Indexed OCR Text

Pages 221-240

الآية : ١٤
٢٢١
سُوَّةُ الكَهْفِ
وجوَّز بعضُهم أن يكونَ في الكلام استعارةٌ مكنيةٌ تخييلية، وعُدِّي الفعلُ بـ ((على))
وهو متعدٍّ بنفسه؛ لتنزيله منزلةَ اللازمِ، كقوله:
... يَجرحْ في عراقيبها نَصْلي(١)
﴿إِذْ قَامُواْ﴾ متعلِّق بـ ((ربطنا))، والمرادُ بقيامهم انبعاثُهم بالعزم على التوجُّه
إلى الله تعالى ومنابذةِ الناس، كما في قولهم: قام فلانٌ إلى كذا: إذا عزم عليه بغاية
الجِدّ. وقريبٌ منه ما قيل: المرادُ به انتصابُهم لإِظهار الدِّين.
أخرج ابنُ المنذرِ وابن أبي حاتمِ [عن مجاهد] أنَّهم خرجوا من المدينة
فاجتمعوا وراءَها على غيرِ ميعاد، فقال رجلٌ منهم هو أشبههم: إني لأَجد في نفسي
شيئاً ما أظنُّ أحداً يجده، قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أنَّ ربي ربُّ
السماواتِ والأرض، فقالوا أيضاً: نحن كذلك، فقاموا جميعاً ﴿فَقَالُواْ رَبِّنَا رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾(٢) .
وقد تقدَّم آنفاً عن ابن عباسٍ القولُ باجتماعهم على غيرِ ميعادٍ أيضاً، إلَّا أنَّه قال:
إنَّ بعضَهم أخفَى حالَه عن بعض، حتى تعاهدوا فاجتمعوا على كلمةٍ فقالوا ذلك.
وقال صاحبُ ((الغنيان)): المرادُ به وقوفُهم بين يدي الجبّارِ دِقيانوس، وذلك
أنَّهم قاموا بين يديه حين دعاهم إلى عبادة الأوثان، فهذَّدهم بما هدَّدهم، فبينما هم
بين يديه، تحرَّكت هِرَّة - وقيل: فأرة - ففزع الجبارُ منها، فنظر بعضُهم إلى بعض،
فلم یتمالکوا أن قالوا ذلك غیرَ مکترثین به.
وقيل: المرادُ قيامُهم لدعوة الناسِ سرًّا إلى الإيمان.
وقال عطاء: المرادُ قيامُهم من النوم. وليس بشيء. ومثلُه ما قيل: إنَّ المرادَ
قیامُهم على الإِيمان.
وما أحسنَ ما قالوا؛ فإنَّ ربوبيَّته تعالى السماوات والأرضِ تقتضي ربوبيتَه لِمَا
فيهما - وهم مِن جملته - أيَّ اقتضاء، وأردفوا دعواهم تلك بالبراءة من إلهٍ غيرِه
(١) قطعة من بيت لذي الرمّة، وهو في دبوانه ١٥٦/١، وسلف ١٦١/١٠.
(٢) الدر المنثور ٢١٤/٤، وما بين حاصرتين منه.

سُوَدَّةُ الكَهْفَِ
٢٢٢
الآية : ١٤
عزَّ وجلّ، فقالوا: ﴿لَن نَّدْعُوَأْ مِن دُونِهِ: إِلَهًا﴾، وجاؤوا بـ ((لن)) لأنَّ النفيَ بها أبلغُ
من النفي بغيرها، حتى قيل: إنَّه يفيد استغراقَ الزمان، فيكون المعنى: لا نعبد أبداً
مِن دونه إلهاً، أي: معبوداً آخَر، لا استقلالاً ولا اشتراكاً .
قيل: وعدلوا عن قولهم: ربًّا، إلى قولهم: ((إلهاً)) للتنصيص على ردِّ المخالفين
حيث كانوا يسمُّون أصنامَهم آلهة، وللإِشعار بأنَّ مدارَ العبادةِ وصفُ الأُلوهية،
وللإِيذان بأنَّ ربوبيَّته تعالى بطريق الألوهية لا بطريق المالكيةِ المجازية.
وقد يقال: إنَّهم أشاروا بالجملة الأُولى إلى توحيد الرُّبوبية، وبالجملة الثانيةِ
إلى توحيد الألوهية، وهما أمران متغايران، وعبدةُ الأوثانِ لا يقولون بهذا ويقولون
بالأوَّل ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وحكى
سبحانه عنهم أنَّهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُنَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] وصحَّ
أنهم يقولون أيضاً: لبّيك لا شريكَ لك، إلَّا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
وجاؤوا بالجملة الأُولى - مع أنَّ ظاهر القصَّة كونُهم بصدد ما تُشير إليه الجملةُ
الثانيةُ من توحيد الأُلوهية؛ لأنَّ الظاهر أنَّ قومَهم إنَّما أشركوا فيها، وهم إنَّما دعوا
لذلك الإِشراك - دلالةً على كمال الإِيمان، وابتدؤوا بما يُشير إلى توحيد الرُّبوبية؛
لأنَّه أولُ مراتبِ التوحيد، والتوحيدُ الذي أقرَّت به الأرواحُ في عالَم الذَّرِّ يومَ قال
لها سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وفي ذِكر ذلك أوَّلاً وذكرِ الآخَر بعده
تدرُّج في المخالفة؛ فإنَّ توحيد الربوبيةِ يشير إلى توحيد الألوهية، بناءً على أنَّ
اختصاصَ الرُّبوبيةِ به عزَّ وجلَّ علَّةٌ لاختصاص الأُلوهيةِ واستحقاقِ المعبوديةِ به
سبحانه وتعالى، وقد أَلزم جلَّ وعلا الوثنيةَ القائلين باختصاص الربوبيةِ بذلك في
غيرِ موضعٍ، ولكون الجملةِ الأولى - لكونها مشيرةً إلى توحيد الربوبيةِ - مشيرةً إلى
توحيد الألوهية قيل: إنَّ في الجملة الثانيةِ تأكيداً لها، فتأمَّل، ولا تَعجَلْ
بالاعتراض.
والجارُّ والمجرورُ متعلِّق بمحذوفٍ وقع حالاً من النّكرة بعده، ولو أُخِّر لَكان
صفة، أي: لن ندعوَ إلهاً كائناً مِن دونه تعالى.
﴿لَقَدْ قُلْنَاً إِذَا شَطَطًا (﴾ أي: قولاً ذا شطط، أي: بُعدٍ عن الحقِّ مُفرِط، أو
قولاً هو عينُ الشططِ والبُعد المفرطِ عن الحقّ، على أنَّه وُصِف بالمصدر مبالغةً، ثم

