Indexed OCR Text

Pages 121-140

الآية : ٩٣
١٢١
سُورَةُ الإِسْرَاةِ
والعراق، ولْيبعثْ لنا مَن قد مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعثُ لنا منهم قصيُّ بن
كلاب، فإِنَّه كان شيخاً صدوقاً، فنسألهم عما تقول حقٌّ هو أم باطل، فإنْ صنعتَ
ما سألناك وصدَّقوك صدَّقناك وعرفنا به منزلتك عند الله تعالى، وأنَّه بعثك رسولاً.
فقال رسولُ اللهِ وَليهِ: ((ما بهذا بُعثت، إنَّما جئتكم من عند اللهِ تعالى بما بعثني به،
فقد بلَّغتكم ما أُرسلت به إليكم، فإنْ تقبلوه فهو حظّكم في الدُّنيا والآخرة، وإن
تردُّوه عليّ، أَصبرْ لأمر اللهِ تعالى حتى يحكم الله تعالى بيني وبينكم)) قالوا: فإنْ لم
تفعلْ لنا هذا، فخذ لنفسك، فاسأل ربَّك أن يبعثَ مَلَكاً يصدِّقك بما تقول،
فيراجعنا عنكَ، وتسأله أن يجعلَ لك حِناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهبٍ وفضة،
ويُغنيك بها عمَّا نراك تبتغي، فإنَّك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاشَ كما نلتمسه،
حتى نعرفَ منزلتَك من ربِّك إن كنتَ رسولاً كما تزعم. فقال ◌َله: «ما أنا بفاعل،
ما أنا بالذي يسأل ربَّه هذا، وما بُعثت إليكم بهذا، ولكنَّ اللهَ تعالى بعثني بشيراً
ونذيراً، فإن تقبلوا ما جئتُكم به، فهو حظّكم في الدُّنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليّ،
أَصبرْ لأمر اللهِ تعالى حتى يحكمَ اللهُ تعالى بيني وبينكم)) قالوا: فتُسقط السماءَ
كما زعمتَ أنَّ ربَّك إن شاء فعل، فإنَّا لن نؤمنَ لك إلا أن تفعل. فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ذلك إلى اللهِ تعالى، إنْ شاءَ فعل بكم ذلك)) فقالوا: يا محمَّد،
فاعلم(١) ربَّك أنَّا سنجلس معك ونسألُك عمَّا سألناك عنه ونطلبُ منك ما نطلب،
فيتقدَّم إليك ويُعلِّمك ما تراجعنا به، ويُخبرك بما هو صانعٌ في ذلك بنا إذا لم نقبلْ
منك ما جئتَنا به، فقد بلغنا أنَّه إنما يعلِّمك هذا رجلٌ باليمامة يقال له: الرَّحمن،
وإنَّا واللهِ لا نؤمن بالرَّحمن أبداً، فقد أَعذرنا إليك يا محمد، أَمَا واللهِ لا نترككَ
وما فعلتَ بنا حتى نُهلكَك أو تُهلكنا، وقال قائلُهم: لن نؤمنَ لك حتى تأتي بالله
والملائكةِ قبيلاً، فلمَّا قالوا ذلك، قام رسولُ اللهِ وَّل عنهم، وقام معه عبدُ اللهِ بنُ
أبي أميةَ فقال: يا محمد، عَرَضَ عليك قومُك ما عرضوا، فلم تقبلْه منهم، ثم
سألوكَ لأنفسهم أموراً يتعرَّفوا بها منزلتَك من اللهِ تعالى، فلم تفعلْ، ثم سألوك أن
تعجّلَ ما تخوِّفهم به من العذاب، فواللهِ لا نؤمن بك أبداً حتى تتخذَ إلى السماءِ
(١) كذا في الأصل و(م) والسير لابن إسحاق ص ١٩٩، ولعلها محرفة عن: فما علم. كما في
تفسير الطبري ٨٩/١٥، وجاء في سيرة ابن هشام ٢٩٧/١، وتفسير القرطبي ١٧٤/١٣ :
أفما علم.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
١٢٢
الآية : ٩٤
سلَّماً، ثم ترقَى فيه وأنا أَنظر، حتى تأتيَها وتأتيَ معك بنسخة منشورةٍ معك بأربعةٍ
من الملائكةِ يشهدون لك أنَّك كما تقول، وايمُ اللهِ لو فعلتَ ذلك لَظننتُ أني
لَأصدِّقك. ثم انصرف، وانصرف رسولُ اللهِ وَّه إلى أهله حزيناً أَسفاً لِمَا فاته ممَّا
كان طَمِعَ فيه من قومه حين دَعَوه ولِمَا رأى من مباعدتهم، فأُنزل عليه هذه الآياتُ
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَكَ فِىَ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ الآية [الرعد: ٣٠] وقولُه سبحانه:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية [الرعد: ٣١]. اهـ. والله تعالى أعلم.
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي: الذين حُكيت أباطيلُهم ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ مفعولُ ((مَنَعَ)، وقولُه
تعالى: ﴿إِذْ جَآءَهُ الْهُدَى﴾ ظرفُ ((منع))، أو ((يؤمنوا))، أي: ما منعهم وقتَ مجيءٍ
الوحي المقرونِ بالمعجزات المستدعيةِ للإيمان أنْ يؤمنوا بالقرآن وبنبوَّتك، أو:
ما منعهم أن يؤمنوا وقتَ مجيءٍ ما ذُكر ﴿إِلَّ أَنْ قَالُوا﴾ فاعل ((منع))، أي: إلَّا
قولُهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ﴾﴾ منكرين أن يَكونَ رسولُ اللهِ عليه الصلاة
والسلام من جنس البشر.
وليس المرادُ أنَّ هذا القولَ صدر عن بعضٍ فمنع آخَرين، بل المانعُ هو الاعتقادُ
الشاملُ للكلِّ المستتبعُ لهذا القولِ منهم. وإنَّما عبّر عنه بالقول، إيذاناً بأنه مجرَّد
قولٍ يقولونه بأفواههم، من غير أن يكونَ له مفهومٌ ومصداق.
وحَصْرُ المانعِ فيما ذُكر مع أنَّ لهم موانعَ شتَّى؛ لِمَا أنَّه معظمُها، أو لأنَّه هو
المانعُ بحسب الحال، أعني عند سماعِ الجوابِ بقوله تعالى: (هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَراً
رَّسُولًا) إذ هو الذي يتشبَّئون به حينئذٍ من غير أن يخطرَ ببالهم شبهةٌ أخرى من شُبَههم
الواهية، وفيه - على هذا - إيذانٌ بكمال عنادِهم، حيث يشير إلى أنَّ الجوابَ
المذكورَ مع كونه حاسماً لموادٍّ شبههم، مقتضياً للإيمان، يعكسون الأمرَ ويجعلونه
مانعاً. قاله بعضُ المحقّقين.
وظاهرُ ذلك أنَّ القومَ لا يقولون برسالة أحدٍ من الرُّسل المشهورين، کإبراهيمَ
وموسى عليهما السلام، أصلاً. وصرَّح بعضُهم بأنهم لم يُنكِروا إرسالَ غيرِهِ وَّل
منهم، وبأنَّ قولَهم هذا كان تعثُّتاً. وهذا خلافُ الظاهرِ هنا، ولعل القومَ كانوا في
ريبٍ وتردُّد لا يستقيمون على حال، فتدبّر.

