Indexed OCR Text

Pages 541-560

الآية : ٨٣
٥٤١
سُوَدَّةُ الكَهْفِت
القرون الخالية)) أنَّ ذا القرنين هو أبو كرِب سمي بن عمير بن إفريقيس (١) الحميري،
وهو الذي افتخرَ به تُبَع اليمانيُّ، حيث قال:
مَلِكاً علا في الأرض غيرَ مُفَنَّدٍ (٢)
قد كان ذو القرنين جدِّيَ مسلماً
أسبابَ مُلكٍ من حكيمٍ مرشدِ
بلغ المغاربَ والمشارقَ يَبتغي
في عين ذي خُلُبٍ وشَاطِ حرْمدٍ(٣)
فرأى مغيب الشمس عند غروبها
ثم قال: ويشبهُ أن يكون هذا القول أقربَ؛ لأنَّ الأذواءَ كانوا من اليمن، كذي
المنار، وذي نواس، وذي رعین، وذي يزن، وذي جدن. واختارَ هذا القول کاتب
جلبي، وذَكر أنَّه كان في عصر إبراهيم عليه السلام، وأنَّه اجتمع معه في مكّة
المكرمة، وتعانقا، وأنَّ شهرةَ بلوغ مُلْكِ الإسكندر اليونانيّ تلميذِ أرسطو الغايةَ
القصوى في كتب التواريخ - كما ذكر الإمام - دون هذا إنَّما هي لقربٍ زمان اليونانيِّ
بالنسبة إليه، فإنَّ بينهما نحو ألفي سنة.
وتواريخ هاتيك الأعصار قد أصابها إعصار، ولم يبقَ ما يعوَّل عليه، ويُرْجَع
في حلِّ المشكلات إليه، وربما يقال: إنَّ عدمَ شهرة من ذُكِرَ تُقَوِّي كونَه المسؤول
عنه، إذ غرضُ اليهود من السؤال الامتحان، وذلك إنَّما يحسنُ فيما خفيَ أمُرُه ولم
يُشْهَر، إذ الشهرةُ - لا سيَّما إذا كانت تَامَّةً - مظنَّةُ العلم.
وإلى كون ذي القرنين في زمان إبراهيم عليه السلام ذهبَ غيرُ واحد، وقد ذكر
الأزرقيُّ أنَّه أسلمَ على يده عليه السلام وطافَ معه بالكعبة، وكان ثالثهما إسماعيل
= والبيروني هو محمد بن أحمد الخوارزمي، فيلسوف رياضي مؤرخ، من مؤلفاته: الاستيعاب
في صنعة الاسطرلاب، والجماهر في معرفة الجواهر، وتاريخ الأمم الشرقية، وغيرها.
توفي سنة (٤٤٠هـ). الأعلام ٣١٤/٥.
(١) في مطبوع الآثار الباقية ص٤٠: شمَّر يرعش بن إفريقيس ... وانظر ما سيذكره المصنف في
هذا التحريف بعد قليل.
(٢) في البحر المحيط ١٥٨/٦: غير مبعد، بدل: غير مفند، ووقع في فتوح مصر ١٠٣/١،
وتاريخ دمشق ٣٣٢/١٧: ملكاً تَدين له الملوك وتَحْسُد. وفي البداية والنهاية ٥٤٠/٢ :
وتُحْشَد. وفي عرائس المجالس ص٣٦٦، وتفسير القرطبي ٣٧٠/١٣: وتسجد. وأورده
بمثل ما ذكر المصنف الرازيُّ في تفسيره ٢١/ ١٦٤ .
(٣) الحرمد، كجَعْفَر، وكزِبْرِج: الطين الأسود. القاموس (حرمد).

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٤٢
الآية : ٨٣
عليه السلام، ورويَ أنَّه حجَّ ماشياً، فلمَّا سمع إبراهيمُ عليه السلام بقدومه تلقَّاه
ودعا له وأوصاه بوصايا(١).
وقيل: أُتيَ بفرسٍ ليركب، فقال: لا أركبُ في بلدٍ فيه الخليل، فعند ذلك سُخِّر
له السحاب، ومُدَّ له في الأسباب، وبَشَرِه إبراهيم عليه السلام بذلك، فكانت
السحابةُ تحملُه وعساكرَه وجميعَ آلاتهم إذا أرادوا غزوَ قومٍ. وهؤلاء لم يصرِّحوا
بأنَّ ذا القرنين هذا هو الحميريُّ الذي ذُكر، لكنَّ مقتضى كلامٌ كاتب جلبي أنَّه هو.
وذكر أنَّه يمكن أن يكون إسكندر لقباً لمن ذُكر معرَّباً عن ألِكْسَنْدر، ومعناه في
اللغة اليونانية آدميّ جید.
وربَّما يقال: إنَّ من قال: اسم الإسكندر مصعب بن عبد الله بن قينان بن
منصور، إلى آخر النسب السابق المنتهي إلى قحطان، عنى هذا الرجل الحميريَّ
لا الرومي، ولا اليوناني، لكن وهم الناقل؛ لأنَّه لم يقل أحدٌ بأنَّ الروم من أبناء
قحطان و کذا اليونان.
نعم ذكر يعقوب بن إسحاق الكنديُّ أنَّ يونان أخو قحطان، وردّ عليه أبو العباس
الناشئ في قصيدته، حیث قال:
على الفحصٍ رأياً صحَّ منك ولا عقدا
أبا يوسفٍ إنِّي نظرتُ فلم أجد
بلاهُمْ جميعاً لم يجد عندهم عهدا
وصرتَ حكيماً عند قوم إذا امرؤٌ
لقد جئتَ شيئاً يا أخا كندة إذًّا
أتقرنُ إلحاداً بدينٍ محمَّدٍ
لعمري لقد باعَدْتَ بينهما جدّا (٢)
وتخلطُ يوناناً بقحطان ضلَّةً
والمذكورُ في كتب التواريخ أنَّ ملوكَ اليمن إلى أن غلبت الحبشةُ عليها من أبناء
قحطان .
وأورد على هذا القول في ذي القرنين أنَّه لم يوجد في كتب التواريخ المعتبرة
سمي بن عمير بن إفريقيس في عداد ملوك اليمن، والمذكورُ إنَّما هو شَمَّر بصيغة
(١) ينظر تاريخ مكة لأبي الوليد محمد بن عبد الله الأزرقي ٧٤/١.
(٢) الأبيات في مروج الذهب ٢٤٥/٢، وفي الديوان المجموع لأبي العباس الناشئ،
المقطوعة ٣١، مطبوع في مجلة المورد، العدد الثالث، المجلد ١٩٨٢/١١.

