Indexed OCR Text
Pages 281-300
الآية : ٢١، ٢٢ ٢٨١ سُورَةُ الحَّةُ وحينئذٍ لا كلامَ في نسبته إلى الجلود، والجملة حال مِن ((الحميم)) أو مستأنفة. ﴿وَلَمُ﴾ أي: للكفرة، وكونُ الضميرِ للزبانية بعيدٌ، واللامُ للاستحقاقِ أو للفائدة؛ تهكُّماً بهم، وقيل: للأَجَل، والكلامُ على حذفٍ مضاف، أي: لتعذيبِهم، وقيل: بمعنى ((على)) كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] أي: وعليهم. ﴿َّفَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾﴾ جمعُ: مِقْمَعَة، وحقيقتها ما يُقمَع به، أي: يكفُّ بعنفٍ. وفي ((مجمع البيان))(١): هي مِدَقَّةُ الرأسِ، مِن قَمَعَه قَمْعاً: إذا ردَعَه، وفسَّرها الضخَّاك وجماعةٌ بالمطارق، وبعضُهم بالسياط. وفي الحديث: (لو وُضِعَ مِقْمَعٌ منها في الأرض ثم اجتمعَ عليه الثقلان ما أقلُّوه مِن الأرض))(٢). ﴿كُلَّمَا أَرَادُوْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: أَشرفوا على الخروج مِن النار ودَنَوا منه حسبما يُروى أنَّها تضربُهم بلهبها فترفعهم، فإذا كانوا في أَعلاها ضُرِبوا بالمقامعِ، فَهَوَوْا فيها سبعينَ خريفاً، فالإرادة مجازٌ عن الإشراف والقُرْب كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] وجعل بعضُهم ضميرَ ((منها)) للثياب، وهو ركيكٌ. وقوله تعالى: ﴿مِنْ غَمِّ﴾ بدلُ اشتمال مِن ضمير ((منها)) بإعادة الجارِّ، والرابط محذوف، والتنكير للتفخيم، والمراد مِن غمٍّ عظيم مِن غمومها، أو مفعولٌ له للخروج، أي: كلما أرادوا الخروجَ منها لأجل غمِّ عظيم يلحقهم مِن عذابها . والغمُّ أخو الهمِّ وهو معروف، وقال بعضُهم: هو هنا مصدر غَمَمتُ الشيءَ، أي: غطّيتُه، أي: كلَّما أرادوا أن يخرجوا مِن تغطية العذابِ لهم أو ممَّا يغطّيهم مِن العذاب ﴿أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ أي: في قَعْرِها، بأن رُدُوا مِن أعاليها إلى أسافلها مِن غير أن يخرجوا منها، إذ لاخروجَ لهم كما هو المشهور من حالهم، واستدلَّ له بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَرِمِينَ﴾ [البقرة: ١٦٧]، وفي اختيار ((فيها)) دون إليها؛ إشعارٌ بذلك، وقيل: الإعادة مجازٌ عن الإبقاء، وقيل: التقدير: كلما أرادوا أن يخرجوا (١) ١٧ / ٩١. (٢) أخرجه أحمد (١١٢٣٣)، وأبو يعلى (١٣٨٨)، والحاكم في المستدرك ٦٠٠/٤، والبيهقي في البعث والنشور (٥٩٠) من حديث أبي سعيد الخدري مظه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٨٨/١٠ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه ضعفاء وثقوا. اهـ. ومعنى ما أقلّوه: أي: ما رفعوه. سورة الحُهُ ٢٨٢ الآية : ٢٣ منها، فخرجوا، أعيدوا فيها، فالإعادة معلّقة على الخروج، وحذف؛ للإشعار بسرعة تعلّق الإرادة بالإعادة، ويجوز أن يحصلَ لهم، والمراد مِن قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِخَرِجِينَ﴾ [البقرة: ١٦٧] نفيُ الاستمرارِ، أي: لا يستمرُّون على الخروج، لا استمرارُ النفي، وكثيراً ما يعدَّى العَوْدُ بـ ((في)» لمجرَّد الدلالة على التمكّن والاستقرار. وقال بعضُهم: إنَّ الخروجَ ليس من النار، وإنَّما هو من الأماكن المعدَّة لتعذيبهم فيها، والمعنى: كلَّما أراد أحدُهم أن يخرجَ مِن مكانه المعدِّ له في النار إلى مكانٍ آخَر منها، فخرج منه، أُعيد فيه، وهو كما ترى، وهذه الإعادةُ على ما قيل بضَرْبِ الزبانية إيَّاهم بالمقامع، وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُواْ﴾ على تقديرِ قولٍ معطوفٍ على ((أعيدوا)) أي: وقيل لهم: ذُوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾﴾ قد مرَّ الكلامُ فيه، والأمرُ؛ للإهانة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدُ﴾ بيانٌ لحسن حالِ المؤمنين إثْرَ بيانِ سوءِ حالِ الكفرة، وغير الأسلوب فیه بإسناد الإدخالِ إلى الاسم الجامع وتصديرِ الجملة بحرف التحقيق وفصلها للاستئنافِ؛ إيذاناً بكمال مباينَةَ حالِهم لحال الكفرةِ، وإظهاراً لمزيدٍ العناية بأمرِ المؤمنين، ودلالة على تحقيق مضمون الكلام. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ بالبناء للمفعول والتشديد، مِن التحلية بالحَلْي، أي: تُحلِّيهم الملائكةُ عليهم السلام بأمره تعالى، وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ قيل: متعلِّق بـ ((يحلون))، و((من)) ابتدائيَّة، والفعل متعدٍّ لواحد وهو النائبُ عن الفاعل، وقيل: متعلّق بمحذوف وقعَ صفةً لمفعول محذوف، و((مِن)) للبيان، والفعل متعدٍّ لاثنين أحدُهما النائبُ عن الفاعل والآخَرُ الموصوف المحذوف، أي: يُحلَّون حَلْياً أو شيئاً مِن أساور، وعلى القول بتعدِّي هذا الفعل لاثنين جوِّز أن تكون ((مِن)) للتبعيض واقعة موقعَ المفعول، وأن تكون زائدةً على مذهب الأخفش مِن جواز زيادتها في الإيجاب، و((أَساورَ)) مفعول ((يُحلَّون)). وقوله تعالى: ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ صفة لـ ((أساور))، و((مِن)) للبيان، وقيل: لابتداء الغاية، أي: أُنشئت مِن ذهبٍ، وقيل: للتبعيض، وتعلَّقه بـ ((يحلّون)) لا يخفى حاله. الآية : ٢٣ ٢٨٣ سُورَةُ الحَّةُ وقرئَ: ((يُحْلَونَ)) بضمَّ الياء والتخفيف(١)، وهو على ما في ((البحر))(٢) بمعنى المشدَّد، ويُشعِر كلامُ بعضِ أنَّه متعدٍّ لواحد، وهو النائب عن الفاعل، فـ (من أساور)) متعلّق به، و(مِن)) ابتدائيّة. وقرأ ابنُ عبَّاس: ((يَحْلَون)) بفتح الياء واللام وسكون الحاء (٣)، من حَلِيَتِ المرأةُ: إذا لَبسَتْ حَلْيها. وقال أبو حيَّان(٤): إذا صارت ذاتَ حَلْي، وقال أبو الفضل الرازيُّ: يجوز أن يكون مِن حَلِيَ بعيني يَحْلَى، إذا استحسنتَه، وهو في الأصل من الحلاوة، وتكون ((مِن)) حينئذٍ زائدة، والمعنى: يستحسنون فيها الأساورة، وقيل: هذا الفعل لازمٌ، و((مِن)) سببيَّة، والمعنى: يَحْلَى بعضُهم بعينٍ بعضٍ، بسببٍ لباسٍ أساور الذهب. وجوَّز