Indexed OCR Text

Pages 261-280

الآية : ٢١
٢٦١
سُورَةُ الكَهْفِ
أَحياء، ومَن يَتَّخذ القبورَ مساجد)) وعبدُ الرزاق(١): ((مِن شرار أمَّتي مَن يَتَّخذ القبورَ
مساجد)) وأيضاً: ((كانت بنو إِسرائيل اتَّخذوا القبور مساجد، فلعنهم اللهُ تعالى))(٢)
إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحةِ والآثارِ الصريحة.
وذكر ابنُ حجرٍ في (الزواجر)) أنَّه وقع في كلام بعضِ الشافعيةِ عدُّ اتخاذِ القبورِ
مساجدَ والصلاةِ إليها واستلامِها والطوافِ بها ونحو ذلك من الكبائر، وكأنَّه أخذ
ذلك ممَّا ذُكر من الأحاديث، ووجهُ اتخاذٍ القبرِ مسجداً واضح(٣)؛ لأنَّه عليه
الصلاة والسلام لعن مَن فعل ذلك في قبور الأنبياءِ عليهم السلام، وجَعَلَ مَن فعل
ذلك بقبور الصلحاءِ شرارَ الخلقِ عند اللهِ تعالى يومَ القيامة، ففيه تحذيرٌ لنا. واتخاذُ
القبرِ مسجداً معناه الصلاةُ عليه أو إليه، وحينئذٍ يكون قولُه: والصلاة إليها، مكرَّراً،
إلّا أنْ يرادَ باتِّخاذها مساجدَ الصلاةُ عليها فقط، نعم إنَّما يَتَّجه هذا الأخذُ إن كان
القبرُ قبرَ معظّم من نبيٍّ أو وليّ، كما أشارت إليه رواية: «إذا كان فيهم الرجلُ
الصالح) ومن ثّمَّ قال أصحابنا: تحرم الصلاةُ إلى قبور الأنبياءِ والأولياءِ تبرُّكاً
وإعظاماً، فاشترطوا شيئين: أن يكونَ قبرَ معظّم، وأن يقصدَ الصلاة إليها، ومثلُ
الصلاةِ عليه التبرُّكُ والإِعظام(٤)، وكونُ هذا الفعلِ كبيرةٌ ظاهرٌ من الأحاديث، وكأنَّه
قاس عليه كلَّ تعظيم للقبر، كإيقاد السُّرجِ عليه تعظيماً له وتبرُّكاً به، والطواف به
كذلك، وهو أخذٌ غَيِّرُ بعيد، سيَّما وقد صرّح في بعض الأحاديثِ المذكورةِ بلعن
مَن انَّخذ على القبر سراجاً، فيحمل قولُ الأصحابِ بكراهة ذلك على ما إذا لم
يَقصِد به تعظيماً وتبرُّكاً بذي القبر.
وقال بعضُ الحنابلة: قصدُ الرجلِ الصلاةَ عند القبرِ متبرِّكاً به عينُ المحادَّةِ لله
تعالى ورسولِهِ وَّهِ، وإبداعُ دينٍ لم يأذنْ به اللهُ عزَّ وجلّ؛ للنَّهي عنها ثم إجماعاً؛
فإنَّ أعظمَ المحرَّماتِ وأسبابِ الشِّرك الصلاةُ عندها، واتخاذُها مساجدَ أو بناؤها
(١) في المصنف (١٥٨٦) من طريق معمر والثوري، عن علي موقوفاً، وقال: وأحسب معمراً
رفعه .
(٢) المصنف (١٥٩١) من طريق عمرو بن دينار عن النبي وتالقر مرسلاً.
(٣) العبارة في الزواجر ١/ ١٣٨: ووجهُ أَخْذِ اتخاذِ القبر مسجداً منها واضح.
(٤) في الزواجر: وأن يقصد بالصلاة إليه ومِثْلُها الصلاةُ عليه التبركَ والإعظام.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٦٢
الآية : ٢١
عليها، وتجب المبادرةُ لهدمها وهدم القبابِ التي على القبور؛ إذ هي أضرُّ من
مسجد الضِّرار، لأنَّها أُسِّست على معصَية رسولِ اللهِ وَِّ، لأنَّه عليه الصلاة والسلام
نهى عن ذلك، وأمر بهدم القبورِ المشرِفة، وتجب إزالةُ كلِّ قنديلٍ أو سراجٍ على
قبر، ولا يصحُّ وقفُه ولا نذرُه. اهـ.
وفي ((المنهاج)) وشرحِه للعلَّامة المذكور(١): ويُكره تجصيصُ القبر، والبناءُ عليه
في حريمه وخارجه في غير المسبلَة، إلَّا إنْ خُشي نبشٌ أو حفرُ سبعٍ أو هدمُ سيل،
ويَحرم البناءُ في المسبلَة، وكذا تُكره الكتابةُ عليه؛ للنَّهي الصحيح عن الثلاثة،
سواءٌ كتابةُ اسمِهِ وغيرِهِ، في لوحٍ عند رأسِه أو في غيره. نَعَم بحث الأَذرعيُّ حرمةَ
كتابةِ القرآن؛ لتعريضه للامتهانْ بالدَّوس، والتنجيسٍ بصديد الموتى، عند تكرُّر
الدفنِ ووقوعِ المطر، ونُدب كتابةُ اسمِه لمجرَّد التعريفِ به على طول السِّنين،
لاسيَّما قبورُ الأنبياءِ والصالحين؛ لأنَّه طريقٌ للإِعلام المستحبّ. ولمَّا روى الحاكمُ
النَّهيَ قال: ليس العملُ عليه الآن؛ فإنَّ أئمّة المسلمين من المشرق والمغربِ
مكتوبٌ على قبورهم، فهو عملٌ أخذ به الخلفُ عن السلف. ويُرَدُّ بمنع هذه الكلِّية،
وبفرْضها، فالبناءُ على قبورهم أكثرُ من الكتابة عليها في المقابر المسبلةِ كما هو
مشاهَد، لاسيَّما بالحرمين ومِصرَ ونحوِها، وقد علموا بالنَّهي عنه، فكذا هي. فإنْ
قلتَ: هو إِجماعٌ فعلي، فهو حجَّة كما صرَّحوا به، قلتُ: ممنوع، بل هو أكثريٌّ
فقط؛ إذ لم يُحفَظ ذلك حتى عن العلماءِ الذين يرون منعَه، وبفرْض كونِهِ إجماعاً
فعليًّا، فمحلُّ حجيّته - كما هو ظاهر - إنَّما هو عند صلاح الأَزمنة، بحيث ينقَّذ فيها
الأمرُ بالمعروف والنهيُّ عن المنكر، وقد تعطّل ذلك منذ أَزمنة.
ولو بُني نفسُ القبرِ لغير حاجةٍ مما مرَّ كما هو ظاهر، أو نحوُ تحويطٍ أو قبةٍ
عليه في مقبرةٍ مسبلَة، كأرضٍ مواتٍ اعتادوا الدفنَ فيها، أو موقوفةٍ لذلك، بل هي
أَوْلى، هُدِمٍ وجوباً؛ لحُرمته كما في ((المجموع)) (٢) لِمَا فيه من التضييق، مع أنَّ
البناءَ يتأبَّد بعد انمحاقِ المَيِّت، فيُحْرَمُ الناسُ تلك البقعة، وهل من البناءِ ما اعتيد
مِن جعل أربعةِ أحجارٍ مربَّعة محيطةٍ بالقبر مع لصق كلِّ رأسٍ منها برأس الآخَر
(١) أي: ابن حجر الهيتمي.
(٢) ٢٦٣/٥.

