Indexed OCR Text

Pages 301-320

التفسير الإشاري (١-٢٧)
٣٠١
سُوَدَّةُ الكَهْفِت
ومن الناس مَن خصَّ الكلماتِ بمواعيده تعالى لعباده الموحِّدين، فكأنَّه قيل:
اتلُ ما أُوحِي إليك ولا تبالِ بالكَفَرة المعاندين، فإنَّه قد تضمَّن من وعد الموحِّدين
ما تضمَّن، ولا مبدِّلَ لذلك الوعد، ومالُه: اتلُ ولا تبال، فإنَّ اللهَ تعالى ناصرُك
وناصرُ أصحابِك. وهو كما ترى وإنْ كان أشدَّ مناسبةً لما بعدُ.
والضميرُ - على ما يظهر من ((مَجمَع البيان))(١) - للكتاب، ويجوز أن يكونَ
للربِّ تعالى، كما هو الظاهرُ في الضمير في قوله سبحانه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِ،
﴾ أي: ملجأَ تعدل إليه عند إِلمام مُلمَّة. وقال الإِمامُ: في البيان
والإِرشاد(٢)، وأصلُه من الالتحادِ بمعنى الميل. وجوَّز الراغب(٣) فيه أن يكونَ
اسمَ مكان، وأن يكونَ مصدراً. وفسَّره ابنُ عباسٍ ◌ّ هنا بالمدخل في الأرض،
وأَنشد عليه - حين سأله نافعُ بن الأرزقِ - قولَ خصيبٍ الضَّمري:
عني وما عن قضاءِ اللهِ ملتحدُ(٤)
يا لهفَ نفسي ولهفٌ غيرُ مُجدیةٍ
ولا داعيَ فيه لتفسيره بالمدخل في الأرض ليُلتجأَ إليه.
ثمَّ إذا كان المعنيُّ بالخطاب سيِّدَ المخاطَبين ◌َِّ، فالكلامُ مبنيٌّ على الفرْض
والتقدير؛ إذ هو عليه الصلاة والسلام بل خلَّصُ أمَّتِه لا تحدِّثهم أنفسُهم بطلب ملجأٍ
غيره تعالى، نسأله سبحانه أن يجعلَنا ممَّن التجأ إليه، وعوَّل في جميع أمورِه عليه،
فكفاه جلَّ وعلا ما أهمَّه، وكشف عنه غياهبَ كلِّ غُمَّه.
هذا ومن باب الإِشارة في الآيات: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ قد
تقدَّم أنَّ مقامَ العبوديةِ لا يُشابهه مقامٌ ولا يدانيه، ونبيُّنَا بَّهُ في أَعلى مراقيه. وقد
ذُكِرِ أنَّ العبدَ الحقيقيَّ مَن كان حرًّا عن الكونَين، وليس ذاك إلَّ سيِّدُهما ◌َِّهِ.
(١) ١٤٧/١٥.
(٢) أي: ولن تجد من دونه ملتحداً في البيان والإرشاد. تفسير الرازي ١١٤/٢١.
(٣) في المفردات (لحد).
(٤) أخرجه ابن الأنباري في الوقف والابتداء ١/ ٩٠.

سُوَّةُ الكَهْفِم
٣٠٢
التفسير الإشاري (١-٢٧)
﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ، ◌ِوَجَاٌ ﴿ قَبِّمًا﴾ قد تقدَّم في التفسير أنَّ الضميرَ المجرورَ عائدٌ على
(الكتاب))، وجَعَله بعضُ أهلِ التأويلِ عائداً على («عبده))، أي: لم يجعلْ له عليه
الصلاة والسلام انحرافاً عن جنابِه وميلاً إلى ما سواه، وجَعَله مستقيماً في عبوديَّته
سبحانه، وجَعَلَ الأمرَ في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] أمرَ تكوين.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن ◌َّكُنْهُ﴾ وهو بأسُ الحجاب، والبُعدِ عن الجناب، وذلك
أشدُّ العذاب ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ اُلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَِّحَتِ﴾ وهي الأعمالُ التي أُريد بها وجهُ اللهِ
تعالى لا غير. وقيل: العملُ الصالح: التبرِّي من الوجودِ بوجود الحقِّ ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا
حَسَنًا﴾ وهي رؤيةُ المولى ومشاهدةُ الحقِّ بلا حجاب.
﴿فَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا﴾ فيه إشارةٌ إلى
مزيد شفقتِهِ وَّ﴿ واهتمامِه وحرصِه على موافقة المخالفين وانتظامِهم في سِلك
الموافقين.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾ من الأنهار والأشجارِ والجبالِ والمعادنِ والحَيَوانات
﴿زِينَّهُ لَّا﴾ أي: لأَهلها ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فيجعل ذلك مرآةً لمشاهدة
أنوارٍ جلالِه وجمالِه سبحانه عزَّ وجلّ. وقال ابنُ عطاء: حسنُ العمل: الإعراضُ
عن الكلّ. وقال الجنيد: حُسنُ العمل: اتِّخاذُ ذلك عِبرةً وعدمُ الاشتغالٍ به. وقال
بعضُهم: أهلُ المعرفةِ بالله تعالى والمحبَّةِ له هم زينةُ الأرض، وحسنُ العملِ: النظرُ
إليهم بالحُرمة.
﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا﴾ كناية عن ظهور فَناءِ ذلك بظهور الوجودِ
الحقَّاني والقيامةِ الكبرى.
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّفِيِ كَانُواْ مِنْ ءَايَئِنَا ◌َبًا﴾ قال الجنيدُ قدَّس اللهُ
سرَّه: أي: لا تتعجَّبْ منهم، فشأنُك أعجبُ من شأنهم، حیث أَسری بك ليلاً من
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وبلغ بك سِدرةَ المنتهَى، وكنتَ في القُرب
كقابٍ قوسين أو أدنى، ثم ردَّك قبل انقضاءِ الليلِ إلى مضجعك.
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ قيل: هم فتيانُ المعرفةِ الذين جُبلوا على سجيَّة
الفُتُوَّة، وفتؤَّتُهم إعراضُهم عن غير اللهِ تعالى، فأَوَوا إلى كهف الخلوةِ به سبحانه

التفسير الإشاري (١-٢٧)
٣٠٣
سُورَةُ الكَهْفِ
﴿فَقَالُواْ﴾ حين استقاموا في منازل الأُنس، ومشاهدِ القدس، وهيَّجهم ما ذاقوا إلى
طلب الزِّيادة، والترقِّي في مراقي السَّعادة: ﴿رَبََّآَ ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَيْمَةٌ﴾ معرفةً كاملةً،
وتوحيداً عزيزاً ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ بالوصول إليك، والفناءٍ فيك.
﴿فَضَرَبْنَا عَلَىْ ءَاذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ كناية عن جعلهم مستغرقين فيه
سبحانه، فانين به تعالى عمَّا سِواه ﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ أَى الْخِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِنُواْ أَمَدًا﴾
إشارةٌ إلى ردِّهم إلى الصَّحو بعد السُّكر، والبقاءِ بعد الفناء. ويقال أيضاً: هو إشارةٌ
إلى الجَلوةِ بعد الخَلوة. وهما قولانٍ متقاربان.
﴿َّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَهُم بِالْحَقّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَيِّهِمْ﴾ الإِيمانَ العلمِيَّ ﴿وَزِدْنَهُمْ
هُدَى﴾ بأَنْ أَحضرناهم وكاشفناهم ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ سكَّناها عن التزلزُل
بما أَسكنًا فيها من اليقين، فلم يسنحْ فيها هواجسُ التخمين، ولا وساوسُ
الشياطين. ويقال أيضاً: رفعناها من حضيض التلوينٍ إلى أَوج التمكين.
﴿إِذْ قَامُوا﴾ بنا لنا ﴿فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ مالكُ أمرِهما ومدبِّرُهما،
فلا قيامَ لهما إلَّا بوجوده، المفاضٍ من بحار جودِهِ ﴿لَن نَّدْعُوَا مِن دُونِهِ، إِلَهًا﴾ إذ
ما من شيءٍ إلَّا وهو محتاجٌ إليه سبحانه، فلا يصلحُ لأن يُدعَى ﴿لَّغَدْ قُلْنَآ إِذَا
شَطَطًا﴾ كلاماً بعيداً عن الحقّ، مُفرِطاً في الظلم.
واستدلَّ بعضُ المشايخِ بهذه الآيةِ على أنَّه ينبغي للسالكين إذا أرادوا الذِّكرَ
وتحلَّقوا له أنْ يقوموا فيذكروا قائمين. قال ابنُ الفَرس(١): وهو استدلالٌ ضعيف،
لا يقوم به المدَّعى على ساقٍ.
وأنت تعلم أنَّه لا بأسَ بالقيام والذِّكر، لكن لا على ما يفعله المتشيِّخون اليوم؛
فإنَّ ذلك لم يكن في أمَّةٍ من الأُمم، ولم يجىء في شريعة نبيِّنا وََّ، بل لَعَمري إنَّ
تلك الحِلَقَ حبائلُ الشيطان، وذلك القيامُ قعودٌ في بُحبوحة الخذلان.
﴿وَإِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: وإذ خرجتم عن صُحبة أهلٍ
الهوى، وأَعرضتم عن السِّوى ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ فاخلُوا بمحبوبكم ﴿يَنْشُرْ لَكُرُ
(١) في (م): الغرس، ولم تجوَّد في الأصل، والمثبت من الإكليل للسيوطي ص ١٧٠، وعنه
نقل المصنف.

