Indexed OCR Text

Pages 401-420

الآية : ٦٦، ٦٧
٤٠١
مَرَةُ الحرة
(بالناس))؛ للاهتمام، وقيل: للفاصلة، والفَصْل بين الموضعين ممَّا لا يستحسن.
﴿وَهُوَ الَّذِى أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم جماداً عناصرَ ونُطَفاً حسبما فضَّل في
مطلع السورة الكريمة ﴿ثُمَّ يُسِتُكُمْ﴾ عند مَجِيْءٍ آجالِكم ﴿ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ عند البعث
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورُ ﴾﴾ أي: جَحُودٌ بالنِّعم مع ظهورِها، وهذا وصفٌ للجنس
بوَصْف بعض أفرادِهِ. وقيل: المراد بالإنسان الكافر، وروي ذلك عن ابنِ عباس،
ومجاهد. وعن ابنِ عباس أيضاً أنَّه قال: هو الأسودُ بنُ عبدِ الأسد، وأبو جهل،
وأُبَيُّ بِنُ خَلَف، ولعلَّ ذلك على طريق التمثيل.
﴿لِكُلِّ أُمَّتِ﴾ كلامٌ مستأنفِ جيْءَ به لزَجْر مُعاصريه عليه الصلاة والسلام مِن
أهل الأديان السماويَّة عن منازعتِه عليه الصلاة والسلام ببيان حالٍ ما تمسَّكوا به مِن
الشرائع، وإظهار خَطَئِهم في النظر، أي: لكلِّ أمَّة معيَّنة مِن الأُمم الخالية والباقية
﴿جَعَلْنَا﴾ وَضَعْنا وَعَيَّنَا ﴿مَنْسَكًا﴾ أي: شريعةً خاصَّة، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على
الفعل؛ للقَصْر لا لأمَّةٍ أُخرى منهم، والكلام نظيرُ قولك: لكلٍّ مِن فاطمةَ وزينبٌ
وهندٍ وحفصة أعطيتُ ثوباً خاصًّا. إذا كنتَ أعطيتَ فاطمةَ ثوباً أحمر، وزينبَ ثوباً
أصفرَ وهنداً ثوباً أسودَ، وحفصةَ ثوباً أبيضَ، فإنَّه بمعنى: لفاطمةَ أعطيتُ ثوباً
أحمر، لا لأُخرى مِن أخواتها، ولزينبَ أعطيتُ ثوباً أصفر لا لأخرى منهنَّ،
وهكذا، وحاصل المعنى هنا عَيَّنَّا كلَّ شريعةٍ لأمَّة معيّنة مِن الأمم بحيث لا تتخَلَّى
أمَّة منهم شريعتَها المعيَّنة لها إلى شريعةٍ أخرى، لا استقلالاً ولا اشتراكاً .
وقوله تعالى: ﴿هُمْ نَاسِكُوْ﴾ صفة لـ ((منسكاً)) مؤكّدة للقَصْر، والضمير («لكلِّ
أمَّة)) باعتبار خصوصِها، أي: تلك الأمَّة المعيَّنة ناسكون به وعاملونَ لا أمَّة أخرى؛
فالأمَّة التي كانت مِن مبعث موسى إلى مبعثٍ عيسى عليهما السلام مَنْسَكهم ما في
التوراة هم عاملونَ به لا غيرهم، والتي كانت مِن مَبَعث عيسى عليه السلام إلى
مَبْعث نبيِّنا وَّهِ مَنْسَكهم ما في الإنجيل هم عاملونَ به لا غيرهم، وأمَّا الأمَّة
الموجودة عند مبعث النبيِّ وَّرُ ومَن بعدهم مِن الموجودين إلى يوم القيامة، فهم أمَّة
واحدة منْسكهم ما في القرآن ليس إلَّا.
والفاء في قوله سبحانه: ﴿فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِىِ الْأَمْيِّ﴾ أي: أَمْرِ الدين؛ لترتيب
النَّهي على ما قبلها، فإنَّ تعيينه تعالى لكلِّ أمَّة مِن الأُمم - التي مِن جملتها أمَّته عليه

سورة الحِہ
٤٠٢
الآية : ٦٧
الصلاة والسلام - شريعة مستقلّة بحيث لا تتخطَّى أمَّة منهم ما عُيِّنَ لها، موجبٌ
الطاعة هؤلاء له وَّرِ وعدم منازعتهم إيَّاه في أَمْرِ الدين زعماً منهم أنَّ شريعتهم ما عُيِّنَ
لآبائهم ممَّا في التوراة والإنجيل، فإنَّ ذلك شريعةٌ لمن مضى قبل انتساخِه، وهؤلاء
أمّة مستقلّة شريعتهم ما في القرآن فحسَب، والظاهر أنَّ المرادَ نهيُهم حقيقةً عن
النزاع في ذلك.
واختار بعضُهم كونَه كناية عن نهيه وَّر عن الالتفات إلى نزاعِهم المبنيِّ على
زعمهم المذكور؛ لأنَّه أنسبُ بقوله تعالى الآتي: ((وادع)) إلخ، وأَمْرُ الأنسبيَّة عليه
ظاهرٌ إلا أنَّه في نفسه خلافُ الظاهر. وقال الزجَّاج (١): هو نهيٌ له عليه الصلاة
والسلام عن منازعتِهم، كما تقول: لا يُضَارِبَنَّكَ زيدٌ، أي: لا تضارِبَنَّه، وذلك
بطريق الكناية، وهذا إنَّما يجوز على ما قيل وبحث فيه في باب المفاعلة؛ للتلازم،
فلا يجوز في مِثْلٍ: لا يَضْرِبَنَّك زيدٌ، أن تريدَ: لا تَضرِبَتَّه. وتعقّب بأنَّه لا يُساعده
المقام.
وقرئ: ((فلا يُنَازِ عُنْكَ)) بالنون الخفيفة(٢). وقرأ أبو مجلز لاحقُ(٣) بنُ حميد:
((فلا يَنْزِعُنَّك)) بكسر الزاي(٤)، على أنَّه مِن النَّزْعِ بمعنى الجَذْب كما في ((البحر))(٥)،
والمعنى، كما قال ابنُ جني(٦): فلا يَستخِفُّنَّكَ عن دينِك إلى أديانهم، فتكونَ
بصورةِ المنزوع عن شيء إلى غيرِه.
وفي ((الكشاف)) (٧): إنَّ المعنى: اثبُتْ في دِينك ثباتاً لا يطمعونَ أن يجذبوكَ
ليزيلوكَ عنه، والمراد زيادةُ التثبيت له عليه الصلاة والسلام بما يُهِّج حميَّته ويُلهِبُ
غضبَه لله تعالى ولدينِهِ. ومِثْله كثيرٌ في القرآن.
(١) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٣٧ .
(٢) الإملاء للعكبري ٤٨/٤، والبحر المحيط ٣٨٧/٦.
(٣) في الأصل و(م): ولاحق. وهو خطأ.
(٤) المحتسب ٨٥/٢، والبحر المحيط ٣٨٨/٦.
(٥) البحر المحيط ٣٨٧/٦.
(٦) المحتسب ٨٥/٢.
(٧) ٢١/٣.

الآية : ٦٧
٤٠٣
سُؤَدَّةُ الحَةُ
وقال الزجَّاج (١): هو مِن نَازَعْتُه فنزَعْتُهُ أَنْزَعُه، أي: غلبتُه، فالمعنى: لا يَغْلِبُنَّكَ
في المنازعة، والمراد بها منازعة الجدال، يعني أنَّ ذلك من باب المغالبة، لكن
أنتَ تَعلمُ أنَّها عند الجمهور تقال في كلِّ فِعْل فاعَلْته ففَعَلْته أَفْعله بضمِّ العين،
ولا تُكسَر إلا شذوذاً.
وزعم الكسائيُّ - وردَّه العلماءُ - أنَّ ما كان عينُهُ أو لامُه حرفَ حَلْقٍ لا يضمُّ بل
يُتْرَك على ما كان عليه، فيكون ما هنا على توجيه الزجَّاج شاذًا عند الجمهور.
وقال سيبويه كما في ((المفصّل)): وليس في كلِّ شيءٍ يكون هذا - أي: باب
المغالبة - أَلَا ترى أنَّك لا (٢) تقول: نازَعَني فنزَعْته، استُغنيَ عنه بغلبتِهِ(٣). ثم إنَّ
المرادَ مِن لا يغلبَّكَ في المنازعة: لا تَقْصُر في منازعتِهم حتى يغلبوكَ فيها، وفيه
مبالغةٌ في التثبيت، فليس هناك نهي له بِّ عن فِعْلٍ غيره، هذا وما ذكرنا مِن تفسير
المَنْسَك بالشريعة هو رواية عطاءٍ عن ابنِ عباس، واختاره القفّال، وقال الإمام: هو
الأقربُ(٤). وقيل: هو مصدرٌ بمعنى النسك، أي: العبادة، قال ابنُ عطيّة: يعطي
ذلك: ((هم ناسكوه))، وقيل: هو اسمُ زمان، وقيل: اسمُ مكان، وكأنَّ الظاهرَ
ناسكون فيه إلّا أنَّه اتسعَ في ذلك.
وقال مجاهد: هو الذَّبْح. وأخرج ذلك الحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ في
((الشعب)) عن عليٍّ بنِ الحسين ﴿ه(٥)؛ وابنُ أبي حاتم عن ابنِ عباس
) ،
وعبد بن حميد عن عكرمة(٧) .
وجعل ضمير: ((يُنازعنَّكَ)) للمشركين، والأمر المتنازَع فيه أَمْرُ الذبائحِ، لما ذكر
مِن أنَّ الآيةَ نزلت بسببٍ قول الخزاعيين بُديلِ بنِ ورقاء، وبشرِ بنِ سفيان، ويزيد بن
(١) معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٣٧.
(٢) ليست في (م).
(٣) شرح المفصل لابن يعيش ١٥٦/٧، وكلام سيبويه في الكتاب ٦٨/٤.
(٤) تفسير الرازي ٢٣/ ٦٤.
(٥) مستدرك الحاكم ٣٩١/٢، وشعب الإيمان للبيهقي (٧٣٢٣)، وفي السنن الكبرى له
٢٥٩/٩- ٢٦٠. قال الذهبي في تلخيص المستدرك: زهير ذو مناكير، وابن عقيل ليس بالقوي.
(٦) تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٠٤/٨ (١٤٠١٨).
(٧) الدر المنثور ٣٦٩/٤.

