Indexed OCR Text

Pages 81-100

الآية : ٤٥
٨١
سُؤَّةُ المُؤْنُونَ
﴿فَأَتْبَغَنَا بَعْضَهُم بَعْضًا﴾ في الهلاك، حَسْبَما تَبِعَ بعضُهم بعضاً في مباشرة سببه،
وهو تكذيبُ الرسول.
وَحَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثٌ﴾ جمع أُحدوثة، وهو ما يُتَحدَّثُ به تعجّباً وتَلَهِّياً، كأعاجيبَ
جمع أُعجوبة، وهو ما يُتَعجَّبُ منه، أي: جعلناهم أحاديثَ يُتُحدَّثُ بها على سبيل
التعجُّب والتلهِّي. ولا تقال الأحدوثة عند الأخفش(١) إلَّا في الشر.
وجوِّز أن يكون جَمْعَ حديثٍ، وهو جمعٌ شاذٌّ مخالفٌ للقياس، كقطيع وأقاطيع،
ويسمِّيه الزمخشريُّ اسمَ جمع(٢)، والمراد: أنَّا أهلكناهم ولم يَبْقَ إلا خبرُهم.
﴿فَبَعْدًا لِقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ اقتصر هاهنا على وَصْفِهم بعَدَمِ الإيمان
حَسْبَما اقتصر على حكاية تكذيبهم إجمالاً. وأما القرونُ الأوَّلون فحيث نُقِلَ عنهم
ما مرَّ من الغلوِّ وتجاوزِ الحدِّ في الكفر والعدوان وُصفوا بالظلم.
ـمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بَِايَتِنَا﴾ أي: بالآيات المعهودة، وهي الآياتُ
التسعُ، وقد تقدَّم الكلام في تفصيلها وما قيل فيه (٣) . و((هارون)) بدلٌ أو عطفُ بيانٍ،
وتعرَّضَ لأُخوَّتِه لموسى عليهما السلام للإشارة إلى تبعيَّتِه له في الإرسال.
﴿وَسُلْطَانٍ تُبِينٌ ﴾﴾ أي: حجةٍ واضحةٍ، أو مُظْهِرةٍ للحق. والمرادُ بها عند
جمعِ العصا، وإفرادُها بالذكر مع انْدِراجها في الآيات لتفرُّدها بالمزايا حتى صارت
كأنها شيءٌ آخَرُ.
وجوِّز أن يراد بها الآياتُ، والتعاطفُ مِن تَعاطُفِ المتَّحدَيْنِ في الماصدق
التغايُرٍ مدلوليهما، كعَظْفِ الصفة على الصفة مع انِّحاد الذات، وقد مرَّ نظيره
آنفاً (٤)، أو هو من باب قولك: مررتُ بالرجل والنَّسَمةِ المباركة، حيث جرِّد من
نفس الآيات سلطانٌ مبينٌ وعُطِفَ عليه مبالغةً، والإتيان به مفرداً لأنه مصدرٌ في
الأصل، أو للاتحاد في المراد.
(١) كما في البحر ٦/ ٤٠٧ .
(٢) الكشاف ٣٣/٣.
(٣) ينظر ما سلف عند تفسير الآية (١٠١) من سورة الإسراء.
(٤) ينظر ما سلف ص٥٤ من هذا الجزء.

وَرَةُ الْمُؤْمِنُونَ
٨٢
الآية : ٤٦ - ٤٧
وعن الحسن: أنَّ المراد بالآيات: التكاليفُ الدينيةُ، وبالسلطان المبين:
المُعْجِز.
وقال أبو حيان: يجوزُ أن يراد بالآيات نفسُ المعجزاتِ، وبالسلطان المبين
كيفيةُ دلالتها؛ لأنها وإن شاركت آيات الأنبياء عليهم السلام في أصل الدلالة على
الصدق، فقد فارَقَتْها في قوة دلالتها على ذلك(١). وهو كما ترى.
ويمكن أن يقال: المراد بالسلطان تَسَلُّطُ موسى عليه السلام في المحاورة
والاستدلالِ على الصانع عز وجل، وقوة الجأش والإقدام.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلِيْهِ﴾ أي: أشرافِ قومه، خُصُّوا بالذكر لأنَّ إرسال بني
إسرائيل - وهو مما أُرْسِلا عليهما السلام لأَجْلِه - منوظٌ بآرائهم. ويمكنُ أن يراد
بالملأ قومُه، فقد جاء استعمالُه بمعنى الجماعة مطلقاً .
﴿فَأَسْتَكْبَواْ﴾ عن الانقياد لِمَا أُمروا به ودُعوا إليه، من الإيمانِ وإرسالِ بني
إسرائيل وتركٍ تعذيبهم، وليست الدعوة مختصةً بإرسال بني إسرائيل وإطلاقهم من
الأسر، ففي سورة ((النازعات)): ﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْهَوْنَ إِنَّه ◌َغَى (49) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزََّ
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى﴾ [الآيات: ١٧ -١٩] وأيضاً فيما نحن فيه ما يدلُّ على عدم
الاختصاص.
﴿وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ ﴾﴾ متكبِّرِين، أو: مُتَطاوِلِين بالبغي والظلم، والمرادُ: كانوا
قوماً عادتُهم العلوُّ.
﴿فَقَالُواْ﴾ عطفٌ على ((استكبروا)) وما بينهما اعتراضٌ مقرِّرٌ للاستكبار، والمرادُ:
فقالوا فيما بينهم بطريق المناصحة: ﴿أَنْيِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ ثَنَّى البشر لأنه يطلَقُ على
الواحد، كقوله تعالى: ﴿بَشَرًا سَوِيًا﴾ [مريم: ١٧]، ويطلق على الجمع كما في قوله
تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] ولم يثنِّ ((مِثْل)) نظراً إلى كونه في
حكم المصدر. ولو أفرد البشر لصحَّ؛ لأنه اسمُ جنسٍ يطلق على الواحد وغيره،
وكذا لو ثَّى المِثْلَ فإنه جاء مُثَنَّى في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣]
ومجموعاً في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [ محمد: ٣٨] نظراً إلى أنه في
(١) البحر ٦/ ٤٠٧ .

الآية : ٤٧
٨٣
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
تأويل الوصف، إلَّا أن المرجّح لتثنية الأول وإفرادِ الثاني الإشارةُ بالأول إلى
قلَّتهما وانفرادِهما عن قومهما مع كثرة الملأ واجتماعِهم، وبالثاني إلى شدة تماثُلهم
حتى كأنهم من البشرين شيءٌ واحد، وهو أدلُّ على ما عَنَوه.
وهذه القصص كما ترى تدلُّ على أنَّ مدار شُبهِ المنكرين للنبوَّة قياسُ حالٍ
الأنبياء عليهم السلام على أحوالهم، بناءً على جَهْلِهم بتفاصيل شؤون الحقيقة
البشرية، وتبايُنِ طبقات أفرادها في مَرَاقي الكمال ومَهَاوي النقصان، بحيث يكون
بعضُها في أعلى علِّيين وهم المختصُّون بالنفوس الزكية، المؤيَّدون بالقوة القدسية،
المتعلِّقون لصفاء جواهرهم بكلا العالمينِ: اللطيف والكثيف، فيتلقَّون من جانبٍ،
ويلقون إلى جانب، ولا يعوقُهم التعلُّق بمصالح الخَلْقِ عن التبتُّل إلى حضرة الحقِّ.
وبعضُها في أسفل سافلين، وهم كأولئك الجَهَلةِ الذين هم كالأنعام، بل هم أضلُّ
سبيلاً.
ومن العجب(١) أنهم لم يرضَوْا للنبوَّة ببشرٍ، وقد رضي أكثرُهم للإلهية بحجٍ،
فقاتَلَهم الله تعالى ما أَجْهَلَهم!
والهمزةُ للإنكار، أي: لانؤمنُ لبشرين مثلنا ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يَعْنُونَ سائرَ بني إسرائيل
﴿لَنَا عَبِدُونَ ﴾﴾ خادمون مُنقادون لنا كالعبيد، ففي ((عابدون)) استعارةٌ تبعيةٌ نظراً
إلى مُتعارَفِ اللغة.
ونقل الخفاجيُّ عن الراغب أنه صرَّح بأنَّ العابد بمعنى الخادم حقيقةٌ(٢). وقال
أبو عبيدة: العربُ تسمِّي كلَّ مَن دان للملك عابداً (٣).
وجوَّز الزمخشريُّ الحملَ على حقيقة العبادة؛ فإنَّ فرعون كان يدَّعي الإلهية
فادَّعى للناس العبادة على الحقيقة (٤).
واعتُرِضَ بأنَّ الظاهر أنَّ هذا القولَ من الملأ، وهو يأبى ذلك، وكونُهم قالوه
(١) في الأصل: العجيب.
(٢) حاشية الشهاب ٦/ ٣٣٣.
(٣) مجاز القرآن ٥٩/٢.
(٤) الكشاف ٣/ ٣٣.

