Indexed OCR Text

Pages 21-40

الآية : ٤
٢١
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وإنَّما أسرُّوا ذلك؛ لأنَّه كان على طريق توثيقِ العهد، وترتيب مبادئ الشَّرِّ
والفساد، وتمهيد مقدِّمات المكر والكيد في هدم أَمْرِ النبوَّة، وإطفاءِ نورِ الدين،
واللهُ تعالى يأبى إلا أن يتمَّ نوره ولو كره المشركون.
وقيل: أسرُّوه ليقولوا للرسول وَّهِ والمؤمنين: إن كان ما تَدَّعونه حقًّا، فأخبرونا
بما أَسررناه؟!
وردَّه في ((الكشف)) بأنه لا يساعده النظمُ، ولا يناسب المبالغةَ في قوله تعالى:
((وأسروا النجوى الذين ظلموا)) ولا في قوله سبحانه: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ).
﴿قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ حكاية من جهته تعالى لما قال عليه
الصلاة والسلام بعد ما أوحى إليه أحوالَهم وأقوالهم، بياناً لظهور أمرِهم،
وانكشاف سرِّهم، ففاعل: ((قال)) ضميرُهُ وَّهِ، والجملة بعده مفعولُه.
وهذه القراءة قراءةُ حمزة، والكسائيّ، وحفص، والأعمش، وطلحة، وابنٍ
أبي ليلى، وأيوب، وخَلَف، وابن سعدان، وابن جبير الأنطاكيِّ، وابنِ جرير. وقرأ
باقي السبعة: (قل) على الأمر لنبيِّه ◌َيُ(١).
والقول عامٌ يشمل السِّرَّ والجهرَ، فإيثاره على السِّرِّ؛ لإثبات عِلْمه سبحانه به
على النهج البرهانيٌّ، مع ما فيه من الإيذان بأنَّ علمه تعالى بالأمرين على وتيرةٍ
واحدة لا تفاوتَ بينهما بالجلاء والخفاء قطعاً كما في علوم الخَلْق.
وفي ((الكشف)) أنَّ بين السِّرِّ والقول عموماً وخصوصاً من وجه، والمناسب في
هذا المقام تعميمُ القول؛ ليشملَ جهرَه وسرَّه والأخفى، فيكون كأنَّه قيل: يَعلَمَ هذا
الضرب، وما هو أعلى من ذلك، وأدنى منه، وفي ذلك من المبالغة في إحاطة عِلْمه
تعالى المناسبةِ لما حكى عنهم من المبالغة في الإخفاء ما فيه، وإيثار السِّرِّ على
القول في بعض الآيات لنكتةٍ تقتضيه هناك، ولكلِّ مقام مقالٌ، والجارُّ والمجرورُ
متعلّقٌ بمحذوف وقع حالًا من القول، أي: كائناً في السماء والأرض.
وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ أي: بجميع المسموعات ﴿اُلْعَلِيمُ ﴾﴾ أي:
بجميع المعلومات، وقيل: أي: المبالغ في العِلْم بالمسموعات والمعلومات،
(١) التيسير ص١٥٤، والنشر ٣٢٣/٢، والبحر المحيط ٢٩٧/٦.

سُورَةُ الأَنَبِسَاءِ
٢٢
الآية : ٥
ويدخل في ذلك أقوالُهم وأفعالُهم دخولًا أوليًّا = اعتراض تَذْييلي مقدَّر لمضمون
ما قبله، متضمِّن للوعيد بمجازاتهم على ما صدر منهم، ويفهم من كلام ((البحر))(١)
أنَّ ما قبل متضمِّن ذلك أيضاً .
﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَثُ أَحْلَمٍ﴾ إضراب من جهته تعالى، وانتقالٌ من حكاية قولِهم
السابق إلى حكاية قولٍ آخرَ مُضْطرب باطلٍ، أي: لم يقتصروا على القول في
حقِّه وَّر: هل هذا إلا بشر مثلكم، وفي حقِّ ما ظهر على يده من القرآن الكريم: إنَّه
سحر، بل قالوا: هو، أي: القرآن تخاليطُ الأحلام، ثم أَضربوا عنه فقالوا: ﴿بَلِ
افْتَنَّهُ﴾ من تلقاء نفسِه من غير أن يكون له أصلٌ أو شبهةُ أصل، ثم أَضربوا فقالوا :
﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وما أتى به شعر يخيّل إلى السامع معاني لا حقيقةً لها، وهذا
الاضْطِراب شأنُ المبطِل المحجوج، فإنَّه لا يزال يتردّد بين باطل وأَبطل، ويتذبذبُ
بين فاسد وأفسد؛ فـ ((بل)) الأُولىَ - كما نرى - من كلامه عزَّ وجلَّ وهي انتقاليَّة،
والمنتقَل منه ما تقدَّم باعتبار خصوصه، والأخيرتان من كلامهم المحكي،
وهما إيطاليتان؛ لتردُّدهم وتحيُّرهم في تزويرهم، وجملة المقول داخلٌ في النجوى.
ويجوز أن تكون الأُولى (٢) انتقاليةً، والمنتقل منه ما تقدَّم، بقطع النظر عن
خصوصِه، والجملة غيرُ داخلة في النجوى، وكلا الوجهين وجيهٌ، وليس
فيهما إلا اختلاف معنى ((بل))، وكون الأُولى من الحكاية، والأخيرتين من
المحکيٍّ، ولامانع منه.
وجوّز أن تكون الأُولى من كلامهم وهي إبطاليَّة أيضاً، متعلّقة بقولهم: هو
سحر، المدلول عليه بـ: ((أفتأتون السحر)).
ورُدَّ بأنَّه إنَّما يصحُّ لو كان النظم الكريم: قالوا: بل ... إلخ، ليفيد حكايةً
إضرابهم، وكونه من القلب، وأصله: قالوا: بل، لا يخفى ما فيه؟
وقد أجيب أيضاً بأنَّه إضراب في قولهم المحكيّ بالقول المقدَّر قبل قوله
تعالى: ((هل هذا)) إلخ، أو الذي تضمَّنه النجوى.
(١) ٦/ ٢٩٧.
(٢) ليست في الأصل.

