Indexed OCR Text
Pages 481-500
الآية : ١١٩ ٤٨١ سُورَةُ ظَنْ وقرأ شيبة ونافع وحفص وابن سعدان: ((إنَّك)) بكسر الهمزة (١)، وقرأ الجمهور بفتحِها على أنَّ العطف على ((أنْ لا تجوع))، وهو في تأويل مصدرٍ اسم لـ ((أن)). وصحَّةُ وقوعٍ ما صُدِّر بـ ((أنْ)) المفتوحة اسماً لـ ((إن)) المكسورة المشاركة لها في إفادة التحقيق مع امتناع وقوعها خبراً لها؛ لما أنَّ المحذورَ - وهو اجتماعُ حرفي التحقيق في مادة واحدةٍ - غيرُ موجودٍ فيما نحن فيه؛ لاختلاف مناطِ التحقيق فيما في حيِّزهما(٢)، بخلاف ما لو وقعت خبراً، فإنَّ اتحاد المناط حينئذٍ ممَّا لا ريب فيه، وبيانه على ما في (إرشاد العقل السليم)): أنَّ كلَّ واحدةٍ من الأداتين موضوعةٌ لتحقيق مضمون الجملة الخبريَّة المنعقدةِ من اسمها وخبرها، ولا يخفى أنَّ مرجعَ خبريَّتها ما فيها من الحكم، وأنَّ مناطه الخبر لا الاسم، فمدلولُ كلٌّ منهما تحقيقُ ثبوت خبرها لاسمها، لا ثبوتُ اسمها في نفسه، فاللازمُ من وقوع الجملة المصدَّرة بالمفتوحة اسماً للمكسورة تحقيقُ ثبوتٍ خبرها لتلك الجملة المؤوَّلة بالمصدر، وأمَّا تحقيق ثبوتها في نفسها فهو مدلولُ المفتوحة، فلا يلزم اجتماعُ حَرْفَي التحقيق في مادةٍ واحدةٍ قطعاً، وإنَّما لم يَجُزْ أنْ يقال: إنَّ: أنَّ زيداً قائمٌ، حقٌّ، مع اختلاف المناط، بل شرطوا الفصلَ بالخبر، كقولنا: إنَّ عندي أنَّ زيداً قائمٌ حقٌّ؛ للتجافي عن صورة الاجتماع، والواو العاطفة وإن كانت نائبةً عن المكسورة التي يمتنعُ دخولها على المفتوحة بلا فصلٍ وقائمةً مقامها في إفضاء معناها وإجراء أحكامها على مدخولها، لكنَّها حيثُ لم تكنْ حرفاً موضوعاً للتحقيق لم يلزم من دخولها اجتماعُ حرفي التحقيق أصلاً. فالمعنى: إنَّ لك عدمَ الجوع وعدم العريِّ وعدم الظمأ، خلا أنَّه لم يقتصر على بيان أنَّ الثابتَ له عدمُ الظمأ والضَّحْو مطلقاً، كما فعل مثله في المعطوف عليه، بل قصدَ بيانَ أنَّ الثابتَ له تحقيقُ عدمهما، فوضعَ موضع الحرف المصدريِّ المحض ((أن)) المفيدة له، كأنه قيل: إنَّ لك فيها عدمَ ظمئك على التحقيق(٣). انتهى. (١) البحر المحيط ٢٨٤/٦، وقراءة شيبة راوية عاصم ونافع في التيسير ص ١٥٣، والنشر ٣٢٢/٢. وقراءة حفص المتواترة عنه بفتح همزة ((أنك)) لا بكسرها، والله أعلم. (٢) في الأصل و(م): حيزها. والمثبت من تفسير أبي السعود ٤٦/٦. (٣) تفسير أبي السعود ٦/ ٤٦-٤٧. ٤٨٢ الآية : ١٢٠ ويحتاجُ عليه إلى بيانِ النكتة في عدم الاقتصار على بيان أنَّ الثابتَ له عدمُ الظمأ مطلقاً، كما فعل مثله في المعطوف عليه، فتأمَّل ولا تغفل. وقيل: إنَّ الواوَ وإن كانت نائبةً عن ((إن)) هنا، إلّا أنَّه يلاحظ بعدها («لك)) الموجود بعد ((إن)) التي نابت عنها، فيكون هناك فاصلٌ ولا يمتنعُ الدخول معه، وهو كما ترى. ولا يخفى عليك أنَّ العطفَ على قراءة الكسر على ((إنَّ) الأولى مع معموليها، لا على اسمها، ولا كلام في ذلك. ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ أنهى الوسوسةَ إليه، وهي كما قال الراغبُ: الخطرةُ الرديئة؛ وأصلها من الوسواس، وهو صوت الحَلْي، والهمسُ الخفيُّ(١). وقال الليث: الوسوسة: حديثُ النفس، والفعل وسوس بالبناءِ للفاعل، ويقال: رجل موسوٍس بالكسر، والفتحُ لحنٌ. وذكر غيرُ واحدٍ أنَّ وسوس فعلٌ لازمٌ مأخوذٌ من الوسوسة، وهي حكايةٌ صوت، كـ: وَلْولة الثكلى، ووعوعة الذئب، ووقوقة الدجاجة، وإذا عُدِّيَ بـ ((إلى)) ضُمِّنَ معنى الإنهاء، وإذا جيء باللام بعده، نحو: وسوس له، فهي للبيان، كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]. وقال الزمخشريُ(٢): للأجل، أي: وسوس لأجله، وكذا إذا كانت بعد نظائر هذا الفعل، نحو قوله: أَجْرِسْ(٣) لها يا ابن أبي كبَّاش فما لها الليلةَ من إنفاشٍ(٤) وذكر في ((الأساس)»(٥) وسوس إليه في قسم الحقيقة، وظاهرُه عدم اعتبار التضمين، والكثيرُ على اعتباره. (١) المفردات (وسوس). (٢) الكشاف ٢/ ٥٥٦ . (٣) جاء فوقها في الأصل: أُحْدُ لها. اهـ منه. انظر لسان العرب (جَرَس). (٤) لم نهتد لقائله، وهو في تهذيب اللغة ٣٧٦/١١ مادة (نفش)، واللسان (جرس) و(نفش)، وتاج العروس (نفش). (٥) مادة (وسوس). الآية : ١٢١ ٤٨٣ ﴿قَالَ﴾ ◌ِمَّا بَدَلٌ من ((وسِومِنَ))، أو استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ منه، كأنَّه قيل: فما قال له في وسوسته؟ فقيل: قال: ﴿يََّعَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ ناداه باسمه ليكون أقبل عليه، وأمكنَ للاستماع، ثمَّ عرض عليه ما عرضَ على سبيل الاستفهام الذي يُشعِرُ بالنصح. ومعنى ((شجرة الخلد)» شجرةٌ مَنْ أكَلَ منها خَلَدَ ولم يمتْ أصلاً، سواءٌ كان على حاله، أو بأنْ يكونَ مَلَكاً؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُنَا مِنَ الْخَلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. وفي ((البحر)) أنَّ ما حُكيَ هنا مقدَّمٌ على ما حكي في ((الأعراف)) من قوله تعالى: ﴿مَا نَكُمَا رَبُّكُنَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ إلخ، كأنَّ اللعينَ لمَّا رأى منه عليه السلام نوعَ إِصغاءٍ إلى ما عَرَضَ عليه انتقلَ إلى الإخبار والحصر(١). انتهى. والحقُّ أنه لا جزمَ بما ذُكِر. ﴿وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (٣٥)﴾ أي: لا