الآية : ٢١
٢٦٣
سُورَةُ الكَهْفِ
بحصٍّ مُحكَم، أو لا لأنَّه لا يسمَّى بناءً عرفاً؟ والذي يتَّجه الأوَّل؛ لأنَّ العِلَّة من
التأبيد موجودةٌ هنا، وقد أَفتى جمعٌ بهدم كلِّ ما بقرافةِ مصرَ من الأَبنية، حتى قبَّةِ
الإمام الشافعيِّ عليه الرحمةُ التي بناها بعضُ الملوك، وينبغي لكلِّ أحدٍ هدمُ ذلك
مالم يخشَ منه مفسدة، فيتعيَّن الرفعُ للإِمام أخذاً من كلام ابنِ الرِّفعة في الصُّلح.
انتھی .
وفي ((صحيح مسلم)(١) عن أبي الهيَّاج الأسدي قال: قال لي عليٍّ كرَّم الله
تعالى وجهَه: أَبعتُكَ على ما بعثني عليه رسولُ اللهِ وَّرَ: أَلَّا تدعَ تمثالاً إلَّا طمستَه،
ولا قبراً مشرِفاً إِلَّا سوَّيتَه. قال ابنُ الهُمام في ((فتح القدير))(٢): وهو محمولٌ على
ما كانوا يفعلونه من تعلية القبورِ بالبناءِ الحسنِ العالي.
والأحاديثُ وكلامُ العلماءِ المنصفين المتَّبعين لما ورد عن النبيِّ وَّهِ وجاء عن
السَّلْف الصالحِ أكثرُ من أن يحصَى.
لا يقال: إنَّ الآيةَ ظاهرةٌ في كون ما ذُكر من شرائع مَن قبلَنا، وقد استُدلَّ بها،
فقد رُوي أنَّه ◌َِّهِ قال: ((مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيها ... )) الحديثَ، ثم تلا قولَه
تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِى﴾ [طه: ١٤](٣)، وهو مقولٌ لموسى عليه السلام،
وسياقُه الاستدلال. واحتجَّ محمدٌ على جواز قسمةِ الماءِ بطريق المهايأةِ بقوله
تعالى: ﴿لَّا شِرْبٌ﴾ الآيةَ [الشعراء: ١٥٥] و﴿وَنَّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَِّهُمْ﴾ [القمر: ٢٨]
[المائدة : ٤٥]
وأبو يوسفَ على جَري القَوَدِ بين الذَّكر والأُنثى بآية ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾
والكرخِيُّ على جَريه بين الحرِّ والعبدِ والمسلم والذميِّ بتلك الآيةِ الواردةِ في بني
إسرائيل، إلى غير ذلك = لأنَّا نقول(٤): مذهبُناَ في شرع من قبلنا وإن كان أنَّه يلزمنا
على أنَّه شريعتنا، لكن لا مطلقاً، بل إنْ قصَّه اللهُ تعالى علينا بلا إِنكار، وإنكارُ
رسولِهِ وَل﴿ كإنكاره عزَّ وجلّ، وقد سمعتَ أنَّه عليه الصلاة والسلام لعن الذين
يَتَّخذون المساجد على القبور.
(١) برقم (٩٦٩).
(٢) ١/ ٤٧٢ .
(٣) أخرجه مسلم (٦٨٠) من حديث أبي هريرة
٠
(٤) جواب لقوله: لا يقال ...

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٦٤
الآية : ٢١
على أنَّ كونَ ما ذُكر من شرائع مَن قبلَنا ممنوع، وكيف يمكن أن يكونَ اتخاذٌ
المساجد على القبور من الشَّرائع المتقدِّمةِ مع ما سمعتَ من لعن اليهودِ والنَّصارى
حيث أَّخذوا قبورَ أَنبيائهم مساجد، والآيةُ ليست كالآيات التي ذكرنا آنفاً احتجاج
الأئمّة بها، وليس فيها أكثرُ من حكاية قولِ طائفةٍ من الناس وعزمِهم على فعل
ذلك، وليست خارجةً مَخْرِجَ المدحِ لهم والحضِّ على التأسِّي بهم، فمتى لم يثبت
أنَّ فيهم معصوماً، لا يدلُّ فعلُهمَ - فضلاً عن عزمهم - على مشروعيةٍ ما كانوا
بصدده. ومما يقوِّي قلَّةَ الوثوقِ بفعلهم القولُ بأنَّ المرادَ بهم الأمراءُ والسلاطينُ
كما رُوي عن قتادة.
وعلى هذا لقائل أن يقول: إنَّ الطائفةَ الأُولى كانوا مؤمنين، عالمين بعدم
مشروعيةِ اتِّخاذ المساجد على القبور، فأشاروا بالبناءِ على باب الكهفِ وسدِّه وكفِّ
كفِّ التعرُّضِ عن أصحابه، فلم يقبل الأمراءُ منهم، وغاظهم ذلك حتى أَقسموا على
اتّخاذ المسجد، وكأنَّ الأوَّلين إنَّما لم يُشيروا بالدَّفن مع أنَّ الظاهرَ أنَّه هو المشروعُ إذ
ذاك في الموتى كما أنَّه هو المشروعُ عندنا فيهم؛ لعدم تحقُّقهم موتَهم، ومَنَعهم من
تحقيقه أنَّهم لم يقدروا - كما أَخرج عبدُ الرزاق وابنُ المنذر عن وهب بنِ منبِّه(١) - على
الدُّخول عليهم لِمَا أُفيض عليهم من الهَيبة؛ ولهذا قالوا: ((ربهم أعلم بهم).
وإن أَبيتَ إلَّا حسنَ الظنِّ بالطائفة الثانية، فلكَ أن تقول: إنَّ اتِّخاذَهم المسجدَ
عليهم ليس على طَرزِ اتِّخاذ المساجدِ على القبور المنهيّ عنه الملعونِ فاعلُه،
وإنَّما هو اتخاذُ مسجدٍ عندهم وقريباً من كهفهم، وقد جاء التصريحُ بالعنديَّة في
رواية القصَّةِ عن السُّدِّي ووهب، ومثلُ هذا الاتخاذِ ليس محظوراً، إذ غايةٌ ما يلزم
على ذلك أنْ يكون نسبةُ المسجدِ إلى الكهف الذي هم فيه كنسبة المسجدِ النبويِّ
إلى المرقد المعظّم صلَّى اللهُ تعالى على مَن فيه وسلَّم، ويكون قولُهم: (لنتخذنَّ
عليهم)) على هذا لمشاكلة قولِ الطائفة: ((ابنوا عليهم)).
وإن شئتَ قلت: إنَّ ذلك الاتخاذَ كان على الكهف فوقَ الجبلِ الذي هو فيه،
وفي خبر مجاهدٍ أنَّ الملكَ تركهم في كهفهم وبنى على كهفهم مسجداً، وهذا أقربُ
لظاهر اللفظِ كما لا يخفَى.
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٩٧/١-٣٩٩، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣١٥/٤.