سُورَة الحى
٤٠٤
الآية : ٦٧
خنيس للمؤمنين: مالكم تأكلونَ ما قَتَلْتم ولا تَأكلون ما قَتَلَ اللهُ تعالى (١)؟! ومنهم
منِ اقتصر على جعل محلِّ النزاع أمر النسائكِ، وجعله عبارة عن قولِ الخزاعيين
المذكور. وتعقّبه شيخُ الإسلام بأنَّه ممَّا لا سبيلَ إليه أصلاً، كيف لا وأنَّه يَستدعي
أن يكون أكلُ الميتةِ وسائر ما يَدينُ به المشركون مِن الأباطيل مِن المناسك التي
جعلها اللهُ تعالى لبعض الأُمم، ولا يرتاب في بطلانه عاقل(٢).
وأجيب بأنَّ المعنى عليه: لا ينازعتَّك المشركون في أَمْرِ النسائك، فإنَّه لكلِّ
أَمَّة شريعةٌ شرعناها وأَعلمناك بها، فكيف يُنازِعون بما ليس له عينٌ ولا أَثَر فيها .
وقيل: المعنى عليه: لا تَلتفت إلى نزاع المشركين في أَمْرِ الذبائح، فإنَّا جعلنا لكلِّ
أمةٍ من أهل الأديانِ ذِيْحاً هم ذابحوه.
وحاصله: لا تلتفت إلى ذلك، فإنَّ الذبحَ شَرْعٌ قديم للأُمم غير مختصٍّ بأمَّتك،
وهذا ممَّا لا شَكَّ في صحّته، ومن قال بصحّة الآثار وعضّ عليها بالنواجذ لا يكاد
يجد أولى منه في بيان حاصل الآية على ما تقتضيه، ومَن لم يكن كذلك ورَأَى أنَّ
الآيةَ متى احتملت معنى جَزْلاً لا محذورَ فيه، قيل به وإن لم يَذْكُرِه أحدٌ مِن
السلف، فعليه بما ذكرناه أوَّلاً في تفسير الآية، وأيًّا ما كان، فالظاهر أنَّه إنَّما لم
تعطف هذه الجملة كما عطف قوله تعالى: ((ولكلِّ أمَّة جعلنا منسكاً ليذكروا)) إلخ؛
لضَعْفِ الجامع بينها وبين ما تقدَّمها مِن الآيات، بخلاف ذلك. وفي ((الكشف)) - بياناً
لكلام ((الكشاف)) - في توجيه العطفِ هناك وتَرْكِه هنا، أنَّ الجامعَ هناك قويٌّ مقتضٍ
للعطفِ، فإنَّ قولَه تعالى: ((لكم فيها)) أي: في الشعائر منافعُ دينيّة ودنيويَّة كوجوب
نَحْرِها منتهيةً إلى البيت العتيق كالإعادة؛ لما في قوله تعالى: («ليشهدوا منافعَ لهم
ويَذْكروا اسمَ الله في أيَّام معلوماتٍ)) إلا أنَّ فيه تخصيصاً بالمخاطبين، فعطف عليه:
((ولكلِّ أمَّةٍ جعلنا مَنْسكاً)) للذِّكْر؛ لتتمَّ الإعادة، والغَرَضُ من هذا الأسلوب أن يبيّن
أنَّه شَرٌْ قديم، وأنَّه لم يزل متضمِّناً لمنافع جليلة في الدارين، وأمَّا فيما نحن فيه
فأين حديثُ النسائك مِن حديث تعدادِ الآيات والنِّعَم الدالّة على كمال العِلْم
والقدرة والحكمةِ والرحمة، ولَعَمْري إنَّ شرعيَّةَ النسائكِ لكلِّ أمَّةٍ وإن كانت مِن
(١) البحر المحيط ٣٨٧/٦.
(٢) تفسير أبي السعود ١١٩/٦.

الآية : ٦٧
٤٠٥
سُورَةُ الحَّهُ
الرحمة والنعمة، لكن النظر إلى المجانسة بين النِّعَم وما سيق له الكلامُ، فالحالة
مقتضية للقَطْع، وذكره هاهنا لهذه المناسبة على نحو خفيٍّ ضيق . اهـ. وهو حَسَن،
وظاهره تفسيرُ النُُّك بالذبح.
وذكر الطيبيُّ أنَّ ما تقدَّم ◌ُطِفَ على قوله تعالى: ((ومن يعظم شعائر الله)) إلخ،
وهو مِن تتمَّة الكلام مع المؤمنين، أي: الأَمْر ذلك، والمطلوب تعظيم شعائرِ الله
تعالى، وليس هذا ممَّا يختصُّ بكم، إذ كلُّ أمةٍ مخصوصة بنسكٍ وعبادة.
وهذه الآية مقدِّمة نَهْي النبيِّ وَّرِ عمَّا يُوجِبُ نزاعَ القوم تسلية له، وتعظيمٌ لأَمْره
حيث جعلَ أمره منسكاً وديناً، يعني شأنُك وشأنُ أمثالِك مِن الأنبياء والمرسلينَ
عليهم السلام تَرْكُ المنازعة مع الجُهَّال، وتمكينُهم مِن المناظرة المؤذِّيَة إلى النزاع،
وملازمةُ الدعوة إلى التوحيد، أو لكلِّ أمَّة مِن الأُمم الخاليةِ المعاندة جعلنا طريقاً
وديناً هم ناسكوه، فلا ينازعنَّك هؤلاء المجادلة.
سمَّى دأبَهم نُسُكاً؛ لإيجابهم ذلك على أنفسِهم واستمرارِهم عليه؛ تهكّماً بهم
ومسلاةً لرسوله بَّهُ ممَّا كان يَلقى منهم، وأمَّا اتِّصاله بما سبق مِن الآيات، فإنَّ قولَه
تعالى: ((ولا يَزالُ الذين كفروا في مِرْيةٍ منه)) يُوجب القلعَ عن إنذار القوم والإياسَ
منهم ومتاركتهم، والآيات المتخلِّلة كالتأكيد لمعنى التسلية، فجِيْءَ بقوله تعالى:
(كلِّ أمَّةٍ جعلنا منسكاً هم ناسكوه فلا يُنازعتَّكَ)) تحريضاً له عليه الصلاة والسلام
على التأسِّي بالأنبياء السالفة في متاركةِ القوم، والإمساكِ عن مجادلتهم بعد الإياسِ
مِن إيمانهم، وينصره قولُه تعالى: ((الله يحكم بينهم يوم القيامة)) فالربط على طريقة
الاستئنافِ - وهو أقوى مِن الربط اللفظي - والذي يدور عليه قطبُ هذه السورةِ
الكريمة الكلامُ في مجادلةِ القوم ومعانديهم والنعيُّ عليهم بشدّة شَكِيمتهم، ألا ترى
كيف افتَتَحها بقوله سبحانه: ((ومِن الناسِ مَن يجادلُ في الله)) وکرَّرها وجعلها أصلاً
للمعنى المهتمِّ به، وكلّما شَرَعَ في أَمْرِ كرَّ إليه؛ تثبيتاً لقَلْبِ الرسولِ وَّجُ ومسلاةٌ
لصدره الشريف عليه الصلاة والسلام فلا يُقال: إنَّ هذه الآيةَ واقعةٌ مع أباعدَ عن
معناها. انتهى. ولعمري، إنَّه أبَعْدَ عن ربوع التحقيق وفسَّر الآية الكريمةَ بما لا يَليق.
وقد تعقّب في ((الكشف)) اتِّصاله بما ذكر بأنَّه لا وجَه له فقد تخلَّل ما لا يَصلُح لتأكيد
معنى التسلية المذكورة، أعني قوله تعالى: ((ومن عاقب)) الآيات، لاسيَّما على