سُورَةُ المُؤْمنُونَ
٨٤
الآية : ٤٨ - ٤٩
على لسان فرعون كما يقول خواصُّ ملك: نحن ذوو رعيةٍ كثيرة ومُلْكٍ طويلٍ
عريض، ومرادُهم: إنَّ ملكنا ذو رعية .. إلخ، خلافُ الظاهر.
وقيل عليه أيضاً: على تقدير أن يكون القائلُ فرعونَ، لا يلزمُ من ادِّعائه الإلهية
عبادةٌ بني إسرائيل له، أو كونُه يعتقد أو يدَّعي عبادتَهم على الحقيقة له.
وأنت تعلم أنه متى سلِّم أنَّ القائل فرعونُ، وأنه يدَّعي الإلهية، لا يقدح في
إرادته حقيقةَ العبادة عدمُ اعتقادِه ذلك؛ لأنه على ما تدلُّ عليه بعضُ الآثار كثيراً
ما يُظْهِرُ خلافَ ما يُبْطِنُ، حتى إنها تدلُّ على أنَّ دعواه الإلهية من ذلك. نعم
الأَوْلَى تفسيرُ ((عابدون)» بخادمون، وهو مما يصحُّ إسنادُه إلى فرعون وملئه، وكأنهم
قصدوا بذلك التعريضَ بشأن الرسولين عليهما السلام، وحّ رُتْبتِهما العَليَّةِ عن
منصب الرسالة من وجهٍ آخرَ غيرِ البشرية.
واللام في ((لنا)) متعلِّقةٌ بـ ((عابدون)) قدِّمت عليه رعايةً للفواصل، وقيل:
للحَصْرِ، أي: لنا عابدون لا لهما.
والجملةُ حالٌ من فاعلِ ((نؤمن))، مؤكّدةٌ لإنكار الإيمان لهما، بناءً على زَعْمِهم
الفاسدِ المؤسّسٍ على قياس الرياسة الدينية على الرياسة الدنيوية، الدائرةٍ على
التقدُّمِ في نيلِ الحظوظ الدنيوية من المال والجاه، كدأب قريش حيث قالوا: ﴿لَوْلًا
نُّوْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وجَهْلِهم بأنَّ مناط الاصطفاء
للرسالة هو السَّبْقُ في حيازة النعوتِ العَليَّةِ والمَلَكاتِ السَّنِيَّة التي يتفضَّلُ الله تعالى
بها على مَن يشاءُ مِن خَلْقِهِ .
﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ فاستمرُّوا على تكذيبهما، وأصرُّوا واستكبروا استكباراً ﴿فَكَانُواْ مِنَ
الْمُهْلَكِينَ ﴾﴾ بالغرق في بحر القلزم، والتعقيبُ باعتبارِ آخِرِ زمانِ التكذيب الذي
استمرُّوا عليه.
وقيل: تعقيبُ التكذيب بذلك بناءً على أنَّ المراد: محكوم عليهم بالإهلاك.
وقيل: الفاء لمحض السببية، أي: فكانوا بسبب تكذيب الرسولين من المهلكين.
﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا﴾ أي(١): بعد إهلاكهم وإنجاء بني إسرائيل من مملكتهم ﴿مُوسَى
(١) قوله: أي، ليس في (م).

الآية : ٥٠
٨٥
سُورَةُ المؤمنُونَ
الْكِتَبَ﴾ أي: التوراة. وحيث كان إيتاؤه عليه السلام إياها لإرشاد قومه إلى الحقِّ
كما هو شأنُ الكتب الإلهية، جُعلوا كأنهم أُوتوها، فقيل: ﴿لَعَلَّهُمْ يَدُونَ
٤٩
أي: إلى طريق الحقِّ عِلْماً وعملاً، لِمَا تضمَّنته من الاعتقاديات والعمليات.
وجوِّز أن يكون الكلام على تقدير مضافٍ، أي: آتينا قومَ موسى، وضمير
(لعَلهم)) عائدٌ عليه.
وقيل: أُريدَ بموسى عليه السلام قومُه، كما يقال تميم وثقيف للقبيلة.
وتعقِّب بأنَّ المعروف في مثله إطلاقُ أبي القبيلة عليهم، وإطلاقُ موسى عليه
السلام على قومه ليس من هذا القبيل، وإن كان لا مانع منه.
ولم يجعل ضمير («لعلهم)) لفرعون وملئه؛ لظهور أنَّ التوراة إنما أنزلت بعد
إغراقهم لبني إسرائيل، وقد يُسْتَشْهَدُ على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى
الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] بناء على أنَّ المراد
بالقرون الأولى ما يعمُّ فرعون وقومه ومَن قبلهم من المهلكين، كقوم نوح وهود،
لا ما يخصُّ مَن قبلهم من الأمم المهلكين؛ لأنَّ تقييد الإخبار بإتيانه عليه السلام
الكتاب بأنه بعد إهلاك مَن تقدَّم من الأمم معلومٌ، فلو لم يدخل فرعونُ وقومُه لم
یکن فيه فائدة، کما قیل.
ولم يذكر هارون مع موسى عليهما السلام اقتصاراً على مَن هو كالأصل في
الإيتاء. وقيل: لأنَّ الكتاب نزل بالطور وهارون عليه السلام كان غائباً مع بني
إسرائيل.
﴿وَجَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُرْ ءَايَةً﴾ أيَّ آيَةٍ دالَّة على عظيم قدرتنا، بولادته منها من غيرِ
مسيسٍ بشرٍ، فالآيةُ أمرٌ واحدٌ مشتركٌ بينهما فلذا أُفرِدَتْ، وجوِّز أن يكون الكلامُ
على تقدير مضاف، أي: جعلنا حالَ ابن مريم وأمه آيةً، أو جعلنا ابن مريم وأمَّه
ذَوَيْ آيةٍ، وأن يكون على حذف آية من الأول لدلالة الثاني عليه أو بالعكس، أي:
جعلنا ابنَ مريم آيَةً لِمَا ظهر فيه عليه السلام من الخوارق، كتكلَّمه في المهد
بما تكلّم صغيراً، وإحيائه الموتى وإبرائه الأكمه والأبرص وغير ذلك كبيراً، وجعلنا
أمَّه آيَةً بأن وَلَدتْ من غيرِ مسيسٍ، وقال الحسن: إنها عليها السلام تكلَّمت في

