Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٩٨ ٢٠١ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وهو وأمثالهُ المعوَّل عليهم في أمثال ذلك، فلا ينبغي الاغترارُ بذكرِه في (إحكام)) الآمديِّ، و((شرح المواقف))، و((فصول البدائع)) للفناري وغير ذلك مما لا يُحصى كثرةً: فماءٌ ولا كَصَدَّاء(١)، ومرعَى ولا كالسَّعْدَان(٢). وأورد على القول بأنَّ العمومَ بدلالة النصِّ والتخصيص بما نزل بعد حديث الخلاف في التخصيص بالمستقلِّ المتراخي، ويُعلَم الجوابُ عنه ممَّا تقدَّم، وقيل هنا زيادة على ذلك: إنَّ ذلك ليس من تخصيصِ العامِّ المختلف فيه؛ لأنَّ العامَّ هناك هو اللفظُ الواحد الدالُّ على مسمَّيين فصاعداً مطلقاً معاً، وهو ظاهرٌ فيما فيه الدلالةُ عبارة، والعموم هنا إنَّما فهم مِن دلالة النصِّ، ولا يخفى أنَّ الأَمْرَ المانعَ مِن التأخير ظاهرٌ في عدم الفرق، فتدبّر، فالمقام حريٌّ به. والحَصَب: ما يُرمَى به وتَهيجُ به النار، مِن حَصَبه: إذا رماهُ بالحَصْباء، وهي: صغارُ الحجارة، فهو خاصٌّ وَضْعًا، عامٌّ استعمالًا. وعن ابنِ عباس أنَّه الحَطَب بالزنجيَّة . وقرأ عليٍّ، وأبيٌّ، وعائشةُ وابنُ الزبير، وزيدُ بنُ عليٍّ ◌ِّه: ((حَطَبُ)) بالطاء(٣). وقرأ ابنُ السَّمَيفع، وابنُ أبي عبلة، ومحبوبٌ، وأبو حاتم عن ابنٍ كثير: ((حَصْبُ)) بإسكان الصاد، ورويت عن ابنِ عباس ﴾(٤)، وهو مصدرٌ وُصف به؛ للمبالغة، وفي رواية أخرى عنه أنَّه قرأ: ((حَضَب)) بالضادَ المعجمة المفتوحة، وجاء عنه أيضاً إسكانها، وبه قرأ كُثَيِّرُ عزَّةٍ(٥)، ومعنى الكلِّ واحدٌ، وهو معنى الحصب بالصاد. ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ﴿®﴾ استئناف نَحْويُّ مؤكِّد لما قبله، أو بدلٌ مِن («حصبُ جهنّم))، وتُبدل الجملةُ مِن المفرد، ولا يضرُّ كونه في حكم النتيجة، وجوَّز (١) قال المفضَّل: صدَّاء: ركيَّة لم يكن عندهم ماءٌ أعذب من مائها. مجمع الأمثال للميداني ٢٧٧/٢. (٢) قال بعض الرواة: السعدان أخثرُ العشب لبناً، وإذا خَثَر لبنُ الراعية كان أفضلَ ما يكون وأطيبَ وأدسمَ ... مجمع الأمثال للميداني ٢٧٥/٢ -٢٧٦ . (٣) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٦٧/٢، والبحر المحيط ٣٤٠/٦. (٤) المحتسب ٦٦/٢، والبحر المحيط ٣٤٠/٦. (٥) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٦٦/٢، والبحر المحيط ٣٤٠/٦. سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ ٢٠٢ الآية : ٩٩، ١٠٠ أبو البقاءِ (١) كونَ الجملة حالًا مِن ((جهنّم))، وهو كما ترى، واللام معوضة مِن ((على))؛ للدلالة على الاختصاص، وأنَّ ورودَهم لأجلها، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الأصلَ تعدِّي الورودِ إلى ذلك بـ ((على))، كما أشار إليه في ((القاموس)»(٢) بتفسيره بالإشراف على الماء، وهو في الاستعمال كثيرٌ، وإلا فقد قيل: إنَّه متعدٍّ بنفسِه، كما في قوله تعالى: ((وَرَدُوها)) فاللامُ للتقوية، لكونِ المعمول مقدَّماً، والعامل فرعيٌّ، وقيل: إنَّ اللامَ بمعنى ((إلى)) كما في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، وليس بذلك. والظاهر أنَّ الورودَ هنا ورودُ دخولٍ، والخطاب للكفرة وما يَعبدون؛ تغليباً . ﴿لَوْ كَانَ هَكُلَاءِ مَالِهَةٌ﴾ كما تزعمون أيُّها العابدون إيَّاها ﴿مَّا وَرَدُوهَا﴾ وحيث تبيَّن ورودُهم إيَّاها على أتمّ وجهٍ حيث إنَّهم حَصَبُ جهنّم، امتنع كونُهم آلهةً بالضرورة، وهذا ظاهر في أنَّ المرادَ ممَّا يعبدون الأصنام لا الشياطين؛ لأنَّ المرادَ به إثباتُ نقيضٍ ما يدَّعونه، وهم يدَّعون إلهيّة الأصنام لا إلهَّتها حتى يحتجَّ بورودها النارَ على عدمها، نعم الشياطينُ التي تُعبَد داخلٌ في حكم النصِّ بطريق الدلالة، فلا تغفل. ﴿وَكُلٌّ﴾ُ مِن العبدةِ والمعبودين ﴿فِيهَا خَالِدُونَ ﴾﴾ باقونَ إلى الأبد ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ هو صوتُ نَفَسِ المغموم يخرجُ مِن أقصى الجوف، وأصل الزَّفْر، كما قال الراغبُ (٣): ترديدُ النَّفَسِ حتى تنتفخَ منه الضلوعُ. والظاهر أنَّ ضميرَ ((لهم)) للكلِّ أعني: العبدةَ والمعبودينَ، وفيه تغليبُ العقلاءِ على غيرهم مِن الأصنام، حيث جيءَ بضميرِ العقلاء راجعاً إلى الكلِّ، ويجري ذلك في ((خالدون)) أيضاً، وكذا غلِّب مَن يتأتّى منه الزفيرُ ممَّن فيه حياةٌ على غيرِهِ مِن الأصنام أيضاً حيث نَسبَ الزفيرَ للجميع، وجوّز أن يَجعل اللهُ تعالى للأصنام التي عُبدَت حياةً، فيكون حالُها حالَ مَن معها، ولها ما لهم، فلا تغليبَ، وقيل: الضمير للمخاطبين في ((إنَّكم)) خاصَّة على سبيل الالتفاتِ، فلا حاجةً إلى القول بالتغلیب أصلًا . (١) الإملاء ٤ / ١٧. (٢) مادة (ورد). (٣) مفرادات ألفاظ القرآن (زفر). الآية : ١٠١ ٢٠٣ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ورُدَّ بأنَّه يُوجب تنافرَ النظم الكريم، أَلَا ترى قولَه تعالى: ((أنتم لها واردون)) كيف جمعَ بينهم؛ تغليباً للمخاطبين، فلو خصَّ ((لهم فيها زفير)) لزمَ التفكيكُ. وكذا الكلامُ في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴾ أي: لا يَسمَعُ بعضُهم زفيرَ بعضٍ؛ لشدَّة الهولِ وفظاعة العذابِ على ما قيل، وقيل: لا يَسمعونَ لونودي عليهم؛ لشدَّة زفيرِهم. وقيل: لا يسمعونَ ما يُسرُّهم مِن الكلام، إذ لا يُكلَّمون إلا بما يكرهون، وقيل: إنَّهم يُبْتَلونَ بالصَّمم حقيقةً؛ لظاهرِ قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبَكْمًا وَصُمَّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهو كما ترى، وذكر في حكمةِ إدخال المشركينَ النارَ مع معبوداتِهم أنَّها زيادةُ غمِّهم برؤيتهم إِيَّاها معذَّةً مثلَهم، وقد كانوا يرجونَ شفاعتها، وقيل: زيادةُ غمِّهم برؤيتها معهم وهي السبب في عذابهم، فقد قيل: واحتمالُ الأذى ورؤيةُ جانِيـ ـه غذاءٌ تَضْنَى به الأجسامُ(١) وظاهرُ بعضِ الأخبار أنَّ نهايةَ المخلَّدين أنْ لا يرى بعضُهم بعضاً، فقد روى ابنُ جرير، وجماعةٌ، عن ابنٍ مسعود أنَّه قال: إذا بقيَ في النار مَن يخلَّد فيها جُعلوا في توابيتَ مِن حديدٍ، فيها مساميرُ مِن حديد، ثم جُعلت تلك التوابيتُ في توابيتَ مِن حديدٍ، ثم قذفوا في أسفلِ الجحيم، فما يرى أحدُهم أنَّه يعذَّب في النار غيرُهُ(٢)، ثم قرأ الآية: ((لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون))(٢). ومنه يُعلَم قولٌ آخَرُ في ((لا يسمعون))، والله تعالى أعلم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ﴾ أي: الخصلة المفضّلة في الحُسْنِ وهي السعادةُ، وقيل: التوفيقُ للطاعة، والمراد مِن سبق ذلك تقديرُه في الأَزَل، وقيل: الحسنى: الكلمة الحسنى، وهي المتضمِّنة للبشارة بثوابِهم وشكرِ أعمالهم، والمراد مِن سَبْق ذلك تقدُّمه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ كَثِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] وهو خلافُ الظاهر، والظاهر أنَّ المرادَ مِن الموصول كلُّ مَن اتَّصف بعنوان الصلَة، وخصوص السببٍ لا يخصّص، (١) القائل: المتنبي، والبيت في ديوانه ٢١٦/٤، وورد فيه: تضوى، بدل: تضنى. (٢) الدر المنثور ٣٣٩/٤، وتفسير الطبري ٤١٥/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٦٨/٨ (١٣٧٣٣)، والطبراني في الكبير (٩٠٨٧)، والبيهقي في البعث والنشور (٦٥٦). سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٢٠٤ الآية : ١٠٢ وما ذكر في بعض الآثار مِن تفسيره بعيسى وعُزَير والملائكةِ عليهم السلام، فهو مِن الاقتصار على بعضٍ أفراد العامِّ حيث إنه السبب في النزول، وينبغي أن يُجعَل مِن باب الاقتصار ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، عن محمَّد بنِ حاطب، عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنَّه فسَّر الموصولَ بعثمان وأصحابِهِ ثُه(١). وروى ابنُ أبي حاتم وجماعةٌ، عن النعمان بنِ بشير، أنَّ عليًّا - كرَّم الله وجهَه - قَرَأَ الآيةَ فقال: أنا منهم، وعمرُ منهم، وعثمانُ منهم، والزبيرُ منهم، وطلحةُ منهم، وسعدٌ وعبدُ الرحمن منهم. كذا رأيته في ((الدرِّ المنثور))(٢)، ورأيت في غيرِهِ عدَّ العشرة المبشَّرة . والجاران متعلِّقان بـ ((سبقت)). وجوَّز أبو البقاء في الثاني كونه متعلِّقاً بمحذوفٍ وقع حالًا من ((الحسنى))(٣). وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموصولِ باعتبار اتَّصافه بما في حيِّز الصلة، وما فيه مِن معنى البعد؛ للإيذان بعلوِّ درجتهم، وبُعْدٍ منزلتِهم في الشرف والفضل. أي: أولئك المنعوتونَ بما ذُكر مِن النعت الجميل ﴿عَنْهَا﴾ أي: عن جهنّم ﴿مُبْعَدُونَ ﴾﴾ لأنَّهم في الجنَّة، وشتانَ بينها وبين النار. ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: صوتَها الذي يحسُّ مِن حركتها، والجملة بدلٌ من ((مبعدون))، وجوّز أن تكون حالًا مِن ضميره، وأن تكون خبراً بعدَ خبرٍ، واستظهر كونها مؤكِّدة لما أفادته الجملةُ الأولى مِن بُعْدِهم عنها، وقيل: إنَّ الإبعادَ يكون بَعْدَ القُرب، فيفهم منه أنَّهم وَرَدوها أوَّلًا، ولما كان مظنَّةَ التأذِّي بها، دُفعَ بقوله سبحانه: ((لا يسمعونَ)) فهي مستأنفة لدَفْع ذلك، فعلى هذا يكون عدمُ سماعٍ الحسيس قبلَ الدخول إلى الجنَّة، ومَن قال بَه قال: إنَّ ذلك حين المرورٍ على الصراط، وذلك لأنَّهم - على ما ورد في بعض الآثار - يمرُّون عليها وهي خامدةٌ (١) ابن أبي شيبة ٥١٠٥٢/١٢، وأحمد في فضائل الصحابة (٧٧١)، وابن أبي عاصم في السنة (١٢١٦)، والطبري في التفسير ٤١٥/١٦. (٢) ٣٣٩/٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٦٩/٨ (١٣٧٤٨)، والكامل في الضعفاء لابن عدي ٩٨٥/٣-٩٨٦. (٣) الإملاء ٤/ ١٧. الآية : ١٠٣ ٢٠٥ سُوَّةُ الأَنَبِيَاءِ لا حركةً لها حتى إنَّهم يظنُّون وهم في الجثّة أنَّهم لم يمرُّوا عليها، وقيل: لا يسمعونَ ذلك؛ لسرعة مرورِهم، وهو ظاهرُ ما أخرجه ابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم، عن ابنِ عباس ﴿يَا، أنَّه قال في الآية (١): أولئك أولياءُ الله تعالى يمرُّون على الصراط مرَّا هو أسرع مِن البرقِ، فلا تصيبهم، ولا يسمعونَ حسيسَها، ويبقى الكفَّار ◌ِئيًّا (٢). لكن جاء في خبرٍ آخَر رواه عنه ابنُ أبي حاتم أيضاً، وابنُ جرير، أنَّه قال في ((لا يسمعون)) إلخ: لا يَسمعُ أهلُ الجنَّة حسيسَ النار، إذا نزلوا منازلهم في الجنَّةُ(٣) وقيل: إنَّ الإبعادَ عنها قبل الدخول إلى الجنَّة أيضاً، والمراد بذلك حفظُ الله تعالى إِيَّاهم عن الوقوع فيها، كما يقال: أَبعدَ اللهُ تعالى فلاناً عن فِعْلِ الشَّرِّ. والأظهر أنَّ كلا الأمرينَ بَعْدَ دخول الجنَّة، وذلك بيانٌ لخلاصِهم عن المهالك والمعاطِب. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِ مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِّدُونَ ﴾ بيانٌ بفوزهم بالمطالب بعدَ ذلك الخلاصِ، والمرادُ أنَّهم دائمونَ في غاية التنقُم، وتقدیمُ الظرفِ؛ للقَصْر والاهتمام ورعايةِ الفواصل. وقوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ بيانٌ لنجاتِهم من الإفزاع بالكليَّة بعد نجاتِهم مِن النار؛ لأنَّهم إذا لم يَحزُنهم أكبرُ الإفزاع، لم يَحزُنهم ما عَدَاه بالضرورة، كذا قيل، وليلاحظ ذلك مع ما جاء في الأخبار أنَّ النارَ تَزْفِرُ في الموقف زفرةً لا يبقى نبيٌّ ولا مَلَكٌ إلا جَثًا على ركبتيه(٤)، فإن قلنا: إنَّ ذلك لا ينافي عدمَ الحزن، فلا إشكالَ، وإذا قلنا: إنَّه ينافي، فهو مُشكِل، إلَّا أن يقال: إنَّ ذلك لقلّة زمانِه وسرعةِ الأمن ممَّا يترتَّب عليه، نُزِّلَ منزلة العدم، فتأمَّل. (١) إلى هنا نهاية السقط في الأصل. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٦٩/٨ (١٣٧٣٥). (٣) الدر المنثور ٣٣٩/٤، وتفسير الطبري ٤٢١/١٦، ولم نقف عليه في تفسير ابن أبي حاتم. (٤) أخرجه البغدادي في تاريخ بغداد ٣٠٣/١٢ عن ابن عباس ؤها، وابن أبي شيبة ١٢/ ١٥١، والبغدادي في حلية الأولياء ٣٧٣/٥ عن كعب، وهناد في الزهد (٢٥٥) عن عبيد بن عمير بنحوه. سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ ٢٠٦ الآية : ١٠٣ والفَزَع كما قال الراغبُ (١): انقباضٌ ونِفارٌ يعتري الإنسانَ مِن الشيء المُخيفِ، وهو مِن جنس الجَزَعِ. ويُطلقَ على الذهاب بسرعةٍ لما يَهُول. واختلف في وقت هذا الفزعِ، فعن الحسن، وابنٍ جبير، وابن جريج، أنَّه حينَ انصرافِ أهلِ النار إلى النار. ونُقلَ عن الحسن أنَّه فسَّر الفَزَعَ الأكبرَ بنفسِ هذا الانصراف، فيكون الفزعُ بمعنى الذهاب المتقدِّم، وعن الضَّحَّاك أنَّه حينَ وقوعِ طَبَقِ جهنّم عليها، وغَلْقِها على مَن فيها، وجاء ذلك في رواية ابنٍ أبي الدنيا عن ابنِ عباس(٢). وقيل: حين ينادى أهلُ النار: ﴿أَخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقيل: حين يُذبَح الموتُ بين الجنَّة والنار. وقيلَ: يوم تُطوى السماءُ. وقيل: حينَ النفخةِ الأخيرة. وأخرج ذلك ابنُ جرير، وابنُ أبي حاتم، عن ابنِ عباس(٣). والظاهر أنَّ المرادَ بها النفخةُ للقيام مِن القبور لربِّ العالمين. وقال في قوله تعالى: ﴿وَنَلَقَّلُهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ﴾ أي: تستقبلهم بالرحمةِ عند قيامِهم مِن قبورهم. وقيل: بالسلام عليهم حينئذٍ قائلينَ: ﴿هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ﴾﴾ في الدنيا مَجيتَهُ، وتبشَّرون بما فيه لكم مِن المثوباتِ على الإيمان والطاعة. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن مجاهد أنَّه قال في الآية: تتلقَّاهم الملائكةُ الذين كانوا قرناءهم في الدنيا يوم القيامة، فيقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنَّة(٤). وقيل: تتلقَّاهم عند باب الجنَّة بالهدايا أو بالسلام، والأظهر أنَّ ذلك عند القيام مِن القبور، وهو كالقرينةِ على أنَّ عدمَ الحزن حين النفخةِ الأخيرة، وظاهرُ أكثر الجمل يقتضي عدمَ دخولِ الملائكة في الموصول السابق، بل قوله تعالى: ((وتتلقَّاهم)) إلخ، نصٌّ في ذلك، فلعلَّ الإسنادَ في ذلك عند مَن أدرجَ الملائكةَ عليهم السلام في عموم الموصول لسبب (١) مفردات ألفاظ القرآن (فزع). (٢) ونقله عنه السيوطي في الدر المنثور ٣٣٩/٤. (٣) تفسير الطبري ٤٢٢/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٦٩/٨ (١٣٧٤٩). (٤) الدر المنثور ٣٤٠/٤. الآية : ١٠٤ ٢٠٧ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ النزول على سبيلِ التغليب، أو يقال: إنَّ استثناءَهم مِن العموم السابق لهذه الآية بطريقٍ دلالة النصِّ، كما أنَّ دخولهم فيما قبل كان كذلك. وقرأ أبو جعفرٍ: ((لا يُحْزِئُهُم))(١) مضارعُ: أَحْزَنَ، وهي لغةُ تميم، وحَزَنَ لغةٌ قریش. ﴿يَوَمَ نَطْوِى السَّمَآءَ﴾ منصوبٌ بـ ((اذكر))، وقيل: ظرف لـ ((لا يحزنهم))، وقيل: (للفزع))، والمصدر المعرّف وإن كان ضعيفاً في العمل لا سيَّما وقد فُصلَ بينه وبين معمولِهِ بأجنبيٍّ إلا أنَّ الظرفَ محلُّ التوسُّع، قاله في ((الكشف)). وقال الخفاجيُّ(٢): إنَّ المصدرَ الموصوفَ لا يعمل على الصحيح، وإن كان الظرفُ قد يتوسّع فيه. وقيل: ظرف لـ ((تتلقَّاهم))، وقيل: هو بدلٌ مِن العائد المحذوف مِن (توعدون)) بدل كلٌّ مِن كلِّ، وتُوهِّم أنَّه بدلُ اشتمالٍ، وقيل: حالٌ مقدَّرة مِن ذلك العائد؛ لأنَّ يومَ الطَّيِّ بعد الوعد. وقرأ شيبة بنُ نِصَاح وجماعةٌ: ((يَطوي)) بالياء والبناء للفاعل(٣)، وهو الله عزَّ وجلَّ. وقرأ أبو جعفر وأُخرى: بالتاء الفوقية والبناء للمفعول، ورفع ((السماء)» على النيابة (٤). والطيُّ: ضدُّ النشر، وقيل: الإفناء والإزالة، من قولك: إِظْوِ عنِّي هذا الحديثَ. وأنكر ابنُ القيِّم(٥) إفناءَ السماءِ وإعدامَها إعداماً صِرْفاً، وادَّعى أنَّ النصوصَ إنَّما تدلُّ على تبديلها وتغييرِها مِن حالٍ إلى حال، ويبعد القولَ بالإفناء ظاهر التشبيه في قوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ وهو الصحيفةُ على ما أخرج ابنُ (١) النشر ٢٤٤/٢. (٢) حاشية الشهاب ٦/ ٢٧٧ . (٣) البحر المحيط ٣٤٣/٦، وذكرها القرطبي في التفسير ٢٩٦/١٤ ونسبها لمجاهد، ولم ينسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٤/ ١٠٢ . (٤) النشر ٣٢٤/٢. (٥) في كتابه مفتاح دار السعادة ٣٥/٢. سُورَةُ الأَنَّبِيَاءِ ٢٠٨ الآية : ١٠٤ جرير وغيرُه عن مجاهدٍ (١)، ونسبه في ((مجمع البيان))(٢) إلى ابنِ عباس، وقتادة، والكلبيِّ، أيضاً. وخصّه بعضُهم بصحيفةِ العهد، وقيل: هو في الأصل حَجَرٌ يُكتَب فيه، ثم سمِّي به كلُّ ما يُكتَب فيه مِن قِرْطاسٍ وغيرِهِ، والجارُّ والمجرور في موضعٍ الصفة لمصدر مقدَّر، أي: طيًّا كطيِّ الصحيفة. وقرأ أبو هريرة، وصاحبُه أبو زرعة بنُ عمرٍو بنٍ جرير: ((السُّجُلِّ) بضمتين وشدِّ اللام(٣). والأعمشُ، وطلحةُ، وأبو السَّمَّال: ((السَّجْلِ)) بفتح السين(٤). والحسن، وعيسى بكسرِها(٥)، والجيم في هاتين القراءتين ساكنةٌ واللامُ مخفّفة. وقال أبو عمرو (٦): قرأ أهلُ مكّة كالحسن. واللام في قوله تعالى: ﴿لِلْكُتُبِّ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ هو حالٌ مِن ((السجل)) أو صفةٌ له على رأي مَن يجوِّز حذفَ الموصول مع بعضٍ صلته، أي: كطيِّ السّجلُ كائناً للكتب، أو الكائن للكتب، فإنَّ الكُتُبِ عبارةٌ عن الصحائف وما كُتبَ فيها، فسجلُّها بعضُ أجزائها، وبه يتعلَّق الطيُّ حقيقةً. وقرأ الأعمشُ: ((للكُتْبِ)) بإسكان التاء(٧)، وقرأ الأكثرُ: ((للكتاب)) بالإفراد (٨)، وهو إمَّا مصدرٌ واللامُ للتعليل، أي: كما يُطوى