الآية : ١٥
٢٢٣
سُوَرَةُ الكَهْفِ
اقْتُصر على الوصف مبالغةً على مبالغة. وجوَّز أبو البقاءٍ (١) كونَ ((شططاً)) مفعولاً به
لـ ((قلنا)). وفسَّره قتادةُ بالكذب، وابنُ زيدٍ بالخطأ، والسُّدِّيُّ بالجَور. والكلُّ تفسيرٌ
باللازم، وأصلُ معناه ما أشرنا إليه؛ لأنَّه مِن شظّ: إذا أَفرط في البُعد، وأَنشدوا:
شطّ المرادُ بحزوَى وانتهى الأَملُ(٢)
وفي الكلام قَسَمٌ مقدَّر، واللامُ واقعةٌ في جوابه، ((وإذاً)) حرفُ جوابٍ وجزاء،
فتدلُّ على شرطٍ مقدَّر، أي: لو دَعونا وعبدنا مِن دونه إلهاً واللهِ لقد قلنا ... إلخ،
واستلزامُ العبادةِ القولَ؛ لمَا أنَّها لا تَعرَى عن الاعتراف بأُلوهية المعبودِ والتضرُّعِ
إليه، وفي هذا القولِ دلالةٌ على أنَّ الفِتية دُعوا لعبادة الأصنام وليموا على تركها .
وهذا أوفقُ بکون قیامِهم بين يدي الملك.
﴿هَؤُلَاءٍ﴾ هو مبتدأ، وفي اسم الإشارةِ تحقيرٌ لهم ﴿قَوْمُنَا﴾ عطفُ بيانٍ له
لا خبر؛ لعدم إِفادته، ولا صفة؛ لعدم شرطِها، والخبرُ قولُه تعالى: ﴿أَمَّخَذُواْ مِن
دُونِ﴾ تعالى شأنُه ﴿َالِهَةٌ﴾ أي: عملوها ونحتوها لهم.
قال الخفاجيّ(٣): فيفيد أنَّهم عبدوها، ولا حاجةً إلى تقديره كما قيل بناءً على
أنَّ مجردَ العملِ غيرُ كافٍ في المقصود.
وتفسيرُ الاتخاذِ بالعمل أحدُ احتمالَين ذكرهما أبو حيَّان(٤)، والآخَرُ تفسيرُه
بالتصيير، فيتعدَّى إلى مفعولين أحدُهما (آلهة)) والثاني مقدَّر، وجوِّز أن يكونَ ((آلهة))
هو الأوَّل، و((من دونه)) هو الثاني. وهو كما ترى. وأيًّا ما كان، فالكلامُ إخبارٌ فيه
معنى الإِنكار، لا إخبارٌ محض، بقرينة ما بعدَه، ولأنَّ فائدةَ الخبرِ معلومة.
﴿لَّوْلَا يَأْتُونَ﴾ تحضيضٌ على وجه الإِنكارِ والتعجيز؛ إذ يستحيل أنْ يأتوا
﴿عَلَيْهِم﴾ بتقديرِ مضاف، أي: على أُلوهيَّتهم، أو على صحَّة اتِّخاذِهم لها آلهة
(١) في الإملاء ٣/ ٥٠٧ .
(٢) وعجزه: فلا خيالٌ ولا عهدٌ ولا طللُ، والبيت لعمرو بن الأحمر، وهو في ديوانه ص ١٣٣،
وفيه: شط المزار بجَدْوَى وانتهى ...
(٣) في حاشيته ٦/ ٨٠.
(٤) في البحر ١٠٦/٦.

سُورَةُ الْكَهْفَِّ
٢٢٤
الآية : ١٦
﴿يُسُلْطَانٍ بَيْنٍ﴾ بحجَّة ظاهرةِ الدَّلالة على مدَّعاهم؛ فإنَّ الدِّين لا يؤخذ إلَّا به،
واستدلَّ به على أنَّ ما لا دليل عليه من أمثال ما ذُكر مردود.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ®﴾ بنسبة الشريكِ إليه، تعالى عن ذلك
علوًّا كبيراً. وقد مرَّ تحقيقُ المرادِ من مثل هذا التركيب. وهذه المقالةُ يحتمل أن
يكونوا قالوها بين يدي الجبّار تبكيتاً له وتعجيزاً، وتأكيداً للتبرِّي من عبادةِ ما يدعوهم
إليه بأسلوبٍ حَسَن، ويحتمل أن يكونوا قالوها فيما بينهم لمَّا عزموا لِمَا عزموا عليه.
وخبرُ ابن عباسٍ ﴿ّ السابقُ نصِّ في أنَّ هذه المقالةَ وما قبلها وما بعدها إلى
(مرفقاً) مقولةٌ فيما بينهم، ودعوى أنَّه إذا كان المرادُ من القيام فيما مرَّ قيامَهم بين
يدي الجبَّار يتعيَّن كونُ هذه المقالةِ صادرةً عنهم بعد خروجِهم من عنده = غيرُ
مسلَّمةٍ كما لا يخفى.
نعم ينبغي أن يكونَ قولُه تعالى: ﴿وَإِ أَعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللََّ﴾ مقولاً
فيما بينهم مطلقاً خاطَّبَ به بعضُهم بعضاً. وفي ((مَجمَع البيان))(١) عن ابن عباسٍ أنَّ
قائله یملیخا .
والاعتزالُ تجنُّب الشيءِ بالبدن، أو بالقلب، وكلا الأمرين محتملٌ هنا.
والتعزُّل بمعناه، ومن ذلك قولُه:
يا بيتَ عاتكةَ الذي أتعزَّلُ حَذَرَ العِدا وبه الفؤادُ موَّلٌ(٢)
و((ما)) يحتمل أن تكونَ موصولة، وأن تكونَ مصدرية، والعطفُ في الاحتمالَين
على الضمير المنصوب.
والظاهرُ أنَّ الاستثناءَ فيهما متَّصل، ويقدَّر على الاحتمال الثاني مضافٌ في
جانب المستثنى ليتأتَّى الاتصال، أي: وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم الذين يعبدونهم
إلَّا الله تعالى، أو: إذ اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتَهم إلَّ عبادةَ اللهِ عزَّ وجلَّ. وتقديرُ
مستثنى منه على ذلك الاحتمالِ لذلك - نحو: عبادتهم لمعبوديهم - تكلُّف.
ويحتمل أن يكونَ منقطعاً.
(١) ١٥/ ١٢٧.
(٢) البيت للأحوص، وهو في ديوانه ص ١٥٢، وسلف ١٤/ ٥٥٤.

الآية : ١٦
٢٢٥
سُوَّةُ الكَهْفِ
وعلى الأوَّل يكون القومُ عابدين اللهَ تعالى وعابدين غيرَه، كما جاءَ ذلك في
بعض الآثار؛ أَخرج سعيدُ بن منصورٍ وابنُ المنذر وابن أبي حاتمٍ وأبو نُعَيم عن
عطاءِ الخراسانيّ أنَّه قال: كان قومُ الفتيةِ يعبدون اللهَ تعالى ويعبدونَ معه آلهةً شتَّى،
فاعتزلت الفتيةُ عبادةَ تلك الآلهةِ ولم تعتزل عبادةَ اللهِ تعالى(١).
وعلى الثاني يكونون عابدين غيرَه تعالى فقط؛ قيل: وهذا هو الأَوفقُ بقوله
تعالى أوّلاً: (هَؤُلاءِ قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ= ءَالِهَةٌ) فتأمَّل.
وجوِّز أن تكونَ ((ما)) نافية، والاستثناءُ مفرَّغ، والجملةُ إخبارٌ من الله تعالى عن
الفِتِية بالتوحيد، معترضةٌ بين ((إذ)) وجوابِهِ، أعني قولَه تعالى: ﴿فَأْوُا﴾ أي: التجِئوا
﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾ ووجهُ الاعتراضٍ - على ما في ((الكشف)) - أنَّ قولَه تعالى: ((وإذ
اعتزلتموهم ... فأووا)) معناه: وإذ اجتنبتم عنهم وعمّا يعبدون، فأَخلِصوا له العبادةَ
في موضعٍ تتمكَّنون منه، فدلَّ الاعتراضُ على أنَّهم كانوا صادقين، وأنَّهم أَقاموا
بما وصَّى به بعضُهم بعضاً، فهو يؤكِّد مضمونَ الجملة. وإلى كون ((فأووا)) جوابَ
(إذ)) ذهب الفرَّاء(٢).
وقيل: إنَّه دليلُ الجواب، أي: وإذ اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقاديًّا، فاعتزلوهم
اعتزالاً جسمانيًّا، أو: إذا أردتم الاعتزالَ الجسمانيَّ فافعلوا ذلك.
واعتُرض كلا القولَين بأنَّ ((إذ)) بدون (ما)) لا تكون للشَّرط، وفي ((همع
الهوامع)) أنَّ القول بأنَّها تكون له قولٌ ضعيفٌ لبعض النُّحاة، أو تسامح؛ لأنَّها
بمعناه، فهي هنا تعليلية، أو ظرفيَّة، وتعلُّقها قيل: بأَوَوْا محذوفاً دلَّ عليه
المذكور، لا به؛ لمكان الفاءِ، أو بالمذكور، والظرفُ يُتُوسَّع فيه ما لا يتوسّع في
غيره.
وقال أبو البقاءِ(٣): ((إذ)) ظرفٌ لفعل محذوف، أي: وقال بعضُهم لبعض.
وظاهرُه أنَّه عنَى بالفعل المحذوفِ قال. وأقول: هو من أَعجب العجائب.
(١) حلية الأولياء ٥/ ٢٠٠، والدر المنثور ٢١٦/٤.
(٢) في معاني القرآن ٢/ ١٣٦ .
(٣) في الإملاء ٥٠٧/٣ .