سُورَةُ المؤمنُون
٨٦
الآية : ٥٠
صغرها أيضاً، حيث قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزُقُ مَن كَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[آل عمران: ٣٧] ولم تلتقم ثدياً قط.
وقال الخفاجيُّ: لك أن تقول: إنَّما يُحتاجُ إلى توجيه إفرادِ الآية بما ذُكر إذا
أُرِيدَ أنها آيةٌ على قدرة الله تعالى، أما إذا كانت بمعنى المعجزة أو الإرهاص فلا؛
لأنها إنما هي لعيسى عليه السلام لنبوَّته دون مريم(١). اهـ.
ولا يخفى ما فيه، والوجهُ عندي ما تقدَّم. والتعبيرُ عن عيسى عليه السلام بابن
مريم، وعن مريم بأمِّه؛ للإيذان من أول الأمر بحيثيةٍ كونهما آيةً، فإنَّ نسبته عليه
السلام إليها - مع أنَّ النسبَ إلى الآباء ــ دالَّةٌ على أنْ لا أب له، أي: جعلنا ابنَ
مريم وحدها من غيرٍ أن يكون له أبٌّ، وأمَّه التي وَلَدْه خاصةً من غير مشاركةٍ
الأبِ، آيةً.
وتقديمهُ عليه السلام لأصالته فيما ذكر من كونه آيةً، كما قيل: إنَّ تقدیم أمِّه في
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةٌ لِّلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩١] لأصالتها فيما نُسب
إليها من الإحصان والنفخ.
ثم اعْلَمْ أنَّ الذي أجمع عليه الإسلاميون أنه ليس لمريم ابنٌ سوى عيسى عليه
السلام، وزعم بعض النصارى قاتلهم الله تعالى أنها بعد أن وَلَدتْ عيسى تزوَّجت
بيوسف النجار، وولدت منه ثلاثة أبناء.
والمعتمَدُ عليه عندهم أنها كانت في حالِ الصِّغَرِ خطيبةً يوسف النجار، وعَقَدَ
عليها ولم يَقْرَبْها، ولمَّا رأى حَمْلَها بعيسى عليه السلام همَّ بتَخْلِيتها، فرأى في
المنام مَلَكاً أَوْقَفَه على حقيقة الحالِ، فلمَّا وَلَدتْ بقيتْ عنده مع عيسى عليه السلام،
فجعل يربِّيه ويتعهَّدُه مع أولادٍ له من زوجةٍ غيرِها، فأما هي فلم يكن يَقْرَبُها أصلاً .
والمسلمون لا يسلِّمون أنها كانت معقوداً عليها ليوسف، ويسلِّمون أنها كانت
خطيبته، وأنه تعهَّدها وتعهّد عيسى عليه السلام، ويقولون: كان ذلك لقرابته منها .
﴿وَمَاوَيْنَهُمَا﴾ أي: جعلناهما يأويان ﴿إِلَى رَبْوَقٍ﴾ هي ما ارتفع من الأرض دون
الجبل.
(١) بنحوه في حاشية الشهاب ٦/ ٣٣٤.

الآية : ٥٠
٨٧
سُؤَةُ الْمُؤْمنُونَ
واختلف في المراد بها هنا، فأخرج وكيعٌ وابنُ أبي شيبة وابنُ المنذر وابنُ
عساكر بسندٍ صحيح عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (إِلَى رَبْوَقٍ): أُنْبِئْنا أنها
دمشق(١).
وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن سلام، وعن يزيد بن شجرة الصحابيِّ، وعن
سعيد بن المسيّب، وعن قتادة عن الحسن، أنهم قالوا: الربوة هي دمشق(٢).
وفي ذلك حديثٌ مرفوعٌ أخرجه ابن عساكر عن أبي أمامة بسندٍ ضعيف(٣).
وأخرج جماعةٌ عن أبي هريرة أنه قال: هي الرملة من فلسطين(٤). وأخرج ذلك
ابن مردويه(٥) من حديثه مرفوعاً .
وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) وجماعةٌ عن مرَّة البهزيّ قال: سمعتُ
رسول الله وَل يقول: ((الرَّبوة الرملة))(٦).
وأخرج ابن جرير وغيرُه عن الضحاك أنه قال: هي بيتُ المقدس (٧).
(١) تاريخ ابن عساكر ٢٠٣/١ و٢٠٤، والكلام من الدر المنثور ١٠/٥ .
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٠٤/١-٢٠٨. وخبر عبد الله بن سلام أخرجه أيضاً الرامهرمزي في
المحدِّث الفاصل ص ٤٧٥، وهو من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن يحيى بن
سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن سلام. قال أبو حاتم كما في العلل لابنه
٦٦/٢: لم يتابع عبد الوهاب على رواية هذا الحديث، رواه ليث بن أبي سليمان والثوري
وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك والدراوردي وسليمان بن بلال، كلهم عن
يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، ليس أحد منهم يقول: عن عبد الله بن سلام ...
ويحتمل أن يكون سمِّي لعبد الوهاب عبد الله بن سلام ولم يسمَّ لهم.
(٣) تاريخ ابن عساكر ٢٠٣/١. والكلام من الدر المنثور ١٠/٥، وأخرجه أيضاً تمام في فوائده
(١٥٥٢). وفي إسناده مسلمة بن علي، قال عنه الذهبي: شامي واهٍ، وقال دحيم: ليس
بشيء، وقال أبو حاتم: لا يشتغل به. الميزان ١٥٩/٤ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٤٦/٢، والطبري ١٧/ ٥٣ و٥٤.
(٥) كما في الدر المنثور ١٠/٥ .
(٦) المعجم الأوسط (٦٦٩٥)، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٣/١٧-٥٤. قال الهيثمي في مجمع
الزوائد ٧/ ٧٢: فيه من لم أعرفهم.
(٧) لم نقف عليه عند الطبري، وذكره عن الضحاك ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وذكر البغوي
في تفسيره ٣١٠/٣ عنه أنه قال: هي غوطة دمشق.

سُورَةُ الْمُؤْمنُونَ
٨٨
الآية : ٥٠
وأخرج هو وغيره أيضاً عن قتادة أنه قال: كنّا نحدَّث أنَّ الربوة بيت
المقدس(١). وذكروا عن كعب أنَّ أرضه كبدُ الأرض وأقربُها إلى السماء بثمانية
عشر ميلاً، ولذا كان المعراج، ورُفع عيسى عليه السلام منه، وهذا القولُ أوفقُ
بإطلاق الربوة على ما سمعتَ من معناها .
وأخرج ابنُ المنذر وغيره(٢) عن وهب، وابنُ جريرٍ وغيرُه عن ابن زيد: الربوةٌ
(٣)
مصر(٣) .
وروي عن زيد بن أسلم أنه قال: هي الإسكندرية.
وذكروا أن (٤) قرى مصر كلُّ واحدةٍ منها على ربوةٍ مرتفعةٍ؛ لعموم النيل في
زيادته جميعَ أرضها، فلو لم تكن القرى على الربى لغرقت.
وذُكر أنَّ سبب هذا الإيواء أنَّ ملك ذلك الزمان عزم على قتل عيسى عليه
السلام، ففرَّتْ به أمُّه إلى أحد هذه الأماكن التي ذُكرت، كذا في ((البحر))(٥).
ورأيت في إنجيل متّى أنَّ عيسى عليه السلام لمَّا وُلد في بيت لحم في أيام
هيرودس الملك، وافى جماعةٌ من المجوس من المشرق إلى أورشليم يقولون: أين
المولودُ ملكُ اليهود؟ فقد رأينا نجمه في المشرق وجئنا لنسجدَ له. فلما سمع
هيرودس اضطرب، وجمع رؤساء الكهنةِ وكتبةَ الشعب فسألهم: أين يولد المسيح؟
فقالوا: في بيت لحم. فدعا المجوس سرًّا وتحقّق منهم الزمان الذي ظهر لهم فيه
النجم، وأرسلهم إلى بيت لحم وقال لهم: اجْهَدوا في البحث عن هذا المولود،
فإذا وجدتُموه فأخْبِروني لأسجُدَ له معكم. فذهبوا فوجدوه مع مريم، فسجدوا
وقرَّبوا القرابين، ورأوا في المنام أن لا يرجعوا إلى هيرودس، فذهبوا إلى كُورَتِهم،
ورأى يوسفُ في المنام مَلَكاً يقول له: قم فخذ الطفل وأمَّه واهرب إلى مصر، وكن
هناك حتى أقول لك، فإنَّ هيرودس قد عزم على أن يطلب الطفل ليُهْلِكَه. فقام
(١) تفسير الطبري ٥٥/١٧، وتفسير عبد الرزاق ٤٥/٢ -٤٦.
(٢) كما في الدر المنثور ٩/٥.
(٣) الدر المنثور ٩/٥، وينظر تفسير الطبري ١٧/ ٥٥.
(٤) في (م): أي. وهو تصحيف.
(٥) ٤٠٨/٦.

