Indexed OCR Text
Pages 201-220
الآية : ٩٨ ٢٠١ سُؤَدلاً فرنسا ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لََّّا (٢﴾﴾ لا يؤمنون به لجاجاً وعناداً. واللهُّ جمعُ: الألَدّ، وهو كما قال الراغب: الخصمُ الشديدُ التأَبِّي، وأصله الشديد اللديد، أي: صفحة العنق، وذلك إذا لم يمكن صرفُه عما يريده(١). وعن قتادة: اللُّ: ذوو الجدل بالباطل، الآخذون في كلِّ لديد - أي: جانبٍ - بالمراء. وعن ابن عباس تفسيرُ الدِّ بالظّلَمة، وعن مجاهد تفسيره بالفُجَّار، وعن الحسن تفسيره بالصُّمّ، وعن أبي صالح تفسيرُه بالعوج، وكلُّ ذلك تفسير باللازم. والمرادُ بهم أهلُ مكّة كما روي عن قتادة. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم ◌ِن قَرْنٍ﴾ وعدٌ لرسول الله ◌ِّر في ضمن وعيد هؤلاء القوم بالإهلاك، وحثٌّ له عليه الصلاة والسلام على الإنذار، أي: قرناً كثيراً أهلكنا قبل هؤلاء المعاندین. ﴿هَلْ تُحِسُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، والاستفهام في معنى النفي، أي: ما تشعر بأحدٍ منهم. وقرأ أبو حيوة وأبو بحريَّة وابن أبي عبلة وأبو جعفر المدنيّ: ((تَحُسُّ)) بفتح التاء وضمِّ الحاء(٢). ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴾﴾ أي: صوتاً خفيًّا، وأصل التركيب هو الخفاء (٣)، ومنه رَكَّز الرمح، إذا غَيَّبَ طرفه في الأرض، والركاز للمال المدفون. وخصَّ بعضُهم الركز بالصوت الخفيّ دونَ نطقٍ بحروف ولا فم، والأكثرون على الأول، وخُصَّ الصوتُ الخفيُّ؛ لأنَّه الأصلُ الأكثر، ولأنَّ الأثرَ الخفيَّ إذا زال فزوالُ غيره بطريق الأولَى. والمعنى: أهلكناهم بالكليَّة واستأصلناهم، بحيث لا ترى منهم أحداً ولا تسمعُ منهم صوتاً خفيًّا فضلاً عن غيره. (١) المفردات (لدد) ووقع فيه: الخصيم. بدل: الخصم. و: الشديد اللدد، بدل: الشديد اللديد. وفي اللسان (لدد): اللديدان: صفحتا العنق دون الأذنين ... أبو عمرو: اللديد: ظاهر الرقبة. (٢) البحر المحيط ٢٢١/٦، وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٦ عن أبي حيوة، وأبي جعفر المدني. وقراءة أبي جعفر المشهورة عنه كقراءة الجمهور. (٣) يعني معانيه كلها تدور عليه، ولو قلبت حروفه. انظر حاشية الشهاب ١٨٦/٦. سُؤَالا فرنسا ٢٠٢ التفسير الإشاري (٤١ - ٩٨) وقيل: المعنى: أهلكناهم بالكليَّة بحيث لا تَرى منهم أحداً، ولا تسمعُ مَن يخبرُ عنهم ويذكرهم بصوتٍ خفيٍّ. والحاصل: أهلكناهم فلا عين ولا خبر. والخطاب إمَّا لسيِّد المخاطبين وََّ، أو لكلِّ من يصلح للخطاب. وقرأ حنظلة: ((تُسمَعُ)) مضارع أسمعت مبنيًّا للمفعول، والله تعالى أعلم (١). ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَأَذَكُرْ فِي الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَّ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيَّا﴾ أمرٌ للحبيب أنْ يذكرَ الخليل، وما منَّ الله تعالى به عليه من أحكام الخلَّة؛ ليستثير المستعدِّين إلى التحلِّي بما أمكن لهم منها. والصدِّيقُ - على ما قال ابنُ عطاء -: القائمُ مع ربِّه سبحانه على حدِّ الصدق في جميع الأوقات، لا يعارضُه في صدقه معارض بحال. وقال أبو سعيد الخرَّاز: الصدِّيقُ: الآخذُ بأتمِّ الحظوظ من كلِّ مقامٍ سنيّ، حتى يقرب من درجات الأنبياء عليهم السلام. وقال بعضهم: من تواترت أنوارُ المشاهدة واليقين عليه، وأحاطت به أنوار العصمة. وقال القاضي: هو الذي صعدت نفسه تارةً بمراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى بمعارج التصفية والرياضة إلى أوج العرفان، حتى اطّلع على الأشياء وأخبرَ عنها على ما هي عليه(٢). ومقام الصديقية قيل: تحت مقام النبوة وليس بينهما مقام. وعن الشيخ الأكبر قُدِّس سره إثباتُ مقامٍ بينهما، وذكر أنَّه حصلَ لأبي بكرٍ الصديق ◌ُ﴾(٣). ◌ُّ أبو بكر ◌ُبه وليس ذلك مختصًّا به، والمشهور بهذا الوصف بين الصحابة . فقد أخرج أبو نعيم في ((المعرفة)) وابنُ عساكر وابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى الأنصاريّ عن النبيِّ وَّه قال: ((الصديقونَ ثلاثة، حبيب (١) القراءات الشاذة ص٨٦، والبحر المحيط ٢٢١/٦. (٢) تفسير البيضاوي ٩٨/٢، عند تفسير الآية ٧٩ من سورة النساء. (٣) انظر الفتوحات المكية ١٧/٢ و٢٤. سُؤَلاَ مَرْيَا ٢٠٣ التفسير الإشاري (٤١ - ٩٨) النجار مؤمن آل يس الذي قال: ﴿يَقَوْمِ أَتَّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: ﴿أَنَّقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] وعلي بن أبي طالب رَُّه وكرم وجهه، وهو أفضلهم))(١). ﴿إِذْ قَالَ لِأَنِهِ يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا﴾ إلخ فيه من لطف الدعوة إلى اتِّباع الحقِّ والإرشادِ إليه ما لا يخفى، وهذا مطلوبٌ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا سيما إذا كان ذلك مع الأقارب ونحوهم. ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ﴾ هذا سلامُ الإعراض عن الأغيار، وتلطّف الأبرار مع الجھَّال، قال أبو بكر بن طاهر: إنه لما بدا من آزر في خطابه عليه السلام ما لا يبدو إلَّا من جاهل، جعل جوابه السلام؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: أهاجرُ عنكم بديني، ويفهمُ منه استحبابُ هجر الأشرار. وعن أبي تراب النخشبيّ (٢): صحبةُ الأشرار تورثُ سوء الظن بالأخيار. وقد تضافرت الأدلة السمعيَّةُ والتجربة على أنَّ مصاحبتَهم تورثُ القسوة، وتثبّطُ عن الخير. ﴿وَأَدْعُواْ رَبِى عَسَىَّ أَلَّ أَكُنَ بِدُعَِّ رَبِ شَقِيًّا﴾ فيه من الدلالة على مزيد أدبه عليه السلام مع ربِّه عزَّ وجل ما فيه، ومقام الخلَّة يقتضي ذلك، فإنَّ من لا أدبَ له لا يصلح أنْ يُتَّخذَ خليلاً. ﴿فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُرْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبِّ﴾ كأنَّ ذلك كان عوضاً عمَّن اعتزلَ من أبيه وقومه؛ لئلا يضيق صدره، كما قيل. ولما اعتزل نبيّنا وَله الكون أجمع ما زاغ البصر وما طغى عُوِّضَ عليه الصلاة والسلام بأنْ قال له (١) معرفة الصحابة لأبي نعيم (٣٣٨). قال ابن تيمية في منهاج السنة ٧/٣ - طبعة بولاق -: هذا كذب على رسول الله وَ لهر. (٢) هو عسكر بن الحصين، شيخ الطائفة، كتب العلم وتفقه، ثمَّ تألَّه وتعبد، وساح وتجرد. توفي بطريق الحج، انقطع فنهشته السباع سنة (٢٤٥هـ). سير أعلام النبلاء ٥٤٥/١١- ٥٤٦. سُؤَادَل فرنسا ٢٠٤ التفسير الإشاري (٤١ - ٩٨) سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. ﴿وَأَذَكُرُ﴾ أيُّها الحبيب ﴿فِي الْكِتَبِ مُوسَىَّ﴾ الكليم ﴿إِنَُّ كَانَ مُخْلَصًا﴾ لله تعالى في سائر شؤونه. قال الترمذيُّ: المخلص على الحقيقة من يكون مثلَ موسى عليه السلام، ذهبَ إلى الخضر عليه السلام ليتأذَّب به، فلم يسامحه في شيءٍ ظهر له منه . ﴿وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اٌلُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَهُ نِيًّا﴾ قالوا: النداء بداية والنجوى نهاية، والنداء مقام الشوق، والنجوى مقام كشف السِّرِّ(١). ﴿وَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَّحْمَيِنَاَ أَخَاهُ هَرُونَ نِيَّ﴾ قيل: علم الله تعالى ثقل الأسرار على موسى عليه السلام فاختار له أخاه هارون مستودعاً لها، فهارون عليه السلام مستودعُ سرِّ موسى عليه السلام. ﴿وَأَذَّكُرْ فِىِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ، كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ بالصبر على بذل نفسه، أو بما وعد به استعدادُه من كمال التقوى لربِّه جلَّ وعلا والتحلّي بما يرضيه سبحانه من الأخلاق. ﴿ وَرَفَعْنَهُ مَكَنَا عَلِيًّ﴾ وهو نوعٌ من ﴿وَأَذْكُرْ فِي الْكِتَبِ إِدْرِسَّ إِنَّهُ كَنَ صِدِّيقًا نَِّيًّا القرب منَّ الله تعالى به عليه عليه السلام. وقيل: السماء الرابعة، والتفضُّل عليه بذلك؛ لما فيه من كشف بعض أسرار الملكوت. ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم﴾ بما لا يحيطُ نطاق الحصر به من النعم الجليلة. ﴿إِذَا نُثَى عَلَيْهِمْ مَنْتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا﴾ ممَّا كُشِف لهم من آياته تعالى، وقد ذُكر أنَّ القرآن أعظم مجلّى الله عز وجل ﴿وَيُكِيًّا﴾ من مزيد فرحهم بما وجدوه، أو من خوف عدم استمرار ما حصلَ لهم من التجلِّي: ونبكي إنْ نأوا شوقاً إليهم ونبكي إن دنوا خوفَ الفراق(٢) ﴿وَلَمْ رِزْقُهُمْ فَِهَا بَكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾ قيل: الرزق ها هنا مشاهدةُ الحقِّ سبحانه ورؤيته (١) في الأصل: الشر. (٢) هو دون نسبة في أمالي الزجاجي ص٤٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٣٣٩/٣. التفسير الإشاري (٤١ - ٩٨) ٢٠٥ سُؤَدَلاَ فَرَيسرا عزَّ وجلَّ، وهذا لعموم أهل الجنة، وأما المحبوبونَ والمشتاقونَ فلا تنقطعُ عنهم المشاهدةُ لمحةً، ولو حجبوا لماتُوا من ألم الحجاب. ﴿رَبُّ الْسَمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَأَعْبُدْهُ وَأَصْطَيِرْ لِبَرِ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ، سَِيًّا﴾ مِثلاً يُلتَفْتُ إليه ويطلب منه شيء. وقال الحسين بن الفضل: هل يستحقُّ أحدٌ أن يُسمَّى باسم من أسمائه تعالى على الحقيقة. ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ وذلك لتظهر عظمةُ قهره جلَّ جلالُه، وآثار سطوته لجميع خلقه عزَّ وجلَّ. ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ اتَّقَواْ﴾ جزاء تقواهم ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا حِيًّا﴾ جزاءَ ظلمهم. وهذه الآية لك أجرت من عيون العيون العيون، فعن عبد الله بن رواحة ظبه أنَّه كان يبكي ويقول: قد علمتُ أنِّ واردٌ النار، ولا أدري كيف الصدر بعد الورود. وعن الحسن كان أصحابُ رسول الله وَلول إذا التقوا يقول الرجلُ لصاحبه: هل أتاك أنَّك وارد؟ فيقول: نعم، فيقول: هل أتاك أنا خارج؟ فيقول: لا، فيقول: ففيم الضحك إذن؟ ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِ الضَّلَلَةِ فَيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْنَنُ مَدَّأْ﴾ لمَّا افتخروا بحظوظ الدنيا التي لا يفتخرُ بها إلَّا ذوو الهمم الدنيَّة ردَّ الله تعالى عليهم بأنَّ ذلك استدراج لیس بإكرام، والإشارة فيه أنَّ كلَّ ما يشغلُ عن الله تعالى والتوجُّه إليه عزَّ وجلَّ فهو شرٌّ لصاحبه . ﴿يَوَمَ تَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ ركباناً على نجائب النور، وقال ابن عطاء: بلغني عن الصادق ظبه أنَّه قال: ركباناً على متونِ المعرفة. ﴿إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ مَانِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فقيراً ذليلاً منقاداً مسلوبَ الأنانية بالكليّة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ في القلوب المفطورة على حبِّ الله تعالى، وذلك أثرُ محبته سبحانه لهم، وفي الحديث: ((لا يزال عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصر به))(١) إلخ، ولا يُشكِل على هذا أنَّا نَرى كثيراً من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ممقوتين؛ لأنَّ الذين يمقتونهم قد فُطِرت قلوبهم على (١) سلف ١/ ١٣٢. سؤالا فرنسا ٢٠٦ التفسير الإشاري (٤١ - ٩٨) الشر، وإن لم يشعروا بذلك، ومن هنا يُعلَم أنَّ بغضَ الصالحين علامةُ خبث الباطن ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الحشر: ١٠]. وقيل: معنى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا (١٦)﴾ سيجعلُ لهم لذَّةً وحلاوةً بالطاعة. والأخبار تؤيِّد ما تقدَّم، والله تعالى أعلم، وله الحمدُ على إتمام تفسيرِ سورة (مريم))، ونسألُه جلَّ شأنه التوفيق لإتمام تفسيرِ سائر سور كتابه المعظّم، بحرمة نبيه څچلڼ. سُورَةٌ طَّة وتُسمَّى أيضاً سورةَ الكليم كما ذكر السخاويُّ في ((جمال القراء))(١)، وهي - كما أخرجَ ابنُ مردويه عن ابن عباس وابن الزبير ◌ُه - مكيَّة(٢)، واستثنَى بعضُهم منها قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ الآية [١٣٠]. وقال الجلال السيوطيّ(٣): ينبغي أنْ يُستثنى آيةٌ أخرى، فقد أخرج البزَّار وأبو يعلى عن أبي رافع قال: أضاف النبيُّ وَّ﴿ ضيفاً، فأرسلني إلى رجلٍ من اليهود أنْ أسلفني دقيقاً إلى هلال رجب، فقال: لا، إلَّا بِرَهْن، فأتيتُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام فأخبرته، فقال: ((أمَا والله إنِّي لأمينٌ في السماء أمينٌ في الأرض)). فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ، أَزْوَمَا مِنْهُمْ﴾(٤) الآية [١٣١] انتهى. ولعلَّ ما رُوي عن الحبرين على القول باستثناء ما ذُكر باعتبار الأكثر منها . وآياتها - كما قال الداني - مئةٌ وأربعون آية شامي، وخمس وثلاثون کوفي، وأربعٌ حجازي، وآيتان بصري. ووجه الترتيب - على ما ذكره الجلال - أنَّه سبحانه لمَّا ذكر في سورة مريم قِصص عدَّةٍ من الأنبياء عليهم السلام، وبعضها مبسوط كقصّة زکریا ويحيى وعيسى (١) ١/ ١٩٩. (٢) الدر المنثور ٢٨٨/٤. (٣) في الإتقان ١/ ٤٧ . (٤) أخرجه البزار في مسنده (٣٨٦٣)، والطبري في تفسيره ٢١٤/١٦، والطبراني في الكبير (٩٨٩). قال ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٩: وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو متروك. اهـ. وينظر الدر المنثور ٣١٢/٤-٣١٣. ٢٠٨ سُو ◌َلاَّئة عليهم السلام، وبعضها بين البسط والإيجاز كقصة إبراهيم عليه السلام، وبعضها موجز مجمل كقصة موسى عليه السلام، وأشار إلى بقيَّة النبيين عليهم السلام إجمالاً، ذكر جلَّ وعلا في هذه السورة شرحَ قصَّة موسى عليه السلام التي أجملَها تعالى هناك، فاستوعبها سبحانه غاية الاستيعاب، وبسطها تبارك وتعالى أبلغَ بسطٍ، ثَمَّ أشار عزَّ شأنه إلى تفصيل قصَّة آدم عليه السلام الذي وقع في ((مريم)) مجردُ ذكر اسمه، ثم أوردَ جلَّ جلاله في سورة الأنبياء بقيَّة قِصص من لم يَذكر قصَّته في (مريم)) كنوح ولوط وداود وسليمان وأيوب واليسع وذي الكفل وذي النون عليهم السلام، وأشير فيها إلى قصة من ذكرت قصته إشارةً وجيزةً، كموسى وهارون وإسماعيل، وذكرت تلو ((مريم))(١)؛ لتكون السورتان كالمتقابلتين، وبسطت فيها قصَّة إبراهيم عليه السلام البسطَ التامَّ فيما يتعلَّق به مع قومه، ولم يذكر حاله مع أبيه إلَّا إشارةً، كما أنَّه في سورة مريم ذكرَ حالَه مع قومه إشارةً ومع أبيه مبسوطاً . وينضمُّ إلى ما ذُكر اشتراكُ هذه السورة وسورة مريم في الافتتاح بالحروف أنَّ «طه» نزلت بعد سورة مريم. المقطّعة، وقد روي عن ابن عباس وجابر بن زيد ووجهُ ربط أوَّل هذه بآخر تلك أنَّه سبحانَه ذكرَ هناك تيسير القرآن بلسان الرسول عليه الصلاة والسلام معلّلاً بتبشير المتقين وإنذار المعاندين، وذكر تعالى هنا ما فيه نوعٌ من تأكيد ذلك. وجاءت آثارٌ تدلُّ على مزيد فضلها، أخرج الدارميُّ وابنُ خزيمة في ((التوحيد)» والطبرانيُّ في ((الأوسط)) والبيهقيُّ في ((الشعب)) وغيرهم عن أبي هريرة رح﴿ه قال: قال رسول الله وَر: ((إنَّ الله تبارك وتعالى قرأ ((طه)) و((يس)) قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمَّة ينزلُ عليها هذا، وطوبى لأجوافٍ تحملُ هذا، وطوبى لألسنةٍ تتكلّم بهذا))(٢). وأخرج الديلميُّ عن أنس مرفوعاً نحوه. (١) في ((تناسق الدرر)) للسيوطي - والكلام منه ص٦٦-٦٧: زكريا ومريم. بدل: وذكرت تلو مريم. وهو تحريف. (٢) الدر المنثور ٢٨٨/٤، ومسند الدارمي (٣٤١٤)، والتوحيد لابن خزيمة (٩١٣)، والأوسط للطبراني (٤٨٧٦)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢٤٥٠). = الآية : ١ ٢٠٩ وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة عن النبيِّ وَّ قال: ((كلُّ قرآنٍ يوضع عن أهل الجنة، فلا يقرؤون منه شيئاً إلَّا سورة ((طه)) و((يس))، فإنَّهم يقرؤون بهما في الجنة))(١) إلى غير ذلك من الآثار. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طه ﴾﴾ فخَّمها(٢) على الأصل ابنُ كثير وابن عامر وحفص ويعقوب، وهو إحدى الروايتين عن قالون وورش، والروايةُ الأخرى أنَّهما فخَّما الطاء وأمالا الهاء، وهو المرويُّ عن أبي عمرو. وأمالَ الحرفين حمزةُ والكسائيُّ وأبو بكر(٣). ولعلَّ إمالةَ الظَّاء مع أنَّها من حروف الاستعلاء، والاستعلاءُ يمنعُ الإمالة؛ لأنَّها تسفل لقصد التجانس. وهي من الفواتح التي تُصَدَّرُ بها السورُ الكريمة على إحدى الروايتين عن مجاهد، بل قيل: هي كذلك عند جمهور المتقنين. وقال السُّدِّيُّ: المعنى: يا فلان. وعن ابن عباس - في رواية جماعة عنه - والحسن وابن جبير وعطاء وعكرمة، وهي الرواية الأخرى عن مجاهد، أنَّ المعنى: يا رجل. واختلفوا فقيل: هو كذلك بالنبطية. وقيل: بالحبشية. وقيل: بالعبرانية. وقيل: بالسريانية. وقيل: بلغة عُْل. وقيل: بلغة عَكّ. وروي ذلك عن قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٦/٧: وفيه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، وضعفه البخاري = بهذا الحديث، ووثقه ابن معين. اهـ. وقال ابن عدي في الكامل ٢١٩/١: لم أجد له حديثاً أنكر من: قرأ (طه)) و(يس)). وقال ابن حبان في المجروحين ١٠٨/١: وهذا متنٌ موضوع. وقال ابن الجوزي في الموضوعات (٨): هذا حديث موضوع. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ٦٩١/١٠: هذا حديث منكر؛ فابن مهاجر وشيخه ضعيفان . (١) الدر المنثور ٢٨٨/٤، وخبر أنس الآنف الذكر فيه أيضاً. (٢) جاء في هامش الأصل ما نصه: أي الكلمة. اهـ منه. (٣) التيسير ص ١٥٠، والنشر ٢/ ٦٨، ٧٠ وقرأ أيضاً بإمالة الحرفين خلف من العشرة. الآية : ١ ٢١٠ الكلبيّ قال: لو قلتَ في عكّ: يا رجل، لم يجب حتى تقول: طه. وأنشد الطبريُّ في ذلك قول متمَّم بن نويرة: فخِفتُ عليه أنْ يكون مُوائلا(١) دعوتُ بِطَةَ في القتال فلم يُچِبْ وقول الآخر: لا باركَ اللهُ في القوم الملاعينِ(٢) إنَّ السفاهةَ طَهَ من خلائقكم وقال ابن الأنباريّ: إِنَّ لغة قريشٍ وافقت تلك اللغة في هذا؛ لأنَّ الله تعالى لم يخاطب نبيَّه ◌َل﴾ بلسانٍ غير لسان قريش. ولا يخفى أنَّ مسألة وقوع شيءٍ بغير لغة قريش من لغات العرب في القرآن خلافيَّة، وقد بسط الكلام عليها في ((الإتقان))(٣)، والحق الوقوع. وتخرَّصَ الزمخشريُّ على عك فقال: لعلَّ عًَّا تصرَّفوا في: يا هذا، كأنَّهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في ((يا)): ((طا))، واختصروا هذا، واقتصروا على ((ها))(٤). وتعقّبه أبو حيان بأنَّه لا يوجد في لسان العرب قلبُ ((يا)) التي للنداء ((طا))، وكذلك حذفُ اسم الإشارة في النداء وإقرار ((ها)) التي للتنبيه، ولم يقل ذلك نحويّ(٥). وذُكِر في البيت الأخير أنَّه إنْ صحَّ فـ ((طه)) فيه قَسمٌ - بالحروف المقطّعة أو اسم السورة، على أنَّه شعرٌ إسلاميّ - كقوله: ((حم لا ينصرون))(٦). (١) تفسير الطبري ٨/١٦. وقوله: موائلاً. يقال: واءل من الشيء مواءلة: طلب النجاة. انظر القاموس والمعجم الوسيط (وأل). (٢) أورده الطبري في تفسيره ٨/١٦ دون نسبة، وكذا ذكره أبو بكر الأنباري في الأضداد ص٤٠٤ بتغيير يسير. ونسبه ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٦/٤، والقرطبي ٨/١٤ ليزيد بن المهلهل. (٣) ١/ ٤٢٧ - ٤٤٤. (٤) الكشاف ٥٢٨/٢. (٥) البحر المحيط ٢٢٤/٦. (٦) قوله: كقوله: ((حم لا ينصرون)): هو الاستدلال على قوله: فـ ((طه)) فيه قسم. والعبارة التي وضعتها بين معترضتين هي من شرح الخفاجي على عبارة البيضاوي ٦/ ١٨٧، فأقحمها = الآية : ١ ٢١١ سُورَةٌ طَّ وتعقب بأنَّه احتمالٌ بعيدٌ، وهو كذلك في المثال، وقد رواه النسائيُّ مرفوعاً (١)، ولفظُ الخبر: ((إذا بيَّتكم (٢) العدوُّ فليكن شعاركم: حم لا ينصرون)) وليس في سياقه دليلٌ على ذلك، ويحتملُ أنْ يكون ((لا ينصرون)) مستأنفاً، والشعار التلفُّظ بـ ((حم)) فقط، كأنه قيل: ماذا يكون إذا كان شعارنا ذلك؟ فقيل: لا ينصرون. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنَّه قسمٌ أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه سبحانه(٣). وعن أبي جعفر أنَّه من أسماءِ النبيِّ وَّر. وقرأت فرقةٌ منهم أبو حنيفة والحسن وعكرمة وورش (٤): ((طَهْ)) بفتح الطاء وسكون الهاء(٥)، كـ (بل))، فقيل: معناه: يارجل، أيضاً. وقيل: أمرٌ للنبيِّ وَّر بأنْ يطأ الأرض بقدميه، فإنَّه عليه الصلاة السلام - كما روي عن الربيع بن أنس - كان إذا صلَّى قام على رجلٍ واحدٍ، فأنزلَ الله تعالى ((طه)) إلخ(٦). وأخرج ابنُ مردويه عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه: لما نزل على النبيِّ وَّ: ﴿يَأَيُّهَا = المصنف بين شطري كلامه، تبعاً لسياق الكلام في حاشية الخفاجي، وجعلها جملة واحدة. وعبارة البيضاوي كما في تفسيره ١٧/٥: والاستشهاد بقوله: إن السفاهة طه ... ضعيف؛ لجواز أن يكون قسماً، كقوله: ((حم لا ينصرون)). (١) في السنن الكبرى (١٠٣٧٦) و(١٠٣٧٧) من حديث البراء مرفوعاً، ولفظه: ((إنكم تلقون عدوكم غداً، فليكن شعاركم: حم لا ينصرون)). وهو عند أحمد (١٨٥٤٩). وأخرجه النسائي في الكبرى أيضاً (٨٨١٠) و(١٠٣٧٨) من حديث المهلب بن أبي صفرة عن رجل من أصحاب النبي وَ* بلفظ: ((إني لا أرى القوم إلا مبيِّتيكم الليلة، فإن شعاركم: حم لا ينصرون)). وهو أيضاً عند أبي داود (٢٥٩٧)، والترمذي (١٦٨٢)، وأحمد (١٦٦١٥) بألفاظ قريبة. وأخرجه النسائي في الكبرى أيضاً (١٠٣٧٩) من حديث المهلب بن أبي صفرة مرسلاً، ولفظه: ((إنْ بُيِّم، فإن دعواكم: حم لا ينصرون)». (٢) في (م): لقیكم. (٣) الدر المنثور ٢٨٩/٤. وأخرجه أيضاً الطبري ١٦/ ٧. (٤) في اختياره، كما صرَّح بذلك أبو حيان في ((البحر))، وقراءة ورش - راوية نافع - المتواترة عنه کقراءة الجمهور. (٥) البحر المحيط ٢٢٤/٦، وأوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٨٧ عن الحسن فقط. (٦) أخرجه عبد بن حميد في تفسيره كما ذكر ابن حجر في الكافي الشاف ص١٠٨. وزاد السيوطي نسبته لابن المنذر. وأخرجه القاضي عياض في الشفا (٢٩) - طبعة دار الفيحاء - من طریق عبد بن حميد. والحديث مرسل. سُورَلا طفة ٢١٢ الآية : ١ الْمُزَّقِلُ ﴾ قِ الَّتِلَ إِلَّا قِيلًا﴾ [المزمل: ١-٢] قام الليل كلَّه حتى تورَّمت قدماه، فجعلَ يرفعُ رجلاً ويضعُ رجلاً، فهبط عليه جبريلُ عليه السلام، فقال: ((طه)) الآية(١). والأصل: طَأُ، فقلبت الهمزة هاء، كما قالوا في: إِيَّاك، وأرَقْت، ولأنَّك: هِيَّاك وهَرَقت ولهنَّك. أو: قُلبت الهمزة في فعله الماضي والمضارع ألفاً، كما في قول الفرزدق: راحت بمسلمةَ البغالُ عشيَّةً فارعي فزارةٌ لا هناكِ المرتعُ(٢) وكما قالوا في سأل: سال. وحذفت في الأمر؛ لكونه معتلَّ الآخر، وضم إليه هاء السكت، وهو في مثل ذلك لازمٌ خطًّا ووقفاً، وقد يجري الوصلُ مجرى الوقف، فتثبت لفظاً فيه. وجَوَّز بعضُهم أن يكون أصلُ ((طه)) في القراءة المشهورة: ((طَأُها)) على أنَّ ((طَأ)) أمرٌ له ﴿ بأن يطأ الأرضَ بقدميه، و((ها)) ضميرٌ مؤنَّث في موضع المفعول به، عائدٌ على الأرض، وإنْ لم يسبق لها ذكر. واعتُرِضَ بأنَّه لو كان كذلك لم تسقط منه الألفان، ورسمُ المصحف وإنْ كان لا ينقاس لكن الأصل فيه موافقتُه للقياس، فلا يُعْدَلُ عنه لغير داع، وليست هذه الألف في اسم، ولا وسطاً، كما في الحارث ونحوه لتحذف، لا سيّما وفي حذفها لَبْسٌ، فلا يجوز كما فُصِّل في باب الخَطّ من ((التسهيل))(٣). واعترض بهذا أيضاً على تفسيره بـ : يا رجل، ونحوه. (١) الدر المنثور ٢٨٨/٤. وأخرج البزار (٩٢٦) نحوه؛ من حديث كيسان أبي عمر عن يزيد بن بلال عن علي رحظُه قال: كان النبي ◌َّه يراوح بين قدميه على كل رجلٍ حتى نزلت ﴿مَّ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَرَ﴾. قال البزار: وأحاديث يزيد بن بلال عن علي لا نَعلم لها طرقاً إلا من حديث كيسان أبي عمر. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٦/٧: وفيه يزيد بن بلال، قال البخاري: فيه نظر. وكيسان أبو عمر، وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ. وحسن السيوطي إسناده في الدر المنثور ٢٨٨/٤ - ٢٨٩. وانظر الكافي الشاف ص١٠٨ . (٢) ديوان الفرزدق ٤٠٨/١: وصدر البيت فيه: ومضت لمسلمة الركاب مودعاً. وهو برواية المصنف في الكتاب ٥٥٤/٣، والكامل ٦٢٦/٢، ٩٨٤ وغيرها. (٣) ينظر التسهيل ص٣٣٦-٣٣٧. الآية : ٢ ٢١٣ وقيل: توجيهُ ذلك على هذا الأصل، ويعلم منه توجيهٌ آخر لقراءة أبي حنيفة نظرائه ومن معه أن يقال: اكتُفي من ((طأ)) بطاء متحركة، ومن هاء الضمير بـ: ها، ثمَّ عُبِّر عنهما باسميهما، فـ ((ها)) ليست ضميراً، بل هي كالقاف في قوله: قلت لها قفي فقالت قاف(١) واعتُرض أيضاً بأنّه كان ينبغي على هذا أنْ لا تكتب صورة المسمى، بل صورة الاسم. وأجيب بأنَّ كتابة الأسماء بصور المسمَّيات أمرٌ مخصوصٌ بحروف التهجِّي. وتُعقّب بأنَّ ما ذُكر لا يقطع مادة الإيراد، إذ لو كان كذلك لانْفَصَلَ الحرفان في الخطّ، بأن يكتبان هكذا: ط هـ. فإن قيل: إنَّ خطّ المصحف لا ینقاس، قيل عليه ما قيل. والحقُّ أنَّ دعوى أنَّ خطَّ المصحف لا ينقاس قويّةٌ جدًّا، وما قيل عليها لا يعوَّل عليه، وما صحَّ عن السلف يُقبل، ولا يَقدح فيه عدمُ موافقة القياس، وإنْ كانت الموافقة هي الأصل. وقد رُوي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه والربيع بن أنس أنهما فسَّرا ((طه)) بـ: طَأ الأرض بقدميك يا محمد. ولم أقف على طعنٍ في الرواية، والله تعالى أعلم (٢). واختلف في إعرابه حسب الاختلاف في المراد