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٣٠٤
التفسير الإشاري (١-٢٧)
رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ مطويٌّ معرفتِهِ ﴿وَيُّهَبِىْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ ما تنتفعون به من أَنوار
تجلِّياته، ولطائفٍ مشاهداتِه.
قال بعضُ العارفين: العزلةُ عن غير اللهِ تعالى توجب الوُصلةَ بالله عزَّ وجلّ، بل
لا تحصل الوُصلةُ إلَّا بعدَ العزلة، أَلا ترى كيف كان رسولُ اللهِ و ◌َل﴿ يتحنَّث بغار
حراء حتى جاءه الوحيُّ وهو فيه؟
﴿وَتَرَى الشَمْسَ إِذَا طَلَعَت تَزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت ◌َّقْرِضُهُمْ ذَاتَ
الشِّمَالِ وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ لئلا يكثرَ الضوءُ في الكهف، فيقلَّ معه الحضور، فقد
ذكروا أنَّ الظلمةَ تُعين على الفِكر وجمعِ الحواسّ، ومن هنا ترى أهلَ الخلوةِ
يختارون لخلوتهم مكاناً قليلَ الضِّياء، ومع هذا يُغمضون أَعينَهم عند المراقبة.
وفي ((أسرار القرآن)) أنَّ في الآية إشارةً إلى أنَّ اللهَ تعالى حَفِظهم عن الاحتراق
في السُّبُحات، فجعل شمسَ الكبرياءِ تَزَاور عن كهف قُربِهِم ذاتَ يمينِ الأزلِ وذاتَ
شِمال الأبد، وهم في فجوةٍ وصالٍ مشاهدةِ الجمال والجلال، محروسون
محفوظون عن قَهر سلطانِ صرفِ الذَّات الأزليةِ التي تتلاشى الأَكوانُ في أوَّل بوادي
إشراقِها .
وفي الحديث(١): ((حجابُه النُّور، لو كشفه لأَحرقت سُبُحاتُ وجهه كلَّ شيءٍ
أُدرکه بصره».
وقيلَ في تأويله: إنَّ شمسَ الرُّوح أو المعرفة والولاية، إذا طلعت من أُفق
الهداية، وأَشرقت في سماءِ الواردات، وهي حالةُ السُّكر وغَلَبةِ الوجد، لا تنصرفُ
في خَلْوتهم إلى أمرٍ يتعلَّق بالعُقبَى، وهو جانبُ اليمين، وإذا غربت، أي: سكنت
تلك الغَلَبةُ وظهرت حالةُ الصَّحو، لا تلتفتِ هِمَمُ أرواحِهم إلى أمرٍ يتعلَّق بالدنيا،
وهو جانبُ الشِّمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى، وهم في فراغٍ عمَّا
يشغلهم عن الله تعالى.
وذُكر أنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ نورَ ولايتهم يغلب نورَ الشمسِ ويردُّه عن الكهف،
كما يغلب نورُ المؤمنِ نار جهنم. وليس هذا بشيءٍ وإنْ رُوي عن ابنِ عطاء.
(١) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﴿ه، وسلف ١٣٢/١.

التفسير الإشاري (١-٢٧)
٣٠٥
سُورَةُ الكَهْفِ
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِ﴾ الذي رُفعت عنه الحُجُبُ ففاز بما فاز ﴿وَمَن يُضْلِلْ
فَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ لأنَّه لا يَخذُله سبحانه إلَّ لسوء استعدادِه، ومتى فُقد
الاستعدادُ تعذّر الإِرشاد.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُفُوٌ﴾ إشارةٌ إلى أنَّهم مع الخلق بأَبدانهم، ومع الحقِّ
بأرواحهم. وقال ابنُ عطاء: هم مقيمون في الحضرة كالثَّومَى، لا علمَ لهم بزمانٍ
ولا مكان، أحياءٌ موتى، صرعَى مُفيقون، نومَى منتبهونَ.
﴿وَنُقِلِيُهُمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِمَالِ﴾ أي: ننقلُهم من عالَمٍ إلى عالَم. وقال ابنُ
عطاء: نقلِّهم في حالتَي القبضٍ والبسط، والجمع والفرق. وقال آخر: نقلِّبهم بين
الفناءِ والبقاء، والكشفِ والاحتجاب، والتجلّي وَالاستتار. وقيل: في الآية إشارةٌ
إلى أنَّهم في التسليم كالميِّت في يد الغاسل.
﴿وَكَلْبُهُم بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال أبو بكرِ الورَّاق: مجالسةُ الصالحين
ومجاورتُهم غنيمةٌ وإن اختلف الجنس، أَلَا ترى كيف ذكر اللهُ سبحانه كلبَ
أصحاب الكهفِ معهم لمجاورته إيّاهم.
وقيل: أُشير بالآية إلى أنَّ كلاب نفوسِهم نائمةٌ معظّلة عن الأعمال.
وقيل: يمكن أن يرادَ أنَّ نفوسَهم صارت بحيث تُطيعهم جميعَ الأحوالِ
وتحرُسهم عما يَضُّهم.
﴿لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لو اطّلعتَ من حيث أنت على ما ألبسْتُهم من لباس
قهرِ ربوبيَّتي وسَطَواتِ عَظَمتي ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: من رؤيةِ ما عليهم من هَيبتي
وعَظَمتي ﴿فِرَارًا وَلَمُلِّثْتَ مِنْهُمْ رُهْبًا﴾ كما فرَّ موسى كليمي من رؤيةِ عصاه حين قلبتُها
حيَّةً وأَلبستُها ثوباً من عَظَمتي وهَيبتي، وهذا الفرارُ حقيقةً منَّا؛ لأنَّه مِن عظمتنا
الظاهرةِ في هاتيكَ المرآة. كذا قرَّره غيرُ واحد، ورُوي عن جعفر الصادقِ قُته.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَتْنَهُمْ﴾ رددناهم إلى الصَّحو بعد السُّكر ﴿لِتَسَآءَلُواْ بَيْنَهُمَّ قَالَ قَآئِلٌ
مِنْهُمْ كَمْ لِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْرٍّ﴾ لأنَّهم كانوا مستغرقين لا يَعرفون اليومَ
من الأَمس، ولا يميِّزون القمرَ من الشمس. وقيل: إنَّهم استقلُّوا أيامَ الوِصال،
وهكذا شأنُ عشّاقِ الجمال، فسَنَة الوصل في سُنَّتهم سِنَة، وسِنَةُ الهجرِ سَنَة.