الآية : ٥٠
٨٩
سُؤَدَّةُ المؤمنُون
وأخذ الطفلَ وأمَّه ليلاً ومضى إلى مصر، وكان هناك إلى وفاة هيرودس، فلمَّا توفِّي .
رأى يوسفُ المَلَكَ في المنام يقول له: قُمْ فخُذِ الطفل وأمَّه واذهب إلى أرض
إسرائيل، فقد مات مَن يطلب نَفْسَ الطفل. فقام وأخذهما وجاء إلى أرض
إسرائيل، فلما سمع أن أرشلاوس قد ملك على اليهودية بعد أبيه هيرودس، خاف
أن يذهب هناك، فأَخبِرَ في المنام وذهب إلى تخوم الجليل فسكن في مدينة تُدْعَى:
ناصرة(١). اهـ. فإن صحَّ هذا كان الظاهر أنَّ الربوة في أرض مصر، أو ناصرة من
أرض الشام، والله تعالى أعلم.
وقرأ أكثر القراء: ((رُبوة)) بضم الراء(٢)، وهي لغة قريش.
وقرأ أبو إسحاق السَّبيعيُّ: ((رِبوةٍ)) بكسرها(٣). وابن أبي إسحاق: ((رُبَاوة)) بضم
الراء وبالألف(٤). وزيد بن علي ◌ّ والأشهب العقيلي والفرزدق والسُّلميُّ في نَقْلِ
صاحب ((اللوامح)) بفتحها وبالألف(٥). وقرئ بكسرها وبالألف(٦).
﴿ذَاتٍ قَرَارٍ﴾ أي: مستقرٍّ من أرضٍ منبسطةٍ، والمرادُ أنها في وادٍ فسيحٍ تنبسطُ به
نفسُ مَن يأوي إليه. وقال مجاهد: ذات ثمارٍ وزروع، والمراد أنها محلٌّ صالحٌ لقرار
الناس فيه؛ لِمَا فيه من الزروع والثمار، وهو أنسبُ بقوله تعالى: ﴿وَمَعِينٍ
٥٠
أي: وماءٍ معينٍ، أي جارٍ، ووزنُه فعيل على أنَّ الميم أصلية من مَعَنَ بمعنى جرى،
وأصلُه الإبعاد في الشيءٍ، ومنه أَمْعَنَ النظر. وفي ((البحر)): مَعَنَ الشيءُ مَعانةً:
كَثُرَ (٧). أو من الماعون، وإطلاقُهُ على الماء الجاري لنَفْعِه.
وجوِّز أن يكون وزنُه مفعول كمَخِيطٍ، على أنَّ الميم زائدة، من عانه: أدركه
(١) إنجيل متى ص ٣٨ -٤٠.
(٢) هي قراءة العشرة عدا ابن عامر وعاصم، فقد قرأا بفتح الراء. التيسير ص ٨٣، والنشر
٠٢٢٢/٢
(٣) البحر ٤٠٨/٦، وعزاها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٩٨ لابن عباس.
(٤) القراءات الشاذة ص٩٨، وإعراب القرآن للنحاس ١١٥/٣، والكشاف ٣٣/٣، والبحر
٤٠٨/٦، والكلام منه، ووقع في الأصل و(م): رباة، والمثبت من المصادر.
(٥) البحر ٤٠٨/٦، وهي في القراءات الشاذة ص٩٨ عن الفرزدق.
(٦) الكشاف ٣٣/٣، والبحر ٤٠٨/٦.
(٧) البحر ٣٩٤/٦.

سُوَّةُ المؤمنُونَ
٩٠
الآية : ٥١
بعينه، كرَكَبَه: إذا ضربه برُكْبِهِ، وإطلاقُهُ على الماء الجاري لِمَا أنه في الأغلب
يكون ظاهراً مشاهَداً بالعين، ووصف الماء بذلك لأنه الجامعُ لانشراح الصدر
وطيبٍ المكان وكثرةِ المنافع.
﴿وَأَيُّهَ الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَّيِّبَتِ﴾ حكايةٌ لرسول الله وَِّ على وجهِ الإجمال لِمَا
خوطِبَ به كلُّ رسولٍ في عصره، جيء بها إثر حكايةِ إيواءٍ عيسى وأمِّه
عليهما السلام إلى الربوة، إيذاناً بأنَّ ترتيب مبادي النعم لم تكن من خصائص
عيسى عليه السلام، بل إباحةُ الطيبات شرعٌ قديمٌ جرى عليه جميع الرسل عليهم
السلام ووُصُّوا به، أي: وقلنا لكلِّ رسولٍ: كُلْ من الطيبات واعْمَلْ صالحاً، فعبَّر
عن تلك الأوامر المتعدِّدة المتعلّقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالاً
للإيجاز.
أو حكايةٌ لِمَا ذُكر لعيسى وأمِّه عليهما السلام عند إيوائهما إلى الربوة؛
ليقتديا بالرسل في تناوُل ما رُزقا، كأنه قيل: آويناهما إلى ربوةٍ ذاتٍ قِرارٍ ومَعينٍ،
وقلنا أو قائلينَ لهما هذا، أي: أعْلَمْناهما أو معلِّميهما أن الرسل كلَّهم خوطبوا
بهذا فگلا واعملا اقتداءً بهم.
وجوِّز أن يكون نداءً لعيسى عليه السلام، وأمراً له بأن يأكل من الطيبات،
فقد جاء في حديثٍ مرسلٍ عن حفص بن أبي جبلة عن النبي وَّر، أنه قال في
قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ) إلخ: ((ذاك عيسى ابنُ مريم كان يأكل من غَزْلِ
أمه)) (١).
وعن الحسن ومجاهدٍ وقتادةً والسدِّيِّ والكلبيِّ أنه نداءٌ لرسول الله وَاتِ،
وخطابٌ له، والجمعُ للتعظيم. واستَظْهرَ ذلك النيسابوريُّ(٢). وما وقع في ((شرح
التلخيص)» تبعاً للرضيِّ من أنَّ قَصْدَ التعظيم بصيغة الجمع في غير ضمير المتكلّم لم
(١) أخرجه عبدان في كتاب الصحابة كما في الإصابة ٣/ ٤٠، والدر المنثور ١٠/٥. وجاء في
هامش (م): والمشهور أنه كان يأكل من بطن البرية. اهـ منه. قلنا: أخرج ابن المبارك في
الزهد (٥٦٣) عن أبي هريرة ◌َبه موقوفاً أن عيسى عليه السلام كان يقول لأصحابه: كلوا
من بقل البرية.
(٢) في تفسيره ٢٤/١٨ .