الآية : ٢١
٢٦٥
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وهذا كلُّه إنَّما يُحتاج إليه على القول بأنَّ أصحابَ الكهفِ ماتوا بعد الإِعثار
عليهم، وأمَّا على القول بأنَّهم ناموا كما ناموا أوَّلاً، فلا يُحتاج إليه على ما قيل.
وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنَى رشدٍ أن يذهب إلى خلاف ما نطقت به الأخبارُ
الصحيحةُ والآثارُ الصريحة، معوِّلاً على الاستدلال بهذه الآية؛ فإنَّ ذلك في الغَواية
غاية، وفي قلَّة النُّهى نهاية. ولقد رأيتُ مَن يُبيح ما يفعله الجهلةُ في قبور الصالحين
من إِشرافها وبنائها بالجصِّ والآجُرّ، وتعليقِ القناديل عليها، والصلاةِ إليها،
والطوافٍ بها واستلامِها، والاجتماع عندها في أوقاتٍ مخصوصة، إلى غير ذلك،
محتجًا بهذه الآيةِ الكريمة، وبما جاءَ في بعض رواياتِ القصّة من جعل الملكِ لهم
في كلِّ سَنةٍ عيداً، وجعلِهِ إِيَّهم في توابيتَ من ساج، ومقيساً البعضَ على البعض،
وكلُّ ذلك محادَّة لله تعالى ورسولِهِ بِّهِ، وإبداعُ دِينٍ لم يأذنْ به اللهُ عزَّ وجلَّ.
ويكفيكَ في معرفة الحقِّ تتبُّعُ ما صنع أصحابُ رسولِ الله وَِّ في قبره عليه
الصلاة والسلام، وهو أفضلُ قبرٍ على وجه الأرض، بل أفضلُ من العرش،
والوقوفُ على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه عليه الصلاة والسلام، فتتبّع
ذاك، وتأمَّل ما هنا وما هناك، والله سبحانه وتعالى يتولَّى هُداك.
ثم اعلمْ أنَّهم اختلفوا في تعيين موضعِ المسجدِ والكهف، وقد مرَّت عليك
بعضُ الأَقوال. وفي ((البحر)): إِنَّ في الشام كهفاً فيه موتَى، ويزعم مجاوروه أنَّهم
أصحابُ الكهف، وعليهم مسجدٌ وبناءٌ يسمَّى الرَّقيم، ومعهم كلبٌ رِمَّة، وبالأندلس
في جهة غرناطةَ بقُرب قريةٍ تسمَّى لوشة كهفٌ فيه موتى ومعهم كلب رمَّة، وأكثرُهم
قد انجرد لحمُه، وبعضُهم متماسك، وقد مضت القرونُ السالفةُ ولم نجد مَن عَلِمَ
شأنَهم، ويزعم ناسٌ أنَّهم أصحابُ الكهف، قال ابنُ عطية(١): دخلتُ عليهم
فرأيتهم سنةَ أربعٍ وخمسٍ مئة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجدٌ وقريبٌ منهم بناءٌ
روميٍّ يسمَّى الرقّيم، كأنَّه قصرٌ مُخْلَق(٢)، قد بقي بعضُ جدرانِهِ، وهو في فلاةٍ من
الأرض خَرِبة، وبأَعلى حصنٍ غرناطةَ ممَّا يلي القِبلةَ آثارُ مدينةٍ قديمةٍ يقال لها :
مدینةُ دقیوس، وجدنا في آثارها غرائب. انتهى.
(١) في المحرر الوجيز ٥١١/٣، والكلام من البحر ١٠٢/٦.
(٢) أي: متهدِّم، وقد فسَّرتها العبارة الآتية بعدها، وفي اللغة: أَخْلَق الثوبُ: بلي، فهو مُخْلَق.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٦٦
الآية : ٢٢
وحين كنَّا بالأندلس، كان الناسُ يزورون هذا الكهف، ويذكرون أنَّهم يَغلطون
في عِدَّتهم إذا عدُّوهم، وأنَّ معهم كلباً، ويرحل الناسُ إلى لوشةً لزيارتهم. وأمَّا
ما ذكره من المدينةِ القديمة، فقد مررتُ عليها مِراراً لا تحصَى، وشاهدت فيها
حجارةً كباراً، ويترجَّح كونُ ذلك بالأندلس؛ لكثرة دينِ النصارَى بها، حتى إنَّها هي
بلادُ مملكتِهِم العظمى، ولأنَّ الإِخبارَ بما هو في أقصى مكانٍ من أرض الحجازِ
أغربُ وأَبعدُ أن يعرفَ(١) إلَّا بوحي من اللهِ تعالى. انتهى.
وما تقدَّم من خبر ابنِ عباسٍ ومعاويةَ يُضعِف ما ادَّعى ترجّحَه؛ لأنَّ معاويةً لم
يدخل الأندلس، وتسميةُ الأَندلسيين نصارى الأندلسِ بالرُّوم في نثرهم ونظمِهم
ومخاطبةِ عامَّتهم - كما في ((البحر))(٢) - أيضاً لا يُجدي نفعاً، وقد عوَّل الكثيرُ على
أنَّ ذلك في طرسوس، والله تعالى أعلم.
﴿َسَيَقُولُونَ﴾ الضميرُ فيه وفي الفعلين بعدُ - كما اختاره ابنُ عطيةَ(٣) وبعضُ
المحقّقين - لليهودِ المعاصرين له بَّه، الخائضين في قصّة أصحاب الكهف، وأُيِّد
بذلك قولُ الحسنِ وغيرِهِ: إِنَّهم كانوا قبلَ بعثٍ موسى عليه السلام؛ لدَلالته أنَّ
لهم علماً في الجملة بأحوالهم، وهو يستلزم أن يكونَ لهم ذِكرٌ في التوراة. وفيه
ما فيه.
والظاهرُ أنَّ هذا إِخبارٌ بما لم يكن واقعاً بعد، كأنَّه قيل: سيقولون إذا قصصتَ
قصةَ أصحاب الكهف، أو: إذا سُئلوا عن عدَّتهم: هم ﴿ثَثَةٌ﴾ أي: ثلاثةُ
أشخاص ﴿رَّابِعُهُمْ﴾ أي: جاعلُهم أربعةً بانضمامه إِليهم ﴿كَبُهُمْ﴾ فـ ((ثلاثةٌ)) خبرُ
مبتدأ محذوف، و((رابعهم كلبهم)) مبتدأ وخبر، ولا عملَ لاسم الفاعل؛ لأنَّه ماض،
والجملةُ في موضع النعتِ لـ ((ثلاثة)»، والضميرانِ لها لا للمبتدأ، ومن ثَمَّ استُغني
عنه بالحذف، وإلَّا كان الظاهرُ أن يقال: هم ثلاثةٌ وكلب، لكن لمَّا أُريد
اختصاصُها بحكم بديع الشأن، عُدِل إلى ما ذُكر؛ لينبَّهَ بالنعت الدالٌ على التَّفضلة
والتمييزِ على أنَّ أَولئكَ الفتيةَ ليسوا مثلَ كلِّ ثلاثةٍ اصطحبوا، ومن ثَمَّ قرن الله تعالى
(١) في الأصل: أن لا يعرف. والمثبت موافق لما في البحر.
(٢) ٦ / ١٠٢.
(٣) في المحرر الوجيز ٣/ ٥٠٧ .

الآية : ٢٢
٢٦٧
سُورَةُ الْكَهْفِ
في كتابه العزيزِ أخسَّ الحيواناتِ ببركة صحبتِهم مع زمرة المتبتِّلين إليه المعتكفين في
جواره سبحانه، وكذا يقال فيما بعد.
وإلى هذا الإِعرابِ ذهب أبو البقاءٍ(١)، واختاره العلّامة الطَّيبي، وهو الذي
أَشار إلى ما أُشير إليه من النُّكتة، ونَظَمَ في سلكها مع الآيةِ حديثَ: ((ما ظنُّك
باثنين اللهُ تعالى ثالثُهما))(٢) فَأَوجب ذلك أنْ شنَّع بعضُ أجلَّةِ الأفاضلِ عليه، حتى
أَوصله إلى الكفر ونسبه إليه، ولَعمري لقد ظلمه، وخفي عليه مرادُه فلم يفهمْه.
ولم يجوِّز ابنُ الحاجبِ كونَ الجملةِ في موضع النَّعت، كما لم يجوِّز هو
ولا غيرُه - كأبي البقاء(٣) - جَعْلَها حالاً، وجَعَلَها خبراً بعد خبرٍ للمبتدأ المحذوف،
وسيأتي إن شاء اللهُ تعالى تمامُ الكلام في ذلك.
وتقديرُ تمييزِ العدد: أشخاص، أَوْلى من تقديره: رِجال؛ لأنَّه لا تصير الثلاثةُ
الرِّجالِ أربعةً بكلبهم، لاختلاف الجِنسين. وعدمُ اشتراطِ اتِّحاد الجنسِ في مثل
ذلك يأباه الاستعمالُ الشائع، مع كونِهِ خلافَ ما ذكره النُّحاة.
والقولُ بأنَّ الكلب بشرف صُحبتِهم أُلحق بالعقلاء تخيُّلٌ شِعريّ.
وقرأ ابنُ مُحَيصن: ((ثلاثة)) بإِدغام الثاءِ في التاء(٤)، تقول: ابعث تلك. وحَسُن
ذلك لقُرب مخرجِهما وكونهما مهموسين.
﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ عطفٌ على ((سيقولون)) والمضارعُ وإنْ كان
مشتركاً بين الحالِ والاستقبال، إلَّا أنَّ المرادَ منه هنا الثاني بقرينةِ ما قبلَه؛ فلذا
اكتُفي عن السِّين فيه، وإذا عطفتَه على مدخولِ السين، دخل معه في حكمها
واختصَّ بالاستقبال بواسطتها، لكن قيل: إنَّ العطفَ على ذلك تكلُّف.
وقرأ شبلُ بن عبادٍ عن ابن كثير: ((خَمَسةٌ)) بفتح الميم، وهو كالسُّكون لغةٌ فيها،
نظيرُ الفتحِ والسكونِ في العشرة.
(١) في الإملاء ٣/ ٥١٠-٥١١.
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١) عن أنس ظه، وسلف ٣٢٨/١٠.
(٣) الإملاء ٣/ ٥١٠-٥١١.
(٤) القراءات الشاذة ص٧٩، والبحر ١١٣/٦.

