Indexed OCR Text

Pages 561-580

الآية : ٩٠
٥٦١
سُورَةُ الكَهْفِ
سِتْرًا) بناءً، لم يُبْنَ فيها بناءٌ قط، كانوا إذا طلعت الشمسُ دخلوا أسراباً لهم حتى
تزولَ الشمس»(١).
وأخرجَ جماعةٌ عن الحسن - وذَكَر أنَّه حديث سمرة - أنَّ أرضَهم لا تحملُ
البناء، فإذا طلعت الشمسُ تغوَّروا في المياه، فإذا غابت خرجوا يتراعون كما تراعى
البهائم(٢).
وقيل: المراد: لا شيء لهم يسترُهم من اللباس والبناء، وهم - على ما قيل - قومٌ
من الزنج. وقيل: من الهنود. وعن مجاهد: من لا يلبسُ الثياب من السودان عند
مطلع الشمس أكثرُ من أهل الأرض.
وعن بعضهم: خرجتُ حتى جاوزتُ الصين، فسألتُ عن هؤلاء، فقالوا: بينك
وبینھم مسیرةُ يوم وليلة، فبلغتُهم، فإذا أحدهم يفرشُ إحدى أذنيه ويلبس الأخرى،
ومعي صاحبٌ يعرفُ لسانهم، فقالوا له: جئتنا تنظرُ كيف تطلع الشمس، فبينما نحن
كذلك إذ سمعنَا كهيئة الصَّلصلة، فغشيَ عليَّ، ثم أفقتُ وهم يمسحونني بالدهن،
فلمَّا طلعت الشمسُ على الماء، إذا هي فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلونا سِرْباً
لهم، فلمّا ارتفعَ النهار، خرجوا إلى البحر يصطادون السمك، ويطرحونَه في
الشمس فینضُ لهم. انتهى.
وأنت تعلمُ أنَّ مثلَ هذه الحكايات لا ينبغي أنْ يُلتفتَ إليها ويعوَّلَ عليها،
وما هي إلَّا أخبارٌ عن هيَّان بن بيَّان(٣)، يحكيها العجائز وأمثالهنَّ لصغار الصبيان.
وعن وهب بن منبِّه أنَّه يقال لهؤلاء القوم: منسك.
وظاهر الآية - لوقوع النكرة فيها في سياق النفي - يقتضي أنَّهم ليس لهم
ما یستُهم أصلاً، وذلك ینافي أن یکون لهم سرب ونحوه.
وأجيبَ بأنَّ ألفاظَ العموم لا تتناولُ الصور النادرة، فالمراد نفي الساتر
المتعارف، والسرب ونحوه لیس منه.
(١) الدر المنثور ٢٤٩/٤، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٩٧٩).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٣٨٢/١٥، وجاء في آخره: ثم قال الحسن: هذا حديث سمُرة.
(٣) تقول العرب إذا ذكرت من لا يعرف: هذا هيَّان بن بيَّان. اللسان (بيب).

سُوَّةُ الكَهْفِ
٥٦٢
الآية : ٩١
وأنت تعلمُ أنَّ عدم التناول أحدُ قولين في المسألة.
وقال ابنُ عطيَّة: الظاهرُ أنَّ نفي جعل ساترٍ لهم من الشمس عبارةٌ عن قربها
إليهم، وتأثيرِها بقدرة الله تعالى فيهم، ونيلها منهم، ولو كانت لهم أسرابٌ لكان
لهم سترٌ کثیف. انتهى(١).
وحينئذٍ فالنكرةُ على عمومها. وأنا أختارُ ذلك إلى أن تثبتَ صحَّةُ أحدِ الأخبار
السابقة.
كَذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: أمرُ ذي القرنين كذلك(٢)، والمشار إليه
ما وصف به قبلُ من بلوغ المغرب والمشرق وما فعله، وفائدةُ ذلك تعظيمُه وتعظيم
أمره. أو: أمرُه فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار.
ويجوزُ أن يكون صفةً مصدرٍ محذوفٍ لـ ((وجد)»، أي: وجدَها تطلعُ وجداناً
کوجدانها تغربُ في عينٍ حمئة.
أو صفة مصدرٍ محذوف لـ ((نجعل)) أي: لم نجعل لهم ستراً جعلاً كائناً كالجعل
الذي لكم فيما تفضَّلنا به عليكم من الألبسة الفاخرة والأبنية العالية.
وفيه أنَّه لا يتبادرُ إلى الفهم.
أو صفة ((ستراً)) والمعنى عليه كسابقه، وفيه ما فيه.
أو صفة ((قوم)) أي: على قومٍ مثل ذلك القبيل الذي تغربُ عليهم(٣) الشمس فى
الكفرِ والحكمِ.
أو معمول (بلغ)) أي: بلغ مغربها كما بلغ مطلعها.
﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾ من الجنود والآلات وأسباب الملك ﴿خبرَ (®﴾ علماً
تعلَّق بظواهره وخفاياه، ويفيد هذا على الأوَّل زيادةَ تعظيم الأمر، وأنَّه وراءَ
ما وصف بكثير ممَّا لا يحيطُ به إلَّا علمُ اللطيف الخبير.
(١) المحرر الوجيز ٥٤١/٣ .
(٢) في الأصل و(م): ذلك، والمثبت من حاشية الشهاب ١٣٤/٦، والكلام منه.
(٣) في (م): عليه.