الآية : ٥١
٩١
سُوَةُ المؤمنُون
يقع في الكلام القديم خطأً؛ لكثرته في كلام العرب مطلقاً، بل في جميع الألسنة،
وقد صرَّح به الثعالبيُّ في ((فقه اللغة))(١) .
والمراد بالطيبات على ما اختاره شيخُ الإسلام(٢) وغيرُه: ما يُسْتَطاب ويُستلدُّ
من مباحات المأكل والفواكه، واستدلَّ له بأنَّ السياق يقتضيه، والأمرُ عليه للإباحة
والترفيه، وفيه إبطالٌ للرهبانية التي ابتَدَعَتْها النصارى.
وقيل: المراد بالطيبات ما حلَّ، والأمرُ تكليفيٍّ، وأيِّد بتعقيبه بقوله تعالى:
﴿وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ أي: عملاً صالحاً، وقد يؤيَّد بما أخرجه أحمد في ((الزهد))، وابنُ
أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم وصحَّحه، عن أمِّ عبد الله أختِ شداد بن
أوس ﴿ّا، أنها بعثت إلى النبيِّ ◌َلّ بقدح لبنٍ عند فِظْرِه وهو صائمٌ فردَّ إليها
رسولها: أنَّى لكِ هذا اللبن؟ قالت: من شاةٍ لي. فردَّ إليها رسولَها: أنَّى لكِ
الشاة؟ فقالت: اشتريتُها من مالي. فشرب منه عليه الصلاة والسلام، فلما كان من
الغد أتته أمُّ عبد الله فقالت: يا رسول الله، بعثت إليك بلبن فردَدْتَ إلي الرسول
فيه؟ فقال ◌َله لها: (بذلك أُمِرَتِ الرسلُ قبلي، أنْ لا تأكلَ إلَّا طيِّباً، ولا تعملَ إلَّا
صالحاً))(٣).
وكذا بما أخرجه مسلم والترمذيُّ وغيرُهما عن أبي هريرةً قال: قال
رسول الله وَله: (يا أيها الناس، إنَّ الله تعالى طيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طيِّباً، وإنَّ الله تعالى
أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً)
وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل
يطيلُ السفر أشعثَ أغبرَ، ومَطْعَمُه حرامٌ، ومَشْرِبُهُ حرامٌ، ومَلْبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ
بالحرام، يمدُّ يديه إلى السماء: يا ربِّ يا ربِّ، فأنَّى يُستجاب لذلك))(٤).
(١) ينظر فقه اللغة ص ٣٠٠، والكلام من حاشية الشهاب ٣٣٥/٦.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ١٣٨/٦.
(٣) الزهد لأحمد ص ٤٧٦، والمستدرك ١٢٥/٤- ١٢٦، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه
السيوطي في الدر المنثور ١٠/٥، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ٢٥/(٤٢٨). قال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩١/١٠: فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. وقال الذهبي
في التلخيص: ابن أبي مريم واهٍ.
(٤) صحيح مسلم (١٠١٥)، وسنن الترمذي (٢٩٨٩)، وهو عند أحمد (٨٣٤٨).

سُورَةُ الْمُؤْمنُونَ
٩٢
الآية : ٥٢
وتقديمُ الأمرِ بأكل الحلال لأنَّ أكل الحلال مُعِيْنٌ على العمل الصالح، وجاء
في بعض الأخبار: أنَّ الله تعالى لا يقبلُ عبادةَ مَن في جوفه لقمةٌ من حرام(١).
وصحَّ: ((أيّما لحم نَبَتَ من سُحْتٍ فالنارُ أولى به))(٢) .
ولعل تقديمَ الأمر الأول على تقدير حَمْلِ الطيب على ما يُسْتَلَذُّ من المباحات؛
لأنه أَوْفقُ بقوله تعالى: (وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَفِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) وفي الأمر بعده بالعمل
الصالح حتٌّ على الشكر.
﴿إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال الظاهرة والباطنة ﴿عَلِيمٌ ﴾﴾ فأجازيكم عليه.
وفي ((البحر)): أنَّ هذا تحذيرٌ للرسل عليهم السلام في الظاهر والمرادُ أتباعُهم(٣).
﴿وَإِنَّ هَذِهِهِ﴾ أي: الملَّةَ والشريعةَ، وأُشيرَ إليها بـ ((هذه)) للإشارة إلى كمال
ظهور أمرها في الصِّحَّة والسَّدَادِ، وانتظامِها بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهَدة.
﴿أُتَّتَكُرْ﴾ أي: ملَّتكم وشريعتُكم. والخطابُ للرسل عليهم السلام على نحو
ما مرَّ. وقيل: عامٌّ لهم ولغيرهم، وروي ذلك عن مجاهد.
والجملةُ على ما قال الخفاجيُّ عطفٌ على جملة ((إنِّي بما تعملون عليم)) (٤)
فالواو من المَحْكيِّ.
وقيل: هي من الحكاية وقد عَطَفتْ قولاً على قول، والتقديرُ: قلنا: يا أيها
الرسل كلوا .. إلخ وقلنا لهم: إن هذه أمتكم. ولا يخفى بعدُه.
وقيل: الواو ليست للعطف والجملةُ بعدها مستأنفةٌ غيرُ معطوفةٍ على ما قبلها .
وهو كما ترى.
وقوله سبحانه: ﴿أُمَّةُ وَحِدَةٌ﴾ حالٌ مُبَيِّنَةٌ من الخبر، والعاملُ فيها معنى الإشارة،
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٤٩٥) بنحوه من حديث ابن عباس ﴿ًا. قال ابن رجب في
جامع العلوم والحكم ٢٦٠/١: إسناده فيه نظر. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٩١/١٠:
أخرجه الطبراني في الصغير، وفيه من لم أعرفهم.
(٢) سلف ٢٠٦/٧.
(٣) البحر ٤٠٨/٦.
(٤) حاشية الشهاب ٣٣٦/٦.

الآية : ٥٢
٩٣
سُوَّةُ الْمُؤْمِنُونَ
أي: أُشيرُ إليها في حال كونها شريعةً متَّحدةً في الأصول التي لا تتبدَّلُ بتبدُّلٍ
الأعصار.
وقيل: ((هذه)) إشارةٌ إلى الأمم الماضية(١) للرسل، والمعنى: إنَّ هذه جماعتُكم
جماعةً واحدةً متَّفقةً على الإيمان والتوحيد في العبادة.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ أي: مِن غير أن يكون لي شريكٌ في الربوبية، وهذه الجملةُ
عطفٌ على جملةٍ ((إنَّ هذه)) إلخ، المعطوفةِ على ما تقدَّم، وهما داخلان في حيِّزٍ
التعليل للعمل الصالح؛ لأنَّ الظاهر أنَّ قوله سبحانه: (إِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) تعليلٌ
لذلك. ولعل المراد بالعمل الصالح ما يشمل العقائد الحقَّةَ والأعمالَ الصحيحة،
واقتضاءُ المجازاة والربوبية لذلك ظاهرٌ، وأمَّا اقتضاءُ اتِّحاد الشريعة في الأصول
التي لا تتبدّلُ لذلك فباعتبارِ أنه دليلُ حقِّيةِ العقائد، وحقِّيتُها تقتضي الإتيانَ بها،
والإتيانُ بها يقتضي الإتيانَ بغيرها من الأعمال الصالحة، بل قيل: لا يصحُ
الاعتقادُ مع تَرْكِ العمل. وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَتَّقُونِ ﴾﴾ كالتصريح
بالنتيجة، فيكون الكلامُ نظيرَ قولك: العالَمُ حادِثٌ لأنه متغيِّرٌ، وكلُّ متغيِّرِ حادثٌ،
فالعالَم حادثٌ.
وفي ((إرشاد العقل السليم))(٢): أنَّ ضمير المخاطَب(٣) في قوله تعالى: (رَبُّكُمْ)
وفي قوله سبحانه: (فَتَّقُونِ) للرسل والأمم جميعاً، على أنَّ الأمر في حقِّ الرسل
للتهييج والإلهاب، وفي حقِّ الأمة للتحذير والإيجاب، والفاءُ لترتيب الأمر أو
وجوبِ الامتثال به على ما قبله من اختصاص الربوبية به سبحانه واتحادِ الأمة، فإنَّ
كلَّا منهما موجبٌ للاتقاء حتماً، والمعنى: فاتَّقونِ في شقِّ العصا والمخالفةِ
بالإخلال بموجب ما ذُكر [من اختصاص الربوبية بي].
وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو: ((وأنَّ) بفتح الهمزة وتشديدِ النون(٤)، وخُرِّجَ على
تقدير حرف الجرِّ، أي: ولِأنَّ هذه .. إلخ، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ ((اتقون)).
(١) في تفسير أبي السعود ١٣٨/٦ (والكلام منه): المؤمنة، بدل: الماضية.
(٢) هو تفسير أبي السعود ١٣٨/٦، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) في (م): الخطاب.
(٤) التيسير ص ١٥٩، والنشر ٣٢٨/٢، وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب من العشرة.