سُوَرَّةُ الكَهَّفِ
٢٦٨
الآية : ٢٢
وقرأ ابنُ محيصنٍ بكسر الخاءِ والميم، وبإِدغام التاءِ في السِّين. وعنه أيضاً
إدغامُ التنوينٍ في السين بغير غنَّةُ(١).
﴿َجْمَا بِالْغَيْبٍ﴾ أي: رمياً بالخبر الغائبِ الخفيِّ عنهم الذي لا مُظْلِعَ لهم عليه،
وإِتياناً به أو ظنًّا بذلك، وعلى الأوَّل استُعير الرجمُ - وهو الرميُّ بالحجارة التي
لا تُصيب غرضاً ومرمَّى - للتكلّمُّ من غير علم وملاحظةٍ بعد تشبيهه به.
وفي ((الكشف)) أنَّه جعل الكلام الغائب عنهم عِلمُه بمنزلة الرِّجامِ المَرْميِّ بهِ
لا يُقصد به مخاطَب معيَّن، ولو قَصد لأَخطأ؛ لعدم بنائه على اليقين، كما أنَّ
الرجّام قلَّما يصيب المرجومَ على السَّداد، بخلاف السهمِ ونحوِه؛ ولهذا قالوا:
قذفاً بالغيب ورجماً به، ولم يقولوا: رمياً به، وأمَّا الرميُّ في السبُّ ونحوِهِ، فالنظرُ
إلى تأثيره في عِرْض المرميِّ تأثيرَ السَّهمِ في الرمية. انتهى.
وعلى الثاني شبِّه ذِكرُ أمرٍ من غير علم يقينيٍّ واطمئنانِ قلبٍ بقذف الحجرِ الذي
لا فائدةَ في قذفه ولا يُصيب مرماه، ثم استُعير له ووضع الرجمُ موضعَ الظنِّ حتى
صار حقيقةً عرفيً فیه .
وفي ((الكشف)) أيضاً أنَّه لمّا كثر استعمالُ قولِهم: رجماً بالظنّ، فهموا من
المصدر معناه دونَ النظرِ إلى المتَعلَّق، فقالوا: رجماً بالغيب، أي: ظنًّا به، وعلى
ذلك جاءَ قولُ زهير :
وما هو عنها بالحديث المرجَّمِ(٢)
وما الحربُ إلَّا ما علمتمْ وذقتمُ
حيث أَراد المظنون.
وانتصابُ ((رجماً)) هنا - على الوجهَين - إمَّا على الحاليةِ من الضمير في
الفعلين، أي: راجمين، أو على المصدريةِ منهما؛ فإنَّ الرجمَ والقولَ واحد.
وفي ((البحر)) أنَّه ضمِّن القولُ معنى الرَّجم(٣). أو من محذوفٍ مستأنف، أو
(١) ذكر هذه القراءات صاحب البحر ٦/ ١١٤، وانظر القراءات الشاذة ص٧٩.
(٢) ديوان زهير ص١٨ .
(٣) البحر ٦/ ١١٤.

الآية : ٢٢
٢٦٩
سُؤَدَّةُ الكَهْفِ
واقعٍ موقعَ الحالِ من ضمير الفعلَين معاً، أي: يرجمون رجماً. وجوَّز
أبو حيانَ(١) كونَه منصوباً على أنَّه مفعولٌ من أجله، أي: يقولون ذلك لرميهم
بالغيب، أو لظنِّهم بذلك، أي: الحاملُ لهم على القولِ هو الرجمُ بالغيب. وهو
كما ترى.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ المرادُ الاستقبالُ أيضاً، والكلامُ في عطفِه
كالكلام في عطف سابقِه، والجملةُ الواقعةُ بعد العددِ في موضع الصفةِ له
كالجملتين السابقتين على ما نصَّ عليه الزمخشريّ(٢)، ولم يَجعل الواوَ مانعةً عن
ذلك، بل ذكر أنَّها الواوُ التي تدخل على الجملة الواقعةِ صفةً للنكرة، كما تدخل
على الواقعةِ حالاً عن المعرفة في قولك: جاءني رجلٌ ومعه آخَر، و: مررت بزيدٍ
وفي يده سيف، ومنه قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَمَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾
[الحجر: ٤] وفائدتُها توكيدُ لصوقِ الصفةِ بالموصوف، والدلالةُ على أنَّ اتِّصافَه بها
أمرٌ ثابتٌ مستقرّ، وهي التي آذَنَتْ هنا بأنَّ قائلي ما ذُكر قالوه عن ثباتِ علم
وطمأنينةِ نفس، ولم يرجموا بالظنِّ كما رَجَمَ غيرُهم، فهو الحقُّ دون القولَينَ
الأوَّلين.
والدليل على ذلك أنَّه سبحانه وتعالى أَتبعهما قولَه تبارك اسمُه: ((رجماً بالغيب))
وأَتبع هذا قولَه عزَّ وجلّ: ﴿قُل رَّبِىَ أَعْلَمُ بِعِذَتِهِم﴾ أي: أَقوى وأقدمُ في العلم بها
﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ﴾ أي: ما يعلم عدَّتَهم، على ما ينساق إلى الذِّهن نظراً إلى المقام ﴿إلَّا
قَلِلٌ﴾
وعلى إِيذان الواوِ بما ذُكر يدلُّ كلامُ ابن عباسٍ مًِّا، فقد رُوي أنَّه قال: حين
وقعت الواوُ انقطعت العدَّة، أي: لم يبقَ بعدها عِدةُ عادِّ يُلتفت إليها، وثبت أنَّهم
سبعةٌ وثامنُهم كلبُهم على القطع والبَتَات.
وقد نصَّ عطاءٌ على أنَّ هذا القليل من أَهل الكتاب، وقيل: من البشر مطلقاً،
وهو الذي يقتضيه ما أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) بسندٍ صحيحٍ عن ابن عباسٍ أنَّه
(١) في البحر ٦/ ١١٤ .
(٢) في الكشاف ٤٧٨/٢.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٧٠
الآية : ٢٢
قال: أنا من أولئك القليل. وأَخرجه عنه غيرُ واحدٍ من طرقٍ شتَّى(١)، وأَخرج نحوَه
ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن مسعود(٢).
وزَعْمُ بعضِهم أنَّ المرادَ: إلَّا قليلٌ من الملائكة عليهم السلام، لا يرتضيه أحدٌ
من البشر، والمثبتُ في هذا الاستثناءِ هو العالِمِية، وذلك لا يضرُّ في كون الأَعلميةِ
له عزَّ وجلَّ.
هذا وإلى كون الواوِ كما ذَكَرَ الزمخشريُّ ذهب ابنُ المنير(٣)، وقال بعد نقلِهِ:
وهو الصَّواب، لا كالقول بأنَّها واوُ الثمانية، فإنَّ ذلك أمرٌ لا يستقرُّ لمثبته قَدَم،
وردّ ما ذكروه من ذلك، وسيأتي إن شاء اللهُ تعالى في موضعه التنبيهُ عليه.
وقال أبو البقاءِ(٤): الجملةُ إذا وقعت صفةً للنّكرة جاز أن يدخلَها الواو، وهذا
هو الصحيحُ في إدخال الواوِ في ((ثامنهم)).
واعتَرضَ على ذلك غيرُ واحد، فقال أبو حيَّان(٥): كونُ الواوِ تدخل على
الجملة الواقعةِ صفةً دالَّةً على لصوق الصفةِ بالموصوف وعلى ثبوتِ اتِّصاله بها
شيءٌ لا يعرفه النَّحويون، بل قرَّروا أنَّه لا تعطف الصفةُ التي ليست بجملةٍ على صفةٍ
أخرى إلَّا إذا اختلفت المعاني، حتى يكونَ العطفُ دالاً على المغايرة، وأمَّا إذا لم
تختلف، فلا يجوزُ العطف، هذا في الأَسماء المفرَدة، وأما الجملُ التي تقع صفة،
فهي أَبعدُ من أن يجوزَ ذلك فيها .
وقد ردُّوا على مَن ذهب إلى أنَّ قولَ سيبويه: وأمَّا ما جاء بالمعنى وليس باسم
ولا فعل(٦)، إلى أنَّ: وليس باسم .. إلخ، صفةٌ لمعنًى، وأنَّ الواوَ دخلت في
الجملة = بأنَّ ذلك ليس من كلام العرب، وليس من كلامِهم: مررتُ برجلٍ ويأكل،
(١) المعجم الأوسط (٦١١٣) وتفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٠، وفضائل الصحابة لأحمد (١٥٥٧)،
والطبري ٢١٩/١٥.
(٢) الدر المنثور ٢١٧/٤.
(٣) في الانتصاف ٤٧٨/٢.
(٤) في الإملاء ٥١١/٣ .
(٥) في البحر ١١٤/٦- ١١٥.
(٦) الكتاب ١/ ١٢.

