Indexed OCR Text
Pages 261-280
الآية : ١٣ ٢٦١ سُورَةُ الحَةُ ﴾ عن الحقِّ والهدى، مستعارٌ مِن ضلال مَن أَبْعدَ الدعاء ﴿هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ في التِّيْهِ ضالًّا عن الطريق. ﴿يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّهُ، أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ،﴾ استئنافٌ يبيِّن مآل دعائه وعبادتِه غيرَ الله تعالى، ويقرِّر كونَ ذلك ضلالاً بعيداً مع إزاحة ما عسى أن يتوهّم مِن نفي الضررِ عن معبودِه بطريق المباشرة نفيه عنه بطريقِ التسبُّب أيضاً، فالدعاء هنا بمعنى القول، كما في قول عنترة: يدعونَ عنترةَ الرماحُ كأنَّها أَشْطَانُ بِئْرٍ فِي لَبَانِ الأَذْهِمِ(١) واللامُ داخلٌ في الجملة الواقعة مقولًا له، وهي لامُ الابتداء، و((مَن)) مبتدأٌ، و((ضَرُّه أقربُ)) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملةُ صلةٌ له. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْمَوْلَى وَلَيْسَ الْعَشِيرُ ﴾﴾ جوابُ قَسَمِ مقدَّر، واللام فيه جوابيَّة، وجملة القَسَم وجوابه خَبَرُ ((مَن))، أي: يقول الكافرُ يومَ القيامة برَفْع صوتٍ وصراخٍ حين يرى تضرُّرَه بمعبوده ودخوله النارَ بسببِهِ، ولا يرى منه أثراً ممَّا كان يتوقَّعه منه مِن النفع لمَن ضرُّه أقربُ تحقُّقاً مِن نفعه: واللهِ لبئسَ الذي يُتَّخذُ ناصراً، ولبئسَ الذي يُعاشرَ ويُخالَط. فكيف بما هو ضررٌ محضّ عاٍ عن النفع بالكليَّة، وفي هذا من المبالغة في تقبيحِ حالِ الصنمِ والإمعان في ذمِّه ما لا يخفَى، وهو سرُّ إيثار ((مَن)) على ((ما)) وإيرادٍ صيغةِ التفضيل، وهذا الوجه مِن الإعراب اختاره السجاونديٌّ، والمعنى عليه ممَّا لا إشكالَ فيه. وقد ذهبَ إليه أيضاً جارُ اللهِ(٢)، وجوّز أن يكونَ ((يدعو)) هنا إعادةً لـ ((يدعو)) السابق، تأكيداً له وتمهيداً لما بَعْدُ مِن بيانِ سوءِ حالِ معبودِه إثرَ بیانِ سوء حالٍ عبادته بقوله تعالى: «ذلك هو الضلال البعيد))، كأنَّه قيل مِن جهته سبحانه بعد ذِكْر عبادةِ الكافر ما لا يضرُّه ولا ينفعه: يدعو ذلك؟! ثم قیل لمَن ضرُّه بكونه معبوداً أقرب مِن نفعه بكونه شفيعاً: واللهِ لبئسَ المولى ... إلخ، ولا تناقضَ عليه أيضاً إذ الضرُّ المنفيُّ ما يكون بطريق المباشرةِ، والمثبت ما يكون بطريقِ التسبُّب، وكذا النفعُ المنفيُّ هو الواقعيُّ، والمثبت هو (١) ديوان عنترة ص٢٩، وفيه: عنترَ والرماح، بدل: عنترة الرماح. والشطن: الحبل الذي يستقى به. واللبان: الصدر. (٢) الكشاف ٣/ ٧. سورة الحِ﴾ ٢٦٢ الآية : ١٣ التوقُّعي، قيل: ولهذا الإثبات عبَّر بـ ((مَن)) فإنَّ الضرَّ والنفعَ مِن شأنِهما أن يَصدرا عن العقلاءِ، وفي ((إرشاد العقل السليم))(١) أن إيرادَ كلمةِ ((مَن)) وصيغة التفضيل على تقديرٍ أن يكون ذلك إخباراً مِن جهته سبحانه عن سوءِ حال معبودِ الكفرة؛ للتهكُّم به، ولا مانعَ عندي أن يكون ذلكَ كما في التقدير الأوَّل للمبالغة في تقبيح حالِ الصنم والإمعان في ذمِّه. واعترض ابنُ هشام(٢) على هذا الوجه بأنَّ فيه دعوى خلافِ الأصل مرَّتين، إذ الأصلُ عدمُ التوكيد، والأصلُ أنْ لا يُفصلَ المؤكّد عن توكيدِه ولا سيما في التوكيد اللفظيِّ. وقال الأخفش(٣): إنَّ ((يدعو) بمعنى: يقول، واللام للابتداء، و((مَن)) موصول مبتدأ، صلته الجملةُ بعدَه، وخبره محذوفٌ، تقديره: إله أو إلهي، والجملة محكيّة بالقول. واعترض بأنَّه فاسدُ المعنى؛ لأنَّ هذا القول مِن الكافر إنَّما يكون في الدنيا وهو لا يعتقدُ فيه أنَّ الأوثانَ ضَرُّها أقرب مِن نفعِها. وأُجِيبَ بأنَّ المرادَ إنكارُ قولهم بألوهيَّة الأوثان إلَّا أنَّ الله تعالى عبَّر عنها بما ذُكر؛ للتهكُّم، نعَمْ الأَولى أن يقدَّر الخبر مولى؛ لأنَّ قولَه تعالى: ((لبئس المولى ولبئس العشير)) أدلُّ عليه، ومع هذا لا يَخفى بُعْدُ هذا الوجه، وقيل: (يدعو)) مضمَّن معنى يزعم، وهي مُلحَقة بأفعال القلوبِ لكون الزعمِ قولًا مع اعتقاد. واللامُ ابتدائيَّة معلِّقة للفعل، و((مَن)) مبتدأ، وخبرُها محذوف، كما في الوجه السابق، والجملة في محلِّ نصبٍ بـ ((يدعو))، وإلى هذا الوجه أشار الفارسيُّ، ولا يخفى عليكَ ما فيه. وقال الفرَّاء(٤): إنَّ اللامَ دخلت في غير موضعها، والتقدير: يدعو مَن ضرُّه أقربُ مِن نفعه، فـ ((مَن)) في محلٌّ نصبٍ بـ (يدعو))، وتعقَّبه أبو حيان(٥) وغيرُه بأنَّه (١) تفسير أبي السعود ٩٨/٦. (٢) مغني اللبيب ص٣٠٨. (٣) في معاني القرآن له ٦٣٥/٢ - ٦٣٦. (٤) في معاني القرآن له ٢/ ٢١٧. (٥) البحر المحيط ٣٥٦/٦-٣٥٧. الآية : ١٤ ٢٦٣ سُورَة الحى بعيدٌ؛ لأنَّ ما في صلة الموصول لا يتقدَّم على الموصول، وقال ابنُ الحاجبِ: قيل: اللامُ زائدة للتوكيد، و((مَن)) مفعول ((يدعو))، وليس بشيءٍ؛ لأنَّ اللامَ المفتوحة لا تُزاد بين الفعل ومفعولِه، لكن قويَ القولُ بالزيادة هنا بقراءةٍ عبد الله : (يَدعُو مَن ضَرُّه)) بإسقاط اللام، وقيل: ((يدعو)) بمعنى يُسمِّي، و((من)) مفعوله الأوَّل، ومفعوله الثاني محذوف، أي: إلهاً. ولا يخفى عليكَ ما فيه، وقيل: إنَّ (يدعو)) ليست عاملةً فيما بعدَها، وإنَّما هي عاملةٌ في ذلك قبلها، وهو موصول بمعنى (الذي))، ونقل هذا عن الفارسيِّ أيضاً، وهو على بُعْدِه لا يصحُّ إلَّا على قول الكوفيين، إذ يجيزون في اسم الإشارة مطلقاً أن يكون موصولًا، وأمَّا البصريونَ فلا يجيزونَ إلَّا في ((ذا)) بشرطَ أن يتقدَّمها الاستفهامُ بـ ((ما)) أو ((من))، وقيل: هي عاملةٌ في ضميرٍ محذوف راجع إلى ذلك، أي: يَدْعُوه، والجملة في موضع الحالِ، والتقدير: ((ذلك هو الضلالُ البعيدُ)) مدعوًّا، وفيه مع بُعْدِه أنَّ ((يدعو)) لا يُقدَّر بمدعوِّ، وإنَّما يقدّر بداعياً، والذي يقدّر بمدعوِّ إنَّما هو يُدعى المبني للمفعول، وقيل: ((يدعو)) عطف على ((يدعو)) الأوَّل، وأسقط حرفَ العطف؛ لقصد تعدادِ أحوال ذلك المذبذبِ، واللام زائدة، و((من)) مفعول ((يدعو))، وهي واقعةٌ على العاقل، والدعاءُ في الموضعين إمَّا بمعنى العبادة وإمَّا بمعنى النداء، والمرادُ إمّا بيانُ حالٍ طائفة منهم على معنى أنَّهم تارةً يدَعُون مالا يضرُّ ولا ينفعُ، وتارةً يَدعُون مَن ضرُّه أقربُ من نفعه، وإمَّا بيانُ حالِ الجنس باعتبار ما تحتَه على معنى أنَّ منهم مَن يدعو مالا يضرُّ ولا ينفعُ، ومنهم مَن يدعو مَن ضرُّه أقربُ مِن نفعه، وهو كما ترى، وبالجملة أحسنُ الوجوه أوَّلُها(١). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَِّينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُّ﴾ استئنافٌ لبيانِ كمالِ حسن حال المؤمنين العابدينَ له تعالى، وأنَّه تعالى يتفضَّل عليهم بالنعيم الدائم إثرَ بيانِ غاية سوءِ حالِ الكفرة. وجملة ((تجري)) إلخ صفةٌ لـ ((جنَّات))، فإن أُريد بها الأشجارُ المتكاثفة الساترةُ لما تحتها، فجريانُ الأنهار مِن تحتها ظاهرٌ، وإن أريد بها الأرضُ، فلابُدَّ مِن تقدير مضاف، أي: من تحتِ أشجارها، وإن جعلت عبارةً عن مجموع الأرض (١) ينظر تفسير الطبري ٤٧٦/١٦، والبحر المحيط ٣٥٧/٦. سُورَةُ الرَّة ٢٦٤ الآية : ١٥ والأشجار، فاعتبار التحتيّة بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحِّح لإطلاق اسم الجنَّة على الكلِّ، كما في (إرشاد العقل السليم))(١). وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾﴾ تعليلٌ لما قبله وتقريرٌ بطريقِ التحقيق، أي: هو تعالى يفعل ألبتةَ كلّ ما يُريده من الأفعال المتقنة اللائقة المبنيّة على الحِكَم الرائقة التي مِن جملتها إثابةٌ مَن آمنَ به وصدَّق برسوله وَّهِ، وعقابُ مَن كَفَرَ به وكذَّب برسولِه عليه الصلاة والسلام. ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنَصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ الضمير في ((ينصره)) لرسولِ اللهِ وَّ على ما روي عن ابنِ عبَّاس، والكلبيِّ، ومقاتلٍ، والضخَّاكِ، وقتادةَ، وابنٍ زيد، والسديِّ، واختاره الفرَّاء(٢)، والزجَّاج(٣)، كأنَّه لما ذكر المجادلَ بالباطل وخذلانه في الدنيا؛ لأنَّه لا يُدلي بحَّةٍ ما، ضروريّة أو نظريَّة أو سمعيَّة، ولما يؤول إليه أمره مِن النكال، وفي الآخرة بما هو أطمُّ وأطمُّ، ثم ذكر سبحانه مشايعيه وعمَّم خَسَارهم في الدارين، ذَكَرَ في مقابلهم المؤمنين وأتبعه ذِكْرَ المجادلِ عنهم وعن دينِ الله تعالى بالتي هي أحسن وهو رسولُه عليه الصلاة والسلام، وبالغ في كونه منصوراً بما لا مزيدَ عليه، واختصر الكلام؛ دلالةً على أَنَّهِ وَّهِ العَلَمُ الذي لا يشتبه، وأنَّ الكلامَ فيه وله ومعه، وأنَّ ذِكْر غيرِهِ بتبعيَّة ذِكْره، فالمعنى أنَّه تعالى ناصرٌ لرسوله وَس# في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجتِهِ وإدخالٍ مَن صدَّقه جناتٍ تجري مِن تحتها الأنهار، والانتقام ممَّن كذَّبه وإذاقته عذابَ الحريق لا يَصرفُه سبحانه عن ذلك صارفٌ ولا يَعطفه عنه عاطفٌ، فمَن كان يغيظه ذلك مِن أعاديه وحُسَّاده ويظنُّ أن لنْ يَفعله تعالى بسبب مدافعتِهِ ببعضٍ الأمور ومباشرة ما يردُّه مِن المكايد، فليُبالغ في استفراغ المجهود وليتجاوز في الجدِّ كلَّ حدٍّ معهود، فقصارى أمرِه خيبةُ مساعِيْه وعِقَم مقدِّماته ومباديه وبقاء ما يغيظُ على حاله ودوام شَجْوه وبَلْباله، وقد وضع مقامَ هذا الجزاء قوله سبحانه: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ إلخ، فليمدد حبلًا ﴿إِلَى بِالسَّمَاءِ﴾ أي: إلى سقفٍ (١) تفسير أبي السعود ٩٩/٦. (٢) في معاني القرآن له ٢١٨/٢. (٣) في معاني القرآن وإعرابه له ٤١٧/٣. الآية : ١٥ ٢٦٥ سُورَةُ الدِّه بيته، كما أخرج عبدُ بنُ حميدٍ، وابنُ المنذر، عن الضخَّاك(١). ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي: لَيَختَنق، كما فسَّرَه بذلك ابنُ عبَّاس ﴿هَا مِن قَطَعَ: إذا اختنقَ، كأنَّ أصلَه: قطع نَفَسه - بفتحتين - أو أجَله، ثم ترك المفعول نسياً منسيًّا، فصار بمعنى اختنقَ لازم خنقه، (٢) وذكروا أنَّ قَطْعَ النَّفَس كنايةٌ عن الاختناقِ، وقيل: المعنى: ليقطعِ الحبلَ بعد الاختناقِ، على أنَّ المرادَ به فرضُ القَطْع، وتقديره كما أنَّ المرادَ بالنظر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيُظُ ﴾﴾ تقديرُ النظر وتصويرُه، وإلَّا فبعدَ الاختناقِ لا يتأتَّى منه ذلك، أي: فليقدِّر في نفسِه النظرَ هل يذهبنَّ كيدُه غيظَه، أو الذي يغيظه مِن النصر، ويجوز أن يُرادَ: فلينظر الآن أنَّه إن فَعَلَ ذلك هل يذهبُ ما يغيظه. وجوّز أن يكون المأمورُ بالنظر غيرَ المأمور الأوَّل مَمَّن يصحُّ منه النظر، وأن يكون الكلامُ خارجاً مخرجَ التهكُم كما قيل: إنَّ تسميةَ فِعْلِه ذلك كيداً خارجةٌ هذا المخرَج، وقال جمعٌ: إنَّ إطلاقَ الكيدِ على ذلك؛ لشَبَهه به، فإنَّ الكائدَ إذا كَادَ أَتَى بغاية ما يَقدرُ عليه، وذلك الفعلُ غايةُ ما يَقدرُ عليه ذلك العدوُّ الحسودُ، ونقل عن ابنِ زيدٍ أنَّ المعنى فليمدد حبلًا إلى السماء المظلَّة وليصعد عليه، ثم ليقطّع الوحيَ عنه رَّد . وقيل: ليقطع المسافةَ حتى يبلغَ عنانَ السماء فيجهدَ في دَفْع نصرِه عليه الصلاة والسلام النازل من جهتها . وتعقَّبه المولى أبو السعود(٣) بأنَّه يأباه أنَّ مساقَ النظم الكريم بيانُ أنَّ الأمورَ المفروضةَ على تقدير وقوعِها وتحقُّقها بمعزل