Indexed OCR Text
Pages 101-120
الآية : ٦٠ ١٠١ سُؤَدَةُ الْمُؤْمِنُونَ وقد يؤيَّد الوجهُ الأول بقراءة الأعمش: ((إنهم)) بكسر الهمزة (١). ولعل التعبير بالجملة الاسمية المخبَرِ فيها بالوصف دون الفعل المضارع للمبالغة في تحقّق الرجوع، حتى كأنه من الأمور الثابتة المستمرَّة، كذا قيل. وجوِّز على بُعْدٍ أن يكون المراد من الرجوع المذكور الرجوعَ إليه عز وجل بالعبودية، فوَجْهُ التعبير بالجملة الاسمية عليه أظهرُ من أن يخفى، ووجهُ تعليل الخوف من عدمِ القبول وعدمٍ وقوع فِعْلِهم - كائناً ما كان - على الوجه اللائق بأنهم راجعون إليه تعالى بالعبودية، عدمُ وجوبٍ قبولِ عملهم عليه تعالى حينئذٍ؛ لأنه سبحانه مالكٌ، وللمالك أن يفعل بملكه ما يشاء، وظهورُ نَقْصِهم - كيف كانوا - عن كماله جل جلاله، والناقصُ مظنةُ أن لا يأتي بما يليق بالكامل، لا سيما إذا كان ذلك الكاملُ هو الله عز وجل، الذي لا يتناهى كمالُه. ولا أراك تَرَى في هذا الوجه كلفاً سوى كلفِ البُعْدِ فتأمَّل. ثم إنَّ الموصولات الأربع - على ما قاله شيخ الإسلام وغيرُه - عبارةٌ عن طائفةٍ واحدةٍ متَّصفةٍ بما ذكر في حيِّز صِلَاتها من الأوصاف الأربعة، لا عن طوائفَ كلُّ واحدةٍ منها متَّصفةٌ بواحدٍ من الأوصاف المذكورة، كأنه قيل: إنَّ الذين هم من خشية ربّهم مشفقون، وبآيات ربِّهم يؤمنون .. إلخ. وإنما كرِّر الموصول إيذاناً باستقلال كلِّ واحدةٍ من تلك الصفات بفضيلةٍ باهرةٍ على حيالها، وتنزيلاً لاستقلالها منزلةَ استقلال الموصوف بها(٢)، وهذا جارٍ على كلتا القراءتين في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوْأ). وللعلَّامة الطيبيّ في هذا المقام كلامٌ لا أظنك تستطيبهُ، كيف وفيه القولُ بأنَّ الذين هم بربِّهم لا يشركون، والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلةٌ، هم العاصون من أمة محمدٍ بَّل، وهو غاية البُعْدِ. وقد ذكر الإمامُ أنَّ الصفة الرابعة نهايةُ مقاماتِ الصدِّيقين(٣). (١) البحر ٦ / ٤١١ . (٢) تفسير أبي السعود ١٤٠/٦. (٣) تفسير الرازي ٢٣/ ١٠٧. سُؤَةُ المُؤْمنُونَ ١٠٢ الآية : ٦١ ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى مَن ذُكر باعتبار اتِّصافهم بتلك الصفات، وما فيه من معنى البُعَدِ للإشعار ببُعْدِ رُتْبتهم في الفضل، وهو مبتدأُ خبرهُ قولُه تعالى: ﴿يُسَرِعُونَ فِى اْخَتِ﴾ والجملةُ من المبتدأ وخبرِه خبرُ ((إنَّ))، والكلامُ استئنافٌ مسوقٌ لبيان مَن له المسارعةُ في الخيرات إثرَ إقناطِ الكفار عنها، وإبطالٍ حسبانهم الكاذب، أي: أولئك المنعوتون بما فصِّل من النعوت الجليلة خاصةً دون أولئك الكفرة يسارعون في نيل الخيرات، التي من جملتها الخيراتُ العاجلةُ الموعودةُ على الأعمال الصالحة، كما في قوله تعالى: ﴿فَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ اْآَخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] وقوله سبحانه: ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِىِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَيِنَ الصَّلِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فقد أَثْبتَ لهم ما نَفَى عن أضدادهم، خلا أنه غيَّر الأسلوب حيث لم يقل: أولئك يُسارَعُ لهم في الخيرات، بل أَسْندَ المسارعةَ إليهم إيماءً إلى استحقاقهم النيل الخيرات بمحاسن أعمالهم، وإيثارُ كلمة ((في)) على كلمة ((إلى))؛ للإيذانِ بأنهم متقلِّبون في فنون الخيرات، لا أنهم خارجون عنها متوجّهون إليها بطريق المسارعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣]. ﴿وَهُمْ لَمَا﴾ أي: للخيرات التي مِن جملتها ما سمعت، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿سَبِقُونَ ﴾﴾ وهو إمَّا منزَّلُ منزلةَ اللازم، أي: فاعلون السبقَ، أو مفعولُه محذوف، أي: سابقون الناسَ أو الكفارَ، وهو يتعدّى باللام وبـ ((إلى))، فيقال: سبقتُ إلى كذا ولكذا. والمرادُ بسَبْقِهم إلى الخيرات: ظفرُهم بها ونيلُهم إياها، وجعل أبو حيان هذه الجملةَ تأكيداً للجملة الأولى(١). وقيل: ((سابقون)) متعدٍّ للضمير بنفسه واللامُ مَزيدٌ، وحسَّن زيادتَها كونُ العامل فرعيًّا وتقدُّمُ المعمولِ المضمَرِ، أي: وهم سابقون إياها، والمراد بسَبْقِهم إياها لازمُ معناه أيضاً، وهو النَّيل، أي: وهم ينالونها قبل الآخرة حيث عجِّلت لهم في الدنيا، فلا يَردُ ما قيل: إنَّ سَبْقَ الشيءِ الشيءَ يدلُّ على تقدُّم السابق على المسبوق، فكيف يقال: هم يسبقون الخيرات؟ والاحتياجُ إلى إرادة اللازم على هذا الوجه أشدُّ منه على الوجه السابق، ولهذا مع التزام الزيادة فيه قيل: إنه وجهٌ متكلّف. (١) البحر ٦ / ٤١١. الآية : ٦١ ١٠٣ سُؤَةُ المُؤْمنُونَ وجوِّز أن يكون المراد بالخيرات الطاعاتِ، وضميرُ ((لها)) لها أيضاً، واللامُ للتعليل، وهو متعلِّقٌ بما بعده، والمعنى: يرغَبون في الطاعات والعبادات أشدَّ الرغبة، وهم لأجلها فاعلون السَّبْقَ، أو لأجلها سابقون الناس إلى الثواب أو إلى الجنة. وجوِّز على تقديرٍ أنْ يُراد بالخيرات الطاعات أن يكون ((لها)) خبرَ المبتدأ، و (سابقون)) خبراً بعد خبر، ومعنى ((هم لها)»: أنهم مُعَدُّون لفعل مثلها من الأمور العظيمة، وهذا كقولك لمن يُطْلَبُ منه حاجةٌ لا تُرْجَى من غيره: أنت لها، وهو من بليغ كلامهم، وعلى ذلك قوله : مشكلاتٌ أَعْضَلتْ ودَهَتْ يا رسول الله أنت لها(١) ورجّح هذا الوجهَ الطبريُّ بأنَّ اللام متمكِّنةٌ في هذا المعنى (٢). وعن ابن عباس ﴿ّ ما هو ظاهرٌ في جَعْلِ ((لها)) خبراً، وإنْ لم يكن ظاهراً في جَعْلِ الضمير للخيرات بمعنى الطاعات، ففي ((البحر)) نقلاً عنه أنَّ المعنى: سَبَقتْ لهم السعادةُ في الأزل فهم لها(٣). وأنت تعلمُ أنَّ أكثر هذه الأوجُهِ خلافُ الظاهر، وأنَّ التفسير الأول للخيرات أحسنُ طباقاً للآية المتقدِّمة. ومن الناس مَن زعم أنَّ ضمير ((لها)) للجنة، ومنهم مَن زعم أنه للأمم، وهما (٤) كما ترى. (١) ذكره الشهاب في الحاشية ٣٣٨/٦، ولم نقف عليه عند غيره. وقد استدل الزمخشري في الكشاف ٣٥/٣ لهذا القول بقول الشاعر: أنت لها أحمد من بين البشر، وأورده في أساس البلاغة (غبر) برواية: أنت لها منذرُ من بين البَشَرْ داهيةُ الدهر صمَّاءُ الغَبَّر وهو بهذه الرواية في الصحاح (غبر)، وجمهرة الأمثال ١/ ٤٥٠، ومجمع الأمثال ٤٤/١ منسوب للحرمازي يمدح المنذر بن الجارود. (٢) البحر ٦/ ٤١١، وينظر تفسير الطبري ١٧/ ٧٢-٧٣. (٣) البحر ٦/ ٤١١ . (٤) في (م): وهو. سُورَةُ المؤمنُون ١٠٤ الآية : ٦٢ وقرأ الحرُّ النحويُّ: (يُسْرعون)) مضارِعُ أسرع(١)، يقال: أسرعتُ إلى الشيءٍ وسَرِعْتُ إليه بمعنىّ واحد. و((يسارعون)) كما قال الزجَّاج أبلغُ من ((يُسْرِعون))(٢). ووجِّه بأنَّ المفاعَلَة تكون من اثنين فتقتضي حثَّ النفس على السَّبْقِ لأن مَن عارضك في شيءٍ تشتهي أنْ تَغْلِبه فيه. ﴿وَلَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سيقتْ للتحريض على ما وُصف به أولئك المشارُ إليهم من فعل الطاعات، ببيان سهولته وكونِه غير خارج عن حدٍّ الوُسْعِ والطاقة (٣)، أي: عادتُنا جاريةٌ على أنْ لا نكلِّفَ نفساً من النفوس إلّا ما في وُسْعِهَا وقَدْرِ طاقتها، على أنَّ المراد استمرارُ النفي بمعونة المقام لا نفيُّ الاستمرار. أو للترخيص فيما هو قاصِرٌ عن درجة أعمال أولئك ببيان أنه تعالى لا يكلِّف عباده إلَّا ما في وسعهم، فإنْ لم يبلغوا في فِعْلِ الطاعات مراتبَ السابقينَ، فلا عليهم بعدُ أن يبذلوا طاقتهم ويَسْتَفْرِغوا وُسْعَهم. قال مقاتل: مَن لم يستطع القيام فليصلِّ قاعداً، ومَن لم يستطع القعودَ فَلْيُؤْمِ إيماءً . وقوله سبحانه: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَبٌ يَطِقُ بِالْحَقِّ﴾ تتمةٌ لِمَا قبله ببيانٍ أحوال ما كلِّفوه من الأعمال، وأحكامِها المترتّبة عليها من الحساب والثواب والعقاب، والمراد بالكتاب صحائفُ الأعمال التي يقرؤونها عند الحساب، حَسْبَما يُؤْذِنُ به الوصفُ، فهو كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِآلْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. و((الحقُّ»: المطابقُ للواقع، والنطقُ به مجازٌ عن إظهاره، أي: عندنا كتابٌ يُظْهِرُ الحقَّ المطابقَ للواقع على ما هو عليه ذاتاً ووَصْفاً، ويُبيِّنْهُ للناظر كما يُبيِّنُه النطقُ ويُظْهِرُه للسامع، فيظهر هناك جلائل الأعمال ودقائقها، ويترتَّبُ عليها أَجْزِيتها إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ. (١) القراءات الشاذة ص ٩٨، والبحر ٤١١/٦، والكلام منه. (٢) معاني القرآن للزجاج ١٧/٤، والكلام من البحر ٦/ ٤١١ . (٣) في (م): والطاعة، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٤١/٦، والكلام منه. الآية : ٦٣ ١٠٥ سُورَةُ المُؤْمنُونَ وقيل: المراد بالكتاب صحائفُ يقرؤونها، فيها ما ثبت لهم في اللوح المحفوظ من الجزاء، وهو دون القول الأول. وأَدْوَنُ منه ما قيل: إنَّ المراد به القرآن الكريم. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلُونَ ﴾ لبيان فَضْلِه عز وجل وعَدْلِه في الجزاء على أتمِّ وجهٍ، إثْرَ بيانِ لُطفِه سبحانه في التكليف وكَتْبِ الأعمال على ما هي عليه، أي: لا يظلمون في الجزاء بنقصٍ ثوابٍ أو زيادةِ عذابٍ، بل يُجزون بقَدْرِ أعمالهم التي كلِّفوها ونَطَقَتْ بها صحائفها بالحقِّ. وجوِّز أن يكون تقريراً لِمَا قبلُ من التكليف وكَتْبِ الأعمال، أي: لا يظلمون بتكليفِ ما ليس في وُسْعِهم، ولا بكَتْبِ بعضِ أعمالهم التي من جملتها أعمالُ غيرٍ السابقين بناءً على قصورها عن درجة أعمال السابقين، بل يكتب كلٌّ منها على مقاديرها وطبقاتها . وقوله عز وجل: ﴿بَلّ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ إضرابٌ عمَّا قَبْلَه، ورجوعٌ إلى بيان حالِ الكَفَرةِ، فالضميرُ للكفرة، أي: بل قلوبُ الكَفَرةِ في غَفْلةٍ وجَهَالةٍ من هذا الذي بيِّن في القرآن، من أنَّ لديه تعالى كتاباً يَنْطِقُ بالحقِّ، ويُظْهِرُ لهم أعمالَهم السيئةَ على رؤوس الأشهاد، فيُجْزَوْنَ بها كما يُنْبِئُ عنه ما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله سبحانه: (قَدْ كَانَتْ ءَايَتِى نُتْلَى عَلَيْكُمْ) إلخ. وقيل: الإشارةُ إلى القرآن الكريم وما بيِّن فيه مطلقاً، وروي ذلك عن مجاهد. وقيل: إلى ما عليه أولئك الموصوفون بالأعمال الصالحة، وروي هذا عن قتادة. وقيل: إلى الدِّين بجملته. وقيل: إلى النبيِّ وَّ. والأولُ أظهر. ﴿وَلَهُمْ أَعْمَلٌ﴾ سيئةٌ كبيرةٌ ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ الذي ذُكر، من كَوْنِ قلوبِهم في غمرةٍ مما ذكر، وهي فنونُ كُفْرِهم ومعاصيهم التي من جملتها طعنُهم في القرآن الکریم، المشارُ إليه في قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِنَ بِهِ، سَِرًا تَهْجُرُونَ TV وأخرج ابنُ المندر وغيرُه عن ابن عباس: أنَّ المراد بالغمرة الكفرُ والشكُّ، وأن ((ذلك)) إشارةٌ إلى هذا المذكور، والمعنى: لهم أعمالٌ [سيئة] دون الكفر(١). (١) الدر المنثور ١٢/٥، وما بین حاصرتين منه. سُؤَدَّةُ المؤمنُونَ ١٠٦ الآية : ٦٤ وأخرج ابنُ جرير وغيرُهُ(١) عن قتادة: أنَّ ((ذلك))كـ ((هذا)) إشارةٌ إلى ما وُصف به المؤمنون من الأعمال الصالحة، أي: لهم أعمالٌ متخطِّيةٌ لِمَا وُصِفَ به المؤمنون، أي: أضداد ما وُصفوا به مما وقع في حيِّز الصِّلات، وهذا غايةُ الذمِّ لهم. ﴿هُمْ لَهَا عَمِلُونَ ﴾﴾ أي: مستمرُّون عليها، معتادون فِعْلَها، ضارُّون بها، لا يُفْطَمون عنها. و((عاملون)» عاملٌ في الضمير قبله واللامُ للتقوية. هذا وقال أبو مسلم (٢): إنَّ الضمير في قوله تعالى: ((بل قلوبهم))(٣) إلخ عائد على المؤمنين الموصوفين بما تقدَّم من الصفات، كأنه سبحانه قال بعد وَصْفِهم: ولا نكلِّف نفساً إلا وُسْعَها، ونهايتُه ما أتى به هؤلاء المشفقون، ولدينا كتابٌ يحفظُ أعمالهم ينطقُ بالحقِّ فلا يُظْلَمون، بل يوفَّى عليهم ثوابُ أعمالهم، ثم وَصَفَهم سبحانه بالحيرة في قوله تعالى: (بَلّ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ)، فكأنه عز وجل قال: وهم مع ذلك الوَجَلِ والخوفِ كالمتحيِّرِينَ في أعمالهم، أهي مقبولةٌ أم مردودة؟ (وَمْ أَعْمَلٌ مِّن دُونِ ذَلِكَ) أي: لهم أيضاً من النوافل ووجوهِ البرِّ سوى ما هم عليه. انتهى. قال الإمام(٤): وهو الأَوْلى؛ لأنه إذا أَمْكَنَ ردُّ الكلام إلى ما يتَّصِلُ به مِن ذِكْرٍ المشفقين، كان أَوْلِى مِن ردِّه إلى ما بَعُدَ منه، خصوصاً وقد يرغبُ المرء في فِعْلٍ الخير بأنْ يذكر أنَّ أعماله محفوظةٌ، كما يحذرُ بذلك من الشرِّ، وقد يوصفُ المرء لشدَّةِ فِكْرِهِ في أمرٍ آخرته بأنَّ قلبه في غمرةٍ، ويرادُ أنه قد استولى عليه الفِكْرُ في قبول عمله أو ردِّه، وفي أنه هل أدَّاه كما يجب أو قصَّر، و((هذا)) على هذا إشارةٌ إلى إشفاقهم ووَجَلِهم. انتهى، ولا يخفَى ما فيه على مَن ليس قلبُه في غَمْرةٍ. ﴿حََّ إِذَا أَخَذْنَا مُتَفِهِم بِالْعَذَابِ﴾ ((حتى)) على ما في ((الكشاف)) هي التي يُبْتَدأُ بعدَها الكلامُ، وهي مع ذلك غايةٌ لِما قبلها(٥)، كأنه قيل: لا يزالون يعملون أعمالهم إلى حيث إذا أخذنا ... إلخ. (١) تفسير الطبري ٧٥/١٧-٧٦، والدر المنثور ١٢/٥. (٢) كما في تفسير الرازي ١٠٩/٢٣. (٣) في الأصل و(م): بل هم، والصواب ما أثبتناه. (٤) في تفسيره ١٠٩/٢٣. (٥) الكشاف ٢٦٩/٢ و٣٦/٣، والبحر ٤١٢/٦. الآية : ٦٤ ١٠٧ سُؤَدَّةُ الْمُؤْمِنُونَ وقال ابن عطية: هي ابتداءٌ لا غير، و((إذا)) الأولى والثانيةُ يمنعان من أن تكون غايةً لـ ((عاملون))(١). وفيه نظر. و((إذا)) شرطيةٌ شَرْطُها ((أخذنا))، وهي مضافةٌ إليه، وجزاؤها قولُه تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَخْتَرُونَ ﴾﴾ وهي معمولةٌ له، و((إذا)) فيه فُجائيةٌ نائبةٌ منَابَ الفاء. وقال الحوفيُّ(٢): ((حتى)) غايةٌ، وهي عاطفةٌ، و((إذا)) ظرفٌ يضاف إلى ما بعده فيه معنى الشرط، و((إذا)) الثانيةُ في موضع جواب الأولى، ومعنى الكلام عاملٌ في ((إذا)) الأولى، والعاملُ في الثانية ((أخذنا)). انتهى. وهو كلام مخبّط يَبْعدُ صدورُه من مثل هذا الفاضل. والمترف: المتوسِّعُ في النعمة. والمرادُ بالعذاب: ما أصابهم يومَ بدرٍ من القتل والأسر، كما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة، وقد قُتل وأُسر في ذلك الیوم کثیرٌ من صنادیدهم ورؤسائهم. والجُوارُ مثلُ الخُوَار، يقال: جَأَرَ الثورُ يَجْأَرُ، إذا صاح. وجأر الرجل إلى الله تعالى: إذا تضرَّع بالدعاء، كما في ((الصحاح))(٣). وفي ((الأساس)): جَأَرَ الداعي إلى الله تعالى: ضَّ ورَفَع صوتَه(٤) . والمراد به الصراخُ، إمَّا مطلقاً أو باستغاثة. وضميرا الجمع راجعان على ما رجع إليه(٥) الضمائر السابقة في ((مترفيهم)) و((لهم)) و((قلوبهم)) وغيرها، وهم كفارُ أهلِ مكةَ، لكنْ بإرادةِ مَن بقي منهم بعدَ أخذِ المترفين بالقتل. قال ابن جريج: المعذَّبون قتلى بدرٍ، والذين يجأرون أهلُ مكةً؛ لأنهم ناحوا واستغاثوا . (١) المحرر الوجيز ١٤٩/٤. (٢) كما في البحر ٦/ ٤١٢ . (٣) مادة (جار). (٤) أساس البلاغة (جار). (٥) في الأصل : عليه. سُوَّةُ المُؤْضْنُونَ ١٠٨ الآية : ٦٤ وفي (إنسان العيون))(١): أنَّ(٢) قريشاً ناحوا على قتلاهم في بدرٍ شهراً، وجزَّ نساؤهم شعورَهُنَّ، وكنَّ يأتين بفرسِ الرجل أو راحلتهِ ويستُرْنها بالستور، ويَنُحْنَ حولها ويخرجن بها إلى الأزقّة، إلى أن أُشير عليهم بترك ذلك خوفَ الشماتة. وقال الربيع بن أنس: المرادُ بالجُؤْار الجزعُ؛ إذ هو سببُ الصراخُ. وفيه بعدٌ لخفاءِ قرينةِ المجاز. وعن الضحاك: أنَّ المراد بالعذاب عذابُ الجوع. وذلك أنه وَّ دعا عليهم فقال: ((اللهمَّ اشدُدْ وَظْأَتَكَ على مُضر، اللهمَّ اجْعَلْها عليهم سنينَ مثلَ سنيٍّ يوسفَ)) فاستُجيبَ له عليه الصلاة والسلام، فأصابتهم سنةٌ أكلوا فيها الجِيَفَ والجلودَ والعظامَ المحرقة والعِلْهِز(٣). وفي الأخبار ما يدلُّ على أن ذلك كان قبل الهجرة، وفيها أيضاً ما يدلُّ على أنه كان بعدها(٤)، ووفَّق البيهقيُّ(٥) بأنه لعله كان مرَّتين. وسيأتي ذلك قريباً (٦) إن شاء الله تعالى. وتخصيصُ المترفين بالذِّكر لأنه إذا جاع المترفُ جاع غيرُه من بابٍ أَوْلَى. وقيل: المراد بالعذاب عذابُ الآخرة، وتخصيصُ المترفين بما ذكر