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٢٦
الآية : ١٦
وفي مصحف ابن مسعود - كما أَخرِج ابنُ جَرِير(١) وابنُ أبي حاتم عن قتادة -:
«وما يعبدون مِن دونِ الله)).
وقال هارون: في بعض المصاحف(٢): ((وما يعبدونَ مِن دونِنا)) وهذا يؤيِّد
الاعتراض.
وفي ((البحر)) أنَّ ما في المصحفين تفسيرٌ لا قراءة؛ لمخالفته سوادَ الإِمام،
وزَعَمَ أنَّ المتواترَ عن ابن مسعودٍ ما فيه(٣).
﴿يَنْشُرْ لَكُ﴾ يبسُطْ لكم ويوسِّع عليكم ﴿رَبُّكُم﴾ مالكُ أمرٍكم الذي هداكم
الإِيمان ﴿مِّنْ زَّحْمَتِهِ﴾ في الدارين ﴿وَيُّهَبِى﴾ يسهِّل ﴿لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم
بصدده، من الفِرار بالدِّين والتوجُّهِ التامِّ إلى الله تعالى ﴿مِّرْفَقًا ﴾﴾ ما ترتفقون
وتنتفعون به وهو مفعولُ ((يهيئ))، ومفعولُ ((ينشر)) محذوف، أي: الخيرَ، ونحوَه.
و (من أمركم)) - على ما في بعض الحواشي - متعلِّق بـ ((يهيِّى))، و((من)) لا بتداءٍ
الغاية، أو للتبعيض، وقال ابنُ الأَنباريّ: للبدل، والمعنى: يهيِّئُ لكم بدلاً عن
أمركم الصعبِ مرفقاً، كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا مِن
اَلْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] وقوله:
فليت لنا من ماءِ زمزمَ شَربةً مبرَّدَةً باتت على طَهِيَانِ(٤)
وجوِّز أن يكونَ حالاً من ((مرفقاً)) فيتعلَّق بمحذوف. وتقديمُ ((لكم)) لِمَا مَرَّ مراراً
من الإِيذان من أوَّل الأمرِ بكون المؤشّر من منافعهم، والتشويقِ إلى وروده.
والظاهرُ أنَّهم قالوا هذا ثقةً بفضل اللهِ تعالى، وقوَّةً في رجائهم؛ لتوُّلهم عليه
سبحانه، ونُصوع يقينهم، فقد كانوا علماءَ بالله تعالى. فقد أخرج الطبرانيُّ وابنُ
المنذر وجماعةٌ عن ابن عباسٍ قال: ما بعث اللهُ تعالى نبيًّا إلَّ وهو شابٌ،
ولا أُوتي العلمَ عالمٌ إلَّا وهو شابّ، وقرأ: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَّى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ:
(١) تفسير الطبري ١٨٢/١٥ وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ٢١٦/٤.
(٢) هو مصحف عبد الله بن مسعود كما في البحر ١٠٦/٦.
(٣) أي: ما في السواد. البحر ١٠٦/٦.
(٤) البيت ليعلى الأحول كما في الأغاني ١٤٧/٢٢، والخزانة ٢٧٦/٥، وسلف ٤٩/٤.

الآية : ١٦
٢٢٧
سُورَةُ الكَهْفِ
إِنْزَهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] و﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ [الكهف: ٦٠] و(إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ
بَيِّهِمْ)(١).
وجوِّز أن يكونوا قالوه عن إخبار نبيٍّ في عصرهم به، وأن يكونَ بعضُهم نبيًّا
أُوحي إليه ذلك فقاله. ولا يخفَى أنَّ ما ذُكر مجرَّدُ احتمالٍ من غيرِ داع.
وقرأ أبو جعفر، والأَعرج، وشيبة، وحميد، وابنُ سعدان، ونافع، وابنُ عامر،
وأبو بكرٍ في رواية الأَعشى والبُرجُميِّ والجُعفيِّ عنه، وأبو عَمرو في رواية هارون:
((مَرِفِقاً)) بفتح الميم وكسرٍ الفاء(٢). ولا فرقَ بينه وبين ما هو بكسر الميم وفتحِ الفاء
معنّى، على ما حكَاه الزجَّاج(٣) وثعلب، فإنَّ كلَّا منهما يقال في الأمر الذي يُرتفق
به وفي الجارحة.
ونقل مكِّي عن الفرَّاء أنَّه قال: لا أَعرف في الأمر وفي اليد وفي كلِّ شيءٍ إلَّا
کسرَ المیم.
وأَنكر الكسائيُّ أن يكونَ المرفقُ من الجارحة إلَّا بفتح الميمِ وكسرِ الفاء،
وخالفه أبو حاتم وقال: المَرفق بفتح الميم: الموضعُ كالمسجد.
وقال أبو زيد: هو مصدرٌ جاء على مَفعِل، كالمرجع. وقيل: هما لغتان
فيما يُرتفق به، وأمَّا من اليد فبكسر الميم وفتح الفاءِ لا غير.
وعن الفرَّاء أنَّ أهلَ الحجازِ يقولون: مَرفِقاً، بفتح الميم وكسر الفاءِ،
فيما ارتفقت به، ويكسرون مِرفَق الإِنسان، وأمَّا العربُ فقد يكسرون الميمَ
منهما جمیعاً (٤). اهـ.
وأجاز معاذٍّ فتحَ الميمِ والفاء(٥) .
(١) المعجم الأوسط (٦٤٢١) والدر المنثور ٢١٥/٤-٢١٦.
(٢) التيسير ص١٤٢، والنشر ٣١٠/٢ عن نافع وابن عامر وأبي جعفر، والكلام من البحر
١٠٧/٦.
(٣) في معاني القرآن ٣/ ٢٧٢.
(٤) انظر معاني القرآن ١٣٦/٢ ونقل المصنف هذه الأقوال عن البحر ٦/ ١٠٧.
(٥) القراءات الشاذة ص٧٨، والبحر المحيط ٦/ ١٠٧ .

