Indexed OCR Text
Pages 101-120
الآية : ٣٧ ١٠١ سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ ﴿خُلِقَ الْإِسَنُ مِنْ عَجَلٍ﴾ هو: طلب الشيء وتحرِّيه قبل أَوانِهِ. والمراد بالإنسان جنسه، جُعلَ لفَرط استعجالِه وقلَّةٍ صبره، كأنَّه مخلوقٌ من نفسِ العَجَل، تنزيلًا لما طُبع عليه من الأخلاق منزلةَ ما طُبع منه من الأركان، إيذاناً بغاية لزومه له، وعدم انفكاكِه عنه، وقال أبو عمرو، وأبو عبيدة (١)، وقطرب: في ذلك قَلْبٌ، والتقدير: خُلقَ العَجَل من الإنسان، على معنى أنَّه جُعل من طبائعه وأخلاقه؛ للزومه له، وبذلك قرأ عبد الله(٢). وهو قُلْبٌ غيرُ مقبول، وقد شاع في كلامهم مثل ذلك عند إرادةِ المبالغة، فيقولون لمن لازَمَ اللعبَ: أنتَ من ◌َعِب، ومنه قوله : وإنَّا لَمِمَّا يَضْرِبُ الكبشَ ضربةً على رأسِه يُلقي اللسانَ من الفَمِ(٣) وقيل المراد بالإنسان: النضرُ بنُ الحارث؛ لأنَّ الآيةَ نزلت فيه حينَ استعجلَ العذابَ بقوله: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلخ، وقال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسديُّ، والضخَّاك، ومقاتل، والكلبيُّ: المراد به آدم عليه السلام، أَرادَ أن يقومَ قبل أن يتمَّ نَفْخُ الروحِ فيه وتصلَ إلى رجليه. وقيل: خَلَقه اللهُ في آخر النهار يومَ الجمعة، فلما أَجرى الروحَ في عينيه ولسانِهِ، ولم يبلغ أسفلَه، قال: يا ربِّ استَعْجِل بخلقي قبل غروبِ الشمس. وروي ذلك عن مجاهد. وقيل: المراد أنَّه خُلِقَ بسرعة على غيرِ ترتيبٍ خَلْقِ بَنِيْه حيث تدرَّج في خَلْقهم، وذُكر ذلك لبيان أنَّ خَلْقَه كذلك من دواعي عجلتِه في الأمور. والأظهر: إرادة الجنس، وإن كان خَلْقه عليه السلام وما يقتضيه سارياً إلى أولاده، وما تقدَّم في سبب النزول لا يأباه كما لا يخفى. وقيل: العَجَل: الطين، بلغة حِمْير، وأنشد أبو عبيدةَ لبعضهم: (١) مجاز القرآن ٣٨/٢-٣٩. (٢) البحر المحيط ٣١٢/٦. (٣) القائل: أبو حيَّة النميري، والبيت من شواهد سيبويه في الكتاب ١٥٦/٣، وفيه: نضرب، بدل: يضرب. وتلقي، بدل: يلقي. وكذا وردت روايته في خزانة الأدب ٢١٤/١٠. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٠٢ الآية : ٣٨ والنبعُ في الصخرة الصَّمَّاء منبتُه والنَّخْلُ ينبتُ بين الماءِ والعَجَلِ(١) واعترض بأنَّه لا تقريبَ لهذا المعنى هاهنا. وقال الطيبيُّ: يكون القصدُ عليه تحقيرَ شَأْن جنسٍ الإنسان؛ تتميماً لمعنى التهديد في قوله تعالى: ﴿سَأُوْرِكُمْ ءَايَتِى فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾ والمعوَّل عليه المعنى الأوَّل، والخطاب للكفرةِ المستعجلين. والمراد بآياته تعالى نقماتُه عزَّ وجلَّ، والمراد بإراءتهم إيَّاها إصابتُه تعالى إيّاهم بها، وتلك الإراءة في الآخرة على ما يشير إليه ما بعد، وقيل: فيها وفي الدنيا، والنهي عن استعجالهم إياهُ تعالى بالإتيان بها، مع أنَّ نفوسَهم جُبلَت على العَجَلة؛ ليمنعوها عمَّا تريده، وليس هذا من التكليف بما لا يُطاق؛ لأنَّ اللهَ تعالى أعطاهم من الأسباب ما يستطيعون به كفَّ النفس عن مقتضاها، ويرجع هذا النهي إلى الأمر بالصبر. وقرأ مجاهد، وحميد، وابن مقسم: ((خَلَقَ الإنسانَ))(٢) ببناء ((خلق)) للفاعل، ونصب ((الإنسان)). ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي: وقت وقوعِ الساعة الموعودِ بها، وكانوا يقولون ذلك؛ استعجالًا لمجيئه بطريقِ الاستهزاء والإنكار، كما يُرشِد إليه الجواب، لا طلباً لتعيين وقتِهِ بطريق الإلزام، كما في سورة ((المُلْك))(٣)، و(متى)) في موضع رَفْعٍ على أنَّه خبرٌ لهذا. ونقل عن بعضٍ الكوفيين أنَّه في موضع نصبٍ على الظرفيَّة، والعامل فيه فعلٌ مقدَّر، أي: متى يأتي هذا الوعدُ ﴿إِنَ كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ بأنَّه يأتي، والخطابُ للنبيِّ وَّهِ والمؤمنينَ الذين يتلونَ الآياتِ الكريمةَ المنبئةَ عن إتيانِ (١) وقع في الأصل و(م): منبته في، بدل: ينبت بين، وكذا ورد البيت في حاشية الشهاب ٣٥٥/٦، والمثبت من تهذيب اللغة ٣٦٩/١، والنكت والعيون ٤٤٧/٣، والكشاف ٥٧٣/٢، والمحرر الوجيز ٨٢/٤، وتفسير القرطبي ٢٠٤/١٤، واللسان (عجل)، ولم نقف على قائله، وقال ابن عطية: وهذا أيضاً ضعيف، ومعناه مباين لمعنى الآية. اهـ. (٢) القراءات الشاذة ص٩١، والبحر المحيط ٣١٣/٦. (٣) بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَهْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآَ أَنَاْ نَذِيرٌ تُبِينٌ﴾ [الملك: ٢٥-٢٦]. الآية : ٣٩ ١٠٣ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ الساعة، وجوابُ الشرط محذوفٌ؛ ثقةً بدلالة ما قَبله عليه، فإنَّ قولهم: ((متى هذا الوعد)» حيث كان استبطاءً منهم للموعود، وطلباً لإتيانِه بطريق العَجَلة، في قوَّة طلب إتيانه بالعجلة، فكأنَّه قيل: إن كنتم صادقين، فليأتنا بسرعة. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ استئنافٌ مسوق لبيانِ شِدَّة هَوْلِ ما يستعجلونه، وفظاعة ما فيه من العذاب، وأنَّهم إنَّما يستعجلونه؛ لجهلهم بشأنه، وإيثارُ صيغة المضارع في الشرط - وإن كان المعنى على المضيِّ - لإفادة استمرارٍ عدم العلم بحسب المقام، وإلا، فكثيراً ما يفيدُ المضارع المنفيُّ انتفاءَ الاستمرار، ووضع الموصولُ موضعَ الضمير؛ للتنبيه بما في حيِّز الصلةِ على علَّة استعجالهم. وقوله تعالى: ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ مفعول (يعلم))، على ما اختاره الزمخشريُّ(١)، وهو عبارة عن الوقت الموعودِ الذي كانوا يستعجلونه، وإضافتُه إلى الجملة الجارية مجرى الصفة التي حقُّها أن تكون معلومةً الانتساب إلى الموصوف عند المخاطَب أيضاً مع إنكار الكفرةِ ذلك؛ للإيذان بأنَّه من الظهور بحيث لا حاجةً إلى الإخبار به، وإنَّما حقُّه الانتظامُ في سلك المسلّمات المفروغِ منها . وجواب (لو)) محذوف، أي: لو لم يستمرَّ عدمُ علمهم بالوقت الذي يستعجلونه بقولهم: (متى هذا الوعد»، وهو الوقت الذين تحيطُ بهم النارُ فيه من كلِّ جانب. وتخصيصُ الوجوهِ والظهور بالذِّكْر بمعنى القدَّام والخَلْف؛ لكونهما أشهرَ الجوانب، واستلزام الإحاطة بهما للإحاطة بالكُلِّ بحيث لا يقدرونَ على دَفْعها(٢) بأنفسهم من جانبٍ من جوانبهم. (٣)﴾ من جهة الغير في دَفْعها ... إلخ، لما فَعلوا ما فعلوا ﴿وَلَ هُمْ يُنصَرُونَ من الاستعجال. وقدَّر الحوفيُّ: لسارعوا إلى الإيمان. وبعضُهم: لعلموا صحَّة البعث، وكلاهما ليس بشيء، وقيل: إنَّ (لو)) للتمنِّي لا جوابَ لها، وهو كما ترى. (١) الكشاف ٢ / ٥٧٣ . (٢) في (م): رفعها. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٠٤ الآية : ٤٠ وجوِّز أن يكون ((يعلم)) متروكَ المفعول، منزَّلًا منزلَة اللازم، أي: لو كان لهم عِلْم لما فعلوا ذلك. وقوله تعالى: ((حين)) إلخ، استئناف مقرِّر لجهلهم ومبيِّن لاستمراره إلى ذلك الوقت، كأنَّه قيل: حين يَرَوْن ما يَرَوْن يعلمونَ حقيقةَ الحال، وفي ((الكشف)) كأنَّه استئنافٌ بيانيٌّ، وذلك أنَّه لما نفى العِلْم كان مظنَّة أن يُسأَلَ: فأيّ وقتٍ يعلمون؟ فأُجيبَ: حين لا ينفعهم. والظاهر كون ((حين)) إلخ مفعولًا به لـ ((يعلم)). وقال أبو حيَّان: الذي يظهر أنَّ مفعولَه محذوفٌ؛ لدلالة ما قبله عليه، أي: لو يعلم الذين كفروا مَجِيْءَ الموعودِ الذي سألوا عنه واستبطؤوه، و((حين)) منصوبٌ بذلك المفعول(١). وليس عندي بظاهر. ﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةٌ﴾ عطفٌ على ((يكفُّون))، وزعم ابنُ عطيَّةٍ(٢) أنَّه استدراك مقدَّر قبله نفيٌّ، والتقدير: إنَّ الآيات لا تأتي بحسَب اقتراحِهم، بل تأتيهم بغتةً. وقيل: إنَّه استدراك عن قوله تعالى: (لو يعلم)) إلخ، وهو منفيٌّ معنّى، كأنَّه قيل: لا يعلمونَ ذلك، بل تأتيهم ... إلخ. وبينه وبين ما زعمه ابنُ عطيّة، كما بينَ السماء والأرض. والمضمر في ((تأتيهم)) عائد على ((الوعد»؛ لتأويله بالعِدَة أو الموعدة، أو الحين؛ لتأويله بالساعة، أو على ((النار))، واستظهره في ((البحر))(٣). و((بغتة)) أي: فجأة، مصدر في موضع الحال، أو مفعول مُطلق لـ ((تأتيهم))، وهو مصدر من غيرِ لفظه. ﴿فَبْهَتُهُمْ﴾ تدهشُهُم وتحيِّرهم أو تغلبهم، على أنَّه مَعنّى كنائيٌّ. وقرأ الأعمش: (بل يَأْتِيْهم)) بياءِ الغيبة، ((بَغَتَةً)) بفتح الغين، وهو لغةٌ فيها، وقيل: إنَّه يجوز في كلِّ ما عَيْنُه حرف حَلْق. ((فيبهتهم)) بياء الغيبة أيضاً(٤)، فالضمير (١) البحر المحيط ٣١٣/٦. (٢) المحرر الوجيز ٤ /٨٣. (٣) البحر المحيط ٣١٤/٦. (٤) القراءات الشاذة ص ٩١، والبحر المحيط ٦/ ٣١٤. الآية : ٤١ ١٠٥ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ المستتر في كلٌّ من الفعلين للوعد أو للحين، على ما قال الزمخشريُّ(١). وقال أبو الفضل الرازيُّ(٢): يحتمل أن يكونَ للنار، بجعلها بمعنى العذاب. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ الضمير المجرور عائدٌ على ما عادَ عليه ضميرُ المؤنَّث فیما قبله. وقيل: على البغتة، أي: لا يستطيعون ردَّها عنهم بالكليّة. ﴿وَلَ هُمْ يُنَظَرُونَ ﴾﴾ أي: يُمْهَلون ليستريحوا طرفةَ عينٍ، وفيه تذكيرٌ بإمهالهم في الدنيا . ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ إلخ، تسليةٌ لرسولِه ◌َ لَ عن استهزائِهم بعد أن قضى الوَطَر من ذِكْر الأجوبة عن مطاعنهم في النبوّة، وما أدمج فيها من المعاني التي هي لبابُ المقاصد، وفيه أنَّه عليه الصلاة والسلام قضى ما عليه من عُهدة الإبلاغ، وأنَّه المنصور في العاقبة، ولهذا بُدِيَ بذِكْر أجلَّة الأنبياءِ عليهم السلام؛ للتأسِّي، وختم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِىِ الزَُّرِ﴾ إلخ [الأنبياء: ١٠٥]، وتصدير ذلك بالقَسَم؛ لزيادة تحقيقٍ مضمونه. وتنوين الرسل للتفخيم والتكثير. و((من)) متعلّقة بمحذوف هو صفة له، أي: وبالله لقد استهزئَ برسلٍ أُولي شَأْن خطير، وذوي عددٍ كثير، كائنينَ من زمان قَبْلَ زمانِك، على حذف المضافِ وإقامة المضافِ إليه مقامَه. ﴿فَحَاقَ﴾ أي: أحاط عقيبَ ذلك، أو نزل، أو حلَّ، أو نحو ذلك، فإنَّ معناه يدور على الشمول واللزوم، ولا يكاد يستعمل إلا في الشَّرِّ. والحَيْقُ: ما يشتمل على الإنسانِ من مكروهٍ فِعْله. وقيل: أصل حَاقَ: حقَّ، كزال وزلَّ، وذَام وذمَّ. وقوله تعالى: ﴿ِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم﴾ أي: من أولئك الرسل عليهم السلام، متعلِّق بـ ((حاق)). وتقديمه على فاعله الذي هو قوله تعالى: ﴿مَّا كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ للمسارعة إلى بيانِ لحوقِ الشَّرِّ بهم. (١) الكشاف ٢/ ٥٧٣ . (٢) ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٣١٤/٦. سُوَرَّةُ الأَنْبِيَاءِ ١٠٦ الآية : ٤٢ و((ما)) إمّا موصولة مفيدةٌ للتهويل، والضمير المجرور عائدٌ عليها، والجارّ متعلِّق