أبو الفضلِ أن يكون مِن حَلِيْتُ به، إذا ظفرتَ به، ومنه قولهم: لم يَحْلَ فلانٌ بطائلٍ، و(مِن)) حينئذٍ بمعنى الباء، أي: يظفرون فيها بأساورَ مِن ذهب. وقرأ ابنُ عباس: ((مِن أَسَوِرَ)) بفتح الراء مِن غير ألفٍ ولاهاءٍ(٥)، وكان قياسه أن يُصرَف؛ لأنَّه نَقَصَ بناؤه فصار كجَنَدِل، لكنَّه قدّر المحذوف موجوداً فمنع الصَّرْف، وقد تقدَّم الكلامُ على نظيرِ هذه الجملة في الكهف(٦)، فتذكَّر. وقوله تعالى: ﴿وَلُؤْلُؤَّ﴾ عطف على محلِّ (من أساور)»، أو على الموصوف المحذوف، وحَمَلَه أبو الفتح(٧) على إضمار فعلٍ، أي: ويُؤتَون لؤلؤاً، أو نحوَ ذلك. وقرأ أكثرُ السبعة، والحسن في رواية، وطلحةُ، وابنُ وثَّاب، والأعمشُ، وأهل (١) الإملاء ٣٣/٤، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٠. (٢) ٣٦٠/٦. (٣) القراءات الشاذة ص٩٤-٩٥، والمحتسب ٧٧/٢. (٤) البحر المحيط ٦/ ٣٦٠ -٣٦١. (٥) البحر المحيط ٦/ ٣٦١. (٦) عند قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْنِمُ الْأَنْهَرُ بُلَوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِنَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الآية: ٣١]. (٧) ابن جني في المحتسب ٧٨/٢. سورة الحى ٢٨٤ الآية : ٢٣ مثَّة: ((ولؤلؤٍ)) بالخفض(١) عطفاً على ((أساور)) أو على ((ذهب))؛ لأنَّ السوارَ قد يكون من ذهبٍ مرضَّع بلؤلؤ، وقد يكون مِن لؤلؤ فقط، كما رأيناه ويُسمَّى في ديارنا : خصراً، وأكثر ما يكون مِن المَرْجان. واختلفوا هل في الإمام ألفٌ بعد الواو، فقال الجحدريُّ: نعم، وقال الأصمعيُّ: لا، وروى يحيى عن أبي بكرٍ همزَ الآخِر وقلبَ الهمزة الأولى واواً، وروى المعلَّى بنُ منصور عنه ضدَّ ذلك. وقرأ الفياض: (لُوْلِيًّا))(٢) قلب الهمزتينِ واوين، فصارت الثانيةُ واواً قبلها ضمَّة، وحيث لم يكن في كلامهم اسمٌ متمكِّن آخره واو قبلها ضمَّة، قلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة. وقرأ ابنُ عباس: ((ولِيْلِيا))(٣) بقلب الهمزتين واوين ثم قلبهما ياءين، أمَّا قلبُ الثانية؛ فلما علمتَ، وأمَّا قلب الأولى؛ فللإتباع. وقرأ طلحةُ: ((ولُولٍ))(٤) ك : أدْلٍ في جمع دلوٍ، قلبت الهمزتان واوين، ثم قلبت ضمَّة اللام كسرة والواو ياء، ثم أعلَّ إعلالَ قاضٍ. ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾﴾ غيّر الأسلوب، حيث لم يقل: ويلبسون فيها حريراً؛ للإيذان بأنَّ ثبوتَ اللباس لهم أمرٌ محقَّق غنيٌّ عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه، وإنَّما المحتاجُ إلى البيان أنَّ لباسَهم ماذا؟ بخلاف التحلية، فإنَّها ليست مِن لوازمهم الضروريَّة، فلذا جعلَ بيانها مقصوداً بالذات. ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في تقديم بيان التحلية على بيانِ حال اللباس، قاله العلّامة شيخُ الإسلام(٥)، ولم يرتضِ ما قيل: إنَّ التغييرَ؛ للدلالة على أنَّ الحريرَ لباسُهم المعتاد، أو لمجرَّد المحافظة على هيئة الفواصل، وظاهرُ كلامهم أنَّ الجملةَ معطوفةٌ على السابقة، وجوّز أن تكون في موضع الحالِ مِن ضمير ((يُحلَّون))، ثم إنَّ الظاهرَ أنَّ هذا الحكمَ عامٌّ في كلِّ أهل (١) التيسير ص١٥٦، والنشر ٣٢٦/٢، والبحر المحيط ٣٦١/٦. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦١/٦. (٣) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦١/٦. (٤) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦١/٦. (٥) تفسير أبي السعود ٦/ ١٠٢ . الآية : ٢٤ ٢٨٥ سُورَةُ الرَّةُ الجنة، وقيل: هو باعتبار الأغلب؛ لما أخرج النسائيُّ، وابنُ حبَّان، وغيرُهما عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (مَن لبسَ الحريرَ في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنَّة لَبِسَهُ أهلُ الجنَّة ولم يَلْبَسْه))(١)، وحديث عدمٍ لبْسٍ ذلك له في الآخرة مذكورٌ في الصحيحين عن ابنِ عمر ﴿ّ مرفوعاً(٢). والظاهرُ أنَّ حرمةَ استعمالِ الحرير للرجال في غيرِ ما استُثنيَ مُجمَعٌ عليها، وأنَّه يكفر مَن استحلَّ ذلك غيرَ متأوِّل، ولعلَّ خبرَ البيهقي في ((سننه)) وغيره عن ابنِ الزبير ﴿ ها مرفوعاً: ((مَن لبسَ الحريرَ في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة ولم يَدخُل الجنَّة))(٣) إن صحَّ محمولٌ على ما إذا كان اللُّبسُ محرَّماً بالإجماع، وقد استحلَّه فاعلُه مِن غير تأوُّل، أو على أنَّ المراد لم يَدخلِ الجنَّةَ مع السابقين، وإلا فعدمُ دخولِ اللابس مطلقاً الجنَّة مُشكِل. ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهو قولهم: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَثَنَا اُلْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] كما روي عن ابنِ عبَّاس، وقيل: ما يعمُّه وسائر ما يقع في محاورةٍ أهل الجنّة بعضاً لبعض، وقيل: إنَّ هذه الهدايةَ في الدنيا فالطيِّب قولُ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وفي رواية عن ابنِ عباس ذلك مع زيادةٍ: والحمدُ للهِ، وزاد ابنُ زيدٍ: واللهُ أكبرُ، وعن السُّدِّيِّ: هو القرآن، وحكى الماورديُّ(٤): هو الأمرُ (١) النسائي في الكبرى (٩٥٣٨)، وابن حبان (٥٤٣٧)، وهو عند أحمد (١١١٧٩) دون قوله: ((وإن دخل الجنة .... ))، وذكر الحافظ في الفتح ٢٨٩/١٠ أن قوله ◌َ ي: ((وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو، يحتمل أن يكون مُدْرجاً. (٢) البخاري (٨٨٦)، ومسلم (٢٠٦٨) عن ابن عمر: أنَّ عمر بن الخطاب رأى حُلَّةً سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتَ هذه فلبستها للناس يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول الله وَّر: ((إنَّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة)) .... الحديث. والحلة السيراء: بُرُود يخالطها حرير، وهي مضلعة بالحرير. والحديث ورد أيضاً في الصحيحين