سُورَةَ الحِه
٤٠٦
الآية: ٦٨، ٦٩، ٧٠
ما آثره مِن جعلها في المقاتلين في الشهر الحرام، ولو سُلِّم فلا مَدخلَ للاستئنافِ،
وهو تمهيدٌ لما بعده، أعني قولَه تعالى: ((فلا يُنازعنَّك)) إلخ، وأما قوله: والذي
يدور عليه ... إلخ، فهو مُسلَّم، وهو عليه لا له، فتأمَّل، والله تعالى الموفِّق
للصواب.
﴿وَآدْعُ﴾ أي: وادْعُ هؤلاء المنازِعِينَ أو الناسَ كافَّةً على أنَّهم داخلونَ فيهم دخولاً
أولياً ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى توحيده وعبادته حسبما بيّن في منسكِهم وشريعتهم ﴿إِنَّكَ لَعَلَى
هُدَى﴾ أي: طريق موصِل إلى الحقِّ، ففيه استعارةٌ مكنيَّة وتَخْييليتُها ((على))، وقوله
تعالى: ﴿مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ أي: سَوِيٌّ، أو أحدهما تخييلٌ والآخَر ترشيحٌ، ثم المراد
بهذا الطريق إمَّا الدينُ والشريعةُ أو أدلتُها، والجملة استئنافٌ في موضوع التعليل.
﴿وَإِن جَدَلُوَكَ﴾ في أَمْرِ الدين، وقد ظهر الحقُّ ولزمت الحجة ﴿فَقُلِ﴾ لهم على
سبيل الوعيدِ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ من الأباطيل التي مِن جملتها المجادلةُ،
فمجازيكم عليها، وهذا إن أُريدَ به الموادعةُ، كما جزم به أبو حيَّان(١)، فهو منسوخٌ
بآية القتال، ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ تسليةٌ له ◌َّه؛ والخطاب عامٌ للفريقين المؤمنين
والكافرين، وليس مخصوصاً بالكافرين كالذي قبله، ولا داخلاً في حيِّز القول،
وجوّز أن يكون داخلاً فيه؛ على التغليب، أي: واللهُ يَفصِل بين المؤمنينَ منكم
والكافرين ﴿يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ بالثواب والعقاب كما فَصَلَ في الدنيا بثبوتِ حُجَجِ المحقِّ
دون المُبطِل ﴿فِيمَا كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ أي: مِن أَمْرِ الدين، وقيل: الجدال
والاختلاف في أَمْرِ الذبائح، ومعنى الاختلاف ذهابُ كلِّ إلى خلاف ما ذهب إليه
الآخر.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ استئناف مقرِّر لمضمون ما قبله، والاستفهام للتقرير، أي: قد
علمتَ ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ الشَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يَخفى عليه شيءٌ مِن الأشياء التي
مِن جملتها أقوالُ الكفرة وأعمالُهم ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: ما في السماء والأرض ﴿فِی
كِتَبٍ﴾ هو كما روي عن ابنِ عباس: اللوح المحفوظ، وذَكَر ◌َّهِ أنَّ طولَه مسيرةٌ
مئة عام، وأنَّه كُتبَ فيه ما هو كائنٌ في عِلْمِ الله تعالى إلى يوم القيامة(٢). وأنكر
(١) البحر المحيط ٣٨٨/٦.
(٢) الوسيط ٢٧٩/٣.

الآية : ٧١
٤٠٧
سُورَةُ الحَّةُ
ذلك أبو مسلم وقال: المراد مِن الكتاب الحِفْظُ والضبط(١)، أي: إنَّ ذلك محفوظ
عنده تعالى، والجمهور على خلافه، والمراد مِن الآية أيضاً تسليتُه عليه الصلاة
والسلام كأنَّه قيل: إنَّ اللهَ يعلم ... إلخ، فلا يَهمنَّك أَمْرُهم مع عِلْمِنا به وحِفْظنا له.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر مِن العِلْم والإحاطة بما في السماء والأرض، وكَتْبِه
في اللوح والحُكْمِ بينكم، وقيل: ((ذلك)) إشارةٌ إلى الحُكْم فقط، وقيل: إلى العلم
فقط، وقيل: إلىَ كَتْب ذلك في اللوح، ولعلَّ كونه إشارةً إلى الثلاثة بتأويل ما ذكر
أَوْلَى ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾﴾ فإنَّ عِلْمه وقدرتَه جلَّ جلاله مقتضى ذاتِه، فلا يخفى
عليه شيءٌ ولا يَعسُر عليه مقدورٌ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور؛ لمناسبة رؤوس الآي،
أو للقَصْر، أي: يَسيرُ عليه جلَّ وعلا، لا على غيرِهِ.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حكايةٌ لبعض أباطيل المشركين وأحوالهم الدالّة على
كمال سخافةِ عقولهم وركاكةٍ آرائهم، وهي بناءُ أَمْرِهم على غيرِ مبنيٍّ من(٢) دليلٍ
سمعيٍّ أو عقليٍّ، وإعراضهم عمَّا أُلقيَ إليهم مِن سلطانٍ بَيِّنٍ هو أساسُ الدين، أي:
يعبدون متجاوزينَ عبادةَ الله تعالى ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ أي: بجواز عبادته ﴿سُلْطَنَّا﴾
أي: حجَّة، والتنكيرُ للتقليل، وهذا إشارةٌ إلى الدليل السمعيِّ الحاصل مِن جهة
الوحى.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ، عِلْمٌ﴾ إشارةٌ إلى الدليل العقليِّ، أي:
ما ليس لهم بجواز عبادته عِلْم مِن ضرورة العقلِ أو استدلالِه، والحاصل: يعبدونَ
مِن دون اللهِ مالا دليلَ مِن جهة السمع ولا مِن جهةِ العقل على جواز عبادتِهِ،
وتقديمُ الدليل السمعيّ؛ لأنَّ الاستنادَ في أكثر العبادات إليه، مع أنَّ التمسُّكَ به في
هذا المقام أرجى في الخلاص إنْ حصل لومٌ من التمسُّك بالدليل العقليِّ، وإن
شككتَ فارجع إلى نفسِك فيما إذا لامَكَ شخصٌ على فِعْلٍ فإنَّكَ تَجِدها مائلةً إلى
الجواب بأنِّي فعلتُ كذا؛ لأنَّك أخبرتني برضاكَ بأَنْ أفعله، أكثر مِن ميلها إلى
الجواب بأنِّي فعلتُه، لقيام الدليل العقليّ وهو كذا على رضاكَ به، وإنكارُ ذلك
مكابرةٌ، وقد يقال: إنَّما قدّم هنا ما يشير إلى الدليل السمعيّ؛ لأنَّه إشارةٌ إلى دليلٍ
(١) تفسير الرازي ٦٦/٢٣.
(٢) ليست في الأصل و(م)، واستدركناه من تفسير أبي السعود ١١٩/٦.

٠
سُورَةُ الحِجُ
٤٠٨
الآية : ٧١
سمعيٍّ يدلُّ على جواز تلك العبادة، منزَّلٍ مِن جهته تعالى، غير مقيَّدٍ بقيد، بخلاف
ما يشير إلى الدليل العقليٍّ، فإن فيه إشارةً إلى دليل عقليٍّ خاصٌّ بهم، وحاصله أنَّ
التقديمَ والتأخيرَ للإطلاق والتقييد وإن لم يكونا لشيءٍ واحدٍ، فافهم، وقال العلامة
الطيبيُّ: في اختصاص الدليل السمعيِّ بالسلطان والتنزيل ومقابله بالعِلْم دليلٌ واضح
على أنَّ الدليلَ السمعيَّ هو الحَجَّة القاطعةُ، وله القهر والغلبةُ، وعند ظهورِهِ
تضمحلُ الآراء وتتلاشى الأقيسة، ومَن عَكَسَ ضلَّ الطريقَ وحُرِمَ التوفيق وبقي
متزلزلاً في ورطات الشُّبَه؛ وإن شئت فانظر إلى التنكير في: ((سلطاناً)) و((علم))،
وقسمها على قول الشاعر:
له حاجبٌ في كلِّ أَمْرٍ يشينه
وليس له عن طالِب العُرف حاجبُ(١)
لتعلَم الفَرْق إلى آخِر ما قال، ومنه يُعلَم وجهٌ للتقديم واحتمالٌ آخَر في تنوين
(سلطاناً)) غير ما قدَّمنا، وظاهره أنَّ الدليلَ السمعيَّ يفيد اليقينَ مطلقاً، وأنَّه مقدَّم
على الدليل العقليِّ، ومذهب المعتزلة وجمهورُ الأشاعرة أنَّه لا يفيدُ اليقينَ مطلقاً؛
لتوقُّف ذلك على أمور كلِّها ظنّة، فتكون دلالته أيضاً ظنّيَّةً؛ لأنَّ الفَرْعَ لا يزيد على
الأصلِ في القوَّة، والحقُّ أنَّه قد يفيدُ اليقينَ في الشرعيَّات دون العقليَّات بقرائنَ
مشاهَدَة أو متواترة تدلُّ على انتفاءِ الاحتمالات.
وذكر الفاضل الروميُّ في حواشيه على ((شرح المواقف)» بعد بحث أنَّ الحقَّ أنَّه
قد يفيدُ اليقينَ في العقليَّات أيضاً: وأمَّا أنَّه مقدَّم على الدليل العقليِّ، فالذي عليه
علماؤنا خلافُه، وأنَّه متى عارضَ الدليلُ العقليُّ الدليلَ السمعيَ، وجب تأويلُ
الدليل السمعيِّ إلى ما لا يعارضه الدليلُ العقليُّ، إذ لا يمكن العملُ
بهما ولا بنقيضهما، وتقديمُ السمع على العقل إبطالٌ للأصل بالفَرْع، وفيه إبطالُ
الفرع، وإذا أدَّى إثباتُ الشيءٍ إلى إبطاله، كان مناقضاً لنفسه وكان باطلاً، لكن
ظاهر كلامٍ محيي الدين ابنِ العربيِّ قُدِّسَ سِرُّه - في مواضعَ مِن فتوحاته القولُ بأنَّه
مقدَّم. ومن ذلك قوله في الباب الثلاث مئة والثمانية والخمسين من أبيات:
كلُّ عِلْم يَشهدُ الشرعُ له هو عِلْم فَبِهِ فِلتَّعتصِمْ (٢)
(١) سلف ٣٧٢/٣، برواية: له حاجب عن كل أمر ....
(٢) سلف ١ / ٤١٢ .

الآية : ٧٢
٤٠٩
سُورَةُ الرَّةُ
طورَكَ الزَم مالكم فيه قَدَمْ (١)
وإذا خالفَه العقلُ فَقُلْ
وقوله في الباب الأربع مئة والاثنين والسبعين:
ولا عِلْم فيما لا يكون عنِ السَّمْع (٢)
على السَّمْعِ عوَّلنا فكنَّا أُولِي النُّهَى
إلى غيرِ ذلك، وهو كأكثر كلامه مِن وراءِ طورِ العقل ﴿وَمَا لِلَّلِينَ﴾ أي: وما لهم،
إلا أنَّه عَدَل إلى الظاهر؛ تسجيلاً عليهم بالظّلم مع تعليلِ الحكم به، وجوّز أن لا يكونَ
هناك عدولٌ، والمراد ما يعمُّهم وغيرَهم ودخولُهم أولى، و((من)) في قوله تعالى: ﴿مِن
نَّصِيرٍ ﴾﴾ سيفُ خطيب، والمرادُ نفي أن يكون لهم بسببٍ ظُلمهم مَن يساعدهم في
الدنيا بنصرة مذهبهم وتقريرِ رأيهم ودَفْعِ ما يخالفه، وفي الآخرة بدَفْع العذابِ عنهم.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَيَّتُنَ﴾ عطف على ((يعبدون)) وما بينهما اعتراضٌ، وصيغةُ
المضارع؛ للدلالة على الاستمرارِ التجدُّدِيِّ، وقوله تعالى: ﴿بَيِّنَتٍ﴾ حالٌ من
الآيات، أي: واضحاتِ الدلالة على العقائِد الحقَّة والأحكام الصادقة، أو على
بطلان ما هم عليه مِن عبادةٍ غير الله تعالى ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في
وجوههم، والعدول على نحو ما تقدَّم، والخطاب إمَّا لسيِّدِ المخاطَبين ◌َِّ، أو لمَنْ
يصحُّ أن يعرف كائناً مَن كان ﴿الْمُكَرِّ﴾ أي: الإنكار، على أنَّه مصدر ميميٍّ،
والمراد علامةُ الإنكار أو الأمْرُ المستقبَحُ من التجَهُم والبسور والهيئاتِ الدالّة على
ما يقصدونه، وهو الأنسبُ بقوله تعالى: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ
ءَأَيَئِنَاْ﴾ أي: يَئِبونَ ويَبطشونَ بهم مِن فَرْطِ الغيط والغَضَب الأباطيل أخذوها تقليداً،
ولا يَخفى ما في ذلكِ من الجهالة العظيمة، وكان المراد أنَّهم طُول دَهْرِهم يقاربونَ
ذلك، وإلا فقد سَطَوا في بعض الأوقاتِ ببعض الصحابة التالين، كما في
((البحر)) (٣)، والجملة في موقع الحال مِن المضاف إليه، وجوّز أن يكون مِن الوجوه
على أنَّ المرادَ بها أصحابُها، وليس بالوجه.
وقرأ عيسى بن عمر: ((يُعْرَف)) بالبناء للمفعول، ((المنكرُ)) بالرفع (٤).
(١) سلفت ١/ ٤١٢.
(٢) سلف ١/ ٤١٢.
(٣) البحر المحيط ٣٨٨/٦.
(٤) القراءات الشاذة ص٩٦، والبحر المحيط ٣٨٨/٦.

سُورَةُ الحَهُ
٤١٠
الآية : ٧٣
﴿قُلْ﴾ على وجهِ الوعيد والتقريع ﴿أَفَأْنِيِّئُكُمْ﴾ أي: أَأُخاطبكم، أو: أَتسمعون
فأُخبركم ﴿بِشَرِّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ الذي فيكم مِن غيظِكم على التالين وسَطْوكم عليهم، أو
ممَّا أَصابكم من الضَّجَر بسبب ما تُليَ عليكم ﴿النَّارُ﴾ أي: هو أو هي النارُ على أنَّه
خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، والجملةُ جوابٌ لسؤال مقدَّر كأنَّه قيل: ما هو؟ وقيل: هو
مبتدأ، خبرُه قولُه تعالى: ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الْذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهو على الوجه الأوَّل جملةٌ
مستأنفة، وجوّز أن يكون خبراً بعد خبر.
وقرأ ابنُ أبي عبلة، وإبراهيمُ بنُ يوسف عن الأعشى، وزيدُ بنُ عليٍّ ◌َ﴿ها:
((النَّارَ)) بالنصب(١) على الاختصاص، وجملة: ((وَعَدَها)) إلخ مستأنَفة، أو حالٌ مِن
((النار))، بتقدير ((قد)) أو بدونه، على الخلاف، ولم يجوِّزوا في قراءةِ الرفع الحاليَّة
على الإعراب الأوَّل، إذ ليس في الجملة ما يصحُّ عملُه في الحال. وجوّز في
النصب أن يكون من باب الاشتغالِ، وتكون الجملةُ حينئذٍ مفسّرةً.
وقرأ ابنُ أبي إسحاق، وإبراهيمُ بنُ نوح عن قتيبةً: ((النَّارِ)) بالجرِّ (٢) على
الإبدال مِن شرّ، وفي الجملة احتمالا الاستئناف والحاليَّة، والظاهر معنى أن يكون
الضمير في ((وَعَدَها)» هو المفعولَ الثاني، والأوَّل الموصول، أي: وَعَد الذين
كفروا إيَّاها، والظاهر لفظاً أن يكون المفعولُ الأوَّلَ والثاني الموصولَ، كأنَّ النارَ
وُعَدَتْ بالكفَّار لتأكلَهم ﴿وَيَشَْ الْمَصِيرُ ﴾﴾ النارُ.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: بُيِّنَ لكم حالٌ مستغربة أو قصَّة بديعةٌ رائقة،
حقيقة بأن تُسمَّى مَثَلاً وتسير في الأمصارِ والأعصار، وعبّر عن بيانِ ذلك بلفظ
الماضي؛ لتحقُّق الوقوع، ومعنى المَثَل في الأصل المِثْل، ثم خُصَّ بماشُبِّهَ بموردِهِ
مِن الكلام، فصار حقيقةً، ثم استُعير لما ذُكرَ. وقيل: المَثَل على حقيقته.
و((ضُرِبَ)) بمعنى جُعِلَ، أي: جُعِلَ لله سبحانه شَبَه في استحقاقِ العبادة،
وحكي ذلك عن الأخفشِ (٣)، والكلام متَّصل بقوله تعالى: ((ويعبدونَ مِن دونِ الله
مالم يُنزِّل به سلطاناً)). ﴿فَأَسْتَمِعُوْ لَهٌ﴾ أي: للمثَل مسِه استماعَ تدبُر ونَعَدّر، أو
(١) الكشاف ٣/ ٢٢، والبحر المحيط ٣٨٩/٦.
(٢) الإملاء للعكبري ٤٩/٤، والبحر المحيط ٣٨٩/٦.
(٣) معاني القرآن له ١٣٧/٢