سُؤَدَّةُ الكَهْفِظَ
٣٠٦
التفسير الإشاري (١-٢٧)
ويقال: مقامُ المحبِّ مع الحبيبِ وإنْ طالَ قصير، وزمانُ الاجتماعِ وإِنْ كَثُرَ يسير؛
إذ لا يُقضَى من الحبيب وَطَرَ، وإنْ فَنِي الدهرُ ومَرَّ، ولا يكاد يَعدُّ المحبُّ الليال،
إذا كان قريرَ العينِ بالوصال، كما قيل:
أَعدُّ اللياليْ ليلةً بعدَ ليلةٍ
وقد عِشتُ دهراً لا أَعدُّ اللياليا(١)
ثم إنَّهم لمَّا رجعوا من السُّكر إلى الصَّحو، ومن الرُّوحانية إلى البشرية، طلبوا
ما يعيشُ به الإِنسان، واستعملوا حقائقَ الطريقة، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ
أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِةٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَنَّا أَذَكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَطَّفْ﴾
والإشارةُ فيه أوَّلاً إلى أنَّ اللائقَ بطالبي اللهِ تعالى تركُ السؤال، ويُرَدُّ به على
المتشيِّخين الذين دِينُهم ودَيدنُهم السؤال، وليتَه كان من الحلال.
وثانياً: إلى أنَّ اللائقَ بهم ألَّ يختصَّ أحدُهم بشيءٍ دونَ صاحبه، أَلا ترى
كيف قال قائلُهم: ﴿بَوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ فأضاف الوَرِقَ إليهم جملةً، وقد
كان - فيما يروى - فيهم الرَّاعي ولعلَّه لم يكن له وَرِق.
وثالثاً: إلى أنَّ اللائقَ بهم استعمالُ الورع، أَلا ترى كيف طلب القائلُ الأزكى،
وهو - على ما في بعض الرِّوايات - الأَحلّ؛ ولذلك قال ذو التُّون: العارفُ مَن
لا يُطفئُ نورُ معرفتِهِ نورَ ورِه. والعجبُ أنَّ رجلاً من المتشيِّخين كان يأخذُ من
بعض الظّلَمةِ دنانيرَ مقطوعاً بحُرمتها، فقيل له في ذلك، فقال: نعم هي جَمَرات،
ولكن تُطفئ حرارةَ جوعِ السالكين، ومع هذا وأمثالِهِ له اليومَ مرقدٌ يطوف به مَن
يزور، وتوقَد عليه السُّرج وتنذر له النُّذور.
ورابعاً: إلى أنَّه ينبغي لهم التواصي بحُسن الخُلق، وجميلِ الرِّفق، أَلا ترى
كيف قال قائلُهم: ((وليتلطف)) بناءً على أنَّه أمرٌ بحسن المعاملةِ مع مَن يشتري منه.
وقال بعضُ أهلِ التأويل: إنَّه أمرٌ باختيار اللطيفِ من الطّعام؛ لأنَّهم لم يأكلوا
مدَّة، فالكثيفُ يضرُّ بأجسامهم. وقيل: أَرادوا اللطيفَ لأنَّ أرواحَهم من عالَم
القُدس، ولا يناسبها إلَّا اللُّطف، وعن يوسفَ بنِ الحسين(٢) أنَّه كان يقول: إذا
(١) قائله مجنون ليلى، وهو في دیوانه ص٢٩٤ .
(٢) هو أبو يعقوب يوسف بن الحسين الرازي، الإمام العارف، شيخ الصوفية. أخذ عن ذي
=

التفسير الإشاري (١-٢٧)
٣٠٧
سُورَةُ الكَهْف
اشتريتَ لأَهل المعرفةِ شيئاً من الطعام، فليكن لطيفاً، وإذا اشتريتَ للزُّهَّاد والعبَّاد،
فاشترٍ كلَّ ما تَجِد، لأنَّهم بعدُ في تذليل أنفسِهم. وقال بعضُهم: طعامُ أهلِ
المجاهداتِ وأصحاب الرِّياضات ولباسهم الخَشِنُ من المأكولاتِ والملبوسات،
والذي بلغ المعرفةَ فلا يوافقه إلَّ كلُّ لطيف. ويُروَى عن الشيخ عبد القادر الكيلانيِّ
قدَّس اللهُ سرَّه أنَّه كان في آخر أمرِهِ يلبَس ناعماً ويأكل لطيفاً.
وعندي أنَّ التزامَ ذلك يُخلُّ بالكمال، وما يُروَى عن الشيخ قدِّس سرُّه وأمثاله
إن صحَّ يحتمل أن يكونَ أمراً اتفاقيًّا، وعلى فرض أنَّه كان عن التزام، يحتمل أنَّه
كان لغرضٍ شرعيّ، وإلا فهو خلافُ المأثورِ عن النبيِّ وَّ، وعن كبار
أصحابِهِ ◌ِّ، فقد بيِّن في الكتب الصحيحةِ حالُهم في المأكلِ والملبس، وليس
فيها ما يؤيِّد كلامَ يوسفَ بنِ الحسين وأضرابِهِ، والله تعالى أعلم.
﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ أي: من الأغيارِ المحجوبين عن مطالعة الأنوار
والوقوفِ على الأسرار.
﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ بأحجار الإنكار ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَتِهِمْ﴾
التي اجتمعوا عليها ولم يُنزِل الله تعالى بها من سلطان، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا﴾ لأنَّ
الكفرَ حينئذٍ يكون كالكفر الإبلیسيِّ.
﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّا أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ إرشادٌ إلى محض
التجريد والتفريد، ويُحكى عن بعض كبار الصوفية أنَّه أَمَرَ بعضَ تلامذته بفعل شيء،
فقال: أفعله إن شاء الله تعالى. فقال له الشيخ بالفارسية ما معناه: يا مجنون، فإذاً مَن
أنت؟! والآية تأبى هذا الكلامَ غايةَ الإباء، وفيه على مذهب أهل الوحدة أيضاً ما فيه.
وقيل: الآيةُ نهيٌّ عن أن يخبرِ وَّهَ عنِ الحقِّ بدون إذن الحقِّ سبحانه. ففيه
إرشادٌ للمشايخ إلى أنه لا ينبغي لهم التكلَّم بالحقائق بدون الإذن، ولهم أماراتٌ
للإذن يعرفونها .
﴿وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قيل: أي: إذا نسيتَ الكونَ بأَسْره حتى نفسَك، فإنَّ
= النون المصري وأحمد بن حنبل وغيرهما. من كلامه: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص
فاعلم أنه لا يجيء منه شيء. مات سنة (٣٠٤ هـ). السير ٢٤٨/١٤.

