Indexed OCR Text

Pages 421-440

الآية : ٨٧
٤٢١
يَحِلَّ﴾ أي: يجب ﴿عَلَيْكُمْ غَضَبٌ﴾ شديدٌ لا يقادرُ قدرهُ كائنٌ ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: من
مالك أمركم على الإطلاق.
والمراد من إرادة ذلك: فعلُ ما يكونُ مقتضياً له.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَغْلَفْتُ مَّوْعِدِى ٨)﴾ لترتيب ما بعدها على كلٍّ من
الشقين، والموعد مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله؛ للقصد إلى زيادة تقبيح حالهم، فإنَّ
إخلافَهم الوعد الجاريَ فيما بينهم وبينه عليه السلام من حيث إضافتُه إليه عليه السلام
أشنعُ منه من حيث إضافته إليهم. والمعنى: أفطالَ عليكم الزمانُ، فنسيتُم بسبب ذلك،
فأخلفتم وعدكم إِيَّاي بالثبات على ديني إلى أن أرجع من الميقات نسياناً، أو تعمَّدتم
فعل ما يكونُ سبباً لحلول غضب ربِّكم عليكم، فأخلفتم وعدكم إيَّاي بذلك عمداً.
وحاصله: أنسيتم فأخلفتم، أو تعمدتم فأخلفتم، ومنه يعلمُ التقابل بين الشِّقِّين.
وجَوَّزَ المفضَّل أنْ يكون الموعدُ مصدراً مضافاً إلى الفاعل، وإخلافُه بمعنى
وجدان الخلف فيه، يقال: أخلفَ وعدُ زيدٍ، بمعنى وجدَ الخلف فيه، ونظيره:
أحمدتُ زيداً، أي: فوجدتُم الخلف في موعدي إيَّاكم بعد الأربعين. وفيه أنَّه
لا یساعده السیاق ولا السباق أصلاً.
وقيل: المصدرُ مضافٌ إلى المفعول، إلّا أنَّ المراد منه وعدُهم إِيَّاه عليه السلام
باللحاق به والمجيء للطور على أثره. وفيه ما فيه.
واستدلَّت المعتزلةُ بالآية على أنَّ الله عزَّ وجلَّ ليس خالقاً للكفر، وإلا لما قال
سبحانه: ((وأضلَّهم السامريُ))، ولما كان لغضب موسى عليه السلام وأسفه وجهٌ.
ولا يخفى ما فيه.
﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدََكَ﴾ أي: وَعْدَنَا إِيَّاك الثباتَ على دينك. وإيثارُه على أن
يقال: موعدنا، على إضافة المصدرِ إلى فاعله لما مرَّ آنفاً.
﴿يِمَلَكِنَا﴾ بأنْ ملكنا أمرنا، يعنون أنَّا لو خُلِّينا(١) وأنفسَنا، ولم يسوِّل لنا
السامريُّ ما سوَّلَه مع مساعدة بعض الأحوال؛ لما أخلفناه.
(١) في الأصل و(م): ولو خلينا. بزيادة واو، والمثبت من تفسير أبي السعود ٣٥/٦، والكلام
منه .

٤٢٢
الآية : ٨٧
وقرأ بعضُ السبعة: ((بمِلكنا)) بكسر الميم(١). وقرأ الأخوان والحسن والأعمش
وطلحةُ وابن أبي ليلى وقعنب بضمُها(٢). وقرأ عمر تظله: ((بمَلَكنا)) بفتح الميم
واللام، قال في ((البحر))(٣): أي: بسلطاننا، واستظهر أنَّ الملك بالضمِّ والفتح
والكسر بمعنى. وفرَّق أبو عليّ(٤) فقال: معنى المضموم أنه لم يكن لنا مُلكٌ
فنخلفَ موعدك بسلطانه، وإنَّما أخلفناه بنظرٍ أدَّى إليه ما فعلَ السامريُّ، والكلام
على حدٍّ قوله تعالى: ﴿لَا يَنْعَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وقول ذي
الرمة :
لا تُشتكَى سَقطةٌ منها وقد رقصت بها المفاوزُ حتى ظهرُها حَدِبُ(٥)
ومفتوح الميم مصدر مَلَك، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنْ(٦) ملكنا الصواب
ووُفّقنَا له، بل غلبتنا أنفسُنا.
ومكسورُ الميم کَثُر استعمالُه فيما تحوزُه اليد، ولكنه يستعملُ في الأمور التي
يبرمُها الإنسان، والمعنى عليه كالمعنى على المفتوح الميم.
والمصدرُ في هذين الوجهين مضافٌ إلى الفاعل، والمفعول مقدَّر، أي: بملكنا
الصواب.
﴿وَلَكِنّا حِلْنَا أَوْزَارًاً مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ استدراكٌ عمَّا سبقَ واعتذارٌ عمَّا فعلوا ببيانِ
منشأ الخطأ .
والمراد بالقوم القبطُ، والأوزار: الأحمال، وتسمَّى بها الآثام، وعنوا بذلك
ما استعاروه من القبط من الحليِّ برسم التزيُّن في عيدٍ لهم قبيل الخروج من مصر،
(١) هي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو من السبعة. وقرأ بها أيضاً يعقوب من العشرة.
انظر التيسير ص ١٥٣، والنشر ٣٢١/٢.
(٢) البحر المحيط ٢٦٨/٦، وقراءة الأخوين؛ حمزة والكسائي في التيسير ص ١٥٣، والنشر
٣٢١/٢، وقرأ بها أيضاً خلف من العشرة.
(٣) ٢٦٨/٦.
(٤) في الحجة ٢٤٤/٥.
(٥) ديوان ذي الرمة ١/ ٤٤.
(٦) في البحر المحيط ٢٦٨/٦، والدر المصون ٩٠/٨: بأنَّا.