يفنى، أو لا يصيرُ بالياً خَلِقاً، قيل: إنَّ هذا من لوازم الخلود، فذكره للتأكيد وزيادة الترغيب. ﴿فَأَكَلَا﴾ أي: هو وزوجه ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الشجرة التي سمَّاها اللعين شجرة الخلد ﴿فَبَدَتْ لَمُمَّا سَوْءَاتُهُمَا﴾ قال ابن عباس ◌ًَّا: عَرِبًا عن النُّور الذي كان الله تعالى ألبسهُما حتى بدتْ فروجُهما. وفي رواية أخرى عنه أنَّه كان لباسُهما النُّفْرِ، فلمَّا أصابا الخطيئةَ نُزِعَ عنهما، وتُرِكت هذه البقايا في أطراف الأصابع، والله تعالى أعلمُ بصحّة ذلك. ثمّ إنَّ ما ذُكر يَحتمل أنْ يكونَ عقوبةً للأكل، ويحتمل أنْ يكون مترتباً(٢) عليه لمصلحةٍ أخرى. ﴿وَطَفِةَ! يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ لَْمَنَّةِ﴾ قد مرَّ تفسيره. ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ﴾ بما ذُكر من أكل الشجرة ﴿فَغَوَ (٣٦)﴾ ضلَّ عن مطلوبه الذي هو الخلود، أو عن المطلوب منه، وهو تركُ الأكل من الشجرة، أو عن الرشد حيثُ اغترَّ بقول العدوِّ. وقيل: غوى، أي: فسدَ عليه عيشه، ومنه يقال: الغواء لسوء الرضاع. (١) البحر ٢٨٥/٦. (٢) في (م): مرتباً. ٤٨٤ الآية : ١٢١ وقرىء: ((فَغَوِيَ)) بفتح الغين وكسر الواو وفتح الياء(١)، أي: فَبَشِم من كثرة الأكل، من غوى الفصيل: إذا أُتَخِمَ من اللبن، وبه فُسِّرت القراءةُ الأخرى، وتعقّب ذلك الزمخشريُّ فقال: وهذا - وإن صحَّ على لغةٍ من يقلبُ الياءَ المكسور ما قبلَها ألفاً، فيقول في فَنيَ وبَقيَ: فنا وبقا، بالألف، وهم بنو طيِّىء - تفسيرٌ خبيثٌ(٢). وظاهر الآية يدلُّ على أنَّ ما وقعَ من الكبائر، وهو المفهومُ من كلام الإمام(٣)، فإن كان صدورُه بعدَ البعثة تعمُّداً من غير نسيانٍ ولا تأويلٍ، أشكلَ على ما اتَّفق عليه المحققون والأئمّة المتقنون من وجوبٍ عصمة الأنبياء عليهم السلام بعدَ البعثة عن صدور مثل ذلك منهم على ذلك الوجه، ولا يكادُ يقول بذلك إلَّ الأزارقةُ من الخوارج، فإنَّهم - عليهم ما يستحقُّون - جَوَّزُوا الكفرَ عليهم وحاشاهم، فما دونه أولى بالتجويز. وإن كان صدورُه قبلَ البعثة - كما قال به جمعٌ، وقال الإمام(٤): إنَّه مذهبنا - فإنْ كان تعمُّداً أشكلَ على قول أكثر المعتزلة والشيعة بعصمتهم عليهم السلام عن صدورٍ مثل ذلك تعمُّداً قبل البعثة أيضاً. نعم لا إشكال فيه على ما قاله القاضي أبو بكر من أنَّه لا يمتنعُ عقلاً ولا سمعاً أن يصدرَ من النبيِّ عليه السلام قبلَ نبوَّته معصيةٌ مطلقاً، بل لا يمتنعُ عقلاً إرسالُ من أسلمَ بعد كفره، ووافقَه على ذلك - كما قال الآمديُّ في ((أبكار الأفكار))(٥) - أكثرُ الأصحاب، وكثيرٌ من المعتزلة. وإن كان سهواً كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ((منسي ولم نجد له عزماً)) بناءً على أحد التراين: فيه إشحالٌ على ما نُقِل عن الشيعة من منع صدورِ الكبيرة سهواً قبل البعثة أيضاً، ولا إشكال فيه على ما سمعتَ عن القاضي أبي بكر. (١) أوردها العكبري في إملاء ما من به الرحمن ١٢٨/٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٢٨٦/٦. (٢) الكشاف ٢/ ٥٥٧ . (٣) انظر تفسير الرازي ١٢٨/٢٢. (٤) انظر تفسير الرازي ٧/٣-٨ و١٢٨/٢٢. (٥) ٤ /١٤٣. الآية : ١٢١ ٤٨٥ وإنْ كان بعد البعثة سهواً أشكلَ أيضاً عند بعضٍ دون بعضٍ، فقد قال عضُد الملَّة في ((المواقف)) (١): إنَّ الأكثرين جوَّزُوا صدورَ الكبيرة - يعني ما عدا الكفر والكذب فيما دلَّت المعجزةُ على صدقهم عليهم السلام فيه - سهواً وعلى سبيل الخطأ منهم. وقال العلامة الشريف: المختار خلافه. وذهبَ كثيرٌ إلى أنَّ ما وقعَ صغيرة، والأمرُ عليه هيِّنٌّ، فإنَّ الصغائر الغيرَ المشعرة بالخسَّةِ يجوزُ - على ما ذكره العلامةُ الثاني في ((شرح العقائد))(٢) - صدورها منهم عليهم السلام عمداً بعد البعثة عند الجمهور، خلافاً للجبائيّ وأتباعه، ويجوز صدورُها سهواً بالاتفاق، لكن المحققون اشترطوا أنْ ينّهوا على ذلك فينتهوا عنه. نعم ذكر في ((شرح المقاصد))(٣) عصمتّهم عن صدور ذلك عمداً؛ والأحوطُ - نظراً إلى مقام آدم عليه السلام - أنْ يقال: إنَّ صدورَ ما ذُكر منه كان قبلَ النبوّة، وكان سهواً، أو عن تأويل، إلّا أنَّه عَظُمَ الأمرُ عليه، وعظمَ لديه نظراً إلى علوِّ شأنه ومزيدٍ فضل الله تعالى عليه وإحسانه، وقد شاع: حسناتُ الأبرار سيِّئات المقرَّبين(٤)، ومما يدلُّ على استعظام ذلك منه لعلوِّ شأنه عليه السلام ما أخرجه البيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) عن أبي عبد الله المغربيّ قال: تفكّر إبراهيمُ في شأن آدم عليهما السلام فقال: يا ربّ، خلقتَه بيدك، ونفختَ فيه من روحك، وأسجدتَ له ملائكتك، ثمَّ بذنبٍ واحدٍ ملأتَ أفواهَ الناسِ من ذكر معصيته، فأوحى الله تعالی إليه: يا إبراهيم أما علمتَ أنَّ مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة(٥). وذكر بعضُهم أنَّ في استعظام ذلك منه عليه السلام زجراً بليغاً لأولاده عن أمثاله، وعلى العلات لا ينبغي لأحدٍ أن ينسبَ إليه العصيان اليوم، وأنْ يخبر (١) ص ٣٥٩. (٢) شرح العقائد النسفية ص ١٢٧ . (٣) ٥١/٥. (٤) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢٧٧/٤، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٥/٢ من كلام أبي سعيد الخراز، ونسبه بعضهم للجنيد. انظر