الآية : ٨٣
٥٤٣
سُورَةُ الكَهْفِ
فِعل الماضي من التشمير، بن إفريقيس، ولم يذكروا بينه وبين إفريقيس عميراً، وقد
ذكر بعضُهم فيه أنَّه ذو القرنين، وقالوا: إنه يقال له: شمّر يرعش؛ لارتعاش كان
فيه، فلعلَّ: سمي محرَّفٌ عن شمر، وابن عمير محرف من يرعش.
وقد ذكروا في أبيه إفريقيس أنَّه غزا نحو المغرب في أرض البربر، حتى أتى
طنجة، ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم اليوم، وأنَّه هو
الذي بنى إفريقية، وبه سمِّيت، وكان ملكه مئةً وأربعاً وستين سنة.
وفيه أنَّه خرج نحو العراق، وتوجَّه نحو الصين، وأنه قلعَ المدينة التي تسمَّى
اليوم سمرقند، وقالوا: إنَّها معرَّب شمركند، وإلى ذلك يشيرُ دِعبل الخزاعيُّ بقوله
يفتخر بملوك اليمن:
وباب الشاش كانوا الكاتبينا
هُمُ كتبوا الكتابَ بباب مرو
وهم غرسوا هناك النابتينا(١)
وهم سموا بشمرٍ سمرقندا
وأنَّه إنَّما لُقِّب بذي القرنين لذئابتین کانتا له، وكان ملکه ـ على ما قال ابن
قتيبة - مئةً وسبعاً وثلاثين سنةً، وعلى ما قال المسعوديُّ: ثلاثاً وخمسين سنةً،
وعلى ما قال غيرهما: سبعاً وثمانين سنةً، ثم إنَّ هذا لم يكن بأبي كرب،
وإنَّما المكنَى به - على ما رأيناه في بعض التواريخ - أسعدُ بن كليكرب، ويقال له
تبع الأوسط، ويذكر أنَّه آمن بنبينا نَّه قبل مبعثه، وفي ذلك يقول:
شهدتُ على أحمدَ أنَّه رسولٌ من الله باري النسم
فلو مُدَّ عمري إلى عمره لكنتُ وزيراً له وابن عم(٢)
وذكروا أنَّه كانَ شديدَ الوطأة، كثيرَ الغزو، فملَّهُ قومُه، فأغروا ابنه حسان على
قَتْلِهِ فقَتَلَه.
ولا يخفى أنَّ كلا هذين الشخصين لا يصحُّ أنْ يكونَ المراد بذي القرنين الذي
ذُكر أنَّه لقيَ إبراهيم السلام، أمَّا الأولُ، فلأنَّهم ذكروا أنَّه ملك بعد ياسر ينعم بن
(١) دیوان دعبل ص٢٥٦، وفيه: التبتينا.
(٢) المعارف لابن قتيبة ص ٦٠، والعمدة لابن رشيق ٢٢٦/٢.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٤٤
الآية : ٨٣
عمرو، وملك ياسر بعدَ بلقيس زوجة سليمان عليه السلام، وكان عمَّها، فكيف
يتصوَّر أنْ يكونَ هذا ذاك، مع بُعْدِ زمان ما بين إبراهيم وسليمان عليهما السلام؟
وأمَّا الثاني، فلأنَّه بعدَ هذا بكثيرٍ، مع أنَّه لم يُطلِق عليه أحدٌ ذا القرنين،
ولا نَسب إليه غزواً في مشارق الأرض ومغاربها .
ورأيتُ في بعض الكتب أنَّ في زمن منوجهر بن إيرج بن أفريدون بُعثَ موسى
عليه السلام، وكان ملك اليمن في زمانه شمر أبا الملوك، وكان في طاعته. انتهى.
وعليه أيضاً لا يمكنُ أنْ يكون شمر هذا هو ذا القرنين السابق، وهو ظاهر.
وإذا أسقطتَ جميع هذه الأقوال عن الاعتبار؛ بناءً على ما قيل: إنَّ أخبار
ملوك اليمن مضطربةٌ، لا يكاد يوقَفُ على روايتين متفقتين فيها، واعتبرتَ القولَ بأنَّه
كان في زمن إبراهيم عليه السلام ملكٌ منهم هو ذو القرنين، بناءً على حسن الظنِّ
بقائل ذلك، أشكل الأمرُ من وجهٍ آخر، وهو أنَّ كتب التواريخ قاطبةً ناطقةٌ بأنَّ
فريدون كان في زمان إبراهيم عليه السلام، وأنَّه قسّم المعمورةَ بين بنيه الثلاثة
حسبما تقدَّم، فكيف يتسنَّى مع هذا القولُ بأنَّ ذا القرنين رجلٌ من ملوك اليمن كان
في ذلك الزمان أيضاً .
ويجيء نحوُ هذا الإشكال إذا قلنا: إنَّ ذا القرنين هو أحد الإسكندرين اليوناني
والرومي، وقلنا بأنّه كان في زمن إبراهيم عليه السلام أيضاً .
والحاصل أنَّ القول بأنَّ فريدون كان في ذلك الزمان وكان مالكاً
المعمورة - كما في عامة تواريخ الفرس - يمنعُ القولَ بأنَّ ذا القرنين في ذلك الزمان
غيره، بل القول بوجودٍ أحد الثلاثة من فريدون وذي القرنين التُّبَّعيّ وأحد
الإسكندرين في ذلك الزمان وملْكِه المعمورة يمنعُ من القول بوجود غيره منهم في
ذلك الزمان وملكه المعمورة أيضاً، واستشكل كونُ ذي القرنين أيّاً كان من هؤلاء
الثلاثة في زمان إبراهيم عليه السلام بأنَّ نمرود كان في زمانه أيضاً، وقد جاء: ملك
الدنيا مؤمنان وكافران؛ أمَّا المؤمنان فسليمان عليه السلام وذو القرنين، وأمَّا
الكافران فنمرود وبختنصر (١). ولا مخلصَ من ذلك - على تقدير صحَّة الخبر - إلَّا
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٥٦٤/١١ والطبري ٥٧١/٤-٥٧٢ من قول مجاهد.

الآية : ٨٣
٥٤٥
سُؤَدَةُ الگھْفِّ
بأن يقال: كان زمان إبراهيم عليه السلام ممتدّاً، ووقع ملكُهما الدنيا متعاقباً. وهو
كما ترى.
ورأيتُ في بعض الكتب القولَ بأنَّ ذا القرنين مَلَكَ بعد نمرود، وينحلُّ به الإشكال.
وقال بعضهم: الذي تقتضيه كتبُ التواريخ عدمُ صحة الخبر أو تأويلُه، إذ ليس
في شيءٍ منها عمومُ ملك سليمان عليه السلام أو ملك نمرود أو بختنصر، والظاهر
عدم الصحة.
واستشكل أيضاً كونه في ذلك الزمان بأنَّه لم يُذكر في التوراة، كما يدعيه اليهود
اليوم كافَّةً، ويَبعدُ ذلك غايةَ البعد على تقدير وجوده، فالظاهر من عدم ذكره عدمُ
کونه موجوداً .
وأُجيب بأنَّا لا نُسلِّم عدمَ ذكره، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ أنَّ اليهود
قالوا للنبيِّ وَّ: يا محمد إنَّك إنَّما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين لأنَّك
سمعتَ ذكرهم منَّا، فأخبرنا عن نبيٍّ لم يذكره الله تعالى في التوراة إلَّا في مكانٍ
واحد، قال: ((ومن هو))؟ قالوا: ذو القرنين. الخبر(١)، بل الظاهر من سؤالهم أنَّ
له ذكراً في كتابهم، وإنكارُهم اليومَ ذلك لا يُلتفتُ إليه، على أنَّ ما ذُكر في
الاستشكال مجرَّدُ استبعاد، ولا يخفى أنَّه ليس مانعاً قويّاً.
هذا وبالجملة لا يكاد يَسلمُ في أمر ذي القرنين شيءٌ من الأقوال عن قيل
وقال، وكأنِّي بك بعد الاطلاع على الأقوال وما لها وما عليها تختارُ أنَّه
الإسكندر بن فليقوس غالبُ دارا، وتدَّعي أنَّه يقالُ له اليوناني، كما يقال له
الروميّ، وأنَّه كان مؤمناً بالله تعالى لم يرتكب مكفِّراً من عَقْدٍ أو قولٍ أو فعل،
وتقول: إنَّ تلمذَتَه على أرسطو لا تمنعُ من ذلك:
فموسى الذي ربَّاه جبريلُ كافرٌ وموسى الذي ربَّاه فرعون مرسلٌ(٢)
وقد تتلمذَ الأشعريُّ على المعتزلة، ورئيسُ المعتزلة على الحسن، وقد خالفَ
أرسطو أفلاطون في أكثر المسائل وكان تلميذه.
(١) الدر المنثور ٢٤٠/٦.
(٢) سلف عند التفسير الإشاري للآيات [٦٥-٩١] من سورة آل عمران.