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٢٨
الآية : ١٧
هذا واستُدل بالآية على حُسن الهجرةِ لسلامة الدِّين، وقُبح المقام في دار الكفرِ
إذا لم يمكن المقامُ فيها إلَّا بإِظهار كلمةِ الكفر، وبالله تعالى التوفيق.
﴿وَرَى الشَّمْسَ﴾ بيانٌ لحالهم بعد ما أَوَوا إلى الكهف، ولم يصرِّح سبحانه به
تعويلاً على ما سبق من قولِه تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ) وما لحق من إِضافة
الكهفِ إليهم وكونهم في فجوةٍ منه.
وجوِّز أن يكونَ إِيذاناً بعدم الحاجة إلى التصريح؛ لظهور جَرَيانِهم على موجَب
الأمر، لكونه صادراً عن رأي صائب. وقد حَذَفَ سبحانه وتعالى أيضاً جُمَلاً أخرى
لا تخفَی.
والخطابُ لرسول اللهِ وَّل، أو لكلِّ أحدٍ ممَّن يصلح له، وهو للمبالغة في الظهور.
وليس المرادُ الإخبارَ بوقوع الرؤية، بل الإِنباءَ بكون الكهفِ لو رأيتَه ترى الشمسَ
﴿إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ﴾ أي: تتنخَّى، وأصلُه: تتزاور بتاءين، فحُذف أحدُهما تخفيفاً، وهي
قراءةُ الكوفيين، والأَعمش، وطلحة، وابنٍ أبي ليلى، وخَلَف، وابنِ سعدان،
وأبي عُبَيدة (١)، وأحمدَ بن جُبَير الأَنطاكي، ومحمدٍ بن عيسى الأَصبهاني.
وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو: ((تزَّاور)) بفتح التاءِ وتشديدِ الزاي(٢)، وأصلُه أيضاً:
تتزاور، إلّا أنَّه ◌ُدغمت التاءُ في الزاي بعد قلبها زاياً.
وقرأ ابنُ أبي إسحاق، وابنُ عامر، وقتادة، وحميد، ويعقوبُ عن العُمري:
(تَزْوَرُ)) كتحمرّ (٣)، وهو من بناء الافعلالِ(٤) من غير العيوبِ والألوان، وقد جاء
ذلك نادراً .
وقرأ جابر، والجَحدري، وأبو رجاءٍ، والسَّختياني، وابنُ أبي عبلة، ووردان
عن أبي أيُّوب(٥): ((تَزْوارُ)) كتحمارٌ، وهو في البناءِ كسابقه .
(١) في البحر المحيط ٦/ ١٠٧: أبو عبيد. وقراءة الكوفيين في التيسير ص ١٤٢، والنشر ٣١٠/٢.
(٢) التيسير ص ١٤٢، والنشر ٣١٠/٢.
(٣) التيسير ص ١٤٢، والنشر ٢/ ٣١٠ عن ابن عامر ويعقوب، والكلام من البحر ١٠٧/٦.
(٤) في (م): الأفعال.
(٥) في البحر ١٠٨/٦: وورد عن أيوب. وانظر القراءات الشاذة ص٧٨، والمحتسب ٢٥/٢.

الآية : ١٧
٢٢٩
سُورَةُ الكَهْفِتْ
وقرأ ابنُ مسعودٍ وأبو المتوكّل: (تَزْوَثِرُّ)) بهمزةٍ قبل الراءِ المشدَّدة(١)، كتطمئنٌ.
ولعله إنَّما جيء بالهمزة فراراً من التقاء الساكنين وإنْ كان جائزاً في مثل ذلك ممَّا
كان الأولُ حرفَ مدِّ والثاني مُدْغماً في مثله.
وكلُّها من الزَّوَر، بفتحتين مع التخفيف، وهو الميل. وفيَّده بعضُهم بالخلقي،
والأَكثرون على الإِطلاق، ومنه الأَزوَر: المائلُ بعينه إلى ناحية، ويكون في غير
العين، قال ابنُ أبي ربيعة:
. وجَنْبي خِيفةَ القومِ أَزْوَرُ(٢)
وقال عنترة:
وشكا إليَّ بعَبرةٍ وتَحمحُمِ(٣)
فازورَّ من وَقعِ القنا بلَبانه
وقال بِشرُ بن أبي حازم:
وفيها عن أَبانَيْنِ ازورارُ(٤)
تؤمُّ بها الحداةُ مياهَ نخلٍ
ومنه: زاره: إذا مالَ إليه. والزُّور، أي: الكذب؛ لميله عن الواقع وعدمٍ
مطابقتِهِ له، وكذا الزُّورُ بمعنى الصنمِ في قوله:
جاؤوا بزُورَيْهم وجئنا بالأصمّ(٥)
وقال الراغب(٦): إنَّ الزَّوَر، بتحريك الواو، مَيلٌ في الزَّوْر، بتسكينها، وهو
أَعلى الصَّدر، والأَزور: المائلُ الزَّور، أي: الصدر، وزرت فلاناً: تلقَّيته بزَوري،
أو قصدت زَورَه، نحو: وَجَهتُه، أي: قصدت وجهَه. والمشهورُ ما قدَّمناه.
(١) البحر ١٠٨/٦، وانظر القراءات الشاذة ص٧٨.
(٢) البحر ٦/ ٩٣، ورواية الديوان ص٩٦ :
وخُفِّضَ عني الصوتُ أَقبلتُ مِشيةَ الـب حُبَابٍ وشخصي خشيةَ الحِيِّ أَزْوَرُ
(٣) الديوان ص٣٠.
(٤) الديوان ص ١٠٢. وأبانان: جبلان في البادية كما في اللسان (أبن).
(٥) الرجز للأغلب العجلي كما في العقد الفريد ٢٠٦/٥، وبعده: شيخٌ لنا قد كان من عهد
إرَمْ.
(٦) في المفردات (زور).

سُوَرَّةُ الكَهْفِ
٢٣٠
الآية : ١٧
وحُكي عن أبي الحسنِ أنَّه قال: لا معنى لـ ((تزوَرُّ» في الآية؛ لأنَّ الازورارَ
الانقباض. وهو طعنٌ في قراءة ابنٍ عامٍ ومَن معه بما يوجِب تغييرَ الكُنية.
وبالجملة المراد: إذا طلعت تروغُ وتميل ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الذي أوَوا إليه،
فالإضافةُ لأدنَى ملابسة ﴿ذَاتَ آلْيَمِينِ﴾ أي: جهةَ ذاتِ یمینِ الكهف عند توجُّه
الداخلِ إلى قعره، أي: جانِبه الذي يَلي المغرب، أو جهةَ ذاتٍ يمينِ الفتية، ومالُه
كسابقه، وهو نصبٌ على الظرفية؛ قال المبرِّد في ((المقتضَب)): ذاتُ اليمينِ وذاتُ
الشّمال من الظروف المتصرِّفة، كيميناً وشمالاً .
﴿وَ إِذَا غَرَبَتِ﴾ أي: تراها عندَ غروبها ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾ أي: تَعْدِلُ عنهم. قال
الكِسائي: يقال: قرضتُ المكانَ، إذا عَدَلْتَ عنه ولم تَقرَبْه ﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي:
جهةَ ذاتِ شمالِ الكهف، أي: جانبه الذي يلي المشرق.
وقال غيرُ واحد: هو من القرضِ بمعنى القطع، تقول العرب: قرضت موضعَ
كذا، أي: قطعته. قال ذو الرمَّة:
إلى ◌ُظُمُنٍ يَقرِضنَ أقوازَ مُشرِفٍ
شِمالاً وعن أيمانهنَّ الفوارسُ(١)
والمراد: تتجاوزهم ﴿وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي: في متَّسع من الكهف، وهي - على
ما قيل - من الفَجًا، وهو تباعُدُ ما بين الفخذين، يقال: رجل أَفجَى وامرأةٌ فجواء،
وتجمع على: فِجَاء وفُجًا وفَجَوات.
وحاصلُ الجملتين أنَّهم كانوا لا تُصيبهم الشمسُ أصلاً فتؤذيهم وهم في وسط
الكهفِ بحيث ينالهم رَوْحُ الهواء (٢)، ولا يؤذيهم کَربُ الغارِ ولا حرُّ الشمس،
وذلك لأنَّ بابَ الكهف - كما قال عبدُ الله بنُ مسلم وابنُ عطية(٣) - كان في
مقابلة بناتِ نعش (٤)، وأقربُ المشارقِ والمغاربِ إلى محاذاته مشرقُ رأسِ السَّرطان
(١) ديوان ذي الرمة ٢/ ١١٢٠. وجاء في هامش الأصل: القوز بالقاف والزاي المعجمة:
الكثيب الصغير، ويروى: أجواز، والمشرف: اسم رملة معروفة، والفوارس: رمال معروفة
بالدهناء. اهـ منه.
(٢) رَوْح الهواء بفتح الراء: نسيمه. حاشية الشهاب ٦/ ٨٢.
(٣) في المحرر الوجيز ٥٠٣/٣.
(٤) سبعة كواكب تشاهد جهة القطب الشمالي، شبِّهت بحَمَلة النعش. المعجم الوسيط (نعش).

الآية : ١٧
٢٣١
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
ومغربُه، والشمسُ إذا كان مدارُها مدارَه تطلع مائلةً عنه مقابِلةً لجانبه الأيمن، وهو
الذي يلي المغرب، وتغرب محاذيةً لجانبه الأَيسرِ، فيقع شعاعُها على جنبه، وتحلِّل
عفونتَه وتعدِّل هواه، ولا تقع عليهم فتؤذي أجسادهم وتُبلي ثيابَهم، ولعل ميلَ
البابِ إلى جانب المغربِ كان أكثر، ولذلك وقع التزاورُ على كهفهم والقرضُ على
أنفسهم.
وقال الزجَّاج (١): ليس ذلك لما ذُكر، بل لمحض صرفِ اللهِ تعالى الشمسَ بيد
قدرتِه عن أن تصيبَهم، على منهاج خرقِ العادةِ كرامةً لهم، وجيءَ بقوله تعالى:
(وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِنْهُ) حالاً مبيِّنةً لكون ما ذُكر أمراً بديعاً، كأنَّه قيل: ترى الشمسَ
تميل عنهم يميناً وشمالاً، ولا تحوم حولَهم، مع كونهم في متَّسع من الكهف
معرَّضٍ لإِصابتها، لولا أنْ كفَّها عنهم كفُّ التقدير. واحتجَّ عليه بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ
مِنْ ◌َيَتِ اَللَّهِ﴾ حيث جعل ((ذلك)) إشارةً إلى ما ذُكر من التزاوُر والقرضِ في الطلوع
والغروبٍ يميناً وشمالاً .
ولا يظهر كونُه آيَةً على القول السابقِ ظهورَه على قوله؛ فإنَّ كونَه آيةً دالَّة على
كمال قدرةِ الله تعالى وحقِّية التوحيدِ وكرامةِ أهله عنده سبحانه على هذا أظهرُ من
الشَّمس في رابعة الثَّهار. وكان ذلك قبل سدِّ بابِ الكهفِ على ما قيل.
وقال أبو عليّ: معنى تَقرضهم: تُعطيهم من ضوئها شيئاً، ثم تزول سريعاً
وتستردُّ ضوءها، فهو كالقرض يستردُّه صاحبُه. وحاصلُ الجملتين عنده أنَّ الشمسَ
تميل بالغُدوة عن كهفهم، وتُصيبهم بالعَشيِّ إصابةً خفيفة.
ورُدَّ بأنَّه لم يُسمَع للقرض بهذا المعنى فعلٌ ثلاثيٌّ ليفتحَ حرفُ المضارعة.
واختار بعضُهم كونَ المرادِ ما ذُكر، إلّا أنَّه جعل ((تَقرضَهم)) من القرض بمعنى
القطع، لا بالمعنى الذي ذكره أبو عليّ؛ لِمَا سمعت، وزعم أنَّه من باب الحذفِ
والإيصال، والأصل: تقرض لهم، وأنَّ المعنى: وإذا غربت تقطع لهم مِن ضوئها
شيئاً. والسببُ لاختياره ذلك توهُّمه أنَّ الشمسَ لو لم تُصِب مكانَهم أصلاً، لفَسد
هواؤه وتعفَّن ما فيه، فيصير ذلك سبباً لهلاكهم. وفيه ما فيه.
(١) انظر معاني القرآن ٢٧٣/٣-٢٧٤.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢٣٢
الآية : ١٧
وأكثرُ المفسِّرين على أنَّهم لم تُصِبهم الشمسُ أصلاً وإن اختلفوا في منشأ ذلك.
واختار جمعٌ أنه لمحض حَجبِ الله تعالى الشمسَ على خلافٍ ما جرت به العادة،
قالوا: والإِشارة تؤيِّد ذلك أَتَمَّ تأييد، والاستبعادُ ممَّا لا يلتفت إليه، لا سيّما فيما نحن
فيه، فإنَّ شأنَ أصحاب الكهف كلَّه على خلافِ العادة.
وبعضُ مَن ذهب إلى أنَّ المنشأ كونُ بابِ الكهف في مقابلة بناتِ نعشٍ جعل
ذلك إشارةً إلى إيوائهم إلى كهفِ هذا شأنُه. وبعضٌ آخَرُ جعله إشارةً إلى حفظ اللهِ
تعالى إياهم في ذلك الكهفِ المدَّةَ الطويلة. وآخَرُ جعله إشارةً إلى إِطلاعه سبحانه
رسولَهَ وَ﴿ على أخبارهم. واعتُرض على الأخيرين بأنَّه لا يساعدهما إيرادُ ذلك في
تضاعيف القصَّة. وجعله بعضُهم إشارةً إلى هدايتهم إلى التوحيد، ومخالفتهم قومَهم
وآباءهم، وعدمِ الاكتراثِ بهم وبمَلِكهم، مع حداثتهم وإيوائهم إلى كهفٍ شأنُه
ذلك. ولا يخلو عن حُسن، وإليه أَمِيل، والله تعالى أعلم.
وقرئَ: ((يَقرضهم)) بالياء آخرِ الحروف، ولعل الضميرَ عائدٌ على غروب
الشمس. وقال أبو حيَّان(١): أي: يَقرضهم الكهف. وهو كما ترى(٢).
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ مَن يدلُّه سبحانه دلالةٌ موصولةً إلى الحقِّ ويوفِّقه لما يحبُّه
ويرضاه ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِّ﴾ الفائزُ بالحظّ الأَوفر في الدَّارين.
والمرادُ إما الثناءُ على أصحاب الكهفِ والشهادةُ لهم بإصابة المطلوب،
والإِخبارُ بتحقُّق ما أمَّلوه من نشر الرحمةِ وتهيئةِ المرفق، أو التنبيهُ على أنَّ أمثالَ
هذه الآياتِ كثيرة، ولكنَّ المنتفع(٣) بها مَن وقَّقه اللهُ تعالى للتأمُّل فيها والاستبصارِ
بها، فالمرادُ بـ ((مَن)) إمَّا الفتية، أو ما يعمُّهم وغيرَهم، وفيه ثناءٌ عليهم أيضاً. وهو
كما ترى.
وجعله بعضُهم ثناءً على الله تعالى؛ لمناسبة قوله سبحانه: ((وزدناهم هدى))
و((ربطنا)) وملاءمةٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ يَخلقْ فيه الضَّلال؛ لِصرف
(١) في البحر ١٠٨/٦، والقراءة فيه.
(٢) قوله: وهو كما ترى، ليس في (م).
(٣) في (م): المشفع.

