Indexed OCR Text

Pages 1-20

شُوعُ الفُعَانى
في
تَفِي القرآن العظيم والسُّنْع المثَانِ
تأليف
شِهَابُ الدِّينُ أبيُ الشَّنداء
مَجٌمُودَبْن عَبْدُاللَّهِ الأَلُوُسيْ الْبَعْدَادِيْ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّة هَذَّا الجَزِءِ
رضولاك ماريو
سَاهُمٌ في تحقيقه
رشادية المشهور في
رمضان محمدُوَى مَعَلى
ماجعَةُ
مَاهِرْ جَبُوشٌ
المجلد الخامسعشر
مؤسسة الرسالة

-3
-
一

◌ُوَةُ المَعَانِى
في
تفِ القُرآن ◌َظِيْ والِسَنْ المَثَانِ
(١٥)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَة للناشر
الطَّبعة الأولى
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
مؤسسة الرسى
للطّبَاعَة وَالنَّشْر وَالتّوزيع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com
Al-Resalah
Publishing House

سُورَةُ الإِسْرَائِ
﴿رَبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِ الْبَحْرِ﴾ مبتدأ وخبر. وقيل: الموصولُ صفةُ
(ربكم)) وهو صفةٌ لقوله تعالى: ﴿الَّذِى فَطَرَّكُمْ﴾ [الآية: ٥١] أو بدلٌ منه، وذلك جائزٌ
وإنْ تباعد ما بينهما. اهـ. وفيه ما فيه.
وأصل الإزجاءِ السَّوقُ حالاً بعد حال، والمرادُ به الإِجراء، وكأنَّ اختيارَه عليه
لِمَا أنَّه أدلُّ منه على القَسْر، وهو أَوفقُ بالمقام، وأَعظمُ في الإِنعام. أي: هو
سبحانه وتعالى القادرُ الحكيمُ الذي يُجري لنفعكم السفنَ في البحر بالرِّيح الليِّنة
وبالآلات، حسبما جرت به عادتُه تعالى.
﴿لِّبْتَغُواْ مِن فَضْلٍِ﴾ تصريحٌ بالنفع، أي: لتطلبوا مِن رزقه الذي هو فضلٌ من
قِبَّله سبحانه، أو من الرِّبح الذي هو جلَّ شأنُه معطيه. و((مِن)) تبعيضية(١)، وتفسيرُ
الفضلِ بالحجِّ أو الغزوٍ غيرُ مناسب. وهذا تذكيرٌ لبعض النِّعمِ التي هي دلائلُ
التوحيدِ الذي هو المرادُ الأصليُّ من البعثة، وتمهيدٌ لذِكر توحيدِهم عند مَساس
الضُّرِّ؛ تكملةً لما مرَّ من قوله سبحانه: ((فلا يملكون)) الآية.
، حيث هيَّأ لكم ما تحتاجون إليه،
﴿إِنَّهُ، كَانَ﴾ أزلاً وأبداً ﴿بِكُمْ رَحِيمًا
وسهَّل عليكم ما يَعسُر من مباديه. وهذا تذييلٌ فيه تعليلٌ لما سبق من الإِزجاء
والابتغاءِ للفضل. وصيغةُ الرحيم - كما في ((إرشاد العقلِ السليم))(٢) - للدَّلالة على
أنَّ المرادَ بالرَّحمة الرحمةُ الدنيوية، والنعمةُ العاجلةُ المنقسمةُ إلى الجليلةِ
والحقيرة، وهو مبنيٌّ على اختصاص الرَّحيمٍ بالدنيا كما هو المشهور، وعليه:
(١) في الأصل: ومن ربح أو تبعيضية. وفي تفسير أبي السعود ١٨٤/٥: ومن مزيدة أو
تبعيضية .
(٢) ٥/ ١٨٥.

سُؤَدَةُ الأسرة
٦
الآية : ٦٧
(يا رحمنَ الدنيا والآخرة، ورحيمَ الدنيا))، وقيل بعدم الاختصاص، وعليه:
((يا رحمن الدنيا والآخرةِ ورحيمَهما(١)).
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْفُرُ فِي الْبَحْرِ﴾ خوفُ الغرقِ بعصف الرِّيح وتقاذفِ الأَمواج ﴿ضَلَّ
مَنْ تَّدْعُونَ﴾ أي: ذهب عن خواطركم كلُّ مَن تدعونه وترجون نفعَه، فلا تَذكُرونه
﴿إِلَّ إِنَّهُ﴾ جلَّ وعلا، فإنَّكم تذكرونه وحدَه سبحانه، ولا تذكرون سِواه، ولا يَخطُر
ببالكم غيرُه تعالى لكشفِ ما حلَّ بكم من الضُّرّ، استقلالاً أو اشتراكاً. فالمرادُ
بضلالهم غَيبتُهم عن الفِكر، لا عن النظر والحِسّ؛ لأنَّه أمرٌ معلومٌ من قولهم: ضلَّ
عنه کذا، إذا نسيه.
وفي ((الكشف)): هو من: ضلَّ عنه كذا، إذا ضاع، ولا حاجةً إلى تضمين، أو
مِن: ضلَّ فلانٌ: ذهب عنه فلم يقدر عليه، ذكره الأزهريُّ وأنشد:
والسائلُ المبتغي کرائمَها
يعلم أني تَضِلُّني عِلَلي (٢)
أي: تفارقني وتذهب عني فلا أَتعلَّل بعِلَّة، وهذا أظهر، نَعَم الضلالُ راجعٌ إلى
الذِّكر لا بمعنى إِضمارِهِ، فإنَّه ركيك، يقال: ضلَّ عن خاطري كذا: إذا لم تذكرْه،
فإنَّه ضلالٌ له لا أنَّه ضلالٌ ذِكرُه، ولا تقول: ضلَّ عن خاطري ذِكره، وكذلك:
ضلَّني الأمر. اهـ.
والدعاءُ في هذا على ظاهرِهِ، والاستثناءُ متصل، بناءً على أنَّ ((ما))(٣) عبارةٌ عن
المدعوِّين مطلقاً، وأنَّهم كانوا يدعون اللهَ تعالى وغيرَه في الحوادث، وإنْ كانت
ما (٣) عبارةً عن آلهتهم الباطلةِ فقط، وأنَّهم كانوا في حالة السرَّاءِ يدعونها وحدَها
كما يدلُّ عليه ظاهرُ ما بعد، فالاستثناءُ منقطع، وفسِّر الدعاءُ على هذا بدعاء العبادةِ
واللَّجَأ. وقال أبو حيان(٤): الظاهرُ الانقطاع؛ لأنَّه تعالى لم يندرجْ في ((مَن
تدعون))، إذ المعنى: ضلَّت آلهتهم، أي: معبوداتُهم، وهم لا يعبدون الله تعالى.
(١) ورد ضمن حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٥٩/٢٠ عن معاذ بن جبل، والحاكم
٥١٥/١ عن عائشة
(٢) تهذيب اللغة ٤٦٢/١١-٤٦٣ والبيت لإبراهيم بن هرمة كما في التاج (ضلل).
(٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: من.
(٤) في البحر ٦/ ٦٠ .