الآية : ٥
٢٣
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وأعيد القولُ؛ للفاصل أو لكونه غيرَ مصرّح به، ولا يخفى ما فيه أيضاً.
وجوّز أن تكون الثلاثةُ من كلامه عزَّ وجلَّ على أنَّ ذلك تنزيلٌ لأقوالهم في دَرْج
الفساد، وأنَّ قولهم الثاني أفسدُ من الأوَّل، والثالث أفسدُ من الثاني، وكذلك الرابعُ
من الثالث. ويطلق على نحو هذا الإضراب: الترقي، لكن لم يقل هنا: ترقِّياً؛
إشارةً إلى أنَّ الترقيّ في القُبْح تنزيلٌ في الحقيقة، ووجه ذلك كما قال في ((الكشف))
أنَّ قولهم: إنَّه سحر، أقربُ من الثاني، فقد يقال: إنَّ من البيان لسحراً؛ لأنَّ
تخاليطَ الكلام التي لا تنضبط لا شِبْه لها بوجه بالنظم الأنيق الذي أَبْكُم كلَّ مِنْطيق.
ثم ادِّعاء أنَّها مع كونها تخاليطَ مفترياتٍ أَبعد وأَبعد؛ لأنَّ النظم بمادته وصورته
من أتمِّ القواطع دلالةً على الصدق، كيف وقد انضمَّ إليه أنَّ القائلَ عليه الصلاة
والسلام عَلَمٌ عندهم في الأمانة والصدق، والأخيرَ هذيان المبرسَمين(١)؛ لأنَّهم
أعرفُ الناس بالتمييز بين المنظوم والمنثور طبعاً، وبين ما يُساق له الشعرُ، وما سيق
له هذا الكلام الذي لا يُشِبه بليغات خطبهم، فضلاً عن ذلك، وبين محسِّناتِ الشعر
ومحسِّناتِ هذا النثر، هذا فيما يرجع إلى الصورة وحدها، ثم إذا جئت إلى المادة
وتركُّب الشعر من المخيِّلات والمعاني النازلة التي يَهتدي إليها الأجلاف، وهذا من
اليقينيَّات العقديَّة، والدينيَّات العمليَّة التي عليها مدارُ المعادِ والمعاش، وبها
تتفاضل الأشرافُ فَأَظهر وأَظهر، هذا والقائل عليه الصلاة والتسليم ممن لا يتسهَّل
له الشعر وإن أراده، خالطوه وذاقوه أربعين سنة. اهـ.
وكون ترُّب الشعر من المخيِّلات باعتبار الغالب، فلا ينافيه قولُهُ وَّهِ: ((إنَّ من
الشعر لحكمةً))(٢) لأنَّه باعتبار النَّدْرة، ويؤيِّده التأكيدُ بأنَّ الدالّة على التردُّد فيه، وقد
جاء الشاعر بمعنى الكاذب، بل قال الراغبُ(٣): إنَّ الشاعر في القرآن بمعنى
الكاذب بالطبع. وعلیہ یکون قد أرادوا ۔ قاتلهم الله تعالی ۔۔ بل هو - وحاشاه - ذو
افتراءات كثيرة، وليس في ((بل)) هنا على هذا الوجه إبطالٌ، بل إثباتٌ للحكم الأوَّل
وزيادة عليه، كما صرَّح بذلك الراغبُ.
(١) البرسام: علَّة يُهذى فيها، وهو مبرسم. القاموس (برسم).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٧٥٥) عن أبيّ بن كعب
ئه .
(٣) مفردات ألفاظ القرآن ص٤٥٦ .

سُورَةُ الأَنْشَاءِ
٢٤
الآية : ٥
وفي وقوعها للإبطال في كلام الله تعالى خلاف، فأثبته ابنُ هشام(١) ومثَّل له
بقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهُم بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]،
ووهم ابنُ مالك في ((شرح الكافية)) فنفاه.
والحقُّ أنَّ الإبطال إن كان لما صَدَرَ عن الغير، فهو واقع في القرآن، وإن كان
لما صَدَرَ عنه تعالى، فغير واقع، بل هو محالٌ؛ لأنَّه بداء، وربَّما يقال: مراد ابنِ
مالك بالمنفي الضربُ الثاني، ثم إنَّ هذا الوجه - وإن كان فيه بُعْدٌ - لا يخلو عن
حُسن، كما قيل، فتدبّر.
﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ﴾: جواب شرطٍ محذوف يُفصِح عنه السياق، كأنَّه قيل: وإن لم
يكن كما قلنا، بل كان رسولًا من الله عزَّ وجلَّ كما يقول، فليأتنا بآية ﴿كَمَا أُرْسِلَ
اُلْأَوَّلُونَ ﴾﴾ وقدَّر النيسابوريُّ(٢) غيرَ هذا الشرط، فقال أخذاً من كلام الإمام في
بيان حاصل معنى الآية: إنَّهم أنكروا أوَّلًا كون الرسول من جنسٍ البشر، ثم إنّهم
كأنهم قالوا: سلَّمنا ذلك، ولكن الذي ادَّعيت أنَّه معجزٌ، ليس بمعجز، غايته أنَّه
خارقٌ للعادة، وما كلُّ خارق لها معجزٌ، فقد يكون سحراً، هذا إذا ساعدنا على أنَّ
فصاحةَ القرآن خارجةٌ عن العادة، لكنَّا عن تسليم هذه المقدّمة بمراحلَ، فإنَّا نذَّعي
أنَّه في غاية الركاكة وسوء النظم، كأضغاث أحلام، سلَّمنا ولكنه من جنسٍ كلام
الأوساط اقْتَراه من عنده، سلَّمنا أنَّه كلام فصيحٌ، لكنَّه لا يتجاوز فصاحةَ الشِّعْر،
وإذا كان حالُ هذا المعجِز هكذا، فليأتنا بآية لا يتطرّق إليها شيءٌ من هذه
الاحتمالات كما أرسل الأولون. انتهى. وهو كما ترى.
و ((ما)) موصولة في محلِّ الجرِّ بالكاف، والجملة بعدها صلة، والعائدُ
محذوف، والجارُّ والمجرور متعلِّق بمقدَّر وقع صفةً لـ ((آية))، أي: فليأتنا بآية مثل
الآيةِ التي أُرسل الأولونَ، ولا يضرُّ فَقْدُ بعض شروط جواز حذفِ العائد المجرور
بالحرف، إذ لا اتفاقَ على اشتراط ذلك، ومن اشترط اعتبر العائدَ المحذوفَ هنا
منصوباً من باب الحذفِ والإيصال، وهو مَهْيَع(٣) واسع.
(١) مغني اللبيب ص١٥١ - ١٥٢ .
(٢) غرائب القرآن ١٧ / ٧.
(٣) طريق مَهْيَع: بَيِّن. القاموس (هيع).

