Indexed OCR Text
Pages 381-400
الآية : ٥٠ ٣٨١ سُوَرَةُ الكَهْفِتَ وأيَّاما كان فلا يعدُّ ذكرُ هذه القصّة هنا مع ذكرها قبلُ تكراراً؛ لأنَّ ذكرَها هنا الفائدةٍ غيرِ الفائدة التي ذُكرت لها فيما قبلُ، وهكذا ذكرُها في كلِّ موضع ذكرت فيه من الكتاب الجليل، ومثلُ هذا يقال في كلِّ ما هو تكرارٌ بحسب الظاهر فيه. ولا يخفى أنَّ أكثرَ المكرَّرات ظاهراً مختلفةُ الأساليبِ متفاوتةُ الألفاظِ والعباراتِ، وفي ذلك من الأسرار الإلهية ما فيه، فلا يستزلنَّك الشيطانُ. ﴿أَفَتَّخِذُونَهُ, وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ﴾ الهمزةُ للإنكار والتعجيبِ، والفاءُ للتعقيب، والمرادُ إمَّا إنكارُ أن يَعقبَ اتخاذُه وذريته أولياءَ العلمَ بصدورٍ ما صَدر منه مع التعجُّب من ذلك، وإما تعقيبُ إنكار الاتخاذِ المذكور والتعجيب منه إعلامَ الله تعالى بقبح صنيع اللعين، فتأمَّل. والظاهرُ أنَّ المرادَ من الذرِّةِ الأولادُ، فتكونُ الآيةُ دالَّةً على أنَّ له أولاداً، وبذلك قال جماعةٌ، وقد رُوي عن ابن زيد أنَّ الله تعالى قال لإبليس: إني لا أخلُقُ لآدم ذرِّيَّةً إلا ذرأتُ لك مثلَها. فليس يُولَد لآدم ولدٌ إلا وُلد معه شيطانٌ يقرن به(١). وعن قتادة أنه قال: إنه ينكِح وينسل كما ينسل بنو آدم(٢). وذكر في ((البحر)) أنَّ من القائلين بذلك أيضاً الضحاكُ والأعمش والشعبيُّ. ونَقَل عن الشعبيِّ أنَّه قال: لا تكون ذريةٌ إلا من زوجةٍ. فيكونُ قائلاً بالزوجة(٣). والذي في ((الدر المنثور)) برواية ابن المنذر عنه أنه سُئل عن إبليس: هل له زوجةٌ؟ فقال: إنَّ ذلك لعُرس ما سمعت به (٤). وأخرج ابن أبي الدنيا في ((المكائد)) وابن أبي حاتم عن مجاهد أنَّه قال: وَلَدُ إبليس خمسةٌ: ثَبْرٌ وهو صاحبُ المصائب، والأعورُ وداسمٌ لا أدري ما يعملان، ومِسوَطٌ وهو صاحبُ الصخب، وزَلَنبور وهو الذي يفرِّق بين الناس ويُبُصِّر الرجلَ عيوبَ أهلِهِ(٥). وفي روايةٍ أخرى عنه أنَّ الأعورَ صاحبُ الزنى، ومِسوَط صاحبُ أخبارٍ (١) تفسير الطبري ٢٩٣/١٥. (٢) المصدر السابق. (٣) البحر ١٣٦/٦. (٤) الدر المنثور ٤/ ٢٢٧. (٥) عزاه لابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٢٧/٤. سُورَةُ الكَهْفِ ٣٨٢ الآية : ٥٠ الكذِب، يُلقيها على أفواهِ الناس ولا يجدون لها أصلاً، وداسم صاحبُ البيوت، إذا دخل الرجلُ بيتَه ولم يسلِّم دخلَ معه، وإذا أكل ولم يسمِّ أكلَ معه، وزَلَنبور صاحبُ الأسواق، وكان هؤلاء الخمسةُ من خمسٍ بيضاتٍ باضها اللعينُ(١). وقيل: إنَّه عليه اللعنةُ يُدخِلِ ذَنَبَه في دُبره فيَبِيض، فتنفلقُ البيضةُ عن جماعةٍ من الشیاطین. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان أنَّ جميعَ ذريتِه من خمسٍ بيضات باضها، قال: وبلغني أنَّه يجتمع على مؤمنٍ واحدٍ أكثرُ من ربيعة ومضر (٢). والله تعالى أعلم بصحّةٍ هذه الأخبار. وقال بعضُهم: لا ولدَ له، والمرادُ من الذرية الأتباعُ من الشياطين، وعُبِّر عنهم بذلك مجازاً تشبيهاً لهم بالأولاد. وقيل - ولعلَّه الحقُّ -: إنَّ له أولاداً وأتباعاً. ويجوز أن يرادَ من الذرِّية مجموعُهما معاً على التغليب، أو الجمعُ بين الحقيقةِ والمجازِ عند مَن يراه، أو عمومُ المجاز. وقد جاء في بعض الأخبار أنَّ ممن ينسب إليه بالولاد مَن آمن بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا وَّر، وهو هامة (٣)، وسبحان مَن يُخرِج الحيَّ من الميِّت، ولا يلزمُنا أن نعلمَ كيفية ولادتِه، فكثيرٌ من الأشياء مجهولُ الكيفية عندنا، ونقول به، فليكن من هذا القبيل إذا صحَّ الخبرُ فيه. واستدلَّ نافي مَلَكَّته بظاهر الآية حيث أفادت أنَّه له ذريةٌ، والملائكة ليس لهم ذلك. ولمدَّعيها أن يقول بعد تسليم حَملِ الذرية على الأولاد: إنَّه بعد أن عصى مُسخ وخَرج عن الملكيّة فصار له أولادٌ، ولم تُفِد الآيةُ أنّ له أولاداً قبلَ العصيان، والاستدلالُ بها لا يتمُّ إلا بذلك. (١) أخرجه عن مجاهد أبو الشيخ في العظمة (١١٥٠)، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ١٥/ ٢٩٢ بنحوه. (٢) عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٢٧/٤-٢٢٨. (٣) روي فيه حديث مرفوع، وقال جعفر المستغفري: لا يثبت إسناد خبره. الإصابة ٢٢٧/١٠. الآية : ٥١ ٣٨٣ سُوَرَّةُ الكَهْفِ وقوله تعالى: ﴿مِن دُونِ﴾ في موضع الحال، أي: أفتتخذونهم أولياءَ مجاوزين عنّي إليهم، وتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدلَ طاعتي ﴿وَهُمْ﴾ أي: والحالُ أنَّ إبليسَ وذريته ﴿لَكُمْ عَدُوٌ﴾ أي: أعداءٌ كما في قولِه تعالى: ﴿فَإنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّ إِلَّا رَبَ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُّؤُ﴾ [المنافقون: ٤]، وإنَّما فُعل به ذلك تشبيهاً بالمصادر نحو القَبول والؤُلوع. وتقييدُ الاتخاذ بالجملة الحالية لتأكيدِ الإنكار وتشديدِهِ، فإنَّ مضمونَها مانعٌ من وقوع الاتخاذ ومُنافٍ له قطعاً: ومِن نَكَد الدنيا على الحُرِّ أن يَرَى عدوًّا له ما مِن صَداقَتِه بدُّ (١) ﴿يْسَ لِلظَّالِمِينَ﴾ الواضعين للشيء في غير موضِعه ﴿بَدَّلًا ﴾﴾ أي: مِن الله سبحانه، وهو نصبٌ على التمييز، وفاعلُ ((بئس)) ضميرٌ مستترٌ يفسِّره ((هو))، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي: بِئس البدلُ من الله تعالى للظالمين إبليسُ وذريته . وفي الالتفات إلى الغيبة مع وضع الظالمين موضعَ ضمير المخاطَبين من الإيذان بكمالِ السخط والإشارةِ إلى أنَّ ما فعلوه ظلمٌ قبيحٌ = ما لا يخفى. ﴿َّ أَشْهَدْتُهُمْ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ عدم استحقاق إبليس وذريتِه