الآية : ٢٢
٢٧١
سُوَّةُ الكَهْفِ
على تقديرِ الصفة، وأمَّا قولُه تعالى: ﴿إِلَّا وَلَمَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فالجملةُ
فيه حاليَّة، ويكفي ردًّا لقول الزمخشريِّ أنَّا لا نعلم أحداً من علماء النحوِ ذهب
إليه. اهـ.
وقال صاحب ((الفرائد)): دخولُ الواوٍ بين الصفةِ والموصوفِ غيرُ مستقيم؛
لاتِّحاد الصفةِ والموصوفِ ذاتاً وحكماً، وتأكيدُ اللصوقِ يقتضي الاثنينية، مع أنَّا
نقول: لا نسلِّم أنَّ الواوَ تفيد التأكيدَ وشدَّةَ الُّصوق، غايةُ ما في الباب أنَّها تفيد
الجمع، والجمعُ ينبئُ عن الاثنينية، واجتماعُ الصفةِ والموصوفِ ينبئُ عن الاتِّحاد
بالنظر إلى الذَّات.
وقد ذكر صاحبُ ((المفتاح))(١) أنَّ قولَ مَن قال: إنَّ الواوَ في قوله تعالى:
﴿وَلَمَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ داخلةٌ بين الصفةِ والموصوفِ، سهوٌ منه(٢)، وإنَّما هي واوٌ
الحال، وذو الحالِ ((قرية)) وهي موصوفة، أي: وما أَهلكنا قريةً من القرى إلَّا
ولها ... إلخ.
وأمَّا: جاءني رجلٌ ومعه آخَر، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونَ جملتين
متعاطفتين، وثانيهما: أن يكونَ: آخَرُ، معطوفاً على رجل، أي: جاءني رجلٌ
ورجلٌ آخَرُ معه، وعدل عن: جاءَني رجلان؛ ليفهمَ أنَّهما جاءا مصاحبين. وأمَّا
الواوُ في: مررتُ بزيدٍ وفي يده سيف، فإنَّما جاز دخولُها بين الحالِ وذِيْها؛ لكون
الحالِ في حكم جملة، بخلاف الصفةِ بالنّسبة إلى الموصوف، فإنَّ: جاء زيدٌ
راكباً، في حكم: جاءً وهو راكب، بخلاف: جاءَ زيدٌ الراكب، فافهَمْه.
سلَّمنا أنَّها داخلةٌ بين الصفةِ والموصوفِ لتأكيد اللُّصوق، لكن الدَّلالةَ على أنَّ
اتصافَه بها أمرٌ ثابتٌ مستقرٌّ غيرُ مسلَّم، وأين الدليلُ عليه؟ وكونُ الواوِ هي التي
آذنت بأنَّ القولَ المذكورَ عنِ ثباتِ علمٍ وطمأنينة نفسٍ في غاية البعد، والقولُ بأنَّ
الإِتباع يدلُّ على ذلك، إنْ أُريد منه أنَّه يدلُّ على إِيذان الواوٍ بما ذكر، فبطلانُه
(١) ص ٢٥٠ -٢٥١.
(٢) جاء في هامش الأصل: الحكم بأنه سهو سهو؛ فقد تكرر من الزمخشري مع بسط وتفصيل،
فتدبر ما قلنا ولا تعجل. اهـ منه.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٧٢
الآية : ٢٢
ظاهر، وإنْ أُريد منه أنَّه يدلُّ على صدق قائلي القولِ الأخيرِ وعدم صدقٍ قائلي
القولَين الأوَّلين، فمسلّمٌ أنَّ إِتباع القولَين الأوَّلين بـ ((رجماً بالغيب)) يَدلُّ على عدم
الصِّدق دلالةً لا شبهةَ فيها، لكن لا نسلِّم أنَّ عدمَ إِتباع القولِ الأخيرِ به وإِتباعَه
بما أُتبع يدلُّ على ذلك، وإن سلَّمنا فهو يدلُّ دلالةً ضعيفة، ولا نسلِّم أيضاً دلالةً
كلام ابن عباسٍ على ما ذكر، والظاهر أنَّه عَلِمَ أنَّ القول الأخيرَ صادقٌ من الصادق
المصدوقِ بَل﴿، وأنَّ مرادَه من قوله: حين وقعت الواوُ انقطعت العِدَّة، أنَّ الذي هو
صدقٌ ما وقعت الواوُ فيه وانقطعت العِدَّة به، فالحقُّ أنَّ الواوَ واو عطف، والجملةُ
بعدَه معطوفةٌ على الجملة قبلَه.
وانتصر العلّامة الطّبي للزمخشريّ، وأَجاب عمَّا اعتُرض به عليه فقال: إِعلَم
أنَّه لا بدَّ قبل الشُّروع في الجواب من تبيين المقصودِ تحريراً للبحث، فالواوُ هنا
ليست على الحقيقة، ولا يُعتبَر في المجاز النقلُ الخصوصيّ، بل المعتبرُ فيه اعتبارُ
نوعِ العلاقة، وذكروا أنَّ المجازَ في عُرف البلاغةِ أَوْلى من الحقيقة وأبلغ، وأنَّ
مدارَ علمٍ البيان الذوقُ السليمُ الذي هو أَنفعُ من ذوقِ التعليم، ولا يتوقَّف على
التوقيف، وليس ذلك كعلم النَّحو، والمجازُ لا يختصُّ بالاسم والفعل، بل قد يقع
في الحروف.
وقد نقل شارحُ ((اللباب)) عن سيبويه أنَّ الواوَ في قولهم: بِعت الشاةَ ودرهماً،
بمعنى الباء، وتحقيقُهُ أنَّ الواوَ للجمع والباءَ للإلصاق، وهما من وادٍ واحد، فسُلك
به طريقُ الاستعارة، وكم وكم. وإذا عُلم ذلك فلْيُعلَم أنَّ معنى قولِه: فائدتُها توكيدُ
لصوقِ الصفةِ بالموصوف، أنَّ للصفة نوعَ اتِّصالٍ بالموصوف، فإذا أُريد توكيدُ
اللُّصوق وسِّط بينهما الواو؛ ليؤذنَ أنَّ هذه الصفةَ غيرُ منفكّة عن الموصوف، وإليه
الإشارةُ فيما بعدُ من كلامه، وأنَّ الحالَ في الحقيقة صفةٌ لا فرقَ إلَّا بالاعتبار، أَلَا
ترى أنَّ صفةَ النكرةِ إذا تقدَّمت عليها وهي بعينها تصير حالاً، ولو لم يكونا مَّحدين
لم یصحَّ ذلك.
ثم إنَّ قولَك: جاءني رجلٌ ومعه آخَر، وقولَك: مررتُ بزيدٍ ومعه آخر، لمَّا كانا
سواءً في الصورة، اللهمَّ إلَّا في اعتبار المعرفة والنكرة، كان حكمُهما سواءً في
الواو، وهو مرادُ الزمخشريِّ من إِيراد المثالَين، لا كما فهم بعضُهم.