الآية : ٦٧
٧
سُورَةُ الإسْرارة
وتعقِّب بأنَّ مقتضَى كونِهم مشركين أنَّهم يعبدونه سبحانَه أيضاً، لكن على طريق
الإِشراك، بل قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] كما قصَّ
سبحانه عنهم يقتضي أنَّه جلَّ مجدُه المعبودُ الحقيقيُّ عندهم. وقد يقال: إنَّ الشارع
أسقط مثلَ هذه العبادةِ عن درجة الاعتبار، فهم غيرُ عابدِين اللهَ جلَّ وعلا شرعاً،
بل قيل: إنَّهم غيرُ عابدِين لغةً؛ لأنَّ العبادة لغةً غايةُ الخضوع والتذلّل، ولا يتحقَّق
ذلك مع الشّركة ولو على الوجهِ الذي زعموه، فتأمَّل.
وجوَّز غيرُ واحدٍ أن يكونَ المعنى: ضلَّ مَن تدعونه عن إغائتكم إلَّا إِيَّاه تعالى.
والضلالُ فيه إمَّا بمعنى الغَيبة، أو بمعنى عدم الاهتداءِ منه(١)، كأنَّه قيل: ضلَّ عن
محجَّة الصوابِ في إِنقاذكم ولم يَقدِر على ذلك، وأمرُ الاستثناءِ من الاتِّصال
والانقطاع، ومبنَى كلٍّ على حاله.
والزمخشريُّ(٢) جوَّز أن يكونَ المعنى: ضلَّ مَن تدعون من الآلهةِ عن إِغاثتكم،
ولكنَّ اللهَ تعالى هو الذي ترجونه، وجعل الاستثناءَ عليه منقطعاً، فقيل: إنَّ ذلك
لتخصيصه المدعوِّين بالآلهةِ.
وفي ((الكشف)): لعلَّ الوجهَ فيه أنَّه تعالى ما كانوا يدعونه - أي: دعاءَ العبادةِ
واللَّجَأ - إلَّا في تلك الحالة، وأمَّا في حالة السَّرَّاء، فيخصُّون آلهتَهم بالدُّعاء،
والتحقيقُ أنَّ الضلالَ بهذا المعنى لم يتناول الحقَّ سبحانه؛ لأنَّ معناه: ضلَّ
المدعوُّون وغابوا عن إغاثتهم، ولا يُراد: غابوا وحضر جلَّ وعلا، بل المراد:
ولكن رجَوا أن يغيثَهم ولا يخذُلَهم فعلُ المدعوِّين على حسبانهم، وهذا هو الوجهُ
إنْ شاء اللهُ تعالى. اهـ.
ومبنى التحقيقِ لا يخفى على المتدرِّب في علم النَّحو.
هذا ومن اللطائفِ أنَّ بعضَ الناسِ قال لبعض الأئمَّة: أَثبِتْ لي وجودَ اللهِ تعالى
ولا تذكرْ لي الجوهرَ والعَرَض، فقال له: هل ركبتَ البحر؟ قال: نعم، قال: فهل
عَصَفت الرِّيح؟ قال: نعم، قال: فهل أَشرفت بك السفينةُ على الغرق؟ قال: نعم،
(١) لفظة: منه، ليست في الأصل.
(٢) في الكشاف ٢/ ٤٥٧ .

سُورَةُ الاسْرَةِ
٨
الآية : ٦٨
قال: فهل يئستَ مِن نفعِ مَن في السفينة ونحوِهم من المخلوقين لك وإِنجائهم ممَّا
أنت فيه إِيَّاك؟ قال: نعم، قال: فهل بقي قلبُك متعلِّقاً بشيء غيرِ أولئك؟ قال:
نعم، قال: ذلك هو الله عزَّ وجلَّ، فاستحسنَ ذلك.
﴿فَمَا تَّكُمْ﴾ من الضُّرِّ وأَوصلكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن ذِكره تعالى بعد أنْ كنتم
غيرَ ذاكرين إلَّا إياه سبحانه. أو أَعرضتم عن توحيده جلَّ وعلا، أو عن شكره عزَّ
وجلَّ بتوحيده وطاعتِه سبحانه، أو توقَّلتم في التوسُّع في كُفران النِّعمة، على أنَّه من
العَرْض مقابل الطول، وجُعل كنايةً عن ذلك كما في قول ذي الرُّمَّة:
فأَعرضَ في المكارمِ واستطالا(١)
عطاءُ فتَّى تمكَّن في المعالي
وكأنه أُريد: أَعرضتم واستطلتم في الكُفران، إلَّا أنَّه استُغني بذِكر العَرْض عن
ذکر الطول للزومه له.
﴿وَكَانَ آلْإِنسَنُ كَغُورًا
﴾ كالتعليل للإِعراض، وهو بيانٌ لحكم الجِنس، ويُعلَم منه
٦
حكمُ أولئك المخاطَبين. وفيه لطافة، حيث أَعرض سبحانه عن خطابهم بخصوصِهم
وذكر أنَّ جنسَ الإنسانِ مجبولٌ على الكُفران، فلمَّا أَعرضوا أَعرض الله سبحانه عنهم.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزةُ للإنكار، على معنى أنَّه لا ينبغي الأَمن، والفاءُ للعطف على
محذوفٍ متوسِّط بينها وبينَ الهمزة، أي: أَنجوتم فأَمنتم؟ وهو مذهبُ بعضٍ
النحويِّين. واختار بعضُهم أنَّ الهمزةَ مقدَّمة من تأخير؛ لأَصالتها في الصَّدارة،
والعطف على ماقبلَه، وجملةُ ((كان الإنسان ... )) إلخ معترِضةٌ بين المتعاطفَين،
ولا حذفَ في مثل ذلك. وهو مذهبُ الأكثرين، لكن لا يظهر تسبُّب الإنكار للأمن
على ما قبلُ على ما يقتضيه هذا المذهب، بل الظاهرُ ترتُّبه على النَّجاة فقط،
ولا مدخلَ للإِعراض في تسبُّب الإِنكار.
والحقُّ عندي في أَمثالِ ذلك ما فيه استقامةُ المعنى من غير تكلُّف، ولا يتعيَّن
التزامُ أحدِ المذهبَين، وإنْ أدَّى إلى التكلُّف فإنَّه تعصُّب محض.
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤٨/٦، والبيت في الديوان ١٥٤٩/٣، والشطر الأول
فيه: تبوَّأ فابتنى وبنى أبوه. وهو في أمالي القالي ١٢١/١ برواية: عطاء فتى بنى وبنى
أبوه ... .