لغايةٍ ظهور انعكاسٍ حالهم وانتكاسِ أمرهم، وكونٍ ذلك أشقَّ عليهم، ولأنهم مع كونهم متمنِّعين محميِّين بحمايةِ غيرهم من المَنَعَةِ والحَشَمِ لَقُوا ما لَقُوا من الحالة الفظيعة، فَلَأنْ يلقاها مَن عَدَاهم من الحُماة والخَدَم أَوْلَىَ وأَقْدَمُ. وقال شيخ الإسلام: إنَّ هذا القولَ هو الحقُّ، لأنَّ العذاب الأُخرويَّ هو الذي (١) إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون، للشيخ علي الحلبي. كشف الظنون ١/ ١٨٠. (٢) في (م): أو، وهو تصحيف. (٣) العلهز: طعام من الدم والوبر، كان يتخذ في المجاعة. القاموس (علهز). وذكر هذا القول عن الضحاك البغوي في تفسيره ٣١٢/٣، والقرطبي ٦٢/١٥، وينظر ما سيأتي ص١٢٢ وما بعدها من هذا الجزء. (٤) في الأصل وإم): قبلها، والصواب ما أثبتناه، وينظر ما سيأتي ص ١٢٢ وما بعدها من هذا الجزء. (٥) في دلائل النبوة ٣٢٩/٢. (٦) ص١٢٢ وما بعدها من هذا الجزء. الآية : ٦٥ ١٠٩ ◌َةُ المُؤْضُونَ يفاجئون عنده الجوار، فيجابون بالردِّ والإقناطِ من النصر، وأمَّا عذابُ يوم بدرٍ فلم يوجد لهم عنده جوارٌ حَسْبَما يُنْبِئُ عنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْتَهُمْ بِلْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَيْهِمْ وَمَا يَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] فإنَّ المراد بهذا العذاب ما جرى عليهم يومَ بدرٍ من القتل والأسر حتماً، وأمَّا عذابُ الجوع فإنَّ قريشاً وإنْ تضرَّعوا فيه إلى رسول الله وَّ﴾، لكنْ لم يَرُدَّ عليهم بالإقناط، حيث روي أنه عليه الصلاة والسلام دعا بكشفِهِ، فكُشِفَ عنهم ذلك(١). انتهى، وستعلمُ إن شاء الله تعالى ما فيه، نَعَمْ حَمْلُ العذابِ على ذلك أوفقُ بجَعْلِ ما في حيِّز ((حتى)) غايَةً لِمَا قبلها . ولا تَجْتَرُوا الْيَوْمٌ﴾ على تقدير القول، أي: قلنا لهم ذلك، والكلام استئنافٌ مسوقٌ لبيان إقناطهم وعدم انتفاعِهم بجوارهم، والمراد باليوم الوقتُ الحاضرُ الذي اعتراهم فيه ما اعتراهم، والتقييدُ بذلك لزيادة إقناطهم، والمبالغةِ في إفادة عَدِمَ نَفْعِ جُوارِهم. وقال شيخ الإسلام(٢): إنَّ ذلك لتهويل اليوم، والإيذانِ بتفويتهم وقت الجوار. والمراد بالقول - على ما قيل - ما كان بلسان الحال، كما في قوله: امتلأ الحوضُ وقال قَطْني(٣) وجوِّز أن يراد به حقيقةُ القول، وصدورُه إمَّا من الله تعالى، وإمَّا من الملائكة عليهم السلام. والظاهرُ على هذا الوجه أن يكون القول في الآخرة، وكونُه في الدنيا مع عدم إسماعِهم إياه لا يخلو عن شيءٍ. وتقديره فعل الأمر مسنداً إلى ضميره وَّر، أي: قل لهم مِن قِبَلِنا: لا تجأروا، بعيدٌ جداً. ومن الناس مَن جوَّز كونَ القولِ المقدَّرِ جوابَ ((إذا)» الشرطية، وحينئذٍ یکون ((إذا هم يجأرون)) قيداً للشرط، أو بدلاً من ((إذا)) الأولى، وعلى الأول المعنى: أخذنا مترفيهم وقتَ جوارِهم، أو حالَ مفاجأتهم، لجواز أن تكون ((إذا)) ظرفيةً أو (١) تفسير أبي السعود ٦/ ١٤٢. (٢) في تفسيره ٦/ ١٤٢ . (٣) وعجزه: مهلاً رويداً قد ملأت بطني، وهو في الصحاح (قطط)، وتهذيب اللغة ٢٦٤/٨ وفيه: ملاً رويداً، وسلف عند تفسير الآية (٣٨) من سورة الأنعام. سُوَّةُ المُؤْمِنُونَ ١١٠ الآية : ٦٦ فجائيةً حينئذٍ. ولم يجوَّز جَعْلُ النهي المذكورِ جواباً لخلوِّه عن الفاء اللازمة فيه إذا وقع كذلك. وتعقّب هذا القولُ بأنه لا يخفى أنَّ المقصود الأصليَّ من الجملة الشرطية هو الجواب، فيؤدِّي ذلك إلى أن يكون مفاجأتُهم الجوارَ غيرَ مقصودٍ أصليٍّ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُ مِّنَّا لَا نُصَرُونَ ﴾﴾ تعليلٌ للنهي عن الجوار ببيانِ عدمِ نَفْعِه. و((مِن)) ابتدائيةٌ، أي: لا يلحقُكم منَّا نصرة تُنْجِيكم مما أنتم فيه. وجوِّز أنَ تكون (من)) صلةَ النصر وضمِّن معنى المنع، أو تجوِّز به عنه، أي: لا تُمنعون منَّا. وتعقّب بأنه لا يساعدُه سباقُ النظم الكريم؛ لأنَّ جوارهم ليس إلى غيره تعالى حتى يردّ عليهم بعدم منصوريتهم مِن قِبَلِه تعالى، ولا سياقُه فإنَّ قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَئِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخره صريحٌ في أنه تعليلٌ لعدم لحوقِ النصر من جهته تعالى بسببٍ كفرهم بالآيات، ولو كان النصر المنفيُّ متوهَّماً من الغير لعُلِّلَ بعَجْزِه، أو بعزَّةِ الله تعالى وقوَّته. وأنت تعلم أنهم المشركون الذين شركاؤهم نُصْب أعينهم، ولم يقيَّد الجوارُ بكونه إلى الله تعالى، وأمرُ التعليل سهلٌ. وقد يقال: المعنى على هذا الوجه: دَعُوا (١) الصُّراخَ فإنَّه لا يمنعكم منَّا، ولا ينفعكم عندنا، فقد ارتَكَبْتُم أمراً عظيماً وإثماً كبيراً لا يدفعُه ذلك. ثم لا يخفى ما في كلام المتعقّب بعد. والمراد: قد كانت آياتي تُتْلَى عليكم قبلَ أن يَأْخُذَ مترفيكم العذابُ ﴿فَكُمْ﴾ عند تلاوتها ﴿عَلَى أَعْقَبِكُمْ نَنْكِصُونَ ﴾﴾ أي: تُعْرِضون عن سماعها أشدَّ الإعراض، فضلاً عن تصديقها والعملِ بها . والنكوص: الرجوع. والأعقابُ: جمع عقب، وهو مؤخّرُ الرِّجْل، ورجوعُ الشخص على عقبه: رجوعُه في طريقه الأُولى، كما يقال: رجع عوده على بدئه (٢). (١) في (م): دعوى، وهو تصحيف. (٢) يجوز في ((عود)) الرفع والنصب، أما الرفع فعلى قولك: رجع وعودُه على بدئه، أي: وهذه حالُه. والنصب إما على كونه مفعولاً كقولك: ردَّ عودَه على بدئه، أو حالاً لأن معناه: رجع ناقضاً