الآية : ٧٣
٤١١
سُوَّةُ الخَّهُ
لأجله ما أَقول، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِه بيانٌ
للمَثَل وتفسيرٌ له على الأوَّل، وتعليلٌ لبطلان جَعْلِهم معبوداتِهم الباطلةَ مَثَلاً لله تعالى
شأنُه في استحقاق العبادة على الثاني، ومنهم مَن جَعَلَه على ما ذكرنا وعلى ما حُكي
عن الأخفش تفسيراً، أمَّا على الأوَّل فللمَثَل نفسِه بمعناه المجازيِّ، وأمَّا على
الثاني فلحالِ المَثَل بمعناه الحقيقيِّ، فإنَّ المعنى: جَعَلَ الكفَّارُ لله مَثَلاً فاستمعوا
الحالِهِ وما يُقال فيه، والحقُّ الذي لا يُنكِرِه إلا مكابِرٌ أنَّ تفسيرَ الآية بما حُكيَ فيه
عدولٌ عن المتبادر.
والظاهر أنَّ الخطابَ في ((يا أيُّها الناسُ)) لجميع المكلّفين، لكن الخطاب في
(تَدْعُونَ)) للكفَّار. واستظهر بعضُهم كونَ الخطاب في الموضعين للكفَّار، والدليل
على خصوص الأوَّلِ الثاني، وقيل: هو في الأوَّل للمؤمنين ناداهم سبحانه ليبيِّن
لهم خَطَأَ الكافرين، وقيل: هو في الموضعين عامٌ، وأنَّه في الثاني كما في قولك:
أنتم يا بني تَمیم قَتلتُم فلاناً، وفيه بحثٌ.
وقرأ الحسنُ، ويعقوبُ، وهارون، والخفَّاف، ومحبوب عن أبي عمرو:
(يَدْعُونَ)) بالياء التحتيّة مبنيًّا للفاعل(١) كما في قراءة الجمهور. وقرأ اليمانيُّ،
وموسى الأسواريُّ: ((يُدْعَونَ)) بالياء من تحت أيضاً مبنيًّا للمفعول(٢)، والراجعُ
للموصول على القراءتين محذوفٌ ﴿لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا﴾ أي: لا يقدرونَ على خَلْقه
مع صِغَرِه وحقارته، ويدلُّ على أنَّ المرادَ نفيُّ القدرةِ السباقُ مع قوله تعالى:
﴿وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَّ﴾ أي: لخَلْقه، فإنَّ العُرفَ قاضٍ بأنَّه لا يُقال: لن يَحمِلَ
الزيدونَ كذا ولو اجتمعوا لِحَمْله، إلَّا إذا أُريد نَفْي القدرة على الحَمْل، وقيل:
جاء ذلك مِن النفي بـ ((لن))، فإنَّها مفيدةٌ لنفي مؤَّد فتدلُّ على منافاة بين المَنْفيِّ
وهو الخَلْقِ، والمنفيِّ عنه وهو المعبودات الباطلة، فتفيد عدمَ قدرتها عليه،
والظاهر أنَّ هذا لا يستغني عن معونة المقام أيضاً، وأنتَ تَعلمُ أنَّ في إفادة ((لن))
النفيَّ المؤكَّد خلافاً، فذهب الزمخشريُّ(٣) إلى إفادتِها ذلك وأنَّ تأكيدَ النفي هنا
(١) النشر ٣٢٧/٢، والبحر المحيط ٣٩٠/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص٩٦، والبحر المحيط ٣٩٠/٦.
(٣) الكشاف ٣/ ٢٢.

سُورَةُ الحِہ
٤١٢
الآية : ٧٣
للدلالة على أنَّ خَلْق الذبابِ منهم مستحيلٌ، وقال في ((أنموذجه)) (١) بإفادتها
التأبيدَ
وذهب الجمهور - وقال أبو حيَّان(٢): هو الصحيحُ - إلى عدم إفادتها ذلك،
وهي عندهم أختُ ((لا)) لنفي المستقبل عند الإطلاق بدون دلالةٍ على تأكيد أو
تأبيدٍ، وأنَّه إذا فُهمَ فهو مِن خارج وبواسطةِ القرائن، وقد يُفْهَم كذلك مع كون النفي
بـ((لا))، فلو قيل هنا: لا يَخلُقون ذباباً ولو اجتمعوا له، لفُهمَ ذلك، ويقولون في كلِّ
ما يستدلُّ به الزمخشريُّ لمدَّعاه: إنَّ الإفادةَ فيه مِن خارجٍ، ولا يُسلِّمون أنَّها منها،
ولن يستطيعَ إثباتَه أبداً، والانتصار له بأن سيفعل في قوَّة مطلقة عامَّة، ولن يفعلَ
نقيضه، فيكون في قوَّة الدائمة المطلقة، ولا يتأتّى ذلك إلا بإفادة ((لن)) التأبيدَ، ليس
بشيءٍ أصلاً كما لا يَخفى، وكأنَّ الذي أوقع الزمخشريَّ في الغَفْلة فقالَ ما قال،
اعتماداً على مالا يَنتهضُ دليلاً؛ شدَّة التعصُّب لمذهبه الباطل واعتقادِه العاطل،
نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الخذلان.
والذباب: اسم جنس، ويُجمَع على أَذبَّة وذِيَّان بكسر الذال فيهما، وحكى في
(البحر)) ضمَّها في ذبَّان أيضاً (٣)، وهو مأخوذٌ من الذَّبِّ، أي: الطَّرْد والدَّفْع، أو
مِن الذَّبِّ بمعنى الاختلافِ، أي: الذهاب والعَوْد، وهو أنسبُ بحالِ الذباب؛
لما فيه مِن الاختلاف حتى قيل: إنَّه منحوتٌ مِن ذُبَّ آبَ، أي: طُردَ فَرَجعَ.
وجواب (لو)) محذوفٌ؛ لدلالة ما قَبله عليه، والجملة معطوفةٌ على شرطيَّة
أُخرى محذوفة؛ ثقةً بدلالةِ هذه عليها، أي: لو لم يجتمعوا له ويتعاونوا عليه لن
يَخلُقوه، ولو اجتمعوا له وتَعاونوا عليه لن يَخلقوا، وهما في موضع الحالِ، كأنَّه
قيل: لن يخلقوا ذباباً علی کلِّ حال.
وقال بعضهم: الواو للحال، و «لو اجتمعوا له)) بجوابه حال، وقال آخرون: إن
(و)) هنا لا تَحتاج إلى جواب؛ لأنَّها انسلخت عن معنى الشرطيّة، وتمخَّضت للدلالة
(١) الأنموذج في النحو للزمخشري ص٣٢.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٣٩٠.
(٣) البحر المحيط ٣٧٢/٦، ورفع في مطبوعه: ذباب، بدل: ذبَّان. وينظر الدر المصون ٣٠٨/٨.