الآية : ٩٢ - ٩٣
٥٦٣
سُوَرَّةُ الكَهْفِّ
وهو على الأخير تهويلٌ لما قاسى في السَّير إلى أنْ بلغَ، فيكون المعنى: وقد
أحطنا بما لاقاه وحصَلَ له في أثناء سيره خُبْراً، أو: تعظيمٌ للسبب الموصل إليه في قوله
تعالى: (ثُمَّ أَنْبَعَ سَيِّبًا)، أي: أحطنا بما لديه من الأسباب الموصلة إلى هذا الموضع
الشاسع مما لم نؤتٍ غيره، وهذا - كما في الكشف - أظهرُ من التهويل.
وعلى الثاني تتميمٌ يفيدُ حسن اختياره، أي: أحطنا بما لديه من حُسنِ التلقِّي
وجودةِ العمل خُبْراً.
وعلى الثالث لبيان أنَّه كذلك في رأي العين، وحقيقتُه لا يحيطُ بعلمها غيرُ الله
تعالى.
وعلى الرابع والخامس تذييلٌ للقصة أو القصتين، فلا يأباهما كما تُوهُّم.
وعلى السادس تتميمٌ يؤكِّدُ أنَّه سنَّ بهم ستَّته فيمن وجدهم في مغرب الشمس.
﴿ثُمَّ أَنْبَعَ سَيِّبًا ﴾﴾ طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب، آخذاً من مطلع
الشمس إلى الشمال.
﴿حََّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّيْنِ﴾ أي: الجبلين، قال في ((القاموس)): السدُّ: الجبل
والحاجز(١). وإطلاقُ السّدِّ عليه؛ لأنَّه سَدَّ فجّاً من الأرض. وقيل: إطلاقُ ذلك
عليه هنا لعلاقة المجاورة، وليس بذاك.
وقرأ نافع وابنُ عامر وحمزة والكسائيُّ وأبو بكر ويعقوب بضمِّ السين(٢).
والمعنی - على ما قال الكسائيُّ - واحد.
وقال الخليل وسيبويه: السدُّ بالضمِّ الاسم، وبالفتح المصدر.
وقال ابن أبي إسحاق: الأوَّل ما رأته عيناك، والثاني ما لا تريانه.
وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: الأوَّلُ ما كان من خلق الله
تعالى لا دخل لصنع البشر فيه، والثاني ما كان لصنع البشر دخلٌ فيه(٣)، ووجهُ
(١) القاموس (سدد).
(٢) التيسير ص ١٤٥، والنشر ٣١٥/٢.
(٣) انظر مجاز القرآن ١/ ٤١٤.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٦٤
الآية : ٩٣
دلالة المضموم على ذلك أنَّه بمعنى مفعول، ولكونه لم يذكر فاعلُه فيه دلالة على
تعلُّنْه وعدم ذهاب الوهم إلى غيره، فيقتضي أنَّه هو الله تعالى، وأمَّا دلالةُ المفتوح
على أنَّه من عمل العباد، فللاعتبار بدلالة الحدوث، وتصويرِ أنَّه هاهو ذا يفعله،
فليشاهد(١)، وهذا يناسبُ ما فيه مدخل العباد، على أنَّه يكفي فيه فوات ذلك
التفخيم.
وأنتَ تعلمُ أنَّ القراءةَ بهما ظاهرةٌ في توافقهما، وعدم ذكر الفاعل والحدوث
أمران مشتركان.
وعكسَ بعضهم فقال: المفتوحُ ما كان من خلقه تعالى، إذ المصدر لم يذكر
فاعله، والمضموم ما كان بعمل العباد؛ لأنَّه بمعنى مفعول، والمتبادر منه ما فعله
العباد. وضعفُه ظاهر.
وانتصاب ((بين)) على المفعوليَّة؛ لأنَّه مبلوغ، وهو من الظروف المتصرِّفة ما لم
یرگّب مع آخر مثله.
وقيل: إنَّه ظرفٌ، والمفعول به محذوفٌ، وهو: ما أراده، أو نحوه.
وهذان السدَّان فيما يقرب من عرض تسعين من جهة الشمال، وهو المراد بآخر
الجربياء في كتاب حزقيال عليه السلام. وقد ذكر بعضُ أحبار اليهود أنَّ يأجوجَ
ومأجوج في منتهى الشمال، حيث لا يستطيعُ أحدٌ غيرهم السكنى فيه، وهم في
زاويةٍ من ذلك، لكنهم لم يتحقَّق عندهم أنَّهم فيما يلي المشرقَ من الشمال أو
فيما يلي المغرب منه، وهذا موافقٌ لما ذكرناه في موضع السدَّين، وهو الذي مال
إلیه کاتب چلبي.
وقيل: هما جبلا أرمينية وأَذْرَبيجان، ونسب ذلك إلى ابن عباس ◌ًّا، وإليه
يميلُ صنيعُ البيضاويّ(٢).
وتُعقِّبَ بأنَّه توهّمٌ، ولعلَّ النسبةَ إلى الحبر غيرُ صحيحة، وكأنَّ من يَزِعُم ذلك
يَزْعُم أنَّ سدَّ ذي القرنين هو السدُّ المشهور في باب الأبواب، وهو - مع استلزامه
(١) في حاشية الخفاجي ٦/ ١٣٤ - والكلام فيه بنحوه -: وتصويره بأنه هاهو ذا يفعل ويشاهد.
(٢) في تفسيره مع حاشية الشهاب ٦/ ١٣٤.

الآية : ٩٣
٥٦٥
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
أنْ يكونَ يأجوج ومأجوج الخزر (١) والترك - خلافُ ما عليه المؤرِّخون، فإنَّ باني
ذلك السدِّ عندهم كسرى أنوشروان، وقيل: إسفنديار، وهو أيضاً لم يبقَ إلى الآن،
بل خرب من قبل هذا بكثير، وزَعْمُ أنَّ السَدَّ ويأجوج ومأجوج هناك، وأنَّ الكلَّ قد
تلطّف بحيث لا يُرى - كما يراه عصرُّنا رئيسُ الطائفة المسماة بالكشفيَّة السيد كاظم
الرشتي - ضربٌ من الهذيان، وإحدى علامات الخذلان.
وقال ابنُ سعيد(٢): إنَّ ذلك الموضع حيثُ الطول مئة وثلاثة وستون درجةً،
والعرض أربعون درجةً.
وفيه أنَّ في هذا الطول والعرض بلاد الختا والجين، وليس هناك يأجوج
ومأجوج، نعم هناك سدٍّ عظيمٌ يقرب من مئتين وخمسين ساعةً طولاً، لكنَّه ليس بين
السدَّين، ولا بانيه ذو القرنين، ولا يكاد يَصدُقُ عليه ما جاء في وصف سدِّه. ویمنعُ
من القول بذلك أيضاً ما لا يخفى.
وقيل: هو بموضعٍ من الأرض لا نعلمه، وكم فيها من أرضٍ مجهولةٍ، ولعلَّه
قد حال بيننا وبين ذلك الموضع مياهٌ عظيمةٌ، ودعوى استقراءٍ سائر البراري والبحار
غيرُ مسلَّمة، ويجوِّزُ العقل أنْ يكون في البحر أرضٌ نحو أمريقا (٣) لم يُظفَر بها إلى
الآن، وعدم الوجدان لا يستلزمُ عدمَ الوجود، وبَعْدَ إخبارِ الصادق بوجود هذين
السدّين وما يتبعهما يلزمُنا الإيمان بذلك، كسائر ما أخبر به من الممكنات،
والالتفاتُ إلى كلام المنكرين ناشئٌ من قلّة الدين.
﴿وَجَّدَ مِن دُونِهِمَا﴾ أي السدَّين ﴿قَوْمًا﴾ أمَّةً من الناس، قيل: هم الترك. وزعم
بعضُهم أنَّ القومَ كانوا من الجان، وهو زعمٌ باطلٌ، لا بعيدٌ كما قال أبو حيان(٤).
(١) في (م): الخزز.
(٢) هو المغربي، علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد، أبو الحسن، نور الدين،
من ذرية عمار بن ياسر، مؤرِّخ أندلسي من الشعراء العلماء بالأدب، من تأليفه: وصف
الأرض، وبسط الأرض؛ كلاهما في الجغرافيا. توفي سنة (٦٨٥هـ). بغية الوعاة ٢٠٩/٢،
والأعلام ٢٦/٥.
(٣) يعني أمريكا.
(٤) في البحر المحيط ١٦٣/٦.

سُورَةُ الكَهْف
٥٦٦
الآية : ٩٤
٩٣
· من أقوال أتباع ذي القرنين، أو من أقوال مَن
﴿لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًاً
عَدَاهم؛ لغرابة لغتهم، وبعدها عن لغات غيرهم، وعدم مناسبتها لها، مع قلَّة
فطنتهم، إذ لو تقاربت فهموها، ولو كثرت فطنتهم فهموا ما يراد من القول
بالقرائن، فتعلَّموه.
والظاهر إبقاء القول على معناه المتبادر، وزعم بعضُهم أنَّ الزمخشريَّ جعله
مجازاً عن الفهم مطلقاً، أو عمَّا من شأنه أن يقال؛ ليشمل الإشارة ونحوها، حيث
قال: أي: لا يكادون يفهمونه إلَّا بجهدٍ ومشقّة من إشارةٍ ونحوها(١). وفيه نظر.
والظاهر أنَّه فهمَ من نفي ((يكاد)» إثباتَ الفهم لهم، لكن بعسرٍ، وهو بناء على قولِ
بعضهم: إنَّ نفيها إثباتٌ، وإثباتها نفيٌ، وليس بالمختار.
وقرأ الأعمشُ وابن أبي ليلى وخلف وابنُ عيسى الأصبهانيُّ وحمزة والكسائيُّ:
(يُفقِهونَ))(٢) من الإفعال، أي: لا يكادون يُفهِمونَ الناسَ؛ لتلعثمهم وعدم تبيينهم
الحروف.
﴿قَالُواْ﴾ (٣) بواسطة مترجمهم، فإسنادُ القول إليهم مجازٌ، ولعلَّ هذا المترجم
كان من قومٍ بقرب بلادهم، ويؤيِّدُ ذلك ما وقع في مصحف ابنِ مسعود: ((قال
الذين من دونهم)» (٤).
أو بالذات على أنْ يكون فهمُ ذي القرنين كلامَهم وإفهامه إيَّاهم من جملة
ما آتاه الله تعالى من الأسباب.
وقال بعضهم: لا يبعدُ أن يقال: القائلون قومٌ غيرُ الذين لا يفهمون قولاً، ولم
يقولوا ذلك على طريق الترجمة لهم، وأيِّد بما في مصحف ابن مسعود، وأياً
ما كان، فلا منافاة بين ((لا يكادون يفقهون قولاً)) و((قالوا)).
(١) الكشاف ٤٩٨/٢ .
(٢) البحر المحيط ١٦٣/٦، وانظر قراءة حمزة والكسائي وخلف في التيسير ص ١٤٥، والنشر
٣١٥/٢.
(٣) بعدها في (م): أي. وضرب عليها في الأصل.
(٤) تفسير البيضاوي ٢٣٥/٣.

الآية : ٩٤
٥٦٧
سُورَةُ الكَهْفِ
﴿يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قبيلتان من ولد يافث بن نوح عليه السلام، وبه
جزم وهب بن منِّّه وغيره، واعتمده كثيرٌ من المتأخِّرين.
وقال الكسائيُّ في ((العرائس))(١): إنَّ يافث سار إلى المشرق، فولد له هناك
خمسةُ أولادٍ: جومر وبنرش وأشار وأسقويل ومياشح، فمن جومر جميع الصقالبة
والروم وأجناسهم، ومن مياشح جميعُ أصناف العجم، ومن أشار يأجوج ومأجوج
وأجناسهم، ومن أسقويل جميع الترك، ومن بنرش القفجق واليونان.
وقيل: كلاهما من الترك، وروي ذلك عن الضحاك.
وفي كلام بعضهم أنَّ الترك منهم؛ لما أخرجه ابنُ جرير وابن مردويه من طريق
السُّدِّيِّ من أثرٍ قويٌّ: الترك سريَّةٌ من سرايا يأجوج ومأجوج، خرجت فجاء ذو
القرنين فبنى السد، فبقوا خارجين عنه(٢).
وفي رواية عبد الرزاق عن قتادة أنَّ يأجوج ومأجوج ثنتان وعشرون قبيلةً، بنى
ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين، وكانت واحدةٌ منهم خارجةً للغزو، فبقت
خارجة، وسميت الترك لذلك(٣).
وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الديلم. وقيل: من الجيل.
وعن كعب الأحبار أنَّ يأجوج ومأجوج من ولد آدم عليه السلام من غير حواء،
وذلك أنَّه عليه السلام نام فاحتلم، فامتزجت نطفتُه في التراب، فخلق منها يأجوج
ومأجوج.
ونقل النوويُّ في ((فتاواه)) القولَ بأنَّهم أولادٌ آدم عليه السلام من غير حواء عن
(١) كذا قال المصنف، وكتاب العرائس - وهو قصص الأنبياء المسمى ((عرائس المجالس)) - هو
لأبي إسحاق الثعلبي، وللكسائي هذا وهو أبو الحسن محمد بن عبد الله كتاب اسمه قصص
الأنبياء أيضاً. ينظر الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ص ١٦٠، وتفسير القرطبي ٤٣٧/٨ .
(٢) لم أقف على من نسبه لابن جرير، ونسبه السخاوي في المقاصد الحسنة ٥٦/١، وابن حجر
في فتح الباري ١٠٧/١٣، والعجلوني في كشف الخفاء ٣٨/١ لابن مردويه فقط.
(٣) عزاه السخاوي في المقاصد الحسنة ٥٦/١، وابن حجر في فتح الباري ١٣/ ١٠٧،
والسيوطي في الدر المنثور ٢٥٠/٤، والعجلوني في كشف الخفاء ٣٨/١-٣٩ لابن
أبي حاتم. ولم أقف على من نسبه لعبد الرزاق.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٥٦٨
الآية : ٩٤
جماهير العلماء، وتَعقَّب دعوى الاحتلام بأنَّ الأنبياء عليهم السلام لا يحتلمون.
وأُجيبَ بأنَّ المنفيَّ الاحتلامُ بمن لا تحلُّ لهم، فيجوزُ أن يحتلموا بنسائهم،
فلعلَّ احتلامَ آدم عليه السلام من القسم الجائز. ويحتمل أيضاً أنْ يكون منه عليه
السلام إنزالٌ من غير أنْ يرى نفسَه أنَّه يجامعُ، كما يقع كثيراً لأبنائه.
واعتُرِضَ أيضاً بأنَّه يلزمُ على هذا أنَّهم كانوا قبل الطوفان ولم يهلكوا به.
وأجيبَ بأنَّ عموم الطوفان غيرُ مجمعٍ عليه، فلعلَّ القائل بذلك ممَّن لا يقول
بعمومه .
وأنا أرى هذا القول حديثَ خرافة.
وقال الحافظ ابنُ حجر: لم يَرِد ذلك عن أحدٍ من السلف إلَّا عن كعب الأحبار،
ويردُّه الحديثُ المرفوع أنَّهم من ذرِّيَّة نوح عليه السلام، ونوح من ذرِّيَّة حواء قطعاً (١).
وكأنه عَنَى بالحديث غيرَ ما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ولد لنوح سام وحام
ويافث، فولد لسام العربُ وفارس والروم، وولد لحام القبط والبربر والسودان،
وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة))، فإنَّه صرَّح بأنَّه ضعيفٌ(٢).
وفي التوراة في السفر الأول في الفصل العاشر التصريحُ بأنَّ يأجوج من أبناء
يافث(٣). وزعم بعضُ اليهود أنَّ مأجوجَ اسمٌ للأرض التي كان يسكنُها يأجوج،
وليس اسماً لقبيلة، وهو باطلٌ بالنصِّ.
(١) فتح الباري ١٠٧/١٣. وقال ابن حجر في موضع آخر من الفتح ٣٨٦/٦: وهو قول منكر
جدًّا، لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب.
(٢) في الفتح ١٠٧/١٣، وأخرجه البزار (٢١٨ - كشف الأستار)، وقال في إثره: لا نعلم
أسنده عن النبي ## إلا أبو هريرة بهذا الإسناد، تفرد به یزید بن سنان، وتفرد به ابنه عنه،
ورواه غيره مرسلاً، وإنما جعله من قول سعيد. اهـ.
وأخرجه أحمد في العلل ٣٥/٣، وابن سعد في الطبقات ٤٢/١-٤٣، والحاكم في
المستدرك ٤٦٣/٤ من قول سعيد بن المسيب.
وسيذكر المصنف نحو هذا الخبر، عند تفسير الآية (٧٧) من سورة الصافات، ويقول بعده:
ولا أعرف حال الخبر!؟
(٣) العهد القديم، سفر التكوين ص٨٣.