مجيئه، ومثله: كلَّمتُه فاه إلى فيَّ، أي: مشافهةً، ويجوز أن تقول: فوه إلى فيَّ. الكامل للمبرد ٣٧٢/١. الآية : ٦٧ ١١١ سُوَّةُ المُؤْمنُونَ وجَعَلَ بعضُهم التقييدَ بالأعقاب من باب التأكيد، كما في: بَصُرْتُه بعيني، بناءً على أنَّ النكوصَ: الرجوعُ قَهْقَرى وعلى الأعقاب. وأيَّاما كان فهو مستعارٌ للإعراض. وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: ((تنكُصون)) بضمِّ الكاف (١). ﴿مُسْتَكْبِينَ بِهِ﴾ أي: بالبيت الحرام، والباءُ للسببية، وسوَّغْ هذا الإضمارَ مع أنه لم يَجْرِ له ذکرٌ اشتهارُ استکبارِهم وافتخارِهم بأنهم خدَّامُ البیت وقوَّامه، وهذا ما عليه جمهورُ المفسرين. وقريبٌ منه كونُ الضمير للحَرَمِ. وقال في ((البحر): الضميرُ عائدٌ على المصدر الدالٌ عليه ((تنكصون))(٢). وتعقِّب بأنه لا يفيدُ كثيرَ معنًى، فإنَّ ذلك مفهومٌ مِن جَعْلٍ ((مستكبرين)) حالاً . واعتُرض عليه بما فيه بحثٌ. وذكر منذر بن سعيد(٣): أنَّ الضمير لرسول الله وَّه، ويحسِّنُه أنَّ في قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ ءَايَئِ نُتْلَى عَلَيْكُمْ) دلالةً عليه عليه الصلاة والسلام، والباءُ إمَّا للتعدية على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو جَعْلِه مجازاً عنه، وإمَّا للسببية لأنَّ استكبارهم ظهر ببعثته وَلهو . وجوِّز أن يعود على القرآن المفهوم من الآيات، أو عليها باعتبارٍ تأويلها به، وأمرُ الباء كما سمعتَ آنفاً . وجوِّز أن تكون متعلِّقةً بقوله تعالى: ﴿سَِرًا﴾ أي: تَسْمُرون بذكر القرآن والطعنِ به، وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يَسْمُرون، وكانت عامَّةُ سمرهم ذِكْرَ القرآن وتسميته سِحْراً وشعراً، والمعنى على ذلك وإن لم يعلّق به ((به)). ويجوز على تقديرٍ تعلُّقه بـ ((سامراً)) عودُ الضمير على النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وكذا يجوزُ كونُ المعنى عليه وإن لم يعلّق به. (١) المحرر الوجيز ١٤٩/٤، والبحر ٤١٢/٦، وهي في القراءات الشاذة ص ٩٩ عن ابن مسعود. (٢) أي: مستكبرين بالنكوص والتباعد من سماع الآيات. البحر ٦/ ٤١٢. (٣) كما في البحر ٤١٣/٦. سُورَةُ المؤمنُون ١١٢ الآية : ٦٧ وقيل: هي متعلّقةٌ بـ ((تهجرون)). وفيه من البعد ما فيه. ونصب ((سامراً)) على الحال، وهو اسم جمع كالحاجِّ والحاضر والجامل والباقر. وقيل: هو مصدرٌ وقع حالاً على التأويلّ المشهور، فهو يشملُ القليلَ والكثيرَ باعتبارٍ أصله. ولا يخفى أنَّ مجيءَ المصدر على وزن فاعل نادرٌ، ومنه العافيةُ والعاقبة. والسَّمَر في الأصل: ظلُّ القمر، وسمِّي بذلك على ما في ((المُطْلِعِ)) لسُمْرتِه. وفي ((البحر)): هو ما يقع على الشجر من ضوء القمر (١). وقال الراغب(٢): هو سواد الليل، ثم أُطلق على الحدیث بالليل. وفسَّر بعضُهم السامر بالليل المظلم، وكونُه هنا بهذا المعنى، وجَعْلُه منصوباً بما بعده على نزع الخافض، ليس بشيءٍ. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة وابن محيصن وعكرمةُ والزعفرانيُّ، ومحبوبٌ عن أبي عمرو: ((سُمَّراً)) بضمِّ السين وشدِّ الميم مفتوحة (٣)، جمع سامر. وابن عباس أيضاً وزيد بن علي، وأبو رجاء، وأبو نهيك: ((سُمَّاراً)) بزيادة ألفٍ بعد الميم(٤)، وهو جمع سامر أيضاً، وهما جمعان مَقيسان في مثل ذلك. ﴿َتَهْجُرُونَ ﴾ من الهَجْرِ بفتحِ فسكون بمعنى القَطْعِ والتَّرْكِ، والجملةُ في موضع الحال، أي: تاركين الحقَّ، أو القرآنَ، أو النبيَّ ◌َِّ. وعن ابن عباس: تهجرون البيتَ ولا تَعْمُرونه بما يليقُ به من العبادة. وجاء الهَجْرُ بمعنى الهَذَيان، كما في ((الصحاح)) يقال: هَجَرَ المريضُ يَهْجُر هَجْراً: إذا هَذَى(٥). وجوِّز أن يكون المعنى عليه، أي: تَهذون في شأن القرآن، أو (١) البحر ٦/ ٣٩٤. (٢) في مفرداته (سمر). (٣) القراءات الشاذة ص٩٨، والمحتسب ٩٦/٢، والبحر ٤١٣/٦، والكلام منه. والمشهور عن أبي عمرو: ((سامراً)) كقراءة الجمهور. (٤) القراءات الشاذة ص٩٨، والمحتسب ٩٧/٢، والبحر ٤١٣/٦، والكلام منه. (٥) الصحاح (هجر). الآية : ٦٨ ١١٣ سُؤَدَّةُ المُؤْمنُونَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، أو أصحابه ظه، أو ما يعمّ جميعَ ذلك. وفي ((الدر المصون)): أنَّ ما كان بمعنى الهَذَيان هو الهَجَر بفتحتين(١). وجوِّز أن يكون من الهُجْرِ بضمٌّ فسكون، وهو الكلام القبيح، قال الراغب: الهُجْرُ: الكلام المهجورُ لقُبْحِه، وهَجَر فلانٌ: إذا أتى بهُجْرٍ من الكلام عن قَصْدٍ، وأَهْجَر المريض إذا أتى بذلك من غير قصدٍ(٢). وفي ((المصباح)): هَجَر المريضُ في كلامه: هَذَى، والهُجْر بالضم اسمٌ ومصدرٌ بمعنى الفُحش من هَجَر كَقَتَلَ، وفيه لغةٌ أخرى: أَهْجَرَ بالألف(٣). وعلى هذه اللغة قراءة ابن عباس وابن محيصن ونافع وحميد: (تُهْجِرون)) بضم التاء وكَسْرِ الجيم(٤)، وهي تُبْعِدُ كونَ (تَهْجُرون)) في قراءة الجمهور من الهَجْرِ بمعنى القَطْع. وقرأ ابن أبي عاصم بالياء على سبيل الالتفات(٥). وقرأ ابن مسعود، وابن عباس أيضاً، وزيد بن علي ﴿ه، وعكرمة، وأبو نهيك، وابن محيصن أيضاً، وأبو حيوة: ((تهجّرون)) بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم وشدِّها(٦)، على أنه من مُضاعَفٍ هَجَر من الهَجْرِ بالفتح أو بالضَّم، فالمعنى: تَقْطَعون، أو تَهْذُون، أو تَفْحُشون كثيراً. ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ﴾ الهمزة لإنكار الواقع واستقباحِه، والفاءُ للعطف على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام، أي: أَفعَلوا ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر فلم يتدبَّروا القرآنَ ليعلموا بما (٧) فيه من وجوه الإعجاز أنه الحقُّ من ربِّهم فيؤمنوا به. و((أم)) في قوله تعالى: ﴿أَمْ جَهُ مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَِّينَ ﴾﴾ منقطعةٌ، وما فيها من معنى ((بل)) للإضراب والانتقالِ من التوبيخ بما ذُكر إلى التوبيخ بآخَرَ . (١) الدر المصون ٣٥٩/٨. (٢) مفردات الرغب (هجر)، وفيه: وأهجر فلان إذا أتى بهُجر ... وهجر المريض ... (٣) المصباح (هجر)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٣٩/٦. (٤) التيسير ص ١٥٩، والنشر ٣٢٩/٢ عن نافع، وذكرها عنهم أبو حيان في البحر ٤١٣/٦. (٥) أي: ((يَهْجُرون)). البحر ٤١٣/٦، والدر المصون ٣٥٩/٨. (٦) القراءات الشاذة ص ٩٨، والبحر ٦/ ٤١٣. (٧) في الأصل: مما، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٤٣/٦، والكلام منه. سُورَةُ المُؤْمِنُونَ ١١٤ الآية : ٦٨ والهمزةُ لإنكار الوقوع لا لإنكار الواقع، أي: بل أجّاءهُم من الكتاب ما لم يأتِ آباءَهم الأولين حتى استبعَدوه فوَقَعوا فيما وَقَعوا فيه من الكفر والضلال؟ بمعنى أنَّ مجيءَ الكتب من جهته تعالى إلى الرسل عليهم السلام لينذروا بها الناسَ سُنَّةٌ قديمةٌ له تعالى لا تكاد تُنكَرُ، وأنَّ مجيء القرآن على طريقته، فمِمَّ ينكرونه. وقيل: المعنى: أفلم يتدبَّروا القرآن ليخافوا عند تدبُّر آياته وأقاصيصه مثلَ ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأتِ آباءهم الأولين حين خافوا الله تعالى فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه، فالمراد بآباءهم المؤمنون، كإسماعيل عليه السلام، وعدنان، وقحطان، وكأنَّ وَصْفَهم بالأوَّلينَ على هذا لإخراج الأقربين. وفي الخبر: ((لا تسبُّوا مُضَرَ وربيعة فإنهما كانا مُسْلِمِينٍ، ولا تسبُّوا قسّاً فإنه كان مسلماً، ولا تسبُّوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرِّ فإنهم كانوا على الإسلام، وما شَكَكْتُم في شيءٍ فلا تشكُّوا في أنَّ تبعاً كان مسلماً))(١). وروي أنَّ ضبَّةَ بن أد كان مسلماً، وكان على شرطة سليمان بن داود عليهما السلام(٢). وفي «الكشف)): إنْ جُعِلَ فائدةُ التدبُّرِ استعقابَ العلم، فالهمزةُ في المنقطعة للتقرير وإثبات أنهم مُصِرُّون على التقليد، فلذلك لم يتدبَّروا ولم يعلموا، وإنْ جُعِلَتِ الاعتبارَ والخوفَ، فالهمزةُ فيها للإنكار أو التقرير تهكُّماً. اهـ فتدبر. ثم لا يخفى أن إسناد المجيء إلى الأمن غيرُ ظاهرٍ ظهورَ إسناده إلى الكتاب، وبهذا تنحظُّ درجةُ هذا الوجه عن الوجه الأول. (١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٦/٣، ولم نقف عليه بهذا السياق، وأخرج البلاذري في أنساب الأشراف ٣٥/١ عن الحسن عن النبي وَّل : ((لا تسبوا ربيعة ومضر فإنهما قد أسلما)). وأخرج نحوه عن عبيد الله بن خالد أنه بلغه أن النبي وَّو قال: ((لا تسبوا ... )). وأخرج أبو جعفر بن حبيب في تاريخه ((المحبر) كما في فتح الباري ٧/ ١٦٤ من حديث ابن عباس قال: كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم. وأخرج أحمد (٢٢٨٨٠)، والطبراني في الكبير (٦٠١٣) من حديث سهل بن سعد عن النبي ◌َّطهو: ((لا تسبوا تُبَّعاً فإنه كان مسلماً)). وأخرجه الطبراني في الكبير (١١٧٩٠) من حديث ابن عباس شـ وأخرج الطبري ٢١/ ٥٠ عن عائشة ﴿ّا قالت: لا تسبوا تبعاً فإنه كان رجلاً صالحاً. (٢) الكشاف٣٦/٣. الآية : ٦٩ - ٧٠ ١١٥ سُورَةُ المُؤْمنُون ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْ رَسُولَهُمْ﴾ إضرابٌ وانتقالٌ من التوبيخ بما ذُكر إلى التوبيخ بوجهٍ آخَرَ، والهمزةُ لإنكار الوقوع أيضاً، أي: بل ألَمْ يعرفوه (١) عليه الصلاة والسلام بالأمانة والصدق وحُسْنِ الأخلاق، إلى غير ذلك من الكمالات اللائقة بالأنبياء عليهم السلام. وقد صحَّ أنَّ أبا طالب يومَ نكاح النبيِّ بَّهِ خَطَبَ بمحضَرِ رؤساء مضر وقريش، فقال: الحمد لله الذي جَعَلَنا من ذريةِ إبراهيم وزَرْعِ إسماعيل وضِتْضِئ معد، وعُنْصُرٍ مُضَرَ، وجَعَلَنا حَضَنَةَ بيتهِ وسُؤَّاسَ حَرَمِه، وجَعَل لنا بيتاً محجوجاً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكّام على الناس. ثم إنَّ ابنَ أخي هذا محمد بنَ عبد الله لا يُوزَنُ برجلٍ إلَّ رَجَحَ به، فإنْ كان في المال قُلُّ(٢) فإنَّ المال ظلٌّ زائلٌ وأمرٌ حائلٌ، ومحمّدٌ مَن قد عرفُتم قرابته، وقد خطب خديجة بنتَ خويلد وبذل لها من الصَّداقِ ما آجِلُه وعاجِلُه من مالي كذا، وهو واللهِ بعد هذا له نبأ عظيمٌ وخطرٌ جليل(٣). وفي هذا دليلٌ واضحٌ على أنهم عرفوه بَّهَ بغاية الكمال، وإلَّ لأنكروا قولَ أبي طالب فيه عليه الصلاة والسلام ما قال. ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ الفاءُ سببيةٌ؛ لتسبُّب الإنكار عن عدم المعرفة، فالجملةُ داخلٌ في حيِّز الإنكار، ومآلُ المعنى: هم عرفوه بالكمال اللائق بالأنبياء عليهم السلام، فكيف ينكرونه. واللامُ للتقوية، وتقديمُ المعمول للتخصيص أو الفاصلة، والكلامُ على تقدير مضافٍ، أي: منكرون لدَغْواه، أو لرسالته عليه الصلاة السلام. ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، ◌ِنَّةٌ﴾ انتقالٌ إلى توبيخٍ آخَرَ، والهمزةُ لإنكار الواقع كالأولى، أي: بل أيقولون به جِنةٌ - أي: جنونٌ - معَ أنه عليه الصلاة والسلام أرجحُ الناس عقلاً وأثْقَبُهم رأياً، وأوفرُهم رزانةً. وقد رُوعيَ في هذه التوبيخات الأربع - التي اثنان منها متعلِّقان بالقرآن، والباقيان به عليه الصلاة والسلام - الترقِّي من الأدنى إلى الأعلى كما بيَّنه شيخُ الإسلام(٤). (١) في الأصلِ: تعرفوه. (٢) القُل: القِلَّة. القاموس (قلل). (٣) ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة ١/ ٧٤. (٤) في تفسيره ١٤٤/٦. سُورَةُ الْمُؤْمنُونَ ١١٦ الآية : ٧٠ وقوله تعالى: ﴿بَلّ جَآءَهُم بِآلْحَقِّ﴾ إضرابٌ عمَّا يدلُّ عليه ما سبق، أي: ليس الأمرُ كما زعموا في حقِّ القرآن والرسول ◌َّ، بل جاءهم بالحق، أي: بالصدق الثابت الذي لا مَحيدَ عنه، والمرادُ به التوحيد ودينُ الإسلام الذي تضمَّنه القرآن، ويجوز أن يراد به القرآن. ﴿وَأَكْتُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ﴾﴾ لِمَا في جبلَّتهم من كمال الزيغ والانحراف، والظاهرُ أنَّ الضمائر لقريش، وتقييدُ الحكم بأكثرهم لأنَّ منهم مَن أبى الإسلام واتّباع الحقِّ حذراً من تعبير قومه أو نحو ذلك، لا كراهةً للحقِّ من حيث هو حقٌّ، فلا يَرِدُ ما قيل: إنَّ مَن أحبَّ شيئاً كره ضدَّه، فمن أَحَبَّ البقاء على الكفر فقد كره الانتقال إلى الإيمان ضرورةً. وقال ابن المنير: يحتملُ أن يُحمَلَ الأكثرُ على الكلِّ كما حُمِلَ القليلُ على النفي(١). وفيه بُعدٌ. وكذا ما اختاره من كونٍ ضميرٍ ((أكثرهم)) للناس كافةً لا لقريشٍ فقط، فيكون الكلام نظيرَ قوله تعالى: ﴿وَمَّا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣](٢). وقد يقال: حيث كان المراد إثباتَ الكراهية للحقِّ على سبيل الاستمرار، وعَلِمَ الله تعالى أنَّ فيهم مَن يؤمنُ ويتَبعُ الحقَّ، لم يكن بدٌّ من تقييد الحكم بالأكثر. والظاهرُ بناءً على القاعدة الأغلبية في إعادة المعرفة أنَّ الحقَّ الثاني عينُ الحقِّ الأول، وأظهرَ في مقام الإضمار لأنه أَظْهَرُ في الذمِّ، والضميرُ ربما يُتَوَهَّم عَوْدُه للرسول عليه الصلاة والسلام. وقيل: اللَّامُ في الأول للعهد، وفي الثاني للاستغراق أو للجنس، أي: وأكثرُهم للحقِّ أيِّ حقِّ كان لا لهذا الحقِّ فقط - كما يُنْبِئُ عنه الإظهارُ - كارهون، وتخصيصُ أكثرهم بهذا الوصفِ لا يقتضي إلَّ عدمَ كراهةِ بعضهم لكلِّ حقٍّ من الحقوق، وذلك لا ينافي كراهتَهم لهذا الحقِّ. وفيه بحثٌ؛ إذ لا يكادُ يَسْلَمُ أنَّ أكثرهم كارهون لكلِّ حقٍّ. (١) الانتصاف ٣/ ٣٧. (٢) المصدر السابق. الآية : ٧١ ١١٧ سُوَرَّةُ الْمُؤْمنُون وكذا الظاهرُ أنْ يُرادَ بالحقِّ في قوله تعالى: ﴿وَلَوِ أَنَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الحقُّ الذي جاء به النبيُّ ◌َّهِ، وجَعْلُ الاتِّباع حقيقيًّا والإسنادِ مجازيًّا، وقيل: مآلُ المعنى: لو اتَّبع النبيُّ وَّ أهواءهم فجاءهم بالشرك بدلَ ما أُرسل به ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَهُ﴾ أي: لخرَّب الله تعالى العالَم، وقامت القيامةُ لفَرْطِ غضبه سبحانه، وهو فرضٌ محالٌ من تبديله عليه الصلاة والسلام ما أُرسل به من عنده . وجوِّز أن يكون المرادُ بالحقِّ الأمرَ المطابقَ للواقع في شأن الألوهية، والاتِّباعُ مجازاً عن الموافقة، أي: لو وافق الأمرُ المطابقُ للواقع أهواءهم بأنْ كان الشرك حقًّا، لفسدت السماواتُ والأرضُ حَسْبَما قرِّر في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَإِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ولعل الكلام عليه اعتراضٌ للإشارة إلى أنهم كرهوا شيئاً لا يمكن خلافهُ أصلاً، فلا فائدة لهم في هذه الكراهة. واعتُرِضَ بأنه لا يناسبُ المقام، وفيه بحث. وكذا ما قيل: إنَّ ما يوافقُ أهواءهم هو الشركُ في الألوهية؛ لأنَّ قريشاً كانوا وثنيةً. وهو لا يستلزمُ الفساد، والذي يستلزمُه إنَّما هو الشركُ في الربوبية كما تزعمه الثَّنويةُ، وهم لم يكونوا كذلك كما ينبئُ عنه قوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. وجوِّز أن يكون المعنى: لو وافَقَ الحقُّ مطلقاً أهواءهم، لخرجتِ السماواتُ والأرضُ عن الصلاح والانتظام بالكلِّية، والكلامُ استطرادٌ لتعظيم شأن الحقِّ مطلقاً، بأنَّ السماواتِ والأرضَ ما قامت ولا مَن فيهنَّ إلا به، ولا يخلو عن حُسْنٍ. وقيل: المراد بالحقِّ هو الله تعالى. وقد أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابنُ جريرٍ وابنُ المنذرِ وابنُ أبي حاتمٍ عن أبي صالح(١). وحكاه بعضهم عن ابن جُرَيجٍ، والزمخشريُّ(٢) عن قتادة. والمعنى عليه: لو كان الله تعالى يتَبعُ أهواءهم (١) تفسير الطبري ٨٩/١٧، والكلام من الدر المنثور ١٣/٥. (٢) في الكشاف ٣٧/٣. سُوَّةُ المؤمنُونَ ١١٨ الآية : ٧١ ويفعل ما يريدون، فيشرعُ لهم الشركَ ويأمرهم به، لم يكن سبحانه إلهاً، فتَفْسُدُ السماوات والأرض. وهذا مبنيٌّ على أنَّ شَرْعَ الشركِ نقصٌ يجب تنزيهُ الله تعالى عنه، وقد ذكَرَ ذلك الخفاجيُّ، وذَكَرَ أنه قام الدليلُ العقليُّ عليه، وأنه لا خلافَ فيه (١). ولعل الكلامَ عليه اعتراضٌ أيضاً للإشارة إلى عدم إمكان إرسالِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام إليهم بخلاف ما جاء به مما لا يكرهونه، فكراهتُهم لِمَا جاء به عليه الصلاة والسلام لا تُجْديهم نَفْعاً، فالقول بأنه بعيدٌ عن مقتضَى