الآية : ٨٧
٤٢٣
سُولَلاَ طَّة
كما أسلفنا. وقيل: استعاروه باسم العرس. وقيل: هو ما ألقاه البحرُ على الساحل
ممَّا كان على الذين غرقوا.
ولعلَّهم أطلقوا على ذلك الأوزار مراداً بها الآثام، من حيث إنَّ الحليَّ سببٌ
لها غالباً؛ لما أنَّه يُلبس في الأكثر للفخر والخيلاء والترفّع على الفقراء.
وقيل: من حيث إنَّهم أثموا بسببه وعَبدُوا العجلَ المصوغَ منه.
وقيل: من حيث إنَّ ذلك الحليَّ صار بعد هلاك أصحابه في حكم الغنيمة، ولم
يكن مثلُ هذه الغنيمة حلالاً لهم، بل ظاهر الأحاديث الصحيحة أنَّ الغنائمَ سواءٌ
كانت من المنقولات أم لا لم تحَلَّ لأحدٍ قبل نبيِّنَا وَليِ(١).
والرواية السابقة في كيفيَّة الإضلال توافقُ هذا التوجيه، إلَّا أنَّه يُشكِل على ذلك
ما روي من أنَّ موسى عليه السلام هو الذي أمرهم بالاستعارة، حتى قيل: إنَّ فاعل
التحميل في قولهم: ((حُمِّلنا)) هو موسى عليه السلام، حيث ألزمهم ذلك بأمرِهم
بالاستعارة، وقد أبقاه في أيديهم بعد هلاك أصحابه، وأقرَّهم على استعماله، فإذا
لم يكن حلالاً فكيف يقِرُّهم؟ وكذا يقال على القول بأنَّ المرادَ به ما ألقاه البحر
على الساحل.
واحتمالُ أنَّ موسى عليه السلام نهى عن ذلك، وظَنَّ الامتثال، ولم يطَّلع على
عدمه لإخفاء الحال عنه عليه السلام = ممَّا لا يكادُ يلتفتُ إلى مثله أصلاً،
لاسيما على رواية أنَّهم أمروا باستعارة دواب من القوم أيضاً، فاستعاروها وخرجوا
بها .
وقد يقال: إنَّ أموالَ القبط مطلقاً بعد هلاكهم كانت حلالاً عليهم، كما يقتضيه
وَكُرٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿ كَذَلِكَ وَأَوْرَتْتَهَا
٥٧
ظاهرُ قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْتَهُم مِّنِ جَنَّتٍ وَعُونٍ
بَنِّ إِسْرَّهِيلَ﴾(٢) [الشعراء: ٥٧-٥٩]، وقد أضافَ سبحانه الحليَّ إليهم في قوله تعالى:
(١) وسيذكر المصنف قريباً حديث جابر به في هذا الخصوص.
(٢) في الأصل و(م): كم تركوا. فلعله رحمه الله انتقل ذهنه إلى قوله تعالى في سورة الدخان:
﴿َكَمْ تَرَكُواْ مِنْ جَّتٍ وَعُونٍ (٥) وَزُرُوعِ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ (٢﴾ وَنَعْمَقِ كَنُواْ فِيَهَا فَكِينَ ﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْتَهَا
قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ [الآيات: ٢٥-٢٨]. والله أعلم.

٤٢٤
الآية : ٨٧
﴿وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وذلك يقتضي
بظاهره أنَّ الحليَّ ملكٌ لهم(١). ويُدَّعى اختصاصُ الحلِّ فيما كان الردُّ فيه متعذِّراً
لهلاك صاحبه ومن يقوم مقامه، ولا ينافي ذلك قوله وَله: «أُحلَّت لي الغنائمُ، ولم
تحلَّ لأحدٍ قبلي))(٢) لجواز أن يكون المراد به: أحلَّت لي الغنائم على أيِّ وجهٍ
كانت، ولم تحلَّ كذلك لأحدٍ قبلي، ويكون تسميتُهم ذلك أوزاراً؛ إمَّا لما تقدَّم من
الوجه الأول والثاني، وإمَّا لظنِّهم الحرمةَ لجهلهم في أنفسهم، أو لإلقاء السامريِّ
الشبهةَ علیھم.
وقيل: إنَّ موسى عليه السلام أمره الله تعالى أن يأمرهم بالاستعارة، فأمرهم،
وأبقى ما استعاروه بأيديهم بعد هلاك أصحابه بحكم ذلك الأمر منتظراً ما يأمر الله
تعالی به بعد.
وقد جاء في بعض الأخبار ما يدلُّ على أنَّ الله سبحانه بيَّن حكمَه على لسان
هارون عليه السلام بعدَ ذهاب موسى عليه السلام للميقات، كما سنذكره قريباً إن
شاء الله تعالى، فتأمَّل ذاك والله تعالى يتولَّى هداك.
والجارُّ والمجرور يحتملُ أن يكون متعلِّقاً بـ ((حُمِّلنا))، وأن يكون متعلِّقاً
بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((أوزاراً)، ولا يتعيَّن ذلك بناءً على قولهم: إنَّ الجمل
والظروف بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال؛ لأنَّ ذلك ليس على
إطلاقه .
وقرأ الأخوان وأبو عمرو(٣) وابن محيصن: ((حَمَلنا)) بفتح الحاء والميم.
وأبو رجاء: ((حُمِلنا)) بضم الحاء وكسر الميم من غير تشديد(٤).
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: قيل: والظاهر أن هذا الحلي بعد موت أصحابه حكمه حكم
المال الضائع الذي لا يعرف مالكه.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه (٥٢١) من حديث جابر﴾، وهو أيضاً عند البخاري
(٣٣٥) بألفاظ قريبة.
(٣) وهي أيضاً قراءة شعبة عن عاصم، وروح عن يعقوب، وخلف. انظر التيسير ص ١٥٣،
والنشر ٣٢٢/٢.
(٤) البحر المحيط ٢٦٩/٦.

الآية : ٨٧
٤٢٥
سُورَةٌ طَّفة
وَفَقَذَفْتَهَا﴾ أي: طرحناها في النار، كما تدلُّ عليه الأخبار. وقيل: أي:
ألقيناها على أنفسنا وأولادنا. وليس بشيءٍ أصلاً.
﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي: فمثل ذلك ﴿أَلْقَى السَّارِيُّ ◌َ﴾﴾ أي: ما كان معه منها. قيل: كأنَّه
أراهم أنَّه أيضاً يُلقي ما كان معه من الحليِّ، فقالوا ما قالوا على زعمهم، وإنَّما كان
الذي ألقاه التربة التي أخذها من أثر الرسول، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقيل: إنَّه ألقى ما معه من الحليّ، وألقى مع ذلك ما أخذه من أثر الرسول،
كأنَّهم لم يريدوا إلَّا أنَّه ألقى ما معه من الحلي.
وقيل: أرادوا: ألقى التربة. وأيَّده بعضهم بتغيير الأسلوب، إذ لم يعبِّر بالقذف
المتبادَر منه أنَّ ما رماه جرم مجتمع. وفيه نظر.
وقد يقال: المعنى: فمثل ذلك الذي ذكرناه لك ألقى السامريُّ إلينا وقرَّره
علينا. وفيه بعد. وإنْ ذُكر أنَّه قال لهم: إنَّما تأخّر موسى عليه السلام عنكم
لما معكم من حليِّ القوم، وهو حرامٌ عليكم، فالرأيُ أن نحفرَ حفيرةً، ونَسْجُرَ فيها
ناراً، ونقذفَ فيها ما معنا منه، ففعلوا، وكان صنع في الحفيرة قالبَ عجل.
وقد أخرج ابنُ إسحاق وابن جرير وابنُ أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ مّ أنَّه لمَّا
فصل موسى عليه السلام إلى ربِّه سبحانه قال لهم هارون عليه السلام: إنَّكم قد حُمِّلُم
أوزاراً من زينة القوم ـ آل فرعون - وأمتعةً وحليّاً، فتطَّهروا منها، فإنَّها رجسٌ، وأوقد
لهم ناراً، فقال لهم: اقذفوا ما معكم من ذلك فيها، فجعلوا يأتونَ بما معهم فيقذفونه
فيها، فجاء السامريُّ ومعه ترابٌ من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام، واقبل إلى
النار، فقال لهارون عليه السلام: يا نبيَّ الله ألقي(١) ما في يدي؟ فقال: نعم، ولا يظنُّ
هارون عليه السلام إلَّا أنَّه كبعض ما جاء به غيرُه من ذلك الحليِّ والأمتعة، فقذفه
فيها، فقال: كن عجلاً جسداً له خُوار، فكان للبلاء والفتنة(٢).
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضاً أنَّ بني إسرائيل استعاروا حليّاً
من القبط، فخرجوا به معهم، فقال لهم هارون بعد أنْ ذهبَ موسى عليهما السلام:
(١) في (م): أألقي.
(٢) الدر المنثور ٣٠٥/٤. وهو في تفسير الطبري ١/ ٦٧٢ .