الآية : ٦٨
٩
سُورَةُ الإِسْرَامة
والخطابُ لمن تقدَّم: أَفَأَمنتم أيُّها المعرضون عند النجاةِ ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ
الْبَرِّ﴾ الذي هو مأمنُكم، أي: أن يغيِّبَه اللهُ تعالى ويذهبَ به في أعماق الأرضِ
مصاحباً بكم، أي: وأنتم عليه، على أنَّ الباءَ للمصاحبة والجارّ والمجرورَ في
موضعٍ الحال.
وجوِّز أن تكونَ الباءُ للسببية والجارُّ والمجرورُ متعلِّق بما عنده، أي: أن يغيِّبَه
سبحانَه بسببكم.
وتعقِّب بأنَّه لا يلزم مِن قلبه بسببهم أن يكونوا مهلكين مخسوفاً بهم.
وأُجيب بأنَّه حيث كان المرادُ من ((جانب البر)) جانبَه الذي هم فيه، استلزم
خسفُه هلاكَهم، ولولا هذا لم يكن في التوعُّد به فائدة.
ونصب ((جانب)) في الوجهَين على أنَّه مفعولٌ به لـ ((يخسف)). وفي ((الدُّرِ
المصون)) أنه منصوبٌ على الظرفية (١)، وحينئذٍ يجوز كونُ الباءِ للتعدية، على معنى:
أَنأمنتم أن یغییکم في ذلك.
وفي ((القاموس))(٢): خسف اللهُ تعالى بفلانِ الأرض: غيَّبه فيها. والظاهرُ أنَّه
بيانٌ للمعنى اللغويِّ للَّفظ.
وفي ذكر الجانبِ تنبيهٌ على أنَّهم عندما وصلوا الساحلَ أَعرضوا، أو ليكونَ
المعنى أنَّ الجوانبَ والجهاتِ متساويةٌ بالنسبة إلى قدرتِهِ سبحانه وقهرِهِ وسلطانِهِ،
فله في کلِّ جانب برًّا كان أو بحراً سببٌ مُرصَدٌ من أسباب الھَلَکة، فليس جانبُ
البحرِ وحده مختصًّا بذلك، بل إنْ كان الغرقُ في جانبِ البحر، ففي جانبِ البِّ
ما هو مثلُه، وهو الخسف؛ لأنَّه تغييبٌ تحت التُّراب، كما أنَّ الغرقَ تغييبٌ تحت
الماء، فعلى العاقلِ أن يخافَ من الله تعالى في جميع الجوانبٍ وحیث کان.
والأوَّل على تقديرٍ أن يرادَ بجانب البَرِّ طرفُه ممَّا يلي البحر، وهو السَّاحل،
وهذا على احتمالِ أن يرادَ به ما يشمل جميعَ جوانبه.
(١) قال في الدر المصون ٣٨٤/٧: فيه وجهان، أظهرهما أنه مفعول به .. والثاني: أنه منصوب
على الظرف.
(٢) مادة (خسف).

سُورَةُ الإِسْرَاةِ
١٠
الآية : ٦٨
وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمرو: ((نَخسِفَ)) بنون العَظَمة، وكذا في الأربعةِ التي
بعده(١) .
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ مِن فوقِكم ﴿حَاصِبًا﴾ أخرج ابنُ المنذر عن ابن عباس أنَّه
قال: هو مطرُ الحجارة. أي: مطراً يَحصِبكم، أي: يرميكم بالحصباء، وهي صغارُ
الحجارة. وأخرج ابن جَريرٍ وابنُ أبي حاتم عن قتادةَ أنَّه فسَّر الحاصبَ بالحجارة
نفسِها(٢)، ولعلَّه حينئذٍ صيغةُ نسبة، أي: ذا حصب، ويراد منه الرَّمي. وقال
الفرَّاء: الحاصب: الرِّيح التي ترمي بالحصباء. وقال الزَّجاج(٣): هو الترابُ الذي
فيه الحصباء، والصيغةُ عليه صيغةُ نسبةٍ أيضاً. وجاءَ بمعنى ما تناثر من دُقاق الثلجِ
والبَرَد، ومنه قولُ الفرزدق:
مستقبلين شمالَ الشامِ تَضربهمْ
بحاصبٍ كنَديف القطن منثورٍ (٤)
وبمعنى السَّحابِ الذي يرمي بهما .
واختار الزمخشريُّ(٥) ومَن تبعه تفسيرَ الفرَّاء، والظاهرُ أنَّ الكلامَ عليه على
حقيقته، فالمعنى: أو إنْ لم يُصِبْكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم به مِن
فوقِكم بريحٍ يُرسلها عليكم فيها الحصباءُ يَرجمكم بها، فيكون أشدَّ عليكم من الغرقِ
في البحر. ويقال نحوُ هذا على سائر تفاسيرِ الحاصب.
وقال الخَفاجيُّ(٦) في وصف الريحِ بالرَّمي بالحصباء: إنَّه عبارةٌ عن شكَّتها،
وذِكرُها إشارةٌ إلى أنَّهم خافوا إِهلاك الريحِ في البحر، فقيل: إنْ شاءَ أَملككم
بالرِّيح في البرِّ أيضاً.
ولا أدري ما المانعُ من إِرادة الظاهرِ والشدَّةُ تلزم الرميَ المذكورَ عادة،
والإِشارةُ هي الإشارة.
(١) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٨/٢.
(٢) تفسير الطبري ٦٦٩/١٤، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٩٣/٤.
(٣) في معاني القرآن ٢٥١/٣.
(٤) ديوان الفرزدق ٢١٣/١.
(٥) في الكشاف ٤٥٨/٢ .
(٦) في حاشيته ٤٨/٦.