الآية : ٩٥
١٢٣
سُورَةُ الإسْراءِ
والظاهر أنَّ الآيةَ إخبارٌ منه عزَّ مجدُه عن الأمر المانع إيَّاهم عن الإِيمان،
ويظهر من كلام ابن عطيةً(١) أنَّ هذا الكلامَ منه عليه الصلاة والسلام، قاله على
معنى التوبيخِ والتلهُّف. وحاشا مَن له أدنَى ذوقٍ من أن يذهبَ إلى ذلك.
﴿قُل﴾ لهم أوَّلاً من قِبَلنا تبييناً للحكمة، وتحقيقاً للحقِّ المزيح للرَّيب: ﴿لَّوْ
كَانَ﴾ أي: ليو وُجد ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بدلَ البشر ﴿مَبِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ كما يمشي
البشر، ولا يطيرون إلى السماءِ فيسمعوا من أهلها ويَعلَموا ما يجب عِلمُه
﴿مُظْمَيِنِينَ﴾ ساكنينَ مقيمين فيها. وقال الجبَّائي: أي: مطمئنِّين إلى الدنيا ولذَّاتها،
غيرَ خائفين ولا متعبَّدين بشرع؛ لأن المطمئنَّ مَن زال الخوفُ عنه.
، يعلِّمهم ما لا تستقلُّ قُدَرُهم
﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَسُولًا (١٥)
بعلمه؛ ليسهل عليهم الاجتماعُ به والتلقِّي منه، وأمَّا عامةُ البشر، فلا يَسهلُ عليهم
ذلك، لبُعد ما بين المَلَكِ وبينهم، فلا يُبعث إليهم وإنَّما يبعث إلى خواصِّهم؛
لأنَّ اللهَ تعالى قد وهبهم نفوساً زكيَّة، وأيَّدهم بقٌوَى قدسيَّة، وجعل لهم جهتين:
جهةً مَلَكية، بها من المَلَك يَستفيضون، وجهةً بشرية، بها على البشر يُفيضون،
وجَعْلُ كلِّ البشرِ كذلك مُخِلٌّ بالحكمة.
وإنزالُ المَلَك عليهم على وجهٍ يسهل التلقِّي منه بأن يظهرَ لهم بصورة بشرٍ
كما ظهر جبريلُ عليه السلام مِراراً في صورة دِحيةَ الكلبيّ(٢)، وقد صحَّ(٣) أن
أعرابيّاً جاء وعليه أثرُ السفرِ إلى رسول اللهِ وَ ﴿، فسأله عن الإِسلام والإيمانِ
والإِحسان وغيرِها، فأجابه عليه الصلاة والسلام بما أَجابه، ثم انصرف ولم يعرفُه
أحدٌ من الصحابة ﴿ه، فقال ◌َله: ((هذا جبريلُ جاءكم يعلِّمكم أمرَ دينكم)) =
ممَّا (٤) لا يُجدي نفعاً لأولئك الكَفَرة، كما قال تعالى جَدُّه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا
أَجَعَلْتَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩].
(١) في المحرر الوجيز ٤٨٦/٣.
(٢) سلف ص ١٠٤ من هذا الجزء.
(٣) صحيح البخاري (٥٠)، وصحيح مسلم (٨)، وسلف تخريجه ٢٩٥/١.
(٤) خبر لقوله: وإنزال الملك.

سُورَةُ الإِشْرَاةِ
١٢٤
الآية : ٩٥
وقيل: علَّ تنزيلِ المَلَك عليهم أنَّ الچِنس إلى الجنس أَميل، وهو به آنّس.
ولعل الأوَّلَ أَوْلى وإن زُعم خلافُه .
وحكى الطبرسيُّ(١) عن بعضهم أنَّه قال في الآية: إنَّ العربَ قالوا: كنَّا ساكنين
مطمئنِّين، فجاء محمدٌ (َ﴿) فأزعجنا وشوَّش علينا أمرنا. فبيَّن سبحانه أنَّه لو كان
ملائكةٌ مطمئنين، لأَوجبت الحكمةُ إرسالَ الرسلِ إليهم، ولم يمنع اطمئنانُهم
الإرسال، فكذلك الناسُ لا يمنع كونُهم مطمئنِّين إرسالَ الرسلِ إليهم. وأنت تعلم
أنَّ هذا بمراحلَ عن السِّياق، ولا يصحُّ فيه أثرٌ كما لا يخفَى على المتبِّع.
ونَصْبُ ((ملكاً)) يحتمل أن يكونَ على الحاليَّة من ((رسولاً)) الواقعِ مفعولاً
لـ (نَزَّلنا))، وسوَّغ ذلك التقدُّم، ويحتمل أن يكونَ على المفعولية لـ (نَزَّلنا)) وَ((رسولاً))
صفةٌ له. وكذا الكلامُ في قوله تعالى: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًّا رَّسُولًا) ورجَّح غيرُ واحدٍ الأوَّل
بأنَّه أكثرُ موافقةً للمقام وأَنسب.
ووجَّه ذلك القطبُ وصاحبُ ((التقريب» بأنَّه على الحالیة يُفيد المقصودَ
بمنطوقه، وعلى الوصفية يُفيد خلافَ المقصودِ بمفهومه، أمَّا الأول؛ فلأنَّ منطوقه:
أَبعث اللهُ تعالى رسولاً حالَ كونِه بشراً لا مَلَكاً، و: لنزَّلنا عليهم رسولاً حالَ كونِه
مَلَكاً لا بشراً. وهو المقصود، وأمَّا الثاني؛ فلأنَّ التقييد بالصفة يفيد: أَبعث اللهُ
تعالى بشراً مرسَلاً لا بشراً غيرَ مرسل، و: لنزَّلنا عليهم مَلَكاً مرسلاً لا ملكاً غيرَ
مرسل. وهو خلافُ المقصود، بل غيرُ مستقيم.
وقال صاحبُ ((الكشف)) تبعاً لشيخه العلّامة الطيبيِّ في ذلك: لأنَّ التقديم إزالةٌ
عن موضعه الأصليّ دلالةً على أنه مصبُّ الإِنكار في الأوَّل، أعني: أَبعث اللهُ بشراً
رسولاً، فيدلُّ على أنَّ البشرية منافيةٌ لهذا الثابت، أعني الرِّسالة، كما تقول:
أَضربتَ قائماً زيداً، ولو قلت: أَضربتَ زيداً قائماً، أو القائم، لم يُقِد تلك الفائدة؛
لأنَّ الأولَ يفيد أنَّ المنكَرَ ضربُه قائماً لا الضربُ مطلقاً، والثاني يُفيد أنَّ المنكَرَ
ضربُ زيدٍ لاتِّصافه بهذه الصفةِ المانعةِ، ولا يفيد أنَّ أصلَ الضربٍ حسنٌ ومسلَّم
والجهةُ منكَرة، هذا إن جُعل التقديمُ للحصر، وإن جُعل للاهتمام، دلَّ على كونه
(١) في مجمع البيان ١٥/ ١٠٠.

الآية : ٩٥
١٢٥
سُؤَةُ الإِسْرَاةِ
مصبَّ الإِنكار وإن لم يدلّ على ثبوت مقابله. وعلى التقديرَين فائدةُ التقديم
لائحة. اهـ. وهو أكثرُ تحقيقاً.
واستشكل بعضُهم هذه الآيةَ بأنَّها ظاهرةٌ في أنَّه إنما يُرسل إلى كلِّ قبيلٍ
ما يناسبه ويجانسه، كالبشر للبشر، والمَلَك للملك، ولا يُرسل إلى قبيلٍ ما لا يناسبه
ولا يجانسه، وهو ينافي كونَه ◌َ له مرسَلاً إلى الجنِّ كالإنس إجماعاً معلوماً من
الدِّين بالضرورة، فيكفر منكِرُه، ومَن نازع في ذلك فقد وَهَم.
وأُجيب بمنع كونِها ظاهرةً في ذلك، بل قُصارى ما تدلُّ عليه أنَّ القوم أَنكروا
أن يبعثَ اللهُ تعالى إلى البشر بشراً، وزعموا أنَّه يجب أن يكونَ المبعوثُ إليهم
مَلَكاً، ومَرامُهم نفيُ أن يكونَ النبيُّ وَّهِ مبعوثاً إليهم، فأُجيبوا بما حاصلُه أنَّ
الحكمة تقتضي بعثَ الملكِ إلى الملائكة؛ لوجود المناسبةِ المصحّحة للتلقِّي، لا إلى
عامَّة البشر؛ لانتفاءِ تلك المناسبة، فأمرُ الوجوبِ الذي يزعمونه بالعكس، وليس
في هذا أكثرُ من الدَّلالة على أنَّ أمر البعثِ منوطٌ بوجود المناسبة، فمتى وُجدت
صحَّ البعث، ومتى لم توجَد لا يصحُّ البعث، وأنَّها موجودةٌ بين المَلَك والملك،
لا بينه وبينَ عامَّة البشرِ كالمنكِرِين المذكورين، وهذا لا ينافي بعثتَه ◌َِّ إلى الجِنّ؛
لأنَّه عليه الصلاة والسلام متى صحَّ فيه المناسبةُ المصحِّحة للاجتماع مع المَلَك
والتلقِّ منه، صحَّ فيه المناسبةُ المصحِّحةُ للاجتماع مع الجِنِّ والإِلقاءِ إليهم، كيف
لا وهو عليه الصلاة والسلام نسخةُ اللهِ تعالى الجامعة، وآيتُه الكبرى الساطعة، وإذا
قلنا: إنَّ اجتماعَه عليه الصلاة والسلام بالجِنِّ وإلقاءَه عليهم بعد تشكُّلهم له، فأمرُ
المناسبةِ أَظهر، وليس تشكُّل الملكِ لو أُرسل إلى البشر بمُجدٍ؛ لما سمعتَ آنفاً.
ويقال نحوُ هذا في إِرساله وَّه إلى الملائكة؛ لِمَا فيه عليه الصلاة والسلام من
قوَّة الإِلقاءِ إليهم، كالتلقِّي منهم، وإلى كونه عليه الصلاة والسلام مرسَلاً إليهم ذهب
من الشافعية تقيُّ الدين السُّبكي والبارزيُّ والجلالُ المحلِّي في ((خصائصه))، ومن
الحنابلة ابنُ تيميةَ، وابنُ مفلحٍ في كتاب ((الفروع))، ومن المالكية عبدُ الحقِّ، وقال
كابن تيمية: لا نزاعَ بين العلماءِ في جنس تكليفِهم بالأمر والنَّهي.
وقال إبراهيمُ اللقَاني: لا شكَّ في ثبوت أصلِ التكليفِ بالطاعات العملية في
حقِّهم، وأمَّا نحوُ الإِيمان، فهو فيهم ضروريّ، فيستحيل تكليفُهم به.