الآية : ١٨
٢٣٣
سُؤَدَّةُ الكَهْفِ
اختيارِه إليه ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ﴾ أبداً، وإنْ بالغتَ في التتبُّع والاستقصاءِ ﴿وَلِيًّا﴾ ناصراً
﴿قُرْشِدًا ﴾﴾ يَهديه إلى الحقِّ ويخلِّصه من الضلال؛ لاستحالة وجودِه في نفسه،
لا أنَّك لا تجده مع وجودِه أو إِمكانه، إذ لو أُريد مدحُهم لاكتفَى بقوله تعالى:
(فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ) وفيه أنَّه لا يطابق المقام، والمقابلةُ لا تنافي المدح، بل تؤكِّده، ففيه
تعريضٌ بأنَّهم أهلُ الولايةِ والرَّشاد؛ لأنَّ لهم الوليَّ المرشد، ولعل في الآية صنعةً
الاحتباك.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ بفتح السِّين. وقرأ نافع، وابنُ كثير، وأبو عَمرٍو، والكِسائيُّ
بكسرها(١)، أي: تظنُّهم، والخطابُ فيه كما فيما سبق.
والظاهرُ أنَّ هذا إخبارٌ مستأنف، وليس على تقديرٍ شيء.
وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ولو رأيتَهم تحسَبهم ﴿أَيْقَاظًا﴾ جمعُ
يَقِظ، بكسر القاف، كأَنكاد ونَكِد، كما في ((الكشّاف)»(٢) وبضمِّها، كأَعضاد
وعَضُد، كما في ((الدُّر المصون))(٣).
وفي ((القاموس)): رجلٌ يقظ، كنَدُس وكَتِف(٤). فحكى اللغتين: ضمَّ العينِ
وكسرَها، وهو اليقظان، ومدارُ الحِسبانِ انفتاحُ عيونِهم على هيئة الناظرِ كما قال
غیرُ واحد.
وقال ابنُ عطية (٥): يحتمل أن يَحسَبَ الرائي ذلك لشدَّة الحفظِ الذي كان
عليهم وقلَّةِ التغيُّر؛ وذلك لأنَّ الغالبَ على النِّيام استرخاءٌ وهيئاتٌ يقتضيها النوم،
فإذا لم تكن لنائم يحسَبه الرائي يقظانَ وإنْ كان مسدودَ العينين، ولو صحَّ فتحُ
أعينهم بسندٍ يقطع العذر كان أَبينَ في هذا الحسبان.
وقال الزجَّاج(٦): مدارُه كثرةُ تقلُّبهم، واستدلَ عليه بذِكر ذلك بعد. وفيه أنَّه
(١) التيسير ص ٨٤، والنشر ٢٣٦/٢.
(٢) ٤٧٥/٢ .
(٣) ٤٥٩/٧.
(٤) القاموس (يقظ)، والندس: الرجل الفَهِم.
(٥) في المحرر الوجيز ٥٠٣/٣.
(٦) قاله بعد قوله: وقيل. معاني القرآن ٢٧٤/٣.

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٣٤
الآية : ١٨
لا يلائمه ﴿وَهُمْ رُؤُودٌ﴾ جمعُ راقد، أي: نائم. وما قيل: إنَّه مصدرٌ أُطلق على
الفاعل واستوى فيه القليلُ والكثيرُ كرُكوع وقُعود لأنَّ فاعلاً لا يُجمَع على فُعول =
مردود؛ لأنه نصَّ على جمعه كذلك النُّحاة، كما صرَّح به في ((المفضَّل))
و(التسهيل))(١)، وهذا تقريرٌ لما لم يُذكَر فيما سلف، اعتماداً على ذِكره السابقِ من
الضَّرب على آذَانهم.
﴿وَتُقَلِيُهُمْ﴾ في رَقدتهم كثيراً ﴿ذَاتَ أَلْيَمِينِ﴾ أي: جهةً تلي أَيمانَهم ﴿وَذَاتَ
الشِمَالِ﴾ أي: جهةً تلي شمائلَهم كيلا تأكلَ الأرضُ ما عليها من أَبدانهم،
كما أَخرجه سعيدُ بن منصورٍ وابنُ المنذر عن ابن جُبَير.
واستُبعد ذلك، وقال الإِمام(٢): إنَّه عجيب؛ فإنَّ اللهَ تعالى الذي قَدَرَ على أن
يُبقيَهم أحياءً تلك المدةَ الطويلة، هو عزَّ وجلَّ قادرٌ على حفظ أبدانِهم أيضاً من غيرِ
تقلیب .
وأُجيب بأنَّه اقتضت حكمتُه تعالى أن يكونَ حفظُ أبدانِهم بما جرت به العادةُ
وإنْ لم نعلم وجهَ تلك الحكمة. ويجري نحوُ هذا فيما قيل في التزاور وأخيه.
وقيل: يمكن أن يكونَ تقليبُهم حفظاً لما هو عادتُهم في نومهم من التقلُّب يميناً
وشمالاً اعتناءً بشأنهم.
وقيل: يحتمل أن يكونَ ذلك إِظهاراً لعظيم قدرتِه تعالى في شأنهم، حيث جمع
تعالى شأنُه فيهم الإِنامةَ الثقيلةَ المدلولَ عليها بقوله تعالى: (فَضَرَيْنَا عَلَّ ◌َاذَانِهِمْ)
والتقليبَ الكثير، وممَّا جرت به العادةُ أن النومَ الثقيلَ لا يكون فيه تقلُّب كثير.
ولا يخفى بُعده.
واختلف في أوقات تقليِهم، فأخرج ابنُ أبي حاتم وابنُ مردويه عن ابن عباسٍ .
أنَّهم كانوا يقلَّبون في كلِّ ستة أشهرٍ مرَّة (٣). وأَخرج غيرُ واحدٍ عن أبي عياضٍ نحوَه.
وقيل: يقلَّبون في كلِّ سنةٍ مرَّة، وذلك يومَ عاشوراء. وأخرج ابنُ المنذرِ وابنُ أبي حاتمٍ
(١) ينظر التسهيل ص ٢٧٣ .
(٢) في التفسير الكبير ١٠١/٢١ .
(٣) الدر المنثور ٢١٦/٤، وعنه نقل المصنف ما سيأتي من أخبار.

الآية : ١٨
٢٣٥
سُوَدَّةُ الكَهْفِ
عن مجاهدٍ أنَّ التقليبَ في التِّسع سنينَ الضميمةِ ليس فيما سواها. وأخرج ابنُ
أبي حاتم عن قتادةَ أنَّ هذا التقليبَ في رَقدتهم الأُولى، يعني الثلاثَ مئة سنة، وكانوا
يقلّبون في كلِّ عامِ مرةً، ولم يكن في مدَّة الرقدةِ الثانية، يعني التِّسع.
وتعقّب الإِمامُ(١) ذلك بأنَّ هذه التقديراتِ لا سبيلَ للعقل إليها، ولفظُ القرآنِ
لا یدُّ علیھا، وما جاء فيها خبرٌ صحیح. انتهى.
وظاهرُ الآيةِ يدلُّ على الكثرة؛ لمكان المضارع الدالِّ على الاستمرار
التجدُّدي، مع ما فيه من التثقيل.
والظاهرُ أنَّ ((ونقلبهم)) إخبارٌ مستأنف. وجوَّز الطّبي - بناءً على ما سمعتَ عن
الزجَّاج - كونَ الجملةِ في موضع الحال. وهو كما ترى.
وقُرئ: ((ويُقلِّبهم)) بالياء آخرِ الحروفِ مع التشديد، والضميرُ الله تعالى. وقيل:
للملك.
وقرأ الحسنُ - فيما حكى الأَهوازيُّ في ((الإِقناع)) : - ((ويَقْلِبُهم)) بياء مفتوحةٍ
وقافٍ ساكنةٍ ولامِ مخفّفة.
وقرأ - فيما حكى ابنُ جِنِّي(٢) -: ((وتَقلُّبَهم)) على المصدر منصوباً، ووجهُه أنَّه
مفعولٌ لفعل محذوفٍ يدلُّ عليه ((وتحسبهم))، أي: وترى أو تشاهد تقلُّبَهم.
ورُوي عنه أيضاً أنَّه قرأ كذلك إلَّا أنَّه رفع، وهو على الابتداءِ كما قال
أبو حاتم، والخبرُ ما بعد، أو محذوف، أي: آيةٌ عظيمة، أو: مِن آيات اللهِ تعالى.
وحكى ابنُ خالويه هذه القراءةَ عن اليمانيّ، وذَكَرَ أنَّ عكرمةَ قرأ: ((وتَقْلِبُهم))
بالتاء ثالثةِ الحروف، مضارعُ قَلَبَ مخفَّفاً (٣). ووجّه بأنَّه على تقدير: وأنت تَقلِبهم،
وجَعلِ الجملةِ حالاً من فاعل ((تحسبهم))، وفيه إشارةٌ إلى قوَّة اشتباهِهم بالأَيقاظ،
بحيث أنهم يُحسَبون أَيقاظاً في حال سبرٍ أحوالِهِم وقلبِهِم ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمال.
(١) في التفسير الكبير ١٠١/٢١ .
(٢) في المحتسب ٢٦/٢. ونقل المصنف هذه القراءات عن البحر ١٠٩/٦.
(٣) البحر ١٠٩/٦ وفي المطبوع من القراءات الشاذة ص٧٨: وتقلَّبهم .. الحسن، وتقلبهم،
عكرمة. ولم يذكر ضبطهما .