سُوٌلاطفة
٤٢٦
الآية : ٨٨
اجمعوا هذا الحليّ حتى يجيء موسى فيقضي فيه ما يقضي، فجمع ثم أذيب، فألقى
السامريُّ عليه القبضةَ(١).
﴿فَأَخْرَجَ﴾ أي: السامريُّ ﴿لَهُمْ﴾ للقائلين المذكورين ﴿عِجْلًا﴾ من تلك الأوزار
التي قذفوها. وتأخيرُه مع كونه مفعولاً صريحاً عن الجارِّ والمجرور؛ لما مرَّ غير
مرةٍ من الاعتناء بالمقدَّم والتشويق إلى المؤشّر، مع ما فيه من نوع طولٍ يُخِلُّ تقديمُه
بتجاوب النظم الكريم، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿حَسَدًا﴾ أي: جثَّةً ذا لحم ودمٍ، أو
جسداً من ذهبٍ لا روحَ فيه، بدلٌ منه، وقيل: هو نعتٌ له على أنَّ معناه: أَحمرَ
كالمجسد، وكذا قوله تعالى: ﴿لَُّ خُوارُ﴾ نعتٌ له، والخوار: صوتُ العجل، وهذا
الصوتُ إمَّا لأنَّه نُفِخَ فيه الروح بناءً على ما أخرجَهُ ابن مردويه عن كعب(٢) بن
مالك عن النبيِّ وَّه قال: ((إنَّ الله تعالى لمَّا وعد موسى عليه السلام أنْ يكلِّمهُ خرج
الوقت الذي وعدَه، فبينما هو يناجي ربَّه إذ سمع خلفه صوتاً، فقال: إلهي إنَّي
أسمعُ خلفي صوتاً، قال: لعلَّ قومك ضلُّوا، قال: إلهي من أضلَّهم؟ قال: أضلَّهم
السامريُّ، قال: فيم أضلَّهم؟ قال: صاغَ لهم عجلاً جسداً له خوارٌ، قال: إلهي
هذا السامريُّ صاغَ لهم العجل، فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار؟ قال: أنا
يا موسى، قال: فوعزَّتك ما أضلَّ قومي أحدٌ غيرك، قال: صدقت يا حكيم
الحكماء، لا ينبغي لحكيمٍ أنْ يكونَ أحكمَ منك)»(٣).
وجاء في روايةٍ أخرى عن راشد بن سعد أنَّه سبحانه قال له: يا موسى إنَّ
قومك قد افتتنوا من بعدك، قال: يا ربّ، كيف يفتتنون وقد نجّيتهم من فرعون،
ونجيتهم من البحر، وأنعمتَ عليهم، وفعلت بهم؟ قال: يا موسى إنَّهم اتخذوا من
بعدكَ عجلاً له خوار، قال: يا ربّ فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا، قال: فأنتَ
يا ربّ أضللتهم، قال: يا موسى يا رأس النبيين ويا أبا الحكماء، إنَّ رأيتُ ذلك
في قلوبهم فيسَّرتُه لهم (٤).
(١) الدر المنثور ٣٠٥/٤.
(٢) في الدر المنثور: وهب بن مالك.
(٣) الدر المنثور ٤/ ٣٠٤.
(٤) الدر المنثور ٣٠٤/٤-٣٠٥.

الآية : ٨٨
٤٢٧
سُولَلاَطَّة
وإمَّا لأنه تدخُل فيه الريحُ فيصوِّت، بناءً على ما أخرجَهُ ابنُ جرير عن ابن
عباس قال: كأن بني إسرائيل تأثّموا من حُليٍّ آل فرعون الذي معهم، فأخرجوه
لتنزل النارُ فتأكله، فلمَّا جمعوهُ ألقى السامريُّ القبضة، وقال: كنْ عجلاً جسداً له
خوارٌ، فكان(١) كذلك، وكان تدخلُ الريح من دبره، وتخرج من فيه، فيُسمع له
صوت(٢).
﴿فَقَالُواْ﴾ أي: السامريُّ ومن افتتن به أوَّل ما رآه. وقيل: الضمير للسامريِّ،
وجيء به ضمير جمع تعظيماً لجرمه. وفيه بعد: ﴿هَذَا إَِهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ
أي: فغفل عنه موسى وذهبَ يطلبه في الطور، فضمير ((نسي)) لموسى عليه السلام،
كما روي عن ابن عباس وقتادة. والفاء فصيحة، أي: فاعبدوه والزموا عبادته فقد
نسيَ موسى عليه السلام.
وعن ابن عباس أيضاً ومكحول أنَّ الضميرَ للسامريِّ، والنسيانُ مجازٌ عن
الترك، والفاء فصيحةٌ أيضاً، أي: فأظهر السامريُّ النفاقَ، فتركَ ما كان فيه من
إسرار الكفر، والإخبار بذلك على هذا منه تعالى، وليس داخلاً في حيِّز القول،
بخلافه على الوجه الأول.
وصنيعُ بعض المحققين يشعرُ باختيار الأول، ولا يخفى ما في الإتيانِ باسم
الإشارة والمشارُ إليه بمرأى منهم، وتكرير ((إله))، وتخصيص موسى عليه السلام
بالذكر، وإتيان الفاء من المبالغة في الضلال.
والإخبارُ بالإخراج وما بعده حكايةُ نتيجةٍ فتنة السامريّ فعلاً وقولاً من جهته
سبحانه قصداً إلى زيادة تقريرها، ثم [ترتيب] الإنكارٍ عليها، لا من جهة القائلين،
وإلَّا لقيل: فأخرجَ لنا. والحملُ على أنَّ عُدولَهم إلى ضمير الغيبة لبيان أنَّ الإخراجَ
والقولَ المذكورين للكلِّ، لا للعبدة فقط = خلافُ الظاهر، مع أنَّه مُخِلٌّ باعتذارهم،
فإنَّ مخالفةَ بعضهم للسامريِّ، وعدم افتتانهم بتسويله، مع كون الإخراج والخطاب
(١) في (م) وتفسير الطبري: فصار.
(٢) تفسير الطبري ١/ ٦٧٠. قال الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير ٩/ ١١٠: ما وقع في
القصص أنه كان لحماً ودماً ويأكل ويشرب، فهو من وضع القصاصين.