الآية : ٩٤
٥٦٩
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
والظاهر أنَّهما اسمان أعجميَّان، فمنع صرفهما للعَلَمية والعجمة. وقيل:
عربيان، من أجَّ الظليمُ إذا أسرع، وأصلهما الهمزة، كما قرأ عاصم والأعمش
ويعقوب في رواية (١)، وهي لغة بني أسد، ووزنهما مفعول، وبناء مفعول من ذلك
مع أنَّه لازمٌ؛ لتعدِّيه بحرف الجر.
وقيل: إنْ كان ما ذُكر منقولاً فللتعدِّي، وإنْ كان مرتجلاً فظاهر.
وقال الأخفش: إنْ جعلنا ألفهما أصليَّة، فيأجوج يفعول، ومأجوج مفعول،
كأنَّه من أجيج النار، ومن لم يهمزهما جعلها زائدةً، فياجوج من يججت، وماجوج
من مججت(٢).
وقال قطرب في غير الهمز: ماجوج فاعول من المجِّ، وياجوج فاعول من
اليج.
وقال أبو الحسن علي بن عبد الصمد السخاويُّ(٣): الظاهرُ أنَّه عربيٍّ، وأصله
الهمز، وتركه على التخفيف، وهو إمَّا من الأجَّة وهو الاختلاف، كما قال تعالی:
﴿وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، أو من الأجِّ، وهو سرعة العَدْو،
قال تعالى: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] أو من الأَجَّة، وهي
شدَّة الحرِّ، أو من أجَّ الماء يؤجُّ أجوجاً إذا كان مِلْحاً مرّاً. انتهى.
وعلَّة منع الصرف على القول بعربيتهما العلميَّة والتأنيثُ باعتبار القبيلة.
وقرأ العجاج ورؤبة ابنه: ((آجوج)) بهمزة بدل الياء (٤).
وربما يقال: جوج، بلا همزة ولا ياء في غير القرآن، وجاء بهذا اللفظ في
کتاب حزقيال عليه السلام(٥) .
(١) البحر المحيط ٦/ ١٦٣، وانظر قراءة عاصم في التيسير ص١٤٥- ١٤٦، والنشر ٣٩٤/١-٣٩٥.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٦٢١/٢ .
(٣) هو العلامة شيخ القراء، علم الدين، له شرح الشاطبية، وجمال القراء، وغيرها، توفي سنة
(٦٤٣ هـ). سير أعلام النبلاء ١٢٢/٢٣-١٢٤.
(٤) القراءات الشاذة ص ٨٢، والبحر المحيط ٦/ ١٦٣.
(٥) العهد القديم، سفر حزقيال ص ١٨٣٢.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٧٠
الآية : ٩٤
﴿مُفْسِدُونَ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: في أرضنا بالقتل والتخريب، وسائر وجوه الإفساد
المعلوم من البشر.
وقيل: بأخذ الأقوات وأكلها، روي أنَّهم كانوا يخرجونَ أيام الربيع، فلا يتركون
شيئاً أخضر إلَّا أكلوه، ولا يابساً إلا احتملوه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب الأوصافيّ(١) أنَّه قال: كان
فسادهم أنّهم يأكلون الناس.
واستُدِلَّ بإسناد ((مفسدون)) إلى ((يأجوج ومأجوج)) على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان،
وليس بشيءٍ أصلاً .
﴿فَهَلْ تَجَعَلُ لَكَ خَرْسًا﴾ أي: جعلاً من أموالنا، والفاء لتفريع العرض على
إفسادهم في الأرض.
وقرأ الحسن والأعمش وطلحة وخلف وابنُ سعدان وابن عيسى الأصبهانيُّ
وابنُ جبير الأنطاكيُّ وحمزة والكسائيُّ: ((خراجاً)) بألف بعد الراء(٢)، وكلاهما بمعنى
واحد، كالنول والنوال.
وقيل: الخرج المصدر أطلق على الخراج، والخراجُ الاسم لما يخرج.
وقال ابن الأعرابيّ: الخرجُ على رؤوس، يقال: أدِّ خراج رأسك، والخراج
على الأرض، يقال(٣): أدِّ خراج أرضك.
وقال ثعلب: الخرج أخصُّ من الخراج.
وقيل: الخرج المال يُخْرَجُ مَرَّةً، والخراج الخرج المتكرِّر.
وقيل: الخرج ما تبرَّعْتَ به، والخراج ما لزمك أداؤه.
حاجزاً يمنعهم من الوصول إلينا. وقرأ نافع
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَيْنَهُمْ سَدًّا (َ
(١) في الدر المنثور ٢٥١/٤: الأرجاني.
(٢) البحر المحيط ١٦٤/٦. وقراءة حمزة والكسائي في التيسير ص١٤٦، والنشر ٣١٥/٢،
وقراءة خلف من العشرة في النشر.
(٣) من قوله: أدّ خراج .. إلى هنا ساقط من (م).