سُورَةُ المُؤْمنُونَ
٩٤
الآية : ٥٣
قال الخفاجيُّ(١): والكلامُ في الفاء الداخلة عليه كالكلام في فاء قوله تعالى:
﴿وَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونٍ﴾ [البقرة: ٤٠]، وهي للسببية وللعطف(٢) على ما قبله وهو (اعملوا))،
والمعنى: اتَّقوني لأنَّ العقول متفقةٌ على ربوبيَّتي والعقائد الحقَّة الموجبة للتقوى.
انتهى، ولا يخلو عن شيءٍ.
وجوِّز أن يكون ((أنَّ هذه)) إلخ على هذه القراءة معطوفاً على ((ما تعملون))،
والمعنى: إنِّي عليمٌ بما تعملون وبأنَّ هذه أمتكم أمةً واحدة .. إلخ، فهو داخلٌ في
حيِّز المعلوم. وضعِّف بأنه لا جزالةً في المعنى عليه.
وقيل: هو معمولٌ لفعلٍ محذوفٍ، أي: واعلموا أنَّ هذه أمتُكم .. إلخ، وهذا
المحذوف معطوفٌ على ((اعملوا)). ولا يخفى أنَّ هذا التقديرَ خلافُ الظاهر.
وقرأ ابن عامر: ((وأنْ)) بفتح الهمزة وتخفيفِ النون(٣) على أنها المخفَّفةُ من
الثقيلة، ويُعلم توجيهُ الفتح مما ذكرنا .
﴿فَقَطَّعُوْ أَنَْهُمْ﴾ الضمير لِمَا دلَّ عليه الأمَّةُ من أربابها إن كانت بمعنى الملَّة،
أو لها إن كانت بمعنى الجماعة، وجوِّز أن يراد بالأمّة أوَّلاً الملَّةُ، وعند عَوْدٍ
الضمير عليها الجماعةُ، على أنَّ ذلك من باب الاستخدام، والمراد حكايةُ ما ظهر
من أمم الرسل عليهم السلام من مخالفة الأمر. والفاءُ لترتيب عصيانهم على الأمر
لزيادة تقبيح حالهم.
وتقطّع بمعنى قطّع كتقدَّم بمعنى قدَّم؛ والمراد بأمرهم: أمرُ دينهم، إمَّا على
تقدير مضافٍ، أو على جَعْلِ الإضافة عهديةً، أي: قطّعوا أمرَ دِينهم وجعلوه أدياناً
مختلفةً مع اتِّحادِه.
وجوِّز أن يراد بالتقطّع التفرُّق، و((أمرَهم)) منصوبٌ بنزع الخافض، أي: فتفرقوا
وتحزبوا في أمرهم، ويجوز أن يكون ((أمرَهم)) على هذا نصباً على التمييز عند
الكوفيين المجوِّزين تعريفَ التمييز.
(١) في الحاشية ٣٣٦/٦.
(٢) في الحاشية: أو للعطف.
(٣) التيسير ص ١٥٩، والنشر ٣٢٨/٢.

الآية : ٥٣
٩٥
سُوَّةُ الْمُؤْمِنُونَ
﴿بَيْنَهُمْ زُبٌْ﴾ أي: قِطَعاً، جمع زبورٍ بمعنى فِرْقة، ويؤيِّده أنه قرئ: ((زُبَراً)) بضمّ
الزاي وفتح الباء (١)، فإنه مشهورٌ ثابتٌ في جمع زُبْرةٍ بمعنى قطعة. وهو حالٌ من
(أمرهم))، أو من واوٍ ((تقطّعوا))، أو مفعولٌ ثَانٍ له، فإنه مضمَّنٌ معنى جَعَلوا.
وقيل: هو جمع زبور بمعنى كتاب، من زَّبَرْتُ بمعنى: كتبتُ، وهو مفعولٌ ثانٍ
لـ (تقطّعوا)) المضمَّنِ معنى الجَعْلِ، أي: قطّعوا أمرَ دينهم جاعلينَ له كتباً.
وجوِّز أن يكون حالاً من ((أمرهم)) على اعتبار ((تقطّعوا)) لازماً، أي: تفرَّقوا في
أمرهم حالَ كونه مثلَ الكتبِ السماوية عندهم. وقيل: إنها حالٌ مقدَّرةٌ. أو منصوبٌ
بنزع الخافض، أي: في كتبٍ. وتفسيرُ ((زبراً) بكُتُب، رواه جماعةٌ عن قتادة كما في
(الدر المنثور))(٢)، ولا يَخْفَى خفاءُ المعنى عليه، ولا يكاد يستقيم إلَّ بتأويلٍ،
فتدبّر.
وقرىء: (زُبْراً)) بإسكان الباء للتخفيف (٣)، كرُسْلٍ فِي رُسُل.
وجاء ((فتقطّعوا)) هنا بالفاء إيذاناً بأنَّ ذلك اعْتَقَبَّ الأمرَ، وفيه مبالغةٌ في الذمِّ
كما أشرنا إليه. وجاء في سورة الأنبياء بالواو فاحْتَمَلَ معنى الفاءِ واحْتَمَلَ تأخّر
تقطّعهم عن الأمر.
وجاء هنا ((وأنا ربُّكم فاتقون)) وهو أبلغُ في التخويف والتحذير مما جاء هناك
من قوله تعالى هناك: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] لأنَّ هذه جاءت
عقيبَ إهلاك طوائفَ كثيرين، قومٍ نوحٍ والأممِ الذين من بعدهم، وفي تلك السورة
وإنْ تقدَّمت أيضاً قصةُ نوحٍ وما قبلها فَإنه جاء بعدها ما يدلُّ على الإحسان واللُّظفِ
التَّامِّ في قصة أيوب وزكرياً ومريم، فناسَبَ الأمر بالعبادة لمن هذه صفته عز وجل،
قاله أبو حيان (٤).
(١) نسبها أبو عمرو الداني في جامع البيان ٣٠٣/٢، لابن عامر، لكن بخلاف بين أصحاب
هشام راوي ابن عامر. وهي في القراءات الشاذة ص ٩٩ عن أبي عمرو.
(٢) ١٠/٥.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩٩، والكشاف ٣٤/٣.
(٤) في البحر ٤٠٩/٦ .