سُورَةُ الإِسْرَاةِ
١٢٦
الآية : ٩٥
وقال السُّبكي في ((فتاويه))(١): الجنُّ مكلَّفون بكلِّ شيءٍ من هذه الشّريعة؛ لأنَّه إذا
ثبت أنَّه عليه الصلاة والسلام مرسلٌ إليهم كما هو مرسلٌ إلى الإنس، وأنَّ الدعوةَ
عامةٌ والشريعةَ كذلك، لزمتهم جميعُ التكاليفِ التي توجد فيهم أسبابُها ؛ إلَّا أن يقومَ
دليلٌ على تخصيص بعضِها، فنقول: إنَّه يجب عليهم الصلاةُ والزكاةُ إن ملكوا نصاباً
بشرطه، والحجُّ وصومُ رمضانَ، وغيرُها من الواجبات، ويحرم عليهم كلُّ حرامٍ في
الشريعة، بخلاف الملائكة، فإنَّا لا نلتزم أنَّ هذه التكاليفَ كلَّها ثابتةٌ في حقِّهم إذا قلنا
بعموم الرِّسالة إليهم، بل يحتمل ذلك ويحتمل الرسالةَ في شيءٍ خاصّ. اهـ.
ولا مانعَ من أن يكلِّفَهم كلَّهم بما جاءه من ربِّه جلَّ جلالُه بواسطة بعضِھم،
على أنَّه ليس كلُّ ما جاء به عليه الصلاة والسلام حاصلاً بوساطة المَلَك، فيمكن أن
يكونَ ما كُلِّفوا به لم يكن بوساطة أحدٍ منهم.
وأَنكر بعضُهم إرسالَه وَلّهِ إليهم، وبعدم الإِرسالِ إليهم جزم الحليميُّ والبيهقيُّ
من الشافعية، ومحمودُ بن حمزةَ الكرمانيُّ في كتابه ((العجائب والغرائب)) من
الحنفية، بل نقل البرهان النسفيُّ والفخر الرازيُّ في تفسيرَيهما الإِجماعَ عليه، وجزم
به من المتأخّرين زينُ الدِّين العراقيُّ في نكته على ابن الصَّلاحِ(٢)، والجلالُ المحلّي
في شرح(جمع الجوامع))(٣) .
وصريحُ آيَةٍ ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] إذ العالَم ما سوى الله تعالى
وصفاتِه، وخبرُ مسلم: ((أُرسلت إلى الخلق كافة))(٤) يؤيِّد المذهبَ الأول. نعم
استدل أهلُ هذا المذهبِ بما استدلُّوا به، وفيه ما فيه.
وقد ادَّعى بعضُ الناس أنَّ الآية تؤيِّد مذهبهم؛ لأنَّه تعالى خصَّ فيها المَلَكَ
بالإِرسال إلى الملائكة، فيتعيَّن أن يكونَ هو الرسولَ إليهم لا البشر، سواءٌ كان بينه
وبينهم مناسبةٌ أم لا، وقد سمعتَ ما نُقل عن العلّامة القطبٍ وصاحبٍ ((التقريب))
من أنَّ المراد: لَنزَّلنا عليهم رسولاً حالَ كونِهِ مَلَكاً لا بشراً.
(١) ٢ /٦٢٣.
(٢) التقييد والإيضاح ص ٢٥٤.
(٣) ذكره العطار في حاشيته على شرح المحلي ٢/ ١٩٧ نقلاً عن العراقي.
(٤) صحيح مسلم (٥٢٣) من حديث أبي هريرة په.

الآية : ٩٦
١٢٧
سُورَةُ الإِسْرَاءِ
وأُجيب بأنَّه بعد إِرخاء العِنانِ لا تدلُّ الآيةُ إلَّ على تعيُّن إرسالِ المَلَك إلى
الملائكة إذا كانوا في الأرض يمشون مطمئنِّين بدلَ البشر، ولا يلزم منه ألَّا يصحَّ
إرسال البشرِ إليهم إذا لم يكونوا كذلك؛ لجواز أن يكونَ حكمةَ التعيُّن في الصورة
الأولى - سوى المناسبةِ المترتِّب عليها سهولةُ الاجتماع والتلقِّي - شيءٌ آخَرُ لا يوجد
في الصُّورة الثانية، وذلك أنَّه إذا كان أهلُ الأرضِ ملائكةً وأُرسل إليهم بشرٌ له قوَّة
الإِلقاء إليهم والإفاضةِ عليهم، نحوُ إرسالِ رُسُل البشرِ عليهم السلام إليهم، صَعُبَ
بحسَب الطبعِ على ذلك الرسولِ بقاؤه معهم زمناً يعتدُّ بهم، كما يبقى رسلُ البشرِ
مع البشر كذلك، إلّا أن يجعلَ مشاركاً لهم فيما ◌ُبلوا عليه ويُلحقَ بهم، وهو أشبهُ
شيءٍ بإخراجه عن الطبيعة البشريةِ بالمرَّة، فيكون العدولُ عن إرسال مَلَكٍ إلى
إرساله أشبه شيءٍ بالعبث المنافي للحكمة. اهـ. فتدبّر، فلعل الله سبحانه يمنُّ عليك
بما يروي الغليل، وتأمَّل في جميع ما تقدَّم، فلعلك توقَّق بعون اللهِ تعالى إلى
الجرح والتعديل.
لهم ثانياً من جهتك بعد ما قلتَ لهم من قِبَلنا ما قلت، وبيَّنتَ لهم
ما تقتضيه الحكمةُ في البعثة، ولم يرفعوا إليه رأساً: ﴿كَفَى بِاللّهِ﴾ عزَّ وجلَّ
وحدَه ﴿شَهِيدًا﴾ على أنِّي قد أدَّيت ما عليَّ من مواجب الرِّسالة أكملَ أداء، وأنَّكم
فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد.
وقيل: شهيداً على أني رسولُ اللهِ تعالى إليكم بإظهار المعجزةِ على وَفق
دعواي .
ورجِّح الأوَّلُ بأنه أَوفقُ بقوله تعالى: ﴿بَيْنِ وَيَّنَكُمْ﴾ وكذا بقوله سبحانه
تعليلاً للكفاية: ﴿إِنَُّ، كَانَ بِعِبَادِهِ﴾ أي: الرسلِ والمرسَل إليهم ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا
٩٦
أي: محيطاً بظواهرهم وبواطنِهم، فيجازيهم على ذلك.
وزعم الخفاجيُّ(١) أنَّ الثاني أوفقُ بالسِّباق منه، إذ يكون الكلامُ عليه كالسابق
ردّاً لإِنكارهم أن يكونَ الرسولُ بشراً. وإلى ذلك ذهب الإِمام(٢)، وأنَّ كونَ الأولِ
(١) في حاشيته ٦/ ٦٢ .
(٢) في التفسير الكبير ٢١/ ٦٠.