الآية : ٥
٢٥
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وأَرادوا بالآية المشبَّه بها، كما روي عن ابن عباس ﴿ّ الناقة والعصا
ونحوهما، وكان الظاهر أن يقال: فليأتنا بما أُتيَ به الأولون، أو بمثل ما أُتيَ به
الأولون، إلا أنَّه عدل عنه إلى ما في النظم الكريم؛ لدلالته على ما دلَّ عليه مع
زيادة كونه مرسلاً به من الله عزَّ وجلَّ، وفي التعبير في حقِّه ◌ِّ بالإتيان والعدول
عن الظاهر فيما بعده إيماء إلى أنَّ ما أَتَى بِهِ وَّهُ مِن عنده، وما أَتى به الأولون
من الله تبارك وتعالى، ففيه تعريضٌ مناسِب لما قبله من الافتراءِ، قاله الخفاجيّ(١)،
وذَكرَ أنَّ ما قيل: إنَّ العدول عن: كما أتى به الأولون؛ لأنَّ مرادَهم اقتراحُ آيةٍ مثلٍ
آيةِ موسى وآيةٍ عيسى عليهما السلام لا غيرهما، مما أَتى به سائرُ الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام - وأنَّ العلامةَ البيضاويَّ أشار إلى ذلك(٢) - مما لا وجه له.
وجوّز أن تكون ((ما)) مصدرية، والكاف منصوبة على أنَّها مصدر تشبيهيٌّ، أي:
نعتٌ لمصدر محذوف، أي: فليأتنا بآية إتياناً كائناً مثل إرسالِ الأوَّلين بها، وصحَّة
التشبيه مِن حيث إنَّ المراد مثلُ إتيان الأوَّلين بها؛ لأنَّ إرسال الرسل عليهم السلام
متضمِّن الإتيانَ المذكورَ كما في ((الكشاف))(٣)، وفي ((الكشف)) إنَّه يدلُّ على أنَّ قوله
تعالى: ((كما أرسل الأولون)) كناية في هذا المقام، وفائدة العدول بَعْدَ حُسنِ الكناية
تحقيقُ كونها آيةً مسليةً، بمثلها تثبت الرسالةُ، لا تنازعَ فيها ويترتَّب المقصود
عليها، والقول بأنَّ الإرسال المشبّه به مصدر المجهول، ومعناه كونه مرسلًا من الله
تعالى بالآيات لا يُسمِن ولا يغني في توجيه التشبيه؛ لأنَّ ذلك مغاير للإتيان أيضاً،
وإن لم ينفكّ عنه. وقيل: يجوز أن يحمل النظم الكريم على أنَّه أُريد كلُّ واحد من
الإتيان والإرسال في كلِّ واحد من طرفي التشبيه، لكنه تُرك في جانب المشبّه ذِكْر
الإرسال، وفي جانب المشبّه به ذِكْر الإتيان، اكتفاءً بما ذكر في كلِّ موطن عمَّا تُرك
في الموطن الآخر، ولا يخفى بُعدُه، ثم إنَّ الظاهر أنَّ إقرارَهم بإرسال الأوَّلين ليس
عن صميم الفؤاد، بل هو أمر اقتضاه اضْطِرابهم وتحيُّرهم، وذكر بعضُ الأجلَّة أنَّ
مما يرجّح الحمل على أنَّ ما تقدَّم حكاية أقوالهِم المضطربة هذه الحكاية؛ لأنَّهم
(١) حاشية الشهاب الخفاجي ٦/ ٢٤٢.
(٢) تفسير البيضاوي ٣٦/٤.
(٣) ٢ /٥٦٣.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٢٦
الآية : ٦
منعوا أوَّلًا أن يكون الرسولُ بشراً وبَتُّوا القولَ به، وبَنَوا ما بَنَوا، ثم سلَّموا أنَّ
الأوَّلين كانوا ذوي آيات، وطالبوه عليه الصلاة والسلام بالإتيان بنحوٍ ما أَتَوا به
منها، وعلى وجه التنزيل لأقوالهم على دَرْج الفساد يحمل هذا على أنّه تنزُّل منهم،
والعدول إلى الكناية؛ لتحقيق تنزّله عن شأوهم. انتهى، فتأمَّل ولا تغفل.
﴿مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّنْ قَرَّبَةٍ﴾: كلام مستأنف مسوقٌ لتكذيبهم فيما يُنبئُ عنه خاتمةُ
مقالهم من الوعد الضمنيِّ بالإيمان عند إتيانِ الآية المقترحة، وبيان أنَّهم في اقتراح
ذلك كالباحث عن حتفِه بظَلْفه، وإنَّ في تَرْك الإجابة إليه إبقاءً عليهم، كيف لا، ولو
أعطوا ما اقترحوه مع عدم إيمانهم قطعاً لاستؤصلوا، لجريان سُنَّة الله - تعالى شأنه - في
الأمم السالفة على استئصال المقترحين منهم إذا أُعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا، وقد
سبقت كلمته سبحانه أنَّ هذه الأمَّةَ لا يعذَّبون بعذاب الاستئصال، وهذا أَولى
مما قيل: إنَّهم لما طعنوا في القرآن وأنَّه معجزةٌ، وبالغوا في ذلك حتى أخذوا من
قوله تعالى ((أفتاتون السحر)) إلى أن انتهوا إلى قوله سبحانه: ((فليأتنا)) إلخ، جِيْءَ بقوله
عزَّ وجلَّ: ((ما آمنت)) إلخ تسلية له وَّر في أنَّ الإنذار لا يجدي فيهم.
وأيًّا ما كان فقوله سبحانه: ((من قرية)) على حذف المضاف، أي: من أهل
قرية، و((من)) مزيدة لتأكيد العموم، وما بعدها في محلِّ الرفع على الفاعليَّة.
وقوله سبحانه: ﴿أَهْلَكْتَهَا﴾ في محلِّ جرٍّ، أو رفع صفة ((قرية))، والمراد:
أهلكناها بإهلاك أهلِها؛ لعدم إيمانهم بعد مَجِيء ما اقترحوه من الآيات، وقيل:
القرية، مجاز عن أهلها، فلا حاجةً إلى تقدير المضاف.
واعترض بأنَّ ((أهلكناها)) يأباه، والاستخدام وإن كثر في الكلام خلافُ
الظاهر، وقال بعضهم: لك أن تقول: إنَّ إهلاكَها كنايةٌ عن إهلاكِ أهلها، وما ذُكر
أوّلًا أَولی.
والهمزة في قوله سبحانه: ﴿أَفَّهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ لإنكار الوقوع، والفاء
للعطف إما على مقدَّر دخلته الهمزةُ فأفادت إنكارَ وقوع إيمانهم، ونفيه عقيبَ عدم
إيمان الأوَّلين، فالمعنى أنَّه لم يُؤمِن أمَّة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه
من الآيات، أهم لم يؤمنوا، فهؤلاء يؤمنون لو أُعطوا ما اقترحوه، أي: مع أنَّهم

الآية : ٧
٢٧
سُؤَدَّةُ الأَنْبِيََّاءِ
أعتى وأطغى كما يفهم بمعونة السياق، والعدول عن: فهم لا يؤمنون أيضاً،
وإما على ((ما آمنت)) على أنَّ الفاء متقدِّمة على الهمزة في الاعتبار، مفيدةٌ لترتيب
إنكار وقوعٍ إيمانهم على عدم إيمان الأوَّلين، وإنَّما قدِّمت عليها الهمزة،
لاقتضائها الصدارة.
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ جواب لما زعموه من أنَّ
الرسول لا يكون إلا مَلَكاً المشار إليه بقولهم: ((هل هذا إلا بشر مثلكم)) الذي بَنَوا
عليه ما بَنَوا، فهو متعلِّق بذلك، وقدِّم عليه جواب قولهم: ((فليأتنا)) لأنَّهم قالوا ذلك
بطريق التعجيز، فلا بدَّ من المسارعة إلى ردِّه وإبطاله، ولأنَّ في هذا الجواب نوعَ
بسطٍ يُخِلُّ تقديمه بتجاوبِ النظم الكريم.
وقوله تعالى: ﴿نُوحِىّ إِلَيْهِمْ﴾ استئناف مبيِّن لكيفية الإرسال، وصيغة المضارع؛
الحكاية الحال الماضية المستمرَّة، وحذف المفعول؛ لعدم القصد إلى خصوصِه،
والمعنى: ما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمَّتك إلا رجالًا لا ملائكةً، نوحي
إليهم بواسطة المَلَك ما نُوحي من الشرائع والأحكام وغيرهما من القصص والأخبار
كما نوحي إليكَ من غير فرق بينهما في حقيقة الوحي وحقِّيَّة مدلوله، كما لا فرقَ
بينك وبينهم في البشرية، فما لهم لا يفهمون أنَّك لست بِدْعاً من الرسل؟! وأنَّ
ما أُوحي إليك ليس مخالفاً لما أُوحي إليهم، فيقولون ما يقولون؟!
وقال بعضُ الأفاضل: إنَّ الجملة في محلِّ النصب صفة مادحة لـ ((رجالًا)) وهو
الذي يقتضيه النظم الجليل.
وقرأ الجمهور: ((يوحى إليهم)) بالياء على صيغة المبني للمفعول(١)؛ جرياً على
سَنَن الكبرياء، وإيذاناً بتعين الفاعل.
وقوله تعالى: ﴿فَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾ تلوين للخطاب
وتوجيهٌ له إلى الكفرة، لتَبْكيتهم واستنزالهِم عن رتبة الاستبعاد والنكير، إثر تحقيق
الحقِّ، على طريقة الخطاب لرسولِ الله وَّر؛ لأنَّه الحقيق بالخطاب في أمثالٍ تلك
الحقائق الأنيقة، وأما الوقوف عليها بالسؤالٍ من الغير، فهو من وظائف العوامِّ،
(١) التيسير ص ١٣٠، والنشر ٢٩٦/٢.
-