الآية : ٩٥
٥٧١
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وابن عامر وأبو بكر: ((سُدًّا)) بضم السين(١).
﴿قَالَ مَا مَكَّنِ﴾ بالإدغام، وقرأ ابنُ كثير وحميد بالفكِّ(٢)، أي: الذي مكنني
﴿فِيهِ رَبِ﴾، وجعلني فيه سبحانه مكيناً قادراً من الملك والمال وسائر الأسباب
﴿غَيْرٌ﴾ أي: ممَّا تريدون أنْ تبذُلوه إليَّ من الخرج، فلا حاجةَ بي إليه.
﴿فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ﴾ أي: بما يُتقوَّى به على المقصود من الآلات، كزُبَر الحديد،
أو من الناس، أو (٣) الأعمِّ منهما.
والفاءُ لتفريع الأمر بالإعانة على خيريَّة ما مكَّنهُ الله تعالى فيه من مالِهم، أو
على عدم قبول خرجهم.
﴿أَجْعَلْ﴾ جواب الأمر ﴿بَيَنَّكُمْ وَبَتَهُمْ﴾ تقديمُ إضافة الظرف إلى ضمير المخاطبين
على إضافته إلى ضمير يأجوج ومأجوج؛ لإظهار كمال العناية بمصالحهم،
كما راعوه في قولهم: ((بيننا وبينهم)).
أي: حاجزاً حصيناً، وحجاباً متيناً، وهو أكبر من السدِّ وأوثق،
وَرَدمًا هـ
يقال: ثوبٌ مُرَدَّمٌ، أي: فيه رقاٌ فوق رقاع، ويقال: سحابٌ مُرَدَّمُ، أي: متكاثفٌ
بعضُه فوق بعض.
وذُكر أنَّ أصلَ معناه: سدُّ الثُّلمة بالحجارة ونحوها، وقيل: سدُّ الخلل مطلقاً،
ومنه قول عنترة:
هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمَ(٤)
ثمّ أُطلِق على ما ذكر.
وقيل: هو والسدُّ بمعنى.
(١) التيسير ص١٤٦، والنشر ٣١٥/٢. وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب من العشرة.
(٢) البحر المحيط ٦/ ١٦٤، وقراءة ابن كثير في التيسير ص١٤٦، والنشر ٣٠٣/١ و٣١٥/٢.
(٣) بعدها في الأصل: من.
(٤) هو صدر البيت الأول من معلقة عنترة، وعجزه:
أم هل عرفت الدار بعد توقُّم
انظر ديوان عنترة ص ١٨٢. طبعة المكتب الإسلامي.

الآية : ٩٦
٥٧٢
سُورَةُ الكَهْفِ
ويؤيِّدُ الأولَ ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿مَا أنَّه قال: هو كأشدٌ
الحجاب(١)، وعليه يكون قد وعدَهم بالإسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه، وهو
اللائق بشأن الملوك.
﴿مَاتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ جمع زُبرة، كغُرَف في غرفة، وهي القطعة العظيمة، وأصل
الزبر الاجتماع، ومنه زَبرتُ الكتابَ: جمعت حروفه، وزُبرة الأسد لما اجتمعَ على
كاهله من الشّعر. وأخرج الطستيُّ عن ابن عباس أنَّ نافع بنَ الأزرق سأله عن ((زبر
الحديد)) فقال: قطعه، وأنشدَ قول كعب بن مالك:
تلظَّى عليهم حین شدَّ حمیُّها
بزبر الحديد والحجارة شاجرٌ(٢)
وطَلَبُ إيتاءِ الزبر لا ينافي أنَّه لم يَقبل منهم شيئاً؛ لأنَّ المراد من الإيتاء
المأمور به الإيتاءُ بالثمن، أو مجرد المناولة والإيصال، وإن كان ما آتوه له،
لا إعطاء ما هو لهم، فهو معونةٌ مطلوبة، وعلى تسليم كون الإيتاء بمعنى الإعطاء
لا المناولة يقال: إنَّ إعطاءَ الآلة للعمل لا يلزمه تملُّكها، ولو تملَّكَها لا يعدُّ ذلك
جُعلاً، فإنَّه إعطاءُ المال لا إعطاء مثل هذا، وينبئ عن أنَّ المرادَ ليس الإعطاءَ قراءةٌ
أبي بكر عن عاصم: ((ردماً ائتوني)) بكسر التنوين ووصل الهمزة(٣)، من أتاه بكذا:
إذا جاء به له، وعلى هذه القراءة نصب ((زبراً)) بنزع الخافض، أي: جيئوني بزبر
الحدید .
وتخصيص زبرٍ الحديد بالذكر دون الصخور والحطب ونحوهما؛ لما أنَّ
الحاجة إليها أمسُّ، إذ هي الركن القويُّ في السدِّ، ووجودُها أعزّ.
وقرأ الحسن: ((زُبُر)) بضمِّ الباء كالزاي(٤) .
﴿حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّلَفَّنِ﴾ في الكلام حذفٌ، أي: فَآتَوه إِيَّاها، فأخذَ يبني شيئاً
(١) الدر المنثور ٤/ ٢٥١.
(٢) الدر المنثور ٢٥١/٤. والبيت في ديوان كعب ص ١٦٧ بلفظ:
تلظى عليهم وهي قد شب حميها بزبر الحديد والحجارة ساجر
(٣) التيسير ص١٤٦، والنشر ٣١٥/٢.
(٤) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣، وتفسير القرطبي ٣٨٦/١٣، والبحر المحيط ١٦٤/٦.