الآية : ٨٩
٤٢٨
لهم ممَّا يهوّنُ مخالفته للمعتذرين، فافتتانُهم بعدُ أعظمُ جنايةً وأكثرُ شناعةً، وأمَّا
ما قيل من أنَّ المعتذرين هم الذين لم يعبدوا العجل، وأنَّ نسبة الإخلافِ إلى
أنفسهم - وهم بُرَآء منه - من قبيل قولهم: بنو فلانٍ قتلوا فلاناً، مع أنَّ القاتل واحدٌ
منهم، كأنهم (١) قالوا: ما وجدنا الإخلافَ فيما بيننا بأمرٍ كنّا نملكه، بل تمكَّنت
الشبهةُ في قلوب العبدةِ حيث فعل بهم السامريُّ ما فعل، فأخرج لهم ما أخرج،
وقال ما قال، فلم نقدر على صرفهم عن ذلك، ولم نفارقهم مخافةً ازدياد الفتنة،
فقد قال شيخُ الإسلام: إِنَّ سياقَ النظم الكريم وسباقَه يقضيان بفساده(٢).
وذهب أبو مسلم إلى أنَّ كلامَ المعتذرين تمَّ عند قولهم: ((فقذفناها))، وما بعده
من قوله تعالى: ((فكذلك ألقى السامريُّ) إلى آخره: إخبارٌ من جهته سبحانه أنَّ
السامريَّ فعلَ كما فعلوا، ((فأخرجَ لهم)) إلخ، وهو خلافُ الظاهر.
هذا وقرأ الأعمش: ((فنسيْ)) بسكون الياء(٣).
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ إلى آخره إنكارٌ وتقبيحٌ من جهته تعالى الضالِّين
والمضلِّين جميعاً، وتسفيهٌ لهم فيما أقدموا عليه من المنكر الذي لا يشتبهُ بطلانُه
واستحالتُه على أحد؛ وهو اتِّخاذ ذلك العجل إلهاً، ولعمري لو لم يكونوا في
البلادة كالبقر لما عبدوه.
والفاء للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، أي: ألا يتفكرونَ فلا يعلمون ـ
يَجِعُ إِلَيْهِمْ فَوْلًا﴾ أي: إنه لا يرجعُ إليهم كلاماً، ولا يردُّ عليهم جواباً، بل يخورُ
كسائر العجاجيل، فَمَنْ هذا شأنُه كيف يتوهّم أنَّه إله؟!
وقرأ الإمام الشافعيُّ وأبو حيوة وأبان وابنُ صبيح والزعفرانيُّ : ((يرجعَ)) بالنصب
على أنَّ ((أن)) هي الناصبة، لا المخففة من الثقيلة، والرؤيةُ حينئذٍ بمعنى الإبصار
لا العلم (٤)؛ بناءً على ما ذكره الرضيُّ وجماعةٌ من أنَّ الناصبةَ لا تقعُ بعد أفعال
(١) في الأصل و(م): كانوا. والمثبت من تفسير أبي السعود، والكلام وما سلف بين حاصرتين
منه .
(٢) تفسير أبي السعود ٣٦/٦.
(٣) البحر المحيط ٢٦٩/٦.
(٤) البحر المحيط ٢٦٩/٦.

الآية : ٩٠
٤٢٩
القلوب ممَّا يدلُّ على يقينٍ أو ظنٍّ غالبٍ؛ لأنَّها لكونها للاستقبال تدخلُ على
ما ليس بثابتٍ مستقرِّ، فلا يناسبُ وقوعُها بعد ما يدلُّ على يقينٍ ونحوه، والعطفُ
أيضاً كما سبق، أي: ألا ينظرون فلا يبصرون عدمَ رجْعه إليهم قولاً من الأقوال؟
وتعليقُ الإبصار بما ذكر مع كونه أمراً عدميّاً؛ للتنبيه على كمال ظهوره
المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيكِ عقولهم.
وقيل: ((أن)) الناصبة لا تقعُ بعد رأى البصريَّة أيضاً؛ لأنَّها تفيدُ العلمَ بواسطة
إحساس البصر، كما في ((إيضاح المفضَّل)). وأجاز الفرَّاءُ وابنُ الأنباريِّ وقوعَها
بعد أفعال العلم فضلاً عن أفعال البصر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا (٨)﴾ عطف على ((لا يرجع)) داخلٌ
معه في حيِّز الرؤية، أي: أفلا(١) يرونَ أنَّه لا يقدرُ على أنْ يدفعَ عنهم ضرّاً ويجلبَ
لهم نفعاً، أو لا يقدرُ على أنْ يضرَّهم إن لم يعبدوه، أو ينفعَهم إنْ عبدوه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ﴾ مع ما بعد: جملةٌ قسميَّةٌ مؤكِّدةٌ
لما سبق من الإنكار والتشنيع؛ ببيان عتوِّهم واستعصائِهم على الرسول إثر بيانٍ
مكابرتهم لقضيَّة العقول، أي: وبالله لقد نصحَ لهم هارونُ، ونبَّههم على كُنْهِ الأمر
من قَبْلٍ رجوع موسى عليه السلام إليهم، وخطابه إيَّاهم بما ذكر من المقالات.
وإلى اعتبار المضاف إليه قبل ما ذُكِر ذهبَ الواحديُّ(٢). وقيل: من قَبْل قولِ
السامريِّ: ((هذا إلهكم وإله موسى))، كأنَّه عليه السلام أوَّل ما أبصرَه حينَ طلع من
الحفيرة تفرَّس فيهم الافتتان، فسارعَ إلى تحذيرهم، واختاره صاحب ((الكشف)) تبعاً
الشيخِه(٣)، وقال: هو أبلغُ وأدلُّ على توبيخِهم بالإعراض عن دليل العقل والسمع
في: ((أفلا يرون)) و((لقد قال)) واختارَ بعضُهم الأوَّل، وادَّعى أنَّ الجوابَ يؤيِّده،
وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ في ذلك.
وجوَّز العلامة الطيبيُّ في هذه الجملة وجهين؛ كونَها معطوفةً على قوله تعالى:
(١) في (م): فلا .
(٢) الوسيط ٢١٩/٣.
(٣) أي: الزمخشري في الكشاف ٢/ ٥٥٠ .

سُورَاظَنّ
٤٣٠
الآية : ٩٠
(أفلا يرون)) وقال: إنَّ في إيثار المضارع فيه دلالةً على استحضار تلك الحالة
الفظيعة في ذهن السامع واستدعاء الإنكار عليهم. وكونَها في موضعَ الحال من
فاعل (يرون)) مقررة لجهة الإنكار، أي: أفلا يرون والحالُ هذه(١) أنَّ هارون نبَّههم
قبلَ ذلك على كُنْه الأمر، وقال لهم: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهٍ﴾ أي: أُوقعتم في الفتنة
بالعجل، أو أُضللتم، على توجيه القصر المستفاد من كلمة ((إنما)) في أغلب
استعمالاتها إلى نفس الفعل بالقياس إلى مقابله الذي يدّعيه القوم، لا إلى قيده
المذكور بالقياس إلى قيدٍ آخر، على معنى: إنما فُعِلَ بكم الفتنةُ لا الإرشاد إلى
الحقّ، لا على معنى إنَّما فتنتم بالعجل لا بغيره.
وقوله تعالى: ﴿وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ بكسر همزة ((إنَّ) عطفاً على ((إنما)) إلخ إرشادٌ
لهم إلى الحقِّ إثر زجرهم عن الباطل. والتعرُّضُ لعنوان الربوبيَّة والرحمةِ؛ للاعتناءِ
باستمالتهم إلى الحقِّ، وفي ذلك تذكيرٌ لتخليصهم من فرعون زمانَ لم يوجد
العجل، وكذا - على ما قيل - تنبيهٌ على أنَّهم متى تابُوا قبلَهم.
وتعريف الطرفين لإفادة الحصر، أي: وإنَّ ربَّكمُ المستحقَّ للعبادة هو الرحمن
لا غير.
وقرأ الحسنُ وعيسى وأبو عمرو في رواية: ((وأَنَّ ربكم)) بفتح الهمزة(٢)، وخُرِّج
على أنَّ المصدرَ المنسبكَ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: والأمرُ أنَّ ربكم الرحمن،
والجملةُ معطوفة على ما مرَّ.
وقال أبو حاتم: التقديرُ: لأنَّ(٣) رَبَّكم .. إلخ، وجعل الجارَّ والمجرور متعلّقاً
بـ «اتبعوني)).
وقرأت فرقةٌ: (أَنَّما)) و((أنَّ ربَّكم)) بفتح الهمزتين(٤)، وخُرِّجَ على لغة سليم
حيث يفتحونَ همزة ((إن)) بعدَ القول مطلقاً .
(١) لفظة: هذه، ليست في (م).
(٢) البحر المحيط ٢٧٢/٦. وقراءة أبي عمرو المشهورة عنه كقراءة الجمهور.
(٣) في (م): ولأن.
(٤) البحر المحيط ٦/ ٢٧٢.