سُورَةُ الإنْسَنَاءِ
٢٨
الآية : ٨
وأَمْرُه ◌َ ليهِ بالسؤال في بعض الآيات ليس للوقوف، وتحصيل العلم بالمسؤول عنه
لأمرٍ آخر.
والفاء لترتيب ما بعدَها على ما قبلها .
وأهلُ الذكر: أهلُ الكتاب، كما روي عن الحسن وقتادة وغيرهما، وجواب
الشرط محذوف؛ ثقةً بدلالة المذكور عليه، أي: إن كنتم لا تعلمون ما ذكر،
فاسألوا أيُّها الجهلة أهل الكتاب الواقفينَ على أحوال الرسل السالفة عليهم الصلاة
والسلام؛ لتزولَ شبهتُكم، أُمروا بذلك؛ لأنَّ إخبار الجمِّ الغفير يفيد العلمَ في مثل
ذلك، لا سيَّما وهم كانوا يشايعون المشركينَ في عداوته بَّر، ويشاورونهم في أمره
عليه الصلاة والسلام، ففيه من الدلالة على كمال وضوح الأمر وقوَّة شأن النبيِّ وَيهوى
ما لا يخفى.
وعن ابنِ زيد أنَّ أهلَ الذكر هم أهلُ القرآن. وردَّه ابنُ عطيَّة(١) بأنَّهم كانوا
خصومهم، فکیف یُؤمرون بسؤالهم؟!
ويردُّ ذلك على ما زعمته الإماميَّة من أنَّهم آلهُ بَّر، وقد تقدَّم الكلام في ذلك.
﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا﴾: بيان لكون الرسل عليهم السلام أسوةً لسائر أفراد الجنس
في أحكام الطبيعة البشريّة.
والجسد على ما في ((القاموس))(٢): جسم الإنس والجنِّ والمَلَك. وقال
الراغب: هو كالجسم إلا أنَّه أخصُّ منه. قال الخليل: لا يُقال الجسد لغير الإنسان
من خَلْق الأرض ونحوه، وأيضاً فإنَّ الجسد يقال لما لَهُ لونٌ، والجسم لما لا يبين
له لونٌ، كالهواء والماء. وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا) إلخ، يشهد لما قاله
الخلیل(٣). انتھی.
وقيل: هو جسم ذو تركيب، وظاهره أنَّه أعمُّ من الحيوان، ومنهم من (٤) خصَّه به.
(١) المحرر الوجيز ٤/ ٧٥.
(٢) مادة (جسد).
(٣) مفردات ألفاظ القرآن (جسد)، وجاء في هامش الأصل و(م) ما نصه: ((قال الرازي: له لون
ولا یحجب ما وراءه. اهـ. منه)).
(٤) ليست في (م).

الآية : ٨
٢٩
سُورَةُ الإنْسَاءِ
وقال بعضهم: هو في الأصل مصدر جَسِدَ الدمُ يَجْسَد، أي: التصق، وأُطلق
على الجسم المركّب؛ لأنه ذو أجزاء ملتصق بعضُها ببعض، ثم الظاهر أنَّ الذي
يقول بتخصيصِه بحيث لا يشمل غيرَ العاقل من الحيوان مثلًا غاية ما يدَّعي أنَّ ذلك
بحسب أصل وَضْعه، ولا يقول بعدم جواز تعميمه بعد ذلك، فلا تغفل.
ونصبه إمَّا على أنَّه مفعول ثانٍ للجعل، والمراد تصييره كذلك ابتداءً على طريقة
قولهم: سبحان من صغَّر البعوضَ وكَبَّر الفيلَ. وإما حالٌ من الضمير.
والجعل إبداعيٌّ، وإفراده؛ لإعادة الجنس الشامل للكثير، أو لأنه في الأصل
على ما سمعتَ مصدر، وهو يطلق على الواحد المذكَّر وغيره. وقيل: الإرادة
الاستغراق الإفراديِّ في الضمير، أي: جعلنا كلَّ واحد منهم.
وقيل: هو بتقدير مضاف، أي: ذوي جسد، وفي ((التسهيل))(١) أنَّه يُستغنى بتثنية
المضاف وجمعه عن تثنية المضاف إليه وجمعه في الأعلام، وكذا ما ليس فيه لُبْسٌ
من أسماء الأجناس.
وقوله تعالى: ﴿لَّا يَأْكُلُونَ الَّعَامَ﴾ صفة ((جسداً) أي: وما جعلناهم جسداً
مستغنياً عن الغذاء، بل محتاجاً إليه ﴿وَمَا كَانُواْ خَلِينَ ﴾﴾ أي: باقين أبداً، وجوّز
أن يكون الخلودُ بمنى المكْثِ المديد، واختير الأوَّل؛ لأنَّ الجملة مقرّرة لما قبلها
من كون الرسل السالفة عليهم الصلاة والسلام بشراً لا ملائكةً، كما يقتضيه اعتقاد
المشركين الفاسد وزعمهم الكاسد، والظاهر هم يعتقدون أيضاً في الملائكة عليهم
السلام الأبديَّة كاعتقاد الفلاسفة فيهم ذلك، إلا أنَّهم يسمُّونهم عقولاً مجرَّدة.
وحاصل المعنى: جعلناهم أجساداً متغذِّية صائرةً إلى الموت بالآخرة حسب
آجالهم، ولم نجعلهم ملائكةً لا يتغذّون ولا يموتون حسبما تزعمون.
وقيل: الجملة رةٌّ على قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الَّعَامَ﴾ [الفرقان:
٧] إلخ، والأوَّل أَولى، نعم هي مع كونها مقرِّرة لما قبلها فيها ردٌّ على ذلك. وفي
إيثار ((وما كانوا)) على ((وما جعلناهم)) تنبيهٌ على أنَّ عدمَ الخلود والبقاءِ من توابع
جبلَّتهم في هذه النشأة التي أُشير إليها بقوله تعالى: ((وما جعلناهم جسداً) إلخ
(١) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك ص١٩.

سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ
٣٠
الآية : ٩
لا بالجعل المستأنف، بل إذا نظرت إلى سائر المركَّبات من العناصر المتضادّة
رأيتَ بقاءها سويعة أمراً غريباً، وانتهضت إلى طلب العلّة لذلك، ومن هنا قيل:
وعرِّج على الباقي وسائِلْه لِمْ بَقِي(١)
ولا تُتْبِع الماضي سؤالَكَ لِمْ مَضَى
بل لا يَبَعُد أن تكون الممكنات مطلقاً كذلك، فقد قالوا: إنَّ الممكن إذا خُلِّي
وذاته يكون معدوماً، إذ العدم لا يحتاج إلى علَّة وتأثير، بخلاف الوجود، ولا يلزم
على هذا أن يكون العدمُ مقتضى الذات حتى يصيرَ ممتنعاً، إذ مرجع ذلك إلى
أولويَّة العدم وأليقيّته بالنسبة إلى الذات، ويشير إلى ذلك على ما قيل قولُ أبي عليٍّ
في ((إلهيات)): ((الشفاء)»(٢) للمعلول في نفسِه أن يكون ليس، وله عن علته أن يكون
آيساً، وقولهم باستواء طرفَي الممكن بالنظر إلى ذاته، معناه: استواؤه في عدم
وجوب واحدٍ منهما بالنظر إلى ذاته، وقولهم: علَّة العدم عدمُ علَّة الوجود، بمعنى
أنَّ العدمَ لا يحتاج إلى تأثير وجعلٍ، بل يكفيه انعدامَ العلّة، لا أنَّ عدمَ العلَّة
مؤثّرة في عدم المعلول، ولعلَّ في قوله وَلِّ: ((ما شاء الله كان وما لم يشأ لم
يكن))(٣) إشارةٌ إلى هذا، فتدبّر.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَهُمُ الْوَعْدَ﴾ قيل: عطف على ما يفهم من حكاية وَحْيه
تعالى إلى المرسلين على الاستمرار التجدُّدي، كأنَّه قيل: أوحينا إليهم ما أوحينا،
ثم صدقناهم الوعدَ الذي وعدناهم في تضاعيفِ الوحي بإهلاك أعدائهم.
وقيل: عطف على ((نوحي)) السابق بمعنى: أوحينا، وتوسيط الأمر بالسؤال
وما معه؛ اهتماماً بإلزامهم والرَّدِّ عليهم. وقال الخفاجيُّ(٤): هو عطف على قوله
تعالى: ((أرسلنا))، و(ثم)) للتراخي الذكري، أي: أرسلنا رسلا من البشر وصَدَقناهم
ما وعدناهم، فكذا محمَّد ◌َِّ، فاحذروا تكذيبَه ومخالفتَه، فالآيات كما تضمَّنت
الجواب تضمَّنت التهديدَ. انتهى. وفيه تأمُّل.
(١) البيت للبحتري، وهو في ديوانه ١٥٤٩/٣ .
(٢) ونقله عنه العطار في حاشيته على جمع الجوامع ٥٠١/٢.
(٣) أخرجه أبو داود (٥٠٧٥)، والنسائي في الكبرى (٩٧٥٦) عن ابنةٍ للنبيِّ ◌َّ، ضمن دعاءٍ
علَّمها النبيُّ ◌ََّ إِياه.
(٤) حاشية الشهاب ٦/ ٢٤٤.

