Indexed OCR Text
Pages 81-100
الآية : ٨٥ ٨١ سُؤَدَةُ الإِسْرَاءِ متألِّم، سعيدٌ شقي، ملتذٌّ ولكنَّ للَّته ألمُه، سعيدٌ ولكن سعادتَه شقاوتُه، وهذا لَعمرُك أمرٌ عجيب، لكنَّه أُوضِح بنمط غريب. ومَن تأمَّل وأَنصف، ظهر له أنْ لا مخلصَ لكثيرٍ من الشُّبهات في هذا الفصلِ إلَّا بالذَّهاب إلى القولِ بالاستعداد الأزليّ، وأنَّ لكلِّ شيءٍ حالةً في نفسه مع قطع النظرِ عن سائر الاعتبارات، لا يفاض عليه إلَّا هي، لئلا يلزمَ انقلابُ العلمِ جهلاً، وهو من أعظم المستحيلات، والإثابةُ والتعذيبُ تابعان لذلك، فسبحانً الحكيمِ المالك، فتثَبَّت، فكم قد زلَّت في هذا المقام أقدامُ أعلام كالأعلام، نسأل الله تعالى أن ينوِّر أفهامَنا، ويثبِتَ أقدامنا، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله العليّ العظيم. ثم اعلمْ أنه رُوي عن أبي بكرِ الصِّدِّيقِ ظُه أنَّه قال: لم أرَ في القرآن أَرجَى من هذه الآية، لا يشاكَلُ بالعبد إلَّا العصيان، ولا يشاكل بالربِّ إلَّ الغفران. قال ذلك حين تذاكروا القرآنَ فقال عمر: لم أرَ آيَةً أرجَى من التي فيها ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ التَّوْبٍ﴾ [غافر: ٣] قدَّم الغفرانَ قبل قَبولِ التوبة، وقال عثمان: لم أرَ آيةً أرجَى من ﴿فَيِّئْ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]. وقال عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه: لم أرَ أرجَى من ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَشْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية. وقيل في الأرجَى غيرُ ذلك، وسيمرُّ عليك إن شاء اللهُ تعالى، لكن ما قاله الصِّدِّيق لا يتأتَّى إلَّا على تقدير أنْ يرادَ: كلُّ أحدٍ مطلقاً يعمل على شاكلته، فافهم. ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الزُّوَجْ﴾ الظاهرُ عند المُنصِف أنَّ السؤالَ كان عن حقيقة الرُّوح الذي هو مدارُ البدنِ الإنسانيّ ومبدأُ حياته؛ لأنَّ ذلك من أدقِّ الأمورِ التي لا يسعِ أحداً إِنكارها، ويشرئبُّ كلٌّ إلى معرفتها، وتتوقَّر دواعي العقلاء إليها، وتكلَّ الأذهانُ عنها، ولا تكاد تُعلَم إلَّا بوحي. وزعم ابنُ القيِّم (١) أنَّ المسؤولَ عنه الروحُ الذي أَخبر الله تعالى عنه في كتابه أنَّه يقوم يومَ القيامةِ مع الملائكة عليهم السلام، قال: لأنَّهم إنَّما يسألونه عليه الصلاة والسلام عن أمرٍ لا يُعرَف إلَّا بالوحي، وذلك هو الروح الذي (١) في كتاب الروح ص ١٧٨ (طبعة الرسالة). سُورَةُ الإِسْرَةِ ٨٢ الآية : ٨٥ عند الله تعالى لا يعلمه الناس، وأمَّا أرواحُ بني آدمَ فليست من الغيب، إلى آخرِ ما قال، وقد أطال. وفي ((البحور الزاخرة)) أنَّ هذا هو الذي عليه أكثرُ السلف بل كلُّهم. والحقُّ ما ذكرنا، وهو الذي عليه الجمهورُ كما نصَّ عليه في ((البحر))(١) وغيره، نَعَم ما زعمه ابنُ القيِّم مرويٌّ عن بعض السَّلف، فقد أخرجٍ عبد بنُ حُميد وأبو الشيخ عن ابن عباس أنَّه قال: الرُّوح خلقٌ من خلق اللهِ تعالى، وصُوَرهم على صورةٍ بني آدم، وما ينزل من السماءِ مَلَك إلَّا ومعه واحدٌ من الرُّوحِ، ثم تلا ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُُّعُ وَالْمَلَتِكَةُ﴾ [النبأ: ٣٨](٢). وأخرج أبو الشيخ(٣) وغيرُه من طريق عطاءٍ عنه ظُهُ أَنَّه قال في الرُّوح المسؤولِ عنه: هو مَلَكٌ واحدٌ له عشرةُ آلافٍ جناح، جناحان منها ما بين المشرقِ والمغرب، له ألفُ وجه، لكلِّ وجهٍ لسانٌ وعينانٍ وشفتان، يسبِّح الله تعالى بذلك إلى يومِ القيامة. وأخرج هو وغيرُه أيضاً عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه أنَّه قال فيه: هو مَلَك من الملائكة له سبعونَ ألفَ وجه، لكلِّ وجهٍ منها سبعونَ ألفَ لسان، لكلِّ لسانٍ منها سبعون ألفَ لغة، يسبِّح اللهَ تعالى بتلك اللغاتِ كلِّها، يخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحةٍ مَلَكاً يطير مع الملائكةِ إلى يوم القيامة(٤). وتعقّب هذا بأنَّه لا يصحُّ عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه، وطعن الإمامُ(٥) في ذلك بما طعن. وأخرج ابنُ الأَنباري في كتاب ((الأَضداد))(٦) عن مجاهدٍ أنَّه قال: الرُّوح خلقٌ من الملائكة عليهم السلام، لا يراهم الملائكة كما لا تَرَون أنتم الملائكة. (١) ٦ / ٧٦ . (٢) الدر المنثور ٤/ ٢٠٠، وهو في كتاب العظمة (٤٠٦) دون قوله: ثم تلا ..... (٣) في العظمة (٤١١). (٤) العظمة (٤١٠)، وأخرجه أيضاً الطبري ٧١/١٥، وإسناده ضعيف الإبهام الراوي عن علي رضاه، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا أثر غريب عجيب. (٥) في التفسير الكبير ٣٩/٢١. (٦) ص ٤٢٢ - ٤٢٣. الآية : ٨٥ ٨٣ سورة الإسراء وأَخرج أَبو الشيخ(١) عن سلمانَ أنَّه قال: الإنسُ والجنُّ عشرة أجزاء، فالإنسُ جزءٌ والجنُّ تسعةُ أجزاء، والملائكةُ والجِنُّ عشرةُ أجزاء، فالجنُّ من ذلك جزءٌ والملائكةُ تسعة، والملائكةُ والروحُ عشرة أَجزاء، فالملائكةُ من ذلك جزءٌ والرُّوح تسعةُ أجزاء، والروحُ والكروبيُّون عشرةُ أجزاء، فالروحُ من ذلك جزءٌ والكروبيون تسعةُ أجزاء. وقال الحسنُ وقتادة: الروحُ هو جبرائيلُ عليه السلام، وقد سمِّي روحاً في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ -١٩٤] والسؤالُ عن كيفية نزوله وإلقائه الوحيَ إليه عليه الصلاة والسلام. وقال بعضُهم: هو القرآن، وقد سمِّي روحاً في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. وقيل غيرُ ذلك. وزَعَمَ بعضُهم أنَّ السؤالَ عن حدوث الرُّوحِ بالمعنى الأوَّل وقِدَمه. وليس بشيءٍ كما ستسمعه إن شاء الله تعالى. وضميرُ ((يسألون)) لليهود؛ فقد أَخرج الشيخان(٢) وغيرُهما عن ابن مسعودٍ قال: كنت أَمشي مع النبيِّ وَّ في خرب المدينةِ وهو متكئٍّ على عَسيب، فمرَّ بقومٍ من اليهود، فقال بعضُهم لبعض: سلوه عن الرُّوح، وقال بعضُهم: لا تسألوه، فسألوه فقالوا: يا محمدُ ما الرُّوح؟ فما زال متوكِّئاً على العَسيب، فظننت أنَّه يوحَى إليه، فلما نزل الوحيُّ قال: (وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ) الآيةَ. وقال بعضُهم: لقريش؛ لِمَا أَخرج أَحمد، والنَّسائي، والتِّرمذي، والحاكم، وصحَّحاه، وابنُ حِبّان(٣)، وجماعةٌ عن ابن عباسٍ قال: قالت قريشٌ لليهود: أَعطُونا شيئاً نسأل هذا الرجلَ، فقالوا: سلوه عن الرُّوح، فسألوه، فنزلت ((ويسألونك ... )) إلخ. (١) في العظمة (٤٢٢). (٢) صحيح البخاري (١٢٥) و(٧٤٥٦)، ومسلم (٢٧٩٤). (٣) مسند أحمد (٢٣٠٩)، والسنن الكبرى (١١٢٥٢)، وجامع الترمذي (٣١٤٠)، والمستدرك ٥١٣/٢، وصحيح ابن حبان (٩٩). سُورَةُ الإِسْراءِ ٨٤ الآية : ٨٥ وفي السِّيَر عن ابن عباسِ ظُهَا أنَّ قريشاً بعثت النَّضرَ بن الحارث وعُقبةَ بن أبي مُعَيط إلى أَحبار يهودَ بالمدينة وقالوا لهم: سلوهم عن محمد (١)؛ فإنَّهم أهلُ كتابٍ عندهم من العلم ما ليس عندنا، فخرجا حتى قدما المدينة، فسألوهم، فقالوا: سلوه عن أَصحاب الكهف، وعن ذي القَرنين، وعن الرُّوح، فإن أَجاب عنها أو سكت فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن بعضٍ وسكت عن بعضٍ فهو نبيٌّ، فجاؤوا وسألوه، فبَيَّن لهم ◌ِّهِ القضيَّتين وأَبهم أمرَ الرُّوح وهو مبهَمٌ في التوراة. والآيةُ على هذا وما قبلَه مِّية، وعلى خبر الصحيحَين مدنيّة، وجمع بعضُهم بين ذلك بأنَّ الآيةَ نزلت مرَّتين، فتدبّر. وأيًّا ما كان، فوجهُ تعقيبٍ ما تقدَّم بها - إنْ فسِّر الروحُ بالقرآن - ظاهرٌ ملائمٌ لقوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ) ولِمَا بعدَه من الامتنانِ عليه وعلى متَّبعيه بحفظه في الصُّدور والبقاء، وكذلك إنْ فسِّر بجبرائيلَ عليه السلام، وأمَّا على قولِ الجمهور، فقد ورد معترضاً دلالةً على خَسار الظالمين وضلالِهم، وأنَّهم مشتغلون عن تدبُّرِ الكتابِ والانتفاعِ به إلى التعنُّت بسؤال ما اقتضت الحكمةُ سدَّ طريقِ معرفته. ويقال نحوُ هذا على القول المرويِّ عن بعضٍ السلف. ﴿قُلِ الرُّوحُ﴾ أَظهرَ في مقام الإضمار إظهاراً لكمال الاعتناءِ ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾ كلمةُ ((من)) تبعيضيَّة، وقيل: بيانية، والأمرُ واحدُ الأمور، بمعنى الشأن، والإضافةُ للاختصاص العلميِّ لا الإيجادي؛ إذ ما من شيءٍ إلَّا وهو مضافٌ إليه عزَّ وجلَّ بهذا المعنى، وفيها من تشريف المضافِ ما لا يخفَى، كما في الإضافة الثانيةِ من تشريفِ المضاف إليه، أي: هي من جِنس ما استأثر الله تعالى بعلمه من الأسرار الخفية التي لا تكاد تدركها عيونُ عقولِ البشر. ﴿وَمَآ أُوْتِيْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٥َ﴾ لا يمكن تعلُّقه بأمثال ذلك. وهذا - على ما قيل - تركٌ للبيان ونهيٌّ لهم عن السؤال. (١) في الأصل وم: سلوهم محمداً، والمثبت من السير والمغازي لابن إسحاق ص ٢٠١، وتفسير الطبري ١٤٣/١٥، ودلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٢٧٠، وغيرها. الآية : ٨٥ ٨٥ سُؤَةُ الإِسْراء أخرج ابن إسحاقَ وابن جَرِيرٍ(١) عن عطاء بن يسارٍ قال: نزلت هذه الآية بمكة، فلما هاجر رَله إلى المدينة، أتاه أحبارُ يهودَ فقالوا: يامحمد، أَلَم يبلغْنا عنك أنَّك تقول: (وَمَّ أُوْتِلْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) أَفعنيتَنا أم قومَك؟ قال: ((كلَّا قد عَنَيت)) قالوا: فإنَّك تتلو أنَّا أوتينا التوراةَ وفيها تِبيانُ كل شيء، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((هي في علم الله تعالى قليل، وقد آتاكم الله تعالى ما إنْ عملتم به انتفعتم))، فأَنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ إلى قولِه سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٧-٢٨]. وكأنَّهِ وَّ أَشار إلى أنَّ المرادَ في الآية: تبياناً لكلِّ شيءٍ من الأُمور الدِّينية، ولا شكَّ أنها أقلُّ قليلٍ بالنّسبة إلى معلومات اللهِ تعالى التي لا نهايةَ لها، وبهذا يُردُّ على القائلِ بالعموم الحقيقيّ. وفي رواية النَّسائي، وابن حِبّان، والترمذيِّ، والحاكم، وصحَّحاها: أنَّ اليهودَ قالوا حين نزلت الآية: أُوتينا علماً كثيراً، أوتينا التوراة، ومَن أُوتي التوراةَ فقد أُوتي خيراً كثيراً، فأنزل الله تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ) الآيةَ (٢). ولا يخفَى أنَّ هذا أيضاً لا يَلزم منه التناقض؛ لأنَّ الكثرةَ والقلَّة من الأُمور الإِضافية، فالشيءُ يكون قليلاً بالنّسبة إلى ما فوقه وكثيراً بالنّسبة إلى ما تحته، فما في التوراةِ قليلٌ بالنسبة إلى ما في علم اللهِ تعالى شأنُه، كثيرٌ بالنِّسبة إلى أمرٍ آخَر. وفي روايةٍ أَخرجها ابنُ مردويه عن عكرمةَ أنَّهِ وَ لّهِ لمَّا قال ذلك قال اليهود: نحن مختصُّون بهذا الخطاب؟ فقال: بل نحن وأنتم، فقالوا: ما أعجبَ شأنَك، ساعةً تقول: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً) وساعةً تقول هذا، فنزل (وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ) إلخ. ولا يلزم منه التناقضُ أيضاً على نحو ما تقدَّم، بأن يقال: الحكمةُ الإنسانية أن يعلمَ من الخير ما تسعه القوةُ البشرية، بل ما ينتظم به أمرُ المعاشِ والمعاد، وهو قليلٌ بالنّسبة إلى معلوماتهِ تعالى، كثيرٌ بالنّسبة إلى غيرها . (١) في تفسيره ١٥/ ٧٢. (٢) هو بعض حديث ابن عباس السالف قريباً. سُورَة الأسرة ٨٦ الآية : ٨٥ وإلى تعميم الخطابِ بحيث يشمَلُ الناسَ أجمعين ذهب ابنُ جُريج، كما أخرجه عنه ابنُ جَرير وابنُ المنذر(١). لكن يعكِّر على القولِ بالعموم ظاهرُ قراءةٍ ابن مسعودٍ والأَعمش: ((وما أوتوا))(٢) فإنَّه يقتضي الاختصاصَ بالسائلين، والحديثُ الأخير الذي هو نصّ فيه قال العراقي: إنَّه غيرُ صحيح، والحديثُ الأوَّل اللهُ تعالى أَعلمُ بحاله. وقال غيرُ واحد: معنى كونِ الرُّوح من أَمره تعالى أنَّه من الإِبداعيَّات الكائنةِ بالأَمر التكوينيّ، من غير تحصُّلٍ من مادّة وتولَّدٍ من أصلٍ كالجسد الإِنساني، فالمرادُ من الأَمر واحدُ الأَوامر، أَعني: كن، والسؤالُ عن الحقيقة والجوابُ إجمالي. ومالُه أن الرُّوح من عالَم الأمر(٣) مبدعةٌ من غير مادَّة، لا من عالم الخلق، وهو من الأُسلوب الحكيم، كجوابٍ موسى عليه السلام سؤالَ فرعونَ إياه: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] إشارةً إلى أنَّ كُنهَ حقيقتِهِ ممَّا لا يحيط به دائرةُ إدراكِ البشر، وإنَّما الذي يُعلَم هذا المقدار الإجماليُّ المندرجُ تحت ما استُثني بقوله تعالى: (وَمَآَ أُوْتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) أي: إلَّا علماً قليلاً تستفيدونه من طرق الحواسّ، فإنَّ تعقُّل المعارفِ النظريةِ إنَّما هو في الأكثر من إحساسِ الجزئيات؛ ولذلك قيل: مَن فقد حسًّا فقد فقدَ علماً. ولعلَّ أَكثر الأشياءِ لا يدركه الحسُّ لكونه غيرَ محسوس، أو محسوساً مَنَعَ من إحساسه مانع، كالغَيبة مثلاً، وكذا لا يُدرِك شيئاً من عَرَضيَّاته ليَرسمَه بها، فضلاً عن أن ينتقلَ منها الفكرُ إلى الذاتيات ليقفَ على الحقيقة، وظاهرُ كلامٍ بعضهم أنَّ الوقوفَ على كُنه الروحِ غيرُ ممكن، فلا فرقَ عنده بين الجوابَين. وفرَّق الخفاجيّ(٤) بأنَّ بيانَ كنهِ الرُّوح ممكن، بخلاف كنهِ الذاتِ الأَقدس. (١) تفسير الطبري ٧٣/١٥ وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٢٠٠/٤. (٢) البحر المحيط ٧٦/٦، وانظر حديث الصحيحين السالف. (٣) في (م): الأرض. (٤) في حاشيته ٥٨/٦ . الآية : ٨٥ ٨٧ سُؤَدَقُ الإسْراة وفي ((الكشف)) أنَّ سبيلَ معرفةِ الروح إِزالة الغشاءِ عن أَبصار القلوبِ باجتلاء كُحل الجواهرِ من كلام علام الغيوب، فهو عند المكتحلين أَجلى جَليّ، وعند المشتغلين أَخفَى خَفيّ . ويُشكل على هذا ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن عبد اللهِ بن بريدة قال: لقد قُبض النبيُّ ◌َّهِ وما يَعلم الرُّوحِ(١). ولعل عبدَ الله هذا يزعم أنَّها يمتنع العلمُ بها، وإلا فلم يُقْبَض رسولُ اللهِ وَله حتى عَلِمَ كلَّ شيءٍ يمكن العلمُ به، كما يدلُّ عليه ما أخرجه الإمامُ أحمد، والترمذيُّ - وقال: حديثٌ صحيح، وسأل البخاريَّ عنه فقال: حديثٌ حسنٌ صحيح - عن معاذٍ رَُّ أنَّه عليه الصلاة والسلام قال: ((إِنِّي قُمت من الليل، فصلَّيت ما قدِّر لي، فَتَعَست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربِّي عزَّ وجلَّ في أحسنٍ صورة، فقال: يا محمد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري ربِّ، قال: يامحمد، فيمَ يختصم الملأ الأَعلَى؟ قلت: لا أدري ربِّ، قال: يا محمد، فيمَ يختصم الملأُ الأَعلى، قلت: لا أدري ربِّ، فرأيته وضع كفَّه بين كتفَيّ، حتى وجدتُ بَرِدَ أَنامِلِهِ بين صدري، وتجلَّى لي كلُّ شيءٍ وعرفت ... )) الحديثَ(٢). ورأيت ((يعلم)) في الخبر السابقِ في بعضِ الكتبِ مضبوطاً بالبناءِ للمفعول، مضبوطاً بالرفع، والإِشكالُ على ذلك أَوهن، إلّا أنَّه خلافُ الظاهر. ويُفهَم من كلام بعضٍ متأخِّري الصوفيةِ أَّه يمتنع الوقوفُ على حقيقة الرُّوح، بل ذَكَرَ هذا البعضَُ أنَّ حقيقةَ جميع الأشياءِ لا يوقَف عليها. وهو مبنيٌّ على مالا یخفَی علیك، وردُه أو قبوله مفوَّض إليك. ثم إنَّ لي في هذا الوجه وقفة، فإنَّ الظاهرَ أن إِطلاقَ عالَمِ الأمرِ على الكائن من غير تحصُّلِ من مادّة وتولَّدٍ من أصل، وإطلاقَ عالَم الخلقِ على خلافه، محضُ اصطلاح لا يُعرَف للعرب ولا يعرفونه، وفي الاستدلالِ عليه بقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ اَلْخَلْقُ وَالَأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ما لا يخفى على منصِف. (١) الدر المنثور ٤ /٢٠٠. (٢) مسند أحمد (٢٢١٠٩)، وسنن الترمذي (٣٢٣٥). سُورَةُ الإِسْرَةِ ٨٨ الآية : ٨٥ هذا وذَكَرَ الإمامُ(١) أنَّ السؤالَ عن الرُّوح يقع على وجوهٍ كثيرة، وليس في قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ) ما يدلُّ على وجهٍ منها، إلَّا أنَّ الجوابَ المذكورَ لا يليق إلّا بوجهين منها: الأوَّل: كونُه سؤالاً عن الماهية، والثاني: كونُه سؤالاً عن القِدَم والحدوث. وحاصلُ الجوابِ على الأوَّل: أنَّها جوهرٌ بسيطٌ مجرَّد محدَث بأمر الله تعالى وتكوينِه وتأثيرِهِ إفادةَ الحياةِ للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة [نفيُهُ] فإنَّ أكثرَ حقائقِ الأشياءِ ماهياتُها مجهولة، ولم يَلزم منَ كونها مجهولةً نفيُها، ويُشير إليه ((وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)) ومبنَى هذا أيضاً الفرقُ بين عالَم الأمرِ وعالَمِ الخلق، وقد سمعتَ ما فيه. وحاصلُ الجوابِ على الثاني أنَّه حادثٌ حصل بفعل اللهِ تعالى وتكوينِه وإِيجاده، وجَعَلَ قوله تعالى: ((وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)) احتجاجاً على الحدوث، بمعنى أنَّ الأرواحَ في مبدأ الفطرةِ تكون خاليةً عن العلوم والمعارف، ثم يحصلُ فيها ذلك، فلا تزال في تغيُّر من حالٍ إلى حال، وهوَ من أَمارات الحدوث. وأنت تعلم أنَّ حملَ السؤالِ على ما ذَكَرَ وجَعْلَ الجوابِ إخباراً بالحدوث مع عدم ملاءمته لحالِ السائلين لا يساعده التعرُّض لبيانٍ قلَّة عِلمهم، فإنَّ ما سألوا عنه ممَّا يفي به علمُهم حينئذٍ، وقد أَخبر عنه، وجَعْلُ ذلك احتجاجاً على الحدوث من أَعجب الحوادث، كما لا يخفى على ذي رُوحِ، والله تعالى أعلم. وهاهنا أبحاثٌ لا بأسَ بإيرادها: البحثُ الأوَّل في شرح مذاهبِ الناسِ في حقيقة الإنسان، وظاهرُ كلام الإمام (٢) أنَّ الاختلافَ في حقيقته عينُ الاختلافِ في حقيقة الرُّوح، وفي القلبِ من ذلك ما فيه، فذهب جمهورُ المتكلِّمين إلى أنَّه عبارةٌ عن هذه البِنية المحسوسةِ، والهيكلِ المجسَّم المحسوس، وهو الذي يُشير إليه الإنسانُ بقوله: أنا . (١) في التفسير الكبير ٣٧/٢١-٣٨، وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) في التفسير الكبير ٣٩/٢١ فما بعد. الآية : ٨٥ ٨٩ سُؤَةُ الإِسْرَاءِ وأَبطل ذلك الإمامُ(١) بسبعَ عشرةَ حجَّةً نقليةً وعقلية، لكن للبحث في بعضِها مجال، منها ما تقدَّم من أنَّ أجزاءَ البنيةِ متغيِّرة زيادةً ونقصاناً، وذبولاً ونموًّا، والعلم الضروريُّ قاضٍ بأنَّ الإنسانَ من حيث هو أمرٌ باقٍ من أوَّل العُمرِ إلى آخره، وغيرُ الباقي غيرُ الباقي. ومنها أنَّ الإنسانَ قد يعتريه ما يَشغله عن الالتفات إلى أجزاءٍ بنيتِه كلَّ وبعضاً، ولا يغفُل عن نفسه المعيَّنة، بدليل أنَّه يقول مع ذلك الشاغلِ: فعلتُ وتركت، مثلاً، وغيرُ المعلومِ غيرُ المعلوم. ومنها أنَّه قد توجد البنيةُ المخصوصةُ وحقيقةُ الإنسانِ غيرُ حاصلة، فإنَّ جبريلَ عليه السلام كثيراً ما رُئي في صورة دِحيةَ الكلبي (٢)، وإبليسُ عليه اللعنةُ رئي في صورة شيخ نجديّ(٣)، وقد تنتفي البنيةُ مع بقاءِ حقيقةِ الإنسان، فإن الممسوخ قرداً - مثلاً - باقيةٌ حقيقتُه مع انتفاء البنيةِ المخصوصة، وإلّا لم يتحقَّق مسخ، بل إماتةٌ لذلك الإنسانِ وخلقُ قرد. ومنها أنَّه جاءً في الخبر ((أنَّ الميِّت إذا حُمل على النَّعش، رفرف روحُه فوق النعشِ ويقول: يا أهلي ويا ولدي، لا تلعبنَّ بكم الدُّنيا كما لعبت بي، جمعتُ المالَ من حلِّه ومن غير حلِّه، ثم تركته لغيري، فالهناءُ له والتَّبعةُ عليّ، فاحذروا مثل ما حلَّ بي))(٤). فصرَّحِ وَّرِ بأنَّ هناك شيئاً ينادي غيرَ المحمول، كان الأهلُ أهلاً له وكان الجامعَ للمال من الحلال والحرام، وليس ذلك إلَّا الإنسان. إلى غير ذلك ممَّا ذكره في تفسيره. وقيل: إنَّ الإنسانَ هو الرُّوح الذي في القلب. وقيل: إنَّه جزءٌ لا يتجزّأ في الدِّماغ. (١) في التفسير الكبير ٤٠/٢١-٤٣ . (٢) أخرجه البخاري (٣٦٣٣)، ومسلم (٢٤٥١) من حديث أسامة بن زيد ◌ًا، وسلف ٤٦/٣. (٣) أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس ﴿يا. سيرة ابن هشام ١ / ٤٨٠، وانظر مصنف عبد الرزاق (٩٧٤٣). (٤) أورده الرازي في التفسير الكبير ٤١/٢١ وهو بنحوه في الزهد لأحمد ص ٢٠٦ عن أم الدرداء قولها . سُؤَدَّةُ الإِسْرَاءِ ٩٠ الآية : ٨٥ وقيل: إنَّه أجزاءٌ نارية مختلطةٌ بالأرواح القلبيةِ والدِّماغية، وهي المسمّاة بالحرارةِ الغريزية. وقيل: هو الدُ الحالُّ في البدن. وقيل وقيل، إلى نحو ألفِ قول، والمعوَّل عليه عند المحقّقين قولان: الأول: أنَّ الإنسان عبارةٌ عن جسم نورانيٌّ علويٍّ حيٍّ متحرِّك مخالفٍ بالماهية لهذا الجسمِ المحسوس، سارٍ فيه سريانَ الماءِ في الورد والدُّهنِ في الزيتون والنارِ في الفحم، لا يقبل التحلَّلَ والتبدُّل، والتفرُّقَ والتمزّق، مفيدٌ للجسم المحسوسِ الحياةَ وتوابعَها مادام صالحاً لقَبول الفيض؛ لعدم حدوث مايمنع من السَّريان، كالأَخلاط الغليظة، ومتى حدث ذلك حصل الموت؛ لانقطاع السَّريان، والروحُ عبارةٌ عن ذلك الجسم. واستحسن هذا الإمامُ(١) فقال: هو مذهب قويٌّ وقولٌ شريف يجب التأمُّل فيه؛ فإنَّه شديد المطابقةِ لما ورد في الكتب الإلهيّة من أَحوال الحياةِ والموت. وقال ابن القيِّم في كتابه ((الرُّوح)): إنَّه الصواب، ولا يصحُّ غيرُه، وعليه دلَّ الكتابُ والسُّنَّة، وإِجماعُ الصحابة، وأدلَّةُ العقلِ والفطرة. وذَكَرَ له مئةَ دليلٍ وخمسةً أدلّة، فليُراجع(٢). الثاني: أنَّه ليس بجسمٍ ولا جسمانيّ، وهو الرُّوحِ، وليس بداخل العالَم ولا خارجَه، ولا مثَّصل به ولا منفصل عنه، ولكنَّه متعلِّق بالبدن تعلُّقَ التدبيرِ والتصرُّف. وهو قولُ أكثرِ الإلهيِّين من الفلاسفة، وذهب إليه جماعةٌ عظيمةٌ من المسلمين، منهم الشيخُ أبو القاسم الراغبُ الأصفهانيُّ، وحَّة الإسلامِ أبو حامدٍ الغزالي، ومن المعتزلة مُعمَّر بنُ عبَّاد السُّلَمي(٣)، ومن الشيعة الشيخُ المفيدِ، ومن الكرَّامية جماعة، ومن أهل المكاشفةِ والرِّياضة أكثرُهم، وقد قدَّمنا لك الأدلَّةَ على (١) في التفسير الكبير ٤٤/٢١ . (٢) الروح ص ٢٠٨-٢٢٧، وفيه مئة وستة عشر دليلاً. (٣) معتزلي من أهل البصرة، ثم سكن بغداد، وناظر النظام، مات سنة (٢١٥هـ). لسان الميزان ١٢٢/٨. الآية : ٨٥ ٩١ سُورَةُ الإِسْرَاةِ ذلك، ومَن أراد الإحاطةَ بذلك فلْيرجع إلى كتب الشيخَين أبي عليٍّ(١) وشهابٍ الدِّين المقتول(٢)، وإلى كتب الإمام الرازيّ، كـ ((المباحث المشرقية)) وغيرِه، وللشيخ الرئيس رسالةٌ مفرَدة في ذلك سمَّاها بـ ((الحُجَج الغُرّ))، أحكمُها وأتقنُها ما يُبتَنَى على تعقُّل النفس لذاتها، وابنُ القيِّم زيَّف حججَه في كتابه، وهو كتابٌ مفيد جدًّا، يهب للرُّوحِ روحاً، ويُورِث للصدر شرحاً . واستدلَّ الإمامُ(٣) على ذلك في تفسيره بالآية المذكورة فقال: إنَّ الرُّوح لو كان جسماً منتقلاً من حالةٍ إلى حالة ومن صفةٍ إلى صفة، لَكان مساوياً للبدن في كونه متولِّداً من أجسام اتَّصفت بصفاتٍ مخصوصة بعد أن كانت موصوفةً بصفات أُخَر، فإذا سئل رسولُ اللهِ نَّهِ عنه، وجب أن يبيِّنَ أنَّه جسمٌ كان كذا ثم صار كذا وكذا حتى صار روحا، مثلَ ما ذَكَرَ في كيفية تولّد البدنِ أنَّه كان نطفةً ثم علقةً ثم مضغة، فلمَّا لم يقل ذلك وقال: ((هو من أمر ربِّي))، بمعنى أنَّه لا يحدثُ ولا يدخل في الوجود إلَّا لأجل أنَّ اللهَ تعالى قال له: كن، فيكون، دلَّ ذلك على أنَّه جوهرٌ ليس من جنس الأَجسام، بل هو جوهرٌ قدسيٌّ مجرَّد. ولا يخفَى أنَّ ذلك من الإِقناعيات الخِطابية، وهي كثيرةٌ في هذا الباب، منها قولُه تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى﴾ [الحجر: ٢٩] وقولُه سبحانه: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَلَهَا إِلَى مَرْيَ﴾ [النساء: ١٧١] فإنَّ هذه الإضافةَ مما تنبِّه على شرف الجوهرِ الإنسيّ، وكونه عرياناً(٤) عن الملابس الحِسِّية، ومنها قولُه عليه الصلاة والسلام: ((أنا النذيرُ العُريان)»(٥) ففيه إيماءٌ إلى تجرُّد الروحِ عن علائق الأَجرام، وقولُه وَّهِ: ((إنَّ اللهَ تعالى خلق آدمَ على صورةِ الرحمن)» وفي رواية: ((على صورته)) (٦) وقولُه عليه (١) الظاهر أنه ابن سينا . (٢) هو السهروردي. (٣) في التفسير الكبير ٢١/ ٥٢. (٤) في (م): عريا . (٥) أخرجه البخاري (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣) من حديث أبي موسى عظُله مطولاً. (٦) سلفت الروايتان ٢/ ٩٠-٩١، والثانية في صحيح البخاري (٦٢٢٧)، وصحيح مسلم (٢٦١٢) من حديث أبي هريرة سُؤَةُ الإِسْرَاةِ ٩٢ الآية : ٨٥ الصلاة والسلام(١): ((أَبِيتُ عند ربِّي يُطعمني ويسقيني)) ففي ذلك إيذانٌ بشرف الرُّوحِ، وقُربِهِ من ربِّه قرباً بالذَّات والصفات، مجرَّداً عن علائق الأَجرام وعوائقٍ الأجسام، إلى غير ذلك ممَّا لا يُحصَى، وهو على هذا المنوال، وللبحث فيه مجالٌ أيُّ مجال. وكان ثابتُ بن قُرَّة يقول: إنَّ الروحَ متعلِّق بأجسام سماويَّة نورانيةٍ لطيفة، غيرِ قابلةٍ للكون والفسادِ والتفرُّق والتمزُّق، وتلك الأجسامُ ساريةٌ في البدن، وهي مادامت ساريةً كان الروحُ مدبِّراً للبدن، وإذا انفصلت عنه انقطع التعلَّق. وهو قولٌ ملفَّق، وأنا لا أستبعده. البحثُ الثاني: في اختلاف الناسِ في حدوث الرُّوحِ وقِدَمه. أَجمع المسلمون على أنَّه حادثٌ حدوثاً زمانيًّا كسائر أجزاءِ العالَم، إلّا أنَّهم اختلفوا في أنَّه هل هو حادثٌ قبل البدنِ أم بعده؟ فذهب طائفةٌ إلى الحدوث قبلُ، منهم محمدُ بن نصرٍ المروزيّ، وأبو محمدٍ بنُ حزم الظاهريّ، وحكاه إجماعاً وقد افترى، واستدلَّ لذلك بما في الصَّحيحين من حديثٍ عائشةَ ﴿ّا أنَّ النبيَّ ◌َّرِ قال: ((الأَرواحُ جنودٌ مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))(٢). قال ابن الجوزيِّ في («تبصرته (٣)): قال أبو سليمانَ الخطّابيُّ: معنى هذا الحديثِ الإخبارُ عن كون الأرواحِ مخلوقةً قبل الأَجساد، وزعم ابنُ حزم أنَّها في برزخ، وهو منقطعُ العناصر، فإذا استعدَّ جسدٌ لشيءٍ منها هبط إليه، وأنَّها تعود إلى ذلك البرزخِ بعد الوفاة، ولا دليلَ لهذا في كتابٍ أو سنة. وبعضُهم استدلَّ على ذلك بخبر ((خلق الهُ تعالى الأرواحَ قبل الأجسادِ بألفَي عام))(٤) وتعقَّبه ابن القيِّم(٥) بأنه لا يصحُّ إسناده. (١) أخرجه البخاري (١٩٦٥- ١٩٦٦)، ومسلم (١١٠٣) من حديث أبي هريرة ـ (٢) صحيح البخاري (٣٣٣٦)، وهو عند مسلم (٢٦٣٨) من حديث أبي هريرة (٣) ٢٩٦/٢. (٤) أخرجه ابن منده كما في الروح ص ١٨٨، وفي إسناده عطاء بن عجلان الحنفي، وهو متروك. وسلف ١٣/ ٤٦١ . (٥) في كتاب الروح ص ٢٠١ . الآية : ٨٥ ٩٣ سُؤَةُ الاسْراءِ وذهب آخرون - منهم حجَّة الإسلام الغزاليّ - إلى الحدوث بعدُ. ومن أدلَّة ذلك - كما قال ابن القيِّم(١) - الحديثُ الصَّحيح(٢): ((إنَّ خلق ابنِ آدمَ يُجمع في بطن أمِّه أربعين يوماً دماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثلَ ذلك، ثم يُرسل إليه المَلَكُ فينفخ فيه الرُّوحِ)) ووجهُ الاستدلالِ أنَّ الروحَ لو كان مخلوقاً قبلُ لقيل: ثم يُرسَل إليه المَلَك بالرُّوح فيُدخِله فيه. وصرَّح في ((روضة المحبِّين ونزهة المشتاقين))(٣) باختيار هذا القولِ فقال: إنَّ القول بأنَّ الأرواحَ خُلقت قبلَ الأجسادِ قولٌ فاسد وخطأً صريح، والقولُ الصحيحُ الذي دلَّ عليه الشرعُ والعقلُ أنَّها مخلوقةٌ مع الأَجساد، وأنَّ المَلَك ينفخ الرُّوح - أي: يُحدثه بالنَّفخ في الجسد - إذا مضى على النطفة أربعةُ أشهُرٍ ودخلت في الخامس، ومَن قال: إنَّها مخلوقةٌ قبل، فقد غلط، وأَقبحُ منه قولُ مَّن قال: إنَّها قديمة. انتهى، وفيه تأمُّل. ويوافق مذهبَ الحدوث قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَآخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فَلْيُفهم. وذهب أفلاطونُ ومَن تقدَّمه من الفلاسفة إلى قِدَم الرُّوحِ، وذهب المعلِّم الأولُ إلى حدوثها مع حدوثِ البدن المستعدِّ له، كما ذهب إليه بعضُ الإسلاميين. وقد تقدَّم الكلامُ في استدلال كلٍّ جرحاً وتعديلاً، ويقال هنا: إنَّ المعلِّم الأولَ قائلٌ - كغيره من الفلاسفة - بتجرُّد الروحِ المسمّاة بالنفس الناطقةِ عندهم عن المادّة، فكيف يسعه القولُ بحدوثها مع قولِهم : كلُّ حادث زمانيٍّ يحتاج إلى مادَّة؟ وأُجيب بأنَّ المادةَ هاهنا أعمُّ من المحلِّ والمتعلَّق به، والبدنُ مادةٌ للنفس بهذا المعنى. وأنت تعلم أنَّ استعدادَ الشيءٍ للشيء لا يكون إلَّا فيما إذا كان ذلك مقترِناً به لا مبايناً عنه، فالأَوْلى أن يقال: إنَّ البدنَ الإنسانيَّ لمَّا استدعى لمزاجه الخاصِّ صورةً مدبِّرة له متصرِّفةً فيه، أي: أمراً موصوفاً بهذه الصفةِ من حيث هو كذلك، وجب على مقتضَى جُودِ الواهبِ الفيَّاض وجودُ أمرٍ يكون مبدأ للتدابير الإِنسية والأفاعيلِ البشرية، ومثلُ هذا الأمرِ لا يمكن إلَّا أن يكونَ ذاتاً مدرِكةً للكلِّيات مجرَّدَةً في ذاتها، فلا محالةَ قد فاض عليه حقيقةُ النفسِ لا من حيث إنَّ البدنَ (١) في الروح ص ٢٠٤. (٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، وسلف ٣٢٤/٣. (٣) ص ٧٥، وهو لابن القيم. سُؤَةُ الإِسْرَاءِ ٩٤ الآية : ٨٥ استدعاها، بل من حيث عدمُ انفكاكِها عمَّا استدعاه، فالبدنُ استدعى باستعداده الخاصِّ أمراً ماديًّا، وُجُودُ المبدأ الفيَّاضِ أفاد جوهراً قدسيًّا، وكما أنَّ الشيءَ الواحدَ قد يكون على ما قرَّروه - جوهراً وعرضاً باعتبارَين، كذلك يكون أمرٌ واحدٌ مجرَّداً وماديًّا باعتبارين، فالنفسُ الإنسانية مجرَّدة ذاتاً ماديةٌ فعلاً، فهي من حيث الفعلُ من التدبيرِ والتحريكِ مسبوقةٌ باستعداد البدنِ مقترنةٌ به، وأمَّا من حيث الذاتُ والحقيقة، فمنشأُ وجودِها وجودُ المبدأ الواهبِ لا غير، فلا يَسبقها من تلك الحيثيةِ استعدادُ البدن، ولا يَلزمها الاقترانُ في وجودها به، ولا يلحقها شيءٌ من مثالب المادِّيات إلَّا بالعَرَض. ويمكن تأويلُ ما نُقل عن أفلاطونَ في بابٍ قِدَمِ النَّفْس إلى هذا بوجهٍ لطيف. كذا قاله بعضُ صدورِ المتأخّرين، فتأمَّله. البحثُ الثالث: اختلف الناسُ في الرُّوحِ والنفسِ هل هما شيءٌ واحدٌ أم شيئان؟ فحكى ابنُ زيدٍ عن أكثر العلماءِ أنَّهما شيءٌ واحد، فقد صحَّ في الأخبار إطلاقُ كلٌّ منهما على الآخَر، وما أخرجه البزَّار(١) بسند صحيح عن أبي هريرةً رَفَعه: ((إنَّ المؤمنَ ينزل به الموتُّ ويعاينُ ما يعاين يودُّ لو خرجت نفْسُه، والله تعالى يحبُّ لقاءه، وإنَّ المؤمنَ تصعد روحُه إلى السماء، فتأتيه أرواحُ المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهِ من أَهلِ الدُّنيا)) الحديثَ = ظاهرٌ في ذلك. وقال ابنُ حبيب: هما شيئان، فالروحُ هو النفسُ المتردِّد في الإنسان، والنفسُ أمرٌ غير ذلك، لها يدانِ ورجلان ورأسٌ وعينان، وهي التي تلتذَّ وتتألَّم وتفرحُ وتحزن، وإنَّها هي التي تتوقَّى في المنام، وتخرجُ وتسرح وترى الرُّؤيا، ويبقى الجسدُ دونها بالرُّوح فقط، لا يلتذَّ ولا يفرح حتى تعود، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٢]. وحكى ابنُ منده عن بعضهم أنَّ النفس طينيةٌ نارية، والروحَ نوريةٌ روحانيَّة. وعن آخَرَ أنَّ النفسَ ناسوتيّة، والروحَ لاهوتيّة، وذَكَرَ أنَّ أهل الأثرِ على المغايرة، وأنَّ قِوَام النفسِ بالرُّوح، والنفسُ صورةُ العبد، والهوى والشهوةُ والبلاءُ معجونٌ فيها، ولا عدوًّ أعدَى لابن آدمَ من نفسه، لا تريد إلَّا الدنيا ولا تحبُّ إلَّا إياها، والروحُ تدعو إلى الآخرة وتؤثِرُها . (١) في مسنده (٨٧٤ - كشف الأستار) مطولاً. الآية : ٨٥ ٩٥ سُورَةُ الإسْراءة وظاهرُ كلام بعض محقِّقي الصوفيةِ القولُ بالمغايرة، ففي ((منتهَى المدارك)) للمحقِّق الفرغانيَّ(١) أنَّ النفسَ المضافةَ إلى الإنسان عبارةٌ عن بخار ضبابيٍّ منبعثٍ من باطن القلبِ الصَّنَوبري، حاملٍ لقوَّة الحياة، متجنِّسٍ بأثر الرُّوح الروحانيةِ المرادةِ بقوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى﴾ [الحجر: ٢٩] الثابتِ تعيُّنها في عالَم الأرواح، وأثرُها واصلٌ إلى هذا البخارِ الحاملِ للحياة، فالنفسُ إذن أمرٌ مجتمعٌ من البخار ووصفِ الحياة وأثرِ الرُّوحِ الرُّوحانية، وهذه النفسُ بحكم تجنُّسها بأثر الرُّوح الروحانيةِ متعيِّنةٌ لتدبير البدنِ الإنساني، قابلةٌ لمعالي الأمور وسفاسِفها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَهَا ثُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨] والروحُ الروحانيةُ أمرٌ لا يُكتَنَّه. والحقُّ أنهما قد يتَّحدان إطلاقاً وقد يتغايران، وابنُ القيِّم اعتمد ما عليه الأَكثرون من الاتِّحاد ذاتاً، وذكر غيرُ واحدٍ أنَّه هو الذي عليه الصُّوفية، بيدَ أنَّهم قالوا: إنَّ النفسَ هي الأصلُ في الإنسان، فإذا صُقِلت بالرِّياضة وأنواع الذِّكر والفكر، صارت روحاً، ثم قد تترقَّى إلى أن تصيرَ سرًّا من أسرار الله تعالى. وتفصيلُ الكلامِ حينئذٍ في هذا المقام أنَّ للنفس مراتبَ تترقّى فيها، الأُولى: تهذيبُ الظاهر باستعمال النواميسِ الإلهية، من القيام والصيام وغيرهما، الثانية: تهذيبُ الباطنِ عن المَلَكات الرَّديةِ والأخلاقِ الدَّنية، الثالثة: تَحِّي النفسِ بالصُّور القدسية، الرابعة: فناؤها عن ذاتها وملاحظتُها جلالَ ربِّ العالمين جلَّ جلالُه. ويقال في كيفية الترقِّي في هذه المراتب: إنَّ الإنسان أوَّلَ ما يولد فهو كباقي الحيوانات، لا يعرف إلَّا الأكلَ والشُّرب، ثم بالتدريجِ يظهر له باقي صفاتٍ النفس، من الشَّهوة والغضبِ والحرصِ والحسد، وغيرِ ذلك من الهيئات التي هي نتائجُ الاحتجابِ والبعدِ من معدن الجودِ والصفاتِ الكمالية، ثم إذا تيقّظ من سِنة الغفلة وقام من نوم الجهل، وبان له أنَّ وراءَ هذه اللذَّاتِ البهيميةِ لذاتٍ أُخَر، وفوقَ هذه المراتبِ مراتَبَ أُخَرَ كمالية، يتوب عن اشتغاله بالمنهيَّات الشرعية، ويُنیب إلى الله تعالى بالتوجّه إليه، فيشرع في ترك الفضولِ الدُّنيوية طلباً للكمالات (١) هو محمد بن أحمد الشهير بسعيد الفرغاني الصوفي، المتوفى سنة (٦٩٩هـ)، واسم كتابه: منتهى المدارك ومشتهى لب كل كامل وعارف وسالك، وهو شرح لتائية ابن الفارض في التصوف. كشف الظنون ٢٦٦/١، وهدية العارفين ١٣٩/٢. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٩٦ الآية : ٨٥ الأُخروية، ويعزم عزماً تامًّا، ويتوجَّه إلى السُّلوك إلى مَلِك الملوكِ من مقام نفسِهِ، فيهاجرُ منه ويقع في الغربة، ويا طوبَى للغرباء، وإن قيل: إنَّما الغربةُ للأحرار ذَبْح(١)، ثم إذا دخل في الطريقِ يزهدُ عن كلِّ ما يَعُوقه عن مقصوده، ويَصدُّه عن معبوده، فيتَّصف بالورع والتقوى والزهدِ الحقيقيّ، ثم يحاسب نفسَه دائماً في أقواله وأفعالِه، ويتَّهمها في كلِّ ما تأمر به، وإن كان عبادةً فإنَّها مجبولةٌ على حبّ الشهوات، ومطبوعةٌ على الدسائس الخفيّات، فلا ينبغي أن يأمنَها ويكونَ على ثقةٍ منها . يُحكَى عن بعض الأكابرِ أنَّ نفسه لم تزل تأمره بالجهاد وتحثُّه عليه، فاستغربَ ذلك، ثم فَطِنَ أنَّها تريد أن تستريحَ من نَصَب القيامِ والصيامِ بالموت، فلم يُجِبها إلى ذلك. فإذا خَلَصَ منها وصفا وقتُه وطاب عيشُه بما يجده في طريق المحبوب، يتنوَّر باطنُه، ويظهرُ له لوامعُ أنوارِ الغيب، وينفتحُ له بابُ المَلَكوت، وتلوح منه لوائحُ مرَّةً بعد أخرى، فيشاهد أموراً غيبيةً في صُوَرٍ مثالية، فإذا ذاق شيئاً منها، يرغب في العزلة والخلوةِ والذِّكر، والمواظبة على الطَّهارة والعبادة، والمراقبةِ والمحاسبة، ويُعرض عن الملاذُّ الحسِّية كلِّها، ويُفرغ القلبَ عن محبَّتها، فيتوجَّه باطنُه إلى الحقِّ تعالى بالكلِّية، فيظهر له الوجدُ والسُّكر، والشوقُ والعِشق والهَيِّمان، ويجعله فانياً عن نفسه غافلاً عنها، فيشاهد الحقائقَ السرِّية والأنوارَ الغيبية، فيتحقَّق بالمشاهدة والمعاينةِ والمكاشفة، ويظهر له أنوارٌ حقيقيةٌ تارةً وتختفي أخرى، حتى يتمكَّنَ ويتخلَّصَ من التلوين، وينزل عليه السكينةُ الروحيةُ والطمأنينةُ الإلهية، ويصير ورودُ هذه البوارقِ والأحوالِ له مَلَكة، فيدخلُ في عوالم الجبروت، ويشاهد العقولَ المجرّدة والأنوارَ القاهرة، من الملائكة المقرَّبين والمَهيمين، ويتحقَّق بأنوارهم، فيظهر له أنوارُ سلطانِ الأَحدية، وسواطعُ العظمةِ والكبرياءِ الإلهية، فتجعله هباءً منثوراً، ويندُّ حينئذٍ جبالُ إِنِّيَّتِهِ، فيخرُّ لله تعالى خروراً، ويتلاشَى في التعيُّن الذاتيّ، ويضمحلُّ وجودُه في الوجود الإلهيّ. (١) عجز بيت لفتح الله بن النحاس، وصدره: حسَّنوا القول وقالوا غربة. نفحة الريحانة ٥٢٢/٢. الآية : ٨٥ ٩٧ سُورَةُ الأسرة وهذا مقامُ الفناءِ والمحو، وهو غايةُ السفرِ الأوَّل للسالكين، فإن بقي في الفناء والمحو ولم يجئ إلى البقاءِ والصحو، صار مستغرقاً في عين الجمع، محجوباً بالحقِّ عن الخلق، لا يزيغُ بصرُه عن مشاهدة جمالِهِ عزَّ شأنه، وأنوارٍ ذاته وجلالِهِ، فاضمحلَّت الكثرةُ في شهوده، واحتجب التفصيلُ عن وجوده، وذلك هو الفوزُ العظيم. وفوقَ ذلك مرتبةٌ يُرجَع فيها إلى الصَّحو بعد المحو، وينظر إلى التفصيل في عينِ الجمع، ويسع صدرُه الحقَّ والخلق، فيشاهد الحقَّ في كلِّ شيء، ويرى كلَّ شيءٍ بالحقّ، على وجهٍ لا يوجب التكثُّر والتجسُّم، وهو طُورٌ وراء طورِ العقل. ووقع في عبارة بعضِهم أنَّه قد يصير العارفُ متخلِّقاً بأخلاق اللهِ تعالى بالحقيقة، لا بمعنى صيرورةٍ صفاتِه تعالى عرضاً قائماً بالنفس، فإنَّ هذا ممَّا لا يتصوَّر أبداً، والقولُ به خروجٌ عن الشريعة والطريقةِ والحقيقة، بل بمعنى علاقةٍ أخرى أتمَّ من علاقتها مع الصفات الكونيةِ البدنيةِ وغيرِها، لا تُعلَم حقيقتها . ولعل مرادَهم بالمرتبة التي تترقَّى إليها النفسُ فتكون سرًّا من أسرار الله تعالى هي هذه المرتبة، والاطلاعُ عليها يحتاج إلى سلوك طريقةِ الأَبرار، ولا يتمُّ بمجرَّد الأنظارِ والأفكار، واللهُ تعالى الموفِّق للسلوك، والمتفضِّل بالغِنَى على الصُّعلوك. البحث الرابع: اختلف الناسُ في الرُّوحِ هل تموت أم لا؟ فذهبت طائفةٌ إلى أنَّها تموت؛ لأنَّها نفس، وكلُّ نفس ذائقةُ الموت، وقد دلَّ الكتابُ على أنَّه لا يبقى إلَّا الله تعالى وحده، وهو يستدعي هلاكَ الأرواحِ كغيرها من المخلوقات، وإذا كانت الملائكةُ عليهم السلام يموتون، فالأرواحُ البشرية أَوْلى، وأيضاً أَخبر سبحانه عن أهل النارِ أنَّهم يقولون: ﴿أَتََّا أَثْنَيْنِ وَأَحَْيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] ولا تحقَّق الإماتتان إلَّا بإماتة البدنِ مرَّةً وإماتةِ الرُّوح أخرى. وقالت طائفة: إنَّها لا تموت؛ للأحاديث الدالّة على نعيمها وعذابِها بعد المفارقةِ إلى أن يُرجعَها الله تعالى إلى الجسد، وإنْ قلنا بموتها لزم انقطاعُ النعيم والعذاب. والصوابُ أن يقال: موتُ الروح هو مفارقتُها الجسدَ، فإن أُريد بموتها هذا القَدْر، فهي ذائقةُ الموت، وإنْ أُريد أنَّها تعدم وتضمحلّ، فهي لا تموت، بل تبقى مفارقةً ما شاء الله تعالى، ثم تعود إلى الجسد وتبقَى معه في نعيمٍ أو عذاب، أبدَ سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٩٨ الآية : ٨٥ الآبدين ودهرَ الداهرين، وهي مستثناةٌ ممَّن يصعق عند النفخ في الصُّور، على أنَّ الصعقَ لا يلزمُ منه الموت، والهلاكُ ليس مختصًّا بالعدم، بلَ يتحقَّقِ بخروج الشيءِ عن حدِّ الانتفاع به ونحو ذلك، وما ذُكر في تفسير الإماتتين غيرُ مسلَّم، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ فيه. وإلى أنَّها لا تموت بموت البدنِ ذهبت الفلاسفةُ أيضاً، واحتجَّ الشيخُ عليه بأنْ قال: قد ثبت أنَّ النفسَ يجب حدوثُها عند حدوثِ البدن، فلا يخلو إمّا أن يكونا معاً في الوجود، أو لأحدهما تقدُّم على الآخَر، فإن كانا معاً، فلا يخلو إمَّا أن يكونا معاً في الماهية، أو لا في الماهية، والأولُ باطل، وإلّا لكانت النفسُ والبدنُ متضايفَين، لكنَّهما جوهران، هذا خَلف، وإن كانت المعيةُ في الوجود فقط من غير أن يكونَ لأحدهما حاجةٌ في ذلك الوجودِ إلى الآخَر، فعدمُ كلِّ واحدٍ منهما يوجِب عدمَ تلك المعية، أمَّا (١) لا يوجب عدمَ الآخر، وأمَّا إن كان لأحدهما حاجةٌ في الوجود إلى الآخَر، فلا يخلو إمَّا أن يكونَ المقدَّم هو النفسَ، أو البدنَ، فإن كان المقدَّم في الوجود هو النفسَ، فذلك التقدُّم إمَّا أن يكونَ زمانيًّا، أو