الآية : ٩١
٤٣١
الأظة
لترتيب ما بعدها على
٩٥
والفاء في قوله تعالى: ﴿فَاَنِّعُونِي وَأَطِيعُواْ أَمْرِى
ما قبلها من مضمون الجملتين، أي: إذا كان الأمر كذلك فاتَّبعوني وأطيعوا أمري
في الثبات على الدين.
وقال ابن عطية: أي: فاتبعوني إلى الطور الذي واعدَكم الله تعالى إليه(١)، وفيه
أنَّه عليه السلام لم يكن بصدد الذهاب إلى الطور ولم يكن مأموراً به، وما واعدَ الله
سبحانه أولئك المفتونين بذهابهم أنفسهم إليه. وقيل - ولا يخلو عن حسن -: أي:
فاتَّبعوني في الثباتِ على الحقِّ، وأطيعوا أمري هذا، وأعرضوا عن التعرُّضِ لعبادة
ما عرفتم أمره، أو كفُّوا أنفسَكم عن اعتقادِ ألوهيَّته وعبادته.
﴿قَالُواْ﴾ في جواب هارون عليه السلام: ﴿لَنْ تَّْرَعَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا نزالُ على
عبادة العجل ﴿عَكِفِينَ﴾ مقيمين ﴿حَّى يَرْجَعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴾﴾ الظاهر من حالهم
أنهم لم يجعلوا رجوعَه عليه السلام غايةً للعكوف على عبادة العجل، على
طريق الوعدِ بتركها لا محالةً عند رجوعه، بل ليروا ماذا يكون منه عليه السلام،
وماذا يقول فيه.
وقيل: إنَّهم عَلِقَ في أذهانهم قولُ السامريّ: ((هذا إلهكم وإله موسى فنسي))
فغيّوا برجوعه بطريق التعلَّل والتسويف، وأضمَروا أنَّه إذا رجعَ عليه السلام يوافقُهم
على عبادته، وحاشاه. وهذا مبنيٌّ على أنَّ المحاورةَ بينهم وبين هارون عليه السلام
وقعتْ بعد قول السامريِّ المذكور، فيكونُ ((من قبل)) على معنى: من قبل رجوع
موسى. وذكر أنَّ هذا الجواب يؤيده هذا المعنى؛ لأن قولهم: ((لن يبرح)) إلخ يدل
على عكوفهم حال قوله عليه السلام؛ وهم لم يعكفوا على عبادته قبل قول
السامريِّ، وإنَّما عكفوا بعده.
وقال الطيبيُّ: إنَّ جوابَهم هذا من باب الأسلوب الأحمق نقيض الأسلوب
الحكيم؛ لأنَّهم قالوه عن قلَّة مبالاةٍ بالأدلَّة الظاهرة، كما قال نمروذ في جواب
الخليل عليه السلام: ((أنا أحيي وأميت))(٢) فتأمَّل. واستدلَّ أبو حيان بهذا التغيّي
(١) المحرر الوجيز ٥٩/٤.
(٢) حكى الله سبحانه وتعالى قول نمروذ في سورة البقرة، الآية: ٢٥٨.

سُو ◌َلاَطفة
٤٣٢
الآية : ٩٢ ، ٩٣
على(١) أنَّ (لن) لا تفيدُ التأبيدَ، لأنَّ التغيّي لا يكونُ إلَّا حيثُ يكون الشيء
محتملاً، فيزال الاحتمالُ به (٢).
وأنت تعلم أنَّ القائلَ بإفادتها ذلك لا يدَّعي أنها تفيدُه في كلِّ الموارد، وهو
ظاهر.
وفي بعض الأخبار أنَّهم لمَّا قالوا ذلك اعتزلَهم هارون عليه السلام في اثني
عشر ألفاً، وهم الذين لم يعبدوا العجل، فلمَّا رجعَ موسى عليه السلام وسمعَ
الصياح، وكانوا يسجدون إذا خارَ العجل فلا يرفعون حتى يخورَ ثانية - وفي روايةٍ:
كانوا يرقصونَ عند خواره - قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوتُ الفتنةِ، حتى
إذا وصلَ، قال لقومه ما قال، وسمع منهم ما قالوا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ نشأ من حكاية جوابهم السابق، أعني قوله
تعالى: (ما أخلفنا موعدك)) إلخ، كأنَّه قيل: فماذا قال موسى لهارون
عليهما السلام حين سمعَ جوابهم، وهل رضيَ بسكوته بعدَ ما شاهد منهم
ما شاهد؟ فقيل: قال له وهو مغتاظٌ قد أخذ بلحيتِه ورأسه: ﴿يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ
رَهُمْ ضَلُواْ ﴾﴾ بعبادة العجل، ولم يلتفتوا إلى دليل بطلانِها ﴿أَلَّا تَتَّعَرٍّ﴾
أي: تتبعني، على أنَّ ((لا)) سيف خطيب، كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا
تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ((منع))، فـ ((إذا(٣) متعلّقٌ بـ ((منع))، وقيل:
بـ (تتبعني)). ورُدَّ بأنَّ ما بعد ((أنْ)) لا يعملُ فيما قبلها. وأجيبَ بأنَّ الظرفَ يُتوسّع
فيه ما لم يُتَوسَّع في غيره، وبأنَّ الفعلَ السابقَ لمَّا طلبه على أنَّه مفعولٌ ثانٍ له
كانَ مقدَّماً حكماً. وهو كما ترى.
أي: أيُّ شيءٍ منعك حين رؤيتك لضلالهم من أنْ تَّبعني، وتسيرَ بسيري في
الغضب لله تعالى، والمقاتلة مع من كفر به، وروي ذلك عن مقاتل. وقيل: في
الإصلاح والتسديد. ولا يساعدُه ظاهرُ الاعتذار.
(١) لفظة: على، ليست في الأصل.
(٢) البحر ٦/ ٢٧٣.
(٣) في (م): و((إذا.

