Indexed OCR Text
Pages 521-540
الآية : ٣٩ ٥٢١ سُؤَةُ الإشرارة وإنَّ هذه الرحمَ شُجْنةٌ (١) من الرَّحمن، فمن قطعها حرَّم اللهُ تعالى عليه الجنَّةَ)). ومنعُ زكاةٍ أيضاً، وقد قال تعالى في ﴿حم﴾ السَّجدة، وهي مكية كهذه السُّورة: ﴿وَيٌَّ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِلْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ [فصلت: ٦-٧]. وإنْ نوقش فيما ذكر قلنا: إنَّ عدم القيام بإيتاء ما ذكر صادقٌ على منع حقوقٍ ثلاثةِ أصناف، ولا شكَّ أنَّ منعَ ذي الحقِّ حقّه ظلمٌ له، فيتعدَّد الظلمُ فيما نحن فيه، ولا أظنُّ أنَّ ذلك أَهونُ من التطفيف وإنْ كان ظلماً أيضاً: وظلمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً على القلب من وقع الحسامِ المهنَّدِ(٢) وممَّا ذكرنا يُعلَم أنَّ قولَه: ظاهر، غيرُ ظاهر. ويرد أيضاً على قوله: وتركُ واحدٍ من هذه الخمسةِ ... إلخ، أنَّ قولَه سبحانه: (وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْهٌ) نهيٌّ - على ما اختاره الإِمام - عن كبائرَ لا شكَّ في أنَّ بعضها أعظمُ بكثير من بعضٍ ما في القسم الثاني، كالقول في الإلهيَّات والنبوَّات نحوَ ما يقوله المشركون، تقليداً للأَسلاف واتِّباعاً للهوى. وإن أبيتَ إلَّا تخصيصَه ببعض ما قاله المفسِّرون ونقله الإِمام ممَّا هو أهونُ أَفرادِه كالكذب، قيل لكَ: إنَّ في كونه أهونَ من انتفاء الإِحسان مطلقاً مع كونه قد لا يكون كبيرةً، منعاً ظاهراً كما لا يخفَى. وكذا في كون المشي مَرَحاً دون كلِّ واحدٍ من الأمور السابقة بحثٌ. وقد أَخرج الشَّيخان(٣): ((بينما رجلٌ يمشي في حُلَّ تُعجبه نفسُه، مرجِّل مختالٌ في مِشيته، إذ خسف اللهُ تعالى به، فهو يتجلجلُ في الأرض إلى يوم القيامة)) وروى أحمدُ وابنُ ماجه والحاكم: ((ما من رجلٍ يتعاظم في نفسه ويختال في مِشيته، إلَّا لقي اللهَ تعالى وهو عليه غضبان))(٤)، وصحَّ: ((لا يدخل الجنةً مَن كان في قلبه مثقالُ ذرّة من كِبْر))(٥) إلى غير ذلك من الأحاديث التي لم يجئ مثلُها (١) الشجنة: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق. النهاية (شجن). (٢) من معلقة طرفة، وهو في الديوان ص٣٦. (٣) صحيح البخاري (٥٧٨٩)، وصحيح مسلم (٢٠٨٨) من حديث أبي هريرة ◌ُ﴾. (٤) مسند أحمد (٥٩٩٥) والمستدرك ٦٠/١ من حديث ابن عمر ◌ًا، ولم نقف عليه عند ابن ما جه. (٥) أخرجه مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود جاء وسلف ٤٤٨/٦. سُؤَةُ الإِسْرَةِ ٥٢٢ الآية : ٣٩ فيمن لم يُحسِن إلى والديه، نعم جاء ذلك فيمن عقَّ والديه، وبين عقوقِهما وعدم الإحسان إليهما عمومٌ وخصوصٌ مطلق، وعلى هذا فلا يخفى حالٌ كما لا يخفى. ويَرِد على الوجه الثاني - على ما فيه - أنَّه غير وافٍ بالغرض. وعلى الثالث أنَّه مجرَّد دعوى لم تساعدها الآثار. نعم ورد في بعض ما ذَكَرَ أنَّ فتنته لا تُصيب الظالمَ فقط ما يؤيِّده، ومن ذلك ما أخرجه البيهقيُّ(١) وغيرُه: ((يا معشرَ المهاجرين، خصالٌ خمسٌ إن ابتليتم بهنَّ ونزلت بكم، أعوذُ بالله تعالى أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشةُ في قومٍ قظُ حتى يُعلنوا بها، إلَّا فشا فيهم الأوجاعُ التي لم تكن في أَسلافهم. ولم يَنقصوا المكيالَ والميزان، إلَّا أُخذوا بالسِّنين وشدَّةٍ المؤنة وجَورِ السُّلطان. ولم يَمنعوا زكاةً أموالهم، إلَّا مُنعوا المطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطَّروا. ولا نقضوا عهدَ اللهِ تعالى وعهدَ رسولِهِ وَّةٍ إلَّا سلَّط اللهُ تعالى عليهم عدوًّا من غيرهم فيأخذوا بعضَ ما في أيديهم. وما لم تَحكم أئمَّتُهم بكتاب اللهِ تعالى إلَّا جعل اللهُ تعالى بأسَهم بينهم)). وإنْ كان في عدم إيتاءِ المسكين وابنِ السَّبيل حقَّهما منعُ الزكاة، فأمرُ الإِيماءِ المذكورِ لا يخفى حالُه؛ فإنَّ الأَخبار قد تضافرت بعموم شؤمِ ذلك، فقد صحَّ: (ما منع قومٌ الزكاةَ إلَّا حبس اللهُ تعالى عنهم القَطر))(٢) وفي روايةٍ صحيحة: ((إلَّا ابتلاهم اللهُ تعالى بالسِّنين))(٣) إلى غير ذلك. ويَرِد على الوجه الرابع أنَّ بعضَهم قد أَطلق القولَ بأنَّ تركَ الأمرِ بالمعروف والنهى عن المنكر كبيرة، وَصرَّح صاحبُ ((العُدَّة)) بأنَّ الغِيبة نفسَها صغيرة، وتركَ النَّهي عنها كبيرة، وقال بعضُ المتأخِّرين - ونقله الجلال البُلقيني -: ينبغي أن يفضَّل في النَّهي عن المنكر فيقال: إن كان كبيرةً فالسكوتُ عليه مع إمكان دفعِه كبيرٌ، (١) في شعب الإيمان ١٩٦/٣-١٩٧ من حديث ابن عمر مؤقتًا. وهو عند ابن ماجه (٤٠١٩). (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠٩٩٢) من حديث ابن عباس ◌ً. قال الهيثمي في المجمع ٦٥/٣: فيه إسحاق بن عبد الله بن كيسان المروزي، ليّنه الحاكم، وبقية رجاله موثقون وفيهم كلام. (٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٥٧٧) من حديث بريدة ظه. قال الهيثمي في المجمع ٦٥/٣-٦٦: رجاله ثقات. الآية : ٣٩ ٥٢٣ سُورَةُ الإِسْرَاءِ وإن كان صغيرةً، فالسكوتُ عليه صغيرة، ويقاس تركُ المأمور بهذا إذا قلنا: إنَّ الواجباتٍ تتفاوت، وهو الظّاهر. اهـ. وقد علمتَ أنَّ فيما وحِّد الخطابُ فيه من الأوامر ما تَرْكُه كبيرة، ومن النَّواهي ما فِعلُه كذلك، فلم يتحقَّق ما رَجًا سلَّمه الله تعالى، على أنَّ في تعبيره بالإِجبار فيما عبّر فيه ما لا يخفى. ويَرِد على الخامس أنَّ في كون الطاعاتِ التي وحِّد فيها الخطابُ لا تَصدر إلَّا من الآحاد لأنَّها لا يوفي حقّها إلَّا المتورِّعون، منعاً ظاهراً؛ فإنَّ أكثر الناسِ - صالِحهم وطالِحهم - لا يمشي في الأرض مَرَحاً، ومثلُ ذلك الدعاءُ للوالدين بالرَّحمة، فإنَّا نسمعه على أتمٍّ وجهٍ من كثيرٍ ممَّن لا يعرف الورعَ أيُّ شيءٍ هو، وكذا في قوله: بخلاف غيرِها فإنَّه مضبوط، فإنَّ ترك التصرُّف في مال اليتيم إلَّا بالتي هي أحسنُ ممَّن له ولايةٌ عليه أمرٌ شاقٌّ، لا يكاد يقوم به إلَّ الأَفراد، قال في ((ردِّ المحتار حاشيةِ الدُّرِّ المختار))(١): لا ينبغي للموصَى إليه أن يقبلَ؛ لصعوبة العدلِ جدًّا، ومن هنا قال أبو يوسف: الدخولُ في الوصاية أولَ مرةٍ غلط، وثانَي مرةٍ خيانة، وثالثَ مرةٍ سرقة. ومن هذا يُعلَم ما في الوجه السادس. ويَرِد على السابع أيضاً أنَّ المشيَ في الأرض مرحاً كالأمور التي صُرِف الخطابُ في النَّهي عنها عنه وَّرَ في أنَّ فطرته وفِطنته وسلامةَ طبعه اللطيفِ، واستقامةَ مِزاجه الشريف، كافيةٌ في الكفّ عنه؛ فإنَّ الكِبْر من البشر لا ينشأ إلَّا عن جهلٍ وبلادة، وقد جُبِل عليه الصلاة والسلام على أَكملٍ ما يكون من التَّواضع، بل وسائرِ الصِّفات التي