منه، فهو على ما نُقِل عن الجمهور من أنَّ المراد منه طائفةٌ من حروف المعجم مسرودةٌ على نمط التعديد افتتحت بها السورة، لا محلَّ له من الإعراب، وكذا ما بعده من قوله تعالى: ﴿مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْفَقَ ﴾ فإنَّه استئنافٌ مسوقٌ لتسليته وَّهِ عمَّا كان يعتريه من جهة المشركين من التعب، فإنّ الشقاء شائعٌ في ذلك المعنى، ومنه المثل: أشقى من رائض مهر(٣)، وقول الشاعر: (١) الرجز الوليد بن عقبة بن أبي معيط، كما في شرح شواهد الشافية ص٢٧١. (٢) سلف الكلام عن الأثرين قريباً . (٣) انظر المستقصى ٣٥/١، ومجمع الأمثال ١٤٨/١. سُؤٌلاَّنة ٢١٤ الآية : ٢ ذو العقل يَشقى في النعيم بعقلِه وأخو الجهالة في الشقاء يُنَغَّم(١) أي: ما أنزلناه عليك لتتعبَ بالمبالغة في مكابدة الشدائد في مقاولة العتاة، ومحاورة الطغاة، وفرطِ التأسُّف على كفرهم به، والتحسُّرِ على أنْ يؤمنوا به، كقوله تعالى شأنه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَِهِمْ﴾ الآية [الكهف: ٦]، بل لتبلِّغَ وتذَكّر، وقد فعلت، فلا عليكَ إن لم يؤمنوا بعدَ ذلك. أو: لصرفه عليه الصلاة والسلام عمَّا كان عليه من المبالغة في المجاهدة في العبادة، كما سمعت فيما أخرجَ ابنُ مردويه عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه(٢)، أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهكِ نفسك وحملِها على الرياضات الشاقَّة والشدائد(٣) الفادحة، وما بعثتَ إلَّا بالحنيفية(٤) السمحة. وقال مقاتل: إنَّ أبا جهل والنضر بن الحارث والمطعم قالوا لرسول الله وَل لما رأوا كثرةَ عبادته: إنَّك لتشقَى بترك ديننا، وإنَّ القرآن أنزلَ عليك لتشقى به. فردَّ الله تعالى عليهم ذلك بأنَّا ما أنزلناهُ عليك لما قالوا(٥). والشقاءُ في كلامهم يحتملُ أن يكون بمعناه الحقيقيّ؛ وهو ضدُّ السعادة، والتعبيرُ به في كلامه تعالى من باب المشاكلة. وإنْ أريد به(٦) القرآن بتأويله بالمتحدَّى به من جنس هذه الحروف، فجوِّز فيه أنْ يكون محلُّه الرفع على الابتداء، والجملةُ بعدَه خبره، وقد أقيم فيها الظاهر - أعني القرآن - مقامَ الضمير الرابط لنكتةٍ؛ وهو أنَّ القرآنَ رحمةٌ يرتاحُ لها، فكيف ينزلُ للشقاء؟! وقيل: الخبر محذوف. وقيل: هو خبرٌ لمبتدأ محذوف، والجملةُ على القولين مستأنفة. (١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٢٥١/٤. وفيه: في الشقاوة، بدل: في الشقاء. (٢) سلف ١٦/ ٢١٢. (٣) لفظة: والشدائد. ليست في الأصل. (٤) في الأصل و(م): بالحنيفة. والمثبت من المصادر. (٥) أورده الزمخشري في الكشاف ٥٢٨/٢ - ٥٢٩ دون ذكر المطعم. (٦) في (م): منه. الآية : ٢ ٢١٥ وجُوِّز أنْ يكون محلُّه النصب على إضمار ((أتل)). وقيل: على أنَّه مقسَمٌ به حُذِف منه حرف القسم، فانتصبَ بفعله مضمراً، نحو قوله: إنَّ عليَّ اللهَ أن تبايعا(١) وجُوِّزَ أنْ یکون محلُّه الجرّ، بتقدیر حرف القسم، نظير قوله من وجهٍ: أشارت كليبٍ بالأكفِّ الأصابع(٢) والجملة بعده - على تقدير إرادة القسم - جوابُ القسم. وجُوِّز هذه الاحتمالاتُ على تقدير أنْ يكون المرادُ منه السورة. وأمرُ ربط الجملة على تقدير ابتدائيته وخبريَّتها؛ إن كان القرآن خاصًّا بهذه السورة، باعتبار كون تعريفه عهديًّا حضوريًّا = ظاهرٌ، وإنْ كان عامًّا فالربطُ به لشموله للمبتدأ، كما قيل في نحو: زيدٌ نعمَ الرجل. ومَنَع بعضهم إرادةَ السورة مطلقاً، لاتُّفاق المصاحف على ذكر سورة في العنوان مضافة إلى (طه))، وحينئذٍ یکونُ الترکیب کإنسان زید، وقد حكموا بقبحه، وفيه بحثٌ لا يكاد يخفى حتى على بهيمة الأنعام. وبعضُهم(٣) إرادةَ ذلك على تقدير الإخبار بالجملة بعدُ. قال(٤): لأنَّ نفي كون إنزال القرآن للشقاء يستدعي وقوعَ الشقاء مترتِّباً على إنزاله قطعاً؛ إمَّا بحسب الحقيقة، كما إذا أريد به التعب، أو بحسب زعم الكفرة، كما لو أريد به ضدُّ السعادة. ولا ريبَ في أنَّ ذلك إنَّما يتصوَّر في إنزال ما أُنزل من قبل، وأمَّا إنزال السورة الكريمة فليس ممَّا يمكنُ ترتّب الشقاء السابق عليه حتى يتصدَّى لنفيه عنه، أمَّا باعتبار اتحاد القرآن بالسورة فظاهر، وأمَّا (١) الرجز في الكتاب ٨٦/١، وخزانة الأدب ٢٠٣/٥. وبعده: تؤخذ كرهاً أو تجيء طائعا. وهذا البيت - كما قال عبد القادر البغدادي في الخزانة ٢١٠/٥ - قلما خلا عنه كتاب نحوي، ومع شهرته لا يعلم قائله، وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلها. والله أعلم. (٢) هو للفرزدق. وسلف ٧/ ٤٦١ . (٣) أي: ومنع بعضهم. (٤) القائل هو أبو السعود. انظر تفسيره ٣/٦. سُورَةٌ طَفة ٢١٦ الآية : ٣ باعتبار الاندراج، فلأنَّ مآله أن يقال: هذه السورة ما أنزلنا القرآن المشتمل عليها لتشقى، ولا يخفى أنَّ جعلها مُخْبَراً عنها مع أنَّه لا دخلَ لإنزالها في الشقاء السابق أصلاً ممَّا لا يليقُ بشأن التنزيل. اهـ. ولا يخلو عن حسن. وعلى ما روي عن أبي جعفر من أنّه من أسمائه ێ# يكون منادى، وحكمه مشهور، والجملةُ جواب النداء. ومحلُّه على ما أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن الحبر من أنَّه قسمٌ أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه تباركت أسماؤه = النصبُ أو الجرُّ، على ما سمعت آنفاً. وعلى ما روي عن الأمير كرَّم الله تعالى وجهه والربيع يكون جملة فعليَّة - وقد مرَّ لك تفصيلُ ذلك - والجملةُ بعده مستأنفةٌ استئنافاً نحويًّا أو بيانيًّا، كأنَّه قيل: لِمَ أطؤها؟ فقيل: ((ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)). وقرأ طلحة: ((ما نُزِّل عليك القرآنُ)) بتشديد الفعل وبنائه للمفعول وإسناده إلى القرآن (١). ﴿إِلَّا نَذْكِرَةً﴾ نصب على الاستثناء المنقطع، أي: ما أنزلناه لشقائك لكن تذكيراً ﴿لِّمَنْ يَخْشَى ﴾﴾ أي: لمن شأنه أنْ يخشى الله تعالى ويتأثَّر بالإنذار؛ لرقَّة قلبه ولين عريكته، أو لمن عَلِم اللهُ تعالى أنَّه يَخشى بالتخويف. والجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ ((تذكرة))، أو بمحذوف صفة لها . وخُصَّ الخاشي بالذِّكر مع أنَّ القرآن تذكرةٌ للناس كلهم؛ لتنزيل غيره منزلةً العدم؛ فإنَّه المنتفعُ به. وجَوَّز الزمخشريُّ (٢) كون ((تذكرة)) مفعولاً له لـ ((أنزلنا))، وانتَصب لاستجماع الشرائط، بخلاف المفعول الأول؛ لعدم اتحاد الفاعل فيه، والمشهور عن الجمهور اشتراطه للنصب، فلذا جرَّ، ويجوز تعدُّدُ العلَّة بدون عطف وإبدال إذا اختلفت(٣) (١) القراءات الشاذة ص ٨٧، والبحر المحيط ٦/ ٢٢٤. (٢) في الكشاف ٥٢٩/٢. (٣) في الأصل: اختلف. الآية : ٣ ٢١٧ سُواْلا ◌َّفة جهةُ العمل، كما هنا؛ لظهور أنَّ الثاني مفعولٌ صريحٌ والأوَّل جارٌّ ومجرور، وكذا إذا اتحدت وكانت إحدى العلَّتين عِلَّةً للفعل، والأخرى علَّةً له بعد تعليله، نحو : أكرمته لكونه غريباً لرجاء الثواب، أو كانت العلَّة الثانية علَّةً للعلَّةِ الأولى، نحو: لا يعذِّبُ الله تعالى التائب لمغفرتِه له لإسلامه. فما قيلَ عليه من أنَّه لا يجوز تعدُّد العلَّة بدون اتباع غيرُ مسلَّم. وفي ((الكشف)) أنَّ المعنى على هذا الوجه: ما أنزلناه عليك لتحتملَ مشاقّه ومتاعبَه إلَّا ليكون تذكرةً. وحاصله أنه نظير: ما ضربتُك للتأديب إلَّ إشفاقاً، ويرجعُ المعنى إلى ما أدَّبْتُك بالضرب إلَّا للإشفاق، كذلك المعنى هنا: ما أشقيناكَ بإنزال القرآن إلَّا للتذكرة. وحاصله: حسبُك ما حملته من متاعبِ التبليغ، ولا تُنْهِكْ بدنك، ففي ذلك بلاغ. اهـ. واعترض القول بجعله نظير: ما ضربتك للتأديب إلَّ إشفاقاً = بأنَّه يجبُ في ذلك أنْ يكون بين العلَّتين ملابسةٌ بالسببية والمسببية حتماً، كما في المثال المذكور، وفي قولك: ما شافهتُه بالسوء ليتأذَّى إلَّا زجراً لغيره، فإنَّ التأديبَ في الأول مسبَّبٌ عن الإشفاق، والتأذِّي في الثاني سببٌ لزجر الغير، وما بين الشقاء والتذكرة تنافٍ ظاهر، ولا يجدي أن يراد به التعب في الجملة المجامع للتذكرة؛ لظهور أنْ لا ملابسةً بينهما بما ذكر من السبيَّة والمسببيَّة، وإنما يُتصوَّر ذلك أن لو قيل مكان («إلَّا تذكرةً»: إلَّا تكثيراً لثوابك، فإنَّ الأجرَ بقدر التعب كما في الحديث(١). انتهى. ولعلَّ قائلَ ذلك يمنعُ وجوبَ أنْ يكون بين العلَّتين الملابسةُ المذكورة، أو يدَّعي تحقّقَها بينهما في الآية بناءً على أنَّ التذكرةَ - أي: التذكير - سببٌ للتعب كما يشعر بذلك قول المدقِّق في الحاصل الأخير: حسبك ما حملته من متاعب التبليغ .. إلخ. وقد خفي المرادُ من الآية على هذا الوجه على ابن المنير فقال: إنَّ فيه بعداً؛ لأَنَّه حينئذٍ يكونُ الشقاءُ سببَ النزول، وإن لم تكن اللام سببيَّةً وكانت للصيرورة (١) ورد في هذا المعنى حديث عائشة ﴿يا في عمرتها، وهو عند البخاري (١٧٨٧) ومسلم (١٢١١): (١٢٦) وفيه: ((ولكنها على قدر نفقتك أو نَصَبك)) وانظر كشف الخفاء ٥٠/١. سُورَةُ طف ٢١٨ الآية : ٣ مثلاً، لم يكن فيه ما جرت عادةُ الله تعالى به مع نبيه وَ له من نهيه عن الشقاء والحزن على الكفرة وضيق الصدر بهم، وكان مضمونُ الآية منافياً لقوله تعالى: ﴿فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ [الأعراف: ٢] ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَرِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]. اهـ (١). وأنت تعلم بعد الوقوف على المراد أنْ لا منافاة. نعم، بُعْدُ هذا الوجه وكونُ الآية نظيرَ: ما ضربتك للتأديب إلَّا إشفاقاً، ممّا يشهد به الذوق. وجُوِّزَ(٢) أن تكون حالاً من الكاف، أو ((القرآن))، والاستثناءُ مفرغ، والمصدر مؤوَّلٌ بالصفة، أو قصد به المبالغة. وجَوَّز الحوفيُّ كونها بدلاً من «القرآن». والزَّجَّاجُ كونها بدلاً من محلِّ ((لتشقى))؛ لأنَّ الاستثناءَ من غير الموجَب يجوز فيه الإبدال. وتُعقِّب بأنَّ ذلك إذا كان متَّصلاً بأنْ كان المستثنى من جنس المستثنى منه، والبدلية حينئذٍ البدلية البعضية في المشهور. وقيل: بدلية الكلِّ من الكلِّ. ولا يخفى عدم تحقّق ذلك بين التذكرة والشقاء. والقول ببدليَّة الاشتمال في مثل ذلك لتصحيح البدليَّة هنا؛ بناءً على أنَّ التذكرة تشتملُ على التعب، ممَّا لم يقله أحدٌ من النحاة، واعتبارُها لهذا الاشتمال من جنسِ الشقاء، فكأنها