سُورَةُ الكَهْفِ
٢٣٦
الآية : ١٨
﴿وَلْبُهُمْ﴾ الظاهرُ أنه الحيوانُ المعروفُ النّبَّاح، وله أسماءٌ كثيرةٌ أَفرد لها
الجلالُ السيوطيُّ رسالة. قال كعبُ الأحبار: هو كلبٌ مرُّوا به، فتَبِعهم فطردوه،
فعاد، ففعلوا ذلك مراراً، فقال لهم: ما تريدون منِّي؟ لا تخشَوا جانبي، أنا أُحبُّ
أحبَّاءَ اللهِ تعالى، فناموا وأَنا أَحرسكم.
ورُوي عن ابن عباسٍ أنَّه كلبُ راعٍ مُرُّوا به، فتبع دينَهم وذهب معهم وتَبِعهم
الكلب. وقال عُبَيد بن عمير: هو كلبُ صيدِ أحدِهم. وقيل: كلبُ غنمِه.
ولا بأسَ في شريعتنا باقتناء الكلبِ لذلك، وأمَّا فيما عداه وما عدا ما أُلحق
به، فمنهيٌّ عنه؛ ففي البخاريِّ عن ابن عمرَ ﴾(١): ((مَن اقتنى كلباً ليس بكلب
صيدٍ أو ماشية، نقص كلَّ يومٍ من عمله قيراطان)) وفي رواية: ((قيراط))(٢).
واختلف في لونه، فأَخرج ابنُ أبي حاتمٍ من طريق سفيانَ قال: قال لي رجلٌ
بالكوفة يقال له: عبيد، وكان لا يُثَّهم بكذبَ: رأيت كلبَ أصحابِ الكهف أحمرَ
كأنَّ كساءٌ أَنْبِجاني. وأخرج عن كثيرِ النَّوَّاءِ(٣) قال: كان الكلبُ أصفر. وقيل: كان
أَنمرَ (٤). ورُوي ذلك عن ابن عباسٍ. وقيل غيرُ ذلك.
وفي اسمه، فأَخرج ابنُ أبي حاتم عن الحسن أنَّه قِطمير. وأَخرج عن مجاهدٍ
أنَّه قطمورا. وقيل: ريَّان. وقيل: ثور. وقيل غيرُ ذلك.
وهو في الكِبَر - على ما رُوي عن ابن عباس - فوقَ القَلَطي ودون الكردي.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدٍ أنَّه قال: رأيته صغيراً زينيًّا. قال الجلالُ السُّيوطي:
يعني صينيًّا(٥). وفي ((التفسير الخازني) (٦) تفسيرُ القلطيِّ بذلك.
وزعم بعضُهم أنَّ المرادَ بالكلب هنا الأسد، وهو - على ما في
(١) مرفوعاً، كما في صحيح البخاري (٥٤٨٠-٥٤٨٢)، وصحيح مسلم (١٥٧٤).
(٢) هي عند مسلم (١٥٧٤): (٥٣).
(٣) هو كثير بن إسماعيل، أو ابن نافع، النوَّاء، بالتشديد، أبو إسماعيل التيمي الكوفي. تقريب
التهذيب ص ٣٩٥، ونقل المصنف هذه الأخبار عن الدر المنثور ٢١٦/٤.
(٤) جاء في هامش الأصل: فيه نمرة بيضاء ونمرة سوداء. أهـ منه.
(٥) الدر المنثور ٢١٦/٤، ووقع في مطبوعه: صيفيًّا.
(٦) ٢٠٥/٤.

الآية : ١٨
٢٣٧
سُوَرَّةُ الكَهْفِ
((القاموس))(١) - أحدُ معانيه. وقد جاء أنَّه وَله دعا على كافرٍ بقوله: ((اللهم سلِّط
عليه كلباً من كلابك))(٢) فافترسه أسد. وهو خلافُ الظاهر. وأَخرج ابنُ المنذر،
عن ابن جُرَيج أنَّه قال: قلت لرجلٍ من أهل العلم: زعموا أنَّ كلبَهم كان أسداً،
فقال: لَعَمرُ اللهِ ما كان أسداً، ولكنَّه كان كلباً أحمرَ خرجوا به من بيوتهم يقال له :
قطمورا .
وأَبعدُ من هذا زعمُ مَن ذهب إلى أنَّه رجلٌ طبَّاخ لهم تَبِعهم، أو أحدُهم قعد
عند البابٍ طليعةً لهم. نعم حكى أبو عَمرٍو (٣) الزاهديُّ غلامُ ثعلبٍ أنَّه قُرئ:
((وكالتُهم)) بهمزةٍ مضمومةٍ بدلَ الباءِ وألفٍ بعد الكاف، من: كلاً، إذا حفظ.
ولا يَبعدُ فيه أن يرادَ الرجلُ الرَّبيئة، لكن ظاهر القراءةِ المتواترةِ يقتضي إرادةَ الكلبِ
المعروفِ منه أيضاً، وإطلاقُ ذلك عليه لحفظه ما استُحفظ عليه وحراستِهِ إيّاه. وقيل
في هذه القراءة: إنَّها تفسيرٌ أو تحريف.
وقرأ جعفرٌ الصادقُ ◌َبه: ((وكالبُهم))(٤) بياء موحّدةٍ وزِنَة اسم الفاعل، والمراد
صاحبُ كلِهم، كما تقول: لابنٌّ وتامر، أي: صاحبُ لبنٍ وتمر.
وجاء في شأن كلبهم أنَّه يدخل الجنةَ يومَ القيامة، فعن خالد بنِ مَعدان: ليس
في الجنَّة من الدوابِّ إلَّا كلبُ أصحابِ الكهف وحمارُ بلعم.
ورأيتُ في بعض الكتبِ أنَّ ناقةَ صالحٍ وكبشَ إسماعيلَ أيضاً في الجنة، ورأيتُ
أيضاً أنَّ سائرَ الحيواناتِ المستحسنةِ في الدنيا، كالظُّاء والطواويسِ، وما يَنتفع به
المؤمن، كالغنم، تدخل الجنة على كيفيةٍ تليق بذلك المكانِ وتلك النَّشأة.
وليس فيما ذُكر خبرٌ يعوَّل عليه فيما أَعلم، نعم في الجنة حيواناتٌ مخلوقةٌ
(١) مادة (كلب).
(٢) أخرجه الحارث (٥١١ - بغية الباحث)، والحاكم ٥٣٩/٢ من حديث أبي نوفل، وسلف
٧ / ٤٠.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: أبو عمر، وهو محمد بن عبد الواحد البغدادي الزاهد،
العلامة اللغوي المحدث، لازم ثعلباً فأكثر عنه إلى الغاية. مات سنة (٣٤٥هـ). السير
٥٠٨/١٥.
(٤) البحر المحيط ٦/ ١٠٩.