الآية : ٧٤
٤١٣
سُورَةُ الحَّةُ
على الفَرْض والتقدير، والمعنى: لن يَخلقوا ذباباً مفروضاً اجتماعهم ﴿وَإِن يَسْتُهُمُ
الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعَجْزهم عن أَمْرٍ آخَر دون الخَلْق، أي: وإن يأخذ الذبابُ منها
شيئاً ﴿لَّا يَسْتَقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: لا يَقدروا على استنقاذِه منه مع غاية ضعفه.
والظاهر أنَّ استنقذَ بمعنى نقذَ، وفي الآية مِن تجهيلهم في إشراكهِم بالله
تعالى - القادرِ على جميع الممكنات المتفرِّد بإيجاد كافَّة الموجودات - عجزةً لا تَقدِر
على خَلْق أقلِّ الأحياء وأَذلِّها ولو اجتمعوا له، ولا على استنقاذِ ما يَختطفه
منهم = مالا يَخفى. والآية وإن كانت نازلةً في الأصنام فقد كانوا كما روي عن ابنٍ
عباس ﴿ّ يَطلُونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل، ويُغلِقون عليها، فيدخل الذبابُ
مِن الكوى فيأكله. وقيل: كانوا يضمِّخونها بأنواع الطَّيْبِ، فكان الذبابُ يذهب
بذلك، إلا أنَّ الحُكْم عامٌّ لسائر المعبوداتِ الباطلة.
﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾﴾ تذييلٌ لما قبل، إخبار أو تعجُّب، والطالب
عابدٌ غيرَ الله تعالى، والمطلوبُ الآلهةُ كما روي عن السُّدِّيِّ، والضحَّاك، وكون
عابدٍ ذلك طالباً لدعائه إيَّه واعتقادِهِ نفعَه، وضَعْفه لطلبه النفعَ من غيرِ جهته، وكون
الآخَر مطلوباً ظاهراً كضعفه. وقيل: الطالبُ: الذبابُ يَطلبُ ما يسلبه عن الآلهةِ،
والمطلوب: الآلهة على معنى المطلوبٍ منه ما يُسلّب.
وروى ابنُ مردويه، وابنُ جرير، وابنُ المنذر عن ابنِ عباس ◌ًَّا - واختاره
الزمخشريُّ - أنَّ الطالبَ الأصنامُ، والمطلوبَ الذبابُ(١). وفي هذا التذييلِ حينئذٍ
إيهامُ التسويةِ وتحقيق أنَّ الطالبَ أضعفُ؛ لأنَّه قدّم عليه أنَّ هذا الخَلْقِ الأقلَّ هو
السالبُ، وذلك طالبٌ خابَ عن طَلِبَتُه، ولما جعلَ السلب المسلوبَ لهم وأَجراهم
مجرى العقلاء، أثبت لهم طلباً، ولما بيَّن أنَّهم أضعفُ مِن أذلِّ الحيوانات، نبّه بـ
على مكان التَّهَكُّم بذلك. ومِن الناس مَن اختار الأوَّلَ؛ لأنَّه أنسبُ بالسياق، إذ هو
لتجهيلهم وتحقيرِ آلهتهم، فناسبَ إرادتهم وآلهتهم مِن هذا التذييل.
﴿مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقّ قَدْرِةٍ﴾ قال الحسن، والفرَّاء(٢): أي: ما عظّموه سبحانه
(١) الدر المنثور ٤/ ٣٧٠، وتفسير الطبري ٦٣٦/١٦.
(٢) معاني القرآن له ٢٣٠/٢.

سُورَةُ الحِهُ
٤١٤
الآية : ٧٤
حقَّ تعظيمه، فإنَّ تعظيمَه تعالى حقَّ تعظيمِه أن يُوصَف بما وَصَفَ به نفسَه
ويُعبَد كما أُمِرَ أن يُعبَد، وهؤلاء لم يفعلوا ذلك، فإنَّهم عبدوا مِن دونه مَن لا يصلح
للعبادة أصلاً، وفي ذلك وصفُه سبحانه بما نزّه عنه سبحانه مِن ثبوت شريكٍ له عزَّ
وجلَّ.
وقال الأخفش: أي: ما عرفوهُ حقَّ معرفتِهِ، فإنَّ معرفتَه تعالى حقَّ معرفتِهِ التصديقُ
به سبحانه موصوفاً بما وَصَفَ به نفسَه، وهؤلاء لم يُصدِّقوا به كذلك؛ لشِرْكهم به
وعبادتهم مِن دونه مَن سمعتَ حالَه. وقيل: حقُّ المعرفة أن يُعرَف سبحانه بكُنْهِه،
وهذا هو المراد في قوله عليه الصلاة والسلام: ((سبحانَكَ ما عرفناكَ حقَّ معرفتك))(١).
وأنتَ تَعلم أنَّ الظاهرَ أنَّ قولَه تعالى: ((ما قدروا)) إلخ، إخبارٌ عن المشركين
وذٌّ لهم، ومتى كان المرادُ منه نفيَ المعرفة بالكُنْه، كان الأمرُ مشتركاً بينهم وبين
الموحّدين، فإنَّ المعرفةَ بالكُنْه لم تقع لأحدٍ من الموحِّدين أيضاً عند المحقّقين،
ويشير إلى ذلك الخبرُ المذكور؛ لدلالته على عدم حصولِها لأكملِ الأنبياء عليه
وعليهم الصلاة والسلام، وإذا لم تَحصُل له وََّ، فعدمُ حصولها لغيرِه بالطريق
الأَولى، واحتمالُ حَمْلِ المعرفة المنفيَّة فيه على اكتناهِ الصفات لا يَخفى حالُه،
وكذا احتمال حصولِ المعرفة بالگُنْه له عليه الصلاة والسلام بعد الإخبار المذكور،
وقوله وَلجر: ((تفكّروا في آلاءِ الله تعالى، ولا تفكّروا في ذاته، فإنَّكم لن تَقْدروا
قَدْرَ)))(٢).
والظاهرُ عمومُ الحكم دونَ اختصاصه بالمخاطَبين إذ ذاكَ، وقولُ الصِّدِّيق
الأَکېر قالته :
١٥
العَجْزُ عن دَرَكِ الإدراكِ إدراك
وقولُ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه متمًّا له بيتاً:
والبحثُ عن سرِّ ذاتِ الله إشراك(٣)
(١) لم نقف عليه، وسلف ٣٦/٥.
(٢) سلف ٢٠٨/٥.
(٣) أورده ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١/ ٢١٧ دون عزوٍ.

الآية : ٧٤
٤١٥
سُورَةُ الحِّة
بل قال حجَّةُ الإسلام الغزالي، وشيخُه إمامُ الحرمين، والصوفيَّةُ، والفلاسفة،
بامتناعِ معرفته سبحانَه بالكُنْه(١).
ونقل عن أرسطو أنَّه قال في ذلك: كما تعتري العينَ عند التحديقِ في جِرْمِ
الشمس ظلمةٌ وكُدورة تمنعها عن تمام الإبصار، كذلك تعتري العَقْلَ عن إرادِةِ اكتناهِ
ذاتِهِ تعالى حيرةٌ ودهشةٌ تمنعه عن اكتناهِه سبحانه.
ولا يخفى أنَّه لا يَصلُح برهاناً للامتناع، وغاية ما يقال: إنَّه خطابي لا يَحصل
به إلا الُّّ الغير الكافي في مِثْل هذا المطلب، ومثلُه الاستدلالُ بأنَّ جميعَ النفوس
المجرّدة البشرية وغيرها مهذَّبة كانت أو لا، أنقصُ تجرُّداً وتنزُّهاً مِن الواجب
تعالى، والأنقص يمتنع له اكتناه من هو أشدُّ تجرُّداً وتنزُّهاً منه، کامتناع اكتناهِ
الماديَّات للمجرَّدات، وكذا الاستدلالُ بكونه تعالى أقرب إلينا مِن حبلِ الوَرِيد،
فيمتنع إدراكُه كما يمتنعُ إدراكُ البصرِ ما اتَّصل به، وأحسن مِن ذلك كلِّه ما قيل: إنَّ
معرفةً كُنْهه تعالى ليست بديهيَّ بالضرورة بالنسبة إلى شخصٍ وإلى وقت، فلا تَحصُل
لأحدٍ في وقت بالضرورة، فتكون كَسْبيَّةً، والكسب إمَّا بحدٍّ تامٍّ أو ناقص، وهو
محال مستلزم لتركُّب الواجب؛ لوجوب تركُّب الحدِّ مِن الجنس القريب أو البعيد
ومِن الفَصْل، مع أنَّ الحدَّ الناقصَ لا يفيد الكُنْهَ، وأمَّا الحدّ البسيط بمفردٍ فمحالٌ
بداهةً، فإنَّ ذلك المفرد إن كان عينَ ذاته، يلزم توقُّف معرفةِ الشيء على معرفةٍ نفسه
مِن غير مغايرةٍ بينهما، ولو بالإجمال والتفصيل، كما في الحدِّ المرَّب مع حدِّه
التامِّ، وإن كان غيرَه فلا يكون حدًّا، بل هو رَسْمٌ أو مفهومٌ آخر غيرُ محمولٍ عليه،
وإمَّا بِرَسْمٍ تامٍّ أو ناقص، ولا شيءَ منهما ممَّا يفيد الكُنْهَ بالضرورة.
واعتُرض بأنَّ عدمَ إمكان البداهةِ بالنسبة إلى جميع الأشخاصِ وإلى جميع
الأوقات يحتاجُ إلى دليلٍ، فربَّما تَحصُل بعد تهذيب النفسِ بالشرائع الحقَّة
وتجريدِها عن الكُدورات البشرية والعوائقِ الجسمانيَّة، ولو سَلَّمنا عدمَ إمكان
البداهة كذلك، فلنا أن نختارَ كونَ المعرفة مما تُكتَسب بالحدِّ التامِّ المركَّب مِن
الجنسِ والفَصْل، وغاية ما يلزم منه التركُّب العقليُّ، وليس بمحال، إلا إن قلنا بأنَّه
(١) ينظر شرح المواقف للجرجاني ١٤٥/٨.