من إذهابٍ ما يغيظ، ومن البينِ أن لا معنى لفرض وقوع الأمور الممتنعة وترتيب الأمر بالنظر عليه لا سيمًا قَطْع الوحي، فإنَّ فرضَ وقَوعِه مخلٌّ بالمرام قطعاً . ونُوقشَ في ذلك بما لا يَخفى على الناظر، نعم المعنى السابق هو الأَولى، وأيًّا (١) الدر المنثور ٣٤٧/٤، وأخرجه أيضاً الطبري في التفسير ٤٨٣/١٦. (٢) ليست في الأصل، وجاء بدلها فيه: ((وإلا فبعد الاختناق لا يتأتَّى منه ذلك، أي: فليقدِّر في نفسه النظر))، وهذه العبارة ستأتي قريباً، ونقلت إلى هناك لضرورة المعنى، وهكذا جاءت في تفسير أبي السعود ٩٩/٦، والكلام منه. (٣) تفسير أبي السعود ٦/ ٩٩. سُورَة الحِه ٢٦٦ الآية : ١٥ ما كان فمن يظنُّ ذلك هم الكفرةُ الحاسدونَ له ◌ََّ، وقيل: أَعراب مِن أَسْلَم وغَطَفان تباطؤوا عن الإسلام، وقالوا: نخافُ أن لا يُنصَر محمَّد عليه الصلاة والسلام فينقطعَ ما بيننا وبين حلفائنا مِن يهود، فلا يقرُّونا ولا يُؤْوونا، وقيل: قومٌ مِن المسلمين كانوا لشدَّة غيظهم من المشركين يستبطؤون ما وَعَدَ اللهُ تعالى رسولَه بَّهِ مِن النصر، والمعنى عليه - وكذا على سابقه إن قيل: إنَّ أولئك الأعراب كانوا يستبطؤون النصرَ أيضاً -: مَن اسْتبطأ نَصْرَ اللهِ تعالى وطَلَبه عاجلًا فليقتل نفسَه؛ لأنَّ له وقتاً اقتضت الحكمةُ وقوعَه فيه، فلا يقع في غيرِهِ، وأنتَ تَعلَمُ بُعْدَ هذين القولين وأنَّ ثانيهما أبعدُ. واستظهر أبو حيَّان(١) كونَ ضميرٍ ((ينصره)) عائداً على ((مَن)) لأنَّه المذكور، وحقُّ الضمير أن يعودَ على مذكور، وهو قولُ مجاهد، وإليه ذهب بعضُهم، وفسَّر النصرَ بالرزق، وقال أبو عبيدة(٢): وَقَفَ علينا سائلٌ من بني بكر، فقال: مَن ينصرني نصرَه اللهُ تعالى؟ وقالوا: أرضٌ منصورةٌ، أي: ممطورة، وقال الفقعسيُّ: وإنَّكَ لا تُعطي امْرَأَ فوقَ حقِّه ولا تملكُ الشيءَ الذي أنتَ ناصره(٣) أي: معطيه، وكأنَّه مستعارٌ مِن النصر بمعنى العونِ، فالمعنى أنَّ الأرزاقَ بيدِ الله تعالى لا تُنال إلا بمشيئته فلا بُدَّ للعبد مِن الرضا بقسمتِهِ، فمَن ظنَّ أنَّ اللهَ تعالى غيرُ رازقِه ولم يَصْبِر ولم يَستسلم، فليبلغ غايةَ الجَزَع وهو الاختناقُ، فإنَّ ذلك لا يَقْلِبُ القسمةَ ولا يردُّه مرزوقاً، والغَرَضُ الحثُّ على الرضا بما قَسَمَ اللهُ تعالى لا كمَن یعبدُه على حرفٍ، وكأنَّه سبحانه لما ذَكَرَ المؤمنين عَقِيبهم - على ما مرَّ - حذَّرهم عن مِثْلٍ حالِهِم؛ لطفاً في شأنهم. ولا يخلو عن بُعْدٍ وإن كان ربطُ الآية بما قَبلها عليه قريباً . (١) البحر المحيط ٣٥٧/٦. (٢) مجاز القرآن ٢/ ٤٧ . (٣) البيت في الأضداد للأنباري ص٣٠٣، وأمالي المرتضى ١٩٢/٢، إلا أنَّ روايته هكذا: فإنك لا تعطي امراً حظّ غيره ولا تملك الشقَّ الذي الغيث ناصره وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز ١١١/٤ وجاء صدر البيت عنده كما ذكره المصنّف، وعجزه كما في الأضداد، والأمالي. والفقعسي: هو مضرِّس بن ربعي بن لقيط بن خالد بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمرو بن قعين الأسدي. معجم الشعراء ص٣٠٧. الآية : ١٦، ١٧ ٢٦٧ سُورَةُ الحَّةُ وقيل: الضمير لـ ((من)) والنصر على المتبادر منه، والمعنى: مَن كان يظنُّ أن لن ينصرَه اللهُ تعالى فيغتاظُ لانتفاءِ نصرِهِ، فليَحْتَل بأعظم حيلةٍ في نَصْرِ الله تعالى إِيَّاه وليَستفرِغ جهدَه في إيصال النصرِ إليه، فلينظر هل يذهبنَّ ذلك ما يغيظه مِن انتفاء النصر. ولا يخفى ما في وجه الربطِ على هذا مِن الخفاء. و(من)) كما أشرنا إليه شرطيَّة، وجوِّز أن تكون موصولةً والفاء في حَيِّزها؛ لتضمُّنها معنى الشرط، و((هل يذهبنَّ)) في محلِّ نصب بـ ((ينظر))، وذكر أنَّه على إسقاط الخافض. وقرأ البصريون، وابنُ عامر، وورش: ((ثم لِيَقْطَعْ)) بكسرٍ لام الأمر (١)، والباقون بسكونها على تشبيهِ ((ثم)) بالواو والفاء؛ لأنَّ الجميعَ عواطف. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإنزالِ البديع المنطوي على الحِكَم البالغة ﴿أَنزَلْتَهُ﴾ أي: القرآنَ الكريمَ كلَّه ﴿وَيَتِ بَيْنَتٍ﴾ واضحاتِ الدلالة على معانيها الرائقة، فالمشار إليه الإنزالُ المذكور بعد اسم الإشارة، ويجوز أن يكون المرادُ إنزالَ الآياتِ السابقة. وأيًّا ما كان ففيه أنَّ القرآنَ الكريم في جميعِ أبوابه كاملُ البيان لا في أَمْرِ البعث وحده. ونصب ((آيات)) على الحالِ مِن الضمير المنصوب. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ﴾﴾ بتقدير اللام، وهو متعلِّق بمحذوفٍ يقدَّر مؤخّراً؛ إفادةً للحَصْر الإضافيّ، أي: ولأنَّ اللهَ تعالى يهدي به ابتداءً، أو: يثبّت على الهدى، أو: يزيد فيه مَن يريد هدايته أو ثباتَه أو زيادتَه فيها، أنزله كذلك، أو في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: والأمرُ أنَّ اللهَ يهدي ... إلخ. وجوِّز أن يكون معطوفاً على محلِّ مفعول ((أنزلناه)) أي: وأنزلنا أنَّ اللهَ يهدي ... إلخ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: بما ذُكرَ مِن المنزِل بهدايةِ الله تعالى أو بكلِّ ما يجب أن (١) التيسير ص١٥٦، والنشر ٣٢٦/٢. سُورَةُ الحَّة ٢٦٨ الآية : ١٧ يؤمن به، ويَدخُل فيه ما ذُكرَ دخولًا أوَّلِيًّا ﴿وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئِينَ﴾ هم على ما أخرج ابنُ جرير وغيرُه عن قتادة: قومٌ يَعبدونَ الملائكةَ ويُصلُّون إلى القِبْلة، ويقرؤون الزبور (١). وفي ((القاموس))(٢): هم قومٌ يزعمونَ أنَّهم على دينٍ نوح عليه السلام وقبْلَتُهم مِن مهبِّ الشَّمالِ عند منتصفِ النهار. وفي كتاب ((الملل والنحل))(٣) الشهرستاني: أنَّ الصابئةَ كانوا على