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٥٤٦
الآية : ٨٣
والقولُ بأنَّ أرسطو كان بمنزلة الوزير عنده وكان يستشيره في المهمَّات ويعملُ
برأيه، لا يدلُّ على اتِّباعه له في سائر اعتقاداته، فإنَّ ذلك على تقدير ثبوته إنَّما هو
في الأمور الملكية، لا المسائل الاعتقاديَّة، على أنَّ المُلَّا صدر الدين الشيرازيّ(١)
ذَكرَ أنَّ أرسطو كان حكيماً عابداً موحِّداً قائلاً بحدوث العالم ودثوره المشار إليه
بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيِّ السّجِلِ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وما شاعَ
عنه في أمر العالم توقُّمٌ ناشىءٌ من عدم فهم كلامه، ومثله في ذلك سائر أساطين
الحكماء .
ولا نسلِّم عدم سفره نحو المغرب، ولا ثبوتَ أنَّ الخضر کان وزير ذي
القرنين، وإن اشتهرَ، ليقدح عدمُ كونه وزيراً عنده في كونه ذا القرنين.
وقيل: إنَّه كان وزيراً عند ملكٍ يقال له ذو القرنين أيضاً، لكنَّه غير هذا،
ووقع(٢) الاشتباه في ذلك.
وقيل: يمكن أنْ يكونَ عليه السلام في جملة الحكماء الذين معه، وكان
كالوزير عنده، ولا يقدح في ذلك استشارةُ غيره في بعض الأمور، وكان مشتهراً إذ
ذاك بالحكمة دون النبوّة، وفي الأعصار القديمة كانوا يسمُّون النبيَّ حكيماً، ولعلَّه
كان مشتهراً أيضاً باسم آخر، وعدمُ تعرُّض المؤرِّخين لشيءٍ من ذلك لا يدلُّ على
العدم .
وقيل: لا نسلِّم عدم التعرُّض، بل قولُهم: إنَّ الخضرَ كان وزير ذي القرنين،
قولٌ بأنَّه كان وزيرَ الإسكندر المذكور عند القائل بأنَّه ذو القرنين، ولا يمنع من ذلك
كون الخضرِ على الأصحِّ نبيّاً والإسكندر ليس كذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى
قريباً عن الجمهور؛ لأنَّ المرادَ من وزارته له تدبيرُ أموره ونصرتُه، ولا ضررَ في
نصرة نبيٍّ وتدبيرِه أمورَ ملكِ صالح غيرِ نبيّ، وهو واقعٌ في بني إسرائيل.
(١) هو محمد بن إبراهيم بن يحيى القوامي الشيرازي، فيلسوف من القائلين بوحدة الوجود،
فارسي المحتد، عربي التصانيف، من كتبه: الأسفار الأربعة في الحكمة، وشرح أصول
السكاكي، وغيرها، توفي سنة (١٠٥٩هـ). الأعلام ٣٠٣/٥.
(٢) في الأصل: ودفع.

الآية : ٨٣
٥٤٧
سُورَةُ الكَهْفِّ
وإن لم تختر ما ذُكر، فإن اخترتَ أنَّه من ملوك اليمن، أو إسكندرٌ آخر، يلزمُكَ
إمَّا القولُ بأنَّه لم يكن في زمن إبراهيم عليه السلام، وإمَّا القولُ بأنّه كان في زمنه
بعد نمرود، أو معه، إلّا أنَّه تحت إمرته، ولم يكن فريدون إذ ذاك، ويلزمك طيُّ
الكشح عن كتب التواريخ، كما يلزمُك على أتمٍّ وجهٍ لو اخترت أنه فريدون.
والأقرب عندي لإلزام أهل الملل والنحل الضالِّين الذين يشقُّ عليهم نبذُ كتب
التواريخ وعدمُ الالتفات إلى ما فيها بالكليّة مع كثرتِها وانتشارها في مشارق الأرض
ومغاربها، وتباينٍ أديان مؤلِّفيها، واختلافِ أعصارهم = اختيارُ أنَّه الإسكندر بن
فیلقوس غالبُ دارا:
وما عليَّ إذا ما قلتُ معتقدي دَعِ الجهولَ يظنّ الجهلَ عدوانا(١)
واليهودُ قاطبةً على هذا، لكنَّهم لعنهم الله تعالى وقعوا في الإسكندر، ونسبوهُ
أقبحَ نسبة، مع أنَّهم يذكرونَ أنَّه أكرمَهم حين جاء إلى بيت المقدس، وعظّم
أحبارهم، والله تعالى أعلم.
ثم إنَّ السؤالَ ليس عن ذاتٍ ذي القرنين، بل عن شأنه، فكأنَّه قيل: ويسألونك
عن شأن ذي القرنين ﴿قُلْ﴾ لهم في الجواب: ﴿سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا
الخطاب للسائلين، والهاء لذي القرنين، و((من)) تبعيضيَّة، والمراد: من أنبائه
وقصصه، والجارُّ والمجرور صفةُ ((ذكراً)) قُدِّم عليه فصار حالاً، والمراد بالتلاوة
الذكر، وعُبِّرَ عنه بذلك لكونه حكايةً من(٢) جهة الله عزَّ وجلَّ، أي: سأذكر لكم نبأ
مذكوراً من أنبائه.
ويجوزُ أن يكون الضمير له تعالى، و((من)) ابتدائية، ولا حذف، والتلاوة على
ظاهرها، أي: سأتلو عليكم من جهته سبحانه وتعالى في شأنه ذكراً، أي: قرآناً .
والسين للتأكيد والدلالةِ على التحقُّق المناسب لتقدُّم تأييده وَالر وتصديقه بإنجاز
وعده، أي: لا أترك التلاوة البنَّة، كما في قوله:
(١) البيت لتاج الدين السبكي في مطلع قصيدة يمدح بها والده تقيَّ الدين. طبقات الشافعية
الكبرى ١٤٣/١٠. وفيه: السوء، بدل: الجهل.
(٢) في (م): عن.