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٣٠٨
التفسير الإشاري (١-٢٧)
الذكر لا يصفو إلا حينئذٍ. وقيل: إذا نسيتَ الذكر، ومن هنا قال الجنيد قُدِّس سرُّه:
حقيقةُ الذكر الفناءُ بالمذكور عن الذكر. وقال قُدِّس سِرُّه في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ
عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: إنَّ فوق الذكر منزلةً هي أقرب منزلةً من
الذكر وهي تجديد النعوت بذكره سبحانه لك قبل أن تذكره جلَّ وعلا .
﴿وَلَيِئُوْ فِ كَهْفِرْ ثَثَ مِاْتَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ نِشْعًا﴾ زعم بعضُ أهل التأويل أنَّ
مجموعَ ذلك خمس وعشرون سنة، واعتبر السنةَ التي في الآية شهراً، وهو زعمٌ
لا داعي إليه إلا ضعفُ الدين ومخالفةُ جماعة المسلمين، وإلا فأيُّ ضررٍ في إبقاء
ذلك على ظاهره وهو أمرٌ ممكنٌ أخبر به الصادق، ومما يدلُّ على إمكان هذا اللبث
أنَّ أبا عليّ ابن سينا ذكر في باب الزمان من ((الشفاء)) أنَّ أرسطو ذكر أنَّه عُرضَ
لقوم من المتألِّهين حالةٌ شبيهةٌ بحالة أصحاب الكهف. قال أبو عليٍّ: ويدلُّ التاريخ
علی أنَّهم قبل أصحاب الكهف. انتهى.
وفي الآية - على ما قيل - إشارةٌ إلى أنَّ المريدَ الذي يربِيه الله سبحانه بلا واسطة
المشايخ يصل في مدَّةٍ مديدةٍ وسنين عديدة، والذي يربِّيه جل جلاله بواسطتهم يتمُّ
أمرُه في أربعينيات، وقد يتمُّ في أيام معدودات. وأنا أقول: لا حجرَ على الله
سبحانه، وقد أوصل جلَّ وعلا كثيراً منّ عباده بلا واسطة في سُويعاتٍ.
ولَهُ﴾ تعالى شأنه ﴿غَيْبُ السَّمَوَتِ﴾ عالم العلوِّ ﴿وَالْأَرْضِّ﴾ عالم السفلِ،
ولا يخفى أنَّ عنوان الغيبية إنما هو بالنسبة إلى المخلوقين، وإلا فلا غيبَ بالنسبة
إليه جلَّ جلاله، ومن هنا قال بعضهم: إنه سبحانه لا يعلم الغيبَ بمعنى أنَّه لا غيبَ
بالنسبة إليه تعالى ليتعلَّق به العلمُ. لكن أنت تعلم أنه لا يجوز التكلُّم بمثل هذا
الكلام - وإن أوّل بما أُوِّل - لِمَا فيه ظاهراً من مصادمة الآيات. وإلى الله تعالى
نشكو أقواماً ألغزوا الحقَّ وفتنوا بذلك الخلقَ.
﴿أَبْصِرْ بِهِ. وَأَسْمِعْ﴾ أي: ما أبصره تعالى وما أسمعه؛ لأنَّ صفاتِهِ عينُ ذاتِه،
﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ﴾ إذ لا فعلَ لأحدٍ سواه تعالى ﴿وَلَا يُشْرِدُ فِی مُكْمِهِ.
أَحَدًا ﴾﴾ لكمال قدرته سبحانه وعَجْز غيرِه عزَّ شأنه. هذا، والله تعالى الهادي
إلى سواء السبيل.

الآية : ٢٨
٣٠٩
سُورَةُ الگھْفِ
﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أي: احبِسْها وثَبِّتْها، يقال: صَبَرتُ زيداً، أي: حَبَستُه، وفي
الحديث النهيُ عن صبرِ الحيوان (١)، أي: حبسِه للرمي، واستعمالُ ذلك في الثبات
على الأمر وتحمُّلِه توسُّعٌ، ومنه الصبر بمعناه المعروف، ولم يُجْعل هذا منه لتعدِّي
هذا ولزومِه.
﴿مَعَ الَّذِينَ﴾ أي: مصاحبةً مع الذين ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِلْغَدَوَةِ وَالْمَشِ﴾ أي:
يعبدونه دائماً، وشاع استعمالُ مثلِ هذه العبارة للدوام، وهي نظيرُ قولِهم: ضَرَب
زيدٌ الظهرَ والبطنَ، یریدون به ضربَ جمیع بدنه.
وأبقى غيرُ واحدٍ الغداةَ والعشيَّ على ظاهرِهما، ولم يُرِد عمومَ الأوقات،
أي: يعبدونه في طَرَفَي النهار، وخُصَّا بالذكر؛ لأنَّهما محلُّ الغفلةِ والاشتغالِ
بالأمور.
والمرادُ بتلك العبادة قيل: ذكرُ الله تعالى، ورُوي ذلك من طريق مُغيرة عن
إبراهيم. وقيل: قراءةُ القرآن، ورُوي ذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عديٍّ بن
الخيار(٢). وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن جبير أنَّ المرادَ بها المفاوضةُ في
الحلال والحرام (٣).
وعن ابن عمر ومجاهد: هي شهودُ الصلوات الخمس. وعن قتادة: شهودُ
صلاة الصبح والعصر (٤). وفيما تقدَّم ما يؤيِّد ثاني الأقوال، وفيما بعدُ ما يؤيِّد
ظاهرُه أولَها، فتدبّر جِدًّا .
والمراد بالموصول فقراء الصحابة: عمار وصهيب وسلمان وابن مسعود وبلال
وأضرابُهم؛ قال كفَّارُ قريش كأميَّة بن خَلَف وغيره من صناديدٍ أهل مكة: لو أبعدتَ
هؤلاء عن نفسك لجالَسْناك، فإنَّ ريحَ جِبابِهِم تُؤذينا. فنزلت الآية(٥).
(١) أخرجه مسلم (١٩٥٦)، وابن ماجه (٣١٨٦) عن أنس بن مالك رضي
(٢) قول إبراهيم وعبيد الله عزاهما السيوطيُّ في الدر ٤/ ٢٢٠ لابن أبي حاتم.
(٣) عزاه للحكيم الترمذي السيوطيُّ في الدر ٢٢٠/٤ .
(٤) النكت والعيون ٣٠١/٣، والمحرر الوجيز ٥١٢/٣، وقول ابن عمر أخرجه الطبري
٩/ ٢٦٥.
(٥) تفسير ابن أبي حاتم ١٢٩٨/٤، وأسباب النزول للواحدي ص٢١٣، وللسيوطي ص٢٤١.

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٣١٠
الآية : ٢٨
وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم في ((الحلية))، والبيهقيُّ في ((شعب الإيمان))،
عن سلمان قال: جاءت المؤلّفَةُ قلوبُهم إلى رسول الله وَّه عيينةُ بن بدر والأقرعُ بن
حابسٍ فقالوا: يا رسول الله، لو جلستَ في صدر المجلس، وتغيَّبْتَ عن هؤلاءٍ
وأرواحٍ جبابهم - يعنون سلمان وأبا ذرِّ وفقراءَ المسلمين، وكانت عليهم جِبابُ
الصوف - جالسْناك أو حدَّثْناك وأخذْنا عنك. فأنزل الله تعالى (وَأَتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن
كِتَابٍ رَيِّكْ) إلى قوله سبحانه: (أَعْتَدْنَا لِلِّمِنَ نَارًا) يتهدَّدهم بالنار(١).
ورَوى أبو الشيخ عن سلمان أنَّها لمَّا نزلت قام رسول الله عليه الصلاة والسلام
يلتمِسُهم، حتى أصابهم في مؤشّر المسجد يذكرون الله تعالى، فقال: ((الحمد لله
الذي لم يُمِثْني حتى أَمَرني أن أصْبِرَ نفسي مع رجالٍ من أمتي، معكم الحياةُ
والمماتُ))(٢).
والآية على هذا مدنية، وعلى الأول مكية، قال أبو حيان(٣): وهو أصحُّ؛ لأنَّ
السورةَ مکیةٌ.
وأقول: أكثرُ الروايات تؤيِّد الثاني، وعليه تكون الآيات مستثناةً من حكم
السورة، وكم مثل ذلك، وقد أخرج ما يؤيِّد الأولَ ابنُ مردويه من طريق جويبر عن
الضَّّاك عن ابن عباس رضي﴾(٤)، ولعلَّ الآيات بعدُ تؤيِّده أيضاً.
والتعبيرُ عن أولئك بالموصول لتعليل الأمر بما في حيِّز الصلة من الخصلة
الداعية إلى إدامةِ الصُّحبة.
وقرأ ابن عامر: ((بالغُدْوة))(٥). وخُرِّج ذلك على ما ذكره سيبويه والخليل من أنَّ
بعضَ العربِ ينكِّر غدوةً فيقول: جاء زيد غدوةً. بالتنوين(٦). على أنَّ الرضي قال:
(١) حلية الأولياء ٣٤٥/١، وشعب الإيمان (١٠٤٩٤)، وعزاه لابن مردويه السيوطيُّ في الدر
٢١٩/٤.
(٢) عزاه لأبي الشيخ السيوطيُّ في الدر ٢١٩/٤.
(٣) في البحر ١١٨/٦.
(٤) عزاه لابن مردويه السيوطيُّ في أسباب النزول ص٢٤١، وفي الدر ٢٢٠/٤.
(٥) التيسير ص١٠٢، والنشر ٢٥٨/٢.
(٦) سلف ١٨٠/٨، والكلام من حاشية الشهاب ٦ / ٩٥.