الآية : ٩٦
٥٧٣
ـرَةُ الكَهْفِ
فشيئاً، حتى إذا جعل ما بين جانبَي الجبلين من البنيان مساوياً لهما في العلوِّ،
فـ (بين) مفعولُ ((ساوی))، وفاعله ضميرُ ذي القرنين.
وقيل: الفاعل ضميرُ السدِّ المفهومُ من الكلام، أي: فآتوه إيّاها، فأخذَ يسدُّ
بها حتى إذا ساوى السدُّ الفضاءَ الذي بين الصدفين، ويفهم من ذلك مساواةُ السدِّ
في العلوِّ للجبلین.
والصدفُ كما أشرنا إليه جانبُ الجبل، وأصله على ما قيل: الميل، ونقل في
((الكشف)) أنَّه لا يقال للمنفرد صدف، حتى يصادفَه الآخر، ثم قال: فهو من
الأسماء المتضايفة، كالزوج وأمثاله.
وقال أبو عبيدة: هو كلُّ بناءٍ عظيمٍ مرتفع. ولا يخفى أنَّه ليس بالمراد هنا.
وزعم بعضهم أنَّ المرادَ به هنا الجبل، وهو خلاف ما عليه الجمهور.
وقرأ قتادةُ: (سَوَّى)) من التسوية(١).
وقرأ ابن أبي أمية عن أبي بكر عن عاصم: ((سُوويَ)) بالبناء للمجهول(٢).
وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر والزهريُّ ومجاهد والحسن: ((الصُّدُفين))
بضمِّ الصاد والدال(٣)، وهي لغة حِمير، كما أنَّ فتحهما في قراءة الأكثرين لغةٌ
تميم(٤) .
وقرأ أبو بكر وابن محيصن وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن: ((الصُّدْفين)) بضمِّ
فسكون(٥) .
(١) المحرر الوجيز ٥٤٣/٣، والبحر المحيط ١٦٤/٦.
(٢) القراءات الشاذة ص٨٢، والبحر المحيط ٦/ ١٦٤.
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٦٤، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر في التيسير ص١٤٦، والنشر
٣١٦/٢. وهي قراءة يعقوب من العشرة.
(٤) هي قراءة نافع وحفص وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر التيسير ص١٤٦، والنشر
٣١٦/٢.
(٥) البحر المحيط ١٦٤/٦. وقراءة أبي بكر - راوية عاصم - في التيسيرص ١٤٦، والنشر
٣١٦/٢.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٧٤
الآية : ٩٧
وقرأ ابنُ جندب بفتح فسكون، وروي ذلك عن قتادة. وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّه
قرأ بضمٍّ ففتح، وهي قراءةُ أبان عن عاصم، وقرأ الماجشون بفتحِ فضم (١).
﴿قَالَ﴾ للعَمَلة ﴿أَنفُغُواْ﴾ أي: بالكيران في زبر الحديد الموضوعة بين
الصدَفين، ففعلوا ﴿حََّ إِذَا جَعَلَهُ﴾ أي: جعل المنفوخَ فيه ﴿نَارًا﴾ أي: كالنار في
الحرارة والهيئة، فهو من التشبيه البليغ، وإسنادُ الجعل المذكور إلى ذي القرنين مع
أَنَّهِ فِعْلُ الفَعَلة؛ للتنبيه على أنَّه العمدةُ في ذلك، وهم بمنزلة الآلة.
﴿قَالَ﴾ للذين يتولَّون أمرَ النحاس من الإذابة وغيرها. وقيل: لأولئك
النافخين، قال لهم بعد أن نفخوا في ذلك حتى صار كالنار، وتمَّ ما أراده منهم
أوَّلاً: ﴿وَانُونِيّ﴾ من الذين يتولَّون أمرَ النحاس ﴿أُفْرِعُ عَلَيْهِ قِطّرًا ﴾﴾ أي:
آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. وبه تمسّك
البصريُّون على أنَّ إعمال الثاني في باب التنازع أولى، إذ لو كان ((قطراً)) مفعول
(آتوني)) لأضمر مفعول ((أفرغ)»، وحذفُه وإن جاز لكونه فَضْلةٌ إلَّا أنَّه يوقعُ في
لبس.
والقطر كما أشرنا إليه النُّحاسُ المذاب، وهو قول الأكثرين. وقيل: الرصاص
المذاب. وقيل: الحديدُ المذاب. وليس بذاك.
وقرأ الأعمش وطلحة وحمزة وأبو بكر بخلافٍ عنه: ((ائتوني)) بهمزة
الوصل(٢)، أي: جيئوني، كأنَّه يستدعيهم للإعانة (٣) باليد عند الإفراغ، وإسناد
الإفراغ إلى نفسه للسرِّ الذي وقفت عليه آنفاً، وكذا الكلام في قوله: ((أجعل))،
وقوله: ((ساوى)) على أحد القولين.
﴿فَمَا أَسْطَعُواْ﴾ بحذف تاء الافتعال تخفيفاً وحذراً عن تلاقي المتقاربين في
المخرج، وهما الطاء والتاء.
(١) البحر المحيط ١٦٤/٦-١٦٥. وانظر المحتسب ٣٤/٢، والقرطبي ٣٨٧/١٣.
(٢) البحر المحيط ١٦٥/٦، وقراءة حمزة وأبي بكر راوية عاصم في التيسير ص ١٤٦، والنشر
٣١٥/٢.
(٣) في (م): للإغاثة.

الآية : ٩٧
٥٧٥
سُورَةُ الكَهْفِ
وقرأ حمزة وطلحة بإدغام التاء في الطاء(١)، وفيه جمعٌ بين الساكنين على غير
حده، ولم يجوِّزهُ أبو عليّ (٢)، وجوَّزه جماعة.
وقرأ الأعشى عن أبي بكر: ((فما اصطاعوا)) بقلب السين صاداً لمجاورة
الطاء(٣)
.
وقرأ الأعمش: (فما استطاعوا)) بالتاء من غير حذف (٤).
والفاء فصيحة، أي: ففعلوا ما أُمروا به من إيتاء القطر أو الإتيان، فأفرغَ عليه،
فاختلط والتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صلداً، فجاء يأجوج ومأجوج، وقصدُوا
أنْ يعلوه وينقبوه، فما اسطاعوا ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾(٥) أي: يعلوه ويرقوا فيه؛ لارتفاعه
وملاسته، قيل: كان ارتفاعُه مئتي ذراع، وقيل: ألف وثمان مئة ذراع.
﴿وَمَا أَسَتَطَعُواْ لَهُ، نَقْبًا (®﴾ لصلابته وثخانته. قيل: وكان عرضه خمسين
ذراعاً، وكان أساسه قد بلغ الماء، وقد جعل فيه الصخر والنحاس المذاب، وكانت
زبر الحديد للبناء فوق الأرض، ولا يخفى أنَّ إفراغ القطر عليها بعد أن أثّرت فيها
حرارةُ النار حتى صارت كالنار، مع ما ذكروا من أنَّ امتدادَ السدِّ في الأرض مئة
فرسخ = لا يتمُّ إلَّا بأمرٍ إلهيٍّ خارج عن العادة، كصرف تأثير حرارة النار العظيمة
عن أبدان المباشرين للأعمال، وإلّا فمثلُ تلك الحرارة عادةً ممَّا لا يقدرُ حيوانٌ
على أن يحومَ حولها، ومثل ذلك النفخُ في هاتيك الزبر العظيمة الكثيرة حتى تكون
ناراً .
ويجوزُ أنْ يكون كلٌّ من الأمرين بواسطة آلاتٍ غريبةٍ، أو أعمالٍ أُوتيها هو أو
أحدٌ ممَّن معه، لا يكاد أحدٌ يعرفها اليوم، وللحكماء المتقدِّمين - بل
والمتأخرين - أعمالٌ عجيبةٌ يتوصَّلون إليها بآلاتٍ غريبةٍ تكادُ تخرجُ عن طور العقل،
وهذا ممَّا لا شُبهة فيه، فليكن ما وقعَ لذي القرنين من ذلك القبيل.
(١) البحر المحيط ١٦٥/٦، وقراءة حمزة في التيسير ص١٤٦، والنشر ٣١٦/٢.
(٢) في الحجة ١٧٨/٥ .
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٦٥.
(٤) المحرر الوجيز ٥٤٤/٣، وتفسير القرطبي ٣٨٩/١٣، والبحر المحيط ١٦٥/٦.
(٥) جاء في هامش الأصل ما نصه: قيل: أي: يظهروا عليه، فحذف، وأوصل الفعل. اهـ منه.