الآية : ١٠
٣١
سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ
ونصب ((الوعد)) على نَزْع الخافض، والأصل: صدقناهم في الوعد،
ومنه: صدقوهم القتال، وصدقني ◌ِنُّ بَكْره.
وقيل: على أنَّه مفعول ثانٍ. و((صدق)) قد تتعدَّى للمفعولين من غير توسُّط
حرف الجرِّ أصلًا .
﴿فَأَنْجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: من المؤمنين بهم، كما عليه جماعةٌ من المفسِّرين،
وقيل: منهم ومن غیرهم ممَّن تستدعي الحكمة إبقاءه، کمن سيؤمن هو أو بعض
فروعِه بالآخرة، وهو السِّرُّ في حماية الذين كذَّبوه وآذوه ◌َله من عذاب الاستئصال.
ورجّح ما عليه الجماعة بالمقابلة بقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ﴾﴾ وذلك
لحمل التعريف على الاستغراق والمسرِفين على الكفَّار مطلقاً؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] بناءً على أنَّ المرادَ بأصحاب النار
ملازموها والمخلَّدون فيها، ولا يُخلَّد فيها عندنا إلا الكفار.
ومن عمَّم أوَّلًا قال: المراد بالمسرفين من عدا أولئك المنجَين.
والتعبير بـ ((من نشاء)) دون: من آمن، أو: من معهم، مثلًا، ظاهرٌ في أنَّ المرادَ
بذلك المؤمنون وآخَرون معهم، ولا يظهر على التخصيص وجهُ العدول عمَّا ذكر
إلى ما في النظم الكريم، والتعبيرُ بـ ((نشاء)» مع أنَّ الظاهرَ: شئنا؛ لحكاية الحال
الماضية.
وقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا﴾ كلام مستأنف، مسوقٌ لتحقيق حقِّيَّة
القرآن العظيم الذي ذَكَرَ في صدر السورة الكريمة إعراضَ الناس عمَّا يأتيهم من
آياته، واستهزاءَهم به، واضْطِرابهم في أمره، وبيان علوِّ مرتبته إثْرَ تحقيقِ رسالته وَله
ببيان أنَّه كسائر الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، قد صُدِّر بالتوكيدِ القَسَمي؛
إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه، وإيذاناً بكون المخاطبين في أقصى مراتب النكير.
والخطاب لقريش، وجوّز أن يكون لجميع العرب. وتنوين ((كتاباً)) للتعظيم
والتفخيم، أي: كتاباً عظيم الشأن نيِّر البرهان.
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ صفة له، مؤكّدة لما أَفاده التنكيرُ التفخيميُّ من
كونه جليلَ القدر، بأنَّه جميلُ الآثار، مستجلب لهم منافعَ جليلة .

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٣٢
الآية : ١١
والمراد بالذِّكْر، كما أخرج البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) وابنُ المنذر
وغيرهما عن ابن عباسٍ: الصِّيْتُ والشرف(١) مجازاً، أي: فيه ما يوجب الشرفَ
لكم؛ لأنَّه بلسانِكم ومنزل على نبيٍّ منكم تتشرَّفونَ بشرفِه، وتشتهرون بشهرته؛
لأنَّكم حَمَلَته، والمرجع في حلِّ معاقده، وجعل ذلك فيه مبالغة في سبيَّته له.
وعن سفيان أنَّه مكارمُ الأخلاق ومحاسنُ الأعمال. أي: فيه ما يحصل به
الذِّكْر، أي: الثناء الحسن، وحسن الأُحدوثة من مكارم الأخلاق، ومحاسن
الأعمال، إطلاقاً لاسم المسبّب على السبب، فهو مجاز عن ذلك أيضاً.
وأخرج غيرُ واحد عن الحسن أنَّ المرادَ فيه ما تحتاجون إليه في أمور دينكم،
وزاد بعض: ودنیاکم.
وقيل: الذكر بمعنى التذكير، مضاف للمفعول، والمعنى: فيه موعظتكم،
ورجّح ذلك بأنَّه الأنسبُ بسباق النظم الكريم، وسياقه، فإن قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ ﴾﴾ إنكار توبيخيٍّ فيه بَعْثٌ لهم على التدبُّر في أمر الكتاب، والتدبُّرِ فيما في
تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة.
وقال صاحب ((التحرير)): الذي يقتضيه سياق الآيات أنَّ المعنى: فيه ذِكْرُ
قبائحكم ومثالبِكم وما عاملتم به أنبياء الله تعالى عليهم الصلاة والسلام من
التكذيب والعناد.
وقوله تعالى: ((أفلا تعقلون)» إنكار عليهم في عدم تفكّرهم، مؤدّ إلى التنُّه عن
سِنَة الغفلة. انتهى. وفيه بُعْدٌ.
والفاء للعطف على مقدَّر ينسحب عليه الكلام، أي: ألا تتفكرون فلا تعقلون
أنَّ الأمرَ كذلك، أولا تعقلون شيئاً من الأشياء التي من جملتها ما ذكر.
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ نوع تفصيل لإجمال قولِه تعالى:
((وأهلكنا المسرفين)) وبيان لكيفيَّة إهلاكهم، وتنبيه على كثرتهم، فـ ((كم)) خبريّة مفيدةٌ
(١) شعب الإيمان (١٦١٦)، وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في السنة (١٤٩٨)، وعزاه السيوطي
في الدر المنثور ٣١٤/٤ إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب
الإيمان.