عن غير واحد من الصحابة. (٣) السنن الكبرى للبيهقي ٤٢٢/٢، ولم يرد فيه قوله وَّير: ((ولم يدخل الجنة)) بل هو من قول ابن الزبير نفسِه، وقد ذُكرَ بعد رواية الحديث هكذا: قال عبد الله بن الزبير من قِبَلِ نفسه: ومن لم يلبسه في الآخرة، لم يدخل الجنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. اهـ. وأصل الحديث عند البخاري (٥٨٣٤)، ومسلم (٢٠٦٩) (١١) دون قوله ◌َّت: ((ولم يدخل الجنَّة)». (٤) النكت والعيون ١٥/٤ . سُورَةَ الحَّةُ ٢٨٦ الآية : ٢٤ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقيل: ما يعمُّ ذلك وسائر الأذكار. ﴿وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ ﴾ أي: المحمود جدًّا، وإضافة ((صراط)) إليه، قيل: بيانيَّة، والمراد به الإسلام، فإنَّه صراطٌ محمودٌ مَن يسلكه، أو محمودٌ هو نفسُه أو عاقبتُه، وقيل: الجنَّة، وإطلاقُ الصراطِ عليها باعتبار أنَّها طريق للفوز بما لا عينٌ رأَتْ، ولا أُذُنُ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشر. وقيل: ((الحميد)) هو الجنَّة، والإضافةُ على ظاهرها، والمراد بصراطِها الإسلامُ أو الطريقُ المحسوس الموصل إليها يومَ القيامة، واستظهر أنَّ المرادَ مِن الحميد: هو الله عزَّ وجلَّ المستحقُّ لذاتِه لغايةِ الحمد. والمراد بصراطِه تعالى الإسلامُ، فإنَّه طريقٌ إلى رضوانه تعالى. وقيل: الجنَّة، فإنَّها طريقٌ للفوز بما تقدَّم، وأضيفت إليه تعالى؛ للتشريف. وحاصل ما قالوه هنا أنَّ الهدايةَ تحتمل أن تكون في الآخرة، وأن تكون في الدنيا، وأنَّ المرادَ بالحميد إمَّا الحقُّ تعالى شأنه، وإمَّا الجنَّة، وإمَّا الصراطُ نفسُه، وبالصراط إمَّا الإسلام، وإمَّا الجنَّةُ، وإمَّا الطريقُ المحسوس الموصل إليها يومَ القيامة . ووجَّهوا تأخيرَ هذه الجملةِ عن الجملة الأولى تارةً بأنَّه لرعاية الفواصل، وأخرى بأنَّ ذِكْر الحمد الذي تضمَّنته الأُولى يستدعي ذِكْرَ المحمود، ولا يبعد أن يقال: إنَّ الهدايةَ في الجملتين في الآخرة بعد دخول الجنَّة، وإن الإضافة هنا بيانيّة، وإنَّ المرادَ بالقول الطيِّب القولُ الذي تستلذُّه النفوسُ الواقع في محاورة أهل الجنَّة بعضِهم لبعضٍ. وبالصراط الحميد ما يَسلُكه أهلُ الجنَّة في معاملة بعضِهم بعضَاً مِن الأفعال التي يحمدون عليها، أو ممَّا هو أعمُّ مِن ذلك. فحاصلُ الجملة الأولى وصفُ أهلِ الجنة بحُسن الأقوال. وحاصلُ الثانية وصفُهم بحُسن الأفعال، أو ممَّا هو أعمُّ منها ومِن الأقوال. وكأنَّه تعالى بعد أن ذَكَر حُسْنَ مسكنِهم وحُلِيَّهم ولباسَهم، ذيَّل ذلك بحُسنِ معاملةِ بعضهم بعضاً في الأقوال والأفعال إيماءً إلى أنَّ ما هم فيه لا يُخِرِجهم إلى خشونة المقال ورداءة الأفعالِ المشينتين لحُسنِ ما هم فيه والمنغِّصتين للذَّة الاجتماع. ووجهُ التقديم والتأخير على هذا غيرُ خفيٍّ على الفَطِن. والذي اختاره أنَّ القولَ الطيِّبَ قولُهم بعد دخول الجثّة: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَ رَبيَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِيَهَا الآية : ٢٥ ٢٨٧ سُورَةُ الدِّرةُ نَصَبٌ وَلَا يَمَشُّنَا فِيَهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤-٣٥]؛ لقوله تعالى: في سورة فاطر بعد قوله سبحانه: ﴿يُحَلَّوْنَ فِهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ إلخ [فاطر: ٣٣-٣٤]، والقرآن يفسِّر بعضُه بعضاً. وأنَّ المرادَ بالصراط الحميدِ ما يعُّ الأقوال والأفعالَ الجارية بين أهل الجنَّة ممَّا يحمد سلوكُه في المعاشرة والاجتماع في هاتيكَ البقاع؛ فراراً مِن شائبة التأكيد كما لا يخفى على ذي فكر سديد، فتأمَّل هُديتَ إلى صراطٍ الحميد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وعيدٌ لصنفٍ من الكفرة، وحَسُنَ عطفُ المضارع على الماضي؛ لما أنَّه لم يَرِدْ بالمضارع حالٌ أو استقبال كما في قولهم: فلانٌ يُحسِنُ إلى الفقراء، فإنَّ المرادَ به استمرارُ وجودٍ الإحسان، وقيل: ((يصدُّون)) بمعنى: صَدُّوا، إلا أنَّه عبَّر بالمضارع؛ استحضاراً للصورة الماضية؛ تهويلًا لأمر الصَّدِّ، وقيل: لا عطف، بل الجملةُ خبرُ مبتدأ محذوف، والمجموع في موضع الحال مِن فاعل ((كفروا)) أي: وهم يصدُّون، وجوّز أن تكون الجملةُ حالًا مِن غير تقدير مبتدأ؛ لشَبَهها بالجملة الاسميّة معنًى، وخبر (إنَّ) محذوفٌ لدلالةِ آخِر الآية الكريمة عليه، أي: ونذيقهم مِن عذاب أليم، وقدَّره الزمخشريُّ(١) بعد ((المسجد الحرام))، وتعقَبه أبو حيَّان(٢) بأنَّه لا يصحُّ؛ لما فيه مِن الفَصْل بين الصفة وهو ((المسجد))، والموصوف وهو ((الذي)). وأجيب باحتمال أنَّه جعل ((الذي)) نعتاً مقطوعاً، وقدَّره ابنُ عطيَّة(٣) بعد ((والبادٍ))، وهو أَولى، إلا أنَّه قدَّر: خسروا، أو: هلكوا، وتقديرُ: نذيقهم .. إلخ أَولى منه، وقيل: الواو في ((ويصدُّون)) زائدةٌ، والجملة بعدَه خبر (إنَّ)). وتعقّبه ابنُ عطيّة بأنَّه مفسدٌ للمعنى المرادِ وغيره بأنَّ البصريين لا يُجيزون زيادةً الواو، والقول بجواز زيادتها قولٌ كوفيٍّ مرغوب عنه، والظاهر أنَّ ((المسجد)) عطفٌ على ((سبيل))، وجوِّز أن يكون معطوفاً على الاسم الجليل، والآية على ما روي عن ابنِ عباس ﴿ نزلت في أبي سفيان بنِ حرب وأصحابِه حين صَدُّوا رسولَ اللهِوَّل (١) الكشاف ٣/ ١٠. (٢) البحر المحيط ٦/ ٣٦٢. (٣) المحرر الوجيز ١١٥/٤. سُورَةُ الحَهُ ٢٨٨ الآية : ٢٥ وأصحابَه ﴿ّه عامَ الحديبيةِ عن المسجدِ الحرام، فكره عليه الصلاةُ والسلامُ أن يُقاتِلهم وكان مُخْرِماً بعمرةٍ، ثم صالحوه على أن يعودَ في العام القابلِ، والمراد بالمسجد الحرام مّة، وعبَّر به عنها؛ لأنَّه المقصودُ المهمُّ منها، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ﴾ أي: كائناً من كان، مِن غير فرقٍ بين مكِّيٍّ وآفاقيٍّ ﴿سَوَآءُ الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَارِ﴾ أي: المقيم فيه والطارئُ، فإنَّ الإقامةَ لا تكون في المسجد نفسِه، بل في منازل مَّة، وفي وصفِه بذلك؛ زيادةُ التشنيعِ على الصادِّين عنه . وقد استشهدَ بعضُ الأئمّة بالآية على عدم جواز بَيْعِ دُورٍ مَّة وإجارتِها، وإلا لما استوى العاكفُ فيها والبادي، وقد وردَ التصريحُ بذلك في بعض الأحاديثِ الصحيحة، فروي مِن عدَّة طرق أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((مَّة حرَّمها اللهُ تعالى لا يحلُّ بيعُ رباعِها، ولا إجارةُ بيوتها)»(١). وذكر ابنُ سابطِ أنَّ دورَ أهلِ مَّة كانت بغيرِ أبواب حتى كثرت السرقةُ، فاتَّخذ رجلٌ باباً، فأنكر عليه عمرُ رَّه قال: أتغلقُ باباً في وجهِ حاجٌّ بيتِ الله تعالى؟ فقال: إنَّما أردتُ حفظَ متاعِهِم مِن السرقة، فترَكه. فاتَّخذ الناسُ الأبوابَ. وأخرج ابنُ ماجه، وابنُ أبي شيبة، عن علقمةَ بن نضلة، قال: توفِّي رسولُ الله ◌ٌَّ وأبو بكرٍ وعمرُ ﴿هَا، وما تُدعَى رباعُ مَّة إلا السوائبَ، مَنِ احتاج سكن، ومَن استغنى أَسكن(٢). وقال ابنُ عمرَ ﴿هَا: مَن أكل كراءَ بيوتٍ مكَّة، (١) أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٦١)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٧٠ نشرة العمروي)، والفاكهي في أخبار مكة (٢٠٥٣) عن مجاهد مرسلًا . وأخرجه عبد الرزاق (٩٢٠)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٧٠ (نشرة العمروي) عن مجاهد قوله. وأخرجه الدارقطني (٣٠١٤) و(٣٠١٥) عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً بنحوه. وقال: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعاً، ووهم فيه أيضاً في قوله: عبيد الله بن أبي يزيد، وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح أنه موقوف. اهـ. والموقوف فيه برقم (٣٠١٦) و(٣٠١٧)، وهو عند عبد الرزاق أيضاً برقم (٩٢١٤). (٢) ابن ماجه (٣١٠٧)، وابن أبي شيبة (٣٧٢/٤ نشرة العمروي)، وأخرجه أيضاً الدارقطني في «سننه» (٣٠١٩) و(٣٠٢٠) و(٣٠٢١). قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح على شرط مسلم. اهـ. وعنون البخاري في الآية : ٢٥ ٢٨٩ سُورَةُ الدِّوُ فإنَّما أكلَ ناراً في بطنه؛ لأنَّ الناسَ في الانتفاع بها سواء، وجاء صدرُه مِن رواية الدار قطنيّ مرفوعاً(١). وفي ((النهاية)): لا بأسَ ببيع بناء مَّة، ويُكرَه بيعُ أرضِها، وهذا عند أبي حنيفة رَُّه، وقال: لا بأسَ ببيع أرضها، وهو روايةٌ عنه أيضاً، وهو مذهب الشافعيِّ - عليه الرحمةُ - وعليه الفتوى. وفي ((تنوير الأبصار)) وشرحه ((الدُّرِّ المختار)): وجاز بيعُ بناءِ بيوت مكَّة وأرضِها بلا كراهة، وبه قال الشافعيُّ، وبه يفتى. عيني (٢)، وفي ((البرهان)) في باب العشر: ولا يُكرَه بيعُ أرضِها كبنائها، وبه يعمل. وفي ((مختارات النوازل)) لصاحب ((الهداية)): لا بأسَ ببيع بنائها وإجارتها، لكن في الزيلعيِّ وغيرِهِ: يُكرَهُ إجارتُها، وفي آخر الفصل الخامس مِن ((التتارخانية)) وإجارة الوهبانيَّة: قال أبو حنيفة: أَكرهُ إجارةَ بيوت مَّة في أيام الموسم. وكان يفتي لهم أن ينزلوا عليهم في دُورهم؛ لقوله تعالى (سَوَآءً اٌلْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَاةٍ) ورخّص فيها في غير أيَّام الموسم. انتهى. فليحفظ، قلت: وبهذا يظهر الفرقُ والتوفيقُ(٣). انتھی . والذي يُفهَم مِن ((غاية البيان))(٤) أنَّ القولَ بكراهة إجارةِ بيوتها أيَّام الموسمِ مما لم يتفرَّد به الإمام بل وافقه عليه صاحباه حيث نقل عن ((تقريبٍ)) االإمام الكرخيِّ ما نصّه: وروى هشام، عن أبي يوسفَ، عن أبي حنيفة أنَّ كَره إجارةَ بيوت مكَّة في الموسم، ورخّص في غيره، وكذا قال أبو يوسف، وقال هشام: أخبرني محمد عن أبي حنيفةَ أنَّه يُكره كراءُ بيوت مَّة في الموسم، ويقول: لهم أن ينزلوا عليهم في دُورهم إن كان فيها فضلٌ، وإن لم يكن فلا، وهو قولُ محمد(٥). انتهى. = صحيحه في كتاب الحج: باب في توريث دور مكة وبيعها وشراءِها. قال ابن حجر في الفتح ٣/ ٤٥٠: وأشار له [أي البخاري] بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة، وفي إسناده انقطاع وإرسال. اهـ. (١) سنن الدار قطني (٣٠١٥) عن عبد الله بن عمرو رؤيهًا، ولم نقف عليه من حديث ابن عمر (٢) أي: بدر الدين العيني، وكلامه في كتابه البناية شرح الهداية ٩/ ٣٥٧. (٣) الدر المختار ٣٩٢/٢-٣٩٣. (٤) وهو لأمير كاتب العميد بن أمير غازي قوام الدين الإتقاني، وكتابه شرح فيه الهداية للمرغيناني، وسماه: غاية البيان ونادرة الأقران. الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي ص٨٧. (٥) حاشية ابن عابدين ٦/ ٣٩٣. سُورَة الحِہ ٢٩٠ الآية : ٢٥ والذي تحرَّر مما رأيناهُ مِن أكثرٍ معتبرات كتب ساداتِنا الحنفيَّة أنَّ جوازَ بيع بناء البيوت متفق عليه؛ لأنَّه ملكٌ لمن بناهُ كمَن بنى في أرض الوقف بإذن المتولِّي، ولا يقال: إنَّه بناءُ غاصب، كمن بنى بيتاً في جامع؛ لظهور الإذن هنا دونه ثمَّة، وكذا كراهةُ الإجارة في أيَّام الموسم، وأمَّا بيعُ الأرض فعند الإمامين جائز بلا كراهةٍ قولاً واحداً، وعن الإمام روايتان الجواز وعدمُه، والمفتى به الجواز، ومستند مَن يجوِّز مِن الكتاب الجليل هذه الآية. وأجاب أصحابُ الشافعيِّ عنها : أنَّ المسجدَ الحرامَ في المطاف والعاكف في المعتكف للعبادة المعدود مِن أهل المسجد لملازمتِه له أظهر، وكذلك المساواة في أنَّه مِن شعائر الله تعالى المنصوبة لكلِّ عاكف وبادٍ أوضح، وهو المقابل للموصوف بالصَّدِّ عن سبيلِ الله تعالى والمسجد الحرام خاصَّة، فما كانوا يصدُّون عن مَّة، ولا أنَّ الصدَّ عنها لغير مرید النسك معصيةٌ، وأيُّ مدخَل لحديثِ التمليك وعدمه في هذا المساق؟ !. والاستدراك بأنَّ له مدخلًا على سبيل الإدماج وإشارة النصّ، كلامٌ لا طائلَ تحته، وقد فسّر ((سواء)) بما فسّر، كذا في ((الكشف))، وقد جرت مناظرةٌ بمكّة بين الشافعيِّ وإسحاق بن راهويه الحنظلي، وكان إسحاق لا يرخِّص في کراء دور مَّة، فاحتجَّ الشافعيُّ بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍ﴾ [الحج: ٤٠] فأضيفت الديارُ إلى مالكيها، وقوله وَ ل# يوم فتح مَّة: «مَن أَغلقَ بابَه فهو آمن، ومَن دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن))(١)، وبأنَّه قد اشترى عمر ◌َته دار السجن، أترى أنَّه اشترى مِن مالكيها أو غيرِ مالكيها. قال إسحاق: فلما علمت أنَّ الحجَّةَ قد لزمتني تركتُ قولي. وأجاب بعضُهم أنَّ الإضافةَ إلى مالكي منفعة السكنى، وأنَّ عمر رضيته اشترى البناء دون الأرض، وأرضى بالثمن مَن أنفق مالًا فيه؛ لحاجة العامَّة، وللإِمام مِن ذلك ما ليس لغيره. وتعقِّب بأنَّ الاستدلالَ بالظاهر والعدولَ عن الظاهر دون سند أقوى غيرُ مُلتَفَتٍ إليه، ولذا قال ابن راهويه - وهو أحدُ أركانِ المسلمين وعَلَمٌ مِن أعلام الدين - ما قال. والظاهر أنَّ الأخبارَ المصرِّحة بتحريم البيع والإجارة، لم تصحَّ عند الشافعيِّ ر ◌ُه، وعند مَن قال بمثل قوله. (١) أخرجه أحمد (٧٩٢٢)، ومسلم (١٧٨٠) من حديث أبي هريرة الآية : ٢٥ ٢٩١ سُورَةُ الرَّةُ ونصب ((سواء)) على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لجعلنا، والأوَّل الضمير الغائب المتصل، و((العاكف)) مرتفع به؛ لأنَّه بمعنى مستو، وإن كان في الأصل مصدراً، ومِن كلامهم: مررتُ برجلٍ سواء هو والعدم، واللام ظرفٌ لما عنده. وجوِّز أن يكون (للناس)) في موضع المفعول الثاني، أي: جعلناه مباحاً للناس، أو معبداً لهم، و((سواء)) حالًا من الهاء، وكذا يكون حالًا إذا لم يعدّ الجعل إلى مفعولين. وقرأ الجمهورُ: ((سواءٌ)) بالرفع على أنَّه خبر، و((العاكفُ)) مبتدأٌ (١)، وضعِّف العكسُ؛ لما فيه من الإخبار بالمعرفة عن النكرة، والجملة في موضع المفعول الثاني أو الحال، وجوّز أن تكون تفسيريَّة لجعله للناس. وقرأت فرقة منهم الأعمشُ في رواية القطعي: ((سواءً)) بالنصب، ((العاكفِ)) فيه بالجرِّ (٢)، ووجه النصبِ ما تقدَّم، ووجه جرِّ ((العاكف)) أنَّه بدلُ تفصيلٍ مِن ((الناس))، وقيل: هو عطف بيان. وقُرئَ: ((والبادي)) بإثبات الياء وصلًا ووقفاً(٣)، وقُرئَ بتركها فيهما (٤)، وبإثباتها وصلًا وحذفها وقفاً(٥). ﴿وَمَنْ يُرِّدِّ فِيهِ﴾ مما ترك مفعوله؛ ليتناول كلَّ متناول، أي: ومَن يُرد فيه شيئاً ما أو مُراداً ما، وقدَّر ابنُ عطيّة(٦) المفعولَ: الناسَ، أي: ومَن يُرِد فيه الناسَ. وقوله تعالى: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ أي: عدول عن القصد، أي: الاستقامة المعنويَّة، وأصله: إلحاد الحافر ﴿يُظُلْمٍ﴾ بغير حقٍّ، حالان مترادفان، أو الثاني بدلٌ مِن (١) التيسير ص١٥٧، والنشر ٣٢٦/٢، في حين قرأ حفص: ((سواءً)) بالنصب. (٢) تفسير القرطبي ١٤/ ٣٥٤، والبحر المحيط ٣٦٣/٦. (٣) وهي قراءة ابن كثير ويعقوب. التيسير ص١٥٨، والنشر ٣٢٧/٢. (٤) وهي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي، ونافع في رواية قالون عنه. السبعة لابن مجاهد ص٤٣٦، والتيسير ص١٥٨، والبحر المحيط ٣٦٣/٦. (٥) وهي قراءة أبي عمرو وورش وأبي جعفر. السبعة لابن مجاهد ص٤٣٦، والتيسير ص١٥٨ ، والنشر ٣٢٧/٢، والبحر ٣٦٣/٦. (٦) المحرر الوجيز ١١٦/٤. سُورَةُ الحِہ ٢٩٢ الآية : ٢٥ الأوَّل بإعادة الجارِّ، والباء فيهما للملابسةِ، أو الأوَّل حالٌ والثاني متعلِّق به، والباء فيه للسبيَّة، أي: ملحداً بسبب الظلم كالإشراك واقترافِ الآثام، وقال أبو عبيدةً: الباء زائدة و((إلحاد)) مفعول ((يرد))، وأنشد عليه قولَ الأعشى: ضَمِنَتْ برِزْقٍ عيالنا أرماحُنا(١) وأُيِّد بقراءة الحسن: ((ومَن يُرد إلحادَهُ بظلم))(٢) وهي على معنى إلحاداً فيه إلا أنَّه توسّع فقيل: إلحاده. وقال أبو حيَّان(٣): الأَولى أن يُضمَّن (يُرِدْ)) معنى يتلَبَّس، وتجعل الباء للتعدية. وقرأت فرقةٌ: (يَرِدْ)) بفتح الياء مِن الوُرود، وحكاها الكسائيُّ والفرَّاء(٤)، أي: مَن أتى فيه بإلحاد إلخ. وتفسير الإلحاد بما ذكر هو الظاهر، فيشمل سائرَ الآثام؛ لأنَّ حاصل معناه الميلُ عن الحقِّ إلى الباطل، وهو محقَّق في جميع الآثام، وكذا المرادُ بالظلم عند جمعٍ، وجمعهما على هذا؛ للتأكيد، وقيل: المراد بذلك الشِّرْكُ، ولم يرتَضِه ابنُ أبي مُلَيكة، فقد أخرج عبدُ بنُ حميد أنَّه سُئلَ عن قولهِ تعالى: (وَمَن يُرِدْ) إلخ، فقال: ما كنَّا نشكُ أنَّها الذنوبُ حتى جاء أعلاجٌ مِن أهل البصرة إلى أعلاجٍ مِن أهل الكوفة، فزعموا أنَّها الشركُ(٥). (١) وعجزه: مِلْءَ المراجل والصريحَ الأجردا وهو في مجاز القرآن ٤٩/٢، وتفسير الطبري ٥٠٥/١٦ وفيه: بين، بدل: ملء. وذكر صدره ابن قتيبة في أدب الكاتب ص٥٢٢، وهو في ديوان الأعشى ص٢٨١ برواية: ضمنت لنا أعجازهنَّ قدورَنا وضروعهنَّ لنا الصريحَ الأجردا (٢) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٣/٦. 1 (٣) البحر المحيط ٣٦٣/٦. (٤) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٣/٦، والكلام منه، وقراءة الفراء ذكرها في معاني القرآن ٢٢٣/٢، وورد في مطبوعه: تَرِدْ. بالتاء. (٥) الدر المنثور ٣٥٢/٤، والأعلاج: جمع عِلْج، وهو: الرجل الضخم من كفار العجم، وبعض العرب يطلق العِلْج على الكافر مطلقاً. المصباح (علج). الآية : ٢٥ ٢٩٣ سُورَةُ الحَهُ وأخرج أبو داود وغيرُه عن يعلى بنِ أميَّة عن رسولِ الله ◌ِوَّه قال: ((احتكارُ الطعام في الحرم إلحادٌ فيه))(١)، وهو مِن ذكر بعض الأفراد؛ لاقتضاء الحال إِيَّاه، وجعل بعضُهم مِن ذلك دخولَه مِن غير إحرام، وروي عن عطاء تفسيرُ الإلحاد به. وأخرج ابنُ جرير وجماعةٌ، عن مجاهد قال: كان لعبد الله بنِ عمر ◌َّ فسطاطان أحدهما في الحِلِّ والآخَر في الحرم، فإذا أراد أن يُصلِّ صلَّى في الذي في الحرم، وإذا أراد أن يعاتب أهلَه عاتبهم في الذي في الحلِّ، فقيل له، فقال: نحدث أنَّ مِن الإلحاد فيه: لا والله، بلى والله(٢). ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ جواب لـ ((من)) الشرطيَّة. والظاهر أنَّ الوعيدَ على إرادة ذلك مطلقاً فيفيد أنَّ مَن أراد سيئةً في مكّة ولم يَعملها يحاسب على مجرَّد الإرادة، وهو قولُ ابنٍ مسعود، وعكرمة، وأبي الحجاج، وقال الخفاجيُّ(٣): الوعيدُ على الإرادة المقارنة للفعل لا على مجرَّد الإرادة، لكن في التعبير بها إشارة إلى مضاعفةِ السيئات هناك، والإرادة المصمّمة مما يُؤاخَذ عليها أيضاً، وإن قيل: إنَّها ليست كبيرة، وقد روي عن مالك كراهةُ المجاورة بمگّة. انتهى. وإلى مضاعفة السَّيِّئة في مكّة ذهب مجاهدٌ، فقد أخرج عنه ابنُ المنذر وغيرُه أنَّه قال: تُضاعَف السيئات بمكّة كما تُضاعف الحسنات(٤). وقال رحمه اللهُ تعالى: (١) سنن أبي داود (٢٠٢٠)، وعلقه أيضاً البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٢٥٥. قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ٤٢٠: هذا حديث واهي الإسناد. وأخرجه أيضاً البخاري في التاريخ الكبير ٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦ من طريق يعلى ابن منية - أي: ابن أمية؛ لأنَّ منيةَ أمُّه كما ذكر ذلك الحافظ في التقريب - عن عمر رَظُه موقوفاً. قال المنذري في مختصر السنن ٤٣٨/٢: يشبه أن يكون البخاري علَّل المسند بهذا. (٢) كذا ذكر الخبرَ الزمخشريُّ في الكشاف ١٠/٣ عن ابن عمر، قال الحافظ في الكافي الشاف ص١١٢: ما في نسخ الكشاف: ابن عمر، تصحيف، وإنما هو: ابن عمرو. اهـ. وكذلك أخرجه عن ابن عمرو ابنُ أبي شيبة ٢٨٥/٤ (نشرة العمروي)، والأزرقي في تاريخ مكة ١٣١/٢، والطبري ١٤١/١٧ (طبعة الحلبي). وذكره السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥٢ وعزاه لسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه . (٣) حاشية الشهاب ٦/ ٢٩٢. (٤) الدر المنثور ٣٥٢/٤، وعزاه أيضاً لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير. سُورَةُ الحَّةُ ٢٩٤ الآية : ٢٥ سألتُ ابنَ عمر - وكان منزلُه في الحلِّ ومسجدُه في الحرم - لِمَ تفعلُ هذا؟ فقال: لأنَّ العملَ في الحرم أفضلُ، والخطيئة فيه أعظمُ، فينبغي لمن كان فيه أن يَضْبِطَ نفسَه، ويسلك طريقَ السداد في جميع ما يَهِمُّ به ويقصِده. والظاهر أنَّ هذه الإذاقةَ في الآخرة، وقيل: كان قبل أن يستحلَّه أهلُه تعجّل العقوبةُ في الدنيا لمن قَصَده بسوء. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الربيع بنٍ أنس أنَّه قال في الآية: حدثنا رجلٌ سمعه مِن عقبِ المهاجرين والأنصار أنَّهم أخبروه أنَّ أيَّما أحدٍ أراد به ما أراد أصحابُ الفيل، عُجِّل لهم العقوبةُ في الدنيا، وقال: إنَّما يُؤتى(١) استحلاله مِن قِبَلِ أهله. وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما ينفعك في هذا المطلب. وحَدَّ بعضُهم الحرمَ بقوله: ثلاثةُ أميالٍ إذا رُمْتَ إتقانَه وللحَرَمِ التحديدُ مِن أرض طَيْبَةٍ وجدَّةُ عَشْرٌ ثم تِسْعٌ جعرانَه وسبعةُ أميال عِراقٌ وطائِفٌ وقد كَمَلَت فاشْكُرْ لربِّك إحسانَه(٢) ومِن يَمَنِ سبعٌ بتقديمٍ سِينه (١) في (م): ((يوفى))، والخبر في تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٨٤/٨ (١٣٨٧٠). (٢) الأبيات الثلاثة مذكورة في مغني المحتاج ٥٢٨/١-٥٢٩، وشفاء الغرام للفاسي ٦٤/١-٦٥، إلا أنَّ الفاسيَّ جاء عنده عجز البيت الثالث هكذا: فسل ربك الوهاب يرزقك غفرانه وزاد بيتاً رابعاً، وهو: وقد زيد في حد لطائف أربع ولم يرض جمهور لذا القول رجحانه وقال بعدها: والبيتان الأولان لا أعرف ناظمهما، والبيتان الآخران لجدِّي لأبي قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل محمد بن أحمد النويري الشافعي ... على ما وجدت في تأليف له بخطّ بعض مشايخنا يسمى: المعلم بدية الحر المسلم، وبعض الناس ينشد بيت وقد كملت فاشكر لربك إحسانه. ثم ذكر جدِّي الأول على غير ما ذكرناه فيقول : . كلاماً مطوّلًا حول الأبيات فلتراجع لمن أراد التوسُّع. وذكر البيتين الأول والثاني الحصكفي في الدر المختار ٢١٥/١ ونسبهما لابن الملقِّن، وعلَّق عليه ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار ٤٧٩/٢ بقوله: هو من علماء الشافعية، ونقل عن شرح المهذب للنووي أن ناظم الأبيات المذكورة القاضي أبو الفضل النويري ... ثم قال تعليقاً على البيت الثاني: لو قال: = الآية : ٢٥ ٢٩٥ سُورَةُ الحَّةُ وأمَّا المسجد الحرام فيُطلَق على الحرم كلِّه عند عطاء، فيكون حدُّه ما ذكر. وفي ((البحر العميق))(١) عن أبي هريرة قال: إنَّا لنجدُ في كتاب الله تعالى أنَّ حدَّ المسجد الحرام إلى آخر المسعى. وعن عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص قال: أساسُ المسجد الحرام الذي وضعه إبراهيمُ عليه السلام مِن الحَزْوَرةِ(٢) إلى مخرجٍ مسيل چیاد. وقد ذكروا أنَّ طولَ المسجد اليوم أربع مئة ذراع وأربعة أذرع، وعَرْضه ثلاث مئة ذراع. وحكي أنَّه لم يكن كذلك على عهد رسول الله بَّله ولم يكن له جدارٌ يحيط به، فلما استُخلف عمر بن الخطاب ظُه وسَّع المسجدَ واشترى دوراً فهدمها وأدخلها فيه، ثم أحاطَ عليه جداراً قصيراً دون القامة وكانت المصابيحُ توضع عليه، ثم لما استُخلف عثمان اشترى دوراً أيضاً ووسَّع بها وبنى المسجدَ والأروقةَ، ثم إنَّ عبد الله بنَ الزبير زاد سنة بضع وستِّين في المسجد زيادةً كثيرةً في خلافته، ومِن ذلك بعض دار الأزرقيِّ اشتراه بسبعة آلافٍ دينار، ثم عمره بعد ذلك عبد الله بنُ مروان ولم يزد فيه، لكن رفع جدار المسجد، وحمل إليه أعمدةَ الحجارة والرخام، ثم إنَّ المنصورَ زاد في شقّه الشاميِّ وبناه وجعل فيه أعمدةً من الرخام، ثم زاد ومن يمن سبع عراق وطائف = لاستوفى واستغنى عن البيت الثالث المذكور في البحر، وهو: ومن يمن سبع بتقديم سينها وقد كملت فاشكر لربه إحسانه مع ملاحظة أن نقله عن شرح المهذب