المقام ليس في محلِّه. وقيل: المعنى عليه: لو فعل الله تعالى ما يوافق أهواءهم لاختلَّ نظامُ العالم؛ لِمَا أنَّ آراءهم متناقضةٌ. وفيه إشارةٌ إلى فسادٍ عقولهم، وأنهم لذلك كرهوا ما كرهوه من الحقِّ الذي جاءهم(٢) به عليه الصلاة والسلام. وهو كما ترى. وقرأ ابن وثاب: ((ولوُ اتَّبع)) بضم الواو(٣). ﴿َبَّ أَنََّهُم بِذِكْرِهِمْ﴾ انتقالٌ من تشنيعهم بكراهةِ الحقِّ إلى تشنيعهم بالإعراض عمَّا جُبِلَ عليه كلُّ نفسٍ من الرغبة فيما فيه خيرُها، والمرادُ بالذكر: القرآن الذي هو فخرُهم وشرفُهم حَسْبَما ينطقُ به قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] أي: بل أتيناهم بفَخْرِهم وشَرَفِهم الذي كان يجب عليهم أن يُقْبِلوا عليه أَكْملَ إقبالٍ، ويَقْبَلوا ما فيه أكملَ قبولٍ. ﴿فَهُمْ﴾ بما فعلوا من النكوص ﴿عَن ذِكْرِهِم﴾ أي: فَخْرِهم وشرفهم خاصةً ﴿يُعْرِضُونَ ﴾﴾ لا عن غير ذلك مما لا يوجب الإقبال عليه والاعتناء به. وفي وَضْعِ الظاهر موضعَ الضمير مزيدُ تشنيعٍ لهم وتقريع. والفاء لترتيب ما بعدها من إعراضهم عن ذِكْرِهم على ما قبلها من الإتيان بذكرهم. ومَن فسَّر ((الحقَّ)) في قوله تعالى: (بَلْ جَآءَهُمْ بِآلْحَقِّ) بالقرآن الكريم، قال هنا: (١) حاشية الشهاب ٣٤١/٦. (٢) في (م): جاء. (٣) القراءات الشاذة ص ٩٨، والمحتسب ٩٧/٢، والبحر ٦/ ٤١٤. الآية : ٧١ ١١٩ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ في إسناد الإتيان بالذكر إلى نون العظمة بعد إسناده إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تنويهٌ بشأن النبيِّ وَ﴿، وتنبيهٌ على كونه عليه الصلاة والسلام بمثابةٍ عظيمةٍ منه عز وجل. وفي إيراد القرآن الكريم عند نسبته إليه وَله بعنوان الحقِّيَّة، وعند نسبته إليه تعالى بعنوان الذكر، من النكتة السَّرِيةِ والحكمةِ العبقرية ما لا يخفى؛ فإنَّ التصريح بحقِّيته المستلزمةِ لحقِّيةٍ مَن جاء به هو الذي يقتضيه مقامُ حكايةِ ما قاله المُبْطِلون في شأنه، وأما التشريفُ فإنما يليقُ به تعالى، لا سيما رسول الله وَّمَ أحدُ المشرَّفين. وقيل: المراد بذكرهم ما تمَّوه بقولهم: ﴿لَوْ أَنَّ ◌ِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَِّينَ ﴿﴿ لَكُنَا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨-١٦٩] فكأنه قيل: بل آتيناهم الكتاب الذي تمَّوه. وعن ابن عباس ﴿هَا أنَّ المراد بالذكر الوعظُ، وأيِّد بقراءة عيسى: ((بذكراهم)) بألف التأنيث(١). ورجِّح القولان الأوَّلان بأنَّ التشنيع عليهما أشدُّ، فإنَّ الإعراض عن وَعْظِهم ليس بمثابة إعراضهم عن شرفهم وفخرهم، أو عن كتابهم الذي تمنَّوه، في الشناعة والقباحة. وقيل: إنَّ الوعظ فيه بيانُ ما يَصْلُحُ به حالُ مَن يُؤْعَظُ، فالتشنيعُ بالإعراض عنه لا يَقْصُرُ عن التشنيع بالإعراض عن أحد ذينك الأمرين، ولا يخفى ما فيه من المكابرة. وقرأ ابن أبي اسحاق وعيسى بن عمر، ويونس عن أبي عمرو: ((بل أتيتُهم)) بتاء المتكلِّم. وابنُ أبي إسحاق وعيسى أيضاً وأبو حيوةَ والحجدريُّ وابن قطيبٍ وأبو رجاء: ((بل أتيتَهم)) بتاء الخطاب للرسول ◌َلِيمٍ(٢). وأبو عمرو في روايةٍ: ((آتيناهم)) بالمدِّ(٣)، ولا حاجةَ على هذه القراءة الى ارتكابٍ مجازٍ أو دعوى حذفِ مضافٍ كما في قراءة الجمهور على تقدير جَعْلِ الباء للمصاحَبة. (١) القراءات الشاذة ص ٩٨، والبحر ٦/ ٤١٤. (٢) القراءتان في القراءات الشاذة ص ٩٨، والمحتسب ٩٨/٢، والبحر ٤١٤/٦. (٣) المحرر الوجيز ١٥١/٤، والبحر ٤١٤/٦. سُوَّةُ المُؤْمنُونَ ١٢٠ الآية : ٧٢ وقرأ قتادة: ((نذكِّرُهم)» بالنون مضارع ذكّر(١). ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ﴾ متعلِّقٌ بقوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ، جِنَّةٌ) فهو انتقالٌ إلى توبيخِ آخر، وغيّر للخطاب لمناسبته ما بعده، وكأن المراد: أم يزعمون أنك تسألُهم علىّ أداء الرسالة ، أي: جعلاً، فلأجْلٍ ذلك لا يؤمنون بك. وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي: رزقُه في الدنيا وثوابُه في الآخرة، تعليلٌ النفي السؤال المستفادِ من الإنكار، أي: لا تسألهم ذلك فإنَّ ما رزقك الله تعالى في الدنيا والعُقْبَى خيرٌ من ذلك لسعته ودوامه، وعدم تحمُّل منَّة الرجال فيه. وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تعليل الحكم وتشريفه وتلقي ما لا يخفى. والخَرْجُ بإزاءِ الدَّخْلِ، يقال لكلِّ ما تُخْرِجُه إلى غيرك، والخراجُ غالبٌ في الضريبة على الأرض، ففيه إشعارٌ بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ، ولذلك عبَّر به عن عطاء الله تعالى. وكذا على ما قيل من أنَّ الخرج ما تبرَّعْتَ به، والخراجَ مالَزِمَك، واللزومُ بالنسبة إليه تعالى إنما هو لفضل وعده عز وجل. وقيل: الخرجُ أعمُّ من الخراج، وساوَی بينهما بعضُهم. وقرأ ابن عامر: ((خَرْجاً فخَرْجُ))، وحمزةُ والكسائيُّ: ((خراجاً فخَرَاجُ))(٢) للمشاكلة. وقرأ الحسن وعيسى: ((خراجاً فخَرْجُ))(٣)، وكأنَّ اختيارَ ((خراجاً)) في جانبه عليه الصلاة والسلام للإشارة إلى قوة تمكّنِهم في الكفر، واختيارَ ((خَرْجاً)» في جانبه تعالى للمبالغة في حظّ قَدْرٍ خَرَاجِهم، حيث كان المعنى: فالشيءُ القليل منه عز وجل خيرٌ من كثيرهم، فما الظنُّ بكثيره جل وعلا؟ (١) المحتسب ٩٨/٢، والبحر ٤١٤/٦، والدر المصون ٣٦٠/٨. (٢) التيسير ص ١٤٦، والنشر ٣١٥/٢. (٣) البحر ٦/ ٤١٥ .