سُورَةُ الإِشْرَةِ
١٢٨
الآية : ٩٧
أوفقَ بقوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ) إلخ لا وجهَ له؛ لأنَّ معناه التهديدُ والوعيدُ بأنَّه سبحانه
يعلم ظواهرَهم وبواطنهم، وأنَّهم إنَّما ذكروا هذه الشُّبهةَ للحسد وحبِّ الرِّياسة
والاستنكافِ عن الحقّ، وفيه من التسلية لحبيبه ◌َلي ما فيه.
وأنت تعلم أنَّ إنكارَ كونِ الأوَّل أوفقَ بذلك ممَّا لا وجهَ له؛ لظهور خلافِه،
ولا ينافيه تضمُّنُ الجملةِ الوعيدَ والتسلية، وأيضاً يبقَى أمرُ أوفقيَّته بـ ((بيني وبينكم))
في البَينِ، ومع ذلك في تصدير الكلامِ بـ ((قُلْ)) نوعُ تأييدٍ لإرادة الأوَّل، كما لا يخفَى
على الذَّكي. هذا وإنمَّا لم يقلْ سبحانَه: بيننا، تحقيقاً للمفارقة، وإبانةً للمباينة.
ونصبُ ((شهيداً)) إمَّا على الحال، أو على التمييز.
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ كلامٌ مبتدأ غيرُ داخلٍ في حيِّز ((قل)) يفصِّل ما أشار إليه الكلامُ
السابقُ من مجازاة العباد؛ لِمَا أنَّ علمَه تعالى في مثل هذا الموضع مستعملٌ بمعنى
المجازاة، أي: مَن يَهدِ اللهُ تعالى إلى الحقِّ ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِّ﴾ إليه وإلى ما يؤدِّي إليه
من الثَّواب، أو المهتدي إلى كلِّ مطلوب. والأكثرون حذفوا ياءَ المهتدي.
﴿وَمَن يُضْلِلْ﴾ يخلق فيه الضلالَ لسوء اختياره وقبح استعداده، كهؤلاء المعاندين
﴿فَنْ تَجِدَ لَمُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: أنصاراً ﴿مِن دُونِ﴾ عزَّ وجلَّ يَهدونهم إلى طريق الحقّ، أو
إلى طريقٍ يوصلهم إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية، أو إلى طريق النجاة من العذاب
الذي يستدعيه ضلالُهم، على معنى: لن تجدَ لأحدٍ منهم وليّاً، على ما يقتضيه قضيةٌ
مقابلةِ الجمعِ بالجمع من انقسام الآحادِ على الآحاد، على ما هو المشهور.
وقيل: قال سبحانه: ((أولياء)) مبالغةً؛ لأنَّ الأولياءَ إذا لم تنفعْهم فكيف الوليُّ
الواحد؟ وضميرُ ((لهم)) عائدٌ على ((مَن)) باعتبار معناه، كما أنَّ ((هو)) عائدٌ عليه باعتبار
لفظِهِ، فلذا أُفرد الضميرُ تارةً وجُمع أخرى. وفي إيثار الإِفراد والجمع فيما أُوثرا فيه
تلويحٌ بوحدة طريقِ الحقِّ وقلَّةِ سالكيهِ، وتعدُّدِ سبل الضَّلال وكثرةِ الضُّلَّال.
وذكر أبو حيَّان (١) - وتبعه بعضُهم - أنَّ الجملة الثانيةَ من المواضع التي جاءَ فيها
الحملُ على المعنى ابتداءً من غير أن يتقدَّمَه الحملُ على اللفظ، وهي قليلةٌ في
القرآن.
(١) في البحر ٦/ ٨٢.

الآية : ٩٧
١٢٩
سُورَةُ الإِسْرَةِ
وتعقَّب ذلك الخَفاجئُّ(١) بأنه لا وجهَ له، فإنَّه حمل فيها الضميرَ على اللفظ
أوَّلاً، إذ في قوله تعالى: (يُضْلِلْ) ضميرٌ محذوفٌ مفرَد، إذ تقديرُه: يُضْلِله، على
الأصل، وهو راجعٌ إلى لفظ ((مَن))، فلا يقال: إنه لم يتقدَّمه حملٌ على اللفظ. ثم
قال: وأَغربُ من ذلك ما قيل: إنَّه قد يقال: إنَّ الحملَ على اللفظِ قد تقدَّمه في
قوله سبحانه: ((من يهد الله)) وإن كان في جملةٍ أخرى. اهـ.
وفيه أنَّ وجهَه جَعْلُ أبي حيانَ ((مَن)) مفعولَ ((يضلل)) كما نصَّ عليه في
((البحر))(٢) وكذا نصَّ على أنَّها في الجملة الأُولى مفعولُ ((يهد)) وحينئذٍ ليس هناك
ضميرٌ مفرد محذوفٌ كما لا يخفَى، فتفطّن.
وجوِّز كونُ الجملتين داخلتَين في حيِّز ((قل)) لمجيءٍ ((ومَن)) بالواو، وقولُه
تعالى: ﴿وَنَحْثُرُهُمْ﴾ أَوفقُ بالأوَّل، وفيه التفاتٌ من الغَيبة إلى التكلَّم؛ للإِيذان
بكمال الاعتناءِ بأمر الحشر، وعلى الاحتمالِ الثاني يجعل حكايةً لِمَا قاله اللهُ تعالى
له عليه الصلاة والسلام.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ حين يقومون من قبورهم ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ في موضع الحالِ من
الضمير المنصوب، أي: كائنين عليها، إمَّا مشياً، بأن يزحفوا(٣) منكبِّين عليها،
ويشهد له ما أخرجه الشيخان(٤) وغيرُهما عن أنسٍ قال: قيل: يا رسولَ الله، كيف
يُحشر الناسُ على وجوههم؟ قال: ((الذي أَمشاهم على أرجلهم قادرٌ على أن
يُمشیھم علی وجوههم)).
والمراد: كيف يُحشر هذا الجنسُ على الوجه؛ لأنَّ ذلك خاصٌّ بالكفار،
وغيرُهم يحشر على وجهٍ آخَر. فقد أَخرج أبو داود(٥)، والترمذيُّ وحسّنه(٦)، وابن
جَرِير (٧)، وغيرُهم عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يُحشَرِ الناسُ يومَ
(١) في حاشيته ٦/ ٦٢ .
(٢) ٦ / ٨١.
(٣) في الأصل و(م): يزحفون، والمثبت هو الجادة.
(٤) صحيح البخاري (٤٧٦٠)، وصحيح مسلم (٢٨٠٦).
(٥) لعله الطيالسي، فهو في مسنده (٢٥٦٦).
(٦) في جامعه (٣١٤٢).
(٧) في تفسيره ٤٥٠/١٧. وهو عند أحمد (٨٦٤٧).

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
١٣٠
الآية : ٩٧
القيامة على ثلاثة أصناف: صنف مشاة، أي: على العادة، وصنف رُكبان، وصنف
على وجوههم)) قيل: يا رسولَ الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: ((إنَّ الذي
أَمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يمشيَهم على وجوههم، إنَّهم يتَّقون بوجوههم
كلَّ حَدَبٍ وشوك)).
وإمَّا سحباً، بأن تجرَّهم الملائكةُ منكبِّين عليها، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُبْحَبُونَ فِى
النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] ويشهد له ما أخرجه أحمد، والنَّسائي، والحاكمُ
وصحَّحه(١) عن أبي ذَرِّ أنَّه تلا هذه الآية: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ) إلخ
فقال: حدَّثني الصادقُ المصدوقُ وَِّ((أنَّ الناسَ يُحشَرون يومَ القيامةِ على ثلاثة
أَفواج: فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعَون، وفوج تسحبهم
الملائكةُ علی وجوههم)).
وأخرج أحمدُ، والنَّسائي، والتِّرمذيُّ وحسَّنه(٢) عن معاويةَ بنِ حَيْدَةً قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّكم تُحشَرون رِجَالاً ورُكباناً وتجرُّون على وجوهكم)).
ولْيُطلَبْ وجهُ الجمع، فإنْ لم يوجد، فالمعوَّل عليه ما شهد له حديثُ
الشيخين، ولا تعيِّن الآيةُ - أعني قولَه تعالى: ﴿يَوْمَ يُتْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَ
وُجُوهِهِمْ﴾ - الثاني؛ لأنَّ القرآنَ يفسِّر بعضُه بعضاً، لأنَّها في حالهم بعدَ دخولِ النار،
وما هنا في حالهم قبلُ، فتغایرا .
وزعم بعضُهم أنَّ الكلامَ على المجاز، وذلك كما يقال للمنصرف عن أمرٍ خائباً
مهموماً: انصرفَ على وجهه، فالمراد: ونحشرهم يومَ القيامةِ مهمومین خائبين،
وكأنَّ الداعيّ لهذا الارتكابِ أنَّه قد رُوي عن ابن عباسٍ حملُ الأحوالِ الآتيةِ على
المجاز، وحينئذٍ تكون جميعُ الأحوالِ على طِرزٍ واحدٍ، ولا يخفى عليك، فإياك أن
تلتفتَ إلى تأويلٍ نَطَقَت السنةُ النبويةُ بخلافه، ولا تعبأُ بقومٍ يفعلون ذلك.
﴿عُمْيًا وَبَكْمًا وَصُنّ﴾ أحوالٌ من الضمير المستكِنِّ في الجارِّ والمجرورِ الواقعِ
حالاً أولاً .
(١) مسند أحمد (٢١٤٥٦)، وسنن النسائي ١١٦/٤-١١٧، والمستدرك ٣٦٧/٢-٣٦٨.
(٢) مسند أحمد (٢٠٠١١)، وسنن النسائي الكبرى (١١٣٦٧)، وسنن الترمذي (٣١٤٣).