الآية : ٦٩
١١
سُؤَةُ الإِسْرَائِ
تَكِلون إليه أُمورَكم فيحفظكم من ذلك أو يَصرفه
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوْ لَكُمْ وَڪِيلًا
عنكم، غيرَه جلَّ وعلا، فإنَّه لا رادَّ لأمره الغالبِ جلَّ جلالُه.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ أي: بل أَأَمنتم ﴿أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ أي: في البحر الذي نجَّاكم منه
فأَعرضتم برُكوب الفُلك، لا في الفلك؛ لأنَّها مؤنَّئة. وأُوثرت كلمةُ ((في)) على كلمة
إلى المنبئةِ عن مجرَّد الانتهاء؛ للدَّلالة على استقرارِهم فيه.
﴿َارَةً أُخْرَى﴾ أي: مرةً غيرَ المرةِ الأُولى. وهو منصوبٌ على الظرفية، ويُجمع
على: تارات وتِيَر، كما في قوله:
يقوم تاراتٍ ويمشي تِيَرا(١)
وربّما حذفوا منه الهاء، كقوله :
بالويل تاراً والثبورِ تارا(٢)
وإسنادُ الإِعادةِ إليه تعالى مع أنَّ العودَ باختيارهم وممَّا يُنسَب إليهم - وإنْ كان
مخلوقاً له سبحانه كسائر أَفعالِهم - باعتبار خلقِ الدَّواعي فيهم الملجئةِ إلى ذلك.
وفيه إيماءٌ إلى كمال شدَّةِ هولٍ ما لاقَوه في التارة الأولى، بحيث لولا الإعادةُ
ما عادوا .
﴿فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ وأنتم في البحرِ ﴿قَاصِفًا مِّنَ الْرِيحِ﴾ وهي الريحُ الشديدةُ التي
تقصف ما تمرُّ به من الشجر ونحوِهِ، أو التي لها قَصيف، وهو الصوتُ الشديد،
كأنها تتقصَّف، أي: تتكسَّر.
وأَخرج ابنُ جَرِيرٍ (٣) وابنُ المنذر عن ابن عباسٍ ◌ًَّا أنَّه قال: القاصفُ من
الرِّيح الريحُ التي تُغرق. وقيل: الريحُ المهلِكةُ في البرِّ حاصب، والريحُ المهلكةُ في
البحر قاصف، والعاصفُ كالقاصف، كما رُوي عن عبد الله بنِ عَمرو. وفي روايةٍ
عن ابن عباسٍ تفسيرُ القاصفِ بالعاصف.
(١) الصحاح (تير) واللسان (تور) دون نسبة.
(٢) الصحاح واللسان (تير) دون نسبة.
(٣) تفسير الطبري ١٤/ ٦٧١، وعزاه لابن أبي حاتم السيوطي في الدر ١٩٣/٤.

سُورَةُ الإِشْرَةِ
١٢
الآية : ٧٠
وقرأ أبو جعفر: ((من الرِّياح)) بالجمع(١).
﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ الله سبحانه بواسطةٍ ما ينال فُلْكَكم من القاصف.
وقرأ أبو جعفر: ((فتُغرِقَكم)) بالتاء ثالثةِ الحروف(٢)، على أنَّ الفعل مسنَدٌ إلى
الرِّيح. والحسنُ وأبو رجاء: ((فيُغَرِّقَكم)) بالياءِ آخرِ الحروفِ وفتحِ الغين وشدٍّ
الراء (٣). وفي روايةٍ عن أبي جعفرٍ كذلك، إلّا أنَّه بالتاءِ لا الياءِ(٤). وقرأ حميدٌ
بالنون وإِسكان الغينِ وإِدغام القافِ في الكاف، ورُويت عن أبي عمرٍو وابنٍ
مُحَيصن(٥).
﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ أي: بسبب كفرِكم السابق، وهو إِعراضُهم عند الإِنجاء في المرَّة
الأولى. وقيل: بسبب كفرِكم الذي هو دأبُكم دائماً .
» أي: نصیراً، کما رُوي عن ابن عباس،
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُرْ عَلَيْنَا بِهِ، بِعًا
٦٩
أو ثائراً يطلبنا بما فعلنا انتصاراً منَّا أو دَرْكاً للثأر من جهتِنا، فهو كقوله تعالى:
﴿فَسَوَّنَهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا﴾ [الشمس: ١٤ -١٥] كما رُوي عن مجاهد.
وضميرُ (به)) قيل: للإرسال. وقيل: للإغراق. وقيل: لهما، باعتبار ما وقع
ونحوه، كما أُشير إليه.
وكأنَّه سبحانه لمَّا جعل الغرقَ حين الإعادة إلى البحر انتقاماً في مقابلةِ الكفر،
عقَّبه تعالى بنفي وجدانِ التَّبِيع، فكأنَّه قيل: ننتقم من غيرِ أن يقومَ لنصركم، فهو
وعيدٌ على وعيد، وجعَلَ ما قبلُ من شِقِّ العذاب كمسِّ الضُّرِّ في البحر، عقَّبه بنفي
وجدانِ الوكيل، فكأنَّه قيل: لا تجدون مَن تَتَّكلون عليه في دفعه غيرَه تعالى؛ لقوله
سبحانه: (ضَلَّ مَن تَّدْعُونَ إِلَّ إِنَّاءُ) وهذا اختيارُ صاحبٍ ((الكشف)) فلا تغفُل.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ءَمَ﴾ أي: جعلناهم قاطبةً، برَّهم وفاجرَهم، ذوي كَرَم، أي:
شرفٍ ومحاسنَ جمَّة لا يُحيط بها نطاقُ الحصر.
(١) النشر ٢٢٣/٢.
(٢) النشر ٣٠٨/٢.
(٣) البحر المحيط ٦/ ٦١.
(٤) النشر ٣٠٨/٢.
(٥) البحر ٦/ ٦١.