الآية : ٢٢
٢٧٣
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
وأما قولُ الفرائديٌّ (١) في تعليل امتناع دخولِ الواو بين الصفةِ والموصوف:
لاتِّحادهما ذاتاً وحكماً، وهو منافٍ لما يقتضيه دخولُ الواوِ من المغايرة، فمبنيٌّ
على أنَّ الواوَ عاطفة؛ لأنَّها هي التي تقتضي المغايرةَ كما قال السكاكي، وقد بيَّن
وجهَ مجازِه لمجرَّد الربط.
وأما قولُه في جاءني رجلٌ ومعه آخَر: إنَّه جملتان، فهو كما تراه. وأمَّا قوله:
إنَّ: جاء زيدٌ راكباً، في حكم: جاء زيدٌ وهو راكب، فمن المعكوس؛ فإنَّ
الأصلَ في الحال الإِفراد، كما يدلُّ عليه كلامُ ابنِ الحاجب وغيرِه من الأَعيان.
وأمَّا تسليمُه الدخولَ لتأكيد اللُّصوقِ ومنه الدَّلالَةُ على أنَّ الاتِّصافَ أمرٌ ثابتٌ
مستقرّ، فمن العجائب، فكيف يسلّم التأكيدُ ولا يسلَّم فائدتُه؟
ويَدفع الاعتراضاتِ الباقية أنَّ ما استند إليه الزمخشريُّ ليس من بابِ الأدلَّة
اليقينية، بل هي من باب الأَمارات، وتكفي في هذه المقامات.
وقال ابنُ الحاجب: لا يجوز أن يكونَ ((رابعهم كلبهم)) و((سادسهم كلبهم)) صفةً
لما قبل، ولا حالاً؛ لعدم العاملِ مع عدم الواو، ويجوز أن يكونَ كلٌّ منهما خبراً
بعد خبرٍ للمبتدأ المحذوف، والأخبارُ إذا تعدَّدت جاز في الثاني منها الاقترانُ
بالواو وعدمُه، وهذا إنْ سلِّم أنَّ المعنى في الجمل واحد، أمَّا إذا قيل: إنَّ قولَه
تعالى: ((وثامنهم كلبهم)) استئنافٌ منه سبحانه لا حكايةٌ عنهم، فيفهم أنَّ القائلين:
سبعةٌ، أَصابوا، ولا يلزم أن يكونَ خبراً بعدَ خبر، ويقوِّيه ذِكر ((رجماً بالغيب)) قبلَ
الثالثة، فدلَّ على أنَّها مخالفةٌ لما قبلَها في الرَّجم بالغيب، فتكون صدقاً البتّة، إلَّا
أنَّ هذا الوجهَ يَضعُف من حيث إنَّ اللهَ تعالى قال: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ) فلو جُعل
((وثامنهم كلبهم)) تصديقاً منه تعالى لمن قال: سبعة، لَوجب أن يكونَ العالِمُ بذلك
كثيراً، فإِن أخبارَ اللهِ تعالى صدق، فدلَّ على أنَّه لم يَصْدُقْ منهم أحد، وإذا كان
كذلك، وجب أن تكونَ الجملةُ كلُّها متساويةً في المعنى، وقد تعذَّر أن تكونَ
الأخيرةُ وصفاً، فوجب أن يكونَ الجميعُ كذلك. انتهى.
ويفهم أنَّ الواوَ هي المانعةُ من الوصفية، والداءُ هو الداء، فالدواءُ هو الدواء.
(١) يعني صاحب الفرائد، وقد سلف قوله قريباً.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢٧٤
الآية : ٢٢
وقولهُ: وإذا كان كذلك وجب ... إلخ، كلامٌ بمراحلَ عن مقتضَى البلاغة؛
لأنَّ في كلِّ اختلافٍ فوائد، والبليغُ مَن ينظر إلى تلك الفوائد، لا مَن يردُّه إلى
التطويل والحشوِ في الكلام، وأيضاً لا بدَّ من قولٍ صادقٍ من الأَقوال الثلاثةِ لينطبقَ
قولُه تعالى: ((ما يعلمهم إلا قليل)) مع قوله سبحانه: ((رجماً بالغيب)) لأنَّه قد اندفع
به القولان الأوَّلان، فيكون الصادقُ هذا. وتعقيبُه به أَمارةٌ على صِدقه، وذلك
مفقودٌ على ما ذهب إليه السائل، ومع هذا أين طلاوةُ الكلام، وأين اللطفُ الذي
تستلذَّه الأَفهام؟
وما ذكره من لزوم كونِ العالِم بذلك كثيراً على تقديرٍ كون ((وثامنهم كلبهم»
استئنافاً منه تعالى لأنَّ أخبارَ اللهِ تعالى صِدق = لا يخلو عن بحث؛ لأنَّ المصدِّق
حينئذٍ هم المسلمون، وهم قليلٌ بالنسبة إلى غيرهم، ولا اختصاصَ للقليل بما دونَ
العشرةِ، وإنْ أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن وهب بنِ منبِّه أنَّه قال: كلُّ قليلٍ في القرآن
فهو دونَ العشرة. فإنَّ ذلك في حَيِّز المنع، ودون إِثباته التعبُ الكثيرَ، على أنَّه
يمكن أن يقال: المرادُ قِلَّة العالِمِين بذلك قبل تصديقِه تعالى، ولا يَبْعد أن يكونوا
قليلين في حدٍّ أنفسهم، من المسلمين كانوا أو من أَهل الكتابِ أو منهما، نَعَم
القولُ بالاستئناف ممَّا لا ينبغي أن يلتفتَ إليه وإنْ ذهب إليه بعضُ المفسِّرين.
هذا ووافق في الانتصار جماعةٌ، منهم سيِّد المحقّقين وسندُ المدقِّقين(١) فقال:
الظاهرُ أنَّ قولَه تعالى: ((وثامنهم كلبهم)) صفةٌ لسبعةٍ كما يشهد به أَخواه، وأيضاً
ليس ((سبعةٌ)) في حكم الموصوفة كما قيل في ((قرية)) في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن
قَرْبَةٍ إِلَّا وَلَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] حتى يصحَّ الحملُ على الحال اتِّفاقاً،
ولا شكَّ أنَّ معنى الجمع يناسب معنى اللُّصوق، وبابُ المجازِ مفتوح، فلْتُحمَل
هذه الواوُ عليه تأكيداً لِلُصَوق الصفةِ بالموصوف، فتكونُ هذه أيضاً فرعاً للعاطفة
كالتي بمعنى مع، والحاليَّة، والاعتراضية. وأُيِّد ذلك أيضاً بما رُوي عن ابنِ
عباس.
وأُورد على تعليل منعِه للحاليَّة بعدم كونِ النَّكرة في حكم الموصوفةِ أنَّه
لا ينحصر مسوِّغُ مجيءِ الحالِ من الشَّكرة في كونها موصوفةً أو في حكم
(١) هو الشريف علي بن محمد الجرجاني.

الآية : ٢٢
٢٧٥
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
الموصوفة، كما في الآية التي ذكرها، فقد ذَكَرَ في ((المغني)) (١) أنَّ من المسوِّغات
اقترانَ الجملةِ الحاليةِ بالواو، فلْيحفظ .
وقد وافق ابنُ مالكِ الرادِّين له، فقال في ((شرح التسهيل)): ما ذهب إليه
صاحبُ ((الكشّاف)) من توسُّط الواوِ بين الصفةِ والموصوفِ فاسدٌ من خمسة أوجه:
أَحدُها: أنَّه قاسَ في ذلك الصفةَ على الحال، وبينهما فروقٌ كثيرة؛ لجواز تقدُّم
الحالِ على صاحبها، وجوازٍ تخالُفهما في الإِعراب والتعريفِ والتنكير، وجواز
إِغناء الواوٍ عن الضمير في الجملة الحاليّة، وامتناع ذلك في الواقعة نعتاً، فكما ثبت
مخالفةُ الحالِ الصفةَ في هذه الأَشياء، ثبتت مخالفتُها إيَّاها بمقارنة الواوِ الجملةَ
الحالية، وامتناعُ ذلك في الجملة النعتِيَّة.
الثاني: أنَّ مذهبَه في هذه المسألةِ لا يُعرَف بين البصريِّين والكوفيين، فوجب
ألَّ يلتفت إليه.
الثالث: أنه معلَّل بما لا يناسب، وذلك أنَّ الواوَ تدلُّ على الجمع بين ما قبلَها
وما بعدَها، وذلك مستلزمٌ لتغايرهما، وهو ضدٌّ لِمَا يراد من التوكيد، فلا يصحُّ أن
يقال لعاطفٍ: مؤكّد.
الرابع: أنَّ الواوَ فَصَلت الأوَّلَ من الثاني، ولولاها لَتلاصقا، فكيف يقال: إنَّها
أگَّدت لصوقَهما؟!
الخامس: أنَّ الواوَ لو صَلَحت لتأكيد لصوقِ الموصوفِ بالصفة، لَكان أَوْلى
المواضعِ بها موضعاً لا يصلُح للحال؛ بخلاف جملةٍ تصلحُ في موضعها
الحال. اهـ.
ويُعلَم ما فيه بالتأمُّل الصادقِ فيما تقدَّم. والعجبُ ممَّا ذكره في الوجهِ الرابع،
فهو توقُّم يستغرَب من الأَطفال، فضلاً عن فحول الرِّجال، فتأمَّل ذاك، والله تعالى
يتولَّى هداك.
وقال بعضُهم: إنَّ ضمائرَ الأفعالِ الثلاثِ للخائضين في قصَّة أصحاب الكهفِ
(١) ص٤٧٧ -٤٧٨ .