الآية : ٢٨
٣١١
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
إنه يجوز استعمالها نكرةً اتفاقاً. والمشهورُ أنَّ الأكثرَ استعمالُها عَلَمَ جِئْسٍ ممنوعاً
من الصرف، فلا تدخلُ عليها (أل))؛ لأنه لا يجتمع في كلمةٍ تعريفان، ومتى أُرِيد
إدخالُها عليها قُصِد تنكيرُها، فأدخِلَت، كما قُصِد تنكيرُ العَلَم الشخصيِّ في قوله:
وقد كان منهم صاحبٌ وابنُ عمِّه أبو جَندلٍ والزيدُ زيدُ المعارِكِ(١)
والقراءةُ المذكورةُ مخرَّجة على ذلك، واختارَ بعضُ المحقّقين التخريجَ الأول،
وقال: إنه أحسنُ درايةً وروايةً؛ لأنَّ التنكيرَ في العلَم الشخصيِّ ظاهرٌ، وأمَّا في
الجنسيِّ ففيه خفاءٌ؛ لأنَّه شائعٌ في أفراده قبل تنكيرِهِ، فتنكيرُه إنما يُتصوَّرُ بتركِ
حضورِه في الذهن الفارقٍ بينه وبين النكرة، وهو خفيٍّ، فلذا أنكره الفناريُّ(٢) في
حواشيه على ((التلويح)) في تنكيرِ رَجَب علَمِ الشهر(٣). انتهى، وللبحث فيه مجال.
وهذه الآية كما في ((البحر)) (٤) أبلغُ من التي في ((الأنعام))، وهي قوله تعالى:
﴿وَلَا تَظْرُكِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ﴾ [الآية: ٥٢].
﴿يُرِيدُونَ﴾ بذلك الدعاءِ ﴿وَجْهَةٌ﴾ أي: رضاه سبحانه وتعالى دون الرياء
والسمعة، بناءً على ما قاله الإمام السُّهيلي من أنَّ الوجهَ إذا أضيفَ إليه تعالى يُراد
به الرضا والطاعةُ المرضيةُ مجازاً؛ لأنَّ مَن رَضِيَ على شخصٍ يُقْبل عليه، ومن
غَضِب يُعرِض عنه.
وقيل: المرادُ بالوجهِ الذاتُ، والكلامُ على حذفِ مضافٍ. وقيل: هو بمعنى
التوجُّه، والمعنى: يريدون التوجُّهَ إليه تعالى والزُّلْفَى لديه سبحانه. والأول أولى.
والجملةُ في موضع الحال من فاعل ((يدعون))، أي: يدعون مُرِیدین ذلك.
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تَصرِفْ عيناك النظرَ عنهم إلى أبناءِ الدنيا،
والمراد النهيُ عن احتقارِهم وصرف النظر عنهم لرَثاثةِ حالِهم إلى غيرِهم، فـ ((عدا)»
(١) البيت للأخطل، وهو في ديوانه ص ٢٧٥، وفيه: حاجب، بدل: صاحب.
(٢) هو المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفناري الحنفي، محقق وصاحب الحواشي المفيدة،
توفي سنة (٨٨٦ هـ). هدية العارفين ٢٨٨/١، وكشف الظنون ٤٩٦/١.
(٣) حاشية الشهاب ٦ / ٩٥.
(٤) ٦ / ١١٨.

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٣١٢
الآية : ٢٨
بمعنى ((صَرَف)) المتعدِّي إلى مفعولٍ بنفسه وإلى آخرَ بـ ((عن))، قال في ((القاموس)):
يقال: عَدَاه عن الأمر عَدْواً وعُدْواناً: صَرَفه(١). واختار هذا أبو حيان(٢)، وهو
الذي قدَّر المفعول کما سمعت، وقد تتعدّی («عدا» إلی مفعولٍ واحدٍ بـ (عن))،
كما تتعدّى إليه بنفسها، فتكون بمعنى: جَاوَزَ وتَرَكَ؛ قال في ((القاموس)): يقال:
عدا الأمرَ وعنه: جاوزه وتَرَكه(٣). وجوِّز أن يكونَ معنى الآية على ذلك، كأنه
قيل: لا تتركهم عيناك.
وقيل: إنَّ ((عدا)) حقيقةً معناه: تَجاوَزَ، كما صرَّح به الراغبُ(٤)، والتجاوز
لا يتعدَّى بـ ((عن)) إلا إذا كان بمعنى العفو، كما صرَّحوا به أيضاً، وهو هنا غيرُ
مرادٍ، فلا بُدَّ من تضمينٍ عدا معنى نبا وعلا في قولك: نَبَتْ عنه عينُه، و: عَلَتْ
عنه عينُه: إذا اقتحَمَتْه ولم تعلقْ به، وهو الذي ذهب إليه الزمخشريُّ ثم قال: لم
يقل: ولا تعدهم عيناك، أو: ولا تَعْلُ عيناك عنهم، وارتُكِب التضمينُ؛ ليُعطِي
الكلامُ مجموعَ معنيَينٍ، وذلك أقوى من إعطاءِ معنّى فذٌّ، ألا ترى كيف رجع المعنى
إلى قولك: ولا تَقْتَحِمْهم عيناك مُجاوزتَيْن إلى غيرهم(٥) .
وتعقَّبه أبو حيان بأنَّ التضمينَ لا ينقاس عندَ البصريين، وإنما يذهب إليه عندَ
الضرورة، أما إذا أمكن إجراءُ اللفظ على مدلوله الوضعيِّ فإنه يكون أولى(٦).
واعتُرِض أيضاً ما قيل بأنَّه لا يلزم من اتحادِ الفعلَيْن في المعنى اتحادُهما في
التعدية، فلا يلزم من كون ((عدا)) بمعنى ((تجاوز)) أن يتعدَّى كما يتعدَّى، ليقال: إنَّ
التجاوُزَ لا يتعدَّى بـ ((عن))، إلا إذا كان بمعنى العفو، وهو غيرُ مراد، فلا بدَّ من
تضمينِ ((عدا)) معنى ((فعل)) متعدٍّ بـ ((عن). ويكفي كلامُ ((القاموس)) مستنداً لمن
خالف الزمخشريَّ، فتدبّر ولا تغفل.
(١) القاموس (عدو).
(٢) في البحر ١١٩/٦.
(٣) القاموس (عدو).
(٤) في المفردات (عدو).
(٥) الكشاف ٤٨١/٢. ووقع في الأصل و(م): لا تقحمهم عيناك ... ، والمثبت من المصدر.
(٦) البحر ١١٩/٦.

