذي (١١٤٣) من حديث ابن عباس . أن رسول الله ◌َوِ ردَّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين، على النكاح الأول، ولم يُحدِثْ شهادة ولا صَدَاقاً. وذكر ابن كثير عند تفسير الآية (١٠) من سورة الممتحنة، وابن حجر في الفتح ٩/ ٤٢٣ أن هجرة زينب كانت بعد غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة، وأن قدوم أبي العاص مسلماً كان في السنة الثامنة للهجرة بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين. وقال ابن كثير: أجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين يحتمل أنه لم تنقض عدتها منه (يعني تطاولت العدة فيما بين نزول آية التحريم وإسلام أبي العاص) لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يُسلم انفسخ نكاحها منه. وقال آخرون: بل إذا انقضت العدة هي بالخيار، إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت، وحملوا عليه حديث ابن عباس. والله اعلم. (٢) في (م): قال. (٣) في (م): خمسة. (٤) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٢ بلفظ: كنَّ بغايا بمكة قبل الإسلام، فكان رجال يتزوَّجونهن فينفقن عليهم ما أصبن، فلما جاء الإسلام تزوَّجهن رجال من أهل الإسلام، فحرَّم رسول الله ◌َّر ذلك عليهم. الآية : ٣ ١٩٥ سورة النور بعضهم: لا ينفسخ، إلّا أنَّ الرجل يؤمر بطلاق زوجته إذا زنت، فإنْ أمسكها أثم. وعند بعضٍ من العلماء أنَّ الزنى عيبٌ من العيوب التي يثبت بها الخيارُ، فلو تزوَّجتْ برجلٍ فبان لها أنه ممن يُعْرَفُ بالزنى، ثبت لها الخيارُ في البقاء معه أو فراقه. وعن الحسن: أنَّ حرمةَ نكاح الزاني للعفيفة إنما هي فيما إذا كان مجلوداً، وكذا حرمة نكاح العفيف للزانية إنما هي إذا كانت مجلودةً، فالمجلودُ عنده لا يتزوَّج إلا مجلودةً، والمجلودةُ لا يتزوَّجُها إلا مجلودٌ، وهو موافقٌ لما في بعض الأخبار، فقد أخرج أبو داود وابن المنذر وجماعةٌ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّةٍ: (لا ينكحُ الزاني المجلودُ إلَّا مثلَه))(١). وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر أنَّ رجلاً تزوَّج امرأةً، ثم إنه زنى فأقيم عليه الحدُّ، فجاؤوا به إلى عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، ففرَّق بينه وبين امرأته وقال له: لا تتزوَّج إلا مجلودةً مثلك(٢). وعن ابن مسعود والبراء بن عازب أنَّ مَن زنى بامرأةٍ لا يجوزُ له أن يتزوَّجها أصلاً . وأبو بكر الصديق وابنُ عمر وابنُ عباس وجابر وجماعةٌ من التابعين والأئمةِ على خلافه. واستُدلَّ على ذلك بما أخرجه الطبرانيُّ والدارقطنيُّ من حديث عائشة ﴿ّ قالت: سئل رسول الله وَله عن رجلٍ زنى بامرأةٍ وأراد أن يتزوَّجها فقال: ((الحرامُ لا يحرِّمُ الحلال))(٣). (١) سنن أبي داود (٥٠٥٢)، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٥/ ٢٠، وأخرجه