سُورَةُ المُؤْمَنُونَ
٩٦
الآية : ٥٤
وما ذَكَرِه أوَّلاً غيرُ وافٍ بالمقصود، وما ذكره ثانياً قيل عليه: إنَّه مبنيٌّ على أنَّ
الآية تذييلٌ للقصص السابقة، أو لقصةٍ عيسى عليه السلام، لا ابتداءُ كلامٍ، فإنه
حينئذٍ لا يفيدُ ذلك إلَّا أنْ يُرادَ أنه وقع في الحكاية لهذه المناسبة، فتأمَّل.
﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ من أولئك المتحزِّبِينَ ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الأمر الذي اختاروه
﴿فَرِحُونَ ﴾﴾ مسرورون مُنْشَرِحِو الصدرِ، والمرادُ أنهم مُعْجَبون به، معتقدون أنه
الحقُّ، وفي هذا من ذمّ أولئك المتحزِّبين ما فيه.
﴿فَذَرْهُمْ فِ غَمْرَتِهِمْ﴾ خطابٌ له وَلِّ في شأن قريشِ الذين تقطّعوا في أمر الدِّين
الحق. والغمرةُ: الماء الذي يَغْمُرُ القامةَ، وأصلُها من الستر، والمراد بها الجهالةُ
بجامع الغلبةِ والاستهلاك، وكأنه لمَّا ذكر سبحانه في ضِمْنٍ ما كان من أمم الأنبياء
عليهم السلام توزُّعَهم، واقتسامَهم ما كان يجب اجتماعُه واتفاقُ الكلمة عليه من
الدِّين، وفرحَهم بفِعْلِهِم الباطلِ ومُعْتَقَدِهم العاطل، قال النبيِّهِ وَّ: فإذ ذاك دَعْهم في
جَهْلِهم هذا الذي لا جَهْلَ فوقه، تخليةً وخذلاناً ودلالةً على اليأس من أن يَنْجَعَ
القولُ فيهم. وضمَّن التسليةَ في ذكر الغاية، أعني قوله سبحانه: ﴿حَّ ◌ِينِ (@)
فإنَّ المراد بذلك: حين قَتْلِهم، وهو يومُ بدرٍ على ما روي عن مقاتل، أو موتِهم
على الكفر الموجِبٍ للعذاب، أو عذابهم. وفي التنكير والإبهام ما لا يخفى من
التهويل.
وجوِّز أن يقال: شَبَّه حالَ هؤلاء، مع ما هم عليه من محاولة الباطل والانغماس
فيه، بحالٍ مَن يَدخُلُ في الماء الغامر للَّعبِ، والجامعُ تضييعُ الوقت بعد الگلْحِ في
العمل، والكلامُ حينئذٍ على منوال سابقِه، أعني قولَه تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيِهِمْ
فَرِحُونَ) لمَّا جُعِلوا فَرِحين غروراً جُعِلوا لاعبين أيضاً، والأولُ أَظْهرُ، وقد يُجعَلُ
الكلامُ عليه أيضاً استعارةً تمثيليةً، بل هو أَوْلى عند البُلغَاء كما لا يخفى (١).
وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه وأبو حيوة والسُّلميُّ: ((في غمراتهم)) على
الجمع؛ لأنَّ لكلِّ واحدٍ غمرةً(٢).
(١) ينظر حاشية الشهاب ٣٣٧/٦.
(٢) البحر ٤٠٩/٦، وهي في القراءات الشاذة ص ٩٨ دون نسبة.

الآية : ٥٥ - ٥٦
٩٧
سُؤَةُ المُؤْمِنُونَ
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ﴾ أي: الذي نُعطيهم إياه ونجعلُه مدداً لهم، فـ((ما))
موصولةٌ اسم ((أنَّ)، ولا يَضُرُّ كونُها موصولةً؛ لأنَّها في الإمام كذلك(١) لسرِّ
لا نعرفهُ.
وقولُه تعالى: ﴿مِن قَالٍ رَبِنُّ ®) بيانٌ لها، وتقديمُ المالِ على البنينَ مع
كونهم أعزَّ منه قد مرَّ وجهُه(٢) .
وقولُه سبحانه: ﴿شَارِعُ لَتْ فِ الْخَيْرَنِّ﴾ خبرُ ((أنَّ)، والراجعُ إلى الاسم محذوفٌ،
أي: أيحسبون أنَّ الذي نُمِدُّهم به من المال والبنين نسارعُ به لهم فيما فيه خيرُهم
وإكرامُهم، على أنَّ الهمزة لإنكار الواقع واستقباحِه، وحُذف هذا العائدُ لطول
الكلام مع تقدُّم نظيره في الصلة، إلّا أنَّ حذفَ مثله قليلٌ.
وقال هشام بن معاوية (٣): الرابطُ هو الاسمُ الظاهرُ، وهو ((الخيرات))، وكأنَّ
المعنى: نسارعُ لهم فيه، ثم أُظْهِرَ فقيل: في الخيرات، وهذا يتمشَى على مذهب
الأخفش في إجازته نحوَ: زيدٌ قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنيةً لزيد.
قيل: ولا يجوزُ أن يكون الخبر ((من مال وبنين))؛ لأنَّ الله تعالى أمدَّهم بذلك،
فلا يُعاب ولا يُنْكَر عليهم اعتقادُ المددِ به كما يفيدُه الاستفهامُ الإنكاريُّ.
وتعقِّب بأنه لا يَبْعدُ أن يكون المراد: ما نجعلُه مدداً نافعاً لهم في الآخرة ليس
المالَ والبنين بل الاعتقاد والعمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]. وفيه ما فيه.
٨٨
وما ذكرنا من كونِ ((ما)) موصولةً هو الظاهرُ، ومَن جوَّز كونَها مصدريةً وجَعَلَ
المصدر الحاصلَ بعد السَّبْكِ اسمَ ((أنَّ»، وخبرها ((نسارع)) على تقدير: مسارَعةٌ،
بناءً على أنَّ الأصل: أنْ نسارعَ، فحذفت ((أنْ)) وارْتَفعَ الفعلُ = لم يُوفِّ القرآنَ
الکریم حقّه.
(١) ينظر المقنع للداني ص ٧٣-٧٤.
(٢) ٢٨٦/١٥.
(٣) هو هشام بن معاوية الضرير النحوي الكوفي صاحب الكسائي، وكلامه في إعراب القرآن
للنحاس ١١٧/٣، والبحر ٤٠٩/٦، والكلام منه.

سُورَةُ المؤمنُون
٩٨
الآية : ٥٦
وكذا مَن جَعَلَها كافّةً كالكسائيِّ، ونَقَلَ ذلك عنه أبو حيان، وجوَّز عليه الوقفَ
على ((بنين)) معلِّلاً بأنَّ ما بعدَ ((يحسب)) قد انتظم مسنداً ومسنداً إليه من حيث
المعنى، وإن كان في تأويل مفردٍ(١)، وهو كما ترى.
وقرأ ابن وثاب: ((إنَّما نُمِدُّهم)) بكسر همزة ((إنَّ). وقرأ ابن كثير في روايةٍ:
(يُمدُّهم)) بالياءِ(٢) .
وقرأ السُّلميُّ وعبدُ الرحمن بن أبي بَكْرَةَ: ((يُسارِعُ)) بالياء وكَسْرِ الراء (٣)، فإن
كان فاعلُه ضميرَه تعالى فالكلامُ في الرابط على ما سمعت، وإن كان ضميرَ
الموصول فهو الرابط .
وعن ابن أبي بكرة المذكورِ أنه قرأ: ((يُسارَعُ)) بالياء وفتح الراء مبنيًّا
للمفعول (٤).
وقرأ الحُرُّ النحويُّ: (نُشْرِعُ)) بالنون مضارعُ أسرعَ(٥).
وقرئ على ما في ((الكشاف)): ((يُسْرِعُ)) بالياء مضارعُ أَسْرَعَ أيضاً(٦)، وفي فاعله
الاحتمالان المشارُ إليهما آنفاً .
عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلام، أي: كلّا، لا نفعلُ
﴿بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ (@)
ذلك بل لا يشعرون، أي: ليس من شأنهم الشعورُ، إنْ هم إلَّا كالأنعام بل هم
أضلُّ، حتى يتأمَّلوا ويتفكّروا في ذلك، أهو (٧) استدراجٌ أم مسارعةٌ ومبادرةٌ في
(١) البحر ٦/ ٤٠٩ .
(٢) القراءتان في البحر ٤٠٩/٦، والثانية في القراءات الشاذة ص ٩٨.
(٣) القراءات الشاذة ص ٩٨، والمحتسب ٩٤/٢، والمحرر الوجيز ١٤٧/٤، والبحر ٤١٠/٦.
وعبد الرحمن بن أبي بكرة البصري تابعي، وكان أول مولود في الإسلام بالبصرة، توفي
سنة (٩٦هـ). من رجال التهذيب.
(٤) المحتسب ٢/ ٩٤، وإعراب القرآن للنحاس ١١٧/٣، والبحر ٤١٠/٦.
(٥) المحتسب ٩٤/٢، والبحر ٦/ ٤١٠. والحُرُّ النحوي هو ابن عبد الرحمن، سمع أبا الأسود
الدؤلي، وعنه طلب إعراب القرآن. بغية الوعاة ٤٩٣/١ .
(٦) الكشاف ٣٥/٣، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٩٨.
(٧) في (م): هو.