الظُومارُ(٩) للكتابة، أي: ليكتبَ فيه، وذلك كنايةٌ عن اتِّخاذه لها ووضعه مسؤَّى مطويًّا حتى إذا احتيجَ إلى الكتابة، لم يحتج إلى تسويتِه، فلا يردُ أنَّ المعهودَ نَشْرُ الظُومارِ للكتابة لا طيُّه لها. وإمَّا اسمٌ كالإمام، فاللام كما ذكر أوَّلًا . (١) تفسير الطبري ٤٢٥/١٦، والدر المنثور ٣٤٠/٤ ونسبه أيضاً لعبد بن حميد وابن المنذر. (٢) ١٧ / ٦٦ . (٣) القراءات الشاذة ص٩٣، والمحتسب ٢/ ٦٧ . (٤) المحتسب ٦٧/٢، والبحر المحيط ٣٤٣/٦. (٥) القراءات الشاذة ص ٩٣، والمحتسب ٦٧/٢. (٦) وحكاه عنه ابن جني في المحتسب ٦٧/٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٣٤٣/٦. (٧) البحر المحيط ٣٤٣/٦. (٨) قرأ حفص وحمزة والكسائي ((للكتب)) بالجمع، والباقون على التوحيد. التيسير ص١٥٥، والنشر ٣٢٥/٢. (٩) الطَّامور والُومار: الصحيفة، والجمع: طوامير. القاموس (طمر). الآية : ١٠٤ ٢٠٩ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وأخرج عبدُ بنُ حميد عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه أنَّ السجلَّ اسْمُ مَلَكٍ(١)، وأخرج ذلك ابنُ أبي حاتم، وابنُ عساكر عن الباقر ◌َظَبه(٢)، وأخرج ابنُ جرير، وغيرُه عن السُّدِّيِّ نحوه إلا أنَّه قال: إنَّه موثَّل بالصحف، فإذا مات الإنسانُ دفع كتابه إليه، فطواه ورَفَعه إلى يوم القيامة (٣). واللام على هذا قيل: متعلِّقة بطيّ، وقيل: سيفُ خطيب، وكونها بمعنى ((على)) كما ترى. واعتُرض هذا القول بأنَّه لا يَحسُن التشبيه عليه، إذ ليس المشبّه به أقوى ولا أشهر. وأجيبَ بأنَّه أقوى نظراً؛ لما في أذهان العامَّة من قوَّة الطاوي وضَعْفِ المُطْوَى وصِغَر حَجْمه بالنسبة للسماء، أي: نظراً لما في أذهانهم مِن مجموع الأمرين، فتأمَّل. وأخرج أبو داود، والنسائيُّ وجماعةٌ منهم البيهقيُّ في سننه وصحَّحه عن ابنِ عباس أنَّ السجلَّ كاتبٌ للنبيِّ ◌ََّ(٤). وأخرج جماعةٌ عن ابنِ عمر ◌ِّ نحوَه(٥)، وضُعِّفَ ذلك، بل قيل: إنَّه قولٌ واهٍ جدًّا؛ لأنَّه لم يُعرَف أحدٌ من الصحابة ◌ِّه اسمُهُ السجلُّ، ولا حَسُنَ التشبيهُ عليه أيضاً (٦) . وأخرج النسائيُّ، وابنُ جرير، وابن أبي حاتم، وابنُ عساكر، وابنُ مردويه عن ابنِ عباس ﴿ًّا أنَّه الرجلُ. زاد ابن مَرْدَوَيْه: بلغة الحبشة(٧)، ونقل ذلك عن (١) الدر المنثور ٣٤٠/٤. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٧٨/١ (٣٢٧)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٣٣٣/٤. (٣) تفسير الطبري ٤٢٣/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٦٩/٨ (١٣٧٥١). (٤) أبو داود (٢٩٣٥)، والنسائي في الكبرى (١١٢٧٢)، والبيهقي ١٢٦/١٠، وأخرجه أيضاً الطبري في التفسير ٤٢٤/١٦. (٥) أخرجه الخطيب البغدادي ١٧٥/٨، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٣٣٢/٤-٣٣٣، وابن مردويه وابن مندة وأبو نعيم كما في فتح الباري ٨/ ٤٣٧ . قال البرقاني كما في تاريخ بغداد: قال أبو الفتح الأزدي: تفرَّد به ابن نمير، إن صحَّ. اهـ. وردًّ هذا القولَ ابنُ حجر في الإصابة ١٢٢/٤ بقوله: ابن نمير من كبار الثقات، فهذا الحديث صحيح بهذه الطرق. (٦) ينظر تفسير الطبري ٤٢٥/١٦، وتفسير ابن كثير ٣٨٢/٥-٣٨٣، وفتح الباري ٤٣٧/٨، والإصابة ٤/ ١٢٢- ١٢٣. (٧) النسائي في الكبرى (١١٢٧٣)، وتفسير الطبري ٤٢٤/١٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٧٠/٨ (١٣٧٥٣)، وتاريخ مدينة دمشق ٣٣٢/٤، وابن مردويه كما في فتح الباري ٨/ ٤٣٧. سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ ٢١٠ الآية : ١٠٤ الزجَّاج (١)، وقال بعضُهم: يمكن حملُ الرواية السابقة عن ابنِ عباس على هذا، والأكثر على ما قيل على تفسير السجلِّ بالصحيفة. واختلف في أنَّه عربيٍّ أو معرَّب، فذهب البصريونَ إلى أنَّه عربيٍّ، وقال أبو الفضل الرازيُّ: الأصحُ أنَّه فارسيٍّ معرَّب. هذا ثم إنَّ الآيةَ نصٌّ في دُثُور السماءِ، وهو خلافُ ما شاعَ عن الفلاسفة، نعم ذكر صدرُ الدين الشيرازيُّ في كتابه ((الأسفار)) أنَّ مذهبَ أساطين الفلاسفةِ المتقدِّمين القولُ بالدثور، والقول بخلافِ ذلك إنَّما هو لمتأخّريهم؛ لقصورِ أنظارهم وعدم صفاء ضمائرهم، فمِن الأساطين انكسيمانس الملطي قال: إنَّما ثبات هذا العالَمُ بقَدْر ما فيه مِن قليل نورِ ذلك العالَم، وأراد به عالَمَ المجرَّدات المحضة، وإلا، لما ثبت طرفةَ عين، ويبقى ثباتُه إلى أن يَصفى جزؤه الممتزج جُزْأَها المختلط، فإذا صفي الجزآن عند ذلك، دُثرت أجزاء هذا العالَم، وفسدت وبقيت مظلمةً، وبقيت الأنفسُ الدنسةُ في هذه الظلمة لا نورَ لها ولا سرورَ ولا راحةً ولا سكونَ ولا سلوةً. ومنهم فيثاغورس نقل عنه أنَّه قيل له: لم قلتَ بإبطال العالم؟ فقال: لأنَّه يبلغ العلّة التي مِن أجلها كان، فإذا بَلَغها سكنت حركتُه، ومنهم أفلاطون حكى الشيخ أبو الحسن العامريُّ أنَّه ذكر في كتابه المعروف: ((بطيماوس)) أنَّ العالَم مكوَّن، وأنَّ الباريَ تعالى قد صرفه مِن لا نظام إلى نظام، وأنَّ جواهرَه كلَّها مركّبةٌ مِن المادَّة والصورة، وأنَّ كلَّ مركَّب معرّض للانحلال، نعم إنَّه قال في أسولوطيقوس، أي: تدبير البدن: إنَّ العالَم أبديٌّ غيرُ مكوَّن، دائمُ البقاء، وتعلَّق بهذا أبرقلس، فبينَ كلامَيْه تنافٍ، وقد وفَّق بينهما تلميذُه أرسطوطاليس بما فيه نظرٌ، ولعلَّ الأوفقَ أن يقال على مشربهم: أرادَ بالعالَم الأبديِّ عالمَ المفارقات المحضة، ومنهم أرسطوطاليس قال في كتاب ((أثولوجيا)): إنَّ الأشياءَ العقليَّة تلزم الأشياء الحسيَّة، والباري سبحانه لا يَلزم الأشياءَ الحسيَّة والعقليَّة، بل هو سبحانه ممسكٌ لجميع الأشياء غيرَ أنَّ الأشياء العقليّة هي آنياتٌ حقيَّة؛ لأنَّها مبتَدَعةٌ مِن العلَّة الأولى بغير (١) معاني القرآن وإعرابه ٤٠٦/٣، وتحرف في المطبوع: الجيش، بدل: الحَبَش. الآية : ١٠٤ ٢١١ سُورَةُ الأَثْبِيَاءِ وسطٍ، وأمَّا الأشياء الحسِّيَّة فهي آنياتٌ دائرة؛ لأنَّها رسومُ الآنيات الحقيَّة ومثالُها، وإنَّما قوامُها ودوامُها بالكون والتناسلِ(١) كي تدوم وتبقى، تشبيهاً بالأشياء العقليّة الثابتة الدائمة. وقال في كتاب ((الربوبية)): أبدع العقلُ صورةَ النفس مِن غير أن يتحرَّك تشبيهاً بالواحد الحقِّ، وذلك أنَّ العقلَ أبدعه الواحدُ الحقُّ وهو ساكنٌ فكذلكَ النفس أبدعها العقلُ، وهو ساكنٌ أيضاً، غير أنَّ الواحدَ الحقَّ أبدع هويَّة العقل، وأبدعَ العقلُ صورةَ النفس، ولما كانت معلولةً مِن معلول لم تَقْوَ أن تَفعَل فِعْلَها بغيرِ حركة، بل فَعَلَته بحركة وأبدعت صنماً، وإنَّما سُمِّيَ صنماً؛ لأنَّه فعل دائر غيرُ ثابت ولا باقٍ؛ لأنه كان يحرِّكه، والحركة لا تأتي بالشيء الثابت الباقي، بل إنَّما بالشيء الدائر، وإلا لكان فِعْلُها أكرمَ منها، وهو قبيحٌ جدًّا. وسأله بعضُ الدهرِيَّة: إذا كان المُبدِعِ لم يَزُلْ ولا شيء غيره ثم أحدث العالَم، فَلِمَ أحدثه؟ فقال: لِمَ غيرُ جائزةٍ عليه؛ لأنَّ لِمَ تقتضي عليًَّ، والعلَّة محمولة فيما هي علَّةٌ عليه مِن مُعِلٌّ فوقَه، وليس بمرَّب يتحمّل ذاته العلل، فَلِمَ عنه منفيَّةٌ، فإنَّمَا فَعَلَ ما فَعَلَ؛ لأنَّه جوادٌ، فقيل: يجب أن يكون فاعلاً لم يَزُل. فقال: معنى لم يَزُل: لا أوّل له، وفعل فاعل يقتضي أوَّلاً، واجتماع أن يكون ما لا أوَّلَ له، وذا أوَّل في القول والذات، محضِّ متناقضٌ، فقيل: فهل يُبطِل هذا العالَم؟ قال: نعم. فقيل: فإذا أَبطله بطلَ الجود؟ فقال: يبطل؛ ليصوغه الصيغة التي لا تحتمل الفسادَ؛ لأنَّ هذه الصيغة تحتملُ الفسادَ. ومنهم فُرْفُرْيوس واضع إيساغوجي، قال: المكوّنات كلُّها إنَّما تتكوَّن بتكوُّن الصورة على سبيل التغيُّر، وتفسد بخلوِّ الصورة، إلى غير ذلك مِن الفلاسفة وأقوالهم. وذُكر جميع ذلك ممَّا يفضي إلى المَلَل، ومَن أراده فليرجع إلى ((الأسفار)) وغيره من كتب الصدر. (١) جاء في هامش الأصل: قيل: أراد بالكون الوجود التدريجي على نعت الاتصال كما في الفلكيات، وبالتناسل التعاقب في الكون على نهج الانفصال كما في العنصريات من الطبائع المنتشرة الشخصيات قبل الحيوان والنبات. انتهى. منه. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٢١٢ الآية : ١٠٤ والحقُّ أنَّه قد وقع في كلام متقدِّمي الفلاسفةِ كثيراً ممَّا هو ظاهر في مخالفة مدلولِ الآية الكريمة، ولا يكاد يحتمل التأويلَ، وهو مقتضى أصولهم وما يتراءى منه الموافقة، فإنَّما يتراءى منه الموافقة في الجملة، والتزامُ التوفيقِ بين ما يقوله المسلمون في أَمْرِ العالم بأسره وما يقوله الفلاسفةُ في ذلك، كالتزام التوفيق بين الضَّبِّ والنُّونِ، بل كالتزام الجمع بين الحركة والسكون. عَمْرَكَ اللهَ كيفَ يلتقيان أيُّها المنكِحُ الثريا سُهَيلًا وسهيلٌ إذا ما استقلَّ يماني(١) هي شاميَّةٌ إذا ما استقلَّت فعليك بما نطق به الكتابُ المبينُ أو صحَّ عن الصادقِ الأمينِ نَّهِ، وما عليكَ إذا خالفتَ الفلاسفةَ فأغلب ما جاؤوا به جهلٌ وَسَفَةٌ، ولعَمْري لقد ضلَّ بكلامهم كثيرٌ من الناس، وباضَ وفرَّخ في صدورهم الوسواسُ الخناسُ، وهو جعجعةٌ بلا ◌ِحْنٍ (٢)، وقَعْقَعَةٌ كَقَعْفَعَة شَنِّ (٣)، ولولا الضرورةُ التي لا أُبديها والعلَّة التي عزَّ مداويها لما أَضعت في درسه وتدريسِه شَرْخَ شبابي، ولما ذكرت شيئاً منه خلالَ سطورٍ كتابي، هذا وأنا أسأل الله تعالى التوفيقَ للتمسُّك بحبل الحقِّ الوثيق. ثم إنَّ الظاهرَ من الأخبار الصحيحة أنَّ العرشَ لا يُطوى كما تُطوى السماء، فإنَّ كان هو المحدّد كما يزعمه الفلاسفة ومَن تبعَ آثارهم، فعدم دثورِه بخصوصِه ممَّا صرَّح به من الفلاسفة الإسكندر الأفروديسي مِن كبار أصحابٍ أرسطوطاليس وإن خالفه في بعض المسائل، ومَن حمل كلامَه على خلافٍ ذلك، فقد تعسَّف وأَتى بما لا يُسلَّم له، وظاهرُ الآيةِ الكريمة أيضاً مُشعِر بعدم طيِّه، للاقتصارِ فيها على طيٍّ السماء، والشائعُ عدمُ إطلاقها على العرش، ثم إنَّ الطيَّ لا يختصُّ بسماءٍ دون سماءٍ بل تُطوى جميعُها؛ لقوله تعالى ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتُ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]. ﴿َكَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ﴾ الظاهر أنَّ الكافَ جارَّةٌ، و((ما)) مصدريَّة، (١) القائل عمر بن أبي ربيعة، والبيتان سلفا ٤٣٨/٤. (٢) الجعجعة: صوت الرحى، وأسمعُ جعجعةً ولا أرى طحناً: يُضرَب للجبان يوعِد ولا يوقع، وللبخيل يَعدُ ولا يُنجِز. القاموس (جمع). (٣) الشَّنُّ: القربة الخَلَق الصغيرة. القاموس (شنن). الآية : ١٠٤ ٢١٣ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ والمصدر مجرورٌ بها، والجارُّ والمجرور صفةُ مصدرٍ مقدَّر، و((أوَّل)) مفعولُ ((بدأنا)) أي: نعيدُ أوَّلَ خَلْقٍ إعادةً مثل بَدْئِنا إِيَّاه، أي: في السهولة وعدم التعذُّر. وقيل: أي: في كونها إيجاداً بعد العدم، أو جمعاً مِن الأجزاء المتفرِّقة، ولا يَخفى أنَّ في كون الإعادة إيجاداً بعد العدم مطلقاً بحثاً، نعم قال اللقانيُّ: مذهبُ الأكثرين أنَّ اللهَ سبحانه يَعدمُ الذواتِ بالكليَّة ثم يعيدها، وهو قولُ أهلِ السنة والمعتزلةِ القائلين بصحّة الفناءِ على الأجسام، بل بوقوعه(١). وقال البدر الزركشيُّ، والآمديُّ(٢): إنَّه الصحيح. والقولُ بأنَّ الإعادة عن تفريقِ محضٍ قولُ الأقلِّ، وحكاه جمع بصيغة التمريض، لكن في ((المواقف)) وشرحه: هل يَعدِم الله تعالى الأجزاءَ البدنيَّة ثم يعيدها، أو يفرِّقها ويعيد فيها التآليف؟ الحقُّ أنَّه لم يثبت في ذلك شيء، فلا جزمَ فيه نفيًا ولا إثباتاً؛ لعدم الدليل على شيء من الطرفين(٣). وفي ((الاقتصاد))(٤) لحجَّة الإسلام الغزاليّ: فإن قيل: هل تُعدَم الجواهرُ والأعراض، ثم تعادانِ جميعاً، أو تُعدَم الأعراضُ دون الجواهر، وتعادُ الأعراض؟ قلنا: كلُّ ذلك ممكن، والحقُّ أن ليس في الشرع دليلٌ قاطع على تعيين أحدٍ هذه الممكنات. وقال بعضُهم: الحقُّ وقوعُ الأمرين جميعاً، إعادة ما انعدمَ بعينه وإعادة ما تفرَّق بأَعراضه، وأنتَ تَعلم أنَّ الأخبارَ صحَّت ببقاءِ عَجْب الذَّنَب مِن الإنسان(٥)، فإعادةٌ الإنسان ليست كبدئِهِ، وكذا روي: ((إنَّ اللهَ تعالى عزَّ وجلَّ حرَّمَ على الأرض أجسادَ الأنبياء)» (٦)، وهو حديث حسن عند ابنِ العربيِّ، وقال غيرهُ: صحيحٌ. وجاء نحو (١) إتحاف المريد بجوهرة التوحيد لعبد السلام اللقاني ص٢٢٥. (٢) أبكار الأفكار ٣٦٤/٣. (٣) المواقف ص٣٧٣، وشرحه للجرجاني ٢٩٧/٨. (٤) ص ٢٠٠. (٥) أخرج البخاري (٤٩٣٥)، ومسلم (٢٩٥٥) عن أبي هريرة: (( .... ليس من الإنسان شيء إلا يَبْلى إلا عظماً وهو عَجْبُ الذُّنَب، ومنه يُرَّب الخَلْقُ يوم القيامة)). وسلف عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الإسراء. (٦) أخرجه أبو داود (١٠٤٧) و(١٥٣١)، والنسائي في المجتبى ٩١/٣، وأحمد (١٦١٦٢) عن أوس بن أوس سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٢١٤ الآية : ١٠٤ ذلك في المؤذنين احتساباً وحديثهم في الطبرانيّ، وفي حَمَلة القرآن وحديثهم عند ابنِ مندَه، وفيمَن لم يعمل خطيئةً قظُ وحديثهم عند المروزي(١)، فلا تغفل. وكذا في كون البدء جمعاً مِن الأجزاء المتفرِّقة إن صحَّ في المركَّب مِن العناصر كالإنسان لا يصحُّ في نفس العناصر مثلًا؛ لأنَّها لم تخلق أوَّلًا مِن أجزاءٍ متفرّقة بإجماع المسلمين، فلعلَّ ما ذكرناه في وجهِ الشبه أَبعد عن القالِ والقِيْل. واعترض جعل ((أوَّل)) مفعول («بدأنا))، بأنَّ تعلُّق البداءةِ بأوَّل الشيءِ المشروع فيه ركيكٌ لا يقال: بدأتُ أوَّل كذا، وإنَّما يقال: بدأتُ كذا، وذلك لأنَّ بدايةً الشيءٍ هي الشروعُ(٢) فيه، والشروع(٢) يلاقي الأوَّل لا محالة، فيكون ذِكْره تكراراً، ونُظرَ فيه بأنَّ المرادَ: بدأنا ما كان أوَّلًا سابقاً في الوجود، وليس المرادُ بالأوَّل أوَّلَ الأجزاء حتى يتوهّم ما ذُكر. وقيل: ((أوَّل خَلْقٍ)) مفعولُ ((نعيد)) الذي يفسِّره ((نعيده))، والكاف مكفوفة بـ ((ما))، أي: نعيدُ أوَّل خَلْقٍ نعيدُه، وقد تمَّ الكلام بذلك، ويكون ((كما بدأنا)) جملة منقطعة عن ذلك، على معنى: تحقَّق ذلك مثلُ تحقُّقه، وليس المعنى على إعادةٍ مثل البدء، ومحلُّ الكاف في مثله الرفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ جيءَ به تأكيداً، والمقام يقتضيه كما يُشعر به التذنيبُ، فلا يقال: إنَّه لا داعي إلى ارتكاب خلافِ الظاهر، وتنكير ((خَلْق)) لإرادة التفصيل، وهو قائمٌ مقامَ الجمع في إفادة تناول الجميع، فكأنَّه قيل: نعيدُ المخلوقينَ الأوَّلين. وجوّز أن تنصبَ الكافُ بفعل مضمَر يفسِّره (نعيده))، و((ما)) موصولة، و((أول)) ظرفٌ لـ ((بدأنا))؛ لأنَّ الموصولَ يستدعي عائداً، فإذا قدِّر هنا يكون مفعولًا، ولـ ((أوَّل)) قابلية النصبِ على الظرفيَّة فينصب عليها، ويجوز أن يكون في موضع الحالِ مِن ذلك العائد، وحاصل المعنى: نعيدُ مثلَ الذي بدأناه في أوَّل خَلْقٍ، أو: كائناً أوَّل خَلْقٍ، والخَلْق على الأوَّل مصدر، وعلى الثاني بمعنى المخلوق، وجوِّز كونَ ((ما)) موصوفة، وباقي الكلام بحاله. (١) سلفت هذه الأخبار عند تفسير الآية (٩٩) من سورة الإسراء. (٢) في (م): المشروع. الآية : ١٠٤ ٢١٥ سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ وتَعقَّب أبو حيَّان(١) نصبَ الكاف، بأنَّه قولٌ باسميَّتها، وليس مذهبَ الجمهور، وإنَّما ذهب إليه الأخفشُ، ومذهب البصريينَ سواه أنَّ كونها اسماً مخصوصٌ بالشعر، وأورد نحوه على القول بأنَّ محلّها الرفعُ في الوجه السابق، وإذا قيل بأنَّ للمكفوفة متعلَّقاً كما اختاره بعضُهم، خلافاً للرضيِّ ومَن معه، فليكن متعلَّقها خبر مبتدأٍ محذوف هناك. ورجّح كون المراد: نعيدُ مثلَ الذي بدأناه في أوَّل خَلْقٍ، بما أخرجه ابنُ جرير عن عائشةَ ﴿ّا قالت: دخل عليَّ رسولُ اللهِ وَّهِ وعندي عجوزٌ مِن بني عامر، فقال: ((مَن هذه العجوزُ يا عائشةُ))؟ فقلت: إحدى خالاتي. فقالت: ادْعُ الله تعالى أن يُدخِلني الجنَّة. فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الجنَّةَ لا يَدخُلها العُجُزُ)) فَأَخذ العجوزَ ما أخَذَها، فقال ◌َّهِ: ((إنَّ اللهَ تعالى يُنْشِئُهنَّ خَلْقاً غيرَ خلقهنَّ)). ثم قال: (تُحشَرون حفاً عراةً غُلْفاً)). فقالت: حاشَ اللهِ تعالى مِن ذلك؟ فقال رسولُ الله وَله : ((بلى إنَّ اللهَ تعالى قال: ((كما بدأنا أول خلق نعيده))(٢). ومثل هذا المعنى حاصلٌ على ما جوَّزه ابنُ الحاجب مِن كون ((كما بدأنا)) في موضع الحال مِن ضمير ((نعيده)) أي: نعيدُ أوَّل خَلْقٍ مماثلًا للذي بدأناهُ، ولا تغفل عمَّا يقتضيه التشبيهُ مِن مغايرة الطرفين، وأيًّا ما كان فالمراد الإخبار بالبعث، وليست ((ما)) في شيء مِن الأوجه خاصَّة بالسماء، إذ ليس المعنى عليه ولا اللفظُ يساعده. وأخرج ابنُ جريرٍ عن ابنِ عباس ◌ًَّا أنَّ معنى الآية: نُهلكُ كلَّ شيءٍ كما كان أوَّل مرَّةً(٣)، ويحتاج ذلك إلى تدبُّر، فتدبّر. ﴿وَعْدًا﴾ مصدرٌ منصوبٌ بفعله المحذوف؛ تأكيداً له، والجملة: مؤكّدة لما قَبلها، أو منصوب بـ ((نعيد))، لأنَّه عِدَةٌ بالإعادة، وإلى هذا ذهب الزجَّاج(٤)، واستجود الأوَّلَ الطبرسيُّ(٥) بأنَّ القرَّاء يقفون على ((نعيده)). (١) البحر المحيط ٣٤٣/٦. (٢) تفسير الطبري ٤٢٩/١٦. (٣) تفسير الطبري ١٦/ ٤٣١. (٤) معاني القرآن وإعرابه ٤٠٦/٣ . (٥) مجمع البيان ١٧/ ٦٦ . سُورَةُ الأَنْيَاءِ ٢١٦ الآية : ١٠٥ ﴿عَلَيْنَاً﴾ في موضع الصفة لـ ((وعداً)) أي: وَعْداً لازماً علينا، والمراد: لزمَ إنجازُه مِن غيرِ حاجةٍ إلى تكلُّفِ الاستخدام ﴿إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ ﴾﴾ ذلك بالفعل لا محالةَ، والأفعال المستقبلة التي عَلِمَ اللهُ تعالى وقوعَها كالماضية في التحقُّق، ولذا عبّر عن المستقبل بالماضي في مواضعَ كثيرة مِن الكتاب العزيز، أو: قادرينَ على أن نفعلَ ذلك، واختاره الزمخشريُّ(١)، وقيل عليه: إنَّه خلافُ الظاهر. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَُّورِ﴾ الظاهر أنَّه زبورُ داود عليه السلام، وروي ذلك عن الشعبيِّ. وأخرج ابنُ جريرٍ (٣) عن ابنِ عباس أنَّه الكُتُبُ. والذِّكْرُ في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ التوراةُ. وروي تفسيرُه بذلك عن الضحَّاك أيضاً، وقال في ((الزبور)): الكتب مَن بعدِ التوراة. وأخرجَ عن ابنِ جبير أنَّ الذِّكْرَ التوراةُ، والزبورَ القرآنُ. وأخرج عن ابن زيد أنَّ الزبورَ الكُتُبُ التي أُنزلت على الأنبياء عليهم السلام، والذِّكْرَ أمُّ الكتاب الذي يُكتبَ فيه الأشياء قَبلَ ذلك، وهو اللوحُ المحفوظ كما في بعضٍ الآثار، واختار تفسيرَه بذلك الزجَّاجُ(٣)، وإطلاقُ الذِّكْرِ علیه مجازٌ. وقد وقع في حديث البخاريِّ(٤) عنه وَّرِ: ((كان اللهُ تعالى ولم يكن قَبلَه شيءٌ، وكان عَرْشُه على الماء، ثم خَلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ، وكَتَبَ في الذِّكْر كلَّ شيءٌ)). وقيل: الذِّكْرُ: العِلْمُ، وهو المرادُ بأمِّ الكتاب. وأصلُ الزبورِ: كلُّ كتابٍ غليظِ الكتابة، مِن زبرتُ الكتابَ أَزْبَر بفتح الموخَّدة وضمِّها كما في ((المحكم)): إذا كتبتَه كتابةً غليظةً، وخصَّ في المشهور بالكتاب المنزَلُ على داود عليه السلام، وقال بعضهم: اسمٌ للكتاب المقصور على الحكمة العقليَّة دون الأحكام الشرعيَّة، ولهذا يقال للمنزل على داود عليه السلام، إذ لا يتضمَّن شيئاً من الأحكام الشرعيَّة. (١) الكشاف ٢/ ٥٨٥ . (٢) تفسير الطبري ٤٣٣/١٦، وفيه أثر الضحاك الآتي بعده. (٣) معاني القرآن وإعرابه ٤٠٧/٣، وعبارته فيه: الزبور: جميع الكتب التوراة والإنجيل والفرقان زبور؛ لأنَّ الزبورَ والكتاب بمعنى واحد. (٤) برقم (٣١٩١) عن عمران بن حصين ظ ◌ُه. الآية : ١٠٥ ٢١٧ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ والظاهر أنَّه اسمٌ عربيٌّ بمعنى المزبُور، ولذا جوِّز تعلَّق ((مِن بعد)) به، كما جوِّز تعلُّقه بـ ((كتبنا))، وقال حمزة: هو اسمٌ سريانيٌّ، وأيًّا ما كان، فإذا أُريد منه الكتبُ، کان اللامُ فيه للجنس، أي: كتبنا في جنس الزبور. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ بَرِثُهَا عِبَادِىَ اُلْضَلِحُونَ ﴾﴾ أخرج ابنُ جرير، وابنُ أبي حاتم، وغيرُهما، عن ابنِ عباسِ أنَّ المرادَ بالأرض أرضُ الجنة(١). قال الإمام(٢): ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَوَثَنَا الْأَرْضَ نَنَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٌ﴾ [الزمر: ٧٤] وأنَّها الأرضُ التي يختصُّ بها الصالحون؛ لأنَّها لهم خُلقَتْ، وغيرهم إذا حَصَلوا فيها فعلى وجهٍ التَّبَع، وأنَّ الآيةَ ذُكرت عقيبَ ذِكْر الإعادة، وليس بَعْدَ الإعادة أرضٌ يستقرُّ بها الصالحون ويمتنُّ بها عليهم سوى أرضِ الجنَّة، وروي هذا القولُ عن مجاهد، وابنِ جبير، وعكرمة، والسُّدِّيِّ، وأبي العالية، وفي رواية أخرى عن ابنِ عباس ﴿هَا: أنَّ المرادَ بها أرضُ الدنيا يرثُها المؤمنونَ ويستولون عليها، وهو قولُ الكلبيِّ، وأيِّد بقوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيُّ، عن ثوبان قال: قال رسولُ الله ◌ِّيه (إنَّ اللهَ تعالى زَوَى ليَ الأرضَ، فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، وإنَّ أمَّتي سيبلغ مِلْكُها ما زُوِيَ لي منها))(٣). وهذا وعدٌ منه تعالى بإظهار الدين وإعزازِ أهله واستيلائِهم على أكثرِ المعمورة التي يَكثُر تردُّد المسافرين إليها، وإلَّا، فَمِنَ الأرضِ ما لم يَطأها المؤمنونَ كالأرض الشهيرة بالدنيا الجديدةِ وبالهند الغربيِّ. وإن قلنا بأنَّ جميعَ ذلك يكون في حَوْزة المؤمنين أيَّام المهديِّ رُه ونزولٍ عيسى عليه السلام، فلا حاجةً إلى ما ذُكِرَ. وقيل: المرادُ بها الأرضُ المقدَّسة، وقيل: الشام. ولعلَّ بقاءَ الكفّار وحدَهم في الأرض جميعها في آخر الزمان كما صحت به (١) تفسير الطبري ٤٣٤/١٦-٤٣٥، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٧٠/٨ (١٣٧٥٩). (٢) الرازي في التفسير ٢٢٩/٢٢ -٢٣٠. (٣) مسلم (٢٨٨٩)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢١٧٦)، وسلف عند تفسير الآية (٦٥) من سورة الأنعام. سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ ٢١٨ الآية : ١٠٦، ١٠٧ الأخبار(١) لا يضرُّ في هذه الوراثة، لما أنّ بين استقلالهم في الأرض حينئذٍ وقيامٍ الساعة زمناً يسيراً لا يعتدُّ به، وقد عُدَّ ذلك مِن المبادي القريبة ليوم القيامة. والأَولى أن تفسّر الأرضُ بأرض الجنَّة، كما ذهب إليه الأكثرون، وهو أوفقُ بالمقام. ومِن الغرائب قصّةُ تفاؤلِ السلطانِ سليم بهذه الآية حين أضمرَ محاربته للغوري، وبشارة ابنِ كمال له أخذاً بما رمزت إليه الآيةُ بملكه مصرَ في سنةٍ كذا، ووقوع الأمر كما بشِّر، وهي قصَّة شهيرةٌ، وذلك من الأمور الاتِّفاقيَّة ومثله لا يعوَّل عليه. ﴿إِنَّ فِى هَذَا﴾ أي: فيما ذُكرَ في هذه السورة الكريمة مِن الأخبار والمواعظ البالغة، والوعد والوعيد، والبراهين القاطعة الدالّة على التوحيد وصحَّة النبوَّة. وقيل: الإشارة إلى القرآنِ كلِّه ﴿لَبَلَغَا﴾ أي: كفايةً، أو سبب بلوغ إلى البُغية، أو نفس البلوغ إليها، على سبيل المبالغة ﴿لَقَوْمٍ عَلَبِدِينَ ﴾﴾ أي: لقوم همُّهم العبادةُ دون العادة. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن الحسن أنَّهم الذين يصلُّونَ الصلواتِ الخمسَ بالجماعة(٢). وأخرج ابنُ مردويه عن ابنِ عباس أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ قرأ ذلك فقال: ((هي الصلواتُ الخمسُ في المسجد الحرام جماعة))(٣). وضمير ((هي)) للعبادة المفهومة مِن ((عابدين))، وقال أبو هريرة، ومحمد بنُ كعب، ومجاهد: هي الصلواتُ الخمسُ. ولم يقيِّدوا بشيءٍ، وعن كعبِ الأحبار تفسيرُها بصيام شهرِ رمضان وصلاةِ الخمس. والظاهر العمومُ، وأنَّ ما ذُكرَ مِن باب الاقتصار على بعضٍ الأفراد؛ لنُكتة. ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ﴾ بما ذُكرَ وبأمثالهِ مِن الشرائع والأحكام وغيرِ ذلك مما هو مناظٌ لسعادة الدارين ﴿إِلَّا رَحْمَةُ لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ استثناءٌ مِن أعمِّ العلل، أي: (١) أخرج مسلم (٢٩٤٩) عن ابن مسعود عن النبي وَّر قال: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس))، وهو عند أحمد (٤١٤٤). (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٤٧١/٨ (١٣٧٦٣). (٣) الدر المنثور ٣٤١/٤. الآية : ١٠٧ ٢١٩ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وما أرسلناك بما ذُكرَ لعلَّة مِن العلل إلا لترحم العالمينَ بإرسالكَ، أو مِن أعمِّ الأحوال، أي: وما أرسلناك في حالٍ من الأحوال إلا حالَ كونك رحمةً، وذا رحمةٍ، أو راحماً لهم، ببيانٍ ما أُرسلتَ به. والظاهر أنَّ المرادَ بالعالمين ما يشمل الكفَّار، ووجهُ ذلك عليه أنَّه عليه الصلاة والسلام أُرسلَ بما هو سببٌ لسعادة الدارين ومصلحة النشأتين إلا أنَّ الكافرَ فوَّت على نفسه الانتفاعَ بذلك وأَعرضَ؛ لفسادِ استعدادِهِ عمَّا هنالك، فلا يضرُّ ذلك في كونه ◌َّ﴿ أُرسلَ رحمةً بالنسبة إليه أيضاً، كما لا يضرُّ في كون العين العَذْبة مثلًا نافعةً عدم انتفاعِ الكسلان بها لكَسَله، وهذا ظاهرٌ، خلافاً لمن ناقشَ فيه. وهل يُراد بـ ((العالمين)) ما يشملُ الملائكة عليهم السلام أيضاً، فيه خلاف مبنيٌّ على خلاف في عموم بعثتِهِ وَّر لهم، فإذا قلنا بالعموم كما رجَّحه مِن الشافعية البارزيُّ، وتقيُّ الدين السبكيُّ، والجلال المحلِّي في ((خصائصه))، ومِن الحنابلة ابنُ تيميَّةُ(١)، وابنُ حامد، وابنُ مفلح في كتاب ((الفروع)»(٢)، ومِن المالكيَّة عبدُ الحقِّ، قلنا بشمولِ العالَمين لهم هنا. وكونه وَل﴿ أُرسلَ رحمةً بالنسبة إليهم؛ لأنَّه جاء عليه الصلاة والسلام أيضاً بما فيه تكليفُهم من الأوامر والنواهي، وإن لم نعلم ما هي، ولا شكَّ أنَّ في امتثالِ المكلّف ما كُلِّفَ به نفعاً له وسعادة، وإن قلنا بعدمِ العموم، كما جزم به الحَلِيميُّ، والبيهقيُّ، والجلال المحليُّ في ((شرح جمع الجوامع))(٣)، وزين الدين العراقي في ((نكته على ابن الصلاح)) من الشافعيَّة، ومحمود بن حمزة في كتابه: ((العجائب والغرائب)) من الحنفيَّة، بل نقل البرهانُ النسفيُّ، والفخرُ الرازيُّ في تفسيرَيْهما الإجماع عليه(٤)، وإن لم يُسلَّم، قلنا بعدم شموله لهم هنا، وإرادة مَن عداهم منه، وقيل: هم داخلونَ هنا في العموم وإن لم نقل ببعثتِهِ وَّ إليهم؛ لأنَّهم وقفوا بواسطة إرسالِه عليه الصلاة والسلام على علوم جمَّة وأسرارٍ عظيمة ممَّا أودع في كتابه الذي فيه بناءُ ما كان وما يكون عبارةً وإشارةً، وأيُّ (١) مجموع الفتاوى ١٠١/١٩-١٠٢. (٢) ٣٤/١٠. (٣) حاشية العطار على شرح جمع الجوامع ٢/ ٤٧٣، وفيه نقل كلام الحليمي والبيهقي. (٤) تفسير النسفي ٩١/٣، وتفسير الرازي ١٧/٣. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ٢٢٠ الآية : ١٠٧ سعادةٍ أعظمُ منِ التحلّي بزينة العلم؟ وكونهم عليهم السلام لا يَجهلُون شيئاً ممَّا لم يذهب إليه أحدٌ من المسلمين، وقيل: لأنَّهم أَظهرَ مِن فَضْلهم على لسانِه الشريف ما أَظهرَ. وقال بعضُهم: إنَّ الرحمةَ في حقِّ الكفَّار أَمْنُهم ببعثتِهِ وََّ مِن الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْف والاسْتِئصالِ، وأخرج ذلك الطبرانيُّ، والبيهقيُّ، وجماعةٌ عن ابنٍ عباس(١)، وذكرَ أنَّها في حَقِّ الملائكة عليهم السلام الأَمْنُ مِن نحو ما ابتُلي به هاروتُ وماروتُ، وأُيِّد بما ذكره صاحب ((الشفا)) أنَّ النبيَّ وَِّ قال لجبريلَ عليه السلام: ((هل أصابكَ مِن هذه الرحمة شيءٌ؟ قال: نعم، كنتُ أخشى العاقبةَ، فَأَمِنْتُ لثناءِ الله تعالى عليَّ في القرآن بقوله سبحانه: ﴿ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَشِ مَكِيرٍ﴾ [التكوير: ٢٠])»(٢). وإذا صحَّ هذا الحديثُ، لزم القولُ بشمول العالَمينَ للملائكة عليهم السلام إلا أنَّ الجلالَ السيوطيَّ ذكر في ((تزيين الأرائك)) أنَّه لم يُوقَف له على إسناد. وقيل: المرادُ بالعالمين جميعُ الخَلْق، فإنَّ العالَم ما سوى الله تعالى وصفاته جلَّ شأنه، وجُمع جَمْعَ العقلاءِ؛ تغليباً للأشرافِ على غيره. وكونه وَ له رحمةً للجميع باعتبار أنَّه عليه الصلاة والسلام واسطةُ الفيضِ الإلهيِّ على الممكنات على حسب القوابل، ولذا كان نورُهُ وَّهِ أوَّلَ المخلوقات، ففي الخبر: ((أوَّل ما خَلَقَ اللهُ تعالى نورَ نبيِّك يا جابرُ))(٣)، وجاء: ((الله تعالى المعطي وأنا القاسم)، (٤). وللصوفيَّة - قدِّست أسرارهم - في هذا الفَضْل كلامٌ فوقَ ذلك، وفي (مفتاح السعادة)»(٥) لابنِ القيِّم أنَّه لولا النبوَّات لم يكن في العالَم عِلْمٌ نافع ألبتةَ، ولا عملٌ (١) المعجم الكبير للطبراني (١٢٣٥٨)، ودلائل النبوة للبيهقي ٤٨٦/٥، وأخرجه أيضاً الطبري في التفسير ١٦/ ٤٤٠، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ٣/ ١٦٠. (٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ٥٧/١، وقال العجلوني في كشف الخفاء ٤٤٣/٢: هذا باطل لا أصل له، كما نَّه على ذلك جلال الدين السيوطي في كتابه المسمى بـ : ما رواه الخواصُّ في تكذيب القصاص. (٣) سلف ١/ ٢١٢. (٤) أخرجه البخاري (٣١١٦)، ومسلم (١٠٣٧) (١٠٠) من حديث معاوية بن أبي سفيان ظ (٥) ١١٨/٢.