بالفعل بعده، وتقديمُه لرعاية الفواصل، أي: فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به، حيث أُهلكوا لأجله. وإمَّا مصدريَّة، فالضمير راجع إلى جنسٍ الرسول المدلول عليه بالجمع، كما قالوا. ولعلَّ إيثارَ الإفراد على الجمع؛ للتنبيه على أنَّه يحيقُ بهم جزاءُ استهزائهم بكلِّ واحدٍ منهم عليهم السلام، لا جزاءُ استهزائهم بكلِّهم من حيث هو فقط، أي: فنزل بهم جزاءُ استهزائهم، على وَضْع السبب موضعَ المسبب؛ إيذاناً بكمال الملابسة بينهما، أو عين استهزائهم إن أُريد بذلك العذاب الأخرويُّ، بناءً على ظهور الأعمال في النشأة الأخرويَّة بصور مناسبةٍ لها في الحُسْن والقُبح. ﴿قُلْ﴾ أمرٌ له وَّهِ أن يَسألَ أولئك المستهزئينَ سؤالَ تقریع وتنبيهٍ کیلا یغترُّوا بما غشيَهم من نِعَمِ اللهِ تعالى، ويقول: ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي: يحفظُكم ﴿بِأَتْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنْ﴾ أي: مَن بأسِه، بقرينةِ الحفظ، وتقديم الليل؛ لما أنَّ الدواهيَ فيه أكثرُ وقوعاً وأشدُّ وَقْعاً. وفي التعرُّض لعنوان الرحمانيَّة تنبيه على أنَّه لا حفظَ لهم إلا برحمته تعالى، وتلقينٌ للجواب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِكَ اَلْكَرِيِ﴾ [الانفطار: ٦]، وقيل: إنَّ ذلك إيماء إلى أنَّ بأسَه تعالى إذا أرادَ شديدٌ أليمٌ، ولذا يقال: نعوذُ بالله عزَّ وجلَّ من غضبِ الحليم، وتنديمٌ لهم حيث عذَّبهم من غلبتْ رحمتُه، ودلالةٌ على شدَّة خُبْئهم. وقرأ أبو جعفر، والزهريُّ، وشيبةُ: ((يَكْلُوْكُم)) بضمَّة خفيفة من غير همز، وحكى الكسائيُّ والفرَّاء: ((يَكْلَوْكُم)) بفتح اللام وإسكان الواو(١). وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ ﴾﴾ إضرابٌ عن ذلك، تسجيلًا عليهم بأنَّهم ليسوا من أهلِ السماع، وأنَّهم قومٌ أَلْهَتْهُم النِّعَمُ عن المنعِم، فلا يذكرونه - عزَّ وجلَّ - حتى يخافوا بأسَه، أو يعدُّوا ما كانوا فيه من الأمن والدَّعَة حفظاً وكلاءةً، ليسألوا عن الكالئ، على طريقة قوله: (١) البحر المحيط ٣١٤/٦. الآية : ٤٣ ١٠٧ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ماذا تُحيُّون من نُؤْىٍ وأَحجارٍ(١) عُوجوا فحبُّوا لنُعْمى دمْنَةَ الدارِ وفيه أنَّهم مستمرُّون على الإعراض، ذُكِّروا ونبِّهوا أَوْ لا، وفي تعليق الإعراض بذِكْره تعالى وإيرادِ اسم الربِّ المضاف إلى ضميرهم المنبئ عن كونِهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته تعالى، من الدلالةِ على كونهم في الغاية القاصية من الضلالة والغيِّ ما لا يخفى. وقيل: إنَّه إضراب عن مقدَّر، أي: إنَّهم غيرُ غافلين عن الله تعالى حتى لا يجدي السؤال عنه سبحانه، كيف وهم إنَّما اتَّخذوا الآلهةَ وعبدوها لتشفعَ لهم عنده تعالى، وتقرِّبهم إليه زلفى، بل هم معرضون عن ذِكْره عزَّ وجلَّ، فالتذكير يناسبُهم، وهذا مع ظهورِه من مساقِ الكلام ووضوح انطباقه على مقتضى المقام قد خفيَ عن الناظرين وغفلوا عنه أجمعينٍ. اهـ. وتعقّب بأنَّ السياق لتجهيلهم والتسجيل عليهم بأنَّهم إذا ذُكِّروا لا يَذْكرون، ألا يرى قولَه تعالى: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُُّّ الدُّعَّةَ﴾ [الأنبياء: ٤٥] وما ذكر يقتضي العكسَ؛ لتضمُّنه وصفَهم بإجداء الإنذار والدعاء، مع أنَّ قولَه: غير غافلين، منافٍ لما يدلُّ عليه النظمُ الكريم، فالحقُّ ما تقدَّم. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَأَ﴾ إعراض عن وصفِهم بالإعراض إلى توبيخِهم باعتمادهم على آلهتهم، وإسنادِهم الحفظَ إليها، فـ ((أم)) منقطعة مقدَّرة بـ (بل)) والهمزة، و((لهم)) خبر مقدَّم، و((آلهة)) مبتدأ، وجملة ((تمنعهم)) صفته، و((من دوننا)): قيل: صفة بعد صفة، أي: بل ألَهُم آلهٌ مانعةٌ لهم، متجاوزة مَنْعَنا أو حفظَنا، فهم معوِّلون عليها، واثقونَ بحفظها . وروي عن ابنِ عباس ﴿يَّ أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، والأصل: أم لهم آلهةٌ مِن دوننا تمنعهم. وعليه يكون ((من دوننا)) صفة أيضاً، وقال الحوفيُّ: إنَّه متعلِّق بـ (تمنعهم)، أي: بل ألهم آلهة تمنعهم من عذابٍ مِن عندنا. والاستفهامُ؛ لإنكار أن يكون لهم آلهةٌ كذلك، وفي توجيه الإنكار والنفي إلى (١) القائل: النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٤٨، والدِّمْنة: ما اجتمع من آثار الدار. والنوي: ما يكون حول الخباء لمنع المطر. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٠٨ الآية : ٤٣ وجود الآلهة الموصوفة بما ذُكر، لا إلى نفس الصفة، بأن يقال: أم تمنعهم آلهتُهم إلخ، من الدلالة على سقوطها عن مرتبة الوجودِ - فضلًا عن رتبة المنع ـ ما لا يخفى. وقال بعضُ الأجلَّة: إنَّ الإضرابَ الذي تضمَّنته ((أم)) عائدٌ على الأمر بالسؤال، كالإضراب السابق، لكنه أبلغُ منه من حيث إنَّ سؤالَ الغافل عن الشيء بعيدٌ، وسؤال المعتقدِ لنقيضه أَبعدُ، وفَهِمَ منه بعضُهم أنَّ الهمزة عليه للتقرير بما في زعم الكفرة تهكّماً. وتعقِّب أنَّه ليس بمتعيّن، فيجوز أن يكون للإنكار لا بمعنى أنَّه لم يكن منهم زَعْم ذلك، بل بمعنى أنَّه لِمَ كان مثله مما لا حقيقةً له. والأظهر عندي جعلُه عائداً على الوصف بالإعراض كما سمعت أوَّلًا. وفي ((الكشف)) ضمِّن الإعراضُ عن وصفهم بالإعراض، إنكارَه أبلغَ الإنكار، بأنَّهم في إعراضهم عن ذِكْره تعالى كمن له كالىٌّ يمنعه عن بأسِنا، معرِّضاً فيه بجانب آلهتهم، وأنَّهم أعرضوا عنه تعالى واشتغلوا بهم، ولهذا رُشِّح بما بعدُ، كأنَّه قيل: دَعْ حديثَ الإعراض، وانظر إلى من أعرضوا عن ربِّهم - سبحانه - إليه، فإنَّ هذا أطمُّ وأطمُّ، فتأمَّله؛ فإنَّه دقیق. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ ﴾﴾ استئناف مقرِّر لما قبله من الإنكار، أي: لا يستطيعون أن ينصروا أنفسَهم ويدفعوا عنها ما ينزلُ بها، ولاهم منا يُصحَبون بنصرٍ، أو بمَن يَدفعُ عنهم ذلك من جهتِنا، فهم في غاية العَجْز، وغيرُ معتنى بهم، فكيف يُتُوهَّم فيهم ما يُتوهَّم، فالضمائر الآلهة؛ بتنزيلهم منزلَة العقلاء. وروي عن قتادة، وروي عن ابن عباس ﴿هًا أنها للكفرة، على معنى: ولا يستطيع الكفار نَصْر أنفسهم بآلهتهم، ولا يَصحبُهم نصرٌ من جهتنا. والأوَّل أَولى بالمقام، وإن كان هذا أبعدَ عن التفكيك. و ((منَّا)) على القولين، يحتمل أن يتعلَّق بالفعل بعدَه، وأن يتعلَّق بمقدَّر وقعَ صفةً لمحذوف. الآية : ٤٤ ١٠٩ سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءٍ وَءَبَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُّ﴾ إلخ، إضراب على ما في ((الكشف)) عن الضَّرْب السابق من الكلام إلى وعيدِهم، وأنَّهم من أهل الاستدراج، وأخرجهم عن الخطاب؛ عدم مبالاةٍ بهم، وفي العدول إلى الإشارة عن الضمير إشارةٌ إلى تحقیرهم. وفي غيرٍ كتابٍ أنَّه إضراب عمَّا توهّموه من أنَّ ما هم فيه من الكلاءة من جهة أنَّ لهم آلهة تَمنعُهم من تطرُّقِ البأس إليهم، كأنَّه قيل: دَعْ ما زعموا من كونهم محفوظينَ بكلاءةٍ آلهتهم، بل ما هم فيه من الحفظ منَّا لا غير، حَفِظْناهم من البأساءِ ومَّعناهم بأنواعِ السَّرَّاء؛ لكونهم من أهل الاستدراجِ والانهماكِ فيما يؤدِّيهم إلى العذاب الأليم. ويحتمل أن يكون إضراباً عمَّا يدلُّ عليه الاستئنافُ السابقُ من بطلان توقُّمهم، كأنَّه قيل: دَعْ ما يبيِّن بطلانَ توهُّمهم من أن يكون لهم آلهة تمنعهم، واعلم أنَّهم إنَّما وقعوا في ورطة ذلك التوقُّم الباطل، بسبب أنَّا متَّعناهم بما يشتهونَ حتى طالت مدَّة عمارةٍ أبدانهم بالحياة، فحسبوا أنَّ ذلك يدوم، فاغترُّوا وأَعرضوا عن الحقِّ واتَبعوا ما سوَّلت لهم أنفسُهم، وذلك طمعٌ فارغ وأملٌ كاذب. ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أي: أَلَا ينظرونَ فلا يرونَ ﴿أَنَّا نَأْتِ اَلْأَرْضَ﴾ أي: أرضَ الكفرة أو أرضَهم ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بتسليطِ المسلمين عليها، وحَوْزِ ما يحوزونَه منها، ونظمِه في سِلْكِ مِلْكهم، والعدول عن: أنَّا ننقصُ الأرضَ من أطرافها، إلى ما في النظم الجليل؛ لتصوير كيفيَّة نَقْصها وانتزاعِها من أيديهم، فإنَّه بإتيان جيوش المسلمين واستيلائهم، وكان الأصل: يأتي جيوشُ المسلمين، لكنَّه أسندَ الإتيانَ إليه عزَّ وجلَّ؛ تعظيماً لهم وإشارةً إلى أنَّه بقدرته تعالى ورضاه، وفيه تعظيمٌ للجهاد والمجاهدین. والآية كما قدَّمنا أوَّلَ السورة مدنيَّة، وهي نازلة بعد فَرْضِ الجهاد، فلا يَرِدُ أنَّ السورةَ مكيَّةٌ والجهاد فُرضَ بعدها، حتى يقال: إنَّ ذلك إخبارٌ عن المستقبل، أو يقال: إنَّ المرادَ: ننقُصها بإذهاب بركتها، كما جاء في روايةٍ عن ابنِ عباس، أو بتخريب قُراها وموتٍ أهلها، كما روي عن عكرمة. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١١٠ الآية : ٤٥ وقيل: ننقُصها بموتِ العلماء، وهذا إن صحَّ عن رسول اللهِ نَّهِ فلا معدلَ عنه(١)، وإلا، فالأظهرُ - نظراً إلى المقام - ما تقدَّم، ويؤيِّده قولُه تعالى: ﴿أَفَهُمُ : على رسولِ الله ◌َّ﴿ والمؤمنين. الْغَلُونَ والمراد إنكار ترتيب الغالبيَّة على ما ذكر من نقصٍ أرض الكفرة بتسليط المؤمنين عليها، كأنَّه قيل: أَبَعْدَ ظهورِ ما ذُكر ورؤيتهم له يُتوهّم غلبتُهم، وفي التعريف تعريضٌ بأنَّ المسلمين هم المتعيَّنون للغلبة المعروفون فيها . ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ﴾ بعد ما بيَّن من جهته تعالى غايةَ هول ما يستعجله المستعجلونَ ونهايةَ سُوءٍ حالهم عند إتيانه، ونعى عليهم جهلَهم بذلك، وإعراضَهم عن ذِكْر ربِّهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل وحوادث النهار، وغير ذلك من مساويهم، أَمَرَ عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم: إنَّما أُنذركم ما تستعجلونه من الساعة ﴿بَلْوَحِيْ﴾ الصادقِ الناطق بإثباتها وفظاعة ما فيها من الأهوال، أي: إنَّما شأني أن أُنذركم بالإخبار بذلك، لا بالإتيان بها، فإنَّه مزاحم للحكمة التكوينيَّة والتشريعيَّة، فإنَّ الإيمانَ برهانيٍّ لا عيانيٌّ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الضُُّّ الدُّعَ﴾ إمَّا من تتمَّة الكلام الملقَّن، تذييلٌ له بطريقِ الاعتراض، قد أُمِرَ وَّ بأن يقولَه لهم؛ توبيخاً وتقريعاً وتسجيلًا عليهم بكمال الجهل والعناد، وإمَّا من جهتِّه تعالى على طريقة قوله سبحانه: ((بل هم عن ذِكْر ربِّهم معرضُون)) كأنَّه قيل: قل لهم ذلك وهم بمعزلٍ عن السماع. واللام في ((الصُّمّ)) إمَّا للجنس المنتظِم لهؤلاء الكفرة انتظاماً أوليًّا، وإمّا للعهد، فوضعَ المظهَر موضعَ المضمَر؛ للتسجيل عليهم بالتصامم، وتقييد نفي السماع بقوله تعالى: ﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ ﴾﴾ مع أنَّ الصُّمَّ لا يسمعون مطلقاً؛ لبيان كمالِ شدة الصَّمَم