الآية : ٩٤
٤٣٣
واستظهر أبو حيان(١) أن يكونَ المعنى: ما منعك من أنْ تلحقني إلى جبل
الطور بمن آمن من بني إسرائيل، وروي ذلك عن ابن عباس غدًا، وكان موسى عليه
السلام رأى أنَّ مفارقَة هارون لهم وخروجَه من بينهم بعد تلك النصائح القوليّة أزجرُ
لهم من الاقتصار على النصائح؛ لما أنَّ ذلك أدلُّ على الغضب، وأشدُّ في الإنكار،
لاسيَّما وقد كان عليه السلام رئيساً عليهم محبوباً لديهم، وموسى يعلمُ ذلك،
ومفارقةُ الرئيس المحبوب كراهةً لأمرٍ يَشُقُّ جدّاً على النفوس، وتستدعي تركَ ذلك
الأمر المكروه له الذي يوجبُ مفارقته.
وهذا ظاهرٌ لا غبار عليه عند من أنصف. فالقولُ بأنَّ نصائحَ هارون عليه
السلام حيثُ لم تزجرهم عمَّا كانوا عليه، فلأنْ لا تزجرَهم مفارقتُه إيَّاهم عنه
أولى - على ما فيه - لا يَرد على ما ذكرنا، ولا حاجةً إلى الاعتذار بأنَّهم إذا علموا
أنَّه يلحقُه ويخبرُه - عليهما السلام - بالقصة يخافونَ رجوعَ موسى عليه السلام،
فينزجرون عن ذلك؛ ليقال: إنَّه بمعزلٍ عن القبول، كيف لا، وهم قد صرَّحوا بأنَّهم
عاكفونَ عليه إلى حين رجوعه عليه السلام.
وقال عليُّ بن عيسى: إنَّ ((لا)) ليست مزيدة، والمعنى: ما حملك على عدم
الاتِّباع؟ فإنَّ المنعَ عن الشيء مستلزمٌ للحمل على مقابله.
﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى (٣)﴾ بسياستهم حسب ما ينبغي، فإنَّ قوله عليه السلام:
﴿أَخْلُفْنِ فِي قَوَّى﴾ بدون ضمِّ قوله: ﴿وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]
متضمِّنٌ للأمر بذلك حتماً، فإنَّ الخلافةَ لا تتحقَّق إلَّا بمباشرة الخليفةِ ما كان يباشرُه
المُستخلِفُ لو كان حاضراً، وموسى عليه السلام لو كان حاضراً لساسَهم على أبلغ
وجه .
والفاء للعطف على مقدَّرٍ يقتضيه المقام، أي: ألم تَّبعني، أو أخالفتني فعصيتَ
أمري.
﴿قَالَ يَبْنَؤُمَ﴾ خصَّ الأمَّ بالإضافة استعطافاً وترقيقاً لقلبه، لا لما قيل من أنَّه
كان أخاه لأمِّه، فإنَّ الجمهورَ على أنَّهما كانا شقيقين.
(١) في البحر ٦/ ٢٧٣ .

سُالطَّة
٤٣٤
الآية : ٩٤
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((يابن أمٌ)) بكسر الميم(١).
﴿لَا تَأْخُذْ بِحَْتِى وَلَا بِرَأْسِىٌّ﴾ أي: بشعر رأسي، فإنَّ الأخذ أنسب به. وزعم
بعضهم أنَّ قوله: ((بلحيتي)) على معنى بشعر لحيتي أيضاً؛ لأنَّ أصلَ وضع اللحية
للعضو النابت عليه الشعر، ولا يناسبُه الأخذ كثيرَ مناسبةٍ. وأنت تعلم أن المشهورَ
استعمالُ اللحية في الشعر النابت على العضو المخصوص، وظاهرُ الآيات
والأخبار أنَّه عليه السلام أخذَ بذلك. روي أنَّه أخذَ شعرَ رأسِه بيمينه ولحيته
بشماله، وكان عليه السلام حديداً متصلِّباً غضوباً لله تعالى، وقد شاهدَ ما شاهد،
وغلبَ على ظنِّ تقصيرٌ في هارون عليه السلام يستحقُّ به - وإنْ لم يخرجه عن دائرة
العصمة الثابتة للأنبياء عليهم السلام - التأديبَ، ففعل به ما فعل، وباشرَ
ذلك بنفسه(٢)، ولا محذور فيه أصلاً، ولا مخالفةً للشرع، فلا يَردُ ما توهمه
الإمام، فقال: لا يخلو الغضبُ من أن يزيل عقله أو لا، والأول لا يعتقده مسلم،
والثاني لا يزيلُ السؤالَ بلزوم عدم العصمة، وأجاب بما لا طائل تحته(٣).
وقرأ عيسى بن سليمان الحجازيّ: ((بلَحيتي)) بفتح اللام، وهي لغة أهل
الحجاز(٤).
﴿إِى خَشِيتُ﴾ إلخ، استئنافٌ لتعليل موجِب النهي بتحقيق أنَّه غيرُ عاصٍٍ أمرَه
ولا مقصِّرٍ في المصلحة، أي: خشيتُ لو قاتلتُ بعضَهم ببعض، وتفانوا وتفرَّقُوا،
أو خشيت لو لحقتُك بمن آمن ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّوِيلَ﴾ برأيك مع كونهم
أبناء واحد، كما ينبىُ عن ذلك ذكرهم بهذا العنوان، دون القوم ونحوه.
واستلزامُ المقاتلة التفريق ظاهرٌ، وكذا اللحوقُ بموسى عليه السلام مع من
آمن، وربَّما يجرُّ ذلك إلى المقاتلة. وقيل: أراد عليه السلام بالتفريق على التفسير
(١) التيسير ص ١١٣، والنشر ٢٧٢/٢. وهي أيضاً قراءة ابن عامر، وشعبة عن عاصم،
وخلف.
(٢) في الأصل: في نفسه. والمثبت من حاشية الخفاجي ٢٢٢/٦، وعنه نقل المصنف كلام
الإمام الرازي رحمه الله .
(٣) تفسير الرازي ١٠٨/٢٢.
(٤) البحر المحيط ٢٧٣/٦.

الآية : ٩٥
٤٣٥
الأول ما يستتبعه القتالُ من التفريق الذي لا يُرْجَى بعده الاجتماع.
﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ أي: ولم تراع ﴿قَوْلِ ﴾﴾ والجملةُ عطفٌ على ((فرَّقت)) أي:
خشيتُ أنْ تقولَ مجموعَ الجملتين، وتنسب إليَّ تفريق بني إسرائيل وعدم مراعاة
قولك لي ووصيتك إيَّاي.
وجُوِّزَ أنْ تكون الجملةُ في موضع الحال من ضمير ((فرَّقت)) أي: خشيتُ أنْ
تقول: فَرَّقت بينهم غيرَ مراعٍ قولي، أي: خشيتُ أنْ تقولَ مجموع هذا الكلام.
وأراد بقول موسى المضاف إلى الياء قوله عليه السلام: ﴿أَغْلُفْنِىِ فِ قَوْمِی
وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢] إلخ.
وحاصل اعتذاره عليه السلام: إنَّي رأيتُ الإصلاح في حفظ الدهماء والمداراة
معهم، وزجرهم على وجهٍ لا يختلُّ به أمر انتظامهم واجتماعهم، ولا يكون سبباً
للومك إيَّاي إلى أن ترجع إليهم، فتكون أنت المتداركَ للأمر حسبما تراه،
لاسيما والقومُ قد استضعفوني وقربوا من أنْ يقتلوني، كما أفصح عليه السلام بهذا
في آيةٍ أخرى(١) .
وأخرج ابنُ المنذر عن ابن جريج ما يدلُّ على أنَّ المرادَ من القول المضاف
قولُ هارون عليه السلام(٢). وجملة ((لم ترقب)) في موضع الحال من ضمير
(تقول))، أي: خشيتُ أن تقول ذلك غيرَ منتظرٍ قولي وبياني(٣) حقيقةً الحال.
فتأمل.
وقرأ أبو جعفر: ((ولم تُرقِب)) بضمِّ التاء وكسر القاف، مضارع: أرقب(٤).
﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وقع جواباً عمَّا نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار القوم بإسناد
الفساد إلى السامريِّ، واعتذار هارون عليه السلام، كأنَّه قيل: فماذا صنع موسى
(١) يشير إلى قوله تعالى على لسان هارون: ﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَ
تُثْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ وَلاَ تَّمْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠].
(٢) انظر الدر المنثور ٣٠٧/٤.
(٣) في (م): وبيان.
(٤) البحر المحيط ٦/ ٢٧٣، وقراءة أبي جعفر المتواترة عنه كقراءة الجمهور.