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٧٦
الآية : ٢٢
في عهد النبيِّ نَّهِ من أهلِ الكتابِ والمسلمين، لا على وجه إِسناد كلٍّ من الأفعال
إلى كلَّهم، بل إلى بعضهم، فالقولُ الأوَّل لليهود على ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن
السُّدِّي. وقيل: لسيِّدٍ من ساداتِ نصارى العربِ النَّجرانيين، وكان يعقوبيًّا، وكان
قد وفد مع جماعةٍ منهم إلى رسول الله وَّةِ، فجرى ذِكرُ أصحاب الكهف، فذكر من
عدَّتهم ما قصَّه اللهُ تعالى شأنُه، ولعل التعبيرَ بضمير الجمع لموافقة مَن معه إِيَّاه في
ذلك.
والقولُ الثاني - على ما رُوي عن السُّدِّي أيضاً - للنصارى، ولم يقيِّدهم.
وقيل: العاقبُ ومَن معه من نصارى نجران، وكانوا وافدين أيضاً، وكان
نسطوريًّا(١).
والقولُ الثالث: لبعض المسلمين. وكأنَّه عزَّ اسمُه لمَّا حكى الأَقوالَ قبل أن
تقال(٢)، لقَّنهم الحقَّ وأَرشدهم إليه بعدم نظم ذلك القولِ في سلك الرَّجم بالغيب
كما فَعَلَ بأَخويه، وتغييرِ سَبكه بإقحام الواو، وتعقيبِهِ بما عقَّبه به على ما سمعتَ من
كونِ ذلك أمارةً على الحقِّية، والمرادُ بالقليل - على هذا - مَن وقَّقه الله تعالى
للاسترشاد بهذه الأَمارات، كابن عباسٍ ﴿ًّا، وقد مرَّ غيرَ بعيدٍ أنَّه عدَّ من ذلك
وذکر ما ظاهره الاستشهادُ بالواو.
وقيل: إنَّهم علموا تلك العدَّةَ من وحي غير ما ذكر، بأنْ يكونَ قد أَخبرهم ◌ِّ
بذلك عن إِعلام الله تعالی إيّاه به.
وتُعقِّب بأنَّه لو كان كذلك لَمَا خفي على الحَبر، ولَما احتاج إلى الاستشهاد،
ولكان المسلمون أُسوةً له في العلم بذلك.
وأُجيب بأنَّه لا مانعَ من وقوف الحبرِ على الخبر مع جماعةٍ قليلةٍ من
المسلمين، ولا يلزم من إِخباره ◌ِ وَّ﴿ بشيءٍ وقوفُ جميعِ الصحابةِ عليه، فكم مِن خبرٍ
تضمَّن حكماً شرعيًّا تفرَّد بروايته عنه عليه الصلاة والسلام واحدٌ منهم ظّ،
(١) جاء في هامش الأصل: نسبة إلى نسطور كان زمن الفترة كما في الكامل، وليس هو الذي
في زمن المأمون كما توهم ليحتاج إلى التكلف في الجواب كما في الكشف. اهـ منه.
(٢) بعدها في (م): على ذلك.

الآية : ٢٢
٢٧٧
سُورَةُ الكَهْفِ
فما ظنُّك بما هو من باب القصص التي لم تتضمَّن ذلك؟ واستشهادُه ◌َظُه نصًّا
لا ينافي الوقوف، بل قد يجامعه بناءً على ما وقفتَ عليه آنفاً، فهو ليس نصًّا في
عدم الوقوف.
وقد أُورد على القول بأنَّ منشأَ العلم التلقُّنُ من هذا الوحي لما تضمَّن من
الأمارات أنَّه يلزمُ من ذلك كونُ الصحابةِ السامعين للآية أسوةً لابن عباسٍ في العلم
نحو ما ذكره المتعقِّب، لأنَّهم (١) العربُ الذين أُرضعوا ثديَ البلاغةِ في مهد
الفصاحة، وأَشرقت على آفاقٍ قلوبهم وصفحاتِ أَذهانهم مِن مطالعٍ إِيمانهم
الاستوائيةِ أنوارُ النبوّة المفاضةِ من شمس الحضرةِ الأَحدية، وقلَّما تنزل آيةٌ ولا تُلقي
عصاها في رباع أسماعِهم؛ لوفور رغبتهم في الاستماع، ومزيدٍ حرصِه بَّ ر على
إسماعهم، ومتى فَهِمَ الزمخشريُّ وأضرابُه من هذه الآيةِ ما فهموا، فلِمَ لمْ يفهم
أصحابُه عليه الصلاة والسلام ذلك وهم هم؟ أَيخطر ببالِ من له أدنى عقلٍ أنَّ الأَعجامَ
شعروا وأَكثرَ أولئك العربِ لم يشعروا؟ أم كيف يتصوَّر تجلِّي أسرارٍ بلاغةِ القرآن لمن
لا يعرف إِعجازَه إلَّا بعد المشقَّةِ وتُحجب عمَّن يعرف ذلك بمجرَّد السَّليقة؟
ولا يكاد يُدفع هذا الإِيرادُ إلَّا بالتزام أنَّ السامعين لهذه الآيةِ قليلون؛ لأنَّها
نزلت في مكّةَ وفي المسلمين هناك قِلَّة، مع عدم تيسُّر الاجتماعِ لهم
برسول اللهِ وَل﴿ - وكذا اجتماعُ بعضِهم مع بعض - نحو تيسُّر ذلك في المدينة، أو
بالتزام القولِ بأنَّ الملتفتين إلى ما فيها من الشَّواهد كانوا قليلين. وهذا كما ترى.
وقيل: إنَّ الضمائرَ لنصارى نجران، تناظروا مع رسول اللهِ وَّر في عدد
أَصحابِ الكهف، فقالت المَلكانيةُ الجملةَ الأولى، واليعقوبيةُ الجملةَ الثانية،
والنّسطوريةُ الجملةَ الثالثة. ويُروَى هذا عن ابن عباسٍ ﴿ه، وهو أَوْلى من القول
السابقِ المحكيِّ عن بعضهم.
وقال الماورديُّ واستظهره أبو حيَّان(٢): إنَّ الضمائرَ للمتنازعين في حديثهم قبلَ
ظهورِهم عليهم، فيكون قد أَخبر سبحانه نبيَّه ◌َ﴿ بما كان من اختلاف قومِهم في
عددهم.
(١) قبلها في (م): بل.
(٢) في البحر ١١٣/٦، وكلام الماوردي في النكت والعيون ٢٩٧/٣.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٧٨
الآية : ٢٢
ولا يخفَى أَنَّه يُبعد هذا القولَ حكايةُ تلك الأقوالِ بصيغة الاستقبالِ مع تعقيِها
بقوله تعالى: (قُل رَّبِ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم) وقد تقدَّم روايةُ أنَّ القومَ حين أَتَوا بابَ الكهفِ
مع المبعوثِ لاشتراء الطعام، قال: دعوني أَدخلْ إلى أصحابي قبلَكم، فدخل
وعُمِّيَ على القوم أثرُهم، وفي رواية أنَّهم كلَّما أراد أن يدخلَ عليهم أحدٌ منهم
رعبوا، فتُرکوا وبُني عليهم مسجد.
فلو قيل على هذا: إنَّ الضمائرَ للمعثَرين، اختلفوا في عددهم لعدم تمكُّنهم من
رؤيتهم والاجتماع معهم، فقالت كلُّ طائفةٍ منهم ما قالت، ولعلَّ الطائفةَ الأخيرةَ
استخبرت الفتى فَأَخبرها بتلك العدَّة، فصدَّقته وأَخذت كلامَه بالقَبول، وتأيَّد
بما عندهم من أخبار أسلافِهم، فقالت ذلك عن يقين، ورجمت الطائفتان
المتقدِّمتان لعدم ثبوتِ ما يفيد العلمَ عندهما، ولعلَّهما كانتا كافرتين = لم يَبْعُد (١)
بعدَ ما نُقل عن الماورديّ، فتدبَّر.
ومن غريبٍ ما قيل: إنَّ الضميرَ في ((يقولون سبعة)) لله عزَّ وجلّ، والجمعَ
للتعظيم .
وأسماؤهم على ما صحَّ عن ابن عبّاس: مكسلمينا، ويمليخا، ومرطولس،
وثبيونس، ودردونس، وكفاشيطيطوس، ومنطنواسيس وهو الرَّاعي، والكلبُ اسمُه
قطمير. ورُوي عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه أنَّ أَسماءهم: يمليخا، ومكشلينيا،
ومثلينيا، وهؤلاء أصحابُ يمينِ الملك، ومرنوش، ودبرنوش، وشاذنوش، وهؤلاء
أصحابُ يسارِهِ، وكان يستشير السِّتَّة، والسابعُ الراعي، ولم يُذكَر في هذه الروايةِ
اسمُه، وذكر فيها أنَّ اسمَ كلِهم قطمير.
وفي صحَّة نسبةِ هذه الرِّوايةِ لعليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه مقال، وذكر العلّامة
السيوطيُّ في حواشي البيضاويِّ أنَّ الطبرانيَّ روى ذلك عن ابن عباسٍ في ((معجَمه
الأَوسط)) بإِسنادٍ صحيح، والذي في ((الدُّر المنثور))(٢) روايةُ الطبرانيّ في ((الأَوسط))
بإسنادٍ صحيحٍ ما قدَّمناه عن ابن عباس، والله تعالى أعلم.
(١) جواب لقوله: فلو قيل ...
(٢) ٢١٧/٤ وينظر ما سلف ص٢٦٩-٢٧٠ من هذا الجزء.