الآية : ٩٧
١٣١
سُورَةُ الإِسْرائة
وفي ((إرشاد العقل السليم)) أنها أحوالٌ من الضمير المجرورِ في الحال
السابقة(١)، والأوَّل أَبعدُ عن القيل والقال.
وجوَّز أبو البقاءِ(٢) كونَ ذلك بدلاً من تلك الحال. وهو كما ترى.
واستظهر أبو حيَّان(٣) كونَ المرادِ مما ذُكر حقيقتَه، ويكونُ ذلك في مبدأ الأمر،
ثم يردُّ الله تعالى إليهم أبصارَهم ونطقَهم وسمعَهم، فيرون النارَ ويسمعون زفيرَها،
وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غيرِ موضع. نعم قد يُختَم على أفواههم في
البین.
وقيل: هو على المجاز، على معنى أنَّهم لفَرط الحَيرةِ والذُّهول يُشبهون
أصحابَ هذه الصِّفات، أو على معنى أنَّهم لا يرون شيئاً يسرُّهم ولا يسمعون
كذلك ولا ينطقون بحجّة، كما أنَّهم كانوا في الدُّنيا لا يستبصرون ولا يَنطِقِون
بالحقِّ ولا يسمعونه. وأخرج ذلك ابنُ جَریرٍ وابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عباس(٤)،
ورُوي أيضاً عن الحسن، فنُزِّل ما يقولونه ويسمعونه ويُبصرونَه منزلةَ العدم؛ لعدم
الانتفاعِ به، ولا يعكِّر عليه أنَّ بعضَ الآياتِ يدلُّ على سلب بعضِ القُوى عنهم؛
لاختلافَ الأَوقات.
وقيل: عُمْياً عن النَّظَر إلى ما جعل الله تعالى لأوليائه، بُكماً عن الكلام معه
سبحانه، صُمَّا عما مدح الله تعالى به أولياءه.
وقيل: يحصل لهم ذلك حقيقةً بعدَ قولِه تعالى لهم: ﴿أَخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾
[المؤمنون: ١٠٨].
وعلى هذا تكونُ الأحوالُ مقدَّرة، كقوله تعالى: ﴿مَّأْوَهُمْ﴾ أي: مستقرُّهم
﴿جَهَنَّمْ﴾ على تقدير جَعلهِ حالاً، ويحتمل أن يكونَ استئنافاً، وقولُه سبحانه:
◌ِكُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا (®﴾ يحتمل أيضاً الاستئناف، ويحتمل أن يكونَ حالاً
(١) إرشاد العقل السليم ١٩٧/٥.
(٢) في الإملاء ٤٩٨/٣-٤٩٩.
(٣) في البحر ٦/ ٨٢.
(٤) تفسير الطبري ٩٣/١٥-٩٤، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي الدر ٤/ ٢٠٤.

سُورَةُ الإسراء
١٣٢
الآية : ٩٧
من (جهَّمَ)) كما قال أبو البقاءِ (١)، وجعل العاملَ في الحالِ معنى المأوى، وقال
الطبرسيّ(٢): هو حالٌ منها؛ لأنَّها توضع [موضعَ] متلظٌ ومتسعِّر، ولولا ذلك
ما جُعل حالاً منها .
وجوِّز جعلُه حالاً مما جُعلت الجملةُ الأولى منه، لكن بعد اعتبارِها في النظم،
والرابطُ الضميرُ المنصوب في ((زدناهم))، وهو كما ترى، والاستئنافُ أقلُّ مؤونة.
والخَبْو - وكذا الخُبُوُّ، بضمَّتين وتشديد، وهما مصدرا: خَبَت النار - سكونُ
اللهب. قال في ((البحر))(٣): يقال: خبت النارُ تخبو: إذا سكن لهبُها، وخمدت:
إذا سكن جمرُها وضَعُف، وهمدت: إذا طفئت جملة.
وقال الراغب(٤): خبت النار: سكن لهبُها وصار عليها خِباءٌ من رماد، أي:
غشاء.
وفي ((القاموس) تفسيرُ خَبَت بسكنت وطفئت، وتفسيرُ طفئت بذَهَبَ لهبها (٥).
وفيه مخالفةٌ لما في ((البحر))، والأكثرون على ما فيه.
ومن الغريب ما أخرجه ابنُ الأنباريّ(٦) عن أبي صالح من تفسير ((خبت)) في
الآية بحميت، وهو خلافُ المشهورِ والمأثور.
والسعيرُ: اللهب، والمعنى: كلَّما سكن لهبُها بأن أكلت جلودَهم ولحومَهم ولم
يبقَ ما تتعلَّق به النارُ وتُحرقه، زدناهم لهباً وتوقُّداً بأن أَعدناهم على ما كانوا،
فاستعرت النارُ بهم وتوقّدت.
أخرج ابن جَرِيرٍ وابنُ المنذر وغيرُهما عن ابن عباسٍ ﴿هَا أنَّه قال في الآية : إنَّ
الكفرةَ وَقودُ النار، فإذا أحرقتهم فلم يبقَ شيء، صارت جمراً تتوهَّج، فذلك
(١) في الإملاء ٤٩٩/٣ .
(٢) في مجمع البيان ١٠٢/١٥، وما بين حاصرتين منه.
(٣) ٦٨/٦.
(٤) في المفردات (خبو).
(٥) القاموس (خبو)، (طفئ).
(٦) في الأضداد ص ١٥٠ .