للاتخاذِ المذكور في أنفسِهم، بعدَ بيانِ الصوارف عن ذلك من خَبائة الأصلِ والفسقِ والعداوةِ، أي: ما أحضرتُ إبليسَ وذريته ﴿خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ حيثُ خلقتُهما قبلَ خَلْقهم ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولا أشهدتُ بعضَهم خلقَ بعضٍ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فكِلا ضميرَي الجمع المنصوبِ والمجرورِ عائدٌ على إبليس وذريته، وهم المراد بالمضلِّين في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِينَ عَضُدًا ﴾﴾، وإنَّما وُضع ذلك موضعَ ضميرهم؛ ذمَّا لهم وتسجيلاً عليهم بالإضلال وتأكيداً لِمَا سبق من إنكارٍ اتخاذِهم أولياءً. والعضُد في الأصل: ما بين المِرْفَق إلى الكَتِف، ويُستعار للمُعين كاليد، وهو المرادُ هنا، ولكونه نكرةً في سياق النفْي عمَّ وفُسِّر بالجمع، والإفرادُ لرؤوس الآي. وقيل: إنما لم يُجمع لأنَّ الجميعَ في حكم الواحد في عدم الصلاحية (١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٩٣/٢. سُورَةُ الكَهْفِ ٣٨٤ الآية : ٥١ للاعتضاد، أي: وما كنتُ متخذَهم أعواناً في شأن الخلق، أو: في شأنٍ من شؤوني حتى يُتوهَّمَ شركتُهم في التولِّي فضلاً عن الاستبدال الذي لَزِم فعلَهم بناءً على الشركة في بعضٍ أحكامِ الربوبيّة. وإرجاعُ ضميرٍ ((أنفسهم)، إلى إبليس وذريته قد قال به كلُّ مَن ذهب إلى إرجاع ضميرٍ (أشهدتهم) إليهم، وعَلَّل ذلك العلّامةُ شيخُ الإسلام بقوله: حذَراً من تفكيكِ الضميرَين، ومحافظةً على ظاهرٍ لفظ الأنفس، ثم قال: ولك أن تُرجِع الضميرَ الثاني إلى ((الظالمين)) وتلتزم التفكيكَ بناءً على عودِ المعنى إليه، فإنَّ نفي إشهاد الشياطين الذين يتولّونهم هو الذي يدور عليه إنكارُ اتخاذهم أولياءَ، بناءً على أنَّ أدنى ما يصحِّح التولِّي حضورُ الوليّ خَلْقَ المتولِّي، وحيثُ لا حصولَ لا مصحِّحَ للتولِّي قطعاً، وأما إشهادُ بعضِ الشياطين خلقَ بعضٍ منهم فليس من مَداراته الإنكارُ المذكورُ في شيء، على أنَّ إشهادَ بعضِهم خلقَ بعض إن كان مصحِّحاً لتولِّي الشاهد بناءً على دلالتِهِ على كمالِهِ باعتبارِ أنَّ له مدخلاً في خلق المشهود في الجملة فهو مُخلٌّ بتولِّي المشهودِ بناءً على قصورِهِ عمن شَهِد خلقه، فلا يكون نفْي الإشهادِ المذكور متمحِّضاً في نفي الكمال المصحِّح للتولِّي عن الكلِّ وهو المناطُ للإنكار المذكورُ. وفي الآية تهكُّم بالكفارِ، وإيذانٌ بكمالِ ركاكةٍ عُقولهم وسخافةٍ آرائهم، حيث لا يفهمون هذا الأمرَ الجليَّ الذي لا يكاد يشتبه على البُله والصبيانِ فيحتاجون إلى التصريح به. وإيثارُ نفي الإشهاد على نفي شهودِهم، ونفيٍ اتخاذِهم أعواناً على نفي كونهم كذلك؛ للإشعار بأنَّهم مقهورون تحتَ قُدرته تعالى، تابعون لمشيئته سبحانه وإرادتِه عزَّ وجلَّ، بمعزلٍ من استحقاق الشهود والمَعونة من تلقاءِ أنفسهم من غير إحضارٍ واتخاذٍ، وإنَّما قُصارى ما يُتوهّم فيهم أن يبلغوا ذلك المبلغَ بأمر الله جلَّ جلالُه، ولم یکد ذلك يكون(١). اهـ. وهو كلامٌ يلوحُ عليه مخايلُ التحقيق، لكن قيل عليه: يجوز أن يُرادَ من (السماوات والأرض)) ما يشمَلُ أهلَها، وكثيراً ما يُراد منهما ذلك، فيدخُل فيه الكفَّارُ، فتفيدُ الآيةُ نفي إشهادِ الشياطين خلقَهم الذي مِن مَداراته الإنكارُ المذكورُ، من غير حاجةٍ إلى التزام التفكيكِ الذي هو خلافُ المتبادر. (١) تفسير أبي السعود ٢٢٨/٥. الآية : ٥١ ٣٨٥ سُوَرَّةُ الكَهْفِ وظاهرُ كلامِه وكذا كلام كثيرٍ حملُ الإشهادِ المنفْيِّ على حقيقته. وجوِّز أن يرادَ به المشاورةُ مجازاً، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ ما في ((البحر)) (١)، ولا مانعَ على هذا أن يرادَ من ((السماوات والأرض)) ما يشمَلُ أهلَهما، فكأنه قيل: ما شاورتُهم في خلق أحدٍ لا الكفَّارِ ولا غيرِهم، فما بالُ هؤلاء الكفَّار يتولَّونَهم؟! وأدنى ما يصحِّح التولِّي كونُ الوليّ ممن يُشاوَر في أمر المتولِّي أو أمرٍ غيره. ويكونُ نفْي اتخاذِهم أعواناً مطلقاً في شيءٍ من الأشياء بعد نفي مشاورَتِهم في الخلق ليؤدِّي الكلامُ ظاهراً عمومَ نفْي مدخليَّتِهم بوجهٍ من الوجوه رأياً وإيجاداً وغيرَ ذلك في شيءٍ مِن الأشياء، ولعلَّ الآية حينئذٍ نظيرُ قوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا﴾ [الكهف: ٤٩] من وجهٍ. وقيل: قد يرادُ مِن نفْي الإشهادِ في جانب المعطوفِ نفْيُ المشاورةِ، ومنه نفْي أن يكونوا خُلِقوا حسبَ مشيئتِهم، ومنه نفْيُ أن يكونوا خُلقوا كاملين، فإنه يقال: خُلِق كما شاء، بمعنى خُلِقٍ كاملاً قال الشاعر : خُلقتَ مبرَّأَ مِن كلِّ عيبٍ كأنَّك قد خُلِقتَ كما تشاءٍ(٢) وعلى هذا يكون في الخَلْقِ مَن أُشهِد خَلْقَ نفسه بمعنى أنه خُلق كاملاً. ولا يخفى ما فيه، وقد يُكتفى بدلالة ذلك على أنَّ نفْي الكمال بأقلَّ مِن هذه المؤونة، فافهَم. وزَعمُ أنَّ الكاملين شهدوا حقيقةً خلقَ أنفسهم بمعنى أنَّهم رأوا وهم أعيانٌ ثابتةٌ خلقَهم، أي: إفاضةً الوجود الخارجيِّ - الذي لا يتصِفُ به المعدومُ - عليهم = لا أرى أنَّ كاملاً يُقْدِمُ عليه أو يُصغي إليه. وقال الإمام بعد حكاية القول برجوع الضميرَين إلى الشياطين: الأقرب عندي عودُهما على الكفّار الذين قالوا للرسول بَله: إن لم تَطرُد عن مجلسك هؤلاء الفقراءَ لم نُؤمِن بك. فكأنه تعالى قال: إنَّ هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراحِ الفاسدِ والتعُّت الباطل ما كانوا شُركائي في تدبير العالم، بدليلٍ أنِّي ما أشهدتُهم خلقَ السماواتِ والأرضٍ ولا خلقَ أنفسهم، ولا اعتضَدتُ بهم في تدبيرِ الدنيا والآخرةِ، بل هم