الآية : ٢٢
٢٧٩
سُورَةُالگھْفِٹ
وقد سُمُّوا في بعض الرواياتِ بغير هذه الأسماء، وذكر الحافظُ ابنُ حجرٍ في
شرح البخاريٌّ(١) أنَّ في النُّطق بأسمائهم اختلافاً كثيراً، ولا يقع الوثوقُ من
ضبطها. وفي ((البحر))(٢) أنَّ أسماءَ أصحاب الكهفِ أعجميةٌ لا تنضبط بشكلٍ
ولا نَقط، والسندُ في معرفتها ضعيف.
وذكروا لها خواصًّا، فقال النيسابوريُّ(٣) عن ابن عباس: إنَّ أسماءَ أصحابٍ
الكهفِ تصلح للطّلب، والهرب، وإطفاءِ الحريق، تكتب في خِرقةٍ ويُرمَى بها في
وسَط النار، ولبكاء الطّفل، تكتب وتوضع تحتَ رأسهٍ في المهد، وللحرث، تكتب
على القِرطاس ويرفع على خشبٍ منصوبٍ في وسَط الزَّرع، وللضَّرَبان(٤)، وللحمَّى
المُثلِثة (٥)، والصُّداع، والغنى، والجاه، والدُّخولِ على السَّلاطين، تُشدُّ على الفَخِذ
اليمنى، ولعُسر الولادة، تُشدُّ على الفخذ الأيسر، ولحفظ المال، والركوب في
البحر، والنَّجاة من القتل. انتهى.
ولا يصحُّ ذلك عن ابن عباس ولا عن غيره من السَّلف الصالح، ولعله شيءٌ
افتراه المتزيُّون بزيِّ المشايخ لأخذ الدَّراهم من النساء وسَخَفة العقول، وأنا أَعدُّ
هذا من خواصِ أسمائهم؛ فإنَّه صحيحٌ مجرَّبَ.
وقرئ: ((وثامنُهم كالِيُهم)»(٦) أي: صاحبُ كلِهم. واستدلَّ بعضُهم بهذه القراءة
على أنَّهم ثمانيةُ رجال، وأوَّل القراءةَ المتواترةَ بأنَّها على حذف مضاف، أي:
وصاحبُ کلیهم. وهو كما ترى.
﴿فَلَا تُمَارٍ﴾ الفاءُ لتفريع النَّهي على ما قبلَه، والمماراةُ - على ما قال
الرَّاغب(٧) - المحاجَّة فيما فيه مِرية، أي: تردُّد، وأصلُ ذلك مِن: مريتُ الناقة، إذا
(١) ٦ / ٥٠٥ .
(٢) ٦/ ١٠١.
(٣) في غرائب القرآن ١١٠/١٥.
(٤) الضربان: مَوَجان العروق بالألم، وضَرَبَ العِرْقُ: هاج دمُه واختلج. ينظر شرح ديوان
الحماسة ١٨٧٧/٤، والمعجم الوسيط (ضرب).
(٥) أي: تعتاد المريض في اليوم الثالث.
(٦) البحر المحيط ١١٤/٦.
(٧) في المفردات (مري).

سُوَدَّةُ الكَهْفِ
٢٨٠
الآية : ٢٣
مسحتَ ضَرعَها للحلب. وفسَّرها غيرُ واحدٍ بالمجادلة، وهي المحاجَّة مطلقاً، أي:
إذ قد وقفتَ على أنَّ في الخائضين مخطئاً ومصيباً فلا تجادِلْهم ﴿فِهِمْ﴾ أي: في
شأن الفتيةِ ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ غيرَ متعمَّقٍ فيه، وذلك بالاقتصار على ما تعرَّض له
الوحيُّ المبينُ من غير تجهيلٍ لجميعهم؛ فإنَّ فيهم مصيباً وإن قلّ، ولا تفضیحِ
وتعنيفٍ للجاهل منهم؛ فإنَّ ذلك مما يُخلُّ بمكارم الأخلاقِ التي بُعثتَ لإِتمامها .
وقال ابنُ زيد: المراءُ الظاهر: القولُ لهم: ليس كما تعلمون. وحكى
الماورديُّ(١) أنَّ المراءَ الظاهرَ ما كان بحجَّةٍ ظاهرة. وقال ابن الأنباريّ: هو جدالُ
العالم المتيقِّن بحقيقة الخبر. وقال ابنُ بحر: هو ما يَشهده الناس. وقال التِّبريزي:
المرادَّ من الظاهر: الذاهبُ بحجّة الخصم، يقال: ظهر، إذا ذهب، وأنشد:
وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها(٢)
أي: ذاهب.
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ﴾ ولا تطلب الفُتيا ﴿فِيهِم﴾ في شأنهم ﴿مِّنْهُمْ﴾ من الخائضين
فإنَّ فيما أَفتيناك غنّى عن الاستفتاء، فيحمل على التفتِّ المنافي
﴿أَحَدًا (َّ
لمكارم الأخلاق؛ إذ الحالُ لا تقتضي تطييبَ الخواطرِ أو نحوَ ذلك.
وقيل: المعنى: لا ترجِعْ إليهم في شأن الفتية، ولا تصدِّق القولَ الثالثَ من
حيث صدورُه منهم، بل من حيث التلقِّي من الوحي.
وقيل: المعنى: إذ قد عرفتَ جهلَ القولَين، فلا تجادلْهم في شأنهم إلَّا جدالاً
ظاهراً، قَدْرَ ما تعرَّضَ له الوحيُّ من وصفهم بالرَّجم بالغيب، ولا تستفتٍ فيهم من
أولئك الطائفتين أحداً؛ لاستغنائك بما أُوتيت، مع أنَّهم لا علمَ لهم بذلك. وهو
خلافُ الظاهرِ كما لا يخفى.
﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ﴾ أي: لأَجل شيءٍ تعزمُ عليه ﴿إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ﴾ الشيءَ
◌ِغَدًا
﴾﴾ أي: فيما يُستقبل من الزَّمان مطلقاً، وهو تأكيدٌ لما يدلُّ علیه اسمُ
الفاعل، بناءً على أنَّه حقيقةٌ في الاستقبال، ويدخل فيه الغدُ بمعنى اليوم الذي يلي
(١) في النكت والعيون ٢٩٨/٣.
(٢) شطر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في شرح أشعار الهذليين ١/ ٧٠، وسلف ١٦٥/١٣.