الآية : ١١
٣٣
سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ
للتكثير، محلُّها النصب على أنَّها مفعول لـ ((قصمنا)) و((من قرية)) تمييزٌ.
وفي لفظ القَصْم الذي هو عبارة عن الكسر بتفريق الأجزاء وإذهاب التئامها
بالكليّة - كما يشعر به الإتيان بالقاف الشديدة - من الدلالة على قوَّة الغضب وشدَّة
السخط ما لا يخفى.
وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ ظَالِمَةٌ﴾ صفة ((قرية))، وكان الأصل على ما قيل: أهل
قرية، كما يُنبئُّ عنه الضمير الآتي - إن شاء الله تعالى - فحذف المضاف وأقيم
المضافُ إليه مقامّه، فوصف بما هو من صفات المضاف، أعني: الظلم، فكأنه
قيل: وكثيراً قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمينَ بآياتِ الله تعالى، كافرين بها
مثلکم .
وفي ((الكشاف)) (١): المراد بالقرية أهلُها، ولذلك وصفت بالظلم، فيكون
التجوُّز(٢) في الطَّرف. وقال بعضهم: لك أن تقول: وصفها بذلك على الإسناد
المجازيِّ.
وقوله: ((قصمنا من قرية)) كناية عن قَصْم أهلها؛ للزوم إهلاكها إهلاكهم،
فلا مجاز ولا حذف، وأيًّا ما كان فليس المرادُ قريةً معيَّنة.
وأخرج ابن المنذر وغيره عن الكلبيِّ(٣) أنَّها ((حَضُور)»: قريةٌ باليمن.
وأخرج ابن مردويه من طريقه(٤) عن أبي صالح، عن ابن عباس أنَّه قال:
بعث الله تعالى نبيًّا من حِمْيَر، يقال له: شعيب، فوثب إليه عبدٌ، فضربه بعصاً،
فسار إليهم بُخْتنصّر، فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبقَ منهم شيءٌ، وفيهم أنزل الله
تعالى: ((وكم قصمنا)) إلخ.
(١) ٢/ ٥٦٤ .
(٢) في (م): التجور.
(٣) ونقله عنه أيضاً ابن حجر في فتح الباري ٤٣٦/٨، والسيوطي في الدر المنثور ٣١٤/٤،
إلا أنه ورد في مطبوع الدر المنثور: حصون بني أزد. اهـ. وسمِّي هذا البلد بحَضُور بن
عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، وهو سبأ الأصغر. معجم ما استعجم ٢/ ٤٥٦.
(٤) أي: طريق الكلبي، والخبر أورده عنه أيضاً السيوطي في الدر المنثور ٣١٤/٤.

سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ
٣٤
الآية : ١٢
وفي ((البحر))(١): أنَّ هؤلاء كانوا بحَضُور، وأنَّ الله تعالى بعث إليهم نبياً فقتلوه،
فسلط الله تعالى عليهم بُختنصَّر، كما سلطه على أهل بيت المقدس، بعث إليهم جيشاً
فهزموه، ثم بعث إليهم آخرَ فَهَزموه، فخرج إليهم بنفسه، فهزمهم وقتلهم.
وعن بعضهم أنَّه كان اسم هذا النبيِّ موسى بن ميشا.
وعن ابن وهب أنَّ الآيةَ في قريتين باليمن إحداهما ((حَضُور)) والأخرى ((قلابة))
بَطِرَ أهلُهما، فأهلكهم اللهُ تعالى على يد بُخْتنصَّر. ولا يخفى أنَّه مما يأباه ظاهرُ
الآية.
والقول بأنَّها من قبيل قولك: كم أخذتَ من دراهمِ زيد. على أنَّ الجارَّ متعلّق
بـ ((أخذت)) والتمييز محذوف، أي: كم درهم أخذتَ من دراهم زيد، ويقال هنا:
إنَّها بتقدير: كم ساكنٍ قصمنا من ساكني قرية، أو نحو ذلك، مما لا ينبغي أن
يُلتَفت إليه إلا بالردِّ عليه، فلعلَّ ما في الروايات محمولٌ على سبيل التمثيل، ومثل
ذلك غيرُ قلیل.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَأَنشَأْنَ بَعْدَهَا﴾ أي: بعد إهلاكِ أهلها لا بعد تلك الفعلة
كما تُوهِم. ﴿قَوْمًا ءَآخَرِينَ ﴾﴾ أي: ليسوا منهم في شيء، تنبيهٌ على استئصال
الأوَّلين، وقَطْع دابرهم بالكليّة، وهو السِّرُّ في تقديم حكاية إنشاء هؤلاء على حكاية
مبادئ إهلاك أولئك بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُواْ بَأْسَنَا﴾ فضمير الجمع للأهل،
لا لقومٍ آخرين؛ إذ لا ذَنْبَ لهم يقتضي ما تضمَّنه هذا الكلام.
والإحساس: الإدراكُ بالحاسَّة، أي: فلما أدركوا بحاسَّتهم عذابَنا الشديد،
ولعلَّ ذلك العذاب كان مما يُدَرك بإحدى الحواسِّ الظاهرة.
وجوّز أن يكون في البأس استعارةٌ مكنيّة، ويكون الإحساس تخييلًا، وأن يكون
الإحساس مجازاً عن مطلق الإدراك، أي: فلما أَدركوا ذلك ﴿إِذَا هُم مِنْهَا﴾ أي: من
القرية، فـ ((من)) ابتدائية، أو من البأس، والتأنيثُ؛ لأنَّه في معنى النقمة والبأساء،
فـ (من)) تعليليَّة، وهي على الاحتمالين متعلِّقةٌ بقوله تعالى: ﴿يَكُونَ ﴾﴾. و((إذا))
فجائيَّة، والجملة جواب ((لمّا)).
(١) ٦/ ٣٠٠.

الآية : ١٣
٣٥
سُورَةُ الأَنْبِسَاءِ
وركض - من باب قتل - بمعنى ضَرَبَ الدابَّةَ برِجْله، وهو متعدٍّ، وقد يردُ لازماً
كُرُكِضَ الفرسُ بمعنى جرى، كما قاله أبو زيد، ولا عبرةَ بمن أَنكره.
والركض هنا كنايةٌ عن الهرب، أي: فإذا هم يهربون مسرعينَ، راكضينَ
دوائھم.
وجوّز أن يكون المعنى: مشبّهين بمن يُركِضُ الدوابَّ، على أنَّ هناك استعارة
تبعيَّة، ولا مانعَ من حمل الكلام على حقيقته على ما قيل: ﴿لَا تَرْكُواْ﴾ أي: قيل
لهم ذلك، والقائل يحتمل أن يكون ملائكة العذاب، أو من كان ثمَّة من المؤمنين،
قالوا ذلك على سبيل الهزء بهم.
وقال ابن عطيّة (١): يحتمل على الرواية السابقةِ أن يكون القائلُ من جيش
بُخْتنصَّر، وأراد بذلك خدعَهم والاستهزاءَ بهم.
وقيل: يحتمل أن يكون المراد يجعلون خُلَقاءَ بأن يقال لهم ذلك وإن لم يُقَل،
على معنى أنَّهم بلغوا في الركض والفرار من العذاب بعد الإتراف والتنُم بحيث من
رآهم قال: لا تركضوا ﴿وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ من النِّعَم والتلذَّذ، والإتراف:
إبطار النعمة .
و ((في)) ظرفية، وجوّز كونها سببيَّة. ﴿وَمَسَكِنْكُمْ﴾ التي كنتم تفتخرونَ بها
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ ﴾ تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات والنوازل، أو
تسألون عمَّا جرى عليكم ونزل بأموالكم ومنازلكم، فتجيبوا السائل عن عِلْم
ومشاهدة، أو: يسألكم حشمُكم وعبيدكم فيقولوا لكم: بمَ تأمرونَ وماذا ترسمون،
وكيف نأتي ونذر كما كنتم من قَبْلُ، أو: يسألكم الوافدون نوالكم، إما لأنَّهم كانوا
أسخياءَ ينفقون أموالهم رئاءَ الناس وطلب الثناء، أو كانوا بخلاءَ، فقيل لهم ذلك
تھگما إلی تھُم.
وقيل على الرواية المتقدِّمة، المعنى: لعلكم تسألون صلحاً أو جزية أو أمراً
تتفقون مع المَلَك عليه.
(١) المحرر الوجيز ٧٦/٤.