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٥٤٨
الآية : ٨٤
أيادي لم تُمنن وإن هي جلَّتِ(١)
سأشكرُ عمراً إنْ تراخت منيَّتي
لا للدلالة على أنَّ التلاوةَ ستقعُ فيما يستقبلُ كما قيل؛ لأنَّ هذه الآية ما نزلت
بانفرادها قبل الوحي بتمام القصة، بل موصولةً بما بعدها ريثما سألوه عليه الصلاة
والسلام.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَنَا لَهُ، فِي الْأَرْضِ﴾ شروعٌ في تلاوة الذكر المعهود حسبما هو
الموعود، والتمكينُ هاهنا: الإقدارُ وتمهيدُ الأسباب، يقال: مگّنه، ومگّن له،
كنصحتُه ونصحتُ له، وشكرتُه وشكرتُ له. وفُرِّقَ بينهما بأنَّ معنى الأول: جعلَه
قادراً، ومعنى الثاني: جَعَلَ له قدرةً وقوَّةً، ولتلازمهما في الوجود وتقاربهما في
المعنى يُستعملُ كلٌّ منهما في محلِّ الآخر. وهكذا إذا كان التمكينُ مأخوذاً من
المكان بناءً على توهُّم ميمه أصليَّةً، والمعنى: إنَّا جعلنا له مُكنةً وقدرةً على
التصرُّف في الأرض من حيث التدبيرُ والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار.
وقيل: تمكينُه في الأرض من حيث إنَّه سُخِّر له السحاب، ومُدَّ له في
الأسباب، وبُسط له النور، فكان الليلُ والنهار عليه سواءً، وفي ذلك أثرٌ، ولا أراه
يصحّ.
وقيل: تمكينُه بالنبوَّة وإجراء المعجزات، ورَوى القول بنبوَّته أبو الشيخ في
((العظمة)) عن أبي الورقاء عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه(٢)، وإلى ذلك ذهب مقاتل،
ووافقه الضخَّاك، ويعارضُه ما أخرجه ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر» وابن المنذر
وابن أبي حاتم وابن الأنباري في ((المصاحف)) وابن أبي عاصم في ((السنة)) وابن
مردويه من طريق أبي الطفيل(٣) أنَّ ابنَ الكوَّاء سأل عليََّ كرَّم الله تعالى وجهَه عن
ذي القرنين: أنبيّاً كان أم مَلِكاً؟ قال: لم يكن نبيّاً ولا ملكاً، ولكن كان عبداً
صالحاً أحبَّ الله تعالى فأحبَّه، ونصح الله تعالى فنصحه(٤).
(١) سلف ٢٣٢/١٣.
(٢) العظمة (٩٧٠).
(٣) في الأصل و(م): الفضل، والتصويب من المصادر الآتية.
(٤) الدر المنثور ٢٤١/٤، وهو في فتوح مصر لابن عبد الحكم ١٠٥/١، والسنة لابن
أبي عاصم (١٣١٨). وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٣٧٠/١٥.

الآية : ٨٤
٥٤٩
سُورَّةُ الكَهْفِ
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنَّه قال: ذو القرنين بلغ السدَّين وكان نذيراً،
ولم أسمع بحقِّ أنَّه كان نبيًّا(١).
وإلى أنَّه ليس بنبيٍّ ذهبَ الجمهور، وتوقَّفَ بعضُهم؛ لِمَا أخرجَه عبد الرزاق
وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصحَّحه عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَله: ((ما أدري أتُبَّع كان لعيناً أم لا، وما أدري أذو القرنين كان نبياً أم
لا ، وما أدري الحدود كفاراتٌ لأهلها أم لا))(٢).
وأنت تعلم أن هذا النفي لم يكن ليستمر لرسول الله وَ ﴿، فيمكنُ أنْ يكون دَرَی
عليه الصلاة والسلام فيما بعد أنَّه لم يكن نبيّاً كما يدلُّ عليه ما رُوي عن عليٍّ
كرَّم الله تعالى وجهه، فإنَّه لم يكن يقول ذلك إلَّا عن سماع، ويشهدُ لذلك ما أخرجه
ابنُ مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل عليٍّ كرم الله تعالى وجهه عن ذي
القرنين: أنبيُّ هو؟ فقال: سمعتُ نبيَّكم وَّهِ يقول: ((هو عبدٌ ناصَحَ الله تعالى
فنصحه))(٣).
﴿وَءَانَيْتَهُ مِن كُلِّ شَتْرٍ﴾ أراده من مهمَّات ملكه ومقاصده المعلَّقة بسلطانه.
﴿سَيًّا ﴾﴾ أي: طريقاً يوصلُه إليه، وهو كلُّ ما يُتَوصَّلُ به إلى المقصود من
علم أو قدرةٍ أو آلةٍ، لا العلم فقط، وإن وقع الاقتصارُ عليه في بعض الآثار.
و ((من)) بيانية، والمبيَّنُ ((سبباً))، وفي الكلام مضافٌ مقدَّرٌ، أي: من أسباب كلِّ
شيءٍ. والمراد بذلك الأسباب العادية، والقول بأنَّه يلزمُ على التقدير المذكور أنْ
يكونَ لكلِّ شيءٍ أسبابٌ لا سبب وسببان، ليس بشيءٍ .
وجُوِّز أنْ تكون ((من)) تعليليَّة، فلا تقدير، واختارَهُ بعضُهم، فتأمَّل.
(١) الدر المنثور ٢٤١/٤.
(٢) الدر المنثور ٢٤٠/٤، وهو في المستدرك ٢/ ٤٥٠، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن
عبد البر في جامع بيان العلم (١٥٥٣)، وذكر القاضي عياض في إكمال المعلم ٥/ ٥٥٠ أنه
لا تعارض بين هذا الحديث وحديث عبادة بن الصامت عند البخاري (١٨)، ومسلم
(١٧٠٩) الذي فيه أن الحدود كفارة؛ لاحتمال أن يكون حديث أبي هريرة قبل حديث
عبادة، فلم يعلم أولاً حتى أعلمه الله أخيراً.
(٣) الدر المنثور ٢٤٠/٤-٢٤١.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٥٠
الآية : ٨٥ - ٨٦
واستدلَّ بعضُ من قال بنبوَّته بالآية على ذلك، وليس بشيءٍ كما لا يخفى.
﴿فَعَ﴾ بالقطع، والفاء فصيحة، والتقدير: فأراد بلوغَ المغرب فأتبع ﴿سَيِّبًّا
٨٥
يوصلُه إليه، ولعلَّ قَصْدَ بلوغ المغرب ابتداءً لأنَّه أقربُ إليه. وقيل: لمراعاة الحركة
الشمسيّة، وليس ذلك لكون جهة المغرب أفضلَ من جهة المشرق كما زعمه بعضُ
المغاربة، فإنَّه - كما قال الجلال السيوطيُّ - لا قَطْعَ بتفضيل إحدى الجهتين على
الأخرى؛ لتعارضِ الأدلَّة.
وقرأ نافع وابن كثير: ((فاتَّبعَ)) بهمزة الوصل وتشديد التاء(١)، وكذا فيما يأتي،
واستظهرَ بعضُهم أنَّهما بمعنّى، ويتعديان لمفعولٍ واحد.
وقيل: إنَّ(أتبعَ)) بالقطع يتعذَّى لاثنين، والتقدير هنا: فأتبعَ سبباً سبباً آخر، أو
فأتبع أمرَه سبباً، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الذُّنْيَا لَعْنَةٌ﴾ [القصص: ٤٢].
وقال أبو عبيد: ((اتّبع)) بالوصل في السير، و((أتبع)) بالقطع معناه اللحاق، كقوله
تعالى: ﴿فَأَنْتَعَهُ, شِهَابُ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠].
وقال يونس: ((أتبع)) بالقطع للمُجِدِّ المسرع الحثيث الطلب، و((اتَّبع)) بالوصل
إنَّما يتضمَّن مجرد الانتقال والاقتفاء.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: منتهى الأرض من جهة المغرب، بحيث
لا يتمكَّنُ أحدٌ من مجاوزته، ووقف كما هو الظاهر على حافَّةِ البحر المحيط الغربيِّ
الذي يقال له: أوقيانوس، وفيه الجزائر المسمّاة بالخالدات، التي هي مبدأ
الأطوال على أحد الأقوال.
﴿وَجَدَهَا﴾ أي: الشمس ﴿تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ﴾ أي: ذات حَمْأَةٍ، وهي الطينُ
الأسود، من حَمِثَت البئرُ تَحْمَأُ حَمْأً: إذا كثُرت حمأتُها .
وقرأ عبدُ الله وطلحةُ بن عبيد الله وعمرو بن العاص وابنه عبد الله وابن عمر
(١) وقرأ بها أيضاً أبو عمرو من السبعة، وأبو جعفر ويعقوب من العشرة. انظر التيسير ص١٤٥،
والنشر ٣١٤/٢.