الآية : ٥٧ - ٦٠
٩٩
سُورَةُ الْمُؤْمنُونَ
الخيرات؟ ومن هنا قيل: مَن يَعْصِ الله تعالى ولَمْ يَرَ نقصاناً فيما أعطاه سبحانه من
الدنيا، فليَعْلَم أنه مستدرَجْ قد مُكِرَ به. وقال قتادةُ: لا تعتبروا الناس بأموالهم
وأولادهم، ولكن اعتبروهم بالإيمان والعمل الصالح.
®®﴾ الكلامُ فيه نظيرُ ما مرَّ في نظيره في
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْبَةٍ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ
سورة ((الأنبياء)) (١)، بَيْدَ أنَّ في استمرار الإشفاق هنا في الدنيا والآخرة للمؤمنين
تردُّداً .
﴿وَلَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَبِهِمْ﴾ المُنزَلَةِ، والمنصوبةِ في الآفاق والأنُفس، والباءُ
للمُلابسة وهي متعلِّقةٌ بقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي: يصدِّقون، والمرادُ التصديقُ
بمدلولها؛ إذ لا مدحَ في التصديق بوجودها، والتعبيرُ بالمضارع دون الاسم للإشارة
إلى أنه كلَّما وَقَفوا على آيةٍ آمنوا بها وصدَّقوا بمدلولها .
ج﴾ فيُخْلِصون العبادةَ له عز وجل، فالمرادُ نفيُ
﴿وَلَّذِينَ هُم بِهِمْ لَا يُشْرِكُنَ
الشرك الخفيّ کالریاء بالعبادة، کذا قيل.
وقد اختار بعضُ المحقّقين التعميم، أي: لا يشركون به تعالى شركاً جليًّا
ولا خفيًّا ولعله الأَوْلَى، ولا يُغْني عن ذلك وصفُهم بالإيمان بآيات الله تعالى.
وجوِّز أن يراد مما سبق وصفُهم بتوحيد الربوبية، ومما هنا وصفُهم بتوحيد
الألوهية، ولم يقتصر على الأول لأنَّ أكثر الكفار متَّصفون بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَین
سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ اَللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] ولا يأباه التعرُّضُ
لعنوان الربوبية؛ فإنه في المواضع الثلاثة للإشعار بالعلِّية، وذلك العنوانُ يَصْلُحُ لِأنْ
يكونَ علَّةً لتوحيدِ الألوهية كما لا يخفى.
﴿وَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ﴾ أي: يُعْطُون ما أَعْطَوا من الصدقات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وََِةٌ﴾.
خائفةٌ من أنْ لا يُقبلَ منهم، وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذوا به.
وقرأت عائشةُ وابنُ عباسٍ وقتادةٌ والأعمشُ والحسنُ والنخعيُّ: ((يأتون
ما أتوا))(٢) من الإتيان لا الإيتاءِ فيهما. وأخرج ابن مردويه وسعيد بن منصور عن
(١) ١٧ / ٥٨ .
(٢) القراءات الشاذة ص ٩٨، والمحتسب ٩٥/٢، والبحر ٦/ ٤١٠.

سُؤْدَةُ المُؤْمنُونَ
١٠٠
الآية : ٦٠
عائشة أنه وال﴿ قرأ كذلك(١). وأَظْلقَ عليها المفسرون: قراءة رسول الله عليه الصلاة
والسلام، يَعْنُونَ أنَّ المحدِّثين نقلوها عنه ◌َّهِ ولم يَرْوِها القرَّاءُ من طُرُقهم. والمعنى
عليها : يفعلون من العبادات ما فعلوه وقلوبُهم وَجِلةٌ .
وروي نحوُ هذا عن رسول الله وَلقر؛ فقد أخرج أحمد والترمذيُّ وابن ماجه،
والحاكم وصحَّحه، وابن المنذر وابن جَريرٍ وجماعةٌ عن عائشةَ رِؤُّ قالت: قلتُ:
يا رسول الله، قولُ الله: ((والذين يأتون ما أتوا وقلوبُهم وجلةٌ)) أهو الرجل يسرقُ
ويزني ويشربُ الخمر، وهو مع ذلك يخاف الله تعالى؟ قال: ((لا، ولكنه الرجلُ
يصومُ ويتصدَّقُ ويصلِّي، وهو مع ذلك يخاف الله تعالى أنْ لا يتقبَّلَ منه))(٢).
وجملةُ: ((قلوبُهم وَجِلةٌ)) في القراءتين في موضع الحال من ضمير الجمع في
الصلة الأولى، والتعبيرُ بالمضارع فيها للدلالة على الاستمرار، وفي الثانية للدلالة
على التحقُّق.
وقوله تعالى: ﴿أَنَهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ ﴾﴾ بتقدير اللام التعليلية، وهي متعلِّقةٌ
بـ ((وجلة)) أي: خائفةٌ من عدم القبول، وعدم الوقوعِ على الوجه اللائق؛ لأنَّهم
راجعون إليه تعالى ومبعوثون يوم القيامة، وحينئذٍ تنكشف الحقائق، ويحتاج
العبد إلى عملٍ مقبولٍ لائقِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ( وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّقِ شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨].
وجوِّز أن يكون بتقديرِ ((من)) الابتدائية التي يتعدَّى بها الوجل، أي: وجلةٌ من
أنَّ رجوعهم إليه عز وجل، على أنَّ مَنَاطَ الوجل أنْ لا يُقبل ذلك منهم، وأن لا يقع
على الوجه اللائق، فيؤاخذوا به حينئذٍ، لا مجرَّدُ رجوعهم إليه عز وجل.
(١) الدر المنثور ١٢/٥، وأخرجه مطولاً أحمد (٢٤٦٤١)، والدوري في جزء قراءات النبي وَل
(٨٥)، وإسناده ضعيف.
(٢) مسند أحمد (٢٥٧٠٥)، وسنن الترمذي (٣١٧٥)، وسنن ابن ماجه (٤١٩٨)، وتفسير
الطبري ٧٠/١٧-٧١، والمستدرك ٣٩٣/٢-٣٩٤، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر
١١/٥. وقد ورد هذا الحديث في المصادر المذكورة على القراءة المشهورة، أي:
((والذين يؤتون ما آتوا)). ولكن الزمخشري في الكشاف ٣٥/٣، وأبو حيان في البحر
٤١٠/٦ قد ذكراه مثل المصنف في شرح قراءة: ((والذي يأتون ما أتوا)). وينظر معاني
القرآن للنحاس ٤٦٨/٤-٤٦٩، وغرائب القرآن للنيسابوري ٢٨/١٨.