الآية : ٢٨
٣١٣
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
وقرأ الحسن: ((ولا تُعْدِ عَيْنَيْك)) بضمِّ التاء وسكونِ العين وكسرِ الدال المخفَّفة،
من: أعداه، ونَصْبِ العينين. وعنه وعن عيسى والأعمش أنهم قرؤوا: ((ولا تُعَدِّ
عَينيك)) بضمِّ التاء وفتح العين وتشديدِ الدال المكسورة، من عدَّاه يُعدِّيه، ونصبٍ
العينين أيضاً (١).
وجعل الزمخشريُّ(٢) وصاحبُ ((اللوامح)) الهمزةَ والتضعيفَ للتعدية. وتعقّب
ذلك في ((البحر)) بأنه ليس بجيِّدٍ، بل الهمزةُ والتضعيفُ في هذه الكلمةِ لموافَقةِ أفْعَلَ
وفَعَّلَ للفعل المجرَّد، وذلك لأنَّه قد أقرَّ الزمخشريُّ بأنَّها قبلَ ذَينك الأمرين
متعدِّيّةٌ بنفسها إلى واحدٍ، وعُدِّيت بـ ((عن)) للتضمين، فمتى كان الأمران للتعدية لَزِم
أن تتعدَّى إلى اثنين، مع أنها لم تتعدَّ في القراءتين المذكورتين إليهما(٣).
﴿قُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنًا﴾ أي: تطلب مجالسةَ مَن لم يكن مثلَهم من الأغنياء
وأصحابِ الدنيا. والجملةُ على القراءة المتواترة حالٌ من كاف ((عيناك))، وجازت
الحالُ منه لأنه جزءُ المضاف إليه. والعاملُ - على ما قيل - معنى الإضافة، وليس
بشيء.
وقال في ((الكشف)): العاملُ الفعلُ السابق كما تقرَّر في قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ
إِنَهِمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، ولك أن تقول ها هنا خاصَّةً: العينُ مقحَمةٌ للتأكيد،
ولا يبعُد أن يُجْعل حالاً من الفاعل، وتوحيدُ الضمير إما لاتحاد الإحساس، أو
للتنبيه على مكانِ الإقحام، أو للاكتفاءِ بأحدهما عن الآخر، أو لأنهما عُضْوٌ واحدٌ
في الحقيقة، واستبشاعُ إسنادِ الإرادة إلى العين مندفِعٌ بأنَّ إرادتَها كنايةٌ عن إرادةٍ
صاحبِها، ألا ترى إلى ما شاع من نحوٍ قولهم: يَستلِذَّه العينُ أو السمعُ،
وإنَّما المستلِذُّ الشخصُ، على أنَّ الإرادةَ يُمكِن جعلُها مجازاً عن النظر للَّهْو
لا للعِبَر. اهـ. ولا يخفى أنَّ فيه عدولاً عن الظاهر من غير داعٍ.
وقولُ بعضِهم: إنَّه لا يجوز مجيء الحالِ من المضافِ إليه في مثلِ هذا الموضع
لاختلافِ العامل في الحال وذِيها = لا يصلُح داعياً؛ لظهورٍ ضَعِفِه.
(١) القراءتان في القراءات الشاذة ص٧٩، والمحتسب ٢٧/٢، والبحر ١١٩/٦.
(٢) في الكشاف ٢/ ٤٨٢.
(٣) البحر ١١٩/٦.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣١٤
الآية : ٢٨
ثم الظاهرُ أنه لا فرقَ في جوازٍ كون الجملة حالاً من المضافِ إليه أو المضافِ
على تقديرِ أن يفسّر (تَعْدُ)) بـ ((تُجاوِزُ))، وتقديرِ أن تفسَّر بـ ((تَصْرف)).
وخصّ بعضُهم كونَها حالاً من المضافِ إليه على التقديرِ الأول، وكونَها حالاً
من المضافِ على التقديرِ الثاني، ولعلَّه أمرٌ استحسانيٌّ، وذلك لأنَّ في أولِ الكلام
على التقديرِ الثاني إسنادَ ما هو من الأفعال الاختيارية ليس إلَّا - وهو الصرفُ - إلى
العين، فناسب إسنادَ الإرادة إليها في آخره، ليكونَ أولُ الكلام وآخرُه على طِرْزٍ
واحدٍ، مع رعايةٍ ما هو الأكثرُ في أحوالِ الأحوال من مجيئها من المضاف دون
المضافِ إليه، وتضمَّن ذلك عدمَ مواجَهةِ الحبيب وَّه بإسناد إرادة الحياة الدنيا إليه
صريحاً وإن كانت مصبَّ النهْي.
وليس في أول الكلام ذلك على التقدير الأول، إذ الظاهرُ أنَّ التجاوُزَ ليس من
الأفعال الاختيارية لا غير، بل يتصفُ به المختارُ وغيرُه، مع أنَّ في جعلِ الجملة
حالاً من الفاعل على هذا التقدير - مع قول بعض المحقّقين: إنَّ المتجاوزَ في
الحقيقة هو النظرُ - احتياجاً إلى اعتبارِ الشيء وتركِه في كلامٍ واحدٍ، وليس لك أن
تجعلَه استخداماً بأنْ تُرِيدَ من العينين أولاً النظرَ مجازاً، وَتُريدَ عند عَودٍ ضمیرٍ
(تُرِيْدُ)) منهما الحقيقةَ؛ لأنَّ التَّْنيةَ تأبى ذلك، وإن اعتُبِر ذلك أولاً وآخِراً ولم يُتْرَك
احتِيجَ إلى مؤنٍ لا تخفى على المتأمِّل، فتأمَّل وتدبَّر.
وهي على القراءتين الشاذَّتَيْن حالٌ من فاعل الفعل المستترِ، أي: لا تُعْدِ - أو:
لا تُعَدِّ - عينيك عنهم مريداً ذلك.
﴿وَلَا نُطِعْ﴾ في تنحيةِ الفقراء عن مجلِسِك ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ أي: جعلنا قلبَه
غافلاً ﴿عَن ذِكْرِنَا﴾ لبطلانِ استعدادِه للذكر بالمرَّةِ، كأولئك الذين يَدْعُونك إلى طردٍ
الفقراء، فإنَّهم غافلون عن ذكرنا، على خلافِ ما عليه أولئك الفقراءُ مِن الدعاء في
الغَداة والعَشيِّ. وفيه تنبيةٌ على أنَّ الباعثَ لهم إلى استدعاء الطرد غفلةُ قلوبِهم عن
جناب الله تعالى شأنُه وملاحظةِ المعقولات وانهماكُه في الحسِّيَّات، حتى خفي
عليه(١) أنَّ الشرَفَ بحليةِ النفس لا بزينةِ الجسد.
(١) قوله: وانهماكه في الحسيات حتى خفي عليه، كذا في الأصل و(م) بإفراد الضمير في
((انهماكه)) و(عليه))، والأنسب للسياق جمعه، ينظر تفسير أبي السعود ٢١٩/٥.