٤١٦
الآية : ٧٤
يستلزم التركُّب الخارجيَّ المستلزم للاحتياج إلى الأجزاء المنافي لوجوب الوجود،
ونحن لا نقولُ بذلك؛ لأنَّ المختارَ عند جَمْع أنَّ أجزاءَ الماهيَّة مأخوذةٌ مِن أمرٍ
واحدٍ بسيط وهي متَّحدة ماهيَّةً ووجوداً، فتكون أموراً انتزاعيَّة لا حقيقيَّةً،
فلا استلزام، نعم يكون ذلك إن قلنا: إنَّ الأجزاءَ مأخوذةٌ مِن أمور متغايرة بحسَب
الخارج، لكن لا نقول به؛ لأنَّه إن قيل حينئذٍ بتغاير الأجزاء أنفسِها ماهيّة ووجوداً،
كما ذهب إليه طائفة، يَرِدُ لزومُ عدم صحَّة الحَمْل بينها ضرورة أنَّ الموجودَيْن
بوجودَيْن متغايرَيْن لا يُحمَل أحدُهما على الآخَرِ كزيدٍ وعمرٍو، وإن قيل
بتغايرهما ماهيَّة لا وجوداً ليصحَّ الحَمْلِ كما ذهب إليه طائفةٌ أخرى، يَردُ لزومُ قيامِ
الوجود الواحدِ بالشخص بموجوداتٍ متعدِّدة متغايرة بالماهيَّة، ولو سلَّمنا الاستلزامً
بين التركُّب العقليِّ والتركُّب الخارجيِّ، فلنا أن نقولَ: لا نُسلِّم أنَّه لا شيءَ مِن
الرَّسْم مما يفيد الكُنْهَ بالضرورة، كيف وهو مفيدٌ فيما إذا كانت الكُنْهُ لازماً للرَّسْم
لزوماً بيِّناً بالمعنى الأخصّ، بل يمكن إفادةُ كلِّ رَسْم إِيَّاه على قاعدة الأشعريّ مِن
استناد جميعِ الممكنات إليه تعالى بلا شَرْط، وإن لم تقع تلك الإفادةُ أصلاً، إذ
الكلامُ في امتناع حصول الكُنْهِ بالكسب، كذا قالوا .
واستدلَّ الملَّا صدرا(١) على نفي الأجزاء العقليّة له تعالى بأنَّ حقيقتَه سبحانه
آنيَّةٌ محضة، ووجودٌ بَحْتٌ، فلو كان له عزَّ وجلَّ جنسٌ وفصلٌ، لكان جنسُه مفتقراً
إلى الفَصْل لا في مفهومه ومعناه، بل في أن يوجدَ ويحصلَ بالفعل، فحينئذٍ يقال:
ذلك الجنسُ لا يخلو إمَّا أن يكون وجوداً محضاً أو ماهيَّةً غير الوجود، فعلى الأوَّل
يَلزم أن يكون ما فرضنا فَضْلاً ليس بفَصْل، إذ الفَصْلِ ما به يُوجَد الجنسُ، وهذا
إنَّما يُتصوَّر إذا لم يكن حقيقة الجنسِ حقيقة الوجودٍ، وعلى الثاني يَلزم أن يكون
الواجبُ تعالى ذا ماهيَّة، وقد حقِّق أَنَّ نَفْسَ الوجودِ حقيقتُه بلا شَوْب، وأيضاً لو
كان له تعالى جنسٌ، لكان مندرجاً تحت مقولةِ الجَوهر، وكان أحدَ الأنواع
الجوهريَّة، فيكون مشاركاً لسائرها في الجنس، وقد بُرهنَ على إمكانِها وحقِّق أنَّ
(١) لعلَّه: محمد بن إبراهيم بن يحيى القوامي الشيرازي، من القائلين بوحدة الوجود، كان يعرف
بـ : الأخوند (الأستاذ)، له: أسرار الآيات، والأسفار الأربعة، والشواهد الربوبية،
وغيرها. (ت١٠٥٩، وقيل: ١٠٥٠هـ). معجم المطبوعات لسركيس عواد ص١١٧٣ ،
والأعلام ٣٠٣/٥.

الآية : ٧٤
٤١٧
سُورَةُ الحَّة
إمكانَ النوعِ يَستلزم إمكانَ الجنس المستلزم لإمكان كلِّ واحد مِن أفراد ذلك الجنس
مِن حيث كونُه مصداقاً له، إذ لو امتنع الوجودُ على الجنس مِن حيث هو جنسٌ،
أي: مطلقاً، لكان ممتنعاً على كلِّ فرد، فإذاً يَلزمُ مِن ذلك إمكانُ الواجب، تعالى
عن ذلك علوًّا كبيراً، ومبنى هذا أنَّ الواجبَ تعالى هو الوجود البَحْتُ، وهو ممَّا
ذهب الحكماءُ وأجلَّة مِن المحفِّقين، وليس المراد مِن هذا الوجود المعنى
المصدري الذي لا يَجهله أحدٌ، فإنَّه ممَّا لا شَكَّ في استحالة كونه حقيقةً الواجب
سبحانه، بل هو بمعنى مبدأ الآثارِ على ما حقَّقه الجلالُ الدَّوَاني، وأطال الكلام فيه
في حواشيه على ((شرح التجريد)) وفي شرحه ((للهياكل النوريَّة)) وفي غيرهما مِن
رسائله، وللملا صدرا (١) في هذا المقام والبحث في كلامِ الجلال كلامٌ طويلٍ
عريض، وقد حقق الكلام بطرزٍ آخَر يُطلَب من كتابه ((الأسفارَ)) بيد أنَّا نَذكُر هنا مِن
كلامه سؤالاً وجواباً يتعلَّقان فیما نحن فيه، فتقول:
قال: فإن قلت: كيف يكون ذاتُ الباري سبحانه عينَ حقيقة الوجود، والوجود
بديهيُّ التصوُّر، وذات الباري مجهولُ الكُنْه؟
قلت: قد مرَّ أنَّ شدَّة الظهور وتأكُّد الوجود هناك مع ضَعْفِ قوَّة الإدراك
وضَعْفِ الوجود هاهنا صارا منشأين لاحتجابِه تعالى عنَّا، وإلّا فذاته تعالى في غاية
الإشراق والإنارة.
فإن رجعت وقلتَ: إن كان ذاتُ الباري نفسَ الوجود، فلا يخلو إمَّا أن يكون
الوجودُ حقيقةَ الذات كما هو المتبادَر، أو يكون صادقاً عليها صِدْقاً عَرَضياً،
كما يصدقُ عليه تعالى مفهوم الشيء، وعلى الأوَّل إمَّا أن يكون المرادُ به هذا
المعنى العام البديهي التصوُّر المنتزَع مِن الموجودات، أو معنىّ آخر، والأوَّل ظاهرٌ
الفساد، والثاني يقتضي أن يكون حقيقته تعالى غيرَ ما يفهم مِن لفظ الوجود، كسائر
الماهيَّات، غيرَ أنَّك سمَّيت تلك الحقيقة بالوجود كما إذا سُمِّ إنسان بالوجود،
ومِن البين أنَّه لا أَثَر لهذه التسمية في الأحكام، وأنَّ هذا القِسْم راجعٌ إلى الواجب
ليس الوجود الذي الكلام فيه، ويلزم أن يكون الواجبُ تعالى ذا ماهيّة، وقد برهن
(١) جاء في هامش (م) ما نصه: ويسمى صدر الدين الشيرازي، وهو غير صدر الدين الشيرازي
معاصر الملا جلال. اهـ. منه. ولعلَّه المترجم آنفاً .