عهدِ إبراهيم عليه السلام، ويقال لمقابليهم: الحنفاء، وكانوا يقولون: إنَّا نحتاجُ في معرفةِ الله تعالى ومعرفةِ طاعته وأمرِهِ وأحكامِه جلَّ شأنه إلى متوسِّط روحانيٍّ لا جسمانيٌّ. ومدارُ مذاهبهم على التعصُّب للروحانيَّات وكانوا يعظّمونها غايةَ التعظيم ويتقرَّبون إليها، ولمَّا لم يتيسَّر لهم التقرُّب إلى أعيانها والتلقِّي منها بذواتِها، فزعت جماعةٌ إلى هياكلها وهي السبع السيّارات وبعض الثوابت، فصابئةُ الروم مفزعُها السيّارات، وصابئةُ الهند مفزعُها الثوابتُ، وربَّما نزلوا عن الهياكلِ إلى الأشخاص التي لا تَسمعُ ولا تُبُصِر ولا تغني شيئاً، والفرقةُ الأُولى هم عبدةُ الكواكب، والثانية هم عبدةُ الأصنام. وقد أفحمَ إبراهيمُ عليه السلام كلتا الفرقتَيْن، وأَلزمهم الحجّةَ. وذكر في موضع آخَر أنَّ ظهورَهم كان في أوَّل سنٍ مِن مُلْكِ طهمورث مِن ملوك (٤) الفرس(٤) . ولفظُ الصابئة عربيٍّ مِن صَبَّأَ - كمنع وكرم - صبئاً وصُبُوءاً: خرج مِن دينٍ إلى آخَر(٥). ﴿وَالنَّصَرَىُّ وَالْمَجُوسَ﴾ هم على ما روي عن قتادةَ أيضاً: قومٌ يعبدونَ الشمسَ والقمرَ والنَّيِّرانَ. واقتصر بعضُهم على وصفِهم بعبادة الشمسِ والقمر، وآخَرون على وصفِهم بعبادة النَّيِّران. وقيل: هم قومٌ اعتزلوا النصارى ولبسوا المسوحَ. وقيل: (١) تفسير الطبري ٤٨٥/١٦- ٤٨٦، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في المصنف (١٠٢٠٦)، وابن أبي حاتم ٤ /١١٧٦ (٦٦٢٨). (٢) مادة (صبأ). (٣) ٢٣٠/١-٢٣٣. (٤) الملل والنحل ٢٣٦/١. (٥) القاموس المحيط (صبأ). الآية : ١٧ ٢٦٩ سُورَةُ الحِہ قومٌ أخذوا مِن دينِ النصارى شيئاً ومِن دينِ اليهود شيئاً، وهم قائلونَ بأنَّ للعالَمِ أصلين نورٌ أو ظلمةٌ . وفي كتاب ((الملل والنحل)) ما يدلُّ على أنَّهم طوائفُ، وأنَّهم كانوا قَبْلَ اليهودِ والنصارى، وأنَّهم يقولون بالشرائع على خلافِ الصابئة، وأنَّ لهم شبهةَ كتابٍ، وأنَّهم يعظّمون النارَ، وفيه أنَّ بيوتَ النيرانِ للمجوس كثيرةٌ: فأوَّل بيتٍ بناه أفريدون بيت نارٍ بطُوس، وآخَر بمدينة بُخارى هو بردسون، واتَّخذَ بهمن بيتاً بسجستان يُدعَى كركوا، ولهم بيتُ نارٍ ببخارى أيضاً يُدعَى قبادان، وبيت نار يُسمَّى كونشه بین فارس وأصفهان بناه کیخسرو، وآخر بقومش يُسمَّی جریر، وبیت نار کیکدر بناه في مشرقِ الصين، وآخَر بأرجان مِن فارس انَّخذه أرجان جَدُّ كشتاسف، وكلُّ هذه البيوت كانت قَبْلَ زرادشت، ثم جَدَّدَ زرادشتُ بيتَ نار بنيسا بعد كشتاسف وأَمَرَ كشتاسف أن يطلب النارَ التي كان يعظّمها جمٌّ، فوجدوها بمدينة خوارزم فنقلها إلى دارٍ أبجرد، والمجوس يعظّمونها أكثرَ من غيرها، وكيخسرو لمَّا غزا أفراسياب عظَّمها وسَجَدَ لها. ويقال: إنَّ أنوشروان هو الذي نقله إلى كارشان، فتركوا بعضَها هناك؛ وحملوا بعضَها إلى نسا. وفي بلاد الروم على باب قسطنطينيَّة بيت نار اتَّخذه شابورُ بنُ أزدشير، فلم تزل كذلك إلى أيامِ المهدي. وبيت نار باسفيثا على قُربٍ مدينة السلام لبُوران بنتِ كسرى. وفي الهند والصين بيوتُ نيران أيضاً. والمجوس إنَّما يعظّمون النارَ لمعانٍ، منها أنَّها جوهرٌ شريف علويٌّ يظنُّون أنَّ ذلك ينجِّيهم مِن عذاب نارٍ يوم القيامة ولم يَدْرُوا أنَّ ذلك السببُ الأعظمُ لعذابِهم(١). اهـ. وفيه ما لا يَخفى على مَن راجع التواريخَ. وفي ((القاموس)): مَجوس، كصَبور: رجلٌ صغيرُ الأُذنين وَضَعَ دِيْناً ودعا إليه، معرَّب: ميخ كُوْش(٢). (١) الملل والنحل ٢٥٤/١-٢٥٥، وورد فيه: كويسه، بدل: كونشه. وکنكدر، بدل: كيكدر. وكشتاسب، بدل: كشتاسف. وكارثان، بدل: كارشان. وأردشير، بدل: أزدشير. وإستينيا، بدل: إسفيثا. وما ورد بين حاصرتين استدرك منه. (٢) القاموس (مجس)، وفيه: مِنْج، بدل: مِنح. وكذا وردت في تهذيب اللغة ٦٠١/١٠، واللسان (مجس). سُورَةُ الحِهُ ٢٧٠ الآية : ١٧ وفي ((الصّحاح)) المجوسيَّة: نِحْلَةٌ، والمجوسيُّ نسبةٌ إليها، والجمع: المَجُوس. قال أبو عليٍّ النحويُّ: المجوسُ واليهودُ إنَّما عرِّفا على حدٍّ يهوديِّ ويَهود، ومجوسيٍّ ومَجُوس، فجمع على قياس شعيرة وشعير، ثم عُرِّفَ الجمعُ بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخولُ الألفِ واللام عليهما؛ لأنَّها مَعْرِفتان مؤنَّثان، فجريا في كلامهم مَجرى القبيلتين، ولم يُجعلا كالحيَّيْنِ في باب الصرف، وأنشد : أحارٍ أُرِيكَ بَرْقاً هَبَّ وَهْناً كنارٍ مَجُوسَ يَسْتَعرُ اسْتِعارا(١) انتهى. وذكر بعضُهم أنَّ مجُوس معرَّبُ: موكوش، وأُطلِقَ على أولئك القوم؛ لأنَّهم كانوا يُرسِلونَ شعورَ روؤسِهم إلى آذانِهم. ونقل في ((البحر))(٢) أنَّ الميمَ بدَّلٌ مِن النون، وأطلق ذلك عليهم؛ لاستعمالهم النجاسات، وهو قولٌ لا يعوَّل عليه. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المشهور أنَّهم عبدةُ الأوثان، وقيل: ما يعمُّهم وسائر مَن عَبَدَ مع اللهِ تعالى إلهاً آخر مِن مَلَكٍ وكوكبٍ وغيرِهما ممَّن لم يَشتهر باسمٍ خاصٍّ كالصابئة والمجوس. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في حيِّز الرفع على أنَّه خبرٌ لـ ((إنَّ» السابقة، وأدخلت «إنَّ» على كلِّ واحد مِن جزئي الجملة؛ لزيادة التأكيد، کما في قولِ جرير: إنَّ الخليفةَ إنَّ اللهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ به تُرجَى الخواتِيمُ(٣) (١) اللسان (مجس)، وصدر البيت لامرئ القيس مالَطَ فيه التوأمَ اليشكريَّ، فقال اليشكريُّ النصفَ الآخَرَ من البيت. ومعنى مالَطَه: قال نصفَ بيتٍ وأتمَّه الآخَرُ، كملَّطه. القاموس (ملط). والبيت في ديوان امرئ القيس ص١٤٧ . (٢) ٣٤٦/٦. (٣) ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب ٢/ ٦٧٢، وورد فيه هكذا: يكفي الخليفة أن الله سربله سربال ملك به تُرجى الخواتيم والبيت بلفظ المصنف في خزانة الأدب ٣٦٤/١٠ إلا أنه ورد فيه: لباس، بدل: سربال، قال البغدادي: وتزجى بالزاي والجيم، والإزجاء: السَّوق. والخواتيم: جمع خاتام لغة في الخاتم. يريد إن سلاطين الآفاق يرسلون إليه خواتمهم خوفاً منه، فيضاف ملكهم إلى ملكيه. ويُروى: ترجى، بالراء المهملة، من الرجاء، وهذه الرواية أكثر من الأولى. اهـ. ،ہے الآية : ١٨ ٢٧١ سُورَةُ الدَّةُ وقيل: خبرُ ((إنَّ) الأُولى محذوفٌ، أي: مفترقون يومَ القيامة، أو نحو ذلك ممَّا يدلُّ عليه قوله سبحانه: ((إنَّ اللهَ يفصلُ بينهم)) إلخ فإنَّ قولك: إنَّ زيداً إنَّ عَمْراً يَضْرِبِه، رَدِيءٌ، والبيت لا يتعيَّن فيه حَمْلُ الجملةِ المقترنة بـ ((إنَّ) خبراً، بل يجوز أن تكون معترضةً، والخبر جملة: به تُزْجَى الخواتيمُ، ولا یخفی علیك - بعد تسلیم الرداءة - أنَّ الآيةَ ليست كالمثال المذكور؛ لطولِ الفاصل فيها . قال في ((البحر))(١): وحَسَّنَ دخولَ ((إنَّ) في الجملة الواقعة خبراً في الآية طولُ الفصلِ بالمعاطيف. وقال الزجَّاج(٢): زعم قومٌ أنَّ قولَك: إنَّ زيداً إنَّه قائمٌ، رَدِيٌ، وأنَّ هذه الآيةَ إنَّما صلحت بتقدُّم الموصول، ولا فرقَ بين الموصول وغيرِه في باب ((إنَّ)، وليس بين البصريين خلافٌ في أنَّ((إنَّ) تَدخُل على كلِّ مبتدأ وخبرٍ، فعلى هذا لا ينبغي العدولُ عن الوجه المتبادَر. والمرادُ بالفَصْلِ القضاءُ، أي: إنَّه تعالى يقضي بين المؤمنين والفِرَقِ الخمسِ المتَّفقة على الكفر؛ بإظهار المُحِقِّ مِن المبطل، وتوفية كلٌّ منهما حقَّه مِن الجزاء بإثابة المؤمنين وعقاب الفِرَقِ الآخَرين بحسَب استحقاقِ أفراد كلٍّ منهما . وقيل: المراد أنَّه تعالى يَفْصِلُ بين الفِرَقِ السِّتِّ في الأحوال والأماكن جميعاً، فلا يُجازيهم جزاءً واحداً بلا تفاوتٍ، بل يَجزي المؤمنين بما يليقُ بهم(٣) واليهودَ بما يليقُ بهم، وهكذا، ولا يَجمعهم في موطنٍ واحد، بل يجعل المؤمنين في الجنَّة، وكلَّ مِن الفِرَق الكافرةِ في طبقة مِن طبقات النار. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾﴾﴾ تعليلٌ لما قَبْله مِن الفصل، أي: إنَّه تعالى عالِم بكلِّ شيءٍ مِن الأشياء ومراقبٌ لأحواله، ومِن قضيَتَه الإحاطةُ بتفاصيل ما صَدَرَ عن كلِّ فردٍ من أفراد الفِرَق المذكورة وإجراءُ جزائه اللائقِ به عليه. وقوله تعالى: ﴿أَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُّدُ لَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ﴾ إلخ، بيانٌ لما يُوجِب الفَصْلَ المذكور مِن أعمال الفِرَق مع الإشارة إلى كيفيَّته وكونه (١) ٦/ ٣٥٩. (٢) في معاني القرآن وإعرابه ٤١٨/٣. (٣) ليست في (م). سُورَةُ الحِّهُ ٢٧٢ الآية : ١٨ بطريق التعذيبٍ والإثابة والإكرام والإهانة، وجوِّز أن يكون تنويراً؛ لكونه تعالى شهيداً على كلِّ شيء، وقيل: هوَ تقريعٌ على اختلاف الكفرة واستبعادٌ له، لوجوب الصارفِ، والمرادُ بالرؤية العِلْمُ والخطابُ لكلِّ مَن يتأتَّى منه ذلك. والمراد بالسجود دخولُ الأشياءِ تحت تسخيرِه تعالى وإرادته سبحانه وقابليتها لما يُحدِثُ فيها عزَّ وجلَّ، وظاهرُ كلامِ الآمديِّ(١) أنَّه معنى حقيقيٌّ للسجود. وفي ((مفردات)) الراغب(٢): السجود في الأصل: التطامُنُ(٣) والتذلُّل، وجُعلَ ذلك عبارةً عن التذلَّل الله تعالى وعبادِه، وهو عامٌّ في الإنسان والحيوان والجماد، وذلك ضربان: سجودٌ باختيار يكون للإنسان، وبه يستحقُّ الثوابَ. وسجودٌ بتسخيرٍ يكون للإنسان وغيرِهِ مِن الحيوانات والنباتات، وخُصَّ في الشريعة بالركن المعروفِ مِن الصلاة وما جَرى مجراه مِن سجود التلاوة وسجود الشكر. انتهى. وذكر بعضُهم أنَّه كما خُصَّ في الشريعة بذلك خُصَّ في عُرف اللغة به. وقال ابنُّ كمال: إنَّ حقيقتَه على ما نصَّ عليه في ((المجمل)) (٤): وَضْعُ الرأسِ. وقال العلّامة الثاني: حقيقتُه: وَضْعُ الجبهةِ لا الرأسِ، حتى لو وَضَعَ الرأسَ مِن جانب القَفا لم يكن ساجداً. وعلى هذين القولَين - على عِلَّاتِهما - قيل: السجود هنا مجازٌ عن الدخول تحتَ تسخيرِه تعالى والانقياد لإرادته سبحانه، وجوّز أن يكونَ مجازاً عن دلالةِ لسانِ حال الأشياء - بذلَّتها وافتقارِها - على صانِعها وعظمتِهِ، جلَّت عظمتُه، ووجه التنوير على هذا ظاهرٌ، وكذا التقريعُ على الاختلاف. و ((من)) إمَّا خاصَّة بالعقلاء، وإمَّا عامَّة لهم ولغيرهم بطريق التغليبِ، وهو الأَولى؛ لأنَّه الأنسبُ بالمقام؛ لإفادته شمولَ الحكم لكلِّ ما فيهما بطريقِ القرار فيهما أو بطريقِ الجزئيَّة منهما، ويكون قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ﴾ إفراداً لها بالذِّكْر؛ لشهرتها، واستبعادُ ذلك منها بحسَب الظاهر في بادئٍ النظر القاصر كما قيل، أو لأنَّها قد (١) الإحكام في أصول الأحكام ٢٩٨/١. (٢) مادة: (سجد). (٣) التطامن: السكون أو الانخفاض. المعجم الوسيط (طمن). (٤) لعلَّه يريد: مجمل اللغة لابن فارس، والكلام فيه ٤٨٦/٢ (سجد) بنحوه. الآية : ١٨ ٢٧٣ سُورَةُ الحَّةُ ◌ُبدَت مِن دونِ الله تعالى إمَّا باعتبار شخصِها أو جنسِها؛ فالشمسُ عَبَدَتْها حِمْيَر، والقمرُ عَبَدَتْه كنانةُ، وعَبَدَ الدَّبَرانِ - مِن النجوم - تميم، والشِّعْرى لَخْم وقريش، والثريًّا طَيِّئ، وعطارد أَسْد، والمِرْزَم(١) ربيعة، وعَبَدَ أكثرُ العربِ الأصنامَ المنحوتة مِن الجبال، وعَبَدَتْ غطفان العُزَّى وهي سَمُرَةٌ، واحدة السَّمُر: شجرٌ معروفٌ، ومِن الناس مَن عَبَدَ البقرَ. وقرأ الزهريُّ، وابنُ وثَّاب: ((الدَّوَابُ)) بتخفيفِ الباءِ (٢). وخصَّ ابنُ جنِّي في ((المحتسب))(٣) هذه القراءةَ بالزهريِّ، وقال: لا أعلم من خفَّفها سواه، وهو قليلٌ ضعيفٌ قياساً وسماعاً؛ لأنَّ التقاءَ الساكنين على حدِّه، وعذرُه كراهةُ التضعيف، ولذا قالوا في: ظَلِلْت: ظَلْت، وقالوا: جَان، بالتخفيف، وذكر له نظائر كثيرة. وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ قيل: مرفوعٌ بفعل مضمَر يدلُّ عليه المذكور، أي: ويسجدُ له كثيرٌ من الناسِ سجودَ الطاعةِ المعروف. واعتُرض بأنَّه صرَّح في ((المغني))(٤) بأنَّ شرطَ الدليل اللفظي على المحذوفِ أن يكون طِبْقَه لفظاً ومعنّى، أو معنَى لا لفظاً فقط، فلا يجوز: زيدٌ ضاربٌ وعمرٌو، على أنَّ خبرَ عمرو محذوفٌ، وهو ضارب من الضَّرْب في الأرض، أي: مسافرٌ، والمذكور بمعناه المعروف. وأجاب الخفاجيّ(٥) بأنَّ ما ذكر غيرُ مسلَّم؛ لما ذكره النحاةُ مِن أنَّ المقدَّر قد يكون لازماً للمذكور نحو: زيداً ضربتُ غلامَه، أي: أهنتُ زيداً، ولا يكون مُشتركاً كالمثال المذكور، إلا أن يكون بينهما ملاءَمةٌ فيصحُ إذا اتَّحَدا لفظاً، وكان مِن المشترك، وبينهما ملازمةٌ تدلُّ على المقدَّر، ولذا لم یصحّ المثال المذكور. انتھی. وعَطَفه بعضُهم على المذكوراتِ قَبْلَه وجعلَ السجودَ بالنسبة إليه بمعنى السجودِ المعروف، وفيما تقدَّم بمعنى الدخول تحتِ التسخير، أو الدلالة على عَظَمةِ الصانع (١) المِرْزمان: نجمان مع الشِّعْرَيْن. القاموس (رزم). (٢) المحتسب ٧٦/٢، والبحر المحيط ٣٥٩/٦. (٣) ٧٦/٢. (٤) مغني اللبيب ص ٧٩٠. (٥) حاشية الشهاب ٢٨٨/٦. سورة الحِهُ ٢٧٤ الآية : ١٨ جلَّ شأنه، واستدلَّ بذلك على جوازٍ استعمال المشترك في معنيَيْه، أو استعمالٍ اللفظ في حقيقته ومجازِهِ، والجواب ما علمتَ، ولا يجوز العطفُ وجعلُ السجودِ في الجميعِ بمعنى الدخول تحتَ التسخير أو الدلالةِ على العظمة؛ لأنَّ ذلك عامٌّ لجميع الناس، فلا يليقُ حينئذٍ ذِكْر ((كثير))، وغيرُ العامّ إنَّما هو السجودُ بالمعنى المعروف فيفيدُ ذِكْرَ ((كثير)) إذا أُريد أنَّ منهم مَن لم يتَّصف بذلك، وهو كذلك. وما قيل: إنَّه يجوز أن يكون تخصيصُ الكثيرِ على إرادة السجود العامِّ؛ للدلالةِ على شَرَفهم والتنويه بهم، ليس بشيء، إذ كيف يتأتَّى التنويهُ وقد قُرنَ بهم غيرُ العقلاءِ کالدوابٌّ. وقال ابنُّ كمال: تمسُّك مَن جوَّز حَمْلَ المشتركِ في استعمال واحدٍ على أكثر مِن معنّى بقوله تعالى: ((أَلَم تَرَ أنَّ اللهَ يَسجُد له مَن في السمواتِ ومَن في الأرضِ)) الآية، بناء على أنَّ المرادَ بالسجود المنسوبِ إلى غير العقلاء الانقيادُ؛ لتعذُّر السجودِ المعهود في حقِّه، ومِن المنسوب إليهم ما هو المعهود دونَ الانقياد؛ لأنَّه شاملٌ للكلِّ غيرُ مخصوص بالكثير، ولا متمسَّكَ لهم في ذلك؛ لأنَّ كلَّا مِن التعليلين في مَعرِض المنع، أمَّا الأوَّل؛ فلأَنَّ حقيقةَ السجود وَضْعُ الرأس، لا تعذّر في نسبته إلى غيرِ العقلاء، ولا حاجةً إلى إثبات حقيقة الرأس في الكلِّ؛ لأنَّ التغليبَ سائغٌ شائع. وأمَّا الثاني؛ فلأَنَّ الكفار - لا سيمًا المتكبِّرِين منهم - لا حظّ لهم مِن الانقياد، لأنَّ المرادَ منه الإطاعةُ بما ورد في حقِّه مِن الأمر - تكليفيًّا كان أو تكوينًّا - على وجهٍ وَرَدَ به الأمرُ، وتقدير فِعْلٍ آخَر في هذا المقام مِن ضِيْق العَطَن كما لا يخَفى على أرباب الفطن. انتهى. وفيه القولُ بجواز العطفِ على كلا معنيي (١) السجودِ وَضْعِ الرأسِ والانقيادِ، وبيان فائدة تخصيص الكثير على الثاني، ولا يخفى أن المتبادرَ مِن معتبرات کتب اللغة أنَّ السجودَ حقيقةٌ لغويَّةٌ في الخضوع مطلقاً، وأنَّ ما ذكره مِن حديث التغليب خلافُ الظاهر، وكذا حَمْلُ الانقيادِ على ما ذكره، وقد أخذ - رحمه الله تعالى - كلا المعنيين مِن ((التوضيح))، وقد أسقط ممَّا فيه ما عنه غنّى، وما زعم أنَّه (١) في (م): معنى. الآية : ١٨ ٢٧٥ سُورَةُ الحَّة مِن ضيْق العَطَن هو الذي ذهب إليه أكثرُ القوم، وعليه يكون ((من الناس)) صفة (كثير))، وأوردَ أنَّه حينئذٍ يَرِدُ أنَّ سجودَ الطاعةِ المعروفَ لا يختصُّ بكثيرٍ مِن الناس، فإنَّ كثيراً مِن الجنِّ متَّصف به أيضاً، وكونهم غيرَ مكلَّفين خلافُ القول الأصحِّ. نعم يمكن أن يقال: إنَّهم لم يكونوا مأمورينَ بالسجود عندِ نزول الآية، وعلى مدَّعيه البيانُ، والقولُ بأنَّه يجوز أن يُرادَ بالناس ما يعمُّ الجنَّ، فإنَّه يُطلَق عليه حسَب إطلاق النَّفَرِ والرجالِ عليهم، ليس بشيءٍ. ومِن الناس من أجابَ عن ذلك بأنَّ ((يسجد)) المقدَّر داخلٌ في الرؤية، وقد قالوا: المرادُ بها العِلْمُ والتعبيرُ بها عنه؛ للإشعار بظهور المعلوم، وظهور السجودِ بمعنى الدخولِ تحتَ التسخير في الأشياء المنسوب هو إليها ممَّا لا سترةَ عليه، وكذا ظهورُه بمعنى السجودِ المعروفِ في كثير من الناس، وأمَّا في الجنِّ فليس کذلك، فلذا وصف الکثیر بكونه مِن الناس. وتعقِّب بأنَّ الخطابَ في ((ألم تَرَ)) لمن يتأتَّى منه ذلك، ولا سترةَ في ظهور أمرٍ السجود مطلقاً بالنسبة إليه. وردًّ بأنَّ مرادَ المجيب أنَّ سجودَ الجنِّ ليس بظاهر في نفسِ الأمر، ومع قَطْعِ النظر عن المخاطب - كائناً مَن كان - ظهورُ دخولِ الأشياء المذكورة أوَّلًا تحت التسخيرِ بخلاف سجودٍ كثير مِن الناس، فإنَّه ظاهرٌ ظهورَ ذلك في نفس الأمرِ، فخصَّ الكثير بكونه مِن الناس؛ ليكونَ الداخلُ في حيِّز الرؤية مِن صُفْعٍ واحد مِن الظهور في نفسٍ الأمر. وقيل: المقام يقتضي تكثيرَ الرائين لما يذكر في حيِّز الرؤية، والتخصيصُ أوفقُ بذلك، فلذا خصَّ الكثير بكونهم مِن الناس، والكلُّ كما ترى، والأولى