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٥٧٦
الآية : ٩٨
وقيل: کان بناؤه من الصخور مرتبطاً بعضُها ببعض بكلالیب من حدید ونحاس
مذابٍ في تجاويفها، بحيث لم يبق هناك فرجةٌ(١) أصلاً.
وأخرج ابنُ جرير وابن مردويه عن أبي بكرة الثقفي(٢) أنَّ رجلاً قال:
يا رسول الله، قد رأيتُ سدَّ يأجوج ومأجوج، قال: ((انعته لي))، قال: كالبُرْد
المحبَّر، طريقةٌ سوداء، وطريقةٌ حمراء. قال: ((قد رأيتَه))(٣).
والظاهر أنَّ الرؤيةَ بصريَّةٌ لا مناميَّة، وهو أمرٌ غريبٌ إنْ صحَّ الخبر.
وأمَّا ما ذكره بعضُهم من أنَّ الواثق بالله العباسي أرسلَ سلاماً الترجمان للكشف
عن هذا السدِّ، فذهبَ جهة الشمال في قصّة تطول، حتى رآه ثم عاد، وذكر له من
أمره ما ذكر؛ فثقاتُ المؤرِّخين على تضعيفه، وعندي أنَّه كذبٌ؛ لما فيه ممَّا تأبى
عنه الآية، كما لا يخفى على الواقف عليه تفصيلاً .
ولا يخفى لطفُ الإتيان بالتاء في ((استطاعوا)) هنا.
﴿قَالَ﴾ أي: ذو القرنين لمن عنده من أهل تلك الديار وغيرهم ﴿هَذَا﴾ إشارة
إلى السدِّ. وقيل: إلى تمكّنه من بنائه، والفضل للمتقدِّم ليتَّحد مرجع الضمير
المتأخّر، أي: هذا الذي ظهر على يدي، وحصل بمباشرتي من السدِّ الذي شأنُه
ما ذكر من المتانة وصعوبة المنال ﴿رَحْمَةٌ﴾ أي: أَثَرُ رحمةٍ عظيمةٍ، وعبَّر عنه بها
(١) في (م): فجوة.
(٢) تحرف في الأصل و(م) إلى: الشفي، وفي مطبوع الدر المنثور ٤/ ٢٥٠- وعنه نقل
المصنف - إلى: النسفي.
(٣) لم أقف عليه في تفسير الطبري عن أبي بكرة الثقفي، بل أخرجه عن قتادة قال: ذكر لنا أن
رجلاً قال: يا نبي الله ... ، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٧٥٨) من طريق قتادة
عن رجل عن أبي بكرة الثقفي أن رجلاً أتى النبي ◌َّ ر ... فذكر نحوه.
وأخرجه الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ٤/ ١٢ عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه
قال للنبي وَّله ... فذكر نحوه ثم قال: هذا إسناد صحيح إلى قتادة، فإن كان سمعه من هذا
الرجل فهو حديث صحيح؛ لأن عدم معرفة اسم الصحابي لا تضر عند الجمهور؛ لأنهم
كلهم عدول، ولكن قد اختلف فيه عن قتادة ...
ثم بين الحافظ ابن حجر الخلاف عن قتادة، ذاكراً طرق الحديث، ومبيناً ما فيها، فانظره
ثمة إن شئت.

الآية : ٩٨
٥٧٧
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
للمبالغة ﴿مِن رَّبِّ﴾ على كافَّة العباد، لا سيما على مجاوريه.
وكون السد رحمةً على العباد ظاهرٌ، وإذا جعلتَ الإشارةَ إلى التمكُّن، فكونه
رحمةً عليهم باعتبار أنَّه سببٌ لذلك، وربما يرجَّح المتقدِّم أيضاً باحتياج المتأخّر
إلى هذا التأويل، وإنْ كان الأمرُ فيه سهلاً .
وفي الإخبار عنه بما ذُكر إيذانٌ - على ما قيل - بأنَّه ليس من قبيل الآثار
الحاصلة بمباشرة الخلق عادةً، بل هو إحسانٌ إلهيٌّ محضٌ، وإن ظهر بالمباشرة.
وفي التعرُّض لوصف الربوبيَّة تربيةُ معنى الرحمة.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((هذه رحمة))(١) بتأنيث اسم الإشارة، وخُرِّجَ على أنَّه رعاية
للخبر، أو جعل المشار إليه القدرة والقوة على ذلك.
﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رٍَّ﴾ أي: وقت وعده تعالى، فالكلام على حذف مضاف، أو
الإسنادُ(٢) إلى الوعد مجاز، وهو لوقته حقيقة. ويجوزُ أن يكون الوعدُ بمعنى
الموعود، وهو وقته أو وقوعه، فلا حذف ولا مجاز في الإسناد، بل هناك مجازٌ
في الطرف.
والمراد من وقت ذلك يوم القيامة. وقيل: وقت خروج يأجوج ومأجوج.
وتُعقّب بأنَّه لا يساعده النظم الكريم.
والمراد بمجيئه ما ينتظمُ مجيئَه ومجيء مباديه، من خروجهم، وخروج
الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، ونحو ذلك، لا دنوُّ وقوعه فقط كما قال
الزمخشريُّ(٣) وغيره، فإنَّ بعضَ الأمور التي ستُحكى تقعُ بعد مجيئه حتماً.
﴿جَعَلَهُ﴾ أي: السدَّ المشار إليه مع متانته ورصانته ﴿ذَّةَ﴾ بألف التأنيث
الممدودة، والموصوفُ مؤنَّثٌ مقدَّر، أي: أرضاً مستوية. وقال بعضهم: الكلامُ
على تقدير مضاف، أي: مثل دكاء. وهي ناقةٌ لا سنامَ لها، ولا بد من التقدير؛
لأنَّ السَدَّ مذكّرٌ لا يوصف بمؤنَّث.
(١) المحرر الوجيز ٥٤٤/٣، وتفسير القرطبي ٣٩٠/١٣، والبحر المحيط ١٦٥/٦.
(٢) في (م): والإسناد.
(٣) في الكشاف ٤٩٩/٢ .

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٥٧٨
الآية : ٩٨
وقرأ غير الكوفيين: ((دكّاً)) (١) على أنَّه مصدر دكَكْتُه، وهو بمعنى المفعول،
أي: مدكوكاً مسؤَّى بالأرض، أو على ظاهره والوصف به للمبالغة، والنصب على
أنَّه مفعولٌ ثانٍ لـ ((جعل))، وهي بمعنی صیّر.
وزعم ابنُ عطية أنها بمعنى خلق(٢). وليس بشيء.
وهذا الجعلُ وقتَ مجيء الوعد بمجيء بعض مباديه، وفيه بيانٌ لعظم قدرته
تعالی شأنه بعد بیان سعة رحمته عزَّ وجل.
وكأنَّ علمه بهذا الجعل ـ على ما قيل - من توابع علمه بمجيء الساعة، إذ من
مباديها دُّّ الجبال الشامخة الراسخة ضرورةً أنَّه لا يتمُّ بدونها، واستفادتُه العلمَ
بمجيئها ممَّن كان في عصره من الأنبياء عليهم السلام، ويجوزُ أنْ يكون العلم
بجميع ذلك بالسماع من النبيِّ، وكذا العلمُ بمجيءٍ وقت خروجهم، على تقديرِ أن
يكون ذلك مراداً من الوعد، يجوز أن يكون عن اجتهاد، ويجوز أنْ يكون عن
سماع.
وفي كتاب حزقيال عليه السلام الإخبارُ بمجيئهم في آخر الزمان من آخر
الجربياء في أمم كثيرةٍ لا يحصيهم إلَّا الله تعالى، وإفسادهم في الأرض، وقصدهم
بيت المقدس، وهلاكهم عن آخرهم في بريته بأنواعٍ من العذاب، وهو عليه السلام
قبل إسكندر غالب دارا، فإذا كان هو ذا القرنين، فَيمكنُ أن يكون وقفَ على ذلك
فأفاده علماً بما ذكر. والله تعالى أعلم.
ثَّ إنَّ في الكلام حذفاً، أي: وهو يستمرُّ إلى آخر الزمان، فإذا جاء وعدُ ربِّي
جعله دکاء.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبٍ﴾ أي: وعده سبحانه المعهود، أو كلُّ ما وعدَ عزَّ وجلَّ به،
فيدخلُ فيه ذلك دخولاً أوَّلِيًّا .
ثابتاً لا محالة، واقعاً البتة، وهذه الجملة تذييلٌ من ذي القرنين
/٩
﴿حَقًّا
لما ذكره من الجملة الشرطية، وتأكيدٌ لمضمونها، وهو آخر ما حكي من قصَّته.
(١) التيسير ص١٤٦، والنشر ٢٧١/٢.
(٢) المحرر الوجيز ٦/ ٥٤٤ .