سُورَةُ الأَنْبِيََّاءِ
٣٦
الآية : ١٤، ١٥
وقيل: المراد بمساكنهم: النار، فيكون المرادُ بـ : ارجعوا إلى مساكنكم:
ادخلوا النار تهكُّماً.
والمراد بالسؤال السؤال عن الأعمال، أو المراد به العذاب على سبيل المجازٍ
المرسل بذِكْر السبب وإرادة المسبَّب، أي: ادخلوا النار كي تسألوا أو تعذّبوا على
ظلمكم وتكذيبكم بآيات الله تعالى، وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى.
﴿قَالُواْ﴾ لما يئسوا من الخلاص بالهربِ وأيقنوا استيلاءَ العذاب ﴿يَوَيْلَنَا﴾
يا هلاكنا ﴿إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴾﴾ بآيات الله تعالى، مستوجبينَ للعذاب، وهذا
اعترافٌ منهم بالظلم واستتباعه للعذاب، ونَدَمٌ عليه حين لا ينفعهم ذلك.
وقيل على الرواية السالفة: إنَّ هذا الندمَ والاعترافَ كان منهم حين أخذتهم
السيوفُ، ونادى منادٍ من السماء: يالثارات الأنبياء.
﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَئِهُمْ﴾ أي: فما زالوا يردِّدون تلك الكلمةَ، وتسميتها دعوَّى
بمعنى الدعوة، فإنَّه يقال: دعا دعوى ودعوةً؛ لأنَّ المُوَلْولَ كأنَّه يدعو الويلَ،
قائلًا: يا ويل تَعالَ، فهذا أوانُك.
وجوَّز الحوفيُّ، والزمخشريُّ، وأبو البقاء كونَ ((تلك)) اسم ((زال))، و((دعواهم))
خبرها، والعكس، قال أبو حيان(١): وقد قال ذلك قبلهم الزجَّاج(٢)، وأما أصحابنا
المتأخّرون فعلى أنَّ اسمَ كان وخبرَها مشبَّه بالفاعل والمفعول، فكما لا يجوز في
الفاعل والمفعول التقدُّم والتأخّر إذا أَوقع ذلك في اللبس، لعدم ظهور الإعراب،
لا يجوز في باب ((كان) ولم يَنازع فيه أحد إلا أبو العباس أحمد بنُ الحاج من نبهاء
تلاميذ الشلوبين. اهـ.
وقال الفاضل الخفاجيّ(٣): إنَّ ما ذكره ابنُ الحاجِّ في كتاب ((المدخل)) أنَّه ليس
فيه التباس، وأنَّه من عدم الفرق بين الالتباس وهو أن يفهم منه خلاف المرادِ،
والإجمال وهو أن لا يتعيَّن فيه أحدُ الجانبين، ولأجل هذا جوَّزه، وما ذكره محلّ
(١) البحر المحيط ٣٠١/٦.
(٢) معاني القرآن وإعرابه له ٣٨٦/٣.
(٣) حاشية الشهاب ٦/ ٢٤٥ وما قبله منه أيضاً.

الآية : ١٥
٣٧
سُورَةُ الأَنْبَاءِ
كلامٍ وتدبُّر. وفي حواشي الفاضل البهلوان على ((تفسير)) البيضاويِّ: إنَّ هذا في
الفاعل والمفعول، وفي المبتدأ والخبر إذا انتفى الإعراب، والقرينة مسلّم مصرِّح
به، وأما في باب ((كان)) وأخواتها، فغير مسلم. اهـ.
والظاهر أنَّه لا فرقَ بين باب ((كان)) وغيرها مما ذكر، وإن سلِّم عدم التصريح،
لاشتراكِ ما ذكروه علّة للمنع، ثم إنَّ ذلك إلى الالتباس أقربُ منه إلى الإجمال،
لا سيَّما في الآية في رأي، فافهم.
﴿حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴾﴾: أي: إلى أن جعلناهم بمنزلة النباتِ
المحصود والنارِ الخامدة في الهلاك، قاله العلامة الثاني في ((شرح المفتاح)) (١)، ثم
قال: في ذلك استعارتان بالكناية بلفظ واحد، وهو ضمير ((جعلناهم)) حيث شبِّه
بالنبات وبالنار، وأفرد بالذكر وأريد به المشبّه بهما، أعني: النبات والنار، ادِّعاء
بقرينة أنَّه نسب إليه الحصادَ الذي هو من خواصِّ النبات، والخمود الذي هو من
خواصِّ النار، ولا يجعل من باب التشبيه مثل: هم صمٌّ بكمٌ عميٌ؛ لأنَّ جمع
((خامدين)) جمع العقلاء ينافي التشبيه، إذ ليس لنا قوم خامدون يُعتَبر تشبيهُ أهل
القرية بهم، اذ الخمود من خواصِّ النار، بخلاف الصمم مثلًا، فإنَّه يجعل بمنزلة:
هم كقوم صُمِّ، وكذا يعتبر: ((حصيداً)) بمعنى محصودين، على استواء الجمع
والواحد في فعيل بمعنى مفعول؛ ليلائمَ ((خامدين))، نعم يجوز تشبيه هلاكِ القوم
بقَطْع النبات وخمودِ النار، فيكون استعارة تصريحيَّة تبعيَّة في الوصفين. انتهى.
وكذا في ((شرح المفتاح)) للسيِّد السند، بَيْدَ أنَّه جوَّز أن يجعل ((حصيداً)) فقط من
باب التشبيه بناءً على ما في ((الكشاف))(٢)، أي: جعلناهم مثل الحصيد، كما تقول:
جعلناهم رماداً، أي: مثلَ الرماد، وجعل غيرُ واحد إفراد الحصيدِ لهذا التأويل،
فإنَّ مثلًا لكونه مصدراً في الأصل يُطلَق على الواحد وغيره، وهو الخبر، حقيقة في
التشبيه البليغ، ويلزم على ذلك صحّة: الرجال أسد، وهو كما ترى.
واعترض على قول الشارحين: إذ ليس لنا ... إلخ، أنَّ فيه بحثاً، مع أنَّ مدارَ
ما ذكراه من كون ((خامدين)) لا يحتمل التشبيهَ جمعُه جمعَ العقلاء المانع من أن
(١) جاء في هامش الأصل و(م) ما نصه: إلا أنه جعل ذلك في أهل حَضُور. انتهى. منه.
(٢) ٢ /٥٦٥.

سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
٣٨
الآية : ١٦
يكون صفةً للنار، حتى لو قيل: خامدة، كان تشبيهاً، وقد صرَّح به الشريف في
((حواشيه)) لكنَّه محلٌّ تردُّد؛ لأنَّه لما صحَّ الحمل في التشبيه ادِّعاءً، فلم لا يصحُّ
جمعه لذلك، ولولاه لما صحَّت الاستعارة أيضاً، وذهب العلامة الطيبيُّ والفاضل
اليمني إلى التشبيه في الموضعين، ففي الآية أربعةُ احتمالات، فتدبَّر جميعَ ذلك.
و ((خامدين)) مع ((حصيداً) في حيِّز المفعول الثاني للجعل، كجعلته حلواً حامضاً،
والمعنى: جعلناهم جامعينَ للحصاد والخمود، أو لمماثلة الحصيد والخامد، أو
المماثلة الحصيد والخمود، أو جعلناهم هالكينَ على أتمٍّ وجه، فلا يَرِدُ أنَّ الجعلَ
نصبَ ثلاثةَ مفاعيلَ هنا، وهو مما ينصب مفعولين، أو هو حال من الضمير
المنصوب في ((جعلناهم))، أو من المستكن في ((حصيداً))، أو هو صفة لـ ((حصيداً))،
وهو متعدِّد معنی.
واعترض بعضهم بأنَّ كونه صفةً له مع كونه تشبيهاً أُريد به مالا يعقل؟ يأباه كونه
للعقلاء.
﴾ أي: ماسوَينا هذا السقفَ
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَِينَ
المرفوعَ وهذا المهادَ الموضوعَ وما بينهما من أصنافِ الخلائق، مشحونة بضروب
البدائع والعجائب، كما تسوِّي الجبابرةُ سقوفَهم وفرشهم وسائرَ زخارفهم للَّهو
واللعب، وإنَّما سوَّيناها للفوائد الدينيّة والحِكَم الربَّانيَّة، كأن تكون سبباً للاعتبار
ودليلًا للمعرفة، مع منافعَ لا تُحصى وحِكَم لا تستقصى، وحاصله: ما خلقنا ذلك
خالياً عن الحكم والمصالح، إلا أنَّه عبّر عن ذلك باللعب، وهو كما قال
الراغب(١): الفعل الذي لا يُقصد به مقصدٌ صحيح. لبيانِ كمال تنزُّهه تعالى عن
الخَلْقِ الخالي عن الحكمة، بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحدٌ في استحالة صدورِه
عنه سبحانه، وهذا الكلام على ما قيل إشارة إجماليَّة إلى أنَّ تكوين العالَم
وإبداعَ بني آدم مؤسّس على قواعدِ الحكمة البالغة المستتبعة للغاياتِ الجليلة، وتنبيه
على أنَّ ما حُكيَ من العذاب النازل بأهل القرى من مقتضياتٍ تلك الحِكْمِ
ومتفرِّعاتها حسب اقتضاءٍ أعمالهم إيَّاه مع التخلّص إلى وعيد المخاطبين.
(١) مفردات ألفاظ القرآن (لعب).