أيضاً أحمد (٨٣٠٠). (٢) الدر المنثور ٢٠/٥، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٢٧٣/٤ عن ابن سابط أن علياً أتي بمحدود ... وعبد الرحمن بن سابط لم يثبت سماعه من الصحابة. وأخرجه البيهقي ٧/ ١٥٦ من طريق العلاء بن بدر وقال: فهذا منقطع، وروي عن حنش بن المعتمر أن قوماً اختصموا إلی عليّ ... وحنش غير قوي. اهـ. (٣) المعجم الأوسط (٤٨٠٣)، وسنن الدارقطني (٣٦٨٠)، وأخرجه أيضاً ابن حبان في المجروحين ٩٨/٥، وابن عدي ١٨٠٨/٥، وابن الجوزي في العلل ٩٩/٢، وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، قال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات الأشياء الموضوعات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحافظ في التقريب: متروك، وكذبه ابن معين. الآية : ٤ ١٩٦ سُودَةُ النّورِ هذا ومن أَضْعَفِ ما قيل في الآية: إنه يجوز أن يكون معناها ما في الحديث، من أنَّ مَن زَنَى تَزْني امرأتُه، ومَن زَنَتْ يزني زوجُها. فتأمَّل جميعَ ذاك، والله عز وجل يتولَّى هُداك. وقرأ أبو البرهسم: ((وحرَّم)) بالبناء للفاعل وهو الله تعالى. وزيد بن عليٍّ ◌َ﴿هًا: (حَرُمَ)) بفَتْحِ الحاء وضمِّ الراء(١). ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ شروعٌ في بيانِ حُكُم مَن نَسَبَ الزنى إلى غيره بعد بيانِ حُكْمِ مَن فَعَلَه والموصولُ على ما اختاره العلََّمَةُ الثاني في ((التلويح)» (٢) منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ يدلُّ فعلُ الأمر بعدُ عليه، أي: اجلدوا الذين. ويجوزُ أن يكون في محلٌّ رفعٍ على الابتداء، ولا يخفى عليك خبرُه. والآيةُ نزلت في امرأة عويمر كما في ((صحيح البخاريِ))(٣). وعن سعيد بن جبير أنها نزلت بسبب قصة الإفك. والرميُّ مَجازٌ عن الشتم، وُجُرْحُ اللسانِ كجُرْحِ اليد، والمراد: الرميُّ بالزنى، كما يدلُّ عليه إيرادُ ذلك عقيبَ الزَّواني، مع جَعْلِ المفعول («المحصنات)» الدالِّ على النزاهة عن الزنى، وهذا كالصريح في ذلك، وربما يُدَّعَى أنَّ اشتراط أربعةٍ من الشهود يشهدون بتحقُّق ما رمي به كما يدلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَِّ ثُهَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَدَةً﴾ قرينةٌ على المراد، بناءً على العلم بأنه لا شيءَ يتوقَّفُ ثبوتُه بالشهادة على شهادة أربعةٍ إلا الزنى. والظاهرُ أن المراد: النساءُ المحصنات، وعليه يكون ثبوتُ وجوبٍ جَلْدِ رامي المُحْصَنِ بدلالة النصِّ؛ للقَطْعِ بإلغاء الفارق وهو صفة الأنوثة، واستقلالِ دَفْعِ عارٍ = وأخرجه ابن ماجه (٢٠١٥) من حديث ابن عمر ◌ًا، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة ٣٥٠/١. (١) القراءتان في البحر ٤٣١/٦. (٢) التلويح في كشف حقائق التنقيح، لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني. كشف الظنون ٤٩٦/١. (٣) برقم (٤٧٤٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٢٨٣٠)، ومسلم (١٤٩٢)، وهو من حديث سهل بن سعد الساعدي الآية : ٤ ١٩٧ سُورَةُ الّنُوزِ ما نُسب إليه بالتأثير، بحيث لا يتوقّف فهمُّه على ثبوت أهلية الاجتهاد. وكذا ثبوتُ وجوبٍ جَلْدِ راميةِ المحصَنِ أو المحصَنةِ بتلك الدلالة، وإلّا فـ (الذين يرمون)) للجمع المذكَّر، وتخصيصُ الذكور في جانب الرامي والإناث في جانب المرميِّ لخصوص الواقعة. وقيل: المرادُ: الفروج المُحْصَنات. وفيه أنَّ إسناد الرمي يأباه، مع ما في التوصيف(١) بالمحصنات من مخالفة الظاهر. وقال ابن حزم وحكاه الزهراويُّ(٢): المراد: الأنفس المحصنات(٣)، واستدلَّ له أبو حيان بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] (٤) فإنه لولا أنَّ المحصنات صالحٌ للعموم لم یقيَّد. وتُعقِّب بأنَّ ((من النساء)) هناك قرينةٌ على العموم، ولا قرينةَ هنا، وجَعْلُ كونٍ حُكْمِ الرجال كذلك قرينةً لا يخلو عن شيءٍ، فالأولى الاعتمادُ على ما تقدم. والإحصانُ هنا لا يتحقَّق إلا بتحقُّق العقَّة عن الزنى - وهو معناه المشهور - وبالحرية والبلوغ والعقل والإسلام. قال أبو بكر الرازيُّ: ولا نعلم خلافاً بين الفقهاء في ذلك(٥). ولعل غيره عَلِمَ كما ستعلم إن شاء الله تعالى. (١) في (م): مع ما فيه من التوصيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٥٧/٦، والكلام منه . (٢) أبو حفص عمر بن عبيد الله بن يوسف القرطبي، محدث الأندلس مع ابن عبد البر، توفي سنة (٤٥٤هـ). سير أعلام النبلاء ٢١٩/١٨. (٣) قول الزهراوي ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٤/٤، ونقله المصنف مع قول ابن حزم عن البحر ٦/ ٤٣١. وفي المحلى ٢٧٠/١١: قال بعض أصحابنا: نص الآية عام للرجال والنساء، وإنما أراد الله تعالى: النفوس المحصنات ... وأما جوابنا الذي نعتمد عليه ونقطع على صحته، وأنه مراد الله بالبرهان الواضح، فهو أن الله تعالى إنما أراد بقوله: ((والذين يرمون المحصنات)»: الفروج المحصنات. (٤) في البحر ٤٣١/٦. (٥) أحكام القرآن للجصاص ٢٦٧/٣، ونقله المصنف عن البحر ٤٣١/٦. الآية : ٤ ١٩٨ سُوَدَّةُ الَّنُزِ وثبوتُهُ(١) بإقرار القاذف، أو شهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين خلافاً لزفر. ووجهُ اعتبار العقَّة عن الزنى ظاهرٌ لكنْ في ((شرح التَّحَاوي)) في الكلام على العفة عدمُ الاقتصار على كونها عن الزنى، حيث قال فيها: بأنْ لم يكن وطئَ امرأةً بالزنى ولا بشبهةٍ ولا بنكاح فاسد في عمره، فإنْ كان فَعَلَ ذلك مرةً - یریدُ النكاحَ الفاسد - تسقطُ عدالتُه ولا حدَّ على قاذفه. وكذا لو وطئ في غير الملك، كما إذا وطئ جاريةً مشتركةً بينه وبين غيره سقطت عدالته. ولو وطئ في الملك إلا أنه مُخْرَّمٌ فإنه يُنظرَ: إن كانت الحرمةُ مؤقَّةً لا تسقط عدالتُه، كما إذا وطئ امرأته