الآية : ٨٦
٥٥١
سُورَةُ الكَهْفِ
ومعاوية والحسن وزيد بن عليّ وابنُ عامر وحمزةُ والكسائيُّ: ((حاميةً)) بالياء، أي
حارَّةً(١).
وأنكر هذه القراءة ابنُ عباس ﴿ًّا أوَّلَ ما سمعها، فقد أخرج عبدُ الرزاق
وسعيد بن منصور وابنُ جرير وابنُ المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن
أبي حاضر(٢) أنَّ ابنَ عباسٍ ذَكَر له أنَّ معاوية قرأ: ((في عينٍ حامية)»، فقال له:
ما نقرؤها إلَّا ((حمئة))، فسأل معاويةُ عبدَ الله بن عمرو، كيف تقرؤها؟ فقال:
كما قرأتَها. فقلت: في بيتي نزلَ القرآنُ، فَأَرْسَلَ إلى كعب، فقال له: أين تجدُ
الشمسَ تغربُ في التوراة، فقال كعب: سل أهل العزيمة(٣)، فإنَّهم أعلمُ بها،
وأمَّا أنا، فإِنِّي (٤) أجدُ الشمسَ تغربُ في التوراة في ماءٍ وطين، وأشارَ بيده إلى
المغرب، قال ابن أبي حاضر: لو أنِّي عندكما أيَّدتُك بكلامٍ تُزاد به بصيرةً في
((حمئة)). قال ابنُ عباس: وما هو؟ قلت: قول تَبَّع فيما ذَكر بهَ ذا القرنين في كلفه
بالعلم واتِّباعه إيَّاه:
قد كان ذو القرنين
إلى آخر الأبيات الثلاثة السابقة، ومحلُّ الشاهد قوله:
فرأى مغيبَ الشمس عند غروبها
في عين ذي خُلُبٍ وَأْطِ حرْمدٍ
فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قال ابن أبي حاضر: الطين بكلامهم، فقال:
فما الثأط؟ قال: الحمأة، فقال: فما الحرمد؟ قال: الأسود، فدعا ابنُ عباس
غلاماً فقال: اكتب ما يقولُ هذا الرجل(٥).
(١) البحر المحيط ١٥٩/٦. وقراءة ابن عامر وحمزة والكسائي في التيسير ص ١٤٥، والنشر
٣١٤/٢، وقرأ بها أيضاً من السبعة شعبة عن عاصم، ومن العشرة أبو جعفر وخلف.
(٢) كذا في تفسير عبد الرزاق، والدر المنثور، وجاء في تفسير الطبري: عثمان بن حاضر. وكذا
ذكره المزي في تهذيب الكمال. ثم قال: وقال عبد الرزاق: عثمان بن أبي حاضر. اهـ،
ووهَّم الحافظ في التقريب من قال: ابن أبي حاضر.
(٣) كذا في الأصل و(م). وهو تحريف. والصواب: العربية. وانظر مصادر تخريج الخبر.
(٤) بعدها في (م): لم.
(٥) الدر المنثور ٢٤٨/٤، وهو في تفسير عبد الرزاق ٤١١/١، وتفسير الطبري ٣٧٥/١٥
=

سُودَةُ الگھْفِ
٥٥٢
الآية : ٨٦
ولا يخفى أنَّه ليس بين القراءتين منافاةٌ قطعيةٌ؛ لجواز كون العين جامعةً بين
الوصفين، بأنْ تكونَ ذات طينٍ أسود، وماؤها حارّ، ولجواز كون القراءة بالياء
أصلُها من المهموز، قلبت همزتُّه ياءً لانكسار ما قبلها، وإنْ كان ذلك إنَّما يَّرِدُ إذا
كانت الهمزةُ ساكنةً، کذا قيل.
وتُعقّبَ بأنَّه یأباهُ ما جرى بين ابن عباس ومعاوية.
وأُجيبَ بأنَّه إذا سلِّم صحته فمبناه السماع، والتحكيمُ لترجيح إحدى القراءتين،
وظاهر ما سمعتَ ترجيحُ قراءة ابن عباس ﴿ها، وكأنَّ رجوع معاوية لقراءة ابن
عباس - على ما ذكرهُ القرطبيُّ(١) - كان لذلك.
نعم ما أخرجَه ابنُ أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم
وصححه عن أبي ذرِّ قال: كنتُ رِدْفَ رسول الله وَّه وهو على حمار، فرأى الشمسَ
حين غربت، فقال: ((أتدري حيث تغرب؟)) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنَّها
تغربُ في عين حامية)) غيرَ مهموزة(٢) = يوافق قراءة معاوية، ويدلُّ على أنَّ ((في
عين)) متعلّق بـ ((تغرب)) كما هو الظاهر.
وقول بعض المتعسِّفين: إنه (٣) متعلِّقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل ((وجدها))
ممَّا لا ينبغي أنْ يُلتَفت إليه، وكأنَّ الذي دعاه إلى القول بذلك لزومُ إشكالٍ على
الظاهر، فإنَّ جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بأضعافٍ مضاعفة، فكيف يمكن
دخولُها في عين ماءٍ في الأرض؟
وهو مدفوعٌ بأنَّ المراد: وجدها في نظر العين كذلك، إذ لم ير هناك إلَّ الماء،
وأخرجه أيضاً الثعلبي في عرائس المجالس ص٣٦٦، وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية
=
عن ابن أبي حاتم بإسناده، واللفظ له.
(١) لم يرد في تفسير القرطبي ذِكْرُ رجوع معاوية إلى قراءة ابن عباس، بل جاء فيه ٣٧٠/١٣ إثر
ذكر كلام كعب في الحادثة: فوافق ابن عباس. اهـ. يقصد أن كعباً وافق ابن عباس. والله
أعلم.
(٢) الدر المنثور ٢٤٨/٤، وأخرجه الحاكم ٢٤٤/٢، وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٤٦٠) مطولاً،
وأبو داود (٤٠٠٢). وليس عندهما قوله: غير مهموزة.
(٣) في (م): بأنه.