الآية : ٧٠
١٣
سُورَةُ الإِسْرائة
وعن ابن عباسٍ ﴿ّ: كرَّمهم سبحانَه بالعقل. وفي رواية: بتناولهم الطعامَ
بأيديهم، لا بأفواهِهم كسائرِ الحيوانات.
وعن الضحَّاك: بالنُّطق. وعن عطاء: بتعديل القامة وامتدادها. وعن زيد بنِ
أَسلَم: بالمطاعم واللذَّات. وعن يمان: بحسن الصُّورة. وعن ابن جَرير (١): بالتسلُّطَ
على غيرهم من الخلقِ وتسخيرِه لهم. وعن محمد بنِ كعب: بجعل محمدٍ بَّرِ منهم.
وقيل: بخلق اللهِ تعالى أباهم آدمَ بيديه. وقيل: بتدبير المعاشِ والمعاد. وقيل:
بالخطّ. وقيل: باللِّحية للرَّجل والذُّؤابةِ للمرأة. وقيل وقيل، والكلُّ في الحقيقةِ على
سبيلِ التمثيل، ومَن ادَّعى الحصرَ في واحد - كابن عطيةً حيث قال(٢): إنَّما التكريمُ
بالعقل لا غير - فقد ادَّعى غلطاً، ورام شَطَطاً، وخالف صريحَ العقل، وصحيحَ
النقل. ولذا استدلَّ الإمام الشافعيُّ بالآية على عدم نجاسةِ الآدميِّ بالموت.
﴿وَلْنَهُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ على أكبادٍ رطبةٍ وأَعوادٍ يابسةٍ من الدوابِّ والسفن.
فهو من: حملتُه على كذا، إذا أَعطيتَه ما يركبه ويَحمله، فالمحمولُ عليه مقدَّر بقرينة
المقام. وقيل: المرادُ من حملِهم في البرِّ والبحرِ جعلُهم قارِّين فيهما بأن لم يَخسف
بهم الأرضَ ولم يُغرِقهم بالماء. والأولُ أنسبُ بالتكريم؛ إذ لا يثبتُ لشيءٍ من
الحَيَوانات سواهم، بخلافِ الثاني.
﴿وَرَزَقْنَهُم مِنَ الَّتِبَتِ﴾ أي: فنونِ النِّعم وضروبِ المستلَذَّات ممَّا يحصُّل
بصُنعهم وبغير صنعِهم، من المأكولاتِ والملبوساتِ والمفروشاتِ والمقتنيات وغيرِ
ذلك.
﴿وَفَضَّلْنَهُمْ﴾ قيل: أي: بالتكريم المذكورِ ﴿عَلَى كَثِرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
٧٠
عظيماً. والمرادُ أنَّ ذلك مخصوصٌ بهم بالنِّسبة إلى الكثير، فلم يكرَّم الكثيرُ
کما گُرِّموا .
وبحث الإِمامُ(٣) في هذا المقام بأنَّه تعالى قال أوَّلاً: ((ولقد كرمنا بني آدم))
وقال سبحانَه هنا: ((وفضلناهم)) فلا بدَّ من فرقٍ بين التكريم والتفضيل؛ لئلا يلزمَ
(١) في تفسيره ١٤/ ٦٧٢ -٦٧٣.
(٢) في المحرر الوجيز ٤٧٣/٣.
(٣) في التفسير الكبير ١٥/٢١-١٦.

سُورَةُ الاسْراءِ
١٤
الآية : ٧٠
التَّكرار. والأَقربُ في ذلك أن يقال: إنَّه تعالى فضَّل الإِنسان على سائرِ الحيواناتِ
بأمور خَلقية طبيعيةٍ ذاتية، مثلِ العقلِ، والنُّطق، والخطّ، والصورةِ الحسنة، والقامةِ
المديدة، ثم إنه عزَّ وجلَّ عرَّضه بواسطة العقلِ والفهم لاكتساب العقائدِ الحقَّة
والأخلاق الفاضلة، فالأولُ هو التكريم، والثاني هوَ التفضيل، فكأنَّه قيل:
فضَّلناهم بالتعريض لاكتسابٍ ما فيه النجاةُ والزُّلفى بواسطة ما كرَّمناهم به من مبادي
ذلك، فعليهم أنْ يشكروا ويَصرِفوا ما خُلِق لهم لما خُلق له، فيوحِّدوا اللهَ تعالى
ولا يُشركوا به شيئاً، ويَرفضوا ما هم عليه من عبادة غيرِهِ عزَّ وجلّ. ويقال نحوُ هذا
على ما سبق أيضاً بقليلٍ تغيير.
وقال الطّيبي: قد كرِّر في الآية ما يُنبئُ عن غاية المدح من ذِكر الكرامةِ
والتَّفضيل، وتسخيرِ الأشياءِ على سبيل الترقِّي، كأنَّه قيل: ولقد كرَّمنا بني آدم
بكرامةٍ أبيهم عليه السلام، ثم سخّرنا لهم الأشياءَ ورزقناهم من الطيِّبات، ثم
فضَّلناهم تفضيلاً أيَّ تفضيل؛ ولذا عقِّب بها قولُه سبحانه: ((وإذ قلنا للملائكة
اسجدوا ... )) إلخ، وهو لبيان كرامةٍ أبيهم، وما توسَّط بينهما من الآياتِ
كالاستطرادِ والاعتراض ... إلى آخرِ ما قال.
ويُعلَم منه دفعُ التكرارِ وإنْ لم يَسُقْه لذلك الغرض. وفيه تخصیصُ التکریم،
وكذا فيما قيل: إنَّ التكريمَ بالنِّعم التي يصحُّ بها التكليفُ، والتفضيلَ بالتكليف
الذي عرَّضهم به للمُنازَلة الرفيعة.
والمرادُ بالكثير مَن عدا الملائكةَ عليهم السلام عندَ الكثير، ومنهم
الزمخشريُّ(١)، وزعم أنَّ الآيةَ صريحةٌ في تفضيل المَلَكِ على البشر، وشنَّع على
أهل السُّنَّة تشنيعاً أقذعَ فيه.
والحقُّ أنَّها لا تصلُح للاحتجاج على التفضيل المتنازَعِ فيه، ففي ((الكشف)) أنَ
الظاهرَ من سياق الآيةِ أنَّه حتٍّ للإِنسان على الشُّكر، وعَلَى أَلَّا يشركَ به تعالى،
حيث ذكر ما في البرِّ والبحرِ من حسن كلاءِه سبحانه له، وضمَّن فيه أنَّه جلَّ
وعلا هداهم إلى الفُلك وصَنعته وما يترتَّب عليه من الفوائدِ في قوله سبحانه: ((ربكم
الذي يزجي لكم الفلك)) الآياتِ، فقال عزَّ وجلّ: ((ولقد كرمنا بني آدم)) أي: هذا
(١) في الكشاف ٤٥٨/٢.