في الحيض أو أمتَه المجوسيةَ، وإن كانت مؤبَّدةً سقطت عدالتُه، كما إذا وطئ أمته وهي أخته من الرضاعة. ولو مسَّ امرأةً أو نظر إلى فَرْجِها بشهوةٍ، ثم تزوَّج بنتَها فدخل بها، أو أمَّها، لا يسقطُ إحصائُه عند أبي حنيفة عليه الرحمة(٢)، وعندهما يسقط. ولو وطئ امرأةً بالنكاح ثم تزوَّج [بنتها ودخل] بها سقط إحصانه. انتهى. والمذكورُ في غيرٍ كتابٍ(٣) أنَّ أبا حنيفة يشترطُ في سقوط الحدِّ عن قاذف الواطئ في الحرمة المؤبَّدة كونَ تلك الحرمةِ ثابتةً بحديثٍ مشهورٍ، كحُرْمَةٍ وَظْءٍ المنكوحة بلا شهودٍ، الثابتةِ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نكاحَ إلَّا بشهود)»(٤) وهو حديثٌ مشهورٌ. أو ثابتةً بالإجماع كموطوءة أبيه بالنكاح أو بملك اليمين، لو تزوَّجها الابنُ، أو اشتراها فوَطِئَها. ومثلُ ذلك عنده وَظْءُ مَزْنيَّته، فإنه لا يعتبر الخلاف عند ثبوت الحرمة بالنصِّ، وهنا قد ثبتت به لقوله تعالى: ﴿وَلَا شَكِحُواْ مَا نَكَعَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وإنما يعتبرُه إذا ثبتت بقياسٍ أو احتياطٍ (١) أي: الإحصان. فتح القدير ١٩٢/٤، والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) جاء في هامش الأصل و(م): وكذا عند الأئمة الثلاثة. اهـ منه. (٣) كما في فتح القدير ٢٠٥/٤. (٤) قال ابن حجر في الدراية ٢/ ٥٥: لم أره بهذا اللفظ. وقال الزيلعي في نصب الراية ١٦٧/٣ : غريب بهذا اللفظ، وفي الباب أحاديث منها ما أخرجه ابن حبان في صحيحه [(٤٠٧٥)] عن عائشة قالت: قال رسول الله تاجر: ((لا نكاح إلا بوليٍ وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل ... )). الآية : ٤ ١٩٩ سُورَةُ الّنُوزِ كثبوتها بالنظر إلى الفرج والمسِّ بشهوة، فإنَّ ثبوتها فيما ذكر لإقامة السبب مقام المسبّب احتياطاً، ومِن هذا يُعلم حالُ فروعٍ كثيرة، فليحفظ. وما ذكر من سقوط إحصان مَن وَطِئَ أَمَتَه وهي أختُه من الرضاع فيه خلافُ الكرخيِّ، فإنه قال: لا يسقط الإحصان بوطئها، وهو قول الشافعيِّ ومالكٍ وأحمد، لقيام الملك، فكان كوطء أمته المجوسية. وفيه أنَّ الحرمة في وطء المجوسية يمكن ارتفاعُها فتكون مؤقتةً، وحرمةٌ الرضاع لا يمكن ارتفاعُها، فلم يكن المحلُّ قابلاً للحلِّ أصلاً(١). واشترط في الملك أن لا يظهر فسادُه بالاستحقاق، فلو اشترى جاريةً فوطئها، ثم استحقَّت فقذفه إنسانٌ، لا يحدُّ(٢). وفي ((كافي)) الحاكم والقهستانيٌّ و((الفتح)): أنَّ الوطء في الشراء الفاسد يُسْقِطُ الحدَّ عن القاذف(٣)، وحَمَلَه بعضهم على ما ذكرنا . وقال بعض الأجلَّة: كما يشترط العفةُ عن الزنى يشترط السلامةُ عن تهمته، ويُحتَرِزُ به عن قذفِ ذاتٍ ولدٍ ليس له أبٌّ معروف، فإنهم ذكروا أنه لا يحدُّ قاذفُها لمكان التهمة، وقد ذكر ذلك الحصكفيُّ في باب اللُّعان من ((شرح تنوير الأبصار)) (٤). ولا تقاسُ اللواطةُ على