الآية : ٨٦
٥٥٣
سُورَةُ الكَهْفِت
لا أنَّها كذلك حقيقةً، وهذا كما أنَّ راكبَ البحر یراها كأنَّها تطلعُ من البحر،
وتغيبُ فيه، إذا لم ير الشطّ، والذي في أرض ملساء واسعة يراها أيضاً كأنَّها تطلعُ
من الأرض وتغيبُ فيها .
ولا يَرِدُ على هذا أنَّه عبّر بـ ((وجد))، والوجدان يدلُّ على الوجود؛ لما أنَّ
((وجد)) يكون بمعنى رأى، كما ذكره الراغب(١)، فليكنْ هنا بهذا المعنى. ثمَّ المراد
بالعين الحمئة؛ إمَّا عينٌ في البحر، أو البحر نفسه، وتسميتُه عيناً ممَّا لا بأسَ به،
خصوصاً وهو بالنسبة لعظمة الله تعالى كقطرة، وإن عَظُم عندنا .
وزعم بعض البغداديين أنَّ ((في)) بمعنى عند، أي: تغرب عند عين.
ومن الناس من زعم أنَّ الآيةَ على ظاهرها، ولا يُعجز الله تعالى شيءٌ. ونحن
نقرُّ بعِظَم قدرة الله عزَّ وجلَّ، ولا نلتفتُ إلى هذا القول، ومثلُه ما نقلَه
الطرطوشيُّ(٢) من أنَّها يبلعُها حوتٌ، بل هذا كلامٌ لا يقبلُه إلَّا الصبيان ونحوهم،
فإنَّها قد تبقى طالعةً في بعض الآفاقِ سنَّةً أشهرٍ، وغاربةً كذلك، كما في أفق عرض
تسعين، وقد تغيبُ مقدارَ ساعةٍ ويظهر نورها من قبل المشرق في بعض العروض،
كما في بلغار في بعض أيام السنة، فالشمسُ على ما هو الحقُّ لم تزل سائرةً طالعةٌ
على قومٍ، غاربةً على آخرين بحسب آفاقهم، بل قال إمامُ الحرمين: لا خلافَ في
ذلك. ويدلُّ على ما ذُكر ما أخرجه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) وأبو الشيخ في
((العظمة)) عن ابن عباس قال: الشمسُ بمنزلةِ الساقية، تجري بالنهار في السماء في
فلكها، فإذا غربت جرت الليلَ في فلكها تحت الأرض، حتى تطلع من شرقها،
وكذلك القمر(٣).
وكذا ما أخرجه ابنُ عساكر عن الزهريِّ أنَّ خزيمة بن حكيم السُّلمي سأل
رسول الله ﴿ عن سخونة الماء في الشتاء وبرده في الصيف، فقال: ((إنَّ الشمس
(١) في المفردات (وجد).
(٢) هو محمد بن الوليد بن خلف، الفهري الأندلسي، شيخ المالكية، له كتاب ((سراج الملوك))،
وغيره، توفي سنة (٥٢٠هـ). سير أعلام النبلاء ٤٩٠/١٩، ونقل المصنف كلامه عن
الحاوي للسيوطي ٥١٨/٢.
(٣) سلف عند تفسير الآية (٣٣) من سورة إبراهيم.

سُوَرَةُ الكَهْفِ
٥٥٤
الآية : ٨٦
إذا سقطت تحت الأرض سارت حتى تطلع من مكانها، فإذا طال الليلُ كثر لبثها في
الأرض، فيسخن الماء لذلك، فإذا كان الصيفُ مرَّت مسرعةً، لا تلبث تحت
الأرض لقصر الليل، فثبتَ الماء على حاله بارداً))(١).
ولا يخفى أنَّ هذا السير تحتَ الأرض تختلفُ فيه الشمسُ من حيث المسامتة
بحسب الآفاق والأوقات، فتُسامِتُ الأقدامَ تارةً، ولا تسامتُها أخرى، فما أخرجه
أبو الشيخ عن الحسن قال: إذا غربتِ الشمسُ دارت في فلك السماء ممَّا يلي دبر
القبلة، حتى ترجع إلى المشرق الذي تطلعُ منه، وتجري منه في السماء من شرقها
إلى غربها، ثم ترجعُ إلى الأفق ممَّا يلي دبر القبلة إلى شرقها، كذلك هي مسخّرةٌ
في فلكها، وكذلك القمر(٢) = لا يكاد يصحُّ.
ويشكل على ما ذُكر ما أخرجهُ البخاريُّ عن أبي ذرِّ قال: كنتُ مع النبيِّ ◌َّ في
المسجد عند غروب الشمس، فقال: ((يا أبا ذر، أتدري أين تغربُ الشمس؟»
قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنَّها تذهبُ حتى تسجدَ تحت العرش، فذلك قوله
تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍ لَّهَأَ﴾(٣) [يس: ٣٨])).
وأجيب بأنَّ المراد أنَّها تذهب تحت الأرض حتى تصلَ إلى غاية
الانحطاط، وهي عند وصولها دائرةٌ نصفَ النهار في سمت القدم بالنسبة إلى
أفق القوم الذين غربت عنهم، وذلك الوصول أَشبهُ شيءٍ بالسجود، بل لامانعَ
أنْ تسجدَ هناك سجوداً حقيقيّاً لائقاً بها، فالمراد من ((تحت العرش)» مكاناً
مخصوصاً مسامتاً (٤) لبعض أجزاء العرش، وإلّا فهي في كلِّ وقتٍ تحت العرش
وفي جوفه، وهذا مبنيٌّ على أنَّه جسمٌ كريٌّ محيطٌ بسائر الأفلاك والفلكيات،
وبه تحدَّد الجهات، وهذا قول الفلاسفة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة
طه ما يتعلَّق بذلك.
(١) تاريخ دمشق ٣٧٤/١٦-٣٧٥، وهو قطعة من حديث طويل، وإسناده ضعيف مع انقطاعه،
وفي لفظه نكارة، وينظر الإصابة ٣/ ٩٧.
(٢) العظمة (٦٣٤).
(٣) صحيح البخاري (٤٨٠٢)، وأخرجه مسلم أيضاً (١٥٩).
(٤) كذا في الأصل و(م).