تفسير القرطبي ١/ ٤٦٠، ١٤/ ١٥٢، وكشف الخفاء ٤٢٨/١. (٥) شعب الإيمان (٤٨٢). سُالظفر ٤٨٦ الآية : ١٢٢ بذلك، إلَّا أن يكونَ تالياً لما تضمَّن ذلك، أو راوياً له عن رسول الله وَل﴾، وأمَّا أنْ یکون مبتدئاً من قبل نفسه، فلا .. وقد صرَّح القاضي أبو بكر بن العربيّ بعدم جواز نسبة العصيان للآباء الأدنین إلينا المماثلين لنا، فكيف يجوز نسبته لأبينا الأقدم(١)، والنبيِّ المقدَّمَ الأكرم(٢). وارتضى ذلك القرطبيُّ، وادَّعى أنَّ ابتداءً الإخبار بشيءٍ من صفات الله تعالى المتشابهة، كاليد والإصبع والنزول أولى بالمنعِ وعدم الجواز(٣). ثم إنَّ ما وقعَ كان في الحقيقة بمحض قضاء الله تعالى وقدره، وإلّا فقد روي عن أبي أمامةَ الباهليّ(٤) والحسن أنَّ عقلَه عليه السلام مثلُ عقلٍ جميع ولِده (٥). وعداوةُ إبليس - عليه اللعنة - له عليه السلام في غاية الظهور، وفي ذلك دليلٌ على أنَّه لا ينفعُ عقلٌ، ولا يغني شيء في جنب تقدير الله تعالى وقضائه. ◌ُمَّ اجْتَهُ رَبُّهُ﴾ أي: اصطفاه سبحانه وقرَّبه إليه بالحمل على التوبة والتوفيق لها، من اجتبى الشيءَ: جباه لنفسه، أي: جمعه، کقولك: اجتمعته، أو من جبی إليّ. كذا فاجتبيته، مثل: جليت عليَّ العروس فاجتليتُها، وأصلُ معنى الكلمة الجمع، فالمجتبى كأنَّه في الأصل(٦) مَنْ جُمِعت فيه المحاسن حتى اختارَه غيرُهُ وقرَّبه. وفي التعرُّضِ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام مزيدُ تشريفٍ له عليه السلام. ﴿فَنَابَ عَيْهِ﴾ أي: رجععلیه بالرحمة وقَبِلَ توبته حین تاب، وذلك حين قتل هو (١) تحرفت في (م) إلى: للأنبياء الأقدام. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١٢٤٩/٣ . (٣) تفسير القرطبي ١٤/ ١٥٣. (٤) المرويُّ عن أبي أمامة أنه قال: لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق الله تعالى ذكره آدمَ إلى يوم تقوم الساعة، ووضعت في كفة ميزان، ووضع حلم آدم في الكفة الأخرى، لرجح حلمه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزمًا﴾. أخرجه الطبري ١٨٥/١٦ - وهذا لفظه - وابن عساكر في تاريخ دمشق ٧/ ٤٤٤، وانظر غرائب القرآن ١٦٦/١٦، والدر المنثور ٣٠٩/٤. (٥) أخرجه عن الحسن أبو الشيخ في العظمة (١٠٣٥)، وانظر الدر المنثور ٣٠٩/٤. (٦) قوله: في الأصل. ليس في الأصل. الآية : ١٢٣ ٤٨٧ سُورَاظَن وزوجته: ﴿رَبِّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ﴿وَهَدَى (٣)﴾ أي: إلى الثباتِ على التوبة والتمسُّك بما يُرضي المولى سبحانه وتعالى. وقيل: إلى كيفيَّة التوبة بتعليم الكلمات، والواو لمطلق الجمع، فلا يضرُّ كونُ ذلك قبلَ التوبة عليه. وقيل: إلى النبوّة والقيام بما تقتضيه، وقدَّم أبو حيَّان(١) هذا على سائر الاحتمالات التي ذكرها . والنيسابوريُّ فسَّر الاجتباءَ بالاختيار للرسالة، وجعل الآية دليلاً على أنَّ · ما جرى كان قبل البعثة(٢). ولم يصرِّح سبحانه بنسبةِ العصيان والغواية إلى حوَّاء بأنْ يسندهما إلى ضمير التثنية الذي هو عبارةٌ عنها وعن آدم عليه السلام، كما أسندَ الأكل وما بعده إلى ذلك؛ إعراضاً عن مزيد النعي على الحُرَم، وأنَّ الأهمَّ نظراً إلى مساق القصة التصريحُ بما أُسندَ إلى آدم عليه السلام، ويتضمَّنُ ذلك رعايةَ الفواصل، وحيث لم يصرِّح جلَّ وعلا بعصيلنها لم يتعرَّض لتوفيقها للتوبة وقَبَولها منها. وقال بعضهم: إنَّه تعالى اكتفى بذكر شأن آدم عليه السلام؛ لما أنَّ حواءَ تبعٌ له في الحكم، ولذا طوى ذكرَ النساء في أكثر مواقع الكتاب والسنة. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من الإخبار بأنَّه تعالى عامَله بما عامَله، كأنَّه قيل: فماذا أمرَه بعد ذلك؟ فقيل: قال له ولزوجته: ﴿أَهِْطَا مِنْهَا جَمِيعًاً﴾ أي: انزلا من الجنَّة إلى الأرض مجتمعين. وقيل: الخطاب له عليه السلام ولإبليس عليه اللعنة، فإنَّه دخلَ الجنَّة بعد ما قيل له: ﴿فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] للوسوسة، وخطابُهما على الأول بقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ﴾ لما أنَّهما أصلُ الذريَّة ومنشأُ الأولاد، فالتعادي في الحقيقة بين أولادهما، وهذا على عكس مخاطبةِ اليهود ونسبةٍ ما فعل آباؤهم (١) في البحر ٢٨٦/٦. (٢) غرائب القرآن ١٦٥/١٦-١٦٦. سُوٌلا طفة ٤٨٨ الآية : ١٢٤ إليهم. والجملةُ في موضع الحال، أي: متعادين في أمر المعاش وشهواتٍ الأنفس، وعلى الثاني ظاهرٌ؛ لظهور العداوة بين آدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة، وكذا بين ذرِّيَّة آدمَ عليه السلام وذريَّةِ اللعين. ومن هنا قيل: الضميرُ لآدمَ وذرِّيَّته وإبليسَ وذرِيَّته. وزعم بعضُهم أنه لآدم وإبليس والحيَّة، والمعوَّل عليه الأول، ويؤيِّدُ ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِّى هُدِّى﴾ إلخ، أي: بنبيِّ أرسلُه إليكم، وكتابٍ أنزله عليكم. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ﴾ وضع الظاهرَ موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى؛ لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه. وأخرج الطبرانيُّ وغيره عن أبي الطفيل أنَّ النبيَّ ◌َّهُ قرأ: ((فمن اتبع هُدَيَّ) (١). ﴿فَلَ يَضِلُ﴾ في الدنيا ﴿وَلَا يَشْقَى ﴾﴾ في الآخرة. وفسَّر بعضُهم الهدى بالقرآن؛ لما أخرجَ ابنُ أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، والحاكم وصحَّحه، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان)) من طُرُقٍ عن ابن عباس ◌ًّا قال: أجار الله تعالى تابعَ القرآن من أن يضلَّ في الدنيا، أو يشقى في الآخرة، ثم قرأ الآية (٢). وأخرج جماعةٌ عنه مرفوعاً إلى رسول الله وَله بلفظ: ((من اتَّبِعَ كتابَ الله هداهُ الله تعالى من الضلالة في الدنيا، ووقَاه سوءَ الحساب يوم القيامة))(٣). ورُجِّح على العموم بقيام القرينة عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى﴾ بناءً على تفسير الذكر بالقرآن، وكذلك قوله تعالى بعد: ﴿كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَّتُنَا فَسِيَهَا﴾ [طه: ١٢٦]. (١) الدر المنثور ٣١١/٤. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٧/٧: رواه الطبراني، وفيه: إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. (٢) الدر المنثور ٣١١/٤، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣٧١/١٣-٣٧٢، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٨١، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٠٢٩). (٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٤٦٦)، والكبير (١٢٤٣٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٧/٧: وفيه أبو شيبة وعمران بن أبي عمران، وكلاهما ضعيف. اهـ. وأخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٧، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٩/ ٣٤ عن ابن عباس موقوفاً عليه. الآية : ١٢٤ ٤٨٩ سُورَةٌ طَّفة ولمختارِ العموم أن يقول: الذكرُ يقع على القرآن وعلى سائر الكتب الإلهية، وكذا الآياتُ تكون بمعنى الأدلَّة مطلقاً . وقد فُسِّر الذكرُ أيضاً هنا بالهدى؛ لأنَّه سببُ ذكره تعالی وعبادته سبحانه، فأطلقَ المسبّب وأريد سببه؛ لوقوعه في المقابلة. وما في الخبر من باب التنصيص على حكم أشرفِ الأفراد المدلولِ عليه بالعموم اعتناءً بشأنه، ثمّ إنَّ تقييدَ ((لا يضلُ)) بقولنا: في الدنيا، ((ولا يشقى)) بقولنا: في الآخرة، هو الذي يقتضيه الخبر. وجَوَّز بعضهم العكس، أي: فلا يضلُّ طريقَ الجنَّةِ في الآخرة، ولا يتعبُ في أمر المعيشة في الدنيا، وجَعَلَ الأوَّلَ في مقابلة: ((ونحشره يوم القيامة أعمى))، والثاني في مقابلة: ((فإنَّ له معيشةً ضنكاً)) ثم قال: وتقديمُ حالِ الآخرة على حال الدنيا في المهتدين؛ لأنَّ مطمحَ نظرهم أمرُ آخرتهم؛ بخلاف خلافهم؛ فإنَّ نظرَهم مقصورٌ علی دنیاهم. ولا يخفى أنَّ الذي نطقت به الآثارُ هو الأول، وذكرَ بعضهم أنَّه المتبادر. نعم ما ذُكِرَ لا يخلو عن حسنٍ، وإن قيل: فيه تكلُّف(١). وجَوَّزَ الإمامُ كونَ الأمرين في الآخرة، وكونهما في الدنيا، وذكر أنَّ المراد على الأخير: لا يضلُّ في الدين ولا يشقى بسبب الدين، لا مطلقاً، فإنْ لَحِقَ المنعَّمَ بالهدى شقاءٌ في الدنيا، فبسبب آخر، وذلك لا يضرُّ(٢). اهـ. والمعوَّل عليه ما سمعت. والمراد من الإعراض عن الذكر عدمُ الاتِّباع، فكأنَّه قيل: ومن لم يتبع ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي: ضيّقةً شديدةً، وهو مصدر: ضَنُّكَ، وكذا ضَناكة، ولذا يوصف به المذكَّر والمؤنَّث، والمفرد والمثنى والمجموع، وقد وُصِف به هنا المؤنَّث باعتبار الأصل. وقرأ الحسن: ((ضَنْكَى)) بألف التأنيث، كسَكْرى، وبالإمالة(٣). وهذا التأنيثُ (١) هو قول الخفاجي في حاشيته ٦/ ٢٣٢. (٢) تفسير الرازي ١٣٠/٢٢. (٣) القراءات الشاذة ص ٩٠، والبحر المحيط ٢٨٧/٦. ٤٩٠ الآية : ١٢٤ باعتبار تأويله بالوصف. وعن ابن عباس تفسيرُه بالشديد من كلِّ وجه، وأنشد قولَ الشاعر : والخيلُ قد لَحِقَتْ بِنا في مأزقٍ ضَنْكٍ نواحيه شديدِ المَقْدَمِ (١) والمتبادرُ أنَّ تلك المعيشةَ له في الدنيا. وروي ذلك عن عطاء وابن جبير، ووجهُ ضيق معيشة الكافر المعرِضِ في الدنيا أنَّه شديدُ الحرص على الدنيا، متهالكٌ على ازديادها، خائفٌ من انتقاصها، غالبٌ عليه الشخُّ بها، حيثُ لا غرضَ له سواها، بخلاف المؤمن الطالبٍ للآخرة. وقيل: الضنكُ مجازٌ عمَّا لا خير فيه، ووصف معيشة الكافر بذلك؛ لأنَّها وبالٌ عليه وزيادةٌ في عذابه يوم القيامة كما دلَّت عليه الآيات، وهو مأخوذٌ ممَّا أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه قال في الآية: يقولُ: كلُّ مالٍ أعطيتُه عبداً من عبادي قلَّ أو كَثُر لا يتَّقيني فيه فلا خيرَ فيه، وهو الضنكُ في المعيشة. وقيل: المراد من كونها ضنكاً أنَّها سببٌ للضنك يومَ القيامة، فيكون وصفها بالضنك للمبالغة، كأنَّها نفسُ الضنك، كما يقال في السلطان: الموتُ بين شفتيه، يريدون بالموت ما يكون سبباً للموت، كالأمر بالقتل ونحوه، وعن عكرمة ومالك بن دینار ما يشعر بذلك. وقال بعضهم: إنَّ تلك المعيشة له في القبر بأنْ يُعذَّبَ فيه، وقد روى ذلك جماعةٌ عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدريِّ وأبي صالح والربيع والسُّدِّيّ ومجاهد(٢). وفي ((البحر)) عن ابن عباس أنَّ الآيةَ نزلتْ في الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ، والمراد ضغطة القبر حتى تختلف فيه أضلاعه(٣). وروي ذلك مرفوعاً أيضاً، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في ((ذكر الموت)) والحكيم الترمذيُّ وأبو يعلى وابنُ جرير وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم وابنُ حبَّان وابنُ مردويه عن أبي هريرة قال: قال (١) الدر المنثور ٣١١/٤، والإتقان ٤٠٥/١. (٢) انظر الآثار المروية عنهم في الدر المنثور ٣١١/٤. (٣) البحر ٢٨٦/٦. الآية : ١٢٤ ٤٩١ سُوَلا ◌َّئة رسول الله وَّه: ((المؤمِنُ في قبره في روضةٍ خضراء، ويُرْحَبُ له قبرُه سبعينَ ذراعاً، ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر،، هل تدرون فيم أنزلت: (فَإِنَّ لَهُرَ مَعِيشَةً ضَنَا)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((عذابُ الكافر في قبره، يسلّط عليه تسعةٌ وتسعون. تنِيناً، هل تدرون ما التنين؟ تسعةٌ وتسعونَ حيَّةً، لكلِّ حيَّةٍ سبعة رؤوس يخدشونه. ويلسعونَهِ وينفخونَ في جسمه إلى يوم يبعثون))(١). وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدَّد في ((مسنده)) وعبد بن حميد)،، والحاكم وصححه والبيهقيُّ في كتاب ((عذاب القبر)) وجماعةٌ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَ﴿ في قوله تعالى: (مَعِيشَةً ضَنكًا): ((عذاب القبر))(٢). ولفظ عبد الرزاق: ((يضيق عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه)). ولفظُ ابن أبي حاتم: ((ضمة القبر))(٣). إلى غير ذلك. ومِن قال: الدنيا ما قبلَ القيامة الكبرى؛ قال: ما يكونُ بعدَ الموت واقعٌ في الدنیا کالذي یکون قبل الموت. وقال بعضُهم: إنَّها تكونُ يومَ القيامة في جهنم، وأخرجَ ذلك ابن أبي شيبةً وابنُ المنذر عن الحسن(٤). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: المعيشةُ الضنك في النار: شوكٌ وزقومٌ وغسلين وضريع، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة، وما المعيشة والحياة إلَّا في الآخرة(٥). (١) الدر المنثور ٣١١/٤، وأخرجه أبو يعلى، (٦٦٤٤)، وابن جرير في تفسيره ١٦ ١٩٨-١٩٩، وابن حِبّان (٣١٢٢)، وأورده ابن كثير ٣٢٣/٥ من طريق ابن أبي حاتم، وقال: رفعِه منكرٌ جدًّا .. (٢) مصنف عبد الرزاقو (٦٧٤١)، ومستدرك الحاكم ٣٨١/٢، وإثبات عذاب القبر للبيهقي (٥٩). (٣) الدر المنثور ٣١١/٤. (٤) الذي في مطبوع الدر المنثور ٣١١/٤: وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال: المعيشة الضنك: خصم. وهي محرفة عن جهنم. والله أعلم. (٥) الدر المنثور ٣١٢/٦. ٤٩٢ الآية : ١٢٥، ١٢٦ ولعلَّ الأخبارَ السابقة لم تبلغ هذا القائل، أو لم تصحَّ عنده، وأنت تعلمُ أنَّها إذا صحَّت فلا مساغَ للعدول عمَّا دلت عليه، وإن لم تصح كان الأولَى القولُ بأنَّها في الدنيا لا في الآخرة؛ لظاهر ذكر قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ إلخ بعد الإخبار بأنَّ له معيشة ضنكاً . وقرأت فرقةٌ منهم أبانُ بن تغلب: ((ونحشرْه)) بإسكان الراء(١)، وخُرِّجَ على أنَّه تخفيفٌ، أو جزمٌ بالعطف على محلِّ ((فإنَّ له)) إلخ، لأنَّه جواب الشرط، كأنَّه قيل: ومن أعرضَ عن ذكري تكنْ له معيشة ضنك ونحشره .. إلخ. ونقل ابنُ خالويه عن أبان أنَّه قرأ: ((ونحشره)) بسكون الهاء(٢)، على إجراء الوصلِ مُجرى الوقف. وفي ((البحر)): الأحسنُ تخريجُ ذلك على لغة بني كلاب وعقيل، فإنَّهم يسكِّنون مثل هذه الهاء، وقد قُرِئ: ((لربه لكنود)) بإسكان الهاء. وقرأت فرقة: ((ويحشره)) بالياء(٣). ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿٣)﴾ الظاهرُ أنَّ المرادَ فاقد البصر، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُودِهِمْ عُمْيَا وَبِّكْمًا وَصُمَّا﴾ [الإسراء: ٩٧]. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ كما مرَّ ﴿رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (19)﴾ أي: في الدنيا، كما هو الظاهر، ولعلَّ هذا باعتبار أكثر أفراد من أعرضَ؛ لأنَّ من أفراده من كان أكمهَ في الدنيا، والظاهر أنَّ هذا سؤالٌ عن السبب الذي استحقَّ به الحشرَ أعمى؛ لأنَّ جَهِل، أو ظَنَّ أنْ لا ذنبَ له يستحقُّ به ذلك. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى في جوابه: ﴿كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا﴾ الكاف مقحمةٌ، كما في: مثلك لا يبخل، و((ذلك)) إشارةٌ إلى مصدر ((أتتك))، أي: مثل ذلك الإتيان البديع أتتك الآياتُ الواضحةُ النِّرة. وعند الزمخشريِّ لا إقحام، وذلك إشارةٌ إلى حشره أعمى، أي: مثل ذلك الفعل فعلت أنت(٤). وقوله تعالى: ((أتتك)) إلخ جوابُ (١) المحتسب ٦٠/٢، والبحر المحيط ٢٨٧/٦. (٢) القراءات الشاذة ص ٩٠، والبحر المحيط ٢٨٧/٦. (٣) البحر المحيط ٦/ ٢٨٧. (٤) الكشاف ٥٥٨/٢ . الآية : ١٢٦ ٤٩٣ سُورَةً طَّفة سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: يا ربّ ما فعلت أنا؟ فقيل: أتتك آياتنا ﴿فَنَسِينَهَا﴾ أي: تركتها تركَ المنسيِّ الذي لا يُذكر أصلاً، والمراد: فعميتَ عنها، إلا أنَّه وضعَ المسبَّب موضعَ السبب، لأنَّ من عَمِيَ عن شيءٍ نسيَه وتركه. والإشارة في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ إلى النسيان المفهوم من ((نسيتها))، والكاف على ظاهرها، أي: مثل ذلك النسيان الذي كنتَ فعلتَه في الدنيا ﴿ اَلْيَوْمَ نُنسَى (٢٦) أي: تتركُ في العمى جزاءً وفاقاً . وقيل: الكاف بمعنى اللام الأجليَّة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَدْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] أي: ولأجل ذلك النسيان الصادر منك تُنْسی. وهذا التركُ يبقى إلى ما شاء الله تعالى، ثمَّ يُزَال العمى عنه، فيرى أهوال القيامة، ويشاهدُ النار، كما قال سبحانه: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَهُم مُّزَافِعُوهَا﴾ الآية [الكهف: ٥٣]، ويكون ذلك له عذاباً فوق العذاب، وكذا البكم والصمم يزيلهما الله تعالى عنهم، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَسَمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَا﴾ [مريم: ٣٨]. وفي روايةٍ عن ابن عباس ◌ًِّا أنَّ الكافرَ يُحشَر أولاً بصيراً، ثمَّ يعمى، فيكونُ الإخبارُ بأنَّه قد كان بصيراً إخباراً عمَّا كان عليه في أول حشره. والظاهرُ أنَّ ذلك العمى يزولُ أيضاً. وعن عكرمة أنَّه لا يرى شيئاً إلَّ النار. ولعلَّ ذلك أيضاً في بعض أجزاءٍ ذلك اليوم، وإلّا فکیفَ يقرأ كتابَه. وروي عن مجاهد ومقاتل والضحاك وأبي صالح، وهي رواية عن ابن عباس أيضاً: أنَّ المعنى نحشُره يومَ القيامة أعمى عن الحُجَّة، أي: لا حُجَّة له يهتدي بها . وهز مرادُ من قال: أعمى القلب والبصيرة. واختار ذلك إبراهيم بن عرفة(١) وقال: كلما ذَكَر اللهُ سبحانه في كتابه العمى فذمَّه، فإنَّما يُراد به عمى القلب، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ آلَتِى فِى الْصُدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. (١) هو أبو عبد الله النحوي العلامة الإخباري، المشهور بـ : نفطويه، له كتاب غريب القرآن، والمقنع في النحو وغيرها. توفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة. سير أعلام النبلاء ٧٥/١٥، وبغية الوعاة ٤٢٨/١. سُورَةُ طْ ٤٩٤ الآية : ١٢٦ وعلى هذا فالمرادُ بقوله: ((وقد كنت بصيراً)): وقد كنت عالماً بحجَّتي بصيراً بها، أحاجُ عن نفسي في الدنيا، ومنه يعلم اندفاعُ ما قاله ابنُ عطية في ردٌّ من حَمَلَ العمى على عمى البصيرة من أنه لو كانَ كذلك لم يحسّ الكافر به؛ لأنَّه كان في الدنيا أعمى البصيرة، وماتَ وهو كذلك(١). وحاصل الجواب عليه: إني حشرتُك أعمى القلب لا تهتدي إلى ما يُنجيّك من الحجّة؛ لأنك تركتَ في الدنيا آياتي وَحُججي، وكما تركت ذلك تُتْرَكُ على هذا العمى أبداً. وقيل: المرادُ بـ ((أعمى)) متحيِّراً لا يدري ما يَصنعُ من الحيل في دفع العذاب، كالأعمى الذي يتحيَّر في دفع ما لا يراه. وليس في الآية دليلٌ - كما يتوهم - على عدِّ نسيانِ القرآن أو آيةٍ منه كبيرةً، كما ذهب إليه الإمام الرافعيُّ، ويشعرُ كلام الإمام النوويّ في ((الروضة))(٢) باختيارِه؛ لأنَّ المرادَ بنسيان الآيات بعد القول بشمولها آيات القرآن = تركُها وعدمُ الإيمان بها. ومن عدَّ نسيانَ شيءٍ من القرآن كبيرةً أراد بالنسيان معناه الحقيقيَّ. نعم تجوَّز أبو شامة شيخُ النوويِّ، فحملَ النسيانَ في الأحاديث الواردة في ذمِّ نسيان شيءٍ من القرآنِ على تركِ العمل به. وتحقيقُ هذه المسألة، وأنَّ كونَ النسيان بالمعنى الأوَّل كبيرةً عند من قال به مشروط - كما قال الجلال البلقينيُّ والزركشيُّ وغيرهما - بما إذا كان عن تكاسلٍ وتهاونٍ = يُطلَبُ من محلِّه، وكذا تحقيقُ حالِ الأحاديث الواردة في ذلك. وقرأ حمزة والكسائيُّ وخلف: ((أعمى)) بالإمالة في الموضعين؛ لأنَّه من ذواتٍ الياء(٣). وأمال أبو عمرو في الأوَّل فقط(٤)؛ لكونه جديراً بالتغيير؛ لكونه رأسَ الآية ومحلَّ الوقف. (١) المحرر الوجيز ٦٨/٤. (٢) في أول كتاب الشهادات ص ١٩٥٨، طبعة دار ابن حزم. (٣) التيسير ص ٤٦، والنشر ٣٥/٢. (٤) انظر التيسير ص ٤٨ . الآية : ١٢٧، ١٢٨ ٤٩٥ سُورَةُ ظْ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك الجزاء الموافق للجناية ﴿تَجْزِى مَنْ أَسَّرَفَ﴾ بالانهماك في الشهوات ﴿وَلَمْ يُؤْمِنُ بِثَايَتِ رَبٍِّ﴾ بل كذَّبها وأعرضَ عنها. والمراد تشبيهُ الجزاء العالمِّ بالجزاء الخاص. ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ﴾ على الإطلاق، أو عذابُ النار ﴿أَشَدُ﴾ من عذاب الأولى ﴿وَأَبْقَ (٣٨)﴾ أي: أكثر بقاءً منه، أو أشدُّ وأبقى من ذلك من عذاب القبر، أو منهما ومن الحشر على العمى. ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبلَه من قوله تعالى: ((وكذلك نجزي)) الآية. والهمزةُ للإنكار التوبيخي، والفاء للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام. واستعمالُ الهداية باللام؛ إمَّا لتنزيلها منزلةً اللازم، فلا حاجةَ إلى المفعول، أو لأنَّها بمعنى التبيين والمفعولُ الثاني محذوف، وأياً ما كان فالفاعلُ ضميرُه تعالى، وضمير ((لهم)) للمشركين المعاصرينَ لرسول الله وَّر. والمعنى: أَغَفِلُوا فلم يفعل الله تعالى لهم الهداية، أو: فلم يبيِّن عزَّ وجلَّ لهم العبر. وقوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ إمَّا بيانٌ بطريق الالتفاتِ لتلك الهداية، أو كالتفسير للمفعول المحذوف. وقيل: فاعلُ ((يهد)) ضميره إِلَّه. وقيل: ضمير الإهلاك المفهوم من قوله تعالى: ((كم أهلكنا))، والجملةُ مفسِّرةٌ له. وقيل: الفاعلُ محذوفٌ، أي: النظر والاعتبار، ونُسِبَ ذلك إلى المبرِّد. وفيه حذفُ الفاعل، وهو لا يجوزُ عند البصريين. وقال الزمخشريُّ: الفاعلُ جملةُ ((كم أهلكنا)) إلخ(١). ووقوعُ الجملة فاعلاً مذهبٌ كوفيّ، والجمهور