الآية : ٧٠
١٥
سُؤَةُ الإِسْرَةِ
النوعَ من بين سائرِ الأَنواع باصطناعاتٍ خصصناهم بها، فذَكَرَ تعالى منها حملَهم
في البرِّ والبحر، ورزقَهم من الطيِّبات، وتفضيلَهم على كثيرٍ من المخلوقات، وهذا
التفضيلُ لا يراد منه عِظَمُ الدرجةِ وزيادةُ القُربة عند الله تعالى، وهو المتنازَعُ فيه؛
لأنَّ الحكمَ للنَّوع من حيث هو، وذَكَرَ اللهُ تعالى لذلك موجباتٍ تَعمُّ الصالحَ
والطالح، فسواءٌ دخل في هذا الكثيرِ الملائكةُ أو لم يدخلْ لم يدلَّ على الأفضلية
بالمعنى المذكور، فلا يصلُح لاحتجاج إِحدى الطائفتين. اهـ.
ثم إنَّه على فَرْض أنَّ التفضيلَ بالمعنى المتنازَع فيه، لاتدلُّ الآيةُ على أنَّ المَلَكَ
أفضلُ من البشر إلَّا بطريق المفهوم، وفي حجِّيته خلاف، وأبو حنيفةَ ظُه لا يقولُ
به، على أنَّه يدلُّ على أنَّهم فضِّلوا على الكثير ولم يفضَّلوا على مقابلِه، وهو يحتمل
المساواةَ وتفضيلَ المقابل، فليس نصًّا في مذهبٍ الزمخشريّ.
وجعل الطَّبيُّ (مِن)) بيانية؛ كما في قولِك: بذلتُ له العريضَ مِن جاهي، أي:
فضَّلناهم على الكثيرين الذين خلقناهم مِن ذوي العقول، كما هو الظاهرُ مِن ((مَن))
وهم منحصرونَ في المَلَك والجِنِّ والبشر، فحيث خرج البشر؛ لأنَّ الشيءَ لا يفضَّل
على نفسه، بقي المَلَكُ والجِنّ، فيكون المرادُ بيانَ تفضيلِ البشرِ عليهم جميعاً، وهو
الذي يقتضيه مقامُ المدح، فإنَّ الآيةَ مسوقةٌ له، وإذا جُعلت للتبعيض كان ((ممن
خلقنا)) بدلاً، أي: فضَّلناهم على بعضٍ المخلوقين.
وذِكرُ البعضِ في هذا المقامِ يدلُّ على تعظيم المفضَّلِ عليه، كما قرِّر في قولِه
تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍّ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وأيُّ مدحٍ لبني آدمَ وإثباتٍ للفضل
والكرامةِ بالجملة القَسَمية إذا جُعلوا مفضَّلين على الجِنِّ والشَّياطين، على أنَّ صفةً
الكثرةِ إذا جُعلت مخصّصةً لإِخراج البعض، كانت الملائكةُ أَوْلى من الجِنِّ
والشياطين؛ لأنَّهم هم الموصوفون بالكثرة، كما تدلُّ عليه الأخبارُ الكثيرة، كخبر
أَطِيطِ السماء (١)، وخبرٍ نزولٍ قطرات المطر(٢)، وخبرِ ما يدخل البيتَ المعمورَ في
(١) أخرجه أحمد (٢١٥١٦)، والترمذي (٢٣١٢) عن أبي ذرّ ◌َبه، وسلف ٨٧/٢.
(٢) أخرج ابن جرير ١٤/ ٤٠-١٤، وأبو الشيخ في العظمة (٤٩٥) عن الحكم بن عتيبة: وبلغنا
أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يُخْصُون كلَّ قطرة حيث
تقع وما تنبت.

سُورَةُ الإشرارة
١٦
الآية : ٧٠
كلِّ يومٍ من الملائكة(١)، إلى غير ذلك، وإليه ينظر قولُ صاحبٍ (التقريب)): إنَّه
يحتمل أن يرادَ بـ ((كثيرٍ ممَّن خلقنا)) الملائكةُ؛ إذ هم كثيرٌ من العقلاءِ
المخلوقین. اهـ.
وتعقّب بأنَّ ما ذكره مِن حَمل ((مَن خلقنا)) على تعميم ذوي العقولِ مقبول، فإنَّ
تفضيلَهم على غيرِ ذوي العقولِ حينئذٍ آتٍ من طريق مفهوم الموافقة، فلا حاجةً إلى
ارتكابٍ خلاف الظاهرِ واعتبارٍ تغليبِهم ليعمَّهم وغيرهم، لكنَّ حَمل ((مِن)) على
البيانِ غيرُ مقبول؛ فإنَّه بعيدٌ جدًّا؛ لأنَّ قيدَ الكثرةِ يضيِّع عليه حملَ ((مِن)) على
التعميم التغليبيِّ أو الوضعيّ، ولأنَّ استعمالَه في التبعيض شائعٌ أينما وقع في
التنزيلِ واستعمالاتِ الفصحاء، وهو أكثرُ تعسُّفاً من حمله على ابتداء(٢) الغاية في
قوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾(٣) [المائدة: ٦] على ما ذكره
الزمخشريُّ(٤) فيه، وأنَّه إذا قوبل بشيءٍ آخَرَ دلَّ على القلّة في المقابل، كما في قوله
تعالى: ﴿فَمِنْهُم مُّهْتٍَّ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦] فإنَّه صرَّح بأنه يدل على
أنَّ الغلبةَ للفسَّاق للمقابلة، أمَّا ما ورد ابتداءً فربَّما كان الأكثرُ خلافَ ذلك، كما في
قولِه تعالى: ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِينَ﴾ [النمل: ١٥] فقولُه: إنَّ صفةَ الكثرةِ إذا
جُعلت مخصّصة ... إلخ، كلامٌ لم يَصدر عن ثبت، ولهذه النُّكتةِ قال صاحبُ
((التقريب)): يحتمل ... ، دلالةً على أنَّه مرجوح.
هذا ثم إنَّ مسألة التفضيلِ مختلَفٌ فيها بين أهل السُّنة، فمنهم مَن ذهب إلى
تفضيلِ الملائكة، وهو مذهبُ ابنِ عباس ◌َّ، واختيارُ الزّجَّاج(٥) على ما رواه
الواحديُّ في ((البسيط)).
ومنهم مَن فصَّل فقال: إنَّ الرُّسل من البشر أفضلُ مطلقاً، ثم الرُّسل من
الملائكةِ على مَن سواهم من البشرِ والملائكة، ثم عموم الملائكةِ على عموم
(١) أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤) عن مالك بن صعصعة ظـ
(٢) لفظة: ابتداء. ليست في (م).
(٣) في الأصل و(م): فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم منه. ولا توجد آية بهذا اللفظ.
(٤) في الكشاف ٥٢٩/١.
(٥) في معاني القرآن ٢٥٢/٣.