الآية : ٨٦
٥٥٥
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
وعلى ما ذُكر فالمرادُ بمستقرِّها محلُّ انتهاء انحطاطها، فهي تجري عند كلِّ قوم
لذلك المحلِّ، ثمَّ تشرع في الارتفاع.
وقال الخطابيُّ(١): يَحتملُ أن يكون المرادُ باستقرارها تحت العرش أنَّها تستقرُّ
تحته استقراراً لا نُحيطُ به نحن، وليس في سجودها كلَّ ليلةٍ تحت العرش ما يعيقُ
عن دورانها في سيرها. انتهى. وسيأتي إنْ شاء الله تعالى تمامُ الكلام في ذلك في
سورة يس .
وبالجملة لا يلزمُ على هذا التأويل خروجُ الشمس عن فلكها الممثل، بل
ولا عن خارج المركز، وإن اختلفَ قربها وبعدها من العرش بالنسبة إلى حركتها في
ذلك الخارج.
نعم ورد في بعض الآثار ما يدلُّ على خروجها عن حيزها، فعن ابن عباس
أنَّ الشمسَ إذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة،
وتحبسُ تحت العرش، فتستأذنُ من أين تؤمر بالطلوع، ثم ينطلقُ بها ما بين السماء
السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة، فتنحدرُ حيال
المشرق من سماءٍ إلى سماء، فإذا وصلت إلى هذه السماء، فذلك حين ينفجر
الصبح، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء، فذلك حين تطلعُ الشمس.
وهو وإن لم تأباه قواعدنا من شمول قدرة الله تعالى سائرَ الممكنات، وعدم
امتناع الخرق والالتئام على الفلك مطلقاً، إلَّا أنَّه لا يتسنَّى مع تحقّق غروبها عند
قومٍ وطلوعها عند آخرين، وبقائها طالعةً نحو ستة أشهر في بعض العروض، إلى
غيرَ ذلك ممَّا لا يخفى، فلعلَّ الخبرَ غيرُ صحيح، وقد نصَّ الجلال السيوطيُّ على
أنَّ أبا الشيخ رواه بسندٍ واهٍ(٢).
ثمّ إنَّ الظاهر على رواية البخاري ورواية ابن أبي شيبة ومن معه أنَّ أبا ذرّ .
سُئِل مرتين، إلّا أنَّه ردَّ العلمَ في الثانية إلى الله تعالى ورسوله وَّر؛ طلباً لزيادة
الفائدة، ومبالغةً في الأدب مع الرسول عليه الصلاة والسلام، والله تعالى أعلم.
(١) في أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري ٣/ ١٨٩٣، ١٨٩٤، ونقله المصنف عنه
بواسطة السيوطي في الحاوي ٢/ ٥٢٠.
(٢) الحاوي للسيوطي ٢/ ٥٢١، والأثر في العظمة (٦٤٧) مطولٌ.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٥٦
الآية : ٨٦
﴿وَوَجَدَ عِندَهَا﴾ أي: عند تلك العين على ساحل البحر ﴿قَوْمًا﴾ لباسهم - على
ما قيل - جلود السباع وطعامُهم ما لفَظّه البحر.
وقال وهب بن منبه: هم قومٌ يقال لهم: ناسك، لا يحصيهم كثرةً إلَّا الله
تعالى.
وقال أبو زيد السهيليُّ: هم قومٌ من نسل ثمود كانوا يسكنون جابرسا(١)؛ وهي
مدينةٌ عظيمة لها اثنا عشر باباً، ويقال لها بالسريانية: جرجيسا. وروي نحو ذلك
عن ابن جريج.
وزعمَ ابنُ السائب أنَّه كان فيهم مؤمنون وكافرون، والذي عليه الجمهور أنَّهم
كانوا كفَّاراً فخيَّره الله تعالى بين أن يعذُّبهم بالقتل، وأن يدعوهم إلى الإيمان،
وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ﴾ بالقتل من أوَّل الأمر ﴿وَإِمَّا أَنْ نَتَّخِذَ
﴾ أي: أمراً ذا حُسنٍ، على حذف المضاف، أو على طريقة الوصف
٨
فِهِمْ حُسْنَا ®
بالمصدر للمبالغة، وذلك بالدعوة إلى الحقِّ والإرشادِ إلى ما فيه الفوز بالدرجات؛
ومحلُّ ((أنْ)) مع صلته: إمَّا الرفع على الابتداء، أو على الخبر، وإمَّا النصب على
المفعوليَّة؛ [أي:](٢) إمَّا تعذيبُك واقعٌ، أو: إمَّا أمرك تعذيبك، أو: إمَّا تفعل أو
توقع تعذيبَك، وهكذا الحال في الاتِّخاذ.
وقدَّم التعذيبَ؛ لأنَّه الذي يستحقونه في الحال لكفرهم. وفي التعبير بـ ((إمّا أنْ
تتخذَ فيهم حسناً)) دونَ: إمَّا أنْ تدعوَهم، مثلاً = إيماءٌ إلى ترجيح الشقِّ الثاني.
واسْتَدَلَّ بالآية من قال بنبؤَّته، والقولُ عند بعضهم بواسطة ملك، وعند آخرين
كفاحاً .
ومن لم يقل بنبوَّته قال: كان الخطابُ بواسطة نبيٍّ في ذلك العصر، أو كان
ذلك إلهاماً لا وحياً، بعد أن كان ذلك التخييرُ موافقاً لشريعة ذلك النبيّ.
وتُعقّب هذا بأنَّ مثل هذا التخيير المتضمِّن لإزهاق النفوس لا يجوزُ أن يكون
بالإلهام دون الإعلام، وإن وافق الشريعة.
(١) في مطبوع التعريف والإعلام ص١٠٨ : جابرس.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٤٢/٥، والكلام منه.

الآية : ٨٧
٥٥٧
سُورَةُ الگھْفِ
ونُقض ذلك بقصَّة إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه بالرؤيا، وهي دون الإلهام.
وفيه أنَّ رؤيا الأنبياء عليهم السلام وإلهاماتهم وحيٌّ كما بُيِّن في محلِّه. والكلام
هنا على تقدير عدم النبوَّة وهو ظاهر.
وقال عليُّ بن عيسى: المعنى: قلنا: يا محمد قالوا - أي: جندُه الذين كانوا
معه -: يا ذا القرنين، فحذف القول اعتماداً على ظهور أنَّه ليس بنبيٍّ.
وهو من التكلُّف بمكان، وقريبٌ منه دعوى أنَّ القائلَ العلماءُ الذين معه، قالوه
عن اجتهاد ومشاورةٍ له بذلك، ونسبَه اللهُ تعالى إليه مجازاً.
والحقُّ أنَّ الآيةَ ظاهرةُ الدلالة في نبوّته، ولعلَّها أظهر في ذلك من دلالة قوله
تعالى: (وَمَا فَعَلْهُ, عَنْ أَمْرِىَّ) على نبوّة الخضر عليه السلام. وكأنَّ الداعيّ إلى صرفها
عن الظاهر الأخبارُ الدالّة صريحاً (١) على خلافها، وحينئذٍ فلعلَّ الأولَى في تأويلها
أنْ يقال: كان القولُ بواسطة نبيٍّ.
﴿قَالَ﴾ ذو القرنين لذلك النبيِّ أو لمن عنده من خواصِّه بعد أنْ تَلقَّى أمرَه تعالى
مختاراً للشقِّ الأخير من شقَّي التخيير حسبما أرشد إليه: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسَه، ولم
يقبل دعوتي، وأصرَّ على ما كان عليه من الظلم العظيم الذي هو الشرك ﴿فَسَوْفَ
نُعَذِّبُهُ﴾ بالقتل، والظاهرُ أنَّه كان بالسيف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السُّدِّيِّ قال: كان عذابُه أنْ يجعلَهم في بقر من
صُفْرٍ، ثم يوقدَ تحتهم النار حتَّى يتقطّعوا فيها(٢). وهو بعيدٌ عن الصحّة.
وأتى بنون العظمة على عادة الملوك، وإسنادُ التعذيب إليه لأنَّه السببُ الآمر،
ودعوى صدور ذلك منه بالذات في غاية البعد.
وقيل: أرادَ من الضمير الله تعالى ونفسه، والإسناد باعتبار الخلق والكسب.
وهو أيضاً بعيدٌ، مع ما فيه من تشريك الله تعالى مع غيره في الضمير، وفيه من
الخلاف ما علمت.
(١) لفظة: صريحاً. ليست في (م).
(٢) الدر المنثور ٢٤٩/٤.