سُورَةٌ طَّ
٤٣٦
الآية : ٩٥
عليه السلام بعد سماع ما حُكي من الاعتذارين، واستقرارٍ أصل الفتنة على
السامريّ؟ فقيل: قال موبِّخاً له: إذا كان الأمرُ هذا ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِىُّ
٩٥
أي: ما شأنك والأمر العظيم الصادر عنك.
و((ما)) سؤالٌ عن السبب الباعث لذلك، وتفسيرُ الخطب بذلك هو المشهور،
وفي ((الصحاح))(١): الخطبُ: سببُ الأمر.
وقال بعضُ الثقات: هو في الأصل مصدر خطبَ الأمرَ إذا طلبه، فإذا قيل لمن
يفعل شيئاً: ما خطبُك؟ فمعناه: ما طلبك له، وشاع في الشأن والأمر العظيم، لأنَّه
يُطلَبُ ویرغَبُ فيه.
واختير في الآية تفسيرُه بالأصل؛ ليكون الكلام عليه أبلغ، حيث لم يسأله عليه
السلام عَمَّا صدرَ منه، ولا عن سببه، بل عن سبب طلبه. وجعل الراغب(٢) الأصلَ
لهذا الشائع الخَطْب بمعنى التخاطب، أي: المراجعة في الكلام، وأطلق عليه لأنَّ
الأمرَ العظيم يكثر فيه التخاطب. وجعل في ((الأساس)) الخطب بمعنى الطلب
مجازاً، فقال: ومن المجاز فلانٌ يخطبُ عمل كذا: يطلبه، وما خطبك: ما شأنك
الذي تخطبه(٣).
وفرَّق ابن عطية بين الخَطْب والشأن بأنَّ الخطب يقتضي انتهاراً ويستعملُ في
المكاره دون الشأن، ثمَّ قال: فكأنه قيل: ما نَحْسُك وما شؤمك، وما هذا الخطب
الذي جاء منك(٤). انتهى.
وليس بذلك بمطّردٍ، فقد قال إبراهيم عليه السلام للملائكة عليهم السلام:
﴿قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧]. ولا يتأتَّى فيه ما ذكر.
وزعم بعضُ من جعل اشتقاقه من الخطاب أنَّ المعنى: ما حملك على أنْ
خاطبت بني إسرائيل بما خاطبت، وفعلتَ معهم ما فعلت. وليس بشيء.
(١) مادة (خطب).
(٢) في المفردات (خطب).
(٣) الأساس في البلاغة (خطب).
(٤) المحرر الوجيز ٤/ ٦١ .

الآية : ٩٦
٤٣٧
سُورَلاَّفة
وخطابه عليه السلام إيَّاه بذلك؛ ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه، ويفعل به
وبما أخرجه ما يكونُ نكالاً للمفتونين ولمن خلفهم من الأمم.
﴿قَالَ﴾ أي: السامريُّ مجيباً له عليه السلام: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ.﴾ بضمِّ
الصاد فيهما، أي: علمتُ ما لم يعلمْهُ القوم، وفطنتُ لما لم يفطنوا له.
قال الزجاج: يقال: بَصُرَ بالشيء إذا علمه، وأبصر إذا نظر. وقيل: بصره
وأبصره بمعنى واحد(١).
وقال الراغب: البصر يقال للجارحة الناظرة(٢)، وللقوَّة التي فيها، ويقال لقوَّةٍ
القلب المدركةِ: بصيرة وبَصَر، ويقال من الأول: أبصرتُ، ومن الثاني: أبصرتُه
وبَصُرْتُ به، وقلَّما يقال: بَصُرْتُ في الحاسَّةِ إذا لم يضامَّه رؤيةُ القلب. اهـ.
وقرأ الأعمش وأبو السمَّال: ((بصِرتُ)) بكسر الصاد ((بما لم يبصَروا)) بفتح
الصاد(٣).
وقرأ عمرو بن عبيد: ((بُصِرتُ)) بضمِّ الباء وكسر الصاد ((بما لم تُبصَروا)) بضمٍ
التاء المثناة من فوق وفتح الصاد على البناء للمفعول (٤).
وقرأ الكسائيُّ وحمزةُ وأبو بحرية والأعمشُ وطلحة وابن أبي ليلى وابنُ مناذر
وابن سعدان وقعنب: ((بما لم تَبْصُروا)) بالتاء الفوقانية المفتوحة وبضمِّ الصاد(٥).
والخطاب لموسى عليه السلام وقومه. وقيل: له عليه السلام وحده، وضميرُ
الجمع للتعظيم، كما قيل في قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وهذا
منقولٌ عن قدماء النحاة، وقد صرَّح به الثعالبيُّ في ((سرِّ العربية))(٦)، فما ذكره
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٧٤/٣.
(٢) في الأصل: الباصرة. والمثبت من (م) ومفردات الراغب (بصر).
(٣) القراءات الشاذة ص ٨٩، والبحر المحيط ٢٧٣/٦، والدر المصون ٩٤/٨.
(٤) البحر المحيط ٦/ ٢٧٣ .
(٥) البحر المحيط ٢٧٣/٦، وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص ١٥٣، والنشر ٣٢٢/٢.
وهي أيضاً قراءة خلف من العشرة.
(٦) فقه اللغة وسر العربية للثعالبي ص ٣٠٠.