الآية : ٧١
١٧
سُورَةُ الإِسْراء
البشر. وهذا ما عليه أصحابُ الإِمام أبي حنيفةَ عليه الرحمةُ وكثيرٌ من الشافعيةِ
والأَشعرية.
ومنهم مَن عمَّم تفضيلَ الكُمَّلِ من نوع الإِنسان نبيًّا كان أو وليًّا.
ومنهم مَن فضَّل الكَروبيِّين(١) من الملائكةِ مطلقاً، ثم الرسلَ من البشر، ثم
الكمَّلَ منهم، ثم عمومَ الملائكةِ على عموم البشر. وهذا ما عليه الإِمامُ الرازيّ،
وبه يُشعر كلامُ الغزاليِّ في مواضعَ عديدةٍ في كتبه.
ومن هذا يُعلَم أنَّ إِطلاق القولِ بأنَّ أهلَ السُّنةِ يفضِّلون البشرَ على المَلَك ليس
على ما ينبغي. وهذه المسألةُ ومسألةُ تفضيلِ الأئمّة ليستا مما يُبدَّع الذاهبُ إلى أحدٍ
طرفَيهما على ما في ((الكشف))؛ إذ لا يرجع إلى أصلٍ في الاعتقاد، ولا يستند إلى
قطعيٍّ بعد أن يسلمَ من الطّعن، وما يخلُّ بتعظيم في المسألتين، لكنَّ المشهورَ في
مسألة تفضيلِ الأئمّة أنَّ القولَ بخلاف ما استقرَّ عليه رأيُ أهلِ السُّنة ابتداع، ومَن
أنصف قال بما في ((الكشف)»، فهَذَرُ الزمخشريِّ على مَن خالفه محضُ جهالة إذا لم
يكن بتلك الغايةِ، فكيف وهو قد بلغ فيه من السَّفاهة غايتَها، ومن البذاذةِ نهايتَها؟
وسیری جزاءً ذلك.
﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُناسٍ بِإِمٍَِّ﴾ شروعٌ في بيان تفاوتٍ أَحوال بني آدمَ في
الآخرة بعد بيانِ حالِهم في الدنيا. و((يوم)) مفعولٌ به لفعلٍ محذوف، أي: اذكر يومَ
ندعوا ... إلخ.
وجوَّز ابن عطيةً(٢) وغيرُه أن يكونَ ظرفاً لفعلٍ يدلُّ عليه ((لا يُظلمون)) ولم يُجعل
ظرفاً له بناءً على أنَّ الفاءَ لا يعمل ما بعدَها فيما قبلَها ولو ظرفاً.
وجوَّز أيضاً أن يكون مبتداً، وهو مبنيٌّ لإضافته إلى غير متمكِّن، والخبرُ جملةٌ
((فمن أوتي .. )) إلخ(٣)، ويقدَّر للرَّبط فيها ((فيه)) وفيه. أنَّ المنقسمَ إلى متمكّن وغير
متمكِّنٍ هو الاسمُ لا الفعل، وما في حيِّزه هنا فعلٌ مضارع، على أنَّ بناءَ أسماءِ
(١) هم المقربون من الملائكة. المعجم الوسيط (کرب).
(٢) في المحرر الوجيز ٤٧٣/٣ .
(٣) المحرر الوجيز ٤٧٣/٣ .

سُورَةُ الإِسْراءِ
١٨
الآية : ٧١
الظروفِ المضافةِ إلى جملةٍ هو أحدُ ركنَيها، بناءً على مذهبِ الكوفيين، والبصريُّون
لا يجوِّزون ذلك، ومع هذا هو تخريجٌ متكلَّف.
وجوَّز أيضاً كونَه ظرفاً لـ ((فضلناهم))، قال: وتفضيلُ البشرِ على سائر الحَيَواناتِ
يومَ القيامة بيِّن(١)، وبه قال بعضُ النُّحاة، إلّا أنَّه قال: فضَّلناهم بالثَّواب. وفيه أنَّه
أيُّ تفضيلٍ للبشر ذلك اليومَ والكفَّارُ منهم أخسُ من كلِّ شيء؟ إلَّا أن يقال: يكفي
في تفضيل الجنسِ تفضيلُ بعضٍ أَفراده، أَلَا ترى صحَّةَ: الرِّجالُ أفضلُ من النِّساء،
مع أنَّ مِن النساءِ مَن هي أفضلُ من بعض الرجالِ بمراتب. وأيضاً إذا أُريد التفضيلُ
بالثَّواب، لا يصحُّ إخراجُ الملائكة؛ لأنَّ جنسَ البشرِ يُثابون، والملائكةُ عليهم
السلام لا يُئابون، كما هو مقرَّر في محلِّه. ثم إنَّهم يشاركهم في الثوابِ الجِنّ؛ لأنَّ
مؤمنيهم يُئابون كما يثاب البشرُ عند بعض. وقيل: إنَّ ثوابَهم دون ثوابِهم؛ لأنَّهم
لا يرون اللهَ تعالى في الجنةِ عند مَن قال: إنَّ الله تعالى يُرى فيها، فالبشرُ مفضّلون
عليهم في الثَّواب من هذه الجهة.
وقيل: ظرف ((يقرؤون)) أو ما دلَّ عليه. وفيه أنَّهم لا يقرؤون كتابَهم وقتَ
الدعوة. وأُجيب بأنَّ المرادَ بيومَ يدعون وقتٌ طويل، وهو اليومُ الآخِر الذي يكون
فيه ما يكون، ويبقى في جَعلِه ظرفاً للمذكور حديثُ الفاء.
وقال الفرَّاء: وهو ظرفٌ لِنعيدكم محذوفاً. وقيل: ظرفٌ ليستجيبون. وقيل:
هو بدلٌ من ((يوم يدعوكم)). وقيل: العاملُ فيه ما دلَّ عليه قولُه سبحانه: ((متى
هو)) [الآية: ٥١]. وهي أقوالٌ في غاية الضَّعف، وأَقربُ الأَقوالِ وأَقواها ما ذكرناه
أوَّلاً .
والإمام: المقتدَى به والمتَّبع، عاقلاً كان أو غيرَه. والجارُّ والمجرورُ متعلّق
بـ ((ندعو))، أي: ندعو كلَّ أناسٍ من بني آدمَ الذين فعلنا بهم في الدُّنيا ما فعلنا من
التكريم وما عُطف عليه بمَن انتُّوا به، من نبيّ، أو مقدَّم في الدِّين، أو كتاب، أو
دين، فيقال: يا أَتباعَ فلان، يا أهلَ دِين كذا أو كتابٍ كذا.
(١) المحرر الوجيز ٤٧٣/٣ .