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢٣٨
الآية : ١٨
فيها، وفي خبرٍ يُفْهَم من كلام الترمذيِّ صحتُه التصريحُ بالخيل منها(١)، والله تعالى
أعلم.
وقد اشتهر القولُ بدخول هذا الكلبِ الجنة، حتى إنَّ بعضَ الشيعةِ يسمُّون ◌َبناءهم
بكلب عليّ، ويؤمِّل مَن سُمِّيَ بذلك النجاةَ بالقياس الأولويِّ على ما ذُكر، ويُنشد:
كيف لا ينجو غداً كلبُ علي
فتيةُ الكهفِ نجا كلبُهمُ
ولَعَمري إنْ قَبِله عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه كلباً له نجا، ولكن لا أظنُّ يقبله؛
لأنَّه عَقور.
﴿بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ﴾ مادُهما، والذِّراع من المرفق إلى رأس الأُصبع الوسطى.
ونصب ((ذراعيه)) على أنَّه مفعولُ ((باسط))، وعَمِلَ مع أنَّه بمعنى الماضي - واسمُ
الفاعلِ لا يعمل إذا كان كذلك - لأنَّ المرادَ حكايةُ الحالِ الماضية. وذهب الكسائيُّ
وهشامٌ وأبو جعفر بنُ مضاءٍ إلى جواز عملِ اسم الفاعلِ كيفما كان، فلا سؤال
ولا جواب.
﴿يَاْوَصِيدِ﴾ بموضع البابِ ومحلِّ العبورِ من الكهف، وأَنشدوا:
بأرضٍ فضاءٍ لا يُسَدُّ وصيدُها عليَّ ومعروفي بها غيرُ مُنْكَرٍ (٢)
وهو المرادُ بالفِناء في التفسير المرويِّ عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ وعطية.
وقيل: بالعتبة، والمرادُ بها ما يحاذي ذلك من الأرض لا المتعارف، فلا يقال:
إنَّ الكهفَ لا بابَ له ولا عتبة، على أنَّه لا مانعَ من ذلك.
وأخرج ابنُ المنذرِ وغيرُه عن ابن جُبَيرٍ أنَّ الوصيدَ الصعيد. وليس بذاك.
وذكروا في حكمةٍ كونِه بالوصيد غيرَ ثارِ معهم أنَّ الملائكةَ عليهم السلام
لا تدخل بيتاً فيه كلب(٣). وقد يقال: إنَّ ذلك لكونه حارساً، كما يُشير إليه
(١) سنن الترمذي (٢٥٤٣) من حديث بريدة
(٢) البيت في سيرة ابن هشام ١/ ٣٠٥ منسوباً لعُبيد بن وهب العبسي، وهو في جمهرة أشعار
العرب ١١٩/١ منسوباً لزهير بن أبي سلمى.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم (٢١٠٦) من حديث أبي طلحة ـ

الآية : ١٨
٢٣٩
سُورَةُ الكَهْفِ
ما أخرجه ابنُ المنذرِ عن ابن جُرَيج قال: باسطٌ ذراعيه بالوصيد يُمسك عليهم بابَ
الكهف، وكان - فيما قيل - يكسر أُذنَه اليمنى وينام عليها إذا قُلِّبوا ذاتَ اليمين،
ويكسر أذنَه اليسرى وينام عليها إذا قُلِّبوا ذاتَ الشّمال.
والظاهرُ أنَّه نام كما ناموا، لكن أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن عبد الله بنِ حميد
المكِّي أنَّه جُعل رزقُه في لَحس ذراعيه، فإنَّه كالظاهرّ أنَّه لم يستغرق نومُه
کما استغرق نومُهم.
﴿لَوِ أَطَلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لو عاينتَهم وشاهدتَهم. وأصلُ الاطلاعِ الوقوفُ على الشيءٍ
بالمعاينة والمشاهدة.
وقرأ ابنُ وثَّابٍ والأعمش: ((لوُ اطّلعتَ)) بضمِّ الواو(١)، تشبيهاً لها بواو
الضمير؛ فإنَّها قد تضمُّ إذا لَقِيها ساكن، نحو: رَموا السِّهام. ورُوي ذلك عن شيبةً
وأبي جعفر(٢).
﴿لَوَلَيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ أي: لأَعرضتَ بوجهك عنهم وأَوليتَهم كشحك.
ونصب ((فراراً) إمَّا على المصدر لـ ((ولَّيت))؛ إذ التوليةُ والفرارُ من وادٍ واحد،
فهو كـ : جلست قعوداً، أو لِفررتَ محذوفاً، وإمَّا على الحاليّة بتأويله باسم
الفاعل، أو بجعله مِن باب:
فإنَّما هي إقبالٌ وإِدبار (٣)
وإمّا على أنَّه مفعولٌ لأجله، أي: لَرجعتَ لأَجل الفرار.
﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (®﴾ أي: خوفاً يَملأ الصدر، ونصب على أنَّه مفعولٌ
ثان، ويجوز أن يكونَ تمييزاً، وهو محوَّل عن الفاعل، وكونُ الخوفِ يملأ مجازٌ
في عِظَمه مشهور، كما يقال في الحُسن: إنَّه يملأ العيون.
(١) البحر المحيط ١٠٩/٦.
(٢) البحر ١٠٩/٦.
(٣) شطر بيت للخنساء، وهو في ديوانها ص ٤٨، وسلف ١٢٥/٨ .

سُوَّةُ الكَهْفِ
٢٤٠
الآية : ١٨
وفي ((البحر))(١): أَبعدَ مَن ذهب إلى أنَّه تمييزٌ محوَّل عن المفعول، كما في قوله
تعالى شأنُه: ﴿وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُونًا﴾ [القمر: ١٢] لأنَّ الفعلَ لو سلِّط عليه ما تعدّى إليه
تعدِّيَ المفعولِ به، بخلاف ما في الآية.
وسببُ ما ذُكر أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أَلقى عليهم من الهيبة والجلالِ ما أَلقى.
وقيل: سببُه طولُ شعورِهم وأَظفارِهم، وصُفرةُ وجوهِهم وتغيُّر أَطمارهم.
وقيل: إظلامُ المكان وإيحاشُه.
وتعقّب ذلك أبو حيَّان(٢) بأنَّ القولين ليسا بشيء؛ لأنَّهم لو كانوا بتلك الصفة،
أَنكروا أحوالَهم ولم يقولوا: ((لبثنا يوماً أو بعض يوم)) ولأنَّ الذي بُعث إلى المدينة
لم ينكر إلَّ المعالمَ والبناءَ لا حالَ نفسه، ولأنَّهم بحالةٍ حسنة، بحيث لا يفرِّق
الرائي بينهم وبين الأَيقاظ وهم في فجوة موصوفةٍ بما مرّ، فكيف يكون مكانُهم
موحشاً؟ اهـ.
وأُجيب بأنَّهم لا يَبعد عدمُ تيقُّظهم لحالهم؛ فإنَّ القائمَ من النوم قد يذهل عن
كثيرٍ من أموره، ويُدَّعى استمرارُ الغفلةِ في الرسول، وإنكارُه للمعالم لا ينافي
إنكارَ الناسِ لحاله وكونه على حالةٍ منكرةٍ لم يتنبّه لها، وأيضاً يجوز أنَّهم لم
يطّلعوا على حالهم ابتداءً فقالوا: ((لبثنا يوما أو بعض يوم)) ثم تنبَّهوا له فقالوا:
(ربكم أعلم بما لبثتم)، وأيضاً يجوز أن يكونَ هذا الخطابُ للنبيِّ وَّ، وذلك
الحالُ إنَّما حدث بعد انتباهِهم الذي بَعثوا فيه رسولَهم إلى المدينة. وعلى هذا
لا يضرُّ عدمُ إنكارِ الرسولِ حالَ نفسه؛ لأنَّه لم يحدثْ له ما ينكر بعد، وإيحاشُ
المكانِ يجوز أن يكونَ حدث بعدُ - على هذا - أيضاً، وذلك بتغيُّره بمرور
الزمان. اهـ.
ولا يخفى على مُنصفٍ ما في هذه الأَجوبة، فالذي ينبغي أن يعوَّلَ عليه أنَّ
السببَ في ذلك ما أَلقى اللهُ تعالى عليهم من الهيبةِ وهم في كهفهم، وأنَّ شعورَهم
وأظفارَهم إن كانت قد طالت، فهي لم تَظُل إلى حدٍّ يُنكره مَن يراه.
(١) ٦ / ١٠٩.
(٢) في البحر ١٠٩/٦ - ١١٠.