الآية : ٧٤
٤١٨
سُودَةُ الحِہ
أنَّ كلَّ ذي ماهيَّة معلولٌ، وعلى الثاني وهو أنْ يَصدُق عليه تعالى صِدْقاً عَرَضيًّا،
فلا يخفى أنَّ ذلك لا يغنيه عن السبب، بل يستدعي أن يكون موجوداً، ولذلك
ذهب جمهور المتأخّرين مِن الحكماء إلى أنَّ الوجود معدومٌ.
فأقول: منشأ هذا الإشكال حسبان أنَّ معنى كون هذا العامِّ المشتَرك عَرَضيًّا،
أنَّ للمعروض موجوديَّة، وللعارض موجوديّة أخرى، كالماشي بالنسبة إلى الحيوان،
والضاحكِ بالقياس إلى الإنسان، وليس كذلك، بل هذا المفهوم عنوان وحكاية
للوجوداتِ العينيَّة، ونسبته إليها نسبة الإنسانيَّة إلى الإنسان، والحيوانيَّة إلى
الحيوان، فكما أنَّ مفهومَ الإنسانيَّة صحَّ أن يقال: إنَّها عينُ الإنسان؛ لأنَّها مراةٌ
الملاحظته وحكايةٌ عن جهته، صحَّ أن يقال: إنَّها غيرُه؛ لأنَّها أمرٌ نسبيٍّ، والإنسان
ماهيَّة جوهريَّة، وبالجملة: الوجود ليس كالإمكان حتى لا يكون بإزائه شيء يكون
المعنى المصدريُّ حكايةً عنه، بل كالسواد الذي قد يُراد به نفس المعنى النسبيِّ،
أعني الأسوديَّة، وقد يراد به ما يكون به الشيء أسود، أعني الكيفيَّة المخصوصة،
فكما أنَّ السوادَ إذا فُرض قيامُه بذاته صحَّ أن يقال ذاتُه عين الأسوديَّة، وإذا فرض
جسم متَّصف به، لم يَجز أن يقال: إنَّ ذاته عينُ الأسوديَّة، مع أنَّ هذا الأمر لكونه
اعتباراً ذهنيًّا زائدٌ على الجميع، إذا تقرَّر هذا قلنا في الجواب في الترديد الأوَّل:
نختار الشقَّ الأوَّل، وهو أنَّ الوجودَ حقيقة الذاتِ قولك في الترديدِ الثاني إمَّا أن
يكون ذلك الوجود ما يُفهَم من لفظ الوجود إلخ، نختار منه ما بإزاء ما يفهم مِن هذا
اللفظ أعني حقيقةً الوجود الخارجي الذي هذا المفهوم حكاية عنه، فإنَّ للوجود
عندنا حقيقةً في كلِّ موجود، كما أنَّ للسواد حقيقة في كلِّ أسود، لكن في بعض
الموجودات مخلوط بالنقائصِ والإعدام، وفي بعضها ليس كذلك، وكما أنَّ
السوادات متفاوتةٌ في السواديَّة، بعضها أقوى وأشدّ، وبعضها أضعفُ وأنقص،
كذلك الموجودات، بل الوجودات متفاوتة في الموجوديَّة كمالاً ونقصاناً، ولنا أيضاً
أن نختار الشِّقَّ الثاني من شِقَّي الترديد الأوَّل، إلا أنَّ هذا المفهومَ الكلِّيَّ وإن كان
عَرَضيًّا بمعنى أنَّه ليس له بحسَب كونه مفهوماً عنوانياً وجود في الخارج حتى يكون
عيناً لشيء، لكنَّه حكاية عن نفس حقيقة الوجودِ القائم بذاته، وصادق عليه بحيث
يكون منشأ صدقه ومصداق حَمْله عليها نفس تلك الحقيقة لا شيئاً آخر يقوم به

الآية : ٧٤
٤١٩
سُورَةُ الحِجُ
كسائر العَرَضيَّات في صدقها على الأشياء، فصدق هذا المفهوم على الوجود
الخاصِّ يشبه صدقَ الذاتيَّاتِ مِن هذه الجهة، فعلى هذا لا يردُ علينا قولك: صِدْقُ
الوجود عليه لا يغنيه عن السبب؛ لأنَّه لم يكن يغنيه عن السبب لو كان موجوديَّته
بسبب عُروض هذا المعنى أو قيام حصّة من الوجود، وليس كذلك، بل ذلك
الوجود الخاصُّ بذاته موجود كما أنَّه بذاته وجود، سواء حُمل عليه مفهومُ الوجود
أو لم يُحمَل، والذي ذهب الحكماء إلى أنَّه معدومٌ ليس هو الوجودات الخاصَّة،
بل هذا الأمرُ العامُّ الذهنيُّ الذي يَصدُق على الأينات والخصوصيَّات الوجوديَّة.
انتھی .
وما أشار إليه من تعدُّد الوجودات، قال به المشَّاؤون وهي عند الأكثرين حقائق
متخالفة متكثِّرة بأنفسها لا بمجرَّد عارض الإضافة إلى الماهيَّات لتكون متماثلةً
الحقيقة، ولا بالفصول ليكون الوجودُ المطلَق جنساً لها. وقال بعضهم بالاختلافِ
بالحقيقة حيث يكون بينها مِن الاختلاف ما بالتشكيك كوجودِ الواجب ووجود
الممكن، وكذا وجود المجرَّدات ووجود الأجسام.
وقالت طائفة مِن الحكماء المتألِّهين: إنَّه ليس في الخارج إلا وجود واحد
شخصيٍّ مجهولُ الكُنْه وهو ذات الواجب تَعالى شأنه، وأمَّا الممكنات المشاهَدة
فليس لها وجودٌ بل ارتباط بالوجود الحقيقيّ الذي هو الواجبُ بالذات ونسبة إليه،
نعم يُطلَق عليها إنَّها موجودةٌ بمعنى أنَّ لها نسبةً إلى الواجب تعالى، فمفهوم
الموجود أعمُّ من الوجود القائم بذاتِه، ومن الأمور المنتسبة إليه نحواً مِن
الانتساب، وصِدْق المشتقِّ لا ينافي قيام مبدأ الاشتقاق بذاته الذي مرجعه إلى عدم
قيامِه بالغير، ولا كون ما صدق عليه أمراً منتسباً إلى المبدأ لا معروضاً له بوجهٍ من
الوجوه كما في الحداد والمشمس، على أنَّ أمرَ إطلاق أهل اللغة وأرباب اللسان
لا عبرةَ به في تصحيح الحقائق، وقالوا: كون المشتقِّ مِن المعقولات الثانية
والبديهيَّات الأوليَّة لا يصادم كون المبدأِ حقيقة متأصِّلة متشخِّصة مجهولة الكُنْه
وثانوية المعقول، وتأصُّله قد يختلف بالقياس إلى الأمور، ولا يخفى ما فيه من
الإنظار، ومثله ما دار على ألسنة طائفة من المتصوِّفة مِن أنَّ حقيقةَ الواجب هو
الوجودُ المُطلَق تمسُّكاً بأنَّه لا يجوز أن يكون عدماً أو معدوماً، وهو ظاهرٌ،

الآية : ٧٤
٤٢٠
سُورَةُ الدِّفُ
ولا ماهيّة موجودة أو مع الوجود تعليلاً أو تقييداً؛ لما في ذلك مِن الاحتياج
والتركيب، فتعَّين أن يكون وجوداً وليس هو الوجود الخاصّ؛ لأنَّه إن أخذَ مع
المطلق فمركّب، أو مجرَّد المعروض فمحتاجٌ؛ ضرورة احتياج المقيّد إلى المطلَق،
ومتمسّكهم هذا أوهن مِن بيت العنكبوت، والذي حقَّقته مِن كتب الشيخ
الأكبر - قُدِّسَ سرُّه - وكُتُبٍ أصحابِهِ أنَّ الله سبحانه ليس عبارة عن الوجودِ المطلَق
بمعنى الكليِّ الطبيعيِّ الموجود في الخارج في ضمن أفرادِهِ، ولا بمعنى أنَّه معقولٌ
في النفس مطابقٌ لكلِّ واحد مِن جزئياته في الخارج على معنى أنَّ ما في النفس لو
وجد في أيِّ شخص مِن الأشخاص الخارجيَّة، لكان ذلك الشخص بعينه مِن غير
:فاوت أصلاً، بل بمعنى عدم التقيُّد بغير، مع كونه موجوداً بذاته، ففي الباب الثاني
مِن ((الفتوحات))(١): إنَّ الحقَّ تعالى موجودٌ بذاته لذاته مُطلَق الوجود غير مقيَّد
بغيرِهِ، ولا معلول مِن شيءٍ، ولا علَّة لشيءٍ، بل هو خالقُ المعلولاتِ والعِلَلَ،
والملك القدوس الذي لم يزل.
وفي ((النصوص)) للصدر القونويِّ: تصوُّر إطلاق الحقِّ يشترط فيه أن يتعقَّل
بمعنى أنَّه وصف سلبيٌّ لا بمعنى أنَّه إطلاق ضدّه التقييد، بل هو إطلاق عن الوحدة
والكثرة المعلومتين، وعن الحَصْر أيضاً في الإطلاق والتقييد، وفي الجَمْع بين كلِّ
ذلك والتنزيه عنه، فيصحُّ في حقِّه كلُّ ذلك حالَ تنزُّهه عن الجميع.
وذكر بعض الأَجلَّة أنَّ اللهَ تعالى عند السادة الصوفيَّة هو الوجود الخاصُّ
الواجب الوجود لذاتِه القائمُ بذاتِهِ المتعيّن بذاته، الجامع لكلِّ كمال، المنزَّه عن كلِّ
نقص، المتجلِّي فيما يشاء مِن المظاهر مع بقاء التنزيه، ثم قال: وهذا ما يقتضيه
أيضاً قولُ الأشعريِّ بأنَّ الوجودَ عينُ الذات مع قولِه الأخير في كتابه ((الإبانة))
بإجراء المتشابهات على ظواهرِها مع التنزيه بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وتحقيق ذلك أنَّه قد ثبت بالبرهان أنَّ الواجب الوجود لذاتِه موجودٌ، فهو إمَّا
الوجود المجرَّد عن الماهيَّة المتعيّن بذاته، أو الوجود المقترن بالماهيَّة المتعيَّن
بحسبها، أو الماهيَّة المعروضة للوجود المتعيَّن بحسبِها، أو المجموع المرگَّب مِن
(١) الفتوحات المكية ٩٠/١.