الآية : ٩٧
١٣٣
سُؤَدَةُ الإِسْرَائِ
خبوُّها، فإذا بُدِّلوا خلقاً جديداً عاودتهم(١). ولعلَّ ذلك - على ما قاله بعضُ
الأجِلَّة - عقوبةً لهم على إنكارهم الإعادةَ بعد الإِفناء، بتكرُّرها مرةً بعد الأخرى؛
ليَرَوها عياناً حيث لم يروها برهاناً، كما يُفصح عنه ما بعد.
واستشكل ما ذُكر بأنَّ قولَه تعالى: ﴿كَمَا نَعِمَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًّا غَيْرَهَا﴾
[النساء: ٥٦] يدلُّ على أنَّ النارَ لا تتجاوز عن إِنضاجهم إلى إِحراقهم وإفنائهم،
فیعارض ذلك.
وأَجاب بعضُهم بأنَّ تبديلَهم جلوداً غيرَها بإحراقها وإفنائها وخلقٍ غيرها، فكأنَّه
قيل: كلَّما نضجت جلودُهم، أَحرقناها وأفنيناها وخلقنا لهم غيرَها.
وبعضٌ بأنَّ المراد: كلَّما نضجت جلودُهم كمالَ النضج بأن يبلغَ شَيُّها إلى حدٍّ
لو بقيت عليه لا يُحسُّ صاحبُها بالعذاب - وهو مرتبةُ الاحتراق - بدَّلناهم إلخ. ويدلُّ
على ذلك قولُه تعالى: ﴿لِيَذُوقُواْ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٥٦].
وقال الخَفاجي(٢): أُجيب بأنَّه يجوز أن يحصلَ لجلودهم تارةً النضجُ وتارةً
الإِفناء، أو كلٌّ منهما في حقِّ قوم، على أنَّه لا سدَّ لباب المجاز بأن يجعلَ النُّضج عبارةً
عن مطلق تأثيرِ النار، إذ لا يحصل في ابتداء الدخولِ غيرُ الإحراق دونَ النُّضج. اهـ.
ولا يخفى ما في قوله: بأن يجعلَ النُّضج عبارةً عن مطلق تأثيرِ النار، من
المساهلة، وفي قوله: إذ لا يحصل ... إلخ منعٌ ظاهر. وذَكَرَ أنَّه أُورد على
الجواب الأوَّل أنَّ كلمة ((كلَّما)) تنافيه. وفيه بحث، فتأمَّل.
وربما يتوهّم أنَّ بين هذه الآيةِ وقولِه تعالى: ﴿لَا يُحَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾
[البقرة: ١٦٢] تعارضاً؛ لأن الخبوَّ يستلزم التخفيف. وهو مدفوعٌ بأنَّ الخبوَّ سكونُ
اللهبٍ كما سمعت، واستلزامُه تخفيفَ عذابِ النار ممنوع. على أنَّا لو سلَّمنا
الاستلزام، فالعذابُ الذي لا يخفّف ليس منحصراً بالعذاب بالنار والإِيلامِ
بحرارتها، وحينئذٍ فيمكن أن يعوَّضَ ما فات منه بسكون اللهبِ بنوعٍ آخَرَ من
العذاب ممَّا لا يعلمه إلَّا الله تعالى.
(١) تفسير الطبري ٩٦/١٥، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢٠٤/٤.
(٢) في حاشيته ٦ / ٦٣.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
١٣٤
الآية : ٩٨ - ٩٩
وذكر الإمامُ(١) أنَّ قولَه سبحانه: ((زدناهم سعيراً)) يقتضي ظاهرُه أنَّ الحالة الثانية
أزيدُ من الحالة الأُولى، فتكون الحالةُ الأولى تخفيفاً بالنّسبة إلى الحالة الثانية.
وأجاب بأنَّه حصل في الحالة الأولى خوفُ حصولِ الثانية، فكان العذابُ شديداً.
ويحتمل أن يقال: لمَّا عَظُمَ العذاب، صار التفاوتُ الحاصلُ في أثنائه غيرَ مشعورٍ
به، نعوذ بالله تعالی منه. اهـ.
وقد يقال: ليس في الآية أكثرُ من ازدياد توقُّدهم، ولعلَّه لا يستلزم ازديادَ
عذابهم، والمرادُ من الآية: كلَّما أُحرقوا أُعيدوا، إلَّا أنه عبِّر بما عبِّر للمبالغة.
ويُشير إلى كون المرادِ ذلك قوله تعالى: ((زدناهم» دونَ زدناها، فتدبّر .
﴿ذَلِكَ﴾ أي: العذابُ المفهومُ من قوله سبحانه: ((كلما خبت زدناهم سعيراً) أو
إلى جميع ما ذُكر من حشرهم على وجوههم عُمياً وبكماً وصمّاً .. إلخ، والمفهومُ
ممَّا ذكرنا مندرجٌ فيه ﴿جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسبب أنَّهم ﴿كَفَرُواْ بِمَايَدِنَا﴾ القرآنيةِ
والآفاقية، الدالَّةِ على صحّة الإِعادة دلالةً واضحة، أو على صحَّة ما أرسلناك به
مطلقاً، فيشمل ما ذكر.
و((ذلك)) مبتدأ، و((جزاؤهم)) خبرُه، والظرفُ متعلِّق به. وجوِّز أن يكونَ
((جزاؤهم)) مبتدأً ثانياً والظرفُ خبره، والجملةُ خبرٌ لـ ((ذلك)). وأن يكونَ ((جزاؤهم))
بدلاً من «ذلك))، أو بياناً، والخبرُ هو الظرف. وقيل: ((ذلك)) خبرُ مبتدأ محذوف،
أي: الأمرُ ذلك، وما بعده مبتدأ وخبر. وليس بشيء.
﴿وَقَالُواْ﴾ منكِرين أشدَّ الإنكار: ﴿أَذَا كُنَا عِظَمًا وَرُفَتَا﴾ هو في الأصل - كما قال
الراغب(٢) - كالفُتَات: ما تكسَّر وتفرَّق من التِّبن. والمراد هنا: بالين متفرِّقين ﴿أَغِنَا
﴾ إما مصدرٌ مؤكِّد من غير لفظِه، أي: لَمبعوثون بعثاً
لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا لهـ
جديداً، وإمَّا حال، أي: مخلوقين مستأنفين.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: ألم يتفكّروا ولم يعلموا
أنَّ اللهَ تعالى الذي قَدَرَ على خلق هذه الأَجرامِ والأجسامِ الشديدةِ العظيمة التي
(١) في التفسير الكبير ٢١/ ٦١.
(٢) في المفردات (رفت).

الآية : ٩٩
١٣٥
سُؤَدَّةُ الإِسْرَاةِ
بعضُ ما تحويه البشر ﴿قَادِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ من الإنس، أي: ومَن هو قادرٌ
على ذلك كيف لا يقدر على إِعادتهم وهي أَهونُ عليه جلَّ وعلا؟
وقال بعضُ المحقّقين: ((مِثل)) هنا مثلُها في: مِثْلُك لا يبخل، أي: قادرٌ على
أن يخلقَهم، والمرادُ بالخلق الإِعادة، كما عبِّر عنها أوَّلاً بذلك حيث قيل: ((خلقاً
جدیداً)) ولا يخلو عن بُعد.
وزعم بعضُهم أنَّ المراد: قادرٌ على أن يخلقَ عبيداً آخَرين يوحِّدونه تعالى،
ويقرُّون بكمال حكمتِه وقدرتِهِ، ويتركون ذِكرَ هذه الشُّبهاتِ الفاسدة، كقوله تعالى:
غيره
ويستبدِل قومًا
[إبراهيم: ١٩] وقوله سبحانه:
١٩
﴿وَبَأْتِ پِخَلْقٍ جَدِيدٍ
[التوبة: ٣٩] وفيه أنَّه لا يلائم السِّياق، كما لا يخفى على ذوي الأَذواق.
ثم اعلمْ أنَّ ظاهرَ الآيةِ أنَّ الكفرةَ أَنكروا إعادتهم يومَ القيامةِ على معنى جمعِ
أجزائهم المتفرِّقةِ وعظامِهم المتفتِّتة، وتأليفها وإفاضةِ الحياةِ عليها كما كانت في
الدُّنيا، فهو الذي عَنَوه بقولهم: ((أتنا لمبعوثون خلقاً جديداً) بعد قولهم: ((أئذا كنا
عظاماً ورفاتاً)) فردَّ عليهم بإثبات ذلك بطريقٍ برهانيّ.
وعلى هذا تكون الآيةُ أحدَ أدلَّة مَن يقول: إنَّ الحشر بإعادة أجزاءٍ الأبدان التي
تتفرَّق - كأبدان ما عدا الأنبياء عليهم السلام، ومَن لم يعمل خطيئةً قط، والمؤذِّنين
احتساباً، ونحوِهم ممَّن حُرِّمت أجسادهم على الأرض كما جاءَ في
الأَخبار(١) - وجمعِها بعد تفرُّقها، وعَنَوا بذلك الأجزاءَ الأصلية، وهي الحاصلةُ في
أوَّل الفطرةِ حالَ نفخ الرُّوحِ، وهي عندهم محفوظةٌ من أن تصيرَ جزءاً لبدنٍ آخَرَ،
فضلاً عن أن تصيرَ جزءاً أصلياً له.
والذاهبون إلى هذا هم الأقلّ، وحكاه الآمديُّ بصيغة قيل، لكن رجَّحه الفخر
الرازيُّ وَذَكَرَ أنَّ الأكثر على أنَّ اللهَ سبحانه يعدم الذواتِ بالكلِّية ثم يُعيدها، وقال:
إنَّه الصحيح. وكذا قال البدرُ الزَّركشي، وذكر اللقَانيُّ أنه قولُ أهلِ السنَّة والمعتزلةِ
القائلين بصحّة الفناءِ والعدم على الأجسام، بل بوقوعه، وإن اختلفوا في أنَّ ذلك
هل هو بحدوثٍ ضِدّ، أو بانتفاءِ شرط، أو بِلا ولا .
(١) حديث تحريم أجساد الأنبياء على الأرض أخرجه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي ٩١/٣- ٩٢،
وابن ماجه (١٠٨٥) عن أوس بن أوس ظه. وسترد هذه الأخبار ١٠٢/١٧.