الآية : ١٧
٣٩
سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
وفي ((الكشف)): إنَّ الآيات لإثبات أَمْرِ النبوّة، ونفي تلك المطاعين السابقة،
على ما ذكره الإمام(١)، وهو الحقُّ؛ لأنَّه قد تكرّر في الكتاب العزيز أنَّ الحكمة في
خَلْقِ السماء والأرض وما بينهما العبادةُ والمعرفةُ وجزاءُ من قام بهما، ومن لم
يقم، ولن يتمَّ ذلك إلَّا بإنزال الكتب وإرسال الرسل عليهم السلام، فمُنكِر الرسالة
جاعلٌ خَلْقَ السماء والأرض لعباً، تعالى خالقهما وخالقُ كلِّ شيء عنه، وعن كلِّ
نقص علوًّا كبيراً، ومُنكِر نبوَّة محمد وَّهِ جعلَ إظهارَ المعجزة على يديه من باب
العَبَثِ واللَّعب، ففيه إثبات نبوَّته عليه الصلاة والسلام، وفسادُ تلك المطاعن كلِّها.
وقوله سبحانه: ﴿لَوْ أَرَّدْنَا أَنْ تَّتَّخِذَ لَمَوَّا لَّأَتَّخَذْتَهُ مِن لَّهُنَّا﴾ استئناف مقرِّر لما قبله
من انتفاءِ اللعب في خَلْق السماء والأرض وما بينهما، ومعنى الآية على ما استظهره
صاحب (الكشف)): لو أردنا اتِّخاذَ لَهْوٍ، لكان اتِّخاذَ لهوٍ من جهتنا، أي: لهواً
إلهيًّا، أي: حكمة انَّخذتموها لهواً من جهتِكم، وهذا عين الجدِّ والحكمة، في
معنى: لو أردناه لامتنع.
، كالتكرير لذلك المعنى، مبالغة في
وقوله تعالى: ﴿إِن كُنَّا فَعِلِينَ
الامتناع، على أنَّ ((إنْ)) شرطيّة، وجوابها محذوف، أي: إن كثَّا فاعلينَ ما يوصفُ
بفعله باللهو، فكهذا(٢) يكون فعلنا، ولو حمل على النفي، ليكون تصريحاً بنتيجة
السابق - كما عليه جمهور المفسرين - لكان حسناً بالغاً. انتهى.
وقال الزمخشريُّ: ((من لدنا)) أي: من جهة قُدْرتنا، وجعل حاصلَ المعنى: إنَّا
لو أردنا ذلك لاتَّخذنا، فإنَّا قادرون على كلِّ شيء إلا أنَّا لم نُرِده؛ لأنَّ الحكمةَ
صارفةٌ عنه. وذكر صاحب ((الكشف)) أنَّ تفسيرَه ذلك بالقدرة غيرُ بيِّن، وقد فسَّره به
أيضاً البيضاويُّ(٣) وغيره، وظاهره أنَّ اتِّخاذَ اللهو داخلٌ تحت القدرة. وقد قيل:
إنَّه ممتنع عليه تعالى امتناعاً ذاتيًّا، والممتنع لا يصلح متعلِّقاً للقدرة؟
وأجيب: بأنَّ صدقَ الشرطيّة لا يقتضي صدقَ الطرفين، فهو تعليق على امتناع
الإرادة، أو يقال: الحكمة غيرُ منافية لاتِّخاذ ما مِن شأنِه أن يتلقَّى به، وإنَّما تنافيَ
(١) تفسير الرازي ١٤٧/٢٢ .
(٢) في الأصل: فكذا.
(٣) تفسير البيضاء ي ٤/ ٣٧.

سُورَةُ الأَبِيَاءِ
٤٠
الآية : ١٧
أن يَفعَل فعلًا يكون هو سبحانه بنفسه لاهياً به، فلا امتناعَ في الاتِّخاذ، بل في
وصفه. انتهى.
والحقُّ عندي أنَّ العبثَ لكونه نقصاً، مستحيلٌ في حقِّه تعالى، فتَرْكه واجبٌ عنه
سبحانه وتعالى، ونحن وإن لم نقل بالوحوب عليه تعالى، لكنّا قائلون بالوجوب
عنه عزَّ وجلَّ.
قال أفضل المتأخِّرين الكلنبويُّ: إنَّ مذهب الماتريديَّة المثبتين للأفعال جهةً
محسِّنة أو مقبِّحة قَبْلَ ورودِ الشرع، أنَّه إن كان في الفعل جهةٌ تقتضي القبحَ، فذلك
الفعل محالٌ في حقِّه تعالى، فتَرْكه واجبٌ عنه سبحانه، لا واجب عليه عزَّ وجلَّ،
وذلك كالتكليف بما لا يطاق عندهم، وكالكذب عند محقِّقي الأشاعرة والماتريديَّة،
وإن لم يكن فيه تلك الجهة، فذلك الفعلُ ممكِن له تعالى، وليس بواجبٍ عليه
سبحانه، فهم يوافقون الأشاعرةَ في أنَّه تعالى لا يجب عليه شيء. انتهى.
ومن أنكر أنَّ كونَ العَبَث نقصاً كالكذب، فقد كابر عقله، وأَبلغُ من هذا أنَّه
يفهم من كلام بعض المحفِّقين القول بوجوب رعايةِ مطلَق الحكمة عليه سبحانه،
لئلا يلزم أحدُ المحالات المشهورة، وأنَّ المرادَ من نفي الأصحاب الوجوبَ عليه
تعالى نفيُّ الوجوب في الخصوصيَّات على ما يقوله المعتزلةُ، ولعلَّه حينئذٍ يراد
بالوجوب لزوم صدور الفعلِ عنه تعالى، بحيث لا يتمكّن من تَرْکه، بناءً على
استلزامه مُحالًا بعد صدور موجبِه اختياراً لا مطلقاً ولا بشرط تمام الاستعداد،
لئلا يلزمَ رفضُ قاعدةِ الاختيار، كما لا يلزم رفضُها في اختيار الإمام الرازيّ(١)
ما اختاره كثير من الأشاعرة من لزوم العلم للنظر عقلًا، ومع هذا ينبغي التحاشي
عن إطلاق الوجوب عليه تعالى، فتدبَّره فإنَّه مهم.
وقيل: معنى: من عندنا، مما يليقُ بحضرتنا من المجرَّدات، أي: لا تَّخذناه
من ذلك لا من الأجرام المرفوعة والأجسام الموضوعة، كدَيْدَن الجبابرة في رَفْع
العروش وتحسينها، وتسوية الفروش(٢) وتزينها. انتهى.
(١) تفسير الرازي ١٤٨/٢٢.
(٢) في الأصل: العروش.