الزنى، فلو قذف بها لا يحدُّ القاذف خلافاً لأبي يوسف ومحمد، وقد اختلفا في أحكامٍ كثيرةٍ ذكرها زين الدين في ((بحره))(٥). وأما اعتبارُ الحريةِ فلأنَّها يُطْلَقُ عليها اسم الإحصان، قال الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فإن المراد بالمحصنات فيه (١) فتح القدير ٢٠٦/٤. (٢) حاشية ابن عابدين ٤٦/٤. (٣) كذا قال، وقال ابن عابدين في الحاشية ٤٦/٤: في كافي الحاكم: رجل اشترى جارية شراءً فاسداً فوطئها ثم قذفه إنسان، قال: على قاذفه الحد. ومثله في القهستاني، وكذا في الفتح [٢٠٦/٤] قال: لأن الشراء الفاسد يوجب الملك، بخلاف النكاح الفاسد. (٤) ٣٣٥/١، وذكره أيضاً في باب حد القذف ١/ ٤٣٧. (٥) البحر الرائق ١٨/٥ و٣٤. الآية : ٤ ٢٠٠ سودةُ النّورِ الحرائر، فالرقيقُ ليس مُحصَناً بهذا المعنى، وكونُه محصناً بمعنَى آخَرَ كالإسلام وغيرِه فيكونُ(١) محصناً من وجهٍ دون وجهٍ، وذلك شبهةٌ في إحصانه توجبُ درءً الحدِّ عن قاذفه، فلا يحدُّ حتى يكون محصناً بجميع المفهومات التي يطلق عليها لفظُ الإحصان، إلا ما أُجمع على عدم اعتباره في تحقّق الإحصان، وهو كونُ المقذوفة زوجةً، أو كونُ المقذوف زوجاً؛ فإنه جاء بمعناه في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٢٤] أي: المتزوجات، ولا يعتبر في إحصان القذف، بل في إحصان الرَّجم. ثم لا شكّ في أنَّ الإحصان أطلق بمعنى الحرية كما سمعتَ، وبمعنى الإسلام في قوله عز وجل: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] قال ابن مسعود: أَسْلَمْنَ. وهذا يكفي في إثبات اعتبارِ الإسلام في الإحصان. وعن داود عدمُ اشتراطِ الحرية، وأنَّه يحدُّ قاذفُ العبد. وأما اعتبارُ العقلِ والبلوغِ ففيه إجماعٌ، إلا ما رُوي عن أحمد عليه الرحمة، من أنَّ الصبيَّ الذي يجامِعُ مثلُه مَحصَنٌ فَيُحَدُّ قاذفه، والأصحُّ عنه موافقةُ الجماعة. وقولُ مالكٍ في الصبية التي يجامَعُ مثلُها: يحدُّ قاذفها، خصوصاً إذا كانت مراهقةً؛ فإنَّ الحدَّ لعلةِ إلحاقِ العار، ومثلُها يلحقُه العار. وكذا قولُه وقولُ الليث: إنه يحدُّ قاذفُ المجنون لذلك. والجماعةُ يمنعون كونَ الصبيِّ والمجنون يلحقُهما العارُ بنسبتهما إلى الزنى، بل ربما يُضْحَكُ مِن ناسِبِهما إليه، إمَّا لعدم صحةٍ قَصْدِه منهما، وإما لعدم مخاطبتهما بالمحرَّمات وما أشبه ذلك. ولو فرضنا لحوقَ عارٍ بالمراهقِ، فليس ذلك على الكمال، فيندرئُ الحدُّ. ومثلُ الصبيِّ والمجنون في أنه ربَّما يُضْحَكُ مِن نسبةِ الزنى إليهما: الرَّتقاءُ والمجبوبُ، بل هما أولى بذلك؛ لعدم تصوُّره فيهما، ولذا لا يحدُّ بقَذْفِهِما. وإلّا ما روي عن سعيدٍ وابن أبي ليلى: من أنه يحدُّ بقذفِ الذمية إذا كان لها ولدٌ مسلم، وكذا ما قيل: إنه يحدُّ بقذفها إذا كانت تحت مسلم. (١) جاء في فتح القدير ١٩٢/٤ (والكلام منه) بدل فيكون: يوجب كونه، وهو أنسب بالسياق.