سُورَةُ الإشرارة
١٣٦
الآية : ٩٩
فذهب إلى الأخير القاضي(١) من أهل السنَّة وأبو الهذيلِ من المعتزلة، قالا:
إنَّ اللهَ تعالى يُعدِم ما يريد إعدامَه على نحو إيجادِه إياه، فيقول له - عند أبي الهذيل -:
إِفنَ، فيفنى، کما یقول له: کن، فیکون.
وذهب جمهورُ المعتزلةِ إلى الأوَّل، فقالوا: إنَّ فناءَ الجوهرِ بحدوث ضدٍّ له،
وهو الفناءُ، ثم اختلفوا، فذهب ابنُ الإخشِيد (٢) إلى أنَّ اللهَ تعالى يخلق الفناءَ في
جهةٍ من جهات الجواهر، فتعدم الجواهرُ بأسرها، وقال ابنُ شبيب: إنَّه تعالى
يُحدِث في كلِّ جوهرٍ بعينه فناءً يقتضي عدمَ الجوهرِ في الزمان الثاني، وذهب
أبو عليٍّ وأبو هاشم وأتباعُهما إلى أنَّ اللهَ تعالى يُعدِمِ الجوهرَ بخلق فناءٍ لا في محلٌّ
معيَّن منه، ثم اختلفًا، فقال أبو عليٍّ وأتباعُه: إنَّ اللهَ سبحانه يخلق فناءً واحداً لا في
محلّ، فيُفني به الجواهرَ بأسرها، وقال أبو هاشمٍ وأتباعُه: إنَّه تعالى يخلق لكلِّ
جوهرٍ فناءً لا في محلّ.
وذهب إمامُ الحرمين وأكثرُ أهلِ السنَّة وبشرٌ المريسيُّ والكعبيُّ من المعتزلة إلى
الثاني، ثم اختلفوا في تعيين الشَّرط، فقال بِشر: إنَّه بقاءٌ يخلقه سبحانه لا في
محلّ، فإن لم يخلقه عُدِمِ الجوهر. وقال الأكثرُ والكعبيّ: إنه بقاءٌ قائمٌ بالجوهر
يخلقه جلَّ وعلا فيه حالاً فحالاً، فإذا لم يخلقْه تعالى فيه انتفَى الجوهر. وقال إمامُ
الحرمين: إنَّه الأعراضُ التي يجب اتِّصافُ الجسم بها، فإنَّ اللهَ تعالى شأنُه يخلقها
في الجسم حالاً فحالاً، فمتى لم يخلقْها سبحانه فيه انعدم. وقال النظّام: إنَّه
خلقُ اللهِ تعالى الجوهرَ حالاً فحالاً، فإنَّ الجواهرَ عنده لابقاءً لها، بل هي متجدِّدة
بتجدُّد الأعراض، فإذا لم يُوالِ عزَّ مجدُه على الجوهر خَلْقَه فَنِي.
وأنت تعلم أنَّ أكثرَ هذه الأقاويلِ من قَبِيل الأباطيل، سيما القولُ بأنَّ الفناءَ أمرٌ
محقَّق في الخارج ضدٌّ للبقاء قائمٌ بنفسه أو بالجوهر، وكونُ البقاءِ موجوداً لا في
محلّ. ولعل وجهَ البطلانِ غنيٌّ عن البيان.
(١) هو أبو بكر الباقلاني، وكلامه - وكذا ما سيأتي من أقوال - في شرح المقاصد للتفتازاني
٩٨/٥ فما بعدها .
(٢) هو العلامة أبو بكر أحمد بن علي بن بيغجور الإخشيد، شيخ المعتزلة. كان يدري
الحديث، وله تواليف في الفقه والنحو والكلام. توفي سنة (٣٢٦هـ). السير ٢١٧/١٥.

الآية : ٩٩
١٣٧
سُورَةُ الإِشْرَاةِ
واحتجُّوا لهذا المذهبِ بقوله سبحانه: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]
وقولِه تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وأَجابوا عن الآية بأنَّ الكفار اكتفَوا
بأقلِّ اللازم وأرادوا المبالغةَ في الإِنكار؛ لأنَّه إذا لم يُمكن بزعمهم الحشرُ بعد
كونِهم عظاماً ورُفاتاً، فعدمُ إمكانه بعد فنائهم بالمرَّة أظهرُ وأَظهر.
وفيه أنَّ هلاكَ كلِّ شيءٍ خروجُه عن صفاته المطلوبةِ منه، والتفرُّق كذلك،
فيقال له هلاك، ويسمَّى أيضاً فناءً عرفاً، فالاحتجاجُ بالآيتين غيرُ تامّ، وأنَّ ما قالوه
في الجواب عن الآية خلافُ الظاهر. ولا يَرِد عليهم أنَّ إعادةَ المعدومِ محالٌ لِمَا
ذكره الفلاسفةُ من الأدلَّة؛ لِمَا ذكره المسلمون في إبطالها .
ومِن الناس مَن قال: إنَّ عَجْبَ الذَّنَب لا يفنَى وإن فَنيَ ما عداه من أجزاءٍ
البدن؛ لحديث الصَّحيحين(١): ((ليس من الإنسان شيءٌ إلَّا يبلَى، إلَّا عظماً واحداً
وهو عَجْبُ الذَّنَب، منه خلق الخلق يومَ القيامة)). وفي رواية مسلم(٢): ((كلُّ ابنِ آدم
يأكله الترابُ إلَّا عَجْبَ الذَّنَب، منه خُلق ومنه يرَّب)).
وصحَّح المزنيُّ أنَّه يفنَى أيضاً، وتأوَّل الحديثَ بأنَّ المرادَ منه أنَّ كلَّ الإنسان
يبلَى بالتراب ويكون سببَ فنائه إلَّا عَجْبَ الذَّنب، فإنَّ الله تعالى يُفنيه بلا تراب،
كما يُميت مَلَكَ الموتِ بلا مَلَكِ موت، والخلقُ منه والتركيبُ يمكن أن يكونَ بعد
إِعادته، فليس ما ذكر نصّاً في بقائه، ووافقه على ذلك ابنُ قتيبة، وأنت تعلم أنَّ
ظواهرَ الأخبارِ تدلُّ على عدم فنائه مطلقاً .
وتوقَّف بعضُ العلماءِ عن الجزم بأحد المذهبيّن السابقين في كيفيَّة الحشر.
وقال السَّعد(٣): إنَّه الحقّ، وهو اختيارُ إمام الحرمين(٤) وفي ((المواقف)) وشرحِه(٥)
للسيِّدِ السَّند: هل يُعدِمِ الله تعالى الأجزاءَ البدنيةَ ثم يُعيدها، أو يفرِّقها ويُعيد فيها
التأليف؟ الحقُّ أنَّه لم يثبت في ذلك شيء، فلا جزمَ فيه نفياً ولا إثباتاً، لعدم الدليلِ
على شيءٍ من الطرفين.
(١) صحيح البخاري (٤٩٣٥)، وصحيح مسلم (٢٩٥٥) من حديث أبي هريرة
(٢) برقم (٢٩٥٥): (١٤٢).
(٣) في شرح المقاصد ١٠٠/٥-١٠١.
(٤) في الإرشاد ص٣١٥.
(٥) ٨/ ٢٩٧.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
١٣٨
الآية : ٩٩
وقال حجّة الإسلام الغزاليُّ في كتاب ((الاقتصاد)) (١): فإن قيل: ما تقولون، هل
تعدم الجواهرُ والأعراض ثم يعادان جميعاً، أو تعدم الأعراضُ دون الجواهرِ ثم
تعاد الأَعراضُ فقط؟ قلنا: كلُّ ذلك ممكن، والحقُّ أنه ليس في الشرع دليلٌ قاطع
على تعيين أحدِ الأمرَين الممكنين.
وقال بعضُهم: الحقُّ وقوعُ الأمرين جميعاً: إعادة ما انعدم بعينه، وإِعادة
ما تفرَّق بأعراضه. وهو حَسَن.
والكلامُ في هذا المقام طويلٌ جدّاً، ولعل اللهَ سبحانه وتعالى يمنُّ علينا
باستيفائه ولو في مواضعَ متعدِّدة.
﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾ وهو ميقاتُ إِعادتهم وحشرِهم، أو موتِهم، وهو - على
هذا - اسمُ جنس؛ لأنَّ لكلِّ أحدٍ أجلاً للموت يخصُّه، وقد جاءَ إطلاقُ الأجلِ على
الموت، ووجهُه أنَّه يطلق على مدَّة الحياةِ وعلى آخِرِها، والموتُ مجاورٌ لذلك.
﴿لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا ينبغي الرَّيبُ فيه والإِنكارُ لمن تدبَّره. أو النفيُ على
ظاهره. والجملةُ معطوفةٌ على ((أو لم يروا)) وهي وإن كانت إنشائيةً - وفي عطف
الإخباريةِ عليها مقال - مؤوَّلةٌ بخبرية، والعطفُ على الصِّلة فيما مرَّ متعذّر؛ للفصل
بخبر ((أنَّ)، وكذا على ما بعدَ ((أنْ)) المصدريةِ لفظاً ومعنّى.
والمعنى كما في ((الكشف)) وغيرِهِ: قد علموا بدليل العقلِ أنَّ اللهَ تعالى قادرٌ
على إعادتهم، وقد جعل أجلاً لها لا ريبَ فيه، فلا بدَّ منها، أي: إذا كان ذلك
ممكناً في نفسه واجبَ الوقوعِ بخبر الصادق، لا يبقَى للإِنكار معنّى، فإنْ كان
الأجلُ بمعنى ميقاتِ إعادتهم، أي: يومَ القيامة؛ لقولهم: ((أئذا كنا عظاماً ورفاتاً))
وهو الظاهرُ، فهو واضح، وإنْ كان بمعنى الموت، فوجهُه أنَّهم قد علموا إِمكانه،
وأنَّهم ميِّتون لا محالة، منسلخون من هذه الحياة، وأنه لا بدَّ لهم من جزاء، فلم
يُخلَقوا عبثاً، ولم يُتركوا سُدّى، ففيمَ الإِنكار؟ وكأنَّه قد اكتفى بالموت عمَّا بعده،
لأنَّه أولُ القيامة، ومَن مات فقد قامت قيامتُه(٢)، فالعطفُ في التقدير على: قد
(١) ص ٢٠٠.
(٢) إشارة إلى حديث سلف ١٢٢/٨، وسنده ضعيف.