سُورَةُ الكَهْفِ
٥٥٨
الآية : ٨٨
﴾ أي: منكراً
﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ في الآخرة ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ فيها ﴿عَذَابًا شُكْرًا.
فظيعاً، وهو العذابُ في نار جهنم. ونصب ((عذاباً)) على أنَّه مصدر ((يعذِّبه)). وقيل:
تَنازعَ فیه هو و«نعذِّبه)).
والمراد بالعذاب النكر - نظراً إلى الأول - ما روي عن السُّدِّيِّ، وهو خلافُ
الظاهر كما لا يخفى.
وفي قوله: ((إلى ربِّه)) دون إليك دلالةٌ على أنَّ الخطابَ السابق لم يكن بطريق
الوحي إليه، وأنَّ مقاولته كانت مع النبيِّ أو مع خواصه.
﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ﴾ بموجب دعوتي ﴿وَعَمِلَ﴾ عملاً ﴿صَلِحًا﴾ حسبما يقتضيه الإيمان
﴾ في الدارين ﴿جَزَآءَ الْحُسْنَى﴾ أي: فله المثوبةُ الحسنى، أو: الفعلة الحسنى،
أو: الجنَّةُ جزاءً، على أنَّ ((جزاء)» مصدرٌ مؤكٌِّ لمضمون الجملة، قُدِّمَ على المبتدأ
اعتناءً به، أو منصوبٌ بمضمرٍ، أي: يُجزى بها جزاءً، والجملة حاليةٌ أو معترضةٌ
بين المبتدأ والخبر المتقدِّم عليه، أو هو حالٌ، أي: مجزيًّا بها. وتعقّب ذلك
أبو الحسن بأنَّه لا تكادُ العربُ تتكلّمُ بالحال مقدَّماً إلَّا في الشعر. وقال الفرَّاء: هو
نصبٌ على التمييز(١).
وقرأ ابنُ عباس ومسروق: ((جزاءً)) منصوباً غيرَ منوَّن(٢)، وخرَّجَ ذلك المهدويُّ
على حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وخرَّجه غيرُه على أنَّه حذف للإضافة،
والمبتدأ محذوفٌ لدلالة المعنى عليه، أي: فله الجزاءُ جزاءَ الحسنى.
وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق بالرفع والتنوين (٣)، على أنَّه المبتدأ(٤)،
و((الحسنى)) بدله، والخبر الجارُّ والمجرور.
وقرأ غيرُ واحدٍ من السبعة بالرفع بلا تنوين(٥)، وخُرِّجَ على أنَّه مبتدأ مضاف.
(١) معاني القرآن للفراء ١٥٩/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٤٧١، وتفسير القرطبي ٣٧٤/١٣، والبحر المحيط ١٦٠/٦.
(٣) المحرر الوجيز ٣/ ٥٤٠، وتفسير القرطبي ٣٧٤/١٣، والبحر المحيط ١٦٠/٦. ووقع في
الدر المصون ٥٤٣/٧ واللباب لابن عادل ٥٥٩/١٢: عبد الله وابن أبي إسحاق.
(٤) في (م): للمبتدأ. وهو خطأ.
(٥) هي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو وشعبة راوية عاصم، كما في التيسير
=

الآية : ٨٩ - ٩٠
٥٥٩
سُورَةُ الكَهْفِ
قال أبو عليّ: والمراد على الإضافة: جزاء الخلال الحسنة التي أتاها وعملها(١)،
أو المراد بالحسنى: الجنة، والإضافةُ كما في: دار الآخرة.
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾ أي: ممَّا نَأمرُ به ﴿يُتْرًا ﴾﴾ أي: سهلاً ميسَّراً غيرَ
شاقٌّ، وتقديره: ذا يسر، وأُطلِقَ عليه المصدرُ مبالغةً.
وقرأ أبو جعفر: ((يُسُرا)) بضمتين، حيث وقع هذا(٢).
وقال الطبريُّ: المراد من اتّخاذ الحُسن الأسرُ(٣)، فيكون قد خُيِّر بين القتل
والأسر. والمعنى: إمّا أنْ تعذِّب بالقتل، وإمَّا أنْ تُحسِن إليهم بإبقاء الروح
والأسر.
وما حُكي من الجواب على هذا الوجه، قيل: من الأسلوب الحكيم؛ لأنَّ
الظاهر أنَّه تعالى خيَّره في قتلهم وأسرهم وهم كفار، فقال: أمَّا الكافرُ فيُراعَى فيه
قوَّة الإسلام، وأمَّا المؤمن فلا يُتُعرَّض له إلَّا بما يجب.
وفي ((الكشف)) أنَّه روعي فيه على الوجهين نكتةٌ بتقديم ما مِنَ الله تعالى في
جانب الرحمة؛ دلالة على أنَّ ما منه تابعٌ وتتميمٌ، وما منه في جانب العذاب رعايةً
لترتيب الوجود مع الترقّي ليكون أغيظ. وكأنَّه حمل ((فله)) إلخ على معنى: فله
من الله تعالى .. إلخ، وهو الظاهر.
وجُوِّز حمل ((إمَّا أنْ تُعذِّبَ وإمَّا أن تتَّخذَ)) على التوزيع دون التخيير،
والمعنى - على ما قيل -: ليكن شأنُك معهم إمَّا التعذيب وإمَّا الإحسان؛ فالأوَّل
لمن بقيَ على حاله، والثاني لمن تاب. فتأمَّل.
ثُمَّ أَنْجَ سَبِيًّا (®﴾ أي: طريقاً راجعاً من مغربٍ الشمس موصلاً إلى مشرقها.
﴿حٌَّ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يعني الموضعَ الذي تطلعُ عليه الشمس أوَّلاً من
معمورة الأرض، أي: غايةَ الأرض المعمورة من جهة المشرق.
= ص١٤٥. وقرأ بها أيضاً أبو جعفر ويعقوب من العشرة. انظر النشر ٣١٥/٢.
(١) الحجة ١٧٠/٥.
(٢) النشر ٢١٦/٢.
(٣) انظر تفسير الطبري ٣٧٩/١٥.

سُورَةُ الكَهْفِت
٥٦٠
الآية : ٩٠
وقرأ الحسن وعيسى وابنُ محيصن: ((مطلَع)) بفتح اللام، ورُويت عن ابن كثير
وأهل مكّة(١). وهو عند المحققين مصدرٌ ميميٍّ، والكلام على تقدير مضاف، أي:
مكانَ طلوع الشمس، والمراد: مكاناً تطلعُ عليه.
وقال الجوهريُّ(٢): إنَّه اسمُ مكان، كمكسور اللام. فالقراءتان متَّفقتان من غير
تقدیر مضاف.
وقد صرَّحَ بعضُ أئمّة التصريف أنَّ المطلعَ جاء في المكان والزمان فتحاً
وكسراً .
وما آثره المحقّقون مبنيٍّ على أنَّه لم يرد في كلام الفصحاء بالفتح إلَّا مصدراً،
ولا حاجةً إلى تخريج القرآن على الشاذِّ؛ لأنَّه قد يُخِلُّ بالفصاحة.
وقال أبو حيان: إنَّ الكسرَ سماٌ في أحرفٍ معدودة، وهو مخالفٌ للقياس،
فإنَّه يقتضي أنْ يكونَ مضارعه تطلع بكسر اللام. وكان الكسائيُّ يقول: هذه لغةٌ
ماتت في كثيرٍ من لغات العرب، يعني ذهبَ من يقول من العرب: تطلع، بكسر
اللام، وبقي مطلع بكسرها في اسم الزمان والمكان على ذلك القياس. انتهى (٣).
فانهم.
ثمّ إنَّ الظاهرَ من حال ذي القرنين وكونه قد أوتي من كل شيءٍ سبباً أنَّه بلغ
مطلع الشمس في مدَّةٍ قليلة. وقيل: بلغه في اثنتي عشرة سنة، وهو خلاف الظاهر،
إلّا أنْ يكون أقامَ في أثناء سيره، فإنَّ طول المعمورة يقطعه بأقلَّ من هذه المدَّة
بكثير السائرُ على الاستقامة، كما لا يخفى على العارف بالمساحة.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُحُ عَلَى قَوٍْ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (﴾﴾ أخرج ابنُ المنذر وابن
أبي حاتم وأبو الشيخ في ((العظمة)) عن ابن جريج قال: حُدِّثت عن الحسن، عن
سمرة بن جندب قال: قال رسول الله وَ﴿ في الآية: (((لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا
-
(١) البحر المحيط ١٦١/٦، وهي في القراءات الشاذة ص٨١- ٨٢ عن عيسى وابن محيصن وابن
کثیر في رواية شبل.
(٢) في الصحاح (طلع).
(٣) البحر المحيط ٦/ ١٦١.