كما أنَّ إيثارَ الدعاء - الذي هو عبارةٌ عن الصوت والنداء - على الكلام لذلك فإنَّ الإنذارَ عادةً يكون بأصوات عالية مكرَّرة مقارنة لهيئات دالَّة عليه، فإذا لم يسمعوها، يكن صممُهم في غايةٍ لم يُسمَع بمثلها. وقيل: لأنَّ الكلامَ في الإنذار، ألا ترى قولَه تعالى: ((قل إنما أنذركم بالوحي)) وفيه دغدغةٌ لا تَخفى. (١) أخرج ابن مردويه كما في الدر المنثور ٦٨/٤ عن أبي هريرة الله قال: قال رسول الله وَله في قوله تعالى: ﴿نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَاً﴾ قال: ((ذهاب العلماء)). الآية : ٤٦ ١١١ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وقرأ ابنُ عامر، وابنُ جبير عن أبي عمرو، وابنُ الصَّلْت عن حفصٍ: ((تُسمِع)) بالتاء على الخطاب للنبيِّي وَلِ من الإسماع، ((الصُّمَّ الدعاءَ)) بنصبهما على المفعوليَّة(١)، وهذه القراءة تؤيِّد احتمالَ كون الجملة من جهته تعالی. وقُرئَ: (يُسمِع)) بالياء على الغيبة، وإسناد الفعل إلى ضميرِهِ نَِّ، ((الصُّمَّ الدعاءَ)) بنصبِهما على ما مرَّ(٢). وذَكَر ابنُ خَالويه(٣) أنَّه قُرئَ: (يُسمَع)) مبنيًّا للمفعول، ((الصُّمُّ)) بالرفع على النيابة عن الفاعل، ((الدعاءَ)) بالنصب على المفعوليَّة. وقرأ أحمد بنُ جبير الأنطاكيُّ، عن اليزيديِّ، عن أبي عمرٍو: ((يُسمِع)) بضمٌّ ياء الغيبة وكسر الميم، ((الصُّمَّ)) بالنصب على المفعوليَّة، ((الدعاءُ)) بالرفع على الفاعليَّة بـ ((يسمع))، وإسناد الإسماع إليه من باب الاتِّساع، والمفعول الثاني محذوف كأنَّه قيل: ولا يُسمِع الدعاءُ الصُّمَّ شيئاً(٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَيِن مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ﴾ بيان لسرعة تأثّرهم من مَجِيءٍ نفسِ العذاب إثْرَ بيانِ عدم تأثّرهم من مَجيءٍ خبرِهِ، على نهج التوكيد القَسَمي، أي: وبالله لئن مسَّهم أدنى شيءٍ من عذابِه تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ يَوَيِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِين ٤٦ أي: لَيَدْعُنَّ على أنفسِهم بالويل والهلاكِ، ويعترفُنَّ عليها بالظلم السابق. وفي ((مسَّتهم نفحةٌ)) ثلاثُ مبالغاتٍ، كما قال الزمخشريُّ(٥)، وهي كما في ((الكشف)) ذكْرُ المسِّ وهو دون النفوذ، ويكفي في تحقُّقه إيصالٌ ما، وما في النفحِ من معنى النَّزَارة، فإنَّ أصلَه هبوبُ رائحةِ الشيءِ، ويقال: نَفَحته الدابَّةُ: ضربته بحدٌ حافرِها. ونَفَحه بعطيّة: رَضَخَهُ، وأعطاه يسيراً. وبناءُ المَرَّة وهي لأقلِّ ما ينطلق عليه الاسمُ، وجعل السكّاكيُّ التنكيرَ رابعتَها(٦)؛ لما يفيده من التحقير، واستفادة ذلك - إن (١) البحر المحيط ٣١٥/٦، وقراءة ابن عامر في التيسير ص ١٥٥، والنشر ٣٢٣/٢. (٢) البحر المحيط ٣١٥/٦. (٣) في القراءات الشاذة ص٩١، ونسبها للحسن. (٤) البحر المحيط ٣١٥/٦ - ٣١٦، وورد في (م): الصمَّ الدعاءُ، بدل: الدعاءُ الصُّمَّ. (٥) الكشاف ٢/ ٥٧٤ . (٦) حاشية الشهاب ٦/ ٣٥٧، وينظر مفتاح العلوم للسكاكي ص١٩٣. سُورَةُ الأَنْيَاءِ ١١٢ الآية : ٤٧ سُلِّمت - من بناءِ المرَّة ونفس الكلمة لا يعكِّر عليه، كما زعم صاحب ((الإيضاح))(١). واعترضَ بعضُهم المبالغةَ في المسِّ بأنَّه أقوى من الإصابة، لما فيه من الدلالة على تأثّر حاسَّة الممسوس، وممَّا ذكر في ((الكشف)) يُعلمَ اندفاعُه لمن مسَّته نفحةٌ عنايةٍ، ولعلَّ في الآية مبالغة خامسة تظهر بالتأمُّل؛ ثمَّ الظاهر أنَّ هذا المسَّ يوم القيامة كما رمزنا إليه، وقيل: في الدنيا؛ بناءً على ما روي عن ابنِ عباس رًِّا من تفسيرِ النفحة بالجوع الذي نزل بمگّة. وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِيْنَ اَلْقِسْطَ﴾ بيانٌ لما سيقع عند إتيانِ ما أُنْذِرُوه. وجعل الطيبيُّ الجملةَ حالًا من الضمير في ((ليقولنَّ)) بتقدير: ونحن نضع، وهي في الخلوِّ عن العائد نحو: جِئْتُكَ والشمسُ طالعةٌ، ويجوز أن يقال: أُقيم العمومُ في ((نفس)) الآتي بَعْدُ مقامَ العائد، وهو كما ترى، أي: ونُحضِر الموازينَ العادلةَ التي تُوزن بها صحائفُ الأعمال كما يقضي بذلك حديثُ السِّجلَّات والبطاقة الذي ذكره مسلم وغيره(٢)، أو نفسُ الأعمال كما قيل. وتظهر بصور جوهريَّة مشرقةٍ إن كانت حسناتٍ، ومظلمةٍ إن كانت سيئاتٍ، وجمع الموازينِ ظاهرٌ في تعدُّد الميزان حقيقةً، وقد قيل به، فقيل: لكلِّ أُمَّة ميزانٌ، وقيل: لكلِّ مكلَّف ميزان، وقيل: للمؤمن موازينُ بعددِ خيراته وأنواع حسناته. والأصحُ الأشهرُ: أنَّه ميزانٌ واحدٌ لجميع الأُمم ولجميع الأعمال، كِفَّتاه كأطباق السماوات والأرض؛ لصَحَّة الأَخبار بذلك(٣)، والتعدُّد اعتباريٌّ، وقد يعبّر عن الواحد بما يدلُّ على الجمع؛ للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩- ١٠٠] وقوله: أَلَا فارحموني يا إلَهَ محمَّدٍ (٤) (١) الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ١/ ٤٧ . (٢) لم نقف عليه عند مسلم، والحديث سلف عند تفسير الآية (٨) من سورة الأعراف. (٣) ينظر ما سلف منها عند تفسير الآية (٨) من سورة الأعراف. (٤) هذا صدر بيت لحسان بن ثابت كما ذكر ذلك الشنقيطي في أضواء البيان ٨٢١/٥، وعجزه: فإن لم أكن أهلًا فأنت له أهل الآية : ٤٧ ١١٣ سُورَةُ الأَنْبيََّاءِ وإحضار ذلك تجاهَ العرشِ بين الجنَّة والنار، ويأخذ جبريلُ عليه السلام بعمودِه ناظراً إلى لسانِهِ، وميكائيلُ عليه السلام أمينٌ عليه، كما في ((نوادر الأصول)) (١). وهل هو مخلوقٌ اليومَ أو سيُخلَق غداً؟ قال اللقانيّ(٢): لم أقف على نصٍّ في ذلك، كما لم أقف على نصٍّ في أنَّه من أيِّ الجواهر هو. اهـ. وما روي من أنَّ داود عليه السلام سأل ربَّه سبحانه أن يُريَه الميزانَ، فلما رآه، غُشي عليه، ثم أفاق، فقال: يا إلهي مَن الذي يَقدِرُ أن يَملأَ كفَّته حسناتٍ؟ فقال تعالى: يا داود إنِّي إذا رضيتُ عن عبدي ملأتُها بتمرةٍ(٣) = نصٌّ في أنَّه مخلوقٌ اليوم، لكن لا أدري حالَ الحديث فليُنَقَّر(٤). وأنكر المعتزلةُ الميزانَ بالمعنى الحقيقيّ، وقالوا: يجب أن يُحمَل ما ورد في القرآن من ذلك على رعايةِ العدل والإنصاف، ووَضْعُ الموازينِ عندهم تمثيلٌ الإرصاد الحساب السويِّ، والجزاء على حسَب الأعمال، وروي هذا عن الضخَّاك، وقتادة، ومجاهد، والأعمش. ولا داعي إلى العدول عن الظاهر. وإفرادُ القِسْط مع كونه صفة الجمع؛ لأنَّه مصدرٌ، ووُصِفَ به مبالغةً، ويجوز أن يكون على حذفٍ مضاف، أي: ذوات القِسْط، وجوَّز أبو حيَّان(٥) أن يكون مفعولًا لأجله، نحو قوله: لا أَفْعُدُ الجُبْنَ عن الهَيْجاءِ (٦) وحينئذٍ يستغنى عن توجيه إفراده. وقرئ: ((القصط)) بالصاد(٧). (١) لم نقف عليه في مطبوعه. (٢) في كتابه شرح جوهرة التوحيد ص٢٣٤ . (٣) أورده البغوي في تفسيره ٢٤٦/٣، وعزاه المناوي في فيض القدير ٢/ ٢٠٢ إليه. (٤) نَقَرَ الشيءَ: بحث عنه، كنقَّره، ونقر عنه، وتنقَّره. القاموس (نقر). (٥) في البحر المحيط ٣١٦/٦. (٦) الرجز ذكره ابن مالك في ألفيته كما في شرح ابن عقيل ٥٧٥/١ مستشهداً به، ولم نقف على قائله، وتمامه: ولو توالت زُمَرُ الأعداء. وقال العيني في المقاصد النحوية في شرح شواهد الألفية (بهامش خزانة الأدب) ٦٩/٣: رجز راجز لم أقف على اسمه. (٧) البحر المحيط ٣١٦/٦. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١١٤ الآية : ٤٧ واللام في قوله تعالى: ﴿لَِوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بمعنى ((في)) كما نصَّ عليه ابنُ مالك، وأَنشد لمجيئها كذلك قولَ مسكين الدارميّ : أولئك قومي قد مَضَوا لسبيلِهم كما قد مضى مِن قَبْلُ عادٌ وتُبَّعُ(١) وهو مذهب الكوفيين، ووافقهم ابنُ قتيبة، أي: نضع الموازينَ في يوم القيامة التي كانوا يستعجلونها . وقال غيرُ واحد: هي للتعليل، أي: لأَجْل حسابٍ يوم القيامة، أو: لأَجْل أهلِه . وجعلَها بعضُهم للاختصاص، كما هو أحد احتمالين في قولك: جئتُ لخمسٍ ليالٍ خلونَ من الشهر. والمشهور فيه - وهو الاحتمال الثاني - أنَّ اللامَ بمعنى (في)). ﴿فَلَ نُظْلَمُ نَفْسُ﴾ من النفوس ﴿شَيْئاً﴾ من الظّلم فلا ينقص ثوابُها الموعود، ولا يُزاد عذابُها المعهود، فالشيء منصوب على المصدريَّة، والظلمُ هو بمعناه المشهور. وجوِّز أن يكون (شيئاً)) مفعولًا به على الحذف والإيصال، والظلم بحاله، أي: فلا تُظلَم في شيء، بأن تُمنَع ثواباً، أو تُزاد عذاباً. وبعضهم فسَّر الظلمَ بالنقص، وجوَّز في ((شيئاً)) المصدريَّةَ والمفعوليَّةَ من غيرِ اعتبار الحذف والإيصال، أي: فلا تَنقُص شيئاً من النقص، أو شيئاً من الثواب، ويُفهَم عدمُ الزيادة في العقاب من إشارةِ النصِّ واللزومِ المتعارف، واختير ما لا يحتاج فيه إلى الإشارة واللزوم. والفاءُ لترتيب انتفاءِ الظلم على وَضْع الموازين. (١) البحر المحيط ٣١٦/٦، والبيت في خزانة الأدب ١٠١/٤، إلا أن عجز البيت جاء هكذا: كما مات لقمانُ بن عادٍ وتُبَّعُ والبيت من قصيدة ذكر فيها الشاعر شعراءً، كلٌّ منهم نسبَ قبره إلى بلده ومسقط رأسه، وذكر حال الشعراء المتقدِّمين وأنهم ذهبوا ولم يبقَ منهم أحد. الآية : ٤٧ ١١٥ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ وربَّما يُفهَم من ذلك أنَّ كلَّ أحدٍ تُوزَن أعمالُه، وقال القرطبيُّ (١): الميزانُ حقٌّ، ولا يكون في حقِّ كلِّ أحدٍ؛ بدليل الحديث الصحيح: ((فيقال: يا محمَّد أَدخل الجنَّة من أمَّتك مَن لا حسابَ عليه مِن البابِ الأيمنِ ... )) الحديث(٢). وأَحرى الأنبياءُ عليهم السلام، وقولِه تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَاِ﴾ [الرحمن: ٤١] وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥] وقوله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَّى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وإنَّما يبقى الوزنُ لمن شاء اللهُ سبحانه من الفريقين. وذكر القاضي منذرُ بنُ سعيدِ البلُّوطيُّ(٣) أنَّ أهلَ الصبر لا تُوزَن أعمالُهم، وإنَّما يُصَبُّ لهم الأجر صَبًّا، وظواهرُ أكثرِ الآيات والأحاديث تقتضي وَزْنَ أعمالِ الكفَّار، وأوّلَ لها ما اقتضى ظاهرُه خلاف ذلك، وهو قليلٌ بالنسبة إليها، وعندي: لا قاطعَ في عموم الوزن، وأَميلُ إلى عدم العموم، ثم إنَّه كما اختلف في عمومه بالنسبة إلى أفراد الإنْس اختلف في عمومِه بالنسبة إلى نَوْعَي الإنس والجنِّ، والحقُّ أنَّ مؤمِني الجنّ كمؤمِني الإنس، وكافرَهم ككافرِهم، كما بحثه القرطبيُّ(٤) واستنبطه من عدَّة آيات، وبسط اللقانيُّ القولَ في ذلك في ((شرحه الكبير للجوهرة)»(٥)، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيانٌ الخلاف في كيفيَّة الوزنِ. ﴿وَإِن كَانَ﴾ أي: العمل المدلولُ عليه بوضْع الموازين، وقيل: الضميرُ راجع لـ ((شيئاً)) بناءً على أنَّ المعنى: فلا تُظلَم جزاءَ عملٍ من الأعمال ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرَدَلٍ﴾ أي: مقدارَ حبَّة كائنةٍ من خردلٍ، فالجَارُّ والمجرور متعلِّق بمحذوف وقعَ صفةً لـ ((حبة)). (١) في كتابه التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص٣١١. (٢) أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤) (٣٢٧)، وأحمد (٩٦٢٣). (٣) هو: أبو الحكم منذر بن سعيد البلَّوطي، كان متفنناً في ضروب من العلوم، وله تفسير على الكتاب العزيز، والإبانة عن حقائق أصول الديانة، وغيرها، (ت٣٥٥هـ). معجم الأدباء ١٩/ ١٧٤، والروض المعطار ص ٩٥. (٤) في تفسيره ٢٧٧/٢١. (٥) شرح جوهرة التوحيد من ص٢٣٣-٢٣٥ . سُورَةُ الأَبِسَاءِ ١١٦ الآية : ٤٧ وجوّز أن يكون صفةً لـ ((مثقال))، والأوَّل أقربُ، والمراد: وإن كان في غاية القلّة والحقارة، فإنَّ حبَّةَ الخردلِ مثَلُ في الصِّغَر. وقرأ زيد بنُ عليٍّ ﴿يَا، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع: ((مثقالُ)) بالرفع(١) على أنَّ ((كان)) تامَّةٌ. ﴿أَنَيْنَا بِهَا﴾ أي: ((جئنا بها))، وبه قرأ أُبَيٌّ(٢)، والمراد: أحضرناها، فالباء للتعدية، والضميرُ للـ ((مثقال))، وأنِّث لاكتسابِ التأنيث من المضافِ إليه، والجملة جوابُ ((إنْ)) الشرطية، وجوِّز أن تكون ((إِنْ)) وصليَّةً، والجملة مستأنفة، وهو خلافُ الظاهر . وقرأ ابنُ عباس، ومجاهد، وابنُ جبير، وابنُ أبي إسحاق، والعلاءُ بنُ سَيَابَةٍ، وجعفرُ بنُ محمد، وابنُ شريح الأصبهانيُّ: ((آتينا)) بمدَّةً(٣)، على أنَّه مفاعلةٌ من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة؛ لأنَّهم أَتَوْهُ تعالى بالأعمال وأَتاهم بالجزاء. وقيل: هو من الإيتاء، وأصله: أأتينا، فأُبدلت الهمزةُ الثانية ألفاً، والمراد: جازينا أيضاً مجازاً، ولذا عُدِّي بالباء، ولو كان المراد: أعطينا - كما قال بعضُهم - لتعدَّى بنفسِه، كما قال ابنُ جِنِّي(٤) وغيرُه. وقرأ حميد: ((أثبنا)) من الثواب(٥) . ﴿وَكَفَى بِنَا حَسِينَ ﴾﴾ قيل: أي عادِّين ومُحصِين أعمالَهم على أنَّه من الحساب مراداً به معناه اللغويُّ وهو العدُّ، وروي ذلك عن السديِّ، وجوِّز أن يكون كنايةً عن المجازاة. وذكر اللقانيُّ أنَّ الحسابَ في عُرف الشرع توقيفُ اللهِ تعالى عبادَه - إلا من (١) التيسير ص ١٥٥، والنشر ٣٢٤/٢، والبحر المحيط ٣١٦/٦. (٢) القراءات الشاذة ص٩٢، والكشاف ٢/ ٥٧٥، والبحر المحيط ٣١٦/٦. (٣) المحتسب ٦٣/٢، والبحر المحيط ٣١٦/٦. (٤) في المحتسب ٢/ ٦٣ -٦٤. (٥) القراءات الشاذة ص ٩٢، والكشاف ٢/ ٥٧٥، والبحر المحيط ٣١٦/٦. سُوَّةُ الأَنْبِيَاءِ ١١٧ التفسير الإشاري (١-٤٧) استثنى منهم - قبل الانصرافِ من المحشر على أعمالهم، خيراً كانت أو شرًّا، تفصيلًا لا بالوزن(١). وأنَّه كما ذكر الواحديُّ(٢) وغیرُه، وجزم به صاحب («كنز الأسرار))(٣) قَبْلَ الوزنِ، ولا يَخفى أنَّ في الآية إشارةً ما إلى أنَّ الحسابَ المذكور فيها بعد وَضْع الموازين، فتأمَّل، ونَصْبُ الوصفِ إمَّا على أنَّه تمييز أو على أنَّه حالٌ، واستظهر الأوَّلَ في ((البحر))(٤). هذا، ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةِ مُعْرِضُونَ﴾ إلخ فيه إشارةٌ إلى سوءِ حال المحجوبين بحبِّ الدنيا عن الاستعداد للأخرى، فغفلوا عن إصلاح أمرهم وأَعرضوا عن طاعة ربِّهم، وغَدَت قلوبُهم عن الذِّكْر لاهيةً، وعن التفكّر في جلاله وجمالِهِ سبحانه ساهيةً. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إشارةٌ إلى سوء حالٍ بعض المنكِرين على أولياءِ الله تعالى، فإنَّ نفوسَهم الخبيثةَ الشيطانيَّة تأبى اتِّباعهم، لما يرونَ من المشاركة في العوارض البشريّة. ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَقِ كَانَتْ ظَالِمَةٌ﴾ فيه إشارةٌ إلى أنَّ في الظُّلْم خراب العمران، فمتى ظَلَمُ الإنسانُ خرَّب قلبه، وجرَّ ذلك إلى خرابٍ بدنِه وهلاكِه بالعذاب. وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِلْنَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ مداومةَ الذّكْر سببٌ لانجلاءِ الظُلمة عن القلبِ وتطهُّره من دَنَس الأغيار، بحيث لا یبقی فیه سواه سبحانه دیَّار. (١) شرح جوهرة التوحيد ص ٢٢٧ . (٢) الوسيط ٢٤٠/٣. (٣) وهو: كنز الأسرار ولواقح الأفكار لأبي عبد الله محمد بن سعيد بن عمر الصنهاجي المتوفى سنة (٧٩٥هـ). كشف الظنون ٢/ ١٥١٣. (٤) ٦/ ٣١٧ . سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١١٨ التفسير الإشاري (١-٤٧) ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ قيل: هم الكاملون الذين في الحَضْرة، فإنَّهم لا يتحرَّكون ولا يسكنون إلا مع الحضور، ولا تَشقُّ عليهم عبادةٌ، ولا تُلهيهم عنه تعالى تجارةٌ، بواطنُهم مع الحقِّ، وظواهرُهم مع الخَلْقِ، أنفاسُهم تسبيحٌ وتقديسٌ، وهو سبحانه لهم خیرُ أنیس. وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ تُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ إشارة إلى أنَّ الكاملَ لا يختار شيئاً، بل شأنه التفويضُ والجريان تحت مَجاري الأقدار مع طِيْب النَّفْس، ومن هنا قيل: إنَّ القُطْبَ الربانيَّ الشيخَ عبدَ القادر الكيلانيَّ - قدِّس سرُّه وغمرنا بِرُّه - لم يتوفَّ حتى ترقَّى عن مقام الإدلال إلى التفويض المحضٍ، وقد نصَّ على ذلك الشيخُ عبدُ الوهّاب الشَّعْرانيُّ في كتابه ((الجواهر واليواقيت)). ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ خَيٍّ﴾ قد تقدَّم ما فيه من الإشارة. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَاِقَةُ الْمَوْنِ﴾ قال الجنيد قُدِّس سرُّه: من كانت حیاتُه بروحِه، یکون مماتُه بذهابها، ومن كانت حياتُه بربِّه تعالى، فإنَّه يُنقَل من حياة الطبع إلى حياةٍ الأصل، وهي الحياة على الحقيقة. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَرِ فِتْنَةٌ﴾ قيل، أي: بالقهر واللُّطف، والفِراق والوِصال، والإدبار والإقبال، والجهل والعِلْم، إلى غيرِ ذلك، ولا يخفى أنَّه كثيراً ما يُمتَحن السالكُ بالقَبْض والبَسْط، فينبغي له التثبّت في كلِّ عِمَّا يحظُه عن درجته، ولعلَّ فتنةً البَسْط أشدُّ من فتنة القبضٍ، فليتحقَّظ هناك أشدَّ تحقُّظ. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِيِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ قال بعض الصوفيّة: الموازين متعدِّدة، فللعاشقين ميزان، وللوالهين ميزان، وللعاملين ميزان، وهكذا، ومن ذلك ميزانٌ للعارفين تُوزَن به أنفاسُهم، ولا يَزنُ نفساً منها السماواتُ والأرضُ. وذكروا أنَّ في الدنيا موازينَ أيضاً، وأعظمُ موازينها الشريعةُ، وكفَّتاه الكتابُ والسنَّة، ولعمري لقد عظَّل هذا الميزانَ متصوِّفةُ هذا الزمان، أعاذنا الله تعالى والمسلمين ممَّا هُم عليه من الضَّلال، إنَّه عزَّ وجلَّ المُتَفضِّل بأنواع الإفضال. الآية : ٤٨ ١١٩ سُورَةُ الإنْبيَاءِ نوعُ تفصيلٍ ٤٨ ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرً لِلْمُنَّقِينَ لما أُجمل في قوله تعالى: ((وما أَرسلنا قَبْلَكَ إلا رجالًا نوحي إليهم)) إلى قوله سبحانه: ((وأَهلكنا المُسْرفينَ)) وإشارةٌ إلى كيفيةِ إنجائهم، وإهلاكِ أعدائهم، وتصديره بالتوكيد القَسَميِّ؛ لإظهار كمال الاعتناءِ بمضمونه. والمراد بالفرقان: التوراةُ، وكذا بالضياء والذِّكْر، والعطف كما في قوله: إلى المَلِكِ القَرمِ وابنِ الهُمامِ وَلَيْثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَم(١) ونقل الطيبيُّ أنَّه أدخل الواو على ((ضياء)) وإن كان صفةً في المعنى دون اللفظ، كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظاً، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ [الأنفال: ٤٩] وقال سيبويه(٢): إذا قلت: مررتُ بزيدٍ وصاحبِكَ، جاز، وإذا قلت: ومررتُ بزيدٍ فصاحبكَ، بالفاء، لم يجز، كما جاز بالواو؛ لأنَّ الفاءَ تقتضي التعقيبَ وتأخيرَ الاسم عن المعطوفِ عليه، بخلاف الواو، وأما قول القائل : يا لَهْفَ زيّابةً للحارثِ الصَّا بِحِ فالغانمِ فالآيبِ (٣) فإنَّما ذكر بالفاء وجاد؛ لأنَّه ليس بصفةٍ على ذلك الحدِّ؛ لأنَّ (أَل)) بمعنى ((الذي)) أي: فالذي صبح، فالذي غنم، فالذي آبَ، وأبو الحسن يجيزُ المسألةَ بالفاء كما يجيزها بالواو. انتهى. والمعنى: وبالله لقد آتيناهما كتاباً جامعاً بين كونه فارقاً بين الحقِّ والباطل، وضياءً يُستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذِكْراً يتَّعظ به الناسُ ويتذكّرون، وتخصيصُ المثَّقين بالذِّكْر؛ لأنَّهم المنتفعونَ به، أو ذكر ما يحتاجونَ إليه (٤) من الشرائع والأحكام، أو شرفٌ لهم. وقيل: الفرقان: النصر، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ اَلْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] (١) سلف ٢/ ٣٥٠. (٢) الكتاب ٣٩٩/١. (٣) البيت لابن زيَّابة التيمي، وسلف ٤٠٩/١١. (٤) في (م): به. سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ ١٢٠ الآية : ٤٩ وأُطلق عليه؛ لفَرْقِه بين الوليِّ والعدوِّ، وجاء ذلك في روايةٍ عن ابن عباس، والضياء حينئذٍ إمَّا التوراةُ، أو الشريعةُ، أو اليدُ البيضاء، والذِّكْر بأحدِ المعاني المذكورة. وعن الضَّّاك أنَّ الفرقانَ فَلقُ البحر، والفَرْق والفَلْق أخوان، وإلى الأوَّل ذهب مجاهد، وقتادة، وهو اللائق بمساقِ النظم الكريم، فإنَّه لتحقيق أَمْرِ القرآن المشارِك لسائر الكتب الإلهيّة، لاسيما التوراة فيما ذُكر من الصفات، ولأنَّ فلقَ البحر هو الذي اقترح الكفرةُ مثلَه بقولهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَُّونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والضخَّاك: ((ضياء)) بغير واوٍ(١)، على أنَّه حالٌ من (الفرقان))، وهذه القراءة تؤيِّد أيضاً التفسيرَ الأوَّل. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم﴾ مجرورُ المحلِّ على أنَّه صفةٌ مادحةٌ (للمتقين)) أو بدل، أو بيان، أو منصوبٌ، أو مرفوعٌ على المدح، والمراد على كلِّ تقدیر : يَخشَون عذابَ ربِّهم. وقوله سبحانه: ﴿بِالْغَيْبٍ﴾ حال من المفعول، أي: يخشون ذلك، وهو غائبٌ عنهم غيرُ مرئيٍّ لهم، ففيه تعريضٌ بالكفرة حيث لا يتأثّرون بالإنذار ما لم يُشاهدوا ما أُنذروه. وقال الزجَّاج: حال من الفاعل، أي: يخشونه غائبينَ عن أعينِ الناس. ورجَّحه ابنُ عطيّة(٢). وقيل: يخشونه بقلوبهم. ﴿َهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ﴾﴾ أي: خائفون منها(٣) بطريقِ الاعتناء، والجملة تحتملُ العطفَ على الصلة، وتحتملُ الاستئنافَ، وتقديم الجارِّ؛ لرعاية الفواصل، وتخصيصُ إشفاقِهم من الساعة بالذِّكْر بعد وصفِهم بالخشية على الإطلاق؛ للإيذان بكونها معظمَ المخوِّفات(٤)، وللتنصيص على انِّصافهم بضدٌ (١) القراءات الشاذة ص٩٢، والمحتسب ٦٤/٢. (٢) المحرر الوجيز ٨٥/٤. (٣) ليست في (م). (٤) في الأصل و(م): المخلوقات. والمثبت من تفسير أبي السعود ٦/ ٧١.