الآية : ٩٩
٥٧٩
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ كلامٌ مسوقٌ من جنابه سبحانه وتعالى، وضمير
الجمع المجرور عند بعض المحققين للخلائق، والتركُ بمعنى الجعل، وهو من
الأضداد، والعطفُ على قوله تعالى: (جَعَلَهُ دَكَّةَ)، وفيه تحقيقٌ لمضمونه، ولا يضرُّ
ذلك كونُه محكّاً عن ذي القرنين، أي: جعلنا بعض الخلائق ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يوم إذ
جاء الوعدُ بمجيء بعض مباديه ﴿يَمُوُ فِى بَعْضٍ﴾ آخرَ منهم. والموجُ مجازٌ عن
الاضطراب، أي: يضطربون اضطرابَ البحر، يختلطُ إنسهم وجُّهم من شدّة
الهول، وروي هذا عن ابن عباس، ولعلَّ ذلك لعظائم تقعُ قبل النفخة الأولى.
وقيل: الضمير للناس، والمراد: وجعلنا بعضَ الناس يوم إذ جاء الوعدُ بخروج
يأجوج ومأجوج يموجُ في بعضٍ آخر؛ لفزعهم منهم وفرارهم. وفيه بعد.
وقيل: الضميرُ للناس أيضاً، والمراد: وجعلنا بعض النَّاس يوم إذ تمَّ السدُّ
يموجُ في بعضهم؛ للنظر إليه والتعجّب(١) منه. ولا يخفى أنَّ هذا يُتَعَجَّب منه.
وقال أبو حيَّان: الأظهر كونُ الضمير ليأجوج ومأجوج(٢)، أي: وتركنا بعض
يأجوج ومأجوج يموجُ في بعض آخر منهم حين يخرجون من السدِّ مزدحمين في
البلاد، وذلك بعد نزول عيسى عليه السلام، ففي ((صحيح مسلم)) من حديث
النواس بن سمعان بعد ذكر الدجّال وهلاكه بباب لُدِّ على يده عليه السلام: ((ثَّ
يأتي عيسى عليه السلام قوماً (٣) قد عصمهم الله تعالى من الدجّال، فيمسحُ [عن]
وجوههم، ويحدِّثُهم بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو (٤) كذلك، إذ أوحى الله تعالى
إلى عيسى عليه السلام: إنِّي قد أخرجتُ عباداً لي لا يدانِ لأحدٍ بقتالهم، فحرِّز
عبادي إلى الطور(٥)، ويبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس
فينشفون الماء، ويتحصَّن الناسُ منهم في حصونهم، ويضمُّون إليهم مواشيهم،
فيشربون مياه الأرض، حتى إنَّ بعضَهم ليمرُّ بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه
(١) في (م): والتعجيب.
(٢) البحر المحيط ٦/ ١٦٥.
(٣) في صحيح مسلم: ((قومٌ)).
(٤) في الأصل و(م): هم. والمثبت من صحيح مسلم.
(٥) صحيح مسلم (٢٩٣٧): (١١٠)، وما سلف بين حاصرتين منه.

سُودَةُالگھْفِٹ
٥٨٠
الآية : ٩٩
يبساً، حتى إنَّ مَنْ يمرُّ من بعدهم ليمرُّ بذلك النهر، فيقول: قد كان هاهنا ماءٌ
مرَّةً (١)، ويُحصَر عيسى نبيُّ الله وأصحابُه، حتى يكون رأسُ الثور ورأسُ الحمار
لأحدهم خيراً من مئة دينار)»(٢).
وفي رواية مسلم وغيره: ((فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلمَّ نقتل من في
السماء، فيرمونَ نشابهم إلى السماء، فيردُّها الله تعالى عليهم مخضوبةً دماً»(٣) للبلاء
والفتنة، ((فيرغبُ نبيُّ الله وأصحابه إلى الله تعالى، فيرسل عليهم النغف في رقابهم،
فيصبحون فَرْسى)» (٤). وفي رواية: ((دُوداً (٥) كالنَّغَفِ في أعناقهم فيصبحونَ موتى،
كموت نفسٍ واحدة، لا يسمع لهم حسٌّ، فيقول المسلمون: ألا رجلٌ يشري لنا
نفسه، فينظر ما فعلَ هذا العدوُّ، فيتجرَّد رجلٌ منهم محتسباً نفسه، قد وّنها على
أنَّه مقتولٌ، فینزل فيجدهم موتی، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشرَ المسلمين،
ألا أبشروا، إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد كفاكم عدوّكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم،
فيسرٌّحون مواشيهم، فما يكون لها مرعى إلَّا لحومُهم، فتشكر أحسنَ ما شكرت عن
شيء)).
((ويهبط نبيُّ الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدونَ فيها
موضع شبرٍ إلَّا ملأه زهمهم ونتنهم))(٦) ((فيستغيثون بالله تعالى فيبعثُ الله سبحانه
ريحاً يمانيةً غبراء، فتصيرُ على الناس غمّاً ودخاناً، ويقع عليهم الزكمةُ، ويكشف
(١) من قوله: ((ويبعث الله تعالى يأجوج ... إلى هنا ليس في صحيح مسلم، بل أخرجه ابن
ماجه (٤٠٧٩)، وأحمد (١١٧٣١)، والطبري ٣٩٩/١٥ -٤٠٠، وابن حبان (٦٨٣٠) من
حديث أبي سعيد الخدري ظه. ثم عاد إلى رواية النواس.
(٢) من قوله: ((ويحصر عيسى ... إلى هنا)) تتمة حديث النواس، وقوله: ((ورأس الحمار)) ليس
في صحيح مسلم ولم أقف عليه.
(٣) صحيح مسلم (٢٩٣٧): (١١١).
(٤) من قوله: ((فيرغب نبي الله)) إلى هنا عاد إلى رواية النواس.
(٥) في (م): داود. وهو تحريف. وهذه الرواية من بقية حديث أبي سعيد الخدري السالف
بعضه قريباً. ووقع في سنن ابن ماجه: دواب. بدل: دوداً.
(٦) من قوله: ((ويهبط نبي الله عيسى ... )) إلى هنا في صحيح مسلم من تتمة حديث النواس بن
سمعان السالف بعضه قريباً .