الآية : ١٠٠
١٣٩
سُؤَةُ الإِسْرَاءِ
علموا، ويُعلَم من هذا التقريرِ أنَّ الجامعَ بين الجملتين لصحَّة العطفِ في غاية
القوَّة.
وزعم القطبُ أنَّ الأَوْلى العطفُ على ما بعدَ ((أنْ)) المصدرية، أمَّا أولاً: فلأنَّه
أَقرب، وأمَّا ثانياً: فلأنَّ جعل الأجلِ يدخل حينئذٍ تحتَ قدرتِه تعالى وتحثَ
علمهم، بخلاف ما إذا عُطف على قوله سبحانه: ((أو لم يروا .. )) إلخ. ولا يخفَى
ما فيه على مَن استدارت حُرَةُ فِكرِه علی مِحور التحقيق.
﴿فَبَى الظَّالِمُونَ﴾ الذين كفروا بالآيات وقالوا ما قالوا. ووضع الظاهر موضعَ
ضميرِهم؛ تسجيلاً عليهم بالظّلم وتجاوزِ الحدِّ بالمرَّة ﴿إِلَّا كُفُورًا ﴾﴾ أي: جحوداً.
﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآَيْنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَأَمْسَكُمْ﴾ أي: خزائنَ نِعَمِه التي أفاضها
على كافَّة الموجودات، فالرحمةُ مجازٌ عن النِّعم، والخزائنُ استعارةٌ تحقيقيةٌ أو
تخييلية.
و((أنتم)) - على ما ذهب إليه الحوفيُّ والزمخشريُّ(١) وأبو البقاءِ (٢) وابنُ عطية(٣)
وغيرُهم - فاعلٌ لفعلٍ محذوف يفسِّره المذكور؛ لأنَّ ((لو)) يمتنع أن يليَها الاسم،
والأصلُ: لو تملكون تملكون، فلمَّا حُذف الفعلُ انفصل الضمير، ومِثلُ ذلك قولُ
حاتم وقد أُسر فلطمته جارية: لو ذاتُ سِوارٍ لطمتني(٤)، وقولُ المتلمِّس(٥):
جعلتُ لهم فوق العرانينِ(٦) مِيسَما
ولو غيرُ أَخوالي أرادوا نقيصتي
وفائدةُ الحذفِ والتفسير - على ما قيل - الإِيجازُ؛ فإنَّه بعد قصدِ التوکیدِ لو قيل:
تملكون تملكون، لَكان إطناباً وتكراراً بحسَب الظاهر. والمبالغةُ؛ لتكرير الإِسناد،
أو لتكرير الشَّرط، فإنَّه يقتضي تكرُّرَ ترتُّب الجزاءِ عليه والدَّلالةَ على الاختصاص،
(١) في الكشاف ٢/ ٤٦٧ -٤٦٨.
(٢) في الإملاء ٥٠٠/٣.
(٣) في المحرر الوجيز ٤٨٨/٣.
(٤) أي: لو لطمتني حرة؛ لأن السِّوار إنما يكون للحرائر عندهم. حاشية الشهاب ٦٣/٦.
(٥) في الأصل و(م): الملتمس، والبيت في الأصمعيات ص٢٤٥، والكامل ٣٦٣/١، والخزانة
٥٩/١٠.
(٦) جمع العِرنين: وهو الأنف كله، وقيل: رأس الأنف. اللسان (عرن).

سُؤَةُ الإِسْرَاةِ
١٤٠
الآية : ١٠٠
وذلك بناءً على أنَّ ((أنتم)) بعينه ضميرُ ((تملكون)) المؤشّر، فهو في المعنى فاعلٌ
مقدَّم، وتقديمُ الفاعلِ المعنويِّ يفيد الاختصاصَ إذا ناسب المقام، فيفيد الكلامُ
حينئذٍ ترتُّبَ الإِمساك. وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى المرادُ منه على تفرُّدهم بملك
الخزائن، ويُعلَم منه ترتّبُه على ملكها بالاشتراك بالطَّريق الأَوْلى.
وإلى تخريج مثلِ هذا التركيبِ على هذا الطَّرز ذهب البصريُّون، بيدَ أنَّ
أبا الحسن بنَ الضائع وغيرَه صرَّحوا بأنَّهم يمنعون إيلاءَ ((لو)) فعلاً مضمراً في
الفصيح، ويُجيزونه في الضَّرورة وفي نادرٍ كلام، ولعل شِعرَ المتلمِّس وَمثَلَ حاتِم
عندهم من ذلك، والحقُّ خلافُ ذلك.
وقال أبو الحسن عليُّ بن فضَّال(١) المجاشعي: إنَّ التقدير: لو كنتم أنتم
تملكون. وظاهرُه أنَّ أنتم عنده توكيدٌ للضمير المحذوفِ مع الفعل، وليس بشيء.
وقال أبو الحسن بنُ الضائع: إنَّ الأصل: لو كنتم تملكون، فحُذفت كان
وحدَها وانفصل الضمير، فهو عنده اسمٌ لكان محذوفةً، وجملةُ ((تملكون)) خبرُها .
وعلى هذا تخرَّج نظائرُه.
قال أبو حيَّان(٢) بعد نقل ما تقدَّم: وهذا التخريجُ أَحسن؛ لأنَّ حذفَ ((كان))
بعد «لو)» معهودٌ في لسان العرب.
ولا يخفَى أنَّ الكلامَ على ما سمعتَ أوَّلاً أَفيد، وإن كان الظاهرُ أنَّ الإِمساكَ
على هذا يكون على استمرار الملك.
والمرادُ من الإِمساك البخل؛ وذلك لأنَّ البخلَ إمساكٌ خاصّ، فلمَّا حُذف
المفعولُ ووجّه إلى نفس الفعلِ بمعنى: لَفعلتم الإِمساك، جُعل كنايةً عن أَبلغ أنواعِه
وأقبحِها. وإلى كونه كنايةً عمَّا ذُكر ذهب صاحبُ ((الفرائد)) وغيرُه.
وجوِّز أن يكونَ مضمَّناً معنى البخل. وتعقِّب بأنَّه ليس بشيءٍ لفظاً ومعنّى.
وعلى ما ذكرنا يتخرَّج قولُهم للبخيل: ممسك.
(١) في الأصل و(م): فضالة، والمثبت من البحر ٨٤/٦، وهو الصواب، وقد سلفت ترجمته
٣٨١/١٣.
(٢) في البحر ٦/ ٨٤.