كسائِر الخلق، فلِمَ أَقْدَموا على هذا الاقتراحِ الفاسدِ؟! ونظيرُه أنَّ مَن اقترح (١) ١٣٦/٦. (٢) البيت لحسان ﴿ه، وهو في ديوانه ص ٦٦، وقد سلف ١١/ ١٢. سُوَدَّةُ الكَهْفِ ٣٨٦ الآية : ٥١ عليك اقتراحاتٍ عظيمةً فإنَّك تقول له: لستَ بسلطانِ البلد حتى نَقبَل منك هذه الاقتراحاتِ الهائلَة، فلِمَ تُقدِم عليها؟! والذي يؤكِّد هذا أنَّ الضميرَ يجب عودُه على أقرب المذكورات، وهو في الآية أولئك الكفار؛ لأنَّهم المراد بالظالمين في قوله تعالى: (ِْسَ لِلَّالِمِينَ بَدَلًا)(١). انتهى. وقيل: المعنى على تقدير عودِ الضميرَيْنِ على أولئك الكَفَرة: إنَّ هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلمُ في الأزل من أحوالِ السعادة وضدِّها؛ لأنَّهم لم يكونوا شاهدين خلقَ العالم، فكيف يمكنُهم أن يحكموا بحُسنِ حالهم عند الله تعالى وبشَرَفهم ورِفعتهم عند الخلق، وبأضدادِ هذه الأحوال للفقراء؟ !. وقيل: المعنى عليه: ما أشهدتُهم خلقَ ذلك وما أطلعتُهم على أسرارِ التكوين، وما خصَصتُهم بخصائصَ لا يحويها غيرُهم حتى يكونوا قدوةً للناس فيؤمنوا بإيمانهم كما يزعمون، فلا تلتفِتْ إلى قولهم طمعاً في نصرتهم للدين، فإنَّه لا ينبغي لي أن أعتَضِد لديني بالمضلِّين. ويعضده قراءةُ أبي جعفر والجحدريِّ والحسن وشيبة: ((وما كنتَ)) بفتح التاء(٢)، خطاباً له وَّر، والمعنى: ما صَحَّ لك الاعتضادُ بهم، ولعلَّ وصفَ أولئك الظالمين بالإضلال لِمَا أنَّ قصدَهم بطردِ الفقراء تنفیرُ الناس عنه وَّهُ، وهو إضلالٌ ظاهرٌ. وقيل: كلُّ ضالٌّ مضلٌّ؛ لأنَّ الإضلالَ إما بلسانِ القال أو بلسان الحال، والثاني لا يخلو عنه ضالٌّ. وقيل: الضميران للملائكة، والمعنى: ما أشهدتُهم ذلك ولا استعنتُ بهم في شيء، بل خلقتُهم ليعبدوني فكيف يُعبَدُون؟! ويَردُّه ((وما كنت متخذ المضلين عضداً))، إلا أن يقال: هو نفْيٌ لاتخاذ الشياطين أعواناً، فيستفاد من الجملتين نفْيُ صحَّةٍ عبادةِ الفريقَيْن. وقال ابن عطية: الضميران عائدان على الكفَّار وعلى الناس بالجملة، فتتضمَّن الآيةُ الردّ على طوائفَ من المنجِّمين وأهلِ الطبائع والأطباء ومَن سواهم ممن (١) التفسير الكبير ١٣٨/٢١. (٢) النشر ٣١١/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ٦/ ١٣٧. الآية : ٥١ ٣٨٧ سِوَرَةُ الكَهْفِ يخوض خوضَهم، وإلى هذا ذهب عبد الحق الصَّقَليُّ، وذكره بعض الأصوليين(١). انتهى. ويقال عليه في الجملة الأخيرة نحوُ ما قيل فيها آنفاً . واستُدِلَّ بها على أنَّه لا ينبغي الاستعانةُ بالكافر، وهو في أمور الدين كجهاد الكفار وقتال أهل البغي مما ذهب إليه بعضُ الأئمة، ولبعضهم في ذلك تفصيلٌ، وأمَّا الاستعانةُ بهم في أمور الدنيا فالذي يظهر أنَّه لا بأسَ بها، سواءٌ كانت في أمرٍ مُمتَهنٍ كنزح الكنائف، أو في غيره كعمل المنابر والمحاريب والخياطة ونحوِها، ولعلَّ: افْرِضِ اليهوديَّ أو الكلبَ قد مات، في كلام الفاروق ظه = لعدِّ ما استُخْدِمَ فيه من الأمور الدينية، أو هو مبنيٌّ على اختيار تفصيلٍ في الأمور الدنيوية أيضاً. وقد حكى الشيعةُ أنَّ عليًّا كرَّم الله تعالى وجهَه قال حين صمَّم على عزلِ معاوية وأشار عليه ابنُ عباس ◌ًَّا بإبقائه على عمله إلى أن يستفحل أمر الخلافة: يمنعني من ذلك قولُه تعالى: (وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِينَ عَضُدًا) فلا أتخِذ معاويةَ عضُداً أبداً. وهو كذِبٌ لا يعتقده إلا ضالٌّ مضلٌّ. وقرأ أبو جعفر وشيبة والسختيانيُّ وعون العقيليُّ وابن مقسم: (ما أشهدناهم)) بنون العظمة(٢). وقرأ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه: ((متخذاً المضلِّين)) على إعمال اسم الفاعل(٣). وقرأ الحسن وعكرمة: ((عُضْداً)) بسكون الضاد ونقل حركتِها إلى العين(٤). وقرأ عيسى: ((عَضْداً) بسكون الضاد للتخفيف، كما قالوا في رَجُلٍ وسَبُعٍ: رَجْلٌ وسبْعٌ بالسكون، وهي لغةٌ عن تميم، وعنه أيضاً أنه قرأ بفتحتين(٥). (١) المحرر الوجيز ٥٢٣/٣، وعبد الحق هو ابن محمد بن هارون أبو محمد السهمي المالكي، له: النكت والفروق لمسائل المدونة، وتهذيب الطالب. السير ٣٠١/١٨-٣٠٢. (٢) النشر ٣١١/٢ عن أبي جعفر، والكلام من البحر ١٣٦/٦. (٣) القراءات الشاذة ص ٨٠، والكشاف ٤٨٨/٢، والبحر ٦/ ١٣٧. (٤) الكشاف ٤٨٨/٢، والمحرر الوجيز ٥٢٣/٣، والبحر ١٣٧/٦. (٥) قراءة سكون الضاد في القراءات الشاذة ص ٨٠، وقراءة الفتحتين في المحرر الوجيز ٥٢٣/٣، ونقله المصنف من البحر ٦/ ١٣٧ . سُورَةُ الكَهْفِ ٣٨٨ .. الآية : ٥٢ وقرأ شيبة وأبو عمرو في رواية هارون وخارجة والخفاف وأبي زيد(١): ((عُضُدا) بضمَّتين، ورُوي ذلك عن الحسن أيضاً، وكذا رُوي عنه أيضاً أنَّه قرأ بفَتحَتَيْنٍ(٢)، وهو على هذا إما لغةٌ في العَضُد كما في ((البحر)) ولم يذكره في ((القاموس))(٣)، وإما جمعُ: عاضدٍ، كخَدَم جمعُ خادمٍ، مِن عضَدَه بمعنى قوَّاه وأعانه، فحينئذٍ لا استعارةً. وقرأ الضحاك: ((عِضَداً)) بكسر العين وفتح الضاد ولم نجد ذلك من لغاته، نعم في ((القاموس)) عَدَّ ((عَضِد)) ك: ((كَتِفِ)) منها (٤)، وهو عكسُ هذه القراءة. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: الله تعالى للكفَّار توبيخاً وتعجيزاً بواسطةٍ أو بدونها، وقرأ الأعمش وطلحة ويحيى وابن أبي ليلى وحمزة وابن مقسم: ((نقول)) بنون العظمة(٥). والكلام على معنى: اذكر، أيضاً، أي: واذكر يومَ يقول: ﴿نَادُواْ﴾ للشفاعة لكم ﴿شُرَكَآِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتموهم شفعاءَ، والإضافةُ باعتبارِ ما كانوا يزعمون أيضاً، فإنَّهم كانوا يزعمون أنهم شركاء كما يزعمون أنَّهم شفعاءُ، وقد جوَّز غيرُ واحدٍ هنا أن يكونَ الكلامُ بتقديرٍ: زعمتموهم شركاء، والمرادُ بهم إبليسُ وذريتُه، وجعلُهم بدلاً فيما تقدَّم مبنيٌّ على ما لزِمَ من فعلٍ عَبَدَتِهم المطيعين لهم فيما وسوسوا به، أو كلُّ ما عُبِد من دون الله تعالى. وقرأ ابن كثير: ((شُرَكَايَ)) مقصوراً مضافاً إلى الياء (٦). ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ أي: نادَوْهم للإغاثة، وفيه بيانٌ بكمالِ اعتنائهم بإغائتهم على طريق الشفاعة؛ إذ معلومٌ أنْ لا طريقَ إلى المدافعة. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَمْ﴾ فلم يغيثوهم؛ إذ لا إمكانَ لذلك، قيل: وفي إيراده مع ظهوره تهكُم بهم وإيذانٌ بأنَّهم في الحماقة بحیث لا يفهمونه إلا بالتصريح به. (١) كذا وقع في الأصل و(م) قوله: وأبي زيد، وليس هو في البحر ١٣٧/٦، والكلام منه. (٢) القراءات الشاذة ص٨١. (٣) البحر ١٣٢/٦، والقاموس (عضد). (٤) القاموس (عضد)، والقراءة في المحرر الوجيز ٥٢٣/٢، والبحر ١٣٧/٦. (٥) التيسير ص ١٤٤، والنشر ٣١١/٢ عن حمزة، والكلام من البحر ١٣٧/٦. (٦) البحر ٦/ ١٣٧. الآية : ٥٢ ٣٨٩ سُوَّةُ الكَهْفِ @﴾، اسمُ مكانٍ من: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الداعين والمدعوين ﴿قَوْبِقًا وَبَق وُبُوقاً كـ : وثب وثوباً، أو: وَبِقِ وَبَقاً كـ: فَرِح فرَحاً: إذا هلك، أي: مهلِكاً يشتركون فيه وهو النارُ، وجاء عن ابن عمر وأنس ومجاهد أنه وادٍ في جهنّم يجري بدمٍ وصديدٍ. وعن عكرمة أنه نهرٌ في النار يسيل ناراً، على حافَّتَيْه حياتٌ أمثالُ البغّال الدُّهْم، فإذَا ثارت إليهم لتأخذَهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها . وتفسير الموبق بالمهلك مرويٌّ عن ابن عباس ﴿ّ وعن مجاهدٍ وغيرهما، وعن الحسن تفسيرُه بالعداوة (١)، فهو مصدرٌ أطلِقٍ على سببِ الهلاك - وهو العداوةُ - كما أُطلِقِ التَلَفُ على البغضِ المؤذِّي إليه في قول عمر نَظُه: لا يكن حُبُّك كَلَفاً ولا بغضُك تلَفاً (٢). وعن الربيع بن أنس تفسيره بالمحبس. ومعنى كون الموبِقِ - على سائر تفاسيره - بينَهم: شمولُه لهم وكونُهم مشتركين فيه، كما يقال: جعلتُ المالَ بين زيدٍ وعمرو، فكأنه ضُمِّن ((جعلنا)) معنى ((قسمْنا))، وحينئذٍ لا يمكن إدخالُ عيسى وعزير والملائكةِ عليهم السلام ونحوِهم في الشركاء على القول الثاني. وقال بعضُهم: معنى كون الموبق - أي: المَهْلِك، أو: المَحْبِس - بينَهم: أنَّه حاجزٌ واقعٌ في البَين، وجُعِلَ ذلك بينَهم حسماً لأطماع الكَفَرة في أن يصلَ إليهم ممن دعَوه للشفاعة. وجاء عن بعضٍ مَن فسَّره بالوادي أنه يفرقُ الله تعالى به بين أهل الهدى وأهل الضلالة، وعلى هذا لا مانعَ مِن شمول المعنى الثاني للشركاء لأولئك الأجلَّة. وقال الثعالبي في ((فقه اللغة))(٣): الموبق بمعنى البرزَخ البعيد. على أنَّ ((وبق)) بمعنى («هلك)) أيضاً، أي: جعلنا بينَهم أمداً بعيداً يهلك فيه الأشواط(٤) لفرطِ بُعدِهِ، (١) تفسير الطبري ٢٩٦/١٥. (٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٣٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٥٩٨)، والكَلَّف: الؤُلوع بالشيء مع شُغْلِ قلبٍ ومشقة. أي: لا يكن حبُّك حبَّاً مفرطاً يؤدي إلى الولع والهيام. ينظر النهاية (كلف)، وحاشية الشهاب ١١١/٦ . (٣) ص٧٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٦/ ١١١. (٤) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب: بالأشواط. سُؤَدَّةُ الكَهْفِ ٣٩٠ الآية : ٥٣ وعليه أيضاً يجوز الشمولُ المذكورُ لأنَّ أولئك الكرام عليهم السلامُ في أعلى الجنان، وهؤلاء اللئام في قعر النيران، ولا يخفى على مَن له أدنى تأمُّلِ الحالُ فيما إذا أريد بالموبق العداوة. و ((بينهم)) على جميع ما ذُكر ظرفٌ، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ((جعل)) إنْ جُعِلَ بمعنى ((صِيََّ))، و((موبقا)) مفعولُهَ الأول، وإنْ جُعِلَ بمعنى ((خلق)) كان الظرفُ متعلِّقاً به، أو بمحذوفٍ وقع صفةً لمفعولِهِ قُدِّم عليه لرعايةِ الفواصل فتحوَّل حالاً . وقال الفراء والسيرافي: البين هنا بمعنى الوصل فإنه يكونُ بمعناه كما يكون بمعنى الفِراق(١)، وهو مفعولٌ أول لـ ((جعلنا))، و(«موبقاً)) بمعنى هلاكاً مفعولُه الثاني، والمعنى: جعلنا تواصلَهم في الدنيا هلاكاً يومَ القيامة. ﴿وَرَهَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ وُضِع المظهرُ في مقام المضمَر تصريحاً بإجرامهم وذمًّا لهم بذلك، والرؤيةُ بصريَّةٌ، وجاء عن أبي سعيد الخدريِّ - كما أخرجه عنه أحمد وابن جرير والحاكم وصحَّحه - عن رسول الله وَّهِ: ((إنَّ الكافرَ ليرى جهنّم من مسيرٍ أربعين سنةً))(٢). ﴿فَطَنُّواْ﴾ أي: علموا، كما أخرجه عبدُ الرزاق وجماعةٌ عن قتادة(٣)، وهو الظاهرُ من حالهم بعد قولِ الله تعالى ذلك واستغاثتِهم بشركائهم وعدم استجابتهم لهم وجعلِ الموبق بينهم. وقيل: الظنُّ على ظاهره وهم لم يتيقَّنوا ﴿أَنَّهُمُ تُوَاقِعُوهَا﴾ - أي: مخالِطوها واقعون فيها - لعدم يأسِهم من رحمة الله تعالى قبل دخولهم فيها . وقيل: إنَّهم لمَّا رأوها من بعيدٍ - كما سمعتَ في الحديث - ظنُّوا أنَّها تخطفهم في الحال، فإنَّ اسمَ الفاعل موضوعٌ للحال، فالمتيقَّن أصلُ الدخول، والمظنونُ الدخولُ حالاً . (١) معاني القرآن للفراء ١٤٧/٢، والكلام من حاشية الشهاب ١١١/٥. (٢) مسند أحمد (١١٧١٤)، وتفسير الطبري ٢٩٩/١٥، بزيادة ((ويظنُّ أنَّها مُوَاقِعَتُه)) بعد لفظة: (جهنم))، ولم نقف عليه عند الحاكم، وأخرجه ابن حبان (٧٣٥٢) من حديث أبي هريرة بصلُه. (٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٤، وعزاه السيوطي في الدر ٢٢٨/٤ لابن المنذر وابن أبي حاتم. الآية : ٥٤ ٣٩١ سُورَةُ الكَهْفِ وفي مصحف عبد الله: ((ملاقوها))، وكذلك قرأ الأعمش وابن غزوان عن طلحة(١). واختير جعلُها تفسيراً لمخالفَتِها سوادَ المصحف. وعن علقمة أنَّه قرأ: ((مُلاقُوها)) بالفاء مشدّدةً(٢)، من: لفَّ الشيءَ. ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾﴾ أي: مكاناً ينصرفون إليه؛ قال أبو كبير الهذليّ: أُزُهيرُ هَل عَن شَيبةٍ من مَصْرِف أم لَا خُلُودَ لباذِلٍ مُتَكَلِّفٍ(٣) فهو اسمُ مكانٍ، وجُوِّز أن يكونَ اسمَ زمانٍ، وكذا جوَّز أبو البقاء وتبِعه غيرُه أن يكونَ مصدراً، أي: انصرافاً(٤). وفي ((الدر المصون)) أنَّه سهوٌ، فإنَّه جعلَ ((مَفعِل)) بكسر العين مصدراً من صحيحِ مضارعُه ((يفعِل)) بالكسر، وقد نصُّوا على أنَّ مصدرَه مفتوحُ العين لا غير، واسمُ زمانِه ومكانِه مكسورُها. نعم إنَّ القولَ بأنَّه مصدرٌ مقبولٌ في قراءةِ زيدٍ بن عليٍّ رَّ: ((مصرَفاً)) بفتح الراء (٥). ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ كرَّرنا وردَّدْنا على وجوهٍ كثيرةٍ من النظم ﴿فِى هَذَا الْقُرْءَانِ﴾ الجليلِ الشأنِ ﴿لِلنَّاسِ﴾ لمصلحتهم ومنفعتهم ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: كلَّ مثل، على أنَّ ((من)) سيفُ خطيبٍ على رأي الأخفش، والمجرورُ مفعولُ ((صرَّفنا))، أو: مَثَلاً من كلِّ مَثَلٍ، على أنَّ ((مِن)) أصليةٌ، والمفعولُ موصوفُ الجارِّ والمجرورِ المحذوفِ. وقيل: المفعولُ مضمونُ ((مِن كلِّ مثَل)) أي: بعضَ كلِّ جنسٍ مثلٍ. وأيًّا ما كان فالمرادُ من المثل إما معناه المشهورُ، أو الصفةُ الغريبة التي هي في الحُسن واستجلابِ النفس كالمثل، والمراد أنَّه تعالى نوَّع ضربَ الأمثالِ وذِكرَ الصفاتِ (١) المحرر الوجيز ٥٢٤/٢، والبحر ١٣٨/٦. (٢) المصدران السابقان. (٣) أبو كبير هو عامر بن الحُلَيْس، شاعر صحابيٌّ اشتهر بكنيته، أحد بني سهل بن هذيل. والبيت في ديوان الهذليين ٢/ ١٠٤، ومجاز القرآن ١/ ٤٠٧، وتفسير الطبري ٢٩٩/١٥، وفي اللسان (حرف): مَحْرِف، بدل: مَصْرِفٍ. قوله: زُهَيرُ، ترخيم زهيرة وهي ابنته، وشيبة: صديقه يرثیه . (٤) الإملاء ٥٢٥/٣، وينظر تفسير أبي السعود ٢٢٩/٥. (٥) الدر المصون ٧/ ٥١٠ بنحوه. وقراءة زيد بن علي في البحر ١٣٨/٦. سُوْدَةُ الکھْفِ ٣٩٢ الآية : ٥٤ الغريبة، وذَكَر مِن كلِّ جنسٍ محتاجٍ إليه داعٍ إلى الإيمان نافعٍ لهم مثلاً، لا أنَّه سبحانه ذَكَر جميعَ أفرادِ الأمثال، وكأنَّ في الآية حذفاً، أو هي على معنى: ولقد فعلنا ذلك ليُقبِلوا، فلم يفعلوا. ﴿وَكَانَ آلْإِنسَانُ﴾ بحسب جبلَّته ﴿أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلاً أي: أكثرَ الأشياءِ التي ٥٤ يتأتَّى منها الجدلُ، وهو كما قال الراغب(١) وغيرُه: المنازَعةُ بمفاوضةِ القول. والأليقُ بالمقام أن يرادَ به هنا الخصومةُ بالباطل والمماراةُ، وهو الأكثر في الاستعمال. وذكر غيرُ واحدٍ أَّه مأخوذٌ من الجَدْل وهو الفَتْلُ، والمجادَلةُ: الملاواة؛ لأنَّ كلَّا من المتجادِلَيْنِ يلتوي على صاحبه. وانتصابه على التمييز، والمعنى أنَّ جَدَلَ الإنسان أكثرُ من جَدَلِ كلِّ مجادِلٍ، وعُلِّل بسعة مضطرَبه فإنَّه بين أوج المَلَكِيَّةِ وحَضيضِ البهيميَّة، فليس له في جانبَي التصاعُدِ والتسفُّلِ مقامٌ معلومٌ. والظاهرُ أنَّه ليس المرادُ إنساناً معيَّناً، وقيل: المرادُ به النضرُ بن الحارث. وقيل: ابنُ الزِّبَعْرى. وقال ابن السائب: أُبِيُّ بن خلفَ، وكان جدالُه في البعث حين أتى بعظم قد رمَّ، فقال: أيقدِرُ اللهُ - تعالى - على إعادةِ هذا؟! وفتَّه بيده(٢). والأولُ أولى، ويؤيِّده ما أخرجه الشيخان وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه أنَّ النبيَّ وَّه طرقه وفاطمةَ ليلاً، فقال: ((ألا تصليان؟)) فقلتُ: يا رسول الله، إنَّما أنفُسُنا بيدِ الله تعالى إن شاء أن يبعثَنَا بَعَثَنا. فانصرف حين قلتُ ذلك ولم يَرجِع إليَّ شيئاً، ثم سمعتُه يضرب فخذَه ويقول: (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَّلَا)(٣). فإنَّه ظاهرٌ في حمل ((الإنسان)) على العموم، ولا شبهةً في صحَّة الحديث إلا أنَّ فيه إشكالاً يُعرفُ بالتأمُّل، ولا يدفَعُه ما ذكره النوويُّ حيث قال: المختارُ في معناه أنَّهِ وَلِّ تعجَّب من سرعةٍ جوابه، وعدم موافقتِه له على الاعتذارِ بهذا، ولهذا ضرب فخذَه، وقيل: قال وَّل﴿ ذلك تسليماً لعذرِهما وأنَّه لا عتبَ (٤). اهـ. فتأمَّل. (١) في المفردات (جدل). (٢) زاد المسير ٥/ ١٥٧، وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٧٨) من سورة يس. (٣) صحيح البخاري (٧٣٤٧)، وصحيح مسلم (٧٧٥)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢٢٨/٤ . (٤) شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٦٥ . الآية : ٥٥ ٣٩٣ سُوَدَّةُ الكَهْفِ ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ قال ابن عطية وغيره: المرادُ بهم كفَّارُ قريش الذين حُكِيت أباطيلُهم(١). و((ما)) نافية، وزعم بعضُهم - وهو من الغرابة بمكان - أنَّها استفهاميةٌ، أي: أيُّ شيءٍ منعهم. ﴿أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾ أي: من إيمانهم بالله تعالى وتركٍ ما هم فيه من الإشراك ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى﴾ أي: القرآنُ العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه من فنون المعاني الموجبة له، أو: الرسولُ وَّهِ، وإطلاقُ ((الهدى)) على كلٍّ للمبالغة. ﴿وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ﴾ بالتوبة عمَّا فرط منهم من أنواع الذنوب التي من جُملتها