الآية : ٧١
١٩
سُؤَدَّةُ الإِسْراءِ
وأخرج ابنُ مردويه عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه قال: قال رسول الله وَ لّ في
الآية: ((يُدعَى كلُّ قومٍ بإمام زمانِهِم وكتابٍ ربِّهم وسُنَّةٍ نبيِّهم))(١).
وأَخرج ابن أبي شيبةً وابنُ المنذر وغيرُهما عن ابن عباس أنَّه قال: إمامُ هدّى
وإِمامُ ضلالة(٢). وأخرج ابن جَريرٍ (٣) من طريق العوفيِّ عنه رَُّبه أنَّه قال: بإمامهم:
بكتاب أعمالهم، فيقال: يا أصحابَ كتابٍ الخير، يا أصحابَ كتاب الشَّرّ. ورُوي
ذلك عن أبي العالية والرَّبيعِ والحسن.
وقُرئ: ((بكتابِهم)»(٤) ولعل وجهَ كون ذلك إمامَهم أنَّهم متَّبِعون لِمَا يحكم به من
جنة أو نار.
وقال الضَّحاك وابنُ زيد: هو كتابُهم الذي نُزِّل عليهم.
وأخرج ابنُ أبي حاتم، وابنُ مردويه، والخطيبُ في ((تاريخه)) عن أنسٍ أنَّه
قال: هو نبيُّهم الذي بُعث إليهم(٥). واختار ابنُ عطيةً(٦) - كغيره - عمومَ الإِمامِ لِمَا
ذُکِر في الآثار.
وقيل: المراد القُوى الحاملةُ لهم على عقائدِهم وأفعالِهم، كالقوَّة النظريةِ
والعملية، والقوةِ الغضبيَّة والشَّهْوية، سواءٌ كانت الشهوةُ شهوةَ النُّقود، أو الضياع،
أو الجاهِ والرِّياسة؛ ولاتِّباعهم لها دُعيت إماماً. وهو مع كونِهِ غيرَ مأثورٍ بعيدٌ جدًّا،
فلا يقتدَى بقائله وإنْ كان إماماً.
وفي ((الكشّاف)(٧) أنَّ مِن بِدَع التفاسيرِ أنَّ الإِمامَ جمعُ أُمّ، كخُفٍّ وخِفَاف،
وأنَّ الناسَ يُدعون يومَ القيامةِ بأمهاتهم، وأنَّ الحكمةَ في الدُّعاء بهنَّ دون الآباءِ
(١) الدر المنثور ١٩٤/٤، وهو حديث موضوع، ينظر الفردوس للديلمي ٥٢٨/٥، والميزان
٨/٢ ترجمة داود بن سليمان الجرجاني.
(٢) الدر المنثور ١٩٣/٤-١٩٤.
(٣) في تفسيره ١٥/ ٧.
(٤) القراءات الشاذة ص٧٧، والبحر المحيط ٣٦/٦.
(٥) الدر المنثور ١٩٤/٤، وهو في تاريخ بغداد ٣١٧/١.
(٦) في المحرر الوجيز ٤٧٣/٣ .
(٧) ٤٥٩/٢، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٢٠
الآية : ٧١
رعايةُ حقِّ عيسى عليه السلام وشرفِ الحسن والحسين و[أن ]لا يُفضحَ أولادُ
الزِّنى، وليت شعري أيُّهما أَبدع: أصحَّةُ تفسيرِه أم بهاءُ حكمتِه؟ انتهى. وهو
مرويٌّ عن محمد بنِ كعب. ووجهُ عدم قبوله - على ما في ((الكشف)) - أمّا أوَّلاً:
فلأنَّ ((إمام)) جمعَ أُمَّ غيرُ شائع، وإنَّما المعروفُ الأمَّهات. وأمَّا ثانياً: فلأنَّ رعايةً
حقِّ عيسى عليه السلام في امتيازه بالدُّعاء بالأُمّ، فإنَّ خلقَه من غيرِ أبِ كرامةٌ له،
لا غضّ منه ليُجبَرَ بأنَّ الناسَ أُسوته في انتسابِهم إلى الأمَّهات. وإظهارُ شرفٍ
الحسنين بدون ذلك أتمّ؛ فإنَّ أباهما خيرٌ من أمِّهما، مع أنَّ أهلَ البيتِ كحلقةٍ
مُفْرَغة. وأمَّا افتضاحُ أولادِ الزّنى، فلا فضيحةَ إلَّا للأُمهات، وهي حاصلةٌ دُعيَّ
غيرُهم بالأمَّهات أو بالآباء، ولا ذنبَ لهم في ذلك حتى يترتَّبَ عليه الافتضاح.
انتھی .
وما ذُكر من عدم شيوعِ الجمعِ المذكور بيِّن، وأمَّا الطعنُ في الحكمةِ فقد
تعقّب، فإنَّ حاصلَها أنَّه لوَ دُعي جَميعُ الناسِ بآبائهم ودُعي عيسى عليه السلام
بأمِّه، لَربَّما أَشعر بنقص، فرُوعي تعظيمُه عليه السلام، ودُعي الجميعُ بالأمَّهات،
وكذا رُوعي تعظيمُ الحسنَين ﴿هَا، لِمَا أنَّ في ذلك بيانَ نسِهما من رسول اللهِ وَّـه
ولو نُسبا إلى أبيهما كرَّم الله تعالى وجهَه لم يفهم هذا، وإنْ كان هو هو رُه، وفي
ذلك أيضاً سَترٌ على الخلق حتى لا يفتضحَ أولادُ الزِّنى، فإنه لو دُعي الناسُ بآبائهم
ودُعوا هم بأمهاتهم، عُلم أنَّهم لا نسبةً لهم إلى آباءِ يُدعَون بهم، وفيه تشهیرٌ لهم،
ولو دُعوا بآباءٍ لم يُعرَفوا بهم في الدنيا وإنْ لم يُنسَبوا إليهم شرعاً كان كذلك، وعلى
هذا يسقط ما في ((الكشف)).
وعندي أنَّ القائلَ بذلك لا يكادُ يقول به من غيرِ أن يتمسَّكَ بخبر؛ لأنَّه خلافُ
ما ينساق إلى الأذهان على اختلافٍ مراتبها، ولا تكاد تَسلم حكمةٌ(١) عن وَهْن،
ولا يُصلِحِ العطارُ ما أَفسد الدهر، ولعل الخبرَ - إنْ كان - ليس بالصَّحيح، ويعارضه
ما قدَّمناه غيرَ بعيدٍ من قوله ◌َّهِ: «إنَّكم تُدعَون يومَ القيامةِ بأسمائكم وأَسماءِ
آبائكم، فأَحسِنوا أسماءكم))(٢) والله تعالى أعلم.
(١) في (م): حكمته.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٤٨) عن أبي الدرداء ه، وسلف ١٤/ ٥٤٩.