متَّحدةٌ معه = لا يجعلُ الاستثناء متَّصلاً كما قيل، وقد سمعت اشتراطه . وبالجملة هذا الوجه ليس بالوجيه، وقد أنكرهُ أبو عليٍّ على الزجَّاج(٣). وجُوِّزَ أن تكون مفعولاً له لـ ((أنزلنا))، و((لتشقى)) ظرفٌ مستقرٌّ في موضع الصفة للقرآن، أي: ما أنزلنا القرآن الكائن أو المنزَّل لتعبك إلَّا تذكرة. وفيه تقديرُ المتعلَّق مقروناً باللام، وحذفُ الموصول مع بعض صلته، وقد أباه بعض النحاة. وكون ((أل)) حرف تعريف خلاف الظاهر. (١) الانتصاف ٥٢٨/٢ - ٥٢٩. (٢) في (م): ويجوز. (٣) وكذا استنكره النحاس في إعراب القرآن له ٣٢/٣، بعد ذكر كلام الزجاج. الآية : ٤ ٢١٩ سُوٌ لاطفة وقيل: هي نصب على المصدريَّة لمحذوف، أي: لكن ذكَّرناه به تذكرة. وقوله تعالى: ﴿تَزِيلًا﴾ كذلك، أي: نزل تنزيلاً، والجملة مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لما قبلها. وقيل: لما تفيده الجملة الاستثنائية، فإنَّها متضمِّنةٌ لأنْ يقال: إنَّا أنزلناه للتذكرة. والأوَّل أنسبُ لما بعده من الالتفات. وقيل: منصوبٌ على المدح والاختصاص. وقيل: بـ ((يخشى)) على المفعولية. واستبعدهُما أبو حيان، وعدَّ الثاني في غاية البعد؛ لأنَّ ((يخشى)) رأسُ آية، فلا يناسبُ أنْ يكون (تنزيلاً)) مفعوله(١). وتُعقّبَ أيضاً بأنَّ تعليقَ الخشية والخوف ونظائرهما بمطلق التنزيل غيرُ معهود، نعم قد تعلَّق ذلك ببعض أجزائه المشتملة على الوعيد ونحوه، كما في قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنَبِّتُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]. وأنت تعلم أنَّ المعنى على هذا الوجه: إلَّا تذكرةً لمن يخشى المنزَّلَ من قادرٍ قاهر. وهو ممَّا لا خللَ فيه، وأمرُ عدم المعهودیة سهلٌ. وقيل: هو بدلٌ من ((تذكرة)) بناءً على أنَّها حالٌ من الكاف أو ((القرآن)) كما نقل سابقاً، وهو بدل اشتمال. وتعقّبهُ أبو حيان بأنَّ جعل المصدر حالاً لا ينقاس(٢). ومع هذا فيه دغدغةٌ لا تخفى، ولم تجوَّز البدليَّة منها على تقدير أنْ تكون مفعولاً له لـ ((أنزلنا)» لفظاً أو معنّى؛ لأنَّ البدلَ هو المقصود، فيصير المعنى: أنزلناه لأجل التنزيل، وفي ذلك تعليلُ الشيء بنفسه إن كان الإنزالُ والتنزيل بمعنى بحسب الوضع، أو بنوعه إنْ كان الإنزالُ عاماً والتنزيل مخصوصاً بالتدريجيّ، وكلاهما لا يجوز. وقرأ ابن أبي عبلة: (تنزيلٌ)) بالرفع(٣)، على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: هو تنزيلٌ. ﴿مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَتِ الْعُلَىِ ﴾ متعلق بـ ((تنزيل))، وجُوِّزَ أنْ يكون متعلِّقاً (١) البحر المحيط ٢٢٥/٦. (٢) البحر المحيط ٢٢٥/٦. (٣) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٥٢٩/٢ دون نسبة. ونسبها القرطبي في تفسيره ١٤/ ١٤ لأبي حيوة الشامي. الآية : ٤ ٢٢٠ بمضمرٍ هو صفةٌ له مؤكدةٌ لما في تنكيره من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، ونسبة التنزيل إلى الموصول بطريق الالتفات إلى الغيبة بعد نسبة الإنزال إلى نون العظمة؛ لبيان فخامته تعالى شأنه بحسب الأفعال والصفات، إثرَ بیانِها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثمَّ التفسيرُ لزيادة تحقيقٍ وتقرير. واحتمالُ كون ((أنزلنا)» إلخ حكايةً لكلام جبرائيل والملائكة النازلين معه عليهم السلام بعيدٌ غاية البعد. وتخصيصُ خلق الأرض والسماوات بالذكر، مع أنَّ المراد خلقُهما بجميع ما يتعلَّق بهما، كما يؤذِنُ به قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِ السَّمَتِ وَمَا فِى اَلْأَرْضِ﴾ [طه: ٦]؛ لأصالتهما واستتباعهما لما عداهما. وقيل: المراد بهما ما في جهة السفل وما في جهة العلو. وتقديم خلق الأرض قيل: لأنَّه مقدَّمٌ في الوجود على خلق السماوات السبع، كما هو ظاهرُ آية ((حم السجدة)): ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ الآية [فصلت: ٩]. وكذا ظاهر آية ((البقرة)»: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّهُنَّ﴾ الآية [٢٩]. ونقل الواحديُّ عن مقاتل أنَّ خلق السماوات مقدَّم، واختاره كثيرٌ من المحقّقين لتقديم السماوات على الأرض في معظم الآيات التي ذُكرا فيها، واقتضاء الحكمة تقديمَ خلق الأشرف، والسماءُ أشرف من الأرض ذاتاً وصفةً، مع ظاهر آية ((النازعات)): ﴿وَأَنْتُ أَشَدُّ خَلَقًّا أَمِ اَلَمَاءُ بَهَا﴾ الآية [٢٧]. واختار بعضُ المحققين أنَّ خلق السماوات بمعنى إيجادها بمادتها قبلَ خلق الأرض، وخلقَها بمعنى إظهارها بآثارها بعد خلق الأرض، وبذلك يجمعُ بين الآيات التي يتوهّم تعارضُها. وتقديمُ السماوات في الذكر على الأرض تارةً، والعكس أخرى بحسب اقتضاء المقام، وهو أقربُ إلى التحقيق. وعليه وعلى ما قبله فتقديمُ خلق الأرض هنا؛ قيل: لأنَّه أوفق بالتنزيل الذي هو من إحكام رحمته تعالى كما ينبئُ عنه ما بعد، وقولُه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ ( عَلَّمَ الْقُرْءَانَ﴾ [الرحمن: ١-٢] ويرمز إليه ما قبل، فإنَّ الإنعام على الناس بخلق الأرض أظهرُ وأتمّ، وهي أقربُ إلى الحسِّ.