للنووي وعزوه الأبيات للقاضي أبي الفضل النويري فيه نظر، فكيف ينسبها النووي للنويري مع العلم بأن وفاة النووي كانت سنة (٦٧٦هـ)، وولادة أبي الفضل النويري كانت سنة (٧٢٢هـ)؟! إلا إن كان يقصد النووي البيتين الأولين وكان يقصد نويريًّا غير هذا، ولم نقف على كلام النووي في المجموع شرح المهذب. (١) وهو: البحر العميق في مناسك المعتمر والحاج إلى البيت العتيق لأبي البقاء محمد بن أحمد بن محمد بن العينا المكي القرشي الحنفي المتوفى سنة (٨٥٤هـ). كشف الظنون ٢٢٥/١. (٢) موضع بمكة يلي البيت، وفيه دُفن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله، ابن أخي طلحة بن عبيد الله وكان قُتل مع ابن الزبير. معجم ما استعجم ٢/ ٤٤٤ . سُورَةُ الحِهُ ٢٩٦ الآية : ٢٦ المهديُّ بعدَه مرَّتين، وكانت الكعبة في جانب المسجد فأحبَّ أن تكون في الوسط فاشترى دوراً وزاد في المسجد ووسَّطها، كذا ذكره النوويُّ(١). وفي ((البحر العميق)) أنَّ زيادةَ المهديِّ هي التي تلي دارَ الندوة خلفَ مقام الحنفيِّ، ثم لما انتهت الدولة إلى سلاطين آلٍ عثمان - أبقى الله تعالى دولتهم ما دام الدوران - لم يألوا جهداً في خدمته والسعي في مَرَمَّتِهِ. ﴿وَإِذْ بَوَأْنَا لِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أي: اذكر لهؤلاء الكفرة الدين يصدُّون عن سبيلِ الله تعالى والمسجد الحرام وقتَ جَعْلِنا مكانَ البيت مباءةً لجدِّهم إبراهيم عليه السلام، أي: مرجعاً يُرجَع إليه للعمارة والعبادة، ويقال: بوَّأه منزلًا: إذا أَنزله فيه، ولمَّا لزمه جَعْلُ الثاني مباءةً للأوَّل جِيْءَ باللام، فهي للتعدية، و ((مكان)) مفعول به. وقال الزجَّاج(٢): المعنى: بيَّنَّا له مكانَ البيتِ لَيَبْنِيه، ويكون مباءةً له ولِعَقبه يرجعونَ إليه ويحجُونه، والأوَّل مرويٌّ عن ابنِ عباس، وقيل: اللام زائدةٌ في المفعول به، و((مكان)) ظرف لـ ((بوَّأنا)). واعترض بأنّ اللامَ إنَّما تزاد إذا قدّم المعمول، أو كان العاملُ فرعاً، وشيءٌ منهما غيرُ متحقّق هاهنا، وأن ((مكان البيت)) ظرف معيَّن، فحقُّه أن يتعدَّى الفعل إليه بـ ((في))، وفيه نظرٌ كما يعلم من كتب العربية. وقيل: مفعول ((بوّأنا)) محذوف، أي: بوَّأنا الناسَ، واللام في ((لإبراهيم)) لام العلَّة، أي: لأجل إبراهيم، أي: كرامةً له، والمعوَّل عليه ما قدَّمنا، وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت مع أنَّ المرادَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث قد مرَّ غير مرّة، والمكان المتعارف: ما يستقرُّ عليه الشيءُ ويمنعه مِن النزول، وللعلماء فيه مذاهبٌ، وليس هذا مكانَ تحقيقها . وأصلُ البيت: مأوى الإنسان بالليل، ثم قد يقال مِن غير اعتبار الليل فيه، وجمعه بأبيات، وبيوت، لكنَّ البيوتَ بالمسكنِ أخصُّ، والأبياتُ بالشَّعَرِ أخصُّ، ويقع ذلك على المتَّخذ مِن حَجَر ومِن مَدَرٍ، ومِن صوفٍ ووَبَر، ويُعبّر عن مكان الشيء ببيته . (١) المجموع شرح المهذب ٤٤٦/٧ بمعناه. (٢) في معاني القرآن له ٤٢٢/٣. الآية : ٢٦ ٢٩٧ سُورَُّ الحَّهُ والمراد بالبيت بيتُ اللهِ عزَّ وجلَّ الكعبةُ المكرَّمة، وقد بُنِيَتْ خمسَ مرَّات، إحداها: بناءُ الملائكةِ عليهم السلام قَبْلَ آدَمَ، وكانت من ياقوتةٍ حمراءَ، ثم رُفعَ ذلك البناءُ إلى السماء أيَّامِ الطّوفانِ. والثانية: بناءُ إبراهيمَ عليه السلام، رُويَ أنَّه تعالى لما أَمَرَه ببناءِ البيتِ، لم يَدْرِ أينَ يَبني، فأرسلَ اللهُ تعالى له الريحَ الخجوج(١) فكشفت عن أسِّه القديم، فبنى عليه . والثالثة: بناءُ قريش في الجاهليّة، وقد حَضَره النبيُّ ◌َّر وكان شابًّا، فلما أَرادوا أن يرفعوا الحَجَرَ الأسودَ اختصموا فيه، فأراد كلُّ قبيلةٍ أن يتولَّى رَفْعَه، ثم تَوافقوا على أَنْ يَحكُم بينهم أوَّلُ رجل يَخرجُ مِن هذه السَِّّة، فكان رسولُ اللهِ وَّهَ أوَّلَ مَن خرجَ، فقضى بينهم أن يَجعلُوه في مِرْطِ(٢)، ثم يرفعه جميعُ القبائلِ، فرفعوه ثم ارتَقَى بَّهِ فرفعوه إليه، فوضعه مكانه، وكانوا يَدْعُونه عليه السلام: الأمينَ، وكان ذلك قَبْلَ المبعثِ - فيما قيل - بخمسَ عَشْرة سنةً. والرابعة: بناءُ عبدِ الله بنِ الزبير. والخامسة: بناء الحجّاج، وهو البناء الموجودُ اليومَ، وارتفاعها في السماء سبعةٌ وعشرونَ ذِرَاعاً ورُبْعَ ذراعٍ، والذراعُ أربعٌ وعشرونَ إصبعاً، والإصبع ستُّ شُعَيرات، والشعيرةُ ستُّ شعراتٍ مِن شَعَر البِرْذَون. وأمَّا طولها في الأرضِ فمن الركن اليمانيِّ إلى الركن الأسود خمسةٌ وعشرونَ ذراعاً، وكذا ما بين اليمانيِّ والغربيِّ. وأما عَرْضها فهو مِنَ الركن اليمانيِّ إلى الركن الأسود عشرونَ ذراعاً. وطولُ الباب ستَّةُ أذرعٍ وعَشَرةُ أصابعَ، وعَرْضه أربعةُ أذرعٍ، والباب في جدارها الشرقيِّ، وهو مِن خشب الساجِ مضبَّب بالصفائح مِن الفضَّة. وارتفاعُ ما تحتَ عَتَبةِ الباب مِن الأرض أربعةُ أذرعٍ وثلاثُ أصابعَ، والميزابُ (١) هي الريح الشديدة المَرِّ، أو الملتوية في هبوبها كالخجوجاة. القاموس (خجج). (٢) المِرْط: كساء من صوف أو خَزِّ. القاموس (مرط). سُورَةُ الحِهُ ٢٩٨ الآية : ٢٦ فِي وَسَطَ جدارِ الحجر. وعَرْضُ الملتزم - وهو ما بين البابِ والحَجَر الأسود - أربعة أذرعٍ، وارتفاعُ الحَجَر الأسود مِن الأرض ثلاثةُ أذرع إلا سبعاً، وعَرْضُ القَدْرِ الذي بَدَرَ منه شبرُ وأربعُ أصابع مضمومةً، وعَرْضُ المستجاد - وهو بين الركن اليمانيِّ إلى الباب المسدودِ في ظَهْر الكعبة مقابلًا للملَزَم - أربعة أذرعٍ وخمسُ أصابعَ، وعَرْضُ الباب المسدود ثلاثةُ أذرعِ ونصفُ ذراعِ، وطُوله أكثرُ مِن خمسةِ أذرع. وأمَّا الحِجْر، ويُسمَّى: الحطيمَ والحظيرةَ، فعلى هيئة نصفِ دائرة مِن صَوْبٍ الشام والشَّمال بين الركن العراقيّ والشامِيِّ، وحدُّه مِن جدار الكعبة الذي تحت الميزاب إلى جدارٍ الحجر سبعةَ عشر ذراعاً وثماني أصابعَ منها سبعةُ أذرعٍ أو