ذاتيًّا، والأولُ باطل؛ لِمَا ثبت أنَّ النفسَ ليست موجودةً قبل البدن، وأمَّا الثاني فباطلٌ أيضاً؛ لأنَّ كلَّ موجودٍ يكون وجودُه معلولَ شيءٍ كان عدمُه معلولَ عدم ذلك الشيء؛ إذ لو انعدم ذلك المعلولُ مع بقاءِ العلَّة، لم تكن تلك العلَّةُ كافيةً في إيجابها، فلا تكون العلَّةُ علة، بل جزءاً من العلَّة، هذا خَلف، فإذن لو كان البدنُ معلولاً، لامتنع عدمُ البدنِ إلَّا لعدم النفس، والتالي بطلانُ البدنِ (٢) قد ينعدم لأسبابٍ أُخَر، مثل سوءِ المزاج، أو سوءِ التركيب، أو تفرُّق الاتِّصال، فبطل أن تكونَ النفسُ علَّةً للبدن، وباطلٌ أيضاً أن يكونَ البدنُ علَّةٌ للنفس؛ لأنَّ العِلَلَ - كما عُرِف - أربع. ومحالٌ أن يكونَ البدنُ علَّة فاعليةً للنفس، فإنَّه لا يخلو إمّا أن يكونَ علَّةً فاعليةً لوجود النفسِ بمجرَّد جسميَّته، أو لأمرٍ زائدٍ على جسميَّته، والأوَّل باطل، وإلّا لَكان كلُّ جسمٍ كذلك، والثاني باطل، أمَّا أوَّلاً: فِلِمَا ثبت أنَّ الصورَ المادِّية إنَّما تفعل بواسطة الوضع، وكلُّ ما لا يفعل إلَّا بواسطة الوضع استحال أن يفعلَ أفعالاً مجرَّدة عن الحيِّز والوضع، وأمَّا ثانياً: فلأنَّ الصُّور الماديةَ أضعفُ من (١) كذا في الأصل و(م)، ولعلها: إنما. (٢) في الأصل: العدم. الآية : ٨٥ ٩٩ سُورَةُ الإِسْرَاءِ المجرَّد القائم بنفسه، والأَضعفُ لا يكون سبباً للأقوى. ومحالٌ أن يكونَ البدنُ علَّةً قابلية؛ لِمَا ثبت أنَّ النفسَ مجرَّدةٌ مستغنيةٌ عن المادَّة، ومحالٌ أن يكونَ علَّةً صوريةً للنفس أو تمامية؛ فإنَّ الأمرَ أَوْلى أن يكونَ بالعكس، فإذن ليس بين البدنِ والنفسِ علاقةٌ واجبةُ الثبوتِ أصلاً، فلا يكون عدمُ أحدِهما علَّةً لعدم الآخَر. فإن قيل: ألستم جعلتم البدنَ علَّةً لحدوث النفس؟ فنقول: قد بَيِّن أن الفاعلَ إذا كان منزَّهاً عن التغيُّر ثم صدر عنه الفعلُ بعد أن كان غيرَ صادر، فلا بدّ وأن يكونَ لأجل أنَّ شرطَ الحدوثِ قد حصل في ذلك الوقتِ دونَ ما قبله، ثم إنَّ ذلك الشرطَ لمَّا كان شرطاً للحدوث فقط، وكان غنيًّا في وجودِه عن ذلك الشيءِ، استحال أن يكونَ عدمُ ذلك الشرطِ مؤثِّراً في عدم ذلك الشيء، ثم لمَّا اتَّفق أن كان ذلك الشرطُ مستعدًا لأن يكونَ آلَةً للنفس في تحصيلِ الكمالات، والنفسُ لذاتها مشتاقةٌ إلى الكمال، لا جرمَ حصل للنفس شوقٌ طبيعيٌّ إلى التصرُّف في ذلك البدنِ والتدبيرِ فيه على الوجه الأَصلح، ومثلُ ذلك لا يمكن أن يكونَ عدمُه علَّةً لعدم ذلك الحادث، بل ذهب الفلاسفةُ إلى استحالة انعدام النفس، وبرهنوا على ذلك بما برهنوا، وعندنا لا استحالةَ في ذلك. البحث الخامس: في تمايُز الأرواحِ بعد مفارقتِها الأَبدان. نصَّ ابن القيِّم (١) على أن كلَّ روحٍ تأخذ من بدنها صورةً تتميّز بها عن غيرها، وأنَّ تمايُز الأرواحِ أعظمُ من تمايزِ الأبدان، إلّا أنَّه زعم أنه لا يمكن التمايزُ بينها على القول بأنَّهَاَ جوهرٌ مجرَّد عن المادّة. وفيه نظر؛ فإنَّ القائلين بذلك قائلون بالتمايز أيضاً، باعتبار ما يحصل لها من التعلُّق بالبدن أو بنحوٍ آخَرَ من التمايز. وذكر الشيخ إِبراهيمُ الكورانيُّ في بعض رسائلِهِ أنَّ الأرواحَ بعد مفارقتها أبدانَها المخصوصةَ تتعلَّق بأبدانِ أَخَرَ مثاليةٍ حَسْبما يليق بها، وإلى ذلك الإشارةُ بالطّير الخُضرِ في حديث الشهداء، ففي صحيح مسلمٍ(٢) عن ابن مسعودٍ: ((إنَّ أرواحَ الشهداءِ في أجوافِ طيرٍ خضر)». وأَخرج سعيد بن منصورٍ عن مكحولٍ عن النبيِّ وَّه (١) في الروح ص ٥٠ و٥١. (٢) (١٨٨٧)، وسلف ٤٤/٣. سُورَةُ الإِسْرَةِ ١٠٠ الآية : ٨٥ أنَّ ذراري المؤمنين أرواحُهم في عصافيرَ في شجر في الجنَّةُ(١). أي: إنَّها تكون في أبدانٍ على تلك الصُّور. ويؤيِّد ذلك روايةُ ابنِ ماجه(٢) عن ابنِ مسعود: ((أرواحُ الشهداءِ عند الله تعالى كطيرٍ خُضر))، وفي لفظٍ عن كعب: أرواحُ الشهداءِ طيرٌ خضر. ولفظُ ابنِ عمر: في صورةٍ طيرٍ بيض، وفي رواية عليٍّ بن عثمانَ اللاحقيِّ عن مكحولٍ أنَّ ذراري المؤمنين أرواحُهم عصافيرُ في الجنة. وعلى هذا يكون إنكار قوم من المتكلِّمين خبرَ («في أَجواف طير)) وكذا خبرَ ((في عصافير)) لِمَا في ذلك من تعلَّقَ روحَين في بدنٍ واحدٍ وقد قالوا باستحالته = ناشئاً من عدم التأمُّل والتثبُّت؛ لأنَّه - على ما قرَّرنا - لا يكونُ للطائر روحٌ غير روحٍ الشهيد، على أنَّه لو بقي الخبرُ على ظاهره، لم يلزمْ محال؛ لجواز أن تكونَ الروحُ في جوف الطيرِ على نحوٍ كونِ الجنين في بطن أمِّه، فتدبّر. البحث السادس: في مستقَرِّ الأرواحِ بعد مفارقةِ الأبدان. الذي دلَّت عليه الأخبارُ أنَّ مستقرَّ الأرواح بعد المفارقةِ مختلفَ، فمستقرُّ أرواح الأنبياء عليهم السلام في أعلى عِلِّيين، وصَحَّ أن آخرَ كلمةٍ تكلم بها وَِّ: ((اللهمَّ الرفيقَ الأَعلى)»(٣) وهو يؤيِّد ما ذكر. ومستقرُّ أرواح الشهداءِ في الجنة، تَرِد من أنهارها وتأكلُ من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ معلّقةٍ بالعرشَ. ورُوي في أرواحِ أطفالِ المؤمنين ما هو قريبٌ من ذلك. وروى ابنُ المباركِ عن كعبٍ قال: جنةُ المأوى جنةٌ فيها طيرٌ خضر، ترعى فيها أَرواحُ الشهداءِ على بارق نهرٍ بباب الجنةِ في قبةٍ خضراء، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشيًّا (٤). ولعل هذا - كما قال ابنُ رجب - في عوامٌ الشهداء، وما تقدَّم في خواصِّهم، أو لعلَّ هذا في شهداءِ الآخرة، كالغريق والمبطونِ إلى غير ذلك. (١) سنن سعيد بن منصور (٥١٤). (٢) في سننه (٢٨٠١). ـجا (٣) أخرجه البخاري (٤٤٦٣)، ومسلم (٢٤٤٤): (٨٧) من حديث عائشة رقم . (٤) الجهاد لابن المبارك (٦١)، وأخرجه أحمد (٢٣٩٠) من حديث ابن عباس ﴿يا مرفوعاً، وإسناده حسن.