مجادَلتُهم الحقَّ بالباطل، وفائدةُ ذكرِ هذا بعد الإيمان التعميمُ على ما قيل. واستدَلَّ به مَن زعم أنَّ الإيمانَ إذا لم ينضمَّ إليه الاستغفارُ لا يجُبُّ ما قبله، وهو خلافُ ما اقتضتْه الظواهرُ. وقال بعضُهم: لاشكَّ أنَّ الإيمانَ مع الاستغفار أكملُ من الإيمان وحدَه، فذُكِر معه لتُفِيدَ الآيةُ ما منعهم من الاتصاف بأكمل ما يُراد منهم. ولا يخفى أنه ليس بشيء. وقيل: ذِكرُ الاستغفار بعد الإيمان لتأكيدِ أنَّ المرادَ منه الإيمانُ الذي لا يشوبه نفاقٌ، فكأنَّه قيل: ما منعهم أن يؤمنوا إيماناً حقيقيًّا. ﴿إِلَّ أَنْ تَأْنِيهُمْ سُنَّهُ الْأَوَِّينَ﴾ وهم مَن أُهلِك من الأمم السالفة، وإضافةُ السُّنَّة إليهم قيل: لكونها جاريةً عليهم، وهي في الحقيقة سنةُ الله تعالى فيهم، والمراد بها الإهلاكُ بعذابِ الاستئصال، وإذا فسِّرت السُّنَّةُ بالهلاك لم تحتَج لِمَا ذكر، و((أنْ)) وما بعدها في تأويل المصدر وهو فاعلُ ((منع))، والكلامُ بتقديرِ مضافٍ، أي: ما منعهم من ذلك إلَّا طلبُ الهلاك في الدنيا. قاله الزجَّاج (٢). وجوَّز صاحبُ ((الغنيان))(٣) تقديرَ: انتظار، أي: ما منعهم إلا انتظارُ الهلاك. وقدَّر الواحديُّ: تقدير، أي: ما منعَهم إلا تقديرُ الله تعالى إتيانَ الهلاك عليهم، (١) المحرر الوجيز ٥٢٥/٢، وتفسير أبي السعود ٢٢٩/٥. (٢) في معاني القرآن ٢٩٦/٣. (٣) في الأصل و(م): الغينان، والتصويب من البحر ١٣٩/٦، والكلام منه. سُوَّرَةُ الكَهْفِّ ٣٩٤ الآية : ٥٥ وقال: إنَّ الآيةَ فيمن قُتل بيدرٍ وأُحُدٍ من المشركين(١). ويأباه بحسب الظاهر كونُ السورة مكيةً إلَّا ما استُني. والداعي لتقدير المضاف أنَّه لو كان المانعُ من إيمانهم واستغفارِهم نفسَ إتيانِ الهلاك كانوا معذورين، وأنَّ عذابَ الآخرةِ المعدَّ للكفارِ المرادَ من قوله تعالى: * منتظرٌ قطعاً، وقيل: لأنَّ زمانَ إتيان العذاب متأخِّرٌ عن ﴿أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ( الزمان الذي اعتُّبِر لإيمانِهم واستغفارِهم، فلا يتأتَّى مانِعِيَّتُه منهما . واعتُرِض تقديرُ الطلبٍ بأنَّ طلبَهم سنةَ الأولين لعدم إيمانهم، وهو لمنعهم عن الإیمان، فلو کان منعُهم للطلب، لزم الدورُ. ودُفِع بأنَّ المرادَ بالطلب سببُه، وهو تعنُّتُهم وعنادُهم الذي جعلَهم طالبين للعذاب بمثل قولهم: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] إلخ. وتُعقِّب بأنَّ فيهم مَن يُنكِر حقيَّةَ الإسلام كما أنَّ فيهم المعاند، ولا يظهر وجهُ كون الطلب ناشئاً عن إنكارِ الحقيَّة، وكذا لا يظهر كونُه ناشئاً عن العناد. واعتُرِض أيضاً بأنَّ عدمَ الإيمان متقدِّمٌ على الطلب مستمرٌّ، فلا يكون الطلب مانعاً . وأجيب بأنَّ المتقدِّمَ على الطلب هو عدمُ الإيمان السابق وليس الطلب بمانعٍ منه، بل هو مانعٌ مما تحقَّق بعدُ. وهو كما ترى. وقيل: المراد من الطلب الطلبُ الصوريُّ اللسانيُّ، لا الحقيقيُّ القلبيُّ، فإنَّ مَن له أدنى عقلٍ لا يطلبُ الهلاكَ والعذابَ طلباً حقيقيًّا قلبيًّا، ومِن الطلب الصوريِّ منشؤُه وما هو دليلٌ عليه وهو تكذيبُ النبيِّ نَّهِ بما أَوْعَدَ به من العذاب والهلاكِ مَن لم يؤمن بالله عزَّ وجلَّ، فكأنه قيل: ما منعهم من الإيمان بالله تعالى الذي أمر به النبيُّ عليه الصلاة والسلام إلا تكذيبُهم إياه بما أَوْعَدَ على تركه. ولا يخلو عن دغدغةٍ . (١) الوسيط ١٥٤/٣. الآية : ٥٥ ٣٩٥ سُوَدَّةُ الكَهْفِ وقيل: الحقُّ أنَّ الآيةَ على تقديرِ الطلب من قولك لمن يعصيك: أنت تريد أن أضربك. وهو على تنزيل الاستحقاق منزلةَ الطلب، فكأنه قيل: ما منعهم من ذلك إلا استحقاقُ الهلاك الدنيويِّ أو العذاب الأخرويِّ. وتُعقِّب بأنَّ عدمَ الإيمان والاتصافَ بالكُفر سببٌ للاستحقاق المذكور فيكون متقدِّماً عليه، ومتى كان الاستحقاقُ مانعاً منه انعكس أمرُ التقدُّم والتأخّرٍ، فيلزم اتصافُ الواحد بالشخص بالتقدُّم والتأخرِ، وأنَّه باطل. وأجيب بمنع كون عدم الإيمان سبباً للاستحقاق في الحقيقة وإنَّما هو سببٌ صوريٌّ، والسبب الحقيقيُّ سوءُ استعداداتِهم وخَبائةُ ماهياتهم في نفس الأمر، وهذا كما أنَّه سببٌ للاستحقاقِ كذلك هو سببٌ للاتصاف بالكفر، وإن شئتَ فقل : هو مانعٌ من الإيمان، ومن هنا قيل: إنَّ المرادَ من الطلب الطلبُ بلسان الاستعداد، وأنَّ مآلَ الآية: ما منعهم من ذلك إلا استعداداتُهم وطلبُ ماهياتهم لضدِه، وذلك لأنَّ طلبَ استعداداتهم للهلاك أو العذاب المترتّب على الضدِّ استعدادٌ للضدِّ وطلبٌ له. وربما يقال بناءً على هذا: إنَّ المفهومَ من الآيات أنَّ الكفارَ لو لم يأتهم رسولٌ ينبِّهُهم من سِنَة الغَفلة يحتجُون لو عُذِّبوا بعدم إتيانه، فيقولون: منَعَنا من الإيمان أنَّه لم يأتِنا رسولٌ. ومآله: منعنا من ذلك الغفلةُ، ولا يجدون من حُجَّة أبلغَ من ذلك وأنفعَ في الخلاص، وأما سوءُ الاستعداد وخبائةُ الذات فبمراحلَ مِن أن يحتجُوا به ويجعلوه مانعاً، فلا بُعدَ في أن يقدَّر الطلبُ ويراد منه ظاهرُه، وتكون الآيةُ من قبيل قوله: ولا عيب فيهم. . البيت(١) والمراد نفْي أن يكونَ لهم مانعٌ من الإيمان والاستغفارِ بعد مجيء الرسول وَيّ يصلُح أن يكونَ حَّةً لهم أصلاً، كأنه قيل: لا مانعَ لهم من أن يؤمنوا أو يستغفروا ربَّهم، ولا حجَّةَ بعد مجيء الرسول الذي بلَّغ ما بلَّغ من الهدى إلا طلب ما أُوعِدوا به من إتيان الهلاك الدنيويِّ أو العذاب الأخرويِّ، وحيث إنَّ ذلك على فرض تحقُّقِه منهم لا يصلُح للمانعيَّة والحجيَّة لم يبقَ مانعٌ وحجَّةٌ عندهم أصلاً. انتهى. (١) قائله النابغة، وقد سلف ٥/ ٤٠٧؛ وتمامه: ولا عيبَ فيهم غير أنَّ سيوفَهم بهنَّ فلولٌ من قِراع الكتائب سُورَةُ الكَهْفِ ٣٩٦ الآية : ٥٥ ولا يخفى أنَّه ـ بعد الإغضاء عمَّا يَرِد عليه - بعيدٌ، وإنكارُ ذلك مكابرةٌ، والأولى تقديرُ: التقدير، وهو مانعٌ بلا شبهةٍ، إلَّا أنَّ القائلين بالاستعداد حسبما تعلم يجعلون منشأَه الاستعدادَ، وفي معناه تقديرُ الإرادة، أي: إرادتُه تعالى، وعليه اقتصر العزّ بن عبد السلام، ودَفَع التنافي بين الحصر المستفادِ من هذه الآية والحصرِ المستفادِ من قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَّعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] بأنَّ الحصرَ الأول في المانع الحقيقيِّ، فإنَّ إرادةَ الله تعالى هي المانعةُ على الحقيقة، والثاني في المانع العاديِّ وهو استغرابُ بعثِ بشرٍ رسولٍ؛ لأنَّ المعنى: وما منع الناسَ أن يؤمنوا إلا استغرابُ ذلك، وقد تقدَّم في الإسراء(١) ما ينفعك في الجمع بين الحصرَيْن، فتذكَّر فما في العهد من قِدَم. وادَّعى الإمام تعدُّدَ الموانع، وأنَّ المرادَ من الآية فقدانُ نوع منها، فقال: قال الأصحابُ: إنَّ العلم بعدَم إيمانِهم مضادٌّ لوجود إيمانهم، فإذا كان ذلك العلمُ قائماً كان المانع قائماً، وأيضاً حصولُ الداعي إلى الكفر قائمٌ، وإلَّا لَمَا حصل؛ لأنَّ حصولَ الفعل الاختياريِّ بدون الداعي محالٌ، ووجودُ الداعي إلى الكفر مانعٌ من حصول الإيمان، فلا بدَّ أن يقالَ: المرادُ فقدانُ الموانع المحسوسة (٢). انتهى، فليتأمَّل فيه . والقُبُل ـ بضمَّتين - جمعُ قبيلٍ، وهو النوعُ، أي: أو يأتيهم العذابُ أنواعاً وألواناً، أو هو بمعنى ((قِبَلاً)) بكسر القاف وفتح الباء كما قَرأ به غيرُ واحد(٣)، أي: عِياناً، فإنَّ أبا عبيدة حكاهما معاً بهذا المعنى (٤)، وأصلُه بمعنى المقابلَة، فإذاً دلَّ على المعاينة. ونصبُه على الحال، فإن كان حالاً من الضمير المفعول فمعناه: مُعاينين، بكسر الياء، أو بفتحِها، أي: معايَنين للناس ليفتضحوا، وإن كان من ((العذاب)) فمعناه: معایناً لهم أو للناس. (١) ينظر ص ١٢٢ من هذا الجزء. (٢) التفسير الكبير ١٤٠/٢١. (٣) هي قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب كما في التيسير ص١٤٤، والنشر ٣١١/٢. (٤) مجاز القرآن ١/ ٤٠٧ . الآية : ٥٦ ٣٩٧ سُورَةُ الكَهْفِ وقرأت طائفة: ((قِبْلاً)) بكسرٍ القاف وسكون الباء، وهو كما في ((البحر))(١) تخفيفُ ((قِبَل)) على لغة تميم. وذكر ابن قتيبة والزمخشريُّ أنَّه قُرِئ: ((قَبَلاً)) بفتحتين(٢)، أي: مستقبلاً. وقرأ أبيُّ بن كعب وابن غزوان عن طلحة: ((قَبِيلاً)) بقاف مفتوحة وباء مكسورةٍ بعدَها ياءٌ ساكنة(٣)، أي: عِياناً ومقابلةً. ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى الأمم متلبِّسين بحالٍ من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ حالَ كونهم ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ للمؤمنين بالثواب ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ للكَفَرة والعُصاة بالعقاب، ولم نرسلهم ليُقترحَ عليهم الآيات بعد ظهور المعجزات ويُعامَلُوا بما لا يليق بشأنهم ﴿وَجَدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ﴾ باقتراح ذلك والسؤالِ عن قصة أصحاب الكهف ونحوها تعثّاً، وقولِهم لهم: ﴿مَآ أَنْتُمْ إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] ﴿وَلَّ شَآءَ اللَّهُ لَأَلَ مَلَبِّكَةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٤] إلى غير ذلك. وتقييدُ الجدال بـ ((الباطل)) لبيان المذموم منه فإنَّه كما مرَّ غيرَ بعيدٍ عامٌّ لغةً، لا خاصٌّ بالباطل ليُحمل ما ذكر على التجريد، والمراد به هنا معناه اللغويُّ، وما يُطلَق عليه اصطلاحاً مما يصدُق عليه ذلك. ﴿لِيُدْحِضُواْ﴾ أي: لِيُزِيلوا ويُبطلوا ﴿بِهِ﴾ أي: بالجدال ﴿اَلْحَقَّ﴾ الذي جاءت به الرسلُ عليهم السلام، وأصلُ الإدحاض: الإزلاقُ، والدحضُ: الطين الذي يُزلَق فيه، قال الشاعر: وَرَدْتُ ونجَّى اليشكريَّ حذارُه وحادَ كما حادَ البعيرُ عن الدخْضِ(٤) وقال آخر: وحِدتَ كما حاد البعيرُ المدحض(٥) أبا منذرٍ رمتَ الوفاء وهبتَه (١) ٦/ ١٣٩. (٢) غريب القرآن ص٢٦٩، والكشاف ٤٨٩/٢. (٣) البحر ١٣٩/٦. (٤) البيت في البحر ١٣٢/٦، وهو في المحرر الوجيز ٥٢٥/٢ بلفظ: نجاؤُه، بدل: حذارُه، ولم ينسباه، وفي تفسير الطبري ٣٠٢/١٥، وجمهرة اللغة ١٢٣/٢، واللسان (دحض) بلفظ: رَدِيتُ، بدل: وردت، ونسبه ابن دريد وابن منظور لطرفة، وهو في ديوانه ص ١٧٢ . (٥) البيت في الزاهر في معاني كلمات الناس لابن الأنباري ٣٣٣/٢، وتفسير القرطبي ٣١٢/١٣، = سُورَةُ الكَهْفِ ٣٩٨ الآية : ٥٧ واستعماله في إزالة الحق قيل: من استعمال ما وضع للمحسوس في المعقول، وقيل: لك أن تقول: فيه تشبيهُ كلامهم بالوَحل المستكره، كقول الخفاجيِّ: ليُزِلِق أقدامَ هَذْي الحُجَجِ(١) أتانا بوحلٍ لأفكارِه ﴿وَأَتَّخَذُوَاْ ءَيَنِى﴾ التي أيَّدتُ بها الرسلَ، سواء كانت قولاً أو فعلاً ﴿وَمَّ أُنْذِرُواْ﴾ أي: والذي أُنذروه من القوارع الناعية عليهم العقابَ والعذابَ، أو: أي: استهزاءً وسخريةً. وقرأ حمزة: ((هُزْأ)) بالسكون ٥٦ إنذارَهم ﴿هُزُوا مهموزاً، وقرأ غيرُه وغير حفص من السبعة بضمَّتَيْنِ مهموزاً (٢)، وهو مصدرٌ وصف به للمبالغة، وقد يؤوَّل بما يُستهزَأُ به. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكِّرَ بِثَايَتِ رَيِّهِ﴾ الأكثرون على أنَّ المرادَ بها القرآنُ العظيم؛ لمكان «أن يفقهوه))، فالإضافةُ للعهد. وجوِّز أن يرادَ بها جنسُ الآيات ويدخل القرآن العظيم دخولاً أوليًّا، والاستفهامُ إنكاريٌّ في قوة النفْي، وحقَّق غيرُ واحد أنَّ المرادَ نفْي أن يساوي أحد في الظلم مَن وُعِظ بآيات الله تعالى ﴿فَأَغْرَضَ عَنْهَا﴾، فلم يتدبَّرها ولم يتعظ بها، ودلالةُ ما ذكر على هذا بطريق الكناية، وبناء الأظلمية على ما في حيِّز الصلة من الإعراض؛ للإشعار بأنَّ ظُلمَ مَن يجادل في الآيات ويتخذُها هزواً خارجٌ عن الحدِّ. ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ﴾ أي: عملَه من الكفر والمعاصي التي من جملتها المجادلةُ بالباطل والاستهزاءُ بالحقِّ، ونسيانُ ذلك كنايةٌ عن عدم التفكّر في عواقبه. والمرادُ من ((مَن)) عند الأكثرين مشركو مكة. وجوِّز أن يكونَ المرادُ منه المتصف بما في حيِّز الصلة كائناً مَن كان، ويدخل فيه مشركو مكة دخولاً أوليًّا، والضميرُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ لهم على الوجهين، ووجه الجمع ظاهرٌ، والجملة استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: ما علَّةُ الإعراض والنسيان؟ فقيل: علتُه = وتاج العروس (دحض) منسوب لطرفة، وهو في ديوانه ص١٧٣ ، ورَوَوْه بلفظ: فهِبْتَه، بدل: وهبته، و: عن الدحض، بدل: المدحض. وهو في البحر ٦/ ١٣٢، والدر المصون ٥١٢/٧، برواية المصنف إلا أن في الدر المصون: فهبتَه. (١) حاشية الشهاب للخفاجي ٦/ ١١٣. (٢) التيسير ص٧٤، والنشر ٢١٥/٢-٢١٦. وقرأ حفص بضمِّ الزاي وإبدالِ الهمزة واواً. الآية : ٥٧ ٣٩٩ سُوَرَّةُ الكَهْفِ أنَّا جعلنا على قلوبهم ﴿أَكِنَّةٌ﴾ أي: أغطيةً، جمعُ: كنانٍ، والتنوينُ - على ما يشيرُ إليه كلامُ البعض - للتكثير. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ الضميرُ المنصوب عند الأكثرین للآيات، وتذكيرُه وإفرادُه باعتبار المعنى المرادِ منها وهو القرآن. وجوِّز أن يكونَ للقرآن لا باعتبار أنه المرادُ من الآيات. وفي الكلام حذفٌ، والتقديرُ: كراهة أن يفقهوه. وقيل: لئلا يفقهوه، أي: فقهاً نافعاً . ﴿وَفِّ ◌َاذَانِهِمْ﴾ أي: وجعلنا فيها ﴿وَقْرًا﴾ أي: ثِقَلاً أن يسمعوه سماعاً كذلك ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىْ فَلَنْ بَهَنَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا (®﴾ أي: مدَّةَ التكليف كلّها، و((إذاً)) جزاءٌ وجوابٌ كما حقِّق المرادُ منه في موضعه، فتدلُّ على نفْي اهتدائهم لدعوة الرسول وَ﴿ بمعنى أنَّهم جعلوا ما يجب أن يكونَ سبب وجودِ الاهتداء سبباً في انتفائه، وعلى أنَّه جوابٌ للرسول عليه الصلاة والسلام على تقدير قوله وَّير: مالي لا أدعوهم؟ حرصاً على اهتدائهم - وإن ذُكر له وَّر من أمرهم ما ذُكر - رجاءَ أن تنكشفَ تلك الأكثَّة وتمزَّق بيد الدعوة، فقيل: ((وإن تدعهم)) إلخ. قاله الزمخشري(١). وفي ((الكشف)) في بيانِ ذلك: أما الدلالةُ فصريحُ تخلُّلِ ((إذاً)) يدلُّ على ذلك؛ لأنَّ المعنى: إذاً لو دعوتَ، وهو من التعكيس بلا تعسُّفٍ، وأما أنَّه جوابٌ على الوجه المذكور فمعناه أنَّه وَلَّ نزِّل منزلةَ السائل مبالغةً في عدم الاهتداء المرتَب على كونهم مطبوعاً على قلوبهم، فلا ينافي ما آثروه من أنه على تقديرِ سؤالٍ: لِمَ لَمْ يهتدوا؟ فإنَّ السؤالَ على هذا الوجه أوقع. اهـ. وهو كلامٌ نفيس، به ينكشف الغطا، ويُؤمَن من تقليد الخَطَا، ويستغني به المتأمِّلُ عما قيل: إنَّ تقديرَ: ما لي لا أدعوهم؟ يقتضي المنعَ من دعوتهم، فكأنه أُخِذ من مثلٍ قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَنَ عَن ذِكْنَا﴾ [النجم: ٢٩] وقيل: أُخِذ من قوله تعالى: (عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ). وقيل: من قوله سبحانه: (وَإِن تَدْعُهُمْ). (١) في الكشاف ٤٨٩/٢. سُوَّةُ الكَهْفِّ ٤٠٠ الآية : ٥٨ هذا، ولا يخفى عليك المرادُ من ((الهدى))، وقد يُراد منه القرآنُ، فيكون من إقامة الظاهر مقامَ الضمير، ولعلَّ إرادةَ ذلك هنا ترجِّح إرادة القرآن في ((الهدى)) السابق، والله تعالى أعلم. والآية في أناسٍ عَلِم الله تعالى موافاتَهم على الكفر من مشركي مكة حين نزولها، فلا ينافي الإخبارَ بالطبع، وأنَّهم لا يؤمنون تحقيقاً ولا تقليداً إيمانَ بعض المشركين بعد النزول. واحتمالُ أنَّ المرادَ جميعُ المشركين على معنى: وإن تدعهم إلى الهدى جميعاً فلن يهتدوا جميعاً، وإنما يهتدي بعضُهم = كما ترى. واستدلَّت الجبريَّةُ بهذه الآية على مذهبهم، والقدريَّةُ بالآية التي قبلها، قال الإمام: وقلَّ ما تجد في القرآن آيةً لأحدٍ هذين الفريقين إلا ومعها آيةٌ للفريق الآخَر، وما ذاك إلا امتحانٌ شديدٌ مِن الله تعالى ألقاه الله تعالى على عباده ليتميَّزَ العلماءُ الراسخون من المقلِّدين(١). ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، وقولُه تعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ - أي: صاحبُها، والموصوفُ بها - خبرٌ بعد خبر، قال الإمام: وإنما ذُكر لفظُ المبالغة في المغفرة دونَ الرحمة؛ لأنَّ المغفرةَ تركُ الإضرار والرحمةَ إيصال النفع، وقدرُ الله تعالى تتعلَّقُ بالأول؛ لأنَّه تركُ مضارٍّ لا نهايةَ لها، ولا تتعلَّق بالثاني لأنَّ فعلَ ما لا نهايةَ له محالٌ(٢). وتعقّبه النيسابوريُّ بأنَّه فرقٌ دقيقٌ لو ساعده النقلُ، على أنَّ قولَه تعالى: ((ذو الرحمة)) لا يخلو عن مبالغةٍ، وفي القرآن ((غفورٌ رحيمٌ)) بالمبالغة في الجانبَيْنِ كثيراً، وفي تعلُّق القدرة بترك غير المتناهي نظرٌ؛ لأنَّ مقدوراته تعالى متناهيةٌ لا فرق بين المتروك وغيره(٣). اهـ. وقيل عليه: إنَّهم فسَّروا ((الغفَّار)) بمُريدِ إزالة العقوبة عن مستحقٌّها، و((الرحيمَ)) بُمريدِ الإنعام على الخَلْقِ، وقصدُ المبالغة من جهةٍ في مقامٍ لا ينافي تركَها في آخرَ (١) التفسير الكبير ١٤٢/٢١. (٢) المصدر السابق. (٣) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ١٤٤/١٥.