الآية : ٢٨
٣١٥
سُورَةُ الكَهْفِ
ومعنى الذكر ظاهر، وفسَّره المفضل بالقرآن(١). والآيةُ ظاهرةٌ في مذهب أهل
السنة، وأوَّلَها المعتزلةُ، فقيل: المراد: أغفلنا قلبَه بالخِذْلان، وهذا هو التأويل
المشهور عندهم في أمثالِ ذلك، وحالُه معلوم عندَك.
وقيل: المرادُ: صادفناه غافلاً، كما في قولهم: سألناكم فما أفحمناكم،
وقاتلناكم فما أَجْبَنَّاكم(٣).
وتعقِّب بأنه لا ينبغي أن يتجرَّأَ على تفسيرِ فعلٍ أسنده الله تعالى إليه بالمصادفة
التي تُفْهِم وجدانَ الشيء بغتةً عن جهلٍ سابقٍ وعدَمِ علمٍ .
وقيل: المراد: نسبناه إلى الغفلة، كما في قول الكميت:
وطائفةٌ قد أكفروني بحبِّكم وطائفةٌ قالوا مسيءٌ ومذنبٌ(٣)
وهو كما ترى.
وقال الرماني(٤): المراد: لم نَسِمْ قلبَه بالذكر، ولم نجعله من القلوب التي
كتبْنا فيها الإيمان كقلوب المؤمنين، من قولهم: أغفل فلانٌ إبلَه: إذا تَرَكها غفلاً من
غير سِمَةٍ وعلامةٍ بكِيٍّ ونحوِهِ، ومنه إغفالُ الخطّ لعدم إعجامِهِ، فالإغفالُ المذكورُ
استعارةٌ لِجِعْلِ ذكرِ الله تعالى الدالِّ على الإيمان به كالسِّمَة لأنَّه علامةٌ للسعادة،
كما جُعل ثبوتُ الإيمان في القلب بمنزلة الكتابة (٥) .
وهو تأويلٌ رقيقُ الحاشية لطيفُ المعنى وإن كان خلافَ الظاهر، فهو ممَّا
لا بأسَ به لمن لم يكن غرضُه منه الهربَ من مذهبٍ أهل السنة.
واحتجَّ بعضُهم على أنه ليس المرادُ ظاهرَ الآية بقوله سبحانه: ﴿وَأَتََّعَ هَوَهُ﴾
في طلب الشهوات؛ حيثُ أُسنِد اتِّباعُ الهوى إلى العبد، فيدلُّ على أنَّه فعلُه
(١) البحر ١٢٠/٦.
(٢) أي: فما وجدناكم جبناء. ينظر حاشية الشهاب ٩٦/٦. وقائل هذا هو عمرو بن معدي
کرب كما في أمالي ابن الشجري ٢٢٦/١ أنه قال لبني الحارث بن كعب: والله لقد سألناكم
فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم.
(٣) ديوان الكميت ص٥١٩، برواية: فطائفة قد أكفرتني ... وطائفة قالت ....
(٤) ورد في هامش الأصل و(م): وقد كان معتزليًّا، فليحفظ. اهـ.
(٥) البحر ١٢٠/٦.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣١٦
الآية : ٢٨
لا فعلُ الله تعالى، ولو كان ذلك فِعْلَ اللهِ سبحانه والإسنادُ مجازيٌّ لقيل: فَاتَّبَعَ،
بالفاء السببية لتفرُّعِه عليه.
وأجيب بأنَّ فِعلَ العبد لكونه بكسبه وقدرته وخلقِ اللهِ تعالى يجوز إسنادُه إليه
بالاعتبار الأول، وإلى الله تعالى بالثاني، والتنصيصُ على التفريع ليس بلازم فقد
يُتْرَك لنكتةٍ كالقصدِ إلى الإخبارِ به استقلالاً لأنه أَدْخَلُ في الذمِّ، وتفويضاً إلى
السامع في فهمه، ولا حاجةً إلى تقدير فقيل: ((واتبع هواه)).
وقرأ عمر بن فائد وموسى الأسواري وعمرو بن عبيد: ((أغفَلَنا)) بفتح الفاء
واللام، ((قلبُهُ)) بالرفع على أنه فاعلُ: ((أغْفَلَنا))(١)، وهو على هذه القراءة مِن: أغفَلَه
إذا وجده غافلاً، والمراد: ظنَّنَا وحَسِبَنا غافلين عن ذكرنا له ولصنيعه بالمؤاخذة،
بجعلِ ذكر الله تعالى له كنايةً عن مُجازاتِه سبحانه.
واستشكل النهيُ عن إطاعةِ أولئك الغافلين في طردٍ أولئك المؤمنين بأنَّه وَرَدَ
أنَّهم أرادوا طردَهم ليؤمنوا، فكان ينبغي تحصيلُ إِيمانِهم بذلك، وغايةُ ما يَلْزَم
ترقُّبُ نفعِ كثيرٍ وهو إيمانُ أولئك الكَفَرة على ضررٍ قليلٍ وهو سقوطُ حرمةِ أولئك
البَرَرَة، وَفي عدم طردِهم لزِمَ ترتُّب ضررٍ عظيمٍ وهو بقاءُ أولئك الكَفَرةِ على كُفْرهم
على نفعٍ قليلٍ. ومن قواعد الشرع المقرَّرةَ: تُدْفَعُ المفسدةُ الكُبرى بالمفسدِةِ
الصغرى .
وأجيب بأنَّه سبحانه علم أنَّ أولئك الكَفَرة لا يؤمنون إيماناً حقيقيًّا، بل إنْ
يؤمنوا يؤمنوا إيماناً ظاهريًّا، ومثلُه لا يُرتَكَب له إسقاط حرمة أولئك الفقراء
الأبرارِ، فلذا جاء النهْيُ عن الإطاعة.
وقد يقال: يحتمل أن يكونَ اللهُ تعالى قد عَلِم أنَّ طردَ أولئك الفقراءِ السابقين
إلى الإيمانِ المنقطِعِين لعبادة الرحمن وكسْرَ قلوبهم وإسقاطَ حُرمِتهم لجلبٍ
الأغنياء وتطييبٍ خواطرِهم يُوجِب نفرةَ القلوب وإساءة الظنِّ برسوله وَّر،
فربّما يرتدُّ مَن هو قريبُ عهدٍ بإسلام، ويقِلُّ الداخلون في دينه بعد ذلك عليه
(١) القراءات الشاذة ص٧٩، والمحتسب ٢٨/٢، والمحرر الوجيز ٢١٥/٣-٥١٣، والبحر
١٢٠/٦.

الآية : ٢٩
٣١٧
سُورَةُ الكَهْفِ
الصلاة والسلام، وذلك ضررٌ عظيم فوقَ ضررٍ بقاءِ شِرْذِمةٍ من الكفّار على الكفر،
فلذا نَهَى جلَّ وعلا عن إطاعةِ مَن أغفل قلبَه واتبع هواه ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ﴾ في اتباع
الهوى وترك الإيمان ﴿قُرْطًا (٨﴾ أي: ضَياعاً وهلاكاً، قاله مجاهد (١)، أو متقدِّماً
على الحقِّ والصواب نابذاً له وراءَ ظهره، من قولهم: فرسٌ فُرُطٌ، أي: متقدِّم
للخيل، وهو في معنى ما قاله ابن زيد: مخالفاً للحقِّ(٢).
وقال ابن عطية: يحتمل أن يكونَ الفُرُط بمعنى التفريط والتضييع، أي: كان
أمرُه الذي يجب أن يلزَمَ ويهتمَّ به من الدين تفريطاً، ويحتمل أن يكونَ بمعنى
الإفراط والإسراف، أي: كان أمرُه وهواه الذي هو سبيلُه إفراطاً وإسرافاً (٣).
وبالإسراف فسّره مقاتل.
والتعبيرُ عن صناديد قريش المستدعين طردَ فقراء المؤمنين بالموصول للإيذان
بعلِيَّةِ ما في حيِّز الصلة للنهي عن الإطاعة.
﴿وَقُلِ﴾ لأولئك الذين أغفلْنا قلوبَهم عن الذكر واتبعوا هواهم ﴿الْحَقُّ مِن رَّيِّكُمْ﴾
خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا الذي أوحِي إليَّ الحقُّ، و((من ربكم)) حالٌ مؤكّدة،
أو خبرٌ بعد خبرٍ، والأول أولى، والظاهرُ أنَّ قولَه تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءُ
فَلْيَكْفُرَّ﴾ من تمام القول المأمورِ به، فالفاء لترتيبِ ما بعدَها على ما قبلَها بطريق
التهديد، أي: عقيبَ تحقيقِ أنَّ ذلك حقُّ لا ريبَ فيه لازمُ الاتباعِ مَن شاء أن يؤمِنَ
به ويتبعَه فليفعل كسائر المؤمنين ولا يتعلَّلْ بما لا يكاد يصلُح للتَعَلُّلِ، ومن شاء أن
يكفرَ به وينبذَه وراء ظهره فليفعل، وفيه من التهديد وإظهارِ الاستغناء عن متابعَتِهم
التي وَعَدُوها في طردِ المؤمنين وعدم المبالاة بهم وبإيمانهم وجوداً وعدماً
ما لا يخفى.
وجوِّز أن يكونَ («الحقُّ)) مبتدأً، خبرُه ((من ربكم)).
واختار الزمخشريُّ هنا الأول(٤)، قال في ((الكشف)): ووجهُ إيثارِ الحذف أنَّ
(١) زاد المسير ١٣٣/٥.
(٢) المحرر الوجيز ٥١٣/٣، والبحر ١٢٠/٦.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٣/٣.
(٤) الکشاف ٤٨٢/٢.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣١٨
الآية : ٢٩
المعنى عليه أتمُّ التئاماً؛ لأنَّه لمَّا أمره سبحانه بالمداومة على تلاوةِ هذا الكتابِ
العظيم الشأن في جملةِ التالِين له حقَّ التلاوة المريدين وجهَه تبارك وتعالى غيرَ
ملتفتٍ إلى زخارف الدنيا، فمن أُوتِيَ هذه النعمةَ العظمى فله بشكرها اشتغالٌ عن
كلِّ شاغلٍ = ذيَّله لإزاحة الأعذار والعِلَل بقوله سبحانه: (وَقُلْ) إلخ، أي: هذا الذي
أُوحي هو الحقُّ، فمن شاء فليدخُلْ في سلكِ الفائزين بهذه السعادة، ومَن شاء
فليكن في الهالكين انهماكاً في الضلالة.
أمَّا لو جُعِل مبتدأً، فالتعريفُ إن كان للعهد رَجع إلى الأول مع فوات المبالغة،
وإن كان للجنس على معنى: جميعُ الحقِّ من ربِّكم لا من غيره، ويشملُ الكتابَ
شمولاً أولياً، لم يُطبِّقِ المَفْصِل؛ إذ ليس ما سيق له الكلامُ كونَه منه تعالى لا غير،
بل كونَه حقًّا لازمَ الاتباع لا غير. اهـ.
وهو كلامٌ يلوح عليه مخايلُ التحقيق، ويُشعِر ظاهرُه بحمل الدعاءِ على ثاني
الأقوالِ فيه وكونِ المشار إليه الكتابَ مطلقاً، لا المتضمِّنَ الأمرَ بصبر النفس مع
المؤمنين وتركِ الطاعة للغافلين كما جوَّزه ابن عطية (١).
وعلى تقدير أن يكون الحقُّ مبتداً، قيل: المرادُ به القرآنُ، كما كان المرادَ من
المشارِ إليه على تقدير كونِه خبراً، وهو المرويُّ عن مقاتل. وقال الضخَّاك: هو
التوحيدُ. وقال الكرماني: الإسلام والقرآن(٢).
وقال مكي: المراد به التوفيقُ والخِذلانُ، أي: قل: التوفيقُ والخِذلانُ من
عند الله تعالى، يهدي من يشاء فيوقِّقُه فيؤمنُ، ويُضِلُّ مَن يشاء فيَخذُله فيكفُر، ليس
إليَّ مِن ذلك شيءٌ(٣). وليس بشيء كما لا يخفى.
وجوِّز أن يكونَ قولُه سبحانه: (فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن) إلخ تهديداً من جِهته تعالى غيرَ
داخلٍ تحت القول المأمورِ به، فالفاءُ لترتيبٍ ما بعدها من التهديد على نفس الأمر،
أي: قل لهم ذلك، وبعدَ ذلك مَن شاء أن يؤمِنَ به أو أن يصدِّقَك فيه فليفعل، ومن
(١) في المحرر الوجيز ٥١٣/٣.
(٢) الأقوال الثلاثة في البحر ٦/ ١٢٠.
(٣) نقله المصنف من البحر ١٢٠/٦.