٤٣٨
الآية : ٩٦
الرضيُّ من أنَّ التعظيمَ إنَّما يكونُ في ضمير المتكلِّم مع الغير، كفعلنا، غير
مرتضى، وإن تبعه كثير.
وادعى بعضهم أنَّ الأنسبَ بما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله: ((وكذلك
سؤَّلت لي نفسي) تفسيرُ ((بصر)) بـ: رأى، لاسيَّما على القراءة بالخطاب، فإنَّ ادعاء
علم ما لم يعلمه موسى عليه السلام جراءةٌ عظيمة لا تليق بشأنه ولا بمقامه،
بخلاف ادعاء رؤية ما لم يره عليه السلام، فإنَّه ممَّا يقع بحسب ما يتفق، وقد كان
فيما أخرج ابن جرير عن ابن عباس: رأى جبريل عليه السلام يوم فُلِقِ البحرُ على
فرسٍ فعرفه؛ لما أنَّه كان يغذوهُ صغيراً حين خافت عليه أمُّ فألقته في غار، فأخذ
قبضةً من تحت حافر الفرس، وأُلقي في روعه أنَّه لا يلقيها على شيءٍ فيقول: كن
كذا، إلَّا كان(١).
وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنَّه رآه عليه السلام راكباً على فرسٍ حين جاء
ليذهب بموسى عليهما السلام إلى الميقات، ولم يره أحدٌ غيرُه من قوم موسى عليه
السلام، فأخذ من موطئ فرسه قبضةً من التراب.
وفي بعض الآثار أنَّه رآه كلَّما رفعَ الفرسُ يديه أو رجليه على التراب اليبس
يخرجُ النبات، فعرفَ أنَّ له شأناً، فأخذ من موطئه حفنةً، وذلك قوله تعالى:
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسِ الرسول. وكذا قرأ
عبد الله(٢)، فالكلامُ على حذف مضافٍ كما عليه أكثر المفسِّرين.
وأثرُ الفرس الترابُ الذي تحت حافره. وقيل: لا حاجةً إلى تقدير مضاف؛
لأنَّ أثر فرسه أثره عليه السلام.
ولعلَّ ذكر جبريل عليه السلام بعنوان الرسالة؛ لأنَّه لم يعرفه إلَّا بهذا العنوان،
أو للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه القومُ من الأسرار الإلهية؛ تأكيداً لما صَدَّر
به مقالته، والتنبيهِ - كما قيل - على وقتِ أخذِ ما أخذ.
والقبضَةُ: المرَّة من القبض، أطلقت على المقبوض مرَّةً، وبذلك يُرَدَّ على
(١) تفسير الطبري ٦٦٩/١ - ٦٧٠ .
(٢) هو ابن مسعود. القراءات الشاذة ص ٨٩، والبحر المحيط ٢٧٤/٦.

الآية : ٩٦
٤٣٩
سُوَلا ◌َّفة
القائلين بأنَّ المصدرَ الواقع كذلك لا يؤنَّث بالتاء، فيقولون: هذه حُلَّةٌ نسيجُ اليمَن،
ولا يقولون: نسيجةُ اليمن. والجواب بأنَّ الممنوع إنَّما هو التاء الدالَّةُ على
التجديد، لا على مجرد التأنيث كما هنا، والمناسبُ على هذا أنْ لا تعتبر (١) المرَّةُ
كما لا يخفى.
وقرأ عبدُ الله وأبيّ وابنُ الزبير والحسن وحميد: ((قبضْتُ قبصَةً)) بالصاد
فيهما(٢). وفرَّقوا بين القبض بالضاد المعجمة والقبص بالصاد بأنَّ الأوَّل الأخذُ
بجميعِ الكفّ، والثاني الأخذُ بأطراف الأصابع، ونحوهما الخَضم - بالخاء - للأكل
بجميع الفم، والقَضم بالقاف للأكل بأطراف الأسنان، وذُكر أنَّ ذلك ممَّا غُيِّر لفظُه
لمناسبة معناه، فإنَّ الضادَ المعجمة للثقل واستطالة مخرجها جُعِلت فيما يدلُّ على
الأكثر، والصاد لضيق محلِّها وخفائه جُعلت فيما يدلُّ على القليل.
وقرأ الحسن بخلاف عنه وقتادة ونصرُ بن عصام بضمِّ القاف والصَّاد
المهملة(٣)، وهو اسمٌ للمقبوص(٤)، كالمضغة اسم للممضوغ.
﴿فَبَذْتُهَا﴾ أي: ألقيتُها في الحليِّ المذاب. وقيل: في جوف العجل، فكان
ما كان.
﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى ﴾﴾ أي: زيَّنته وحسَّنته إليَّ، والإشارةُ إلى مصدر
الفعل المذكور بعد، وذلك على حدٍّ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا﴾
[البقرة: ١٤٣]، وحاصلُ جوابه أنَّ ما فعله إنَّما صدرَ عنه بمحض اتِّباع هوى النفس
الأمّارة بالسوء؛ لا لشيءٍ آخر من البرهان العقليِّ أو النقليّ، أو من الإلهام الإلهيّ.
،
هذا، ثمَّ ما ذكر من تفسير الآية هو المأثور عن الصحابة والتابعين
وتبعهم جُلُّ أجلَّة المفسرين.
وقال أبو مسلم الأصبهانيُّ: ليس في القرآن تصريحٌ بهذا الذي ذكروه، وهنا وجهٌ
(١) في (م): لا تعتبره.
(٢) البحر المحيط ٢٧٣/٦. وانظر المحتسب ٥٥/٢.
(٣) القراءات الشاذة ص ٨٩، والبحر المحيط ٢٧٣/٦.
(٤) في (م): للمقبوض.

الآية : ٩٦
٤٤٠
آخر وهو أنْ يكون المرادُ بالرسول موسى عليه السلام، وأثره سنَّتُه ورسمه الذي أمرَ به
ودرجَ عليه، فقد يقول الرجل: فلانٌ يقفو أثرَ فلانٍ ويقتصُّ أثرَه، إذا كان يمتثلُ
رسمه. وتقرير(١) الآية على ذلك أنَّ موسى عليه السلام لمَّا أقبل على السامريِّ باللوم
والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بالعجل قال: ((بصرتُ بما لم يبصروا
به)) أي: عرفتُ أنَّ الذي عليه القوم ليس بحقِّ، وقد كنتُ قبضتُ قبضةً من أثرك،
أي: شيئاً من دينك، فنبذتُها، أي: طرحتُها ولم أتمسَّك بها.
وتعبيره عن موسى عليه السلام بلفظ الغائب على نحو قول من يخاطبُ الأمير:
ما قول الأمير في كذا. ويكون إطلاق الرسول منه عليه عليه السلام نوعاً من
التهّم، حيث كان كافراً مكذُّباً به، على حدٍّ قوله تعالى حكايةً عن الكفرة: ﴿يَأَيُّها
الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. انتهى.
وانتصر له بعضُهم بأنَّه أقرب إلى التحقيق. ويُبعِدُ قولَ المفسِّرين أنَّ جبريل عليه
السلام ليس معهوداً باسم الرسول، ولم يجرِ له فيما تقدَّم ذكرٌ حتى تكون اللام في
(الرسول)) لسابقٍ في الذكر وأنَّ ما قالوه لابدَّ له من تقدير المضاف، والتقدير خلاف
الأصل، وأنَّ اختصاصَ السامريِّ برؤيةِ جبريل عليه السلام ومعرفتِه من بين سائر
الناس بعيدٌ جدّاً.
وأيضاً كيف عَرَف أنَّ أثرَ حافر فرسه يؤثِّرُ هذا الأمر الغريب العجيب من حياة
الجماد وصيرورته لحماً ودماً، على أنَّه لو كان كذلك لكان الأثرُ نفسُه أولى
بالحياة.
وأيضاً متى اطّلع كافرٌ على ترابٍ هذا شأنه، فلقائل أن يقول: لعلَّ موسى عليه
السلام اطّلعَ على شيءٍ آخر يشبهُ هذا، فلأجله أتى بالمعجزات، فيكون ذلك
فيما أتى به المرسلون عليهم السلام من الخوارق. وأيضاً يبعدُ الكفر والإقدام على
الإضلال بعدَ أنْ عرف نبَّوة موسى عليه السلام بمجيء هذا الرسول الكريم إليه.
انتھی.
(١) نص العبارة كما في تفسير الرازي ١١١/٢٢، والبحر المحيط ٢٧٤/٦: والتقدير أن
موسى ....