أن يقال: تخصيصُ الكثير مِن الناس بنسبة السجودِ بالمعنى المعروف إليهم على القولِ بأنَّ كثيراً من الجنِّ كذلك؛ للتنويه بهم، ولا يردُ عليه ما مرَّ؛ لأنَّه لم يقرنْ بهم في هذا السجود غيرَ العقلاء، فتأمَّل. وقيل: إنَّ (كثير)) مرفوعٌ على الابتداءِ، حُذِفَ خبرُه؛ ثقةً بدلالة خبرٍ قسيمه عليه، نحو: حُقَّ له الثوابُ، ويفيد الكلامُ كثرة الفريقين، والأوَّل أولى؛ لما فيه مِن الترغيب في السجود والطاعةِ للحقِّ المعبود. سُورَةُ الحِهُ ٢٧٦ الآية : ١٨ وجوّز أن يكون ((كثير)) مبتدأً، و((من الناس)) خبرَه، والتعريف فيه للحقيقة والجنسِ، أي: وكثيرٌ مِن الناس الذين هم الناسُ على الحقيقة، وهم الصالحون المتَّقون. وقال الراغبُ: قد يُذكَر الناسُ ويُراد به الفضلاءُ دونَ مَن يتناوله اسمُ الناس تجوُّزاً، وذلك إذا اعتُبر معنى الإنسانيَّة، وهو وجودُ العقل والذِّكْر وسائرِ القوى المختصَّة به، فإنَّ كلَّ شيءٍ عُدمَ فِعْلُه المختصُّ به لا يكادُ يستحقُّ اسمَه. والمخصِّص للمبتدأ النكرة أنَّه صفةُ محذوفٍ بالحقيقة على أنَّ المعادلة مِن المخصّصات إذا قلت: رجالٌ مكرمون، ورجالٌ مهانون، لأنَّه تفصيل مُجمَل، فهو موصوف تقديراً، ولأنَّ كلَّا مِن المقابلين موصوفٌ بمغايرة الآخَرِ، فهذا داخلٌ في الوصف المعنويِّ. وأن يكون ((كثير)) مبتدأ، و((من الناسِ)) صفتَه، وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرُ﴾ معطوف عليه، وقولُه سبحانه: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: ثبت وتقرَّر، خبرٌ، ويكون الكلامُ على حدٍّ قولك: عندي ألفٌ وألفٌ، أي: ألوف كثيرة، ومثله شائعٌ في كلامهم فيفيدُ كثرةَ مَن حقَّ عليه العذابُ مِن الناس، وهذان الوجهان بعيدان، وقال في ((البحر))(١): ضعيفان. والظاهر أنَّ ((كثير)) الثاني مبتدأٌ، والجملة بعده خبرُه، وقد أُقيمت مقامَ: لا يسجد، فكأنَّه قيل: ويسجد كثيرٌ مِن الناسِ ولا يسجد كثيرٌ منهم، ولا يَخفى ما في تلك الإقامة مِن الترهيب عن تَرْكِ السجود والطاعة، ولا يَخفى ما في عدمِ التصريح بتقييد الكثير بكونه مِن الناس مما يقوِّي دعوى أنَّ التقييدَ فيما تقدَّم للتنويه، وحَمْلُ عدمِ التقييد ليعمَّ الكثيرَ مِن الجنِّ خلافُ الظاهرِ جدًّا. وجوّز أن يكون معطوفاً على ((مَن)) والسجود بأحدِ المعنيينِ السابقين، وجملةٌ (حقَّ)) إلخ، صفته، ويقدَّر وصفٌ لـ ((كثير)) الأوَّل بقرينة مقابله، أي: حقَّ له الثوابُ، و((من الناس)) صفةٌ له أيضاً، ولا يَخفى ما فيه. (١) البحر المحيط ٣٥٩/٦. الآية : ١٩ ٢٧٧ سُورَةُ الحِه وقرئ: (حُقَّ) بضمِّ الحاءِ (١)، و((حقًّا))(٢) أي: حُقَّ عليه العذابُ حقًّا، فهو مصدرٌ مؤكِّد لمضمونِ الجملة. ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ بأَنْ كَتَبَ اللهُ تعالى عليه الشقاءَ حسبما استعدَّت له ذاتُه مِن الشَّرِّ، و((مَن)) مفعول مقدَّر لـ ((يُهِن)) ﴿فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِيمٍ﴾ يُكرِمه بالسعادة. وقرأ ابنُ أبي عبلة: ((مُكرَم)) بفتح الراء(٣)، على أنَّه مصدر ميميٍّ، كما في ((القاموس))(٤)، أي: ممَّا له إكرام، وقيل: اسمُ مفعول بمعنى المصدر، ولا حاجةً إلى التزامه، وقيل: يجوز أن يكون باقياً على ما هو الشائع في هذه الصيغة مِن كونه اسمَ مفعول، والمعنى: ما له مَن يُكرم ويَشفَعُ فيه ليخلصَ مِن الإهانة. ولا يخفى بُعْدُه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾﴾ مِن الأشياء التي مِن جملتها الإكرامُ والإهانة، وهذا أَولى مِن تخصيص ((ما)) بقرينة السياقِ بهما . ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ تعيينٌ لطرفَي الخصام وتحريرٌ لمحلِّه، فالمراد بـ ((هذان)) فريقُ المؤمنين، وفريقُ الكفرة المنقسم إلى الفِرَق الخمس. وروي عن ابنٍ عباس ﴿ها، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وعاصم، والكلبيِّ ما يؤيِّد ذلك، وبه يتعيَّن كونُ الفصلِ السابق بين المؤمنين ومجموعٍ مَن عُطفَ عليهم، ولمَّا كَان كلُّ خصم فريقاً يَجمعُ طائفةً، جاء: ((اختصموا)) بصيغةِ الجمع. وقرأ ابن أبي عبلة: ((اختصما))(٥)؛ مراعاةً للفظ: ((خصمان))، وهو تثنيةُ: خَصْم، وذكروا أنَّه في الأصل مصدرٌ يستوي فيه الواحدُ المذكَّر وغيرُه، قال أبو البقاء(٦): وأكثرُ الاستعمال توحيدُه، فمن ثنَّاه وجمعَه حَمَلَه على الصفاتِ والأسماء. (١) البحر المحيط ٣٥٩/٦، والكشاف ٩/٣. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٤، والبحر المحيط ٣٥٩/٦. (٣) القراءات الشاذة ص٩٤، والبحر المحيط ٣٥٩/٦. (٤) مادة (كرم). (٥) البحر المحيط ٣٦٠/٦. (٦) الإملاء ٣٢/٤. سُورَةُ الحَى ٢٧٨ الآية : ١٩ وعن الكسائيّ أنَّه قرأ: ((خِصْمان)) بكسر الخاء (١)، ومعنى اختصامهم في ربِّهم اختصامُهم في شأنه عزَّ شأنه، وقيل: في دِيْنه، وقيل: في ذاته وصفاتِهِ، والكلُّ مِن شؤونه تعالى، واعتقادُ كلٍّ مِن الفريقين حقيَّةً ما هو عليه وبطلانَ ما عليه صاحبُه، وبناء أقوالِهِ وأفعالِه عليه يكفي في تحقّق خصومتِه للفريق الآخَر ولا يتوقّف عن التحاور. وأخرج ابنُ جرير، وابنُ مردويه، عن ابنِ عبَّاس أنَّه قال: تخاصمتِ المؤمنون واليهودُ، فقالت اليهودُ: نحنُ أَولى بالله تعالى وأَقدمُ منكم كتاباً ونَبِيُّنا قبل نبيِّكم. وقال المؤمنونَ: نحنُ أحقُّ بالله تعالى آمنًا بمحمَّد ◌َّهِ وآمنًّا بنبيِّكم وبما أنزل اللهُ تعالى مِن كتاب، وأنتم تعرفونَ كتابَنا ونبيّنا، ثم تركتُموه وكفرتُم به حسداً، فنزلت(٢). وأخرج جماعة عن قتادةً نحوَ ذلك(٣). واعتُرض بأنَّ الخصامَ على هذا ليس في الله تعالى بل في أيِّهما أقرب منه عزَّ شأنُه؟ وأجيب بأنَّه يستلزم ذلك، وهو كما ترى. وقيل عليه أيضاً: إنَّ تخصيصَ اليهود خلافُ مساقِ الكلام في هذا المقام. وفي ((الكشف)» قالوا: إنَّ هذا لا ينافي ما روي عن ابنِ عبَّاس مِن أنَّ الآيةَ ترجعُ إلى أهلِ الأديان الستّة في التحقيق؛ لأنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأخرج البخاريُّ، ومسلم، والترمذيُّ، وابنُ ماجه، والطبرانيُّ، وغيرُهم عن أبي ذرِّ رَظَّهِ أَّه كان يُقسِم قَسَماً أنَّ هذه الآية: ((هذانِ خَصْمان)) إلى قوله تعالى: (إنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيْد)) نزلت في الثلاثةِ والثلاثةِ الذين بارزوا يومَ بدر، وهم: حمزةُ بنُ عبدِ المطلب وعُبَيْدةُ بنُ الحارث وعليُّ بنُ أبي طالب، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةً والوليدُ بنُ عتبة (٤). وأنتَ تُعلَم أنَّ هذا الاختصامَ ليس اختصاماً في الله تعالى، بل منشؤه ذلك، فتأمَّل ولا تَغفل. (١) القراءات الشاذة ص ٩٤، والبحر المحيط ٣٦٠/٦. (٢) الدر المنثور ٣٤٩/٤، وتفسير الطبري ٤٩١/١٦. (٣) الدر المنثور ٣٤٩/٤ وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم [في التفسير ٨/ ٢٤٨٠ (١٣٨١٩)]. (٤) البخاري (٣٩٦٩)، ومسلم (٣٠٣٣)، وابن ماجه (٢٨٣٥)، والطبراني في الكبير (٢٩٥٤)، = الآية : ١٩ ٢٧٩ سُورَةُ الحَّةُ وأمَّا ما قيل مِن أنَّ المرادَ بهذين الخصمين الجنَّةُ والنارُ، فلا ينبغي أن يختلفَ في عدم قبوله خصمان أو ينتطحَ فیه کبشان. وفي الكلام - كما قال غيرُ واحد - تقسيمٌ وجمعٌ وتفريقٌ، فالتقسيمُ: ((إن الذينَ آمنوا)) إلى قوله تعالى: ((والذين أشركوا))، والجمع: ((إنَّ اللهَ يَفصِلُ بينهم)) إلى قوله تعالى: ((هذانِ خصمانِ اختصمُوا في ربِّهم)»، والتفريق في قوله سبحانه: ﴿قَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَمُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَّارٍ﴾ إلخ، أي: أعدَّ لهم ذلك، وكأنَّه شبَّه إعدادَ النار المحيطة بهم بتقطيعِ ثيابٍ وتفصيلها لهم على قَدْرِ جُثَئهم، ففي الكلام استعارةٌ تمثيليَّة تهكميَّة، وليس هناك تقطيعٌ ولا ثيابٌ حقيقةً، وكأنَّ جَمْعَ الثياب؛ للإيذان بتراكم النار المحيطة بهم، وكون بعضها فوقَ بعض. وجوّز أن يكون ذلك لمقابلة الجمع بالجمع، والأوَّل أبلغُ، وعبَّر بالماضي؛ لأنَّ الإعداد قد وقعَ، فليس مِن التعبير بالماضي؛ لتحقُّقه كما في: ﴿نُفِّخَ فِ الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١]. وأخرج جماعةٌ عن سعيدِ بنِ جبير أنَّ هذه الثيابَ مِن نحاسٍ مذابٍ، وليس شيءٌ حُمِّيَ في النار أشدَّ حرارةً منه(١). فليست الثيابُ مِن نفس النار، بل مِن شيء يُشْبِهِها، وتكون هذه الثياب كسوةً لهم، وما أقبحها كسوةً. ولذا قال وهب: يُكسَى أهلُ النار، والعُرِيُّ خيرٌ لهم. وقرأ الزعفرانيُّ في اختياره: ((قُطِعَتْ)) بالتخفيف(٢)، والتشديدُ أبلغ. ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾﴾ أي: الماءُ الحارُّ الذي انتهت حرارتُه، وعن ابنِ عباس ﴾: لو سقط مِن الحميم نقطةٌ على جبالِ الدنيا لأَذابَتْها. وفسّره ابنُ جبير بالنحاس المذاب، والمشهور التفسيرُ السابق، ولعلَّه إنَّما جِيْءَ بـ ((من)) لِيُؤْذِن بشدّة الوقوع، والجملة مستأنفةٌ، أو خبرٌ ثانٍ للموصول، أو في موضع الحال = ولم نقف عليه عند الترمذي، وعزاه إليه السيوطي في الدر المنثور ٣٤٨/٤، فلعلَّ المصنّف نقله عنه . (١) تفسير الطبري ٤٩٤/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٨١/٨ (١٣٨٢٠). (٢) البحر المحيط ٣٦٠/٦، والكشاف ٩/٣. سُورَةُ الحَهُ ٢٨٠ الآية : ٢٠ المقدَّرة مِن ضميرٍ ((لهم)). ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ أي: يُذاب ﴿مَا فِىِ بُطُونِهِمْ﴾ مِن الأمعاء والأحشاء. وأخرج عبدُ بنُ حميد، والترمذيُّ وصحَّحه، وعبدُ الله بنُ أحمدَ في ((زوائد الزهد)»، وجماعةٌ، عن أبي هريرة أنَّه تلا هذه الآيةَ فقال: سمعتُ رسولَ الله وَهل يقول: ((إنَّ الحميمَ ليُصَبُّ على رؤوسهم فينفذُ الجُمْجُمَةَ حتى يَخْلُصَ إلى جوفِه، فيَسْلُتُ ما في جوفه حتى يمرقَ إلى قدمَيْه وهو الصهرُ، ثم يعاد كما كان))(١). وقرأ الحسنُ وفرقةٌ: ((يُصَهَّر)) بفتح الصاد وتشديد الهاء(٢). عطف علی «ما)»، وتأخیرُه عنه، قيل: والظاهر أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَالْجُلُودُ إمَّا لمراعاة الفواصل، أو للإشعار بغاية شدَّة الحرارة، بإيهام أنَّ تأثيرَها في الباطن أقدمُ مِن تأثيرِها في الظاهر، مع أنَّ ملابستها على العكس، وقيل: إنَّ التأثيرَ في الظاهر غنيٌّ عن البيان، وإنَّما ذكر؛ للإشارة إلى تساويهما، ولذا قُدِّمَ الباطنُ؛ لأنَّه المقصودُ الأهمُّ، وقيل: التقدير: ويَحرق الجلودَ؛ لأنَّ الجلودَ لا تُذاب وإنمَّا تجتمع على النار وتَنكمِشُ. وفي ((البحر))(٣) أنَّ هذا مِن باب: عَلَفْتُها تِبْناً وماءً باردا(٤) وقال بعضُهم: لا حاجةَ إلى التزام ذلك، فإنَّ أحوالَ تلك النشأة أمرٌ آخَر، وقيل: (يُصَر)) بمعنى يَنْضَجُ، وأنشد: تَصْهَرُه الشمسُ ولا يَنْصَهِر (٥) (١) الدر المنثور ٣٤٩/٤، والترمذي (٢٥٨٢)، وأحمد (٨٨٦٤)، والزهد لابن المبارك (٣١٣ زوائد نعيم)، ومستدرك الحاكم ٣٨٧/٢، وحلية الأولياء ١٨٢/٨. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٤، والبحر المحيط ٦/ ٣٦٠. (٣) ٣٦٠/٦. (٤) سلف ٥/ ٢٩١. (٥) عجزُ بيتٍ لابن أحمر يصف فرخَ قطاة، وصدره: تَروي لقّى أُلقيَ في صَفْصَفٍ والبيت في الأضداد للأنباري ص ١٦٥، واللَّقَى: الشيء الملقى الذي لا يلتفتُ إليه، فشبّه الفرخ به. ومعنى تروي: تسقي.