الآية : ٢٩
٣١٩
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
شاء أن يكفُرَ به أو أن يكذِّبك فيه فليفعل. وعلى الوجهين ليس المرادُ حقيقة الأمر
والتخييرِ، وهو ظاهرٌ.
وذكر الخفاجي(١) أنَّ الأمرَ بالكفر غيرُ مراد، وهو استعارةٌ للخِذْلان والتخليةِ
بتشبيه حالٍ مَن هو كذلك بحالِ المأمور بالمخالفة، ووجهُ الشَّبَهِ عدم المبالاة
والاعتناء، وهذا كقَولٍ كُثِيِّر:
أَسِيئي بنا أو أحسِني لا ملومةٌ (٢)
واستدلَّ المعتزلةُ بالآية على أنَّ العبد مستقلٌّ في أفعاله موجدٌ لها؛ لأنه مُلِّق فيها
تحقُّقُ الإيمان والكفرِ على محضٍ مشيئته؛ لأنَّ المتبادِرَ من الشرط أنَّه علّةٌ تامَّةٌ للجزاء
فدلَّ على أنَّه مستقلٌّ في إيجادِهما، ولا فرقَ بين فعلٍ وفعلٍ فهو الموجِد لكلِّ أفعاله.
وأُجيبَ بأنَّا لو فرضْنا أنَّ مشيئةَ العبد مؤثِّرة وموجِدةٌ للأفعال لا يتمُّ المقصودُ؛
لأنَّ العقل والنقلَ يدُلَّان على توقُّفها على مشيئة الله تعالى وإرادته، أما الأولُ
فلأنَّهم قالوا: لو لم تتوقَّف على ذلك لزِمَ الدورُ أو التسلسلُ، وأمَّا الثاني فلأنَّه
سبحانه يقول: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩] ومع هذا التوقُّفِ لا يتمُّ
أمرُ الاستقلال، ويثبت أنَّ العبدَ مضطرٌّ في صورةٍ مختارٍ، وهو مذهبُ الأشاعرة.
وفي ((الإحياء)) لحجَّةِ الإسلام: فإن قلت: إني أجدُ في نفسي وجداناً ضروريًّا
أنِّي إن شئتُ الفعلَ قدَرْتُ عليه، وإن شئتُ التركَ قدرتُ عليه، فالفعلُ والتركُ بي
لا بغيري.
قلت: هَبْ أنَّك تَجِدُ مِن نفسِك هذا المعنى، ولكن هل تجِدُ من نفسِك أنَّك إن
شئتَ مشيئة الفعل حصلت تلك المشيئةُ، أو لم تشأ تلك المشيئةً لم تحصُل؟ لأنَّ
العقلَ يشهَدُ بأنَّه يشاء الفعلَ لا لسبقِ مشيئةٍ أُخْرى على تلك المشيئة، وإذا شاء
الفعلَ وجب حصولُ الفعل من غير مكنةٍ واختيارٍ، فحصولُ المشيئةِ في القلب أمرٌ
(١) في حاشيته على تفسير البيضاوي ٦/ ٩٧.
(٢) ديوان كثير ص٨٠ وعجزه: لدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إن تَقَلَّتِ، ونسب البيت إلى جرير وهو في ديوانه
ص٧٢، وقال في اللسان وتاج العروس (قلي): تقلَّى: أي: تبغَّض، وأنشدوا هذا البيت،
ونسبوه إلى كثيِّر. وقوله: مقلية: أي: مكروهة ومبغوضة.

سُورَةُ الكَهْفِ
٣٢٠
الآية : ٢٩
لازمٌ، وترقُّبُ الفعل على حصولِ المشيئة أيضاً أمرٌ لازمٌ، وهذا يدلُّ على أنَّ الكلَّ
من الله تعالى(١). انتهى.
وبعضُهم يكتفي في إثباتِ عدم الاستقلالِ بثبوت توقُّفِ مشيئةٍ العبد على
مشيئة الله تعالى وتمكينِه سبحانه بالنصِّ، ولا يذكر حديثَ لزوم الدورِ أو التسلسُل
لِمَا فيه من البحث، وتمامُ الكلام في ذلك في كتب الكلام، وسنذكر إن شاء الله
تعالى طرفاً لائقاً منه في الموضع اللائق به.
وقال السديُّ(٢): هذه الآيةُ منسوخةٌ بقوله سبحانه: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآَّةَ
اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]. ولعلَّه أراد أن لا يرادَ المتبادِرُ منها للآية المذكورة، وإلا فهو
قولٌ باطلٌ.
وحَكى ابنُ عطية عن فرقة أنَّ فاعلَ ((شاء)» في الشرطيتين ضميرُه تعالى(٣).
واحتُجَّ له بما رُوي عن ابن عباس رضيًّا أنه قال في الآية: من شاء الله تعالى له
الإيمان آمن، ومن شاء له الكفرَ كَفَر.
والحقُّ أنَّ الفاعلَ ضميرُ ((مَن))، والرواية عن الحبر أخرجها ابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات))(٤)، فإذا صحَّت يحتمل أن
يكونَ ذلك القولُ لبيان أنَّ من شاء الإيمانَ هو من شاءَ اللهُ تعالى له الإيمانَ، ومن
شاء الكفرَ هو مَن شاء اللهُ سبحانه له ذلك، لا لبيانِ مدلولِ الآية وتحقيقٍ مرجعٍ
الضمير، ويؤيِّد ذلك قولُه في آخر الخبر الذي أخرجه الجماعةُ: وهو قوله تعالى:
◌َوَمَا تَشَدَءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]. والله تعالى أعلم.
وقرأ أبو السمَّال قعنب: ((وقُلَ الحق)) بفتح اللام حيث وقع(٥)، قال أبو حاتم:
وذلك رديء في العربية.
(١) نقله المصنف من التفسير الكبير ١١٩/٢١، وهو في الإحياء ٢٥٣/٤ بنحوه.
(٢) كما في البحر ٦/ ١٢٠.
(٣) المحرر الوجيز ٥١٣/٢.
(٤) تفسير الطبري ٢٤٤/١٥، والأسماء والصفات (٣٧٧)، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم
السيوطيُّ في الدر ٢٢٠/٤.
(٥) القراءات الشاذة ص٧٩، والبحر ٦/ ١٢٠، والكلام منه.