على خلافه، لكن رُجِّح ذلك هنا بأنَّ التعليل فيما بعدُ يقتضيه. ورُجِّحَ كونُ الفاعل ضميرَه تعالى شأنه بأنَّه قد قرأ فرقةٌ منهم ابن عباس والسلميُّ: ((أفلم نهد)) بالنون(٢). (١) الكشاف ٢/ ٥٥٨ . (٢) تفسير القرطبي ١٥٩/١٤، والبحر المحيط ٢٨٨/٦. سُوَ لاَطَّئة ٤٩٦ الآية : ١٢٨ واختار بعضُهم عليه كونَ الفعل منزَّلاً منزلةَ اللازم، وجملة ((كم أهلكنا)) بياناً لتلك الهداية. وبعضٌ آخرُ كونَه متعدِّياً، والمفعولُ مضمونُ الجملة، أي: أفلم يبيِّن الله تعالى لهم مضمون هذا الكلام. وقيل: الجملةُ سادَّةٌ مسدّ المفعول، والفعل معلّق عنها . وتُعقّب بأن (كم) هنا خبرية، وهي لا تعلّق عن العمل، وإنما التي تعلِّق عنه ((كم) الاستفهاميَّة، على ما نصَّ عليه أبو حيان في ((البحر))(١)، لكن أنت تعلمُ أنَّه إذا كان مدارُ التعليق الصدارة، كما هو الظاهر، فقد صرَّح ابنُ هشام بأنَّ لكلٍّ من ((كم)) الاستفهامية، و((كم) الخبرية ما ذكر، وردًّ في ((المغني)) قولَ ابن عصفور: إنَّ ((كم)) في الآية فاعلُ ((يهد)) بأنَّ لها الصدر، ثم قال: وقولُه: إنَّ ذلك جاءَ على لغةٍ رديئةٍ حكاها الأخفش عن بعضهم أنَّه يقول: ملكتَ كم عبيد، فيخرجُها عن الصدريّة = خطأٌ عظيمٌ إذْ خرَّجَ كلام الله تعالى شأنه على هذه اللغة(٢). انتهى. وهو ظاهرٌ في أنَّه قائلٌ بأنَّ ((كم)) هنا خبريَّة، ولها الصدرُ. نعم نقل الحوفيُّ عن بعضهم أنَّه ردَّ القائل بالفاعليَّة بأنَّها استفهاميَّةٌ لا يعملُ ما قبلَها فيها، والظاهرُ خبريَّتُها، وهي مفعولٌ مقدَّمٌ لـ ((أهلكنا)). و﴿مِّنَ اُلْقُرُونِ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ وقع صفةً لمميِّزها، أي: كم قرنٍ كائنٍ من القرون ﴿يَمْثُونَ فِي مَسَكِنِمْ﴾ حال من ((القرون)) أو من مفعول ((أهلكنا)) أي: أهلكناهم، وهم في حال أمنٍ وتقلّبٍ في ديارهم. واختار في ((البحر))(٣) كونه حالاً من الضمير في ((لهم)) مؤكّداً للإنكار، والعامل فيه ((يهد))، أي: أفلم يهدِ للمشركين حالَ كونهم ماشين في مساكن من أهلكنا من القرون السالفة من أصحاب الحجر وثمود وقوم لوط مشاهدين لآثارِ هلاكهم إذا سافروا إلى الشام وغيره. وتوهّم بعضُهم أنَّ الجملة في موضع الصفة لـ ((القرون)). وليس كذلك. (١) البحر المحيط ٢٨٩/٦. (٢) مغني اللبيب ص ٢٤٤ . (٣) ٢٨٩/٦. الآية : ١٢٩ ٤٩٧ سُورَلاَ طَّئة وقرأ ابن السميفع: ((ُمَشَّون)) بالتشديد والبناء للمفعول(١)، أي: يمگَّنون في المشي. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ تعليلٌ للإنكار، وتقريرٌ للهداية مع عدم اهتدائهم. ((وذلك)) إشارةٌ إلى مضمون قوله تعالى: ((كم أهلكنا)) إلخ، وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعدٍ منزلته وعلو شأنه في بابه. ﴿لَيَتٍ﴾ كثيرةً عظيمة، ظاهرات الدلالة على الحقّ. وجُوِّزَ أن تكون كلمة ((في)) تجريديَّةً، كما قيل في قوله عز وجل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ﴿وَلِأُوْلِ النُّهَى (٣٨)﴾ أي: لذوي العقول الناهية عن القبائح، التي من أقبحها ما يتعاطاه هؤلاء المُنْكَرُ عليهم، من الكفرِ بآيات الله تعالى، والتعامي عنها، وغير ذلك من فنون المعاصي. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ زَيِّكَ﴾ كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حكمةٍ عدم وقوع ما يُشعِر به قوله تعالى: ((أفلم يهد لهم)) الآية من أن يصيبهم مثل ما أصابَ القرون المهلكة. والكلمةُ السابقةُ هي العِدَةُ بتأخير عذاب الاستئصال عن هذه الأمَّة، إمَّا إكراماً النبيِّ وَّه، كما يشعرُ به التعرُّضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره وَّته، وقولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمَّ﴾، [الأنفال: ٣٣] أو لأنَّ من نسلِهم من يؤمنُ، أو لحكمةٍ أخرى الله تعالى أعلمُ بها، أي: لولا الكلمةُ السابقةُ والعِدَةُ بتأخير العذاب ﴿لَكَانَ﴾ أي: عقابُ جناياتهم ﴿لِزَامًا﴾ أي: لازماً لهؤلاء الكفرة بحيثُ لا يتأخّر عن جناياتهم ساعةً لزومَ ما نزل بأضرابهم من القرون السالفة. واللزام إمَّا مصدر لازم، كالخصام، وصفَ به للمبالغة، أو اسمُ آلة، كحِزام وركاب، والوصف به للمبالغة أيضاً، كلزاز خصم، بمعنى: ملحٌ على خصمه. وجَوَّزَ أبو البقاء كونَه جمعَ لازم، كقيام جمع قائم(٢). وهو خلاف الظاهر. (١) القراءات الشاذة ص ٩٠، والبحر المحيط ٢٨٩/٦. (٢) الإملاء ١٢٩/٢. سؤالا ظف ٤٩٨ الآية : ١٣٠ عطفٌ على ((كلمة)) كما أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿وَأَجَلٌ مُسَنَّى والسُّدِّي (١). أي: لولا العِدَةُ بتأخير عذابهم والأجلُ المسمى لأعمارِهم لما تأخّر عذابُهم أصلاً. وفصله عمَّا عُطِف عليه؛ للمسارعة إلى بيان جواب ((لولا))، والإشعارِ باستقلال كلٌّ منهما بنفي لزومِ العذاب، ومراعاةٍ فواصل الآي الكريمة. وقيل: أي: ولولا أجلٌ مسمّى لعذابهم، وهو يوم القيامة. وتُعقّبَ بأنَّه يتَّحدُ حينئذٍ بالكلمة السابقة، فلا يصحُّ إدراجُ استقلال كلِّ منهما بالنفي في عداد نكت الفصل. وأُجيبَ بأنَّه لا يلزمُ من تأخير العذاب عن الدنيا أنْ يكونَ له وقتٌ لا يتأخّر عنه ولا يتخلَّف، فلا مانعَ من الاستقلال. وأخرجَ ابن المنذر عن مجاهد أنَّ الأجلَ المسمَّى هي الكلمة التي سبقت(٢). وقيل: الأجل المسمَّى للعذاب هو يومُ بدر. وتُعقِّبَ بأَنَّه ينافي كون الكلمة هي العِدَةَ بتأخير عذاب هذه الأمة. وأجيبَ بأنَّ المراد من ذلك العذاب هو عذابٌ الاستئصال، ولم يقع يوم بدر. وجوَّز الزمخشريُّ كونَ العطف على المستكنِّ في ((كان)) العائدِ إلى الأخذ العاجلِ المفهوم من السياق، تنزيلاً للفصل بالخبرِ منزلةَ التأكيد، أي: لكان الأخذُ العاجل والأجلُ المسمى لازمين لهم کدأب عادٍ وثمودَ وأضرابهم. ولم ينفرد الأجلُ المسمَّى دون الأخذِ العاجل(٣). وأنت تعلمُ أنَّ هذا لا يتسنَّى إذا كان ((لزاماً)) اسمَ آلة؛ للزوم التثنية حينئذٍ. ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: إذا كان الأمرُ على ما ذُكرَ من أنَّ تأخيرَ عذابهم ليس بإهمال، بل إمهال، وأنَّهِ لازمٌ لهم البتة ((فاصبر على ما يقولون)) من كلمات الكفر، فإنَّ عِلْمَهِ وَّهِ بأنَّهم معذَّبون لا محالةَ ممَّا يسلِّيه ويَحملُه على الصبر. والمراد به عدمُ الاضطراب، لا ترك القتال حتى تكونَ الآية منسوخة. (١) انظر الدر المنثور ٣١٢/٤. (٢) الدر المنثور ٣١٢/٤. (٣) الكشاف ٥٥٨/٢-٥٥٩ . الآية : ١٣٠ ٤٩٩ ﴿وَسَيِّحْ﴾ ملتبساً ﴿بَحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: صلِّ وأنتَ حامدٌ لربِّك عزَّ وجلَّ الذي يبلغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقه سبحانه ﴿قَبَّلَ مُلُوجِ الشَّمْسِ﴾ أي: صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوًِا﴾ أي: صلاة المغرب، والظاهر أنَّ الظرف متعلّق بـ ((سبِّح)). وقد أخرج تفسير التسبيح في هذين الوقتين بما ذُكِرَ الطبرانيُّ وابنُ عساكر وابنُ مردويه عن جرير مرفوعاً إلى النبيِّ وَلِ﴾(١). وأخرج الحاكمُ عن فَضالة بن وهب الليثيّ أنَّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قال له: ((حافظ على العصرين))، قلت: وما العصران؟ قال: ((صلاةٌ قبل طلوع الشمس وقبلَ غروبها))(٢). وقيل: المراد بالتسبيح قبلَ غروبها صلاتا الظهر والعصر؛ لأنَّ وقت كلِّ منهما قبل غروبها وبعدَ زوالها، وجمعُهما لمناسبة قوله تعالى: ((قبل طلوع الشمس))، وأنت تعلم أنَّ ((قبل الغروب)) وإنْ كان باعتبار معناه اللغوي صادقاً على وقت الظهر ووقت العصر، إلّا أنَّ الاستعمالَ الشائع فيه وقتُ العصر. وقوله تعالى: ﴿ومِنْ ءانآې آلّلِ﴾ أي: من ساعاته، جمع إني وإنو، بالياء والواو وكسر الهمزة، وإنَى، بالكسر والقصر، و((أناء)» بالفتح والمد، ولم يشتهر اشتهارَ الثلاثة الأُوَل، وذكرَه من يُوثَق به من المفسِّرين. (١) الدر المنثور ٣١٢/٤. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٧٠١٤)، والكبير (٢٢٨٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٤٨/٤١. وفيها تفسير: ﴿وَقْلَ غُرُوِيّاً﴾ بصلاة العصر. وهو الصواب. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٦٧، وقال: رواه الطبراني، وفيه يحيى بن سعيد العطار، وهو ضعيف. وأورده أيضاً ١١٢/٧ وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه داود بن الزبرقان. وهو متروك. وأخرج البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) - واللفظ له - عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله ﴿ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: ((أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)) يعني العصر والفجر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَيْحْ بِحَيْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ غروبها﴾. (٢) المستدرك ١/ ٢٠، ١٩٩، ٦٢٨/٣. وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٢٨). سُورَلَطّلة ٥٠٠ الآية : ١٣٠ وقال الراغب في (مفرداته)): قال الله تعالى: ﴿غَيّرَ نَظِرِينَ إِنَنْهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أي: وقته، والإنا(١) إذا كُسِر أوَّله قُصِر، وإذا فُتِحَ مدَّ، نحو قول الحطيئة : وآنيتُ العشاءَ إلى سُهيلٍ أو الشِّعرى فطالَ بي الأناءُ(٢) ثم قال: ويقال: آنيت الشيء إبناءً، أي: أخّرته عن أوانه، وتأنَّيت: تأخّرت. اهـ. وفي ((المصباح): آنيتُه بالفتح والمدّ: أخَّرته، والاسم: أناء، بوزن سلام(٣). قيل: منصوبٌ على الظرفية بمضمر، وقوله سبحانه: ﴿فَسَيِّحْ﴾ عطفٌ عليه، أي: قم بعضَ آناء الليل، فسبّح. وهوكما ترى. وقيل: منصوبٌ بـ ((سبِّح)) على نسق ﴿وَإَِّنَىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. والفاء على الأول عاطفةٌ، وعلى الثاني مفسِّرة. وقيل: إنَّه معمول ((فسبّح))، والفاء زائدةٌ، فائدتُها الدلالة على لزوم ما بعدها لما قبلها . وذكر الخفاجيُّ أنَّه معمولٌ لما ذكر من غير حاجةٍ لدعوى زيادة الفاء؛ لأنَّها لا تمنع عملَ ما بعدَها فيما قبلها، كما صرَّح به النحاة(٤). والمراد من التسبيح في بعض آناء الليل صلاةُ المغرب وصلاةُ العشاء، وللاعتناء بشأنهما لم يكتف في الأمر بفعلهما بالفعل السابق بأن يعطِف ((من آناء الليل)) على أحد الظرفين السابقين من غير ذكر ((فسبح))، وللاهتمام بشأن «آناء الليل)) وامتيازِها على سائر الأوقات بأمور خاصِّيَّةٍ وعاميَّة قدَّم ذكرَها على الأمر، ولم يسلك بها مسلكَ ما تقدَّم. (١) في الأصل و(م): الاناه. والمثبت من المفردات (أنا). (٢) ديوان الحطيئة ص ٩٨. (٣) المصباح المنير (أنى). (٤) حاشية الخفاجي ٢٣٤/٦.