ستَّةٌ وشِبْر مِن أرض الكعبة، والباقي كان زَرْباً (١) لغنم سيِّدنا إسماعيل عليه السلام فأدخلوه في الحِجْر، وما بين بابي الحِجْر عشروَنَ ذراعاً، وعَرْضُ جدار الحِجْر ذراعان، وذرع تدويرِ جدار الحِجْر مِن داخله ثمانيةٌ وثلاثونَ ذراعاً، ومِن خارجه أربعون ذراعاً وستُّ أصابع، وارتفاعُ جدارِ الحِجْر ذراعان، فذرع الّوقِ وحده حوالي الكعبة والحجر مئةُ ذراع وثلاثة وعشرون ذراعاً واثنتا عشرة أصبعاً . وهذا على ما ذكره الإمام حسين بنُ محمد الآمديُّ في رسالةٍ له في ذلك، والعُهْدة عليه، وإنَّا لنرجو مِن ربِّ البيتِ أن يوفِّقنا لزيارة بيتِه وتحقيقٍ ذلك بلطفه وكرمه . و((أَنْ)) في قوله تعالى: ﴿أَن لَّا تُشْرِفْ بِى شَيْئًا﴾ قيل: مفسِّرة، والتفسير باعتبار أنَّ التبوئةَ مِن أجل العبادة، فكأنَّه قيل: أَمَرْنا إبراهيم عليه السلام بالعبادة، وذلك فيه معنى القول دون حروفِه، أو لأنَّ بوَّأناه بمعنى قلنا له: تبوَّأ، وقال ابنُ عطية(٢): مخفَّفة من الثقيلة، وكأنَّه لتأويل بوَّأناه بأعلمناه، فلا يَرِدُ عليه أنَّه لا بُدَّ أن يتقدَّمها فِعْلُ تحقيقٍ أو ترجيح. وقال أبو حيَّان: الأَولى أن تكون الناصبة، وكما تُوصَل بالمضارع تُوصَل بالماضي، والأمر والنهي(٣). انتهى. وحينئذٍ لا تنصبُ لفظاً، وقول أبي حاتم: (١) الزَّرْب: المدخل، وموضع الغنم. القاموس (زرب). (٢) المحرر الوجيز ٤ / ١١٧ . (٣) البحر المحيط ٣٦٤/٦، والعبارة فيه: والأولى عندي أن تكون الناصبة للمضارع إذا يليها الآية : ٢٧ ٢٩٩ سُورَةُ الدِّى لا بُدَّ مِن نصب الكافِ على هذا ردَّه في ((الدُّرِّ المصون))(١) أي: فَعَلْنا ذلك لئلا تشركَ بي في العبادة شيئاً، والظاهر أنَّ الخطابَ لإبراهيم عليه السلام، ويؤيِّده قراءةٌ عكرمة، وأبي نهيك: ((أَنْ لا يُشْركَ))(٢) بالياء التحتية، وقيل: الخطاب للنبيِّ ◌َّهِ. المراد بالطهارة ما يَشمل ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِطَّابِفِينَ وَالْقَآِينَ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ الحسيَّة والمعنويَّة، أي: وطهِّر بيتيَ مِن الأوثان والأقذار لمن يطوفُ به ويصلِّي عنده، ولعلَّ التعبيرَ عن الصلاة بأركانها مِن القيام والركوع والسجودِ؛ للدلالة على أنَّ كلَّ واحدٍ منها مستقلُّ باقتضاء التطهير أو التبوِئة على ما قيل، فكيف وقد اجتمعت، أو للتنصيصٍ على هذه الأمَّة المحمَّدية على نبيِّها أفضلُ الصلاةِ وأكملُ التحيَّة، إذ اجتماعُ هذه الأركان ليس إلا في صلاتهم، ولم يعطف السجود؛ لأنَّه مِن جنَس الركوع في الخضوع. ويجوز أن يكون ((القائمين)) بمعنى المقيمين، و((الطائفين)) بمعنى الطارئين، فيكون المرادُ بالركع السجود فقط المصلِّين إلّا أنَّ المتبادرَ مِن الطائفين ما ذكر أوَّلًا . ﴿وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ﴾ أي: نادٍ فيهم ﴿يِالحَجِ﴾ بدعوةِ الحجِّ والأَمْرِ به، أخرج ابنُ أبي شيبة في ((المصنَّف))، وابنُ جرير، وابنُ المنذر، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ في ((سننه)) عن ابنِ عباس قال: لما فرغَ إبراهيمُ عليه السلام مِن بناء البيت قال: ربِّ قد فرغتُ. فقال: أَذِّنْ في الناس بالحج. قال: ياربّ وما يبلغ صوتي؟ قال: أَذِّن وعليّ البلاغ. قال: ربِّ كيف أقول؟ قال: قل يا أيها الناس كُتبَ عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق، فسمعه أهلُ السماء والأرض، أَلَا ترى أنَّهم يجيؤون(٣) مِن أقصى البلاد يلبُّون(٤). = الفعل المتصرف من ماضٍ ومضارع وأمر، والنهي كالأمر. اهـ. وكذا نقل عنه السمين الحلبي في الدر المصون ٢٦٣/٨ . (١) ٢٦٣/٨. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٥، والبحر المحيط ٣٦٤/٦. (٣) في (م): (يجيبون)). (٤) في الأصل: ((ويلبّون)). والخبر عند ابن أبي شيبة ٥١٨/١١، والطبري ٥١٤/١٦-٥١٥، والحاكم ٣٨٨/٢، والبيهقي ١٧٦/٥ . سُورَةُ الحِهُ ٣٠٠ الآية : ٢٧ وجاء في رواية أخرى عنه: أنَّه عليه السلام صَعِدَ أبا قُبَيْس، فوضع أصبعَيْه في أذنَيْه، ثم نادى: يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ تعالى كَتَبَ عليكم الحجَّ فَأَجيبوا ربّكم. فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأوَّل مَن أجابَ أهلُ اليمن فليس حاجٌ يحجُّ مِن يومئذٍ إلى أنْ تقومَ الساعةُ إلا مَن أَجاب يومئذٍ إبراهيمَ عليه السلام. وفي رواية: أنَّه قام على الحَجَر فنادى. وعن مجاهد أنَّه عليه السلام قام على الصفا، وفي رواية أخرى عنه أنَّه عليه السلام تطاوَل به المقام حتى كان كأطولِ جبل في الأرض فأذَّن في الحجِّ. ويمكن الجمع بتكرُّر النداء، وأيًّا ما كان، فالخطابُ لإبراهيمَ عليه السلام. وزعم بعضُهم أنَّه لنبيِّنا وَِّ أُمِرَ بذلك في حجَّة الوداع، وروي ذلك عن الحسن، وهو خلافُ الظاهر جدًّا، ولا قرينةَ عليه، وقيل: يأباهُ كونُ السورةِ مكِّيَّة، وقد علمتَ ما فيه أوَّلَها . وقرأ الحسنُ، وابنُ محيصن: ((وآذِنْ)) بالمدِّ والتخفيف(١)، أي: أعْلِمْ، كما قال البعضُ، وقال آخرون: المرادُ به هنا: أوقع الإيذان؛ لأنَّه على الأوَّل كان ينبغي أن يتعدَّی بنفسه لا بـ «في» فهو کقوله: .. يَجرَح في عَرَاقِيبها نَصْلِي(٢) وقال ابنُ عطيّة(٣): قد تصحّفت هذه القراءةُ على ابنٍ جنيٌّ(٤) فإنَّه حكى عنهما: ((أَذِنَ)) فعلًا ماضياً وجعله معطوفاً على ((بوَّأنا))، وتعقّبه أبو حيَّان(٥) بأنَّه ليس بتصحيف، بل قد حكى ذلك أبو عبد الله الحسين بنُ خالويه في ((شواذِ القراءات))(٦) من جمعه. (١) المحرر الوجيز ١١٧/٤، والبحر المحيط ٣٦٤/٦. (٢) القائل ذوالرمة، والبيت في ديوانه ١٥٦/١، وتمامه: وإن تعتذر بالمَحْل من ذي ضروعها على الضيف وسلف ١٦١/١٠. (٣) المحررالوجيز ١١٧/٤. (٤) في المحتسب ٧٨/٢. (٥) البحر المحيط ٦/ ٣٦٤. ٠٠ ٠ (٦) القراءات الشاذة ص ٩٥، وقال أيضاً السمين الحلبي في الدر المصون ٢٦٤/٨ :... ولكنه