هي كمالٌ في النَّوعِ الإِنسانيِّ، ويؤيِّد ذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] مع أنَّه لم يُصرَف الخطابُ فيه، وأنَّه حيث اعتُبر الفطنةُ في الكافي عن الكفّ، لم ينفعْه الاعتذارُ عن توحيد الخطابِ في الَّهي عن الشِّرك بما اعتذر به؛ فإنَّ للفِطنة دخلاً تامًّا في التوحيد كما لا يخفَى على فَطِن. ويَرِد على قوله في الثامن: وهذا الإِيهام ... إلخ، منعٌ ظاهر، فلا يخفَى حالُه كما لا يخفى. (١) ٦/ ٧٠٠. سُورَةُ الإِسْرَةِ ٥٢٤ الآية : ٤٠ ويَرِد على التاسع أنَّه لا يساعده نقلٌ ولا عقل، بل جاءَ في النَّقل ما يخالفه، كما سمعت عن ابن عباسٍ ◌ّ، وإن اعتُبر النهيُ عن الشِّرك من تلك التكليفات، فهو كافٍ في تزييف هذا الوجه؛ لأنَّ النهيَ عن الشِّرك جاء به كلُّ رسول، ونطق به كلُّ كتاب، وما ذكره مؤيّداً لغرضه بمعزلٍ عن التأييد. هذا وبقيت إيراداتٌ أُخَرُ على هذه الوجوه، أعرضنا عنها وتركناها للذَّكيِّ الفطن حذراً من التَّطويل، فتأمَّل ذاك، واللهُ يتولَّى هداك. ﴿أَفَأَ صْفَتِكُمْ رَبُّكُمْ بِلْبِيْنَ وَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَتَأْ﴾ خطابٌ للقائلين بأنَّ الملائكة بناتُ اللّهِ سبحانه. والإِصفاءُ بالشيء جعلُه خالصاً، والهمزةُ للإنكار، وهي داخلةٌ على مقدَّر على أحد الرَّأيين، والفاءُ للعطف على ذلك المقدَّر، أي: أَفضَّلكم على جنابه فخصَّكم بأفضلِ الأولادِ على وجه الخلوصِ وآثَّرَ لِذَاته أخسَّها وأَدناها؟! والتعرُّض لعنوان الرُّبوبيةِ لتشديد النكيرِ وتأكيدِه، وعبَّر بالإِناث إظهاراً للخِسَّة. وقال شيخُ الإِسلام(١): أُشير بِذكر الملائكةِ عليهم السلام وإيرادِ الإِناث مكانَ البناتِ إلى كَفْرَةٍ لهم أخرى، وهي وصفُهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي أخسُّ صفاتِ الحَيوان، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَتَّا﴾ [الزخرف: ١٩]. وفي ((الكشف)) أنَّه تعالى لمّا نهى عن الشِّرك ودلّ على فساده، أَتى بالفاء الواصلة، وأَنكر عليهم ذلك دليلاً على مكانٍ التعكيس، وأنَّهم بعد ما عرفوا أنَّه سبحانه بريءٌ من الشَّريك بدليل العقلِ والسمع، نسبوا إليه تعالى ما هو شركٌ ونقص، وازدراءٌ بمن اصطفاه من عباده، فيا لَه من كَفْرةٍ شنيعة؛ ولذا قيل: ﴿إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ﴾ بمقتضى مذهبِكم الباطلِ ﴿قَولًا عَظِيمًا ﴾﴾ لا يقادَر قدرُه في استتباع الإِثم وخرقِه لقضايا العقول، بحيث لا يجترئُ عليه ذو عقل، حيث تجعلونه سبحانه من قَبيل الأجسام السَّريعة الزوالِ المحتاجةِ إلى بقاءِ النَّوع بالتوالُد، وليس كمِثله شيءٌ، وهو الواحدُ القهَّارُ الباقي بذاته، ثم تُضيفون إليه تعالى ما تكرهون من أَخسِّ (١) في إرشاد العقل السليم ١٧٣/٥. الآية : ٤١ ٥٢٥ سُؤَةُ الإِسْراءِ الأولاد، وتفضِّلون عليه سبحانه أنفسَكم بالبنينَ، ثم تَصِفون الملائكةَ عليهم السلام بما تَصِفون. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ من التَّصريف، وهو كثرةُ صرف الشيءِ من حالٍ إلى حال، ومفعولُه هنا محذوفٌ للعلم به، أي: صرَّفناه، أي: هذا المعنى، والمراد: عبَّرنا عنه بعباراتٍ، وقرَّرناه بوجوهٍ من التقريرات. ﴿فِى هَذَا الْقُرْءَانِ﴾ العظيم، أي: في مواضعَ منه، فالمرادُ بالقرآن مجموعُ التنزيل. وجوِّز أن يرادَ به البعضُ المشتملُ على إِبطال إضافةِ البناتِ إليه سبحانه، ومفعولُ ((صرفنا)) محذوفٌ أيضاً، أي: صرَّفنا القولَ المشتملَ على إِبطال الإِضافة المذكورة في هذا المعنى. وإيقاعُ القرآنِ على المعنى وجَعْلُه ظرفاً للقول: إمَّا بإطلاق اسم المحلِّ على الحالِّ؛ لِمَا اشتهر أنَّ الألفاظ قوالبُ المعاني، أو بالعكس، كما يقال: البابُ الفلانيُّ في كذا، وهذه الآيةُ في تحريم كذا، أي: في بيانه. ويجوز تنزيلُ الفعل منزلةَ اللازمِ وتعديتهُ بـ ((في))، كما في قوله: ... يجَرعْ في عراقيبها نَصْلي(١) أي: أَوقعنا التصريف فیه. وقُرئ: ((صَرَفنا)) بالتَّخفيف(٢)، والصَّرفُ كالتصريف إلَّا في التكثير. ﴿ لِيَّكَُّوا﴾ أي: ليتذكَّروا ويتَّعظوا ويطمئنُّوا له؛ فإنَّ التكرارَ يقتضي الإذعانَ واطمئنانَ النفس ﴿وَمَا يَزِيدُهُ﴾ ذلك التصريفُ ﴿إِلَّ نُورًا ﴾﴾ عن الحقِّ وإعراضاً عنه، وهو تعكيس. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ هنا وفي ((الفرقان)): ((ليذْكُروا)) (٣) من الذِّكر الذي هو بمعنى التذكّر ضدِّ النِّسيان والغفلة. والتذكُّر على القراءة الأُولى بمعنى الاتِّعاظِ (١) قطعة من بيت لذي الرمّة. وهو في ديوانه ١٥٦/١، وسلف ١٦١/١٠. (٢) القراءات الشاذة ص٧٧، والمحتسب ٢١/٢. (٣) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢. سُؤَة الاسْراءِ ٥٢٦ الآية : ٤٢ كما أُشير إليه، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإِيذان باقتضاء الحالِ أن يُعرضَ عنهم ويُحكى للسَّامعين هَناتُهم. ﴿قُل﴾ في إظهار بطلانِ ذلك من جهةٍ أخرى: ﴿لَّوْ كَانَ مَعَدٌُ﴾ سبحانه وتعالى في الوجود ﴿َِمَّةٌ كُمَا يَقُولُونَ﴾ أي: المشركون قاطبةً. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وخَلَفٌ بالتاء ثالثِ الحروفِ خطاباً لهم(١)، والأَمران في مثل هذا المقام شائعان، وذلك أنَّه إذا أُمر أحدٌ بتبليغ كلام لأحد، فالمبلَّغُ له في حال تكلُّم الآمَرِ غائب، ويصير مخاطباً عند التبليغ، فإذا لوحظ الأولُ حقُّه الغَيبة، وإذا لوحظ الثاني حقُّه الخطاب. وكذا قرؤوا فيما بعد، وقرأ نافعٌ وابن عامرٍ وأبو بكرٍ عن عاصم هنا بالتاء، وهناك بالياء آخرِ الحروف(٢)، على أنَّه تنزيهٌ منه سبحانَه لنفسه ابتداءً من غير أمرٍ الرسولِ عليه الصلاة والسلام بقوله لهم، والكافُ في محلِّ النصبِ على أنَّها نعتٌ المصدرٍ محذوف، أي: كوناً مشابهاً لما يقولون، والمرادُ بالمشابهة - على ما قيل - الموافقةُ والمطابقة. ﴿إِذَا لََّ بْنَغَوْ﴾ جوابٌ عن قولهم: إنَّ مع اللهِ سبحانه آلهةً، وجزاءٌ لـ ((لو))، أي: لَطَلَبَ الآلهةُ ﴿إِلَى ذِى الْمَّشْرِ﴾ أي: إلى مَن له الملكُ والربوبيةُ على الإِطلاق بالمغالبة والممانعة، كما اطَّردت العادةُ بين الملوك. وهي إشارةٌ إلى ﴿سِيلاً برهان التمانُع، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِمَةُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وذلك بتصوير قياسٍ استثنائيٍّ استُثني فيه نقيضُ التالي لينتجَ نقيضُ المقدَّم المطلوب. وسيأتي إن شاء الله تعالى تقريرُه في محلِّه. وإلى هذا ذهب سعيدُ بن جُبَير کما أخرجه عنه ابنُ أبي حاتم. وعن مجاهدٍ وقتادةَ أنَّ المعنى: إذاً لطلبوا الزُّلفى إليه تعالى والتقرُّبَ بالطاعة؛ (١) قرأ ابن كثير وحفص: ((كما يقولون)) بالياء، والباقون بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: ((عما تقولون)) [الآية: ٤٣] بالتاء، والباقون بالياء. التيسير ص١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢. (٢) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢. الآية : ٤٣، ٤٤ ٥٢٧ سُورَةُ الإِسْرارة لِعلمهم بعلوّه سبحانه عليهم وعظمتِهِ، وهذا كقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] وهو إشارةٌ إلى قياس اقترانيٍّ: هكذا لو كان كما زعمتم آلهةٌ لتقرَّبوا إليه تعالى، وكلُّ مَن كان كذلك ليس إلهاً، فهم ليسوا بآلهة . قيل: و(لو)) على الأوَّل امتناعيةٌ، وعلى هذا شرطيةٌ، والقياسُ مرَّب من مقدِّمتين: شرطية اتِّفاقية، وحَمْلية. واختار المحقِّقون الوجهَ الأوَّل؛ لأنَّه الأظهرُ الأنسبُ بقوله سبحانه: ﴿سُبْحَنَّهُ﴾ فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ المرادَ بيانُ أنَّه يَلزم ما يقولونه محذورٌ عظيم من حيث لا يحتسبون. وأمَّا ابتغاءُ السبيلِ إليه تعالى بالتقرُّب، فليس ممَّا يختصُّ بهذا التقدير، ولا ممَّا يَلزمهم من حيث لا يشعرون، بل هو أمرٌ يعتقدونه رأساً، أي: ينزّه بذاته تنزيهاً حقيقاً به سبحانه ﴿وَتَعَلَى﴾ متباعداً ﴿عَنَّا يَقُولُونَ﴾ من العظيمة التي هي أن يكونَ معه تعالى آلهةٌ، وأن يكونَ له بناتٌ ﴿عُوَّ﴾ أي: تعالياً، فهو مصدرٌ من غير فعلِه، كقوله تعالى: ﴿أَثْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧] ﴿كَبِيرًا ﴾﴾ بعيدَ الغاية، بل لا غايةَ وراءه، كيف لا وإنَّه تعالى في أقصى غاياتِ الوجود، وهو الوجوبُ الذاتيُّ، وما يقولونه من أنَّ معه آلهةً وأنَّ له أولاداً، في أدنى مراتب العدم، وهو الامتناعُ الذاتيُّ. وقيل: لأنَّه تعالى في أَعلى مراتبِ الوجود، وهو كونُه واجبَ الوجود، والبقاءُ لذاته، واتِّخاذُ الولدِ من أدنَى مراتبه، فإنَّه من خواصِ ما يمتنع بقاؤه. وتعقِّب بأنَّ ما يقولونه ليس مجرَّدَ اتخاذِ الولد، بل مع ما سمعتَ، ولا ريبَ في أنَّ ذلك ليس بداخلٍ في حدِّ الإِمكان، فضلاً عن دخوله تحتَ الوجود، وكونُه من أدنَى مراتبِ الوجود إنَّما هو بالنّسبة إلى مَن مِن شأنه ذلك. واعتذر بأنَّه من باب التنبيهِ بحال الأدنَى على حال الأَعلى، ولا يخفى أنَّ ذِكرَ العلوِّ بعد عنوانِه بذي العرشِ في أعلَى مراتبِ البلاغة. ﴿تَُّجُ﴾ بالفوقانية، وهي قراءةُ أبي عَمرٍو والأَخوينِ وحفصٍ، وقرأ الباقون سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٢٨ الآية : ٤٤ بالتحتانيَّة (١)؛ لأنَّ تأنيثَ الفاعلِ مجازيٌّ، مع الفصل، وقُرئ: ((سَبَّحتْ))(٢) ﴿لَهُ السََّوَتُ السَّْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ﴾ أي: مِن الملائكة والثَّقْلَين. ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ﴾ من الأشياء، حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ﴾ ملتبساً ﴿چدِهِ﴾ تعالى. والمرادُ من التسبيح الدلالةُ بلسان الحال، أي: تدلُّ بإِمكانها وحدوثِها دلالةً واضحةً على وجوب وجودِه تعالى ووحدتِه وقدرتِه، وتنزُّهِه من لوازم الإِمكان وتوابعِ الحدوث، كما يدلُّ الأثرُ على مؤثِّره، ففي الكلام استعارةٌ تبعيَّة كما في: نَطَقتَ الحالُ. وجوِّز أن يعتبرَ فيه استعارةٌ تمثيلية، ولا يأبى حملَ التسبيح على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمَّ﴾ بناءً على أنَّ كثيراً من العقلاء فَهِمَ تلك الدلالة؛ لِمَا أنَّ الخطابَ للمشركين والكَفَرة، لا للنَّاس على العموم؛ لأنَّه تقدَّم ذِكرُ قبائِھم من نسبتهم إليه تعالى شأنُه ما لا يليق بجلاله، فإنَّ اللهَ سبحانه وصف ذاتَه بالنَّزاهة عنه، وبالغَ فيه ما بالغ، ثم عقبه بما ذكر دلالةً على أنَّ كلَّ الأكوانِ شاهدةٌ بتلك النَّزاهة، مبالغةً على مبالغة، فلو كان الخطابُ مع غير هؤلاءِ المنكرين وأَضرابهم، لم يتلاءم الكلامُ، ويَخرج عن النِّظام. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِمًا غَفُورًا (٣)﴾ تذييلٌ من تتمَّة الإِنكار على الوجه الأَبلغ، أي: إنَّه سبحانَه حليم؛ ولذلك لم يعاجلكم بالعقوبة لإِخلالكم بالنظر الصحيحِ الموصلِ إلى التوحيد، ولو تبتم ونظرتم لغّفر لكم ما صدر منكم من التَّقصير؛ فإنَّه غفورٌ لمن يتوب. وظنَّ ابن المنيرِ أنَّ هذا التذييلَ يأبى كونَ الخطابِ للمشركين، قال(٣): لأنَّه سبحانه لا يغفرُ لهم ولا يتجاوزُ عن جهلهم وإِشراكهم، والظاهرُ أن المخاطَبَ المؤمنون، وعدمُ فقههِم للتَّسبيح الصادرِ من الجمادات كنايةٌ - والله تعالى أعلم - عن عدم العملِ بمقتضى ذلك؛ فإنَّ الإنسانَ لو تيقّظ حقَّ التيقُّظِ إلى أنَّ النملة والبعوضةَ (١) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢. (٢) البحر المحيط ٤١/٦. (٣) في الانتصاف ٤٥١/٢. الآية : ٤٤ ٥٢٩ سُؤَرَةُ الإِسْرَةِ وكلَّ ذرّةٍ من ذرَّات الكونِ يقدِّس اللهَ تعالى وينزِّهه، ويشهد بجَلاله وكبريائه وقَهره، وعَمَرَ خاطرَه بهذا الفهم، لَشغله ذلك عن الطعام، فضلاً عن فُضول الأَفعال والكلام، والعاكفُ على الغِيبة - التي هي فاكهتُنا في زماننا - لو استشعر حالَ إفاضتهِ فيها أنَّ كلَّ ذرَّة من ذرَّات لسانِه الذي يلقلقه في سَخَط اللهِ تعالى عليه مشغولةٌ مملوءةٌ بتقديس اللهِ تعالى وتسبيحِه، وتخويفِ عقابه وإِنذار جبروتِهِ، وتيقَّظ لذلك حقَّ التيقُّظ، لَكاد يَبِكَم بقيةَ عُمُرُه. فالظاهرُ أنَّ الآية إنَّما وردت خطاباً على الغالب من أَحوال الغافلين وإنْ كانوا مؤمنين. اهـ. وليس بسديد؛ لخروج الكلام على ذلك من النِّظام، ووجهُ التذييلِ ما سمعت، فلا إباءَ كما لا يخفَى على ذوي الأفهام. وجوِّز أن يرادَ بالَّسبيح الدلالةُ على تنزيه الباري سبحانه عن لوازم الإِمكانِ وتوابع الحدوثِ مطلقاً، سواءٌ كانت حاليةً أو مقاليةً، على أنَّه مِن عموم المجاز، أو بالجمع بين المعنى الحقيقيِّ والمجازيِّ، على رأي مَن يجوِّزه، فتسبيحُ بعضٍ قاليٌّ، وتسبيحُ بعضٍ آخَرَ حاليّ. وتعقِّب بأنَّه لا يلائمه ((لا تفقهون)) لأنَّ مِن ذلك التسبيح ما يفقهه المشركون وغيرُهم، وهو التسبيحُ القاليّ. وأُجيب بأنَّ المشركين لعدم تدبُّرِهم له وانتفاعِهم به كان فهمُهم بمنزلة العدم، أو أنَّهم لعدم فهمِهم بعضَ المرادِ من التسبيح جُعلوا ممَّن لا يفهم الجميعَ تغليباً. وذهب بعضُ الظاهريةِ - وارتضاه الراغبُ(١)، وقال في ((تفسير الخازن))(٢): إنَّه الأصحُ - إلى أنَّ التسبيحَ على معناه الحقيقيِّ، فالكلُّ يسبِّح بلسان القال، حتى الجمادات. ولم يرتضِ ذلك الإِمامُ (٣)؛ لأنَّ هذا التسبيحَ لا يحصل إلَّا مع العلم، وهو ممَّا لا يتصوَّر في الجماد؛ لفقد شرطِه العقليِّ، وهو الحياةُ، ولو لم يكن ذلك شرطاً (١) في المفردات (سبح). (٢) ٤ / ١٦٢. (٣) في التفسير الكبير ٢١٨/٢٠-٢١٩. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٣٠ الآية : ٤٤ عقليًّا، لا نسدَّ بابُ العلم بكونه سبحانه وتعالى حيًّا، وأيضاً التذييلُ السابقُ يأبى ذلك؛ لدَلالته على أنَّ عَدَمَ فقهِ التسبيح المذكورِ جُرمٌ، ولا شكَّ أنَّ عدمَ فقهِ تسبيح الجماداتِ بألفاظها ليس بجُرم، وإنَّما الجرمُ عدمُ فقهِ دلالتها للغفلة وقُصورِ النظر. ومَن تتبّع الأحاديثَ والآثارَ، رأى فيها ما يشهدُ بما ذهب إليه هذا البعضُ شهادةً لا تكاد تقبل التأويلَ، فقد صحَّ سماعُ تسبيحِ الحصا في كفِّه ◌ِ(١). وأَخرج أبو الشَّيخ(٢) عن أنسٍ قال: أُتي رسولُ اللهِ وَله بطعام تريدٍ فقال: ((إنَّ هذا الطعامَ يسبِّح)) فقالوا: يا رسولَ الله، وتفقه تسبيحَه؟ قال: ((نعم)) ثم قال الرجل: ((أَدنِ هذه القصعةَ من هذا الرجل)) فأدناها، فقال: نعم يا رسولَ الله، هذا الطعامُ يسبِّح، فقال: ((أَدِنِها من آخَر)) فأدناها منه، فقال: يا رسولَ الله، هذا الطعامُ يسبِّح، ثم قال: ((رُدَّها)) فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، لو أُمرَّت على القوم جميعاً، فقال: ((لا، إنَّها لو سكتت عند رجلٍ لَقالوا: من ذنب، رُدَّها)) فردَّها. وأخرج ابنُ مردويه عن ابن مسعودٍ قال: كنَّا أصحابَ محمدٍ وَلِّ نعدُّ الآياتِ بركة، وأنتم تعدُّونها تخويفاً، بينما نحن مع رسولِ اللهِ وَل﴿ ليس معنا ماءٌ فقال لنا: ((اطلبوا مَن معه فضلُ ماء)) فأُتي بماءٍ، فوضعه في إناءٍ، ثم وضع يده فيه، فجعل الماءُ يخرج من بين أصابعه، ثم قال: ((حيَّ على الطّهور المباركِ والبركةُ من الله تعالى)) فشربنا منه، قال عبدُ الله: كنّا نسمع صوتَ الماءِ وتسبيحَه وهو يشرب (٣). وأخرج أحمدُ وابنُ مردويه عن ابن عمرَ (٤) أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((إنَّ نوحاً عليه السلام لَمَّا حضرته الوفاةُ قال لابنَيه: آمرُكما بسبحان اللهِ وبحمده؛ فإنَّها صلاةُ كلِّ شيء، وبها يُرزق كلُّ شيءٍ)). (١) أخرجه البزار (٢٤١٣-٢٤١٤ كشف الأستار)، والطبرانى فى الأوسط (١٢٤٤) و(٤٠٩٧) من حديث أبي ذر ظُه. قال ابن حجر في الفتح ٦/ ٥٩٢: ليس له إلا طريق واحدة ضعيفة. (٢) في العظمة (١٢١٥). (٣) الدر المنثور ١٨٥/٤، وهو عند البخاري (٣٥٧٩) بنحوه. (٤) الدر المنثور ١٨٣/٤، وأخرجه أحمد (٦٥٨٣) و(٧١٠١) من حديث عبد الله بن عمرو رؤ وأخرجه البزار (٣٠٦٩ كشف الأستار) من حديث ابن عمر كما أورده المصنف. وانظر التعليق على مسند أحمد. الآية : ٤٤ ٥٣١ سُؤَةُ الإِسْرَاةِ وأَخرج أحمدُ(١) عن معاذٍ بن أنس، عن رسول اللهِ وَّرَ أنَّه مرَّ على قومٍ وهم وقوفٌ على دوابَّ لهم ورواحلَ، فقال لهم: ((إِركبوها سالمةً، ودعوها سالمة، ولا تَتَّخذوها كراسيَّ لأحاديثكم في الطُرق والأسواق، فربَّ مركوبةٍ خيرٌ من راكبها وأكثرُ ذِکراً لله تعالی منه)). وأخرج النَّسائيُّ وأبو الشَّيخ وابنُ مردويه عن ابن عمرَ(٢) قال: نهى النبيُّ ◌َّل عن قتل الضِّفدِع، وقال: ((نقيقُها تسبيح)). وأَخرج ابنُ أبي الدُّنيا(٣)، وابن أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((الشُّعب)) عن أنس بن مالكٍ قال: ظنَّ داودُ عليه السلام فيّ نفسه أنَّ أحداً لم يَمدح خالقَه بما مدحه، وإنَّ مَلَكاً نزل وهو قاعدٌ في المحراب والبِركةُ إلى جانبه فقال: يا داودُ، إِفهم إلى ما تصوّت به الضِّفدِعُ، فأنصت داودُ، فإذا الضفدعُ تمدحه بمِدحةٍ لم يَمدحْه بها، فقال له المَلَكُ: كيف ترى يا داود، أفهمتَ ما قالت؟ قال: نعم، قال: ماذا قالت؟ قال: قالت: سبحانَك وبحمدك، منتهى عِلمِك يا ربّ، قال داود: لا والذي جعلني نبيَّه إنَّي لم أمدحْه بهذا . وأَخرج أحمدُ في ((الزُّهد)) وأبو الشَّيخِ عن شَهْر بن حَوْشب مِن حديثٍ طويل أنَّ داودَ عليه السلام أَتى البحرَ في ساعة فصلَّى، فنادته ضِفدِعة: يا داود، إنك حدَّثت نفسَك أنَّك قد سبَّحت في ساعةٍ ليس يَذكر اللهَ تعالى فيها غيرُك، وإنَّي في سبعين ألفِ ضفدعٍ كلُّها قائمةٌ على رِجل نسبِّح اللهَ تعالى ونقدِّسه(٤). وأَخرج الخطيبُ(٥) عن أبي حمزةَ(٦) قال: كنَّا عند عليٍّ بن الحسين ﴿ًُّا، فمرَّ بنا عصافيرُ يَصِحْن، فقال: أَتدرون ما تقول هذه العصافيرُ؟ قلنا: لا، قال: أَمَا إِنِّي (١) في مسنده (١٥٦٢٩). (٢) الدر المنثور ١٨٣/٤، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٢٤٨) و(١٢٤٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرج النسائي ٧/ ٢١٠ شطره الأول عن عبد الرحمن بن عثمان. (٣) الدر المنثور ١٨٤/٤، والشكر (٣٦)، والشعب (٤٥٨١). (٤) الدر المنثور ١٨٤/٤، والعظمة (١٢٥٤). (٥) الدر المنثور ١٨٥/٤، وتاريخ بغداد ١١/ ٩٧-٩٨. (٦) في (م): ضمرة. سُؤَدَّةُ الإِسْرَاءِ ٥٣٢ الآية : ٤٤ ما أقول إنَّا نعلم الغيبَ، ولكن سمعتُ أبي يقول: سمعت أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب كرَّم اللهُ تعالى وجهَه يقول: سمعت رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((إنَّ الطيرَ إذا أَصبحت سبَّحت ربَّها وسأَلَتْه قُوتَ يومِها)) وإنَّ هذه تسبِّح ربَّها وتسأله قُوتَ يومها . وأَخرج ابن راهُؤْيه في ((مسنده)من طريق الزُّهريِّ قال: أُتي أبو بكر الصِّدِّيق ◌ِظُه بغرابٍ وافرِ الجناحين، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقول: ((ما صِيدَ صَيدٌ، ولا عُضِدت عِضاه، ولا قُطعت وشيجة، إلَّا بِقِلَّة التسبيح))(١). وأَخرج أبو نُعَيم في ((الحِلية)) وابنُ مردويه عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله عليه الصلاة والسلام: ((ما صِيدَ مِن صيد ولا وُشج من وشج إلَّا بتضييعه التسبيحَ))(٢). وأَخرج أبو الشَّيخ(٣) عن أبي الدَّرداء، وابنُ مردويه عن ابن مسعودٍ مثلَ ذلك مرفوعاً أيضاً(٤). وأَخرج أبو الشَّيخ(٥) عن الحسن: لولا ما غُمَّ عليكم من تسبيح ما معكم من البيوتِ ما تقارَرْتم. وأخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن لوط بن أبي لوطٍ قال: بلغني أنَّ تسبيحَ سماءِ الدنيا: سبحانَ ربِّي الأعلى، والثانيةِ: سبحانَه وتعالى، والثالثة: سبحانَه وبحمده، والرابعةِ: سبحانه لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا به، والخامسة: سبحان مُحيي الموتى وهو على كلِّ شيءٍ قدير، والسادسة: سبحانَ المَلِكِ القُدُّوس، والسابعة: سبحانَ الذي ملأ السماوات السبعَ والأَرَضينَ السبعَ عزَّةً ووقاراً (٦). إلى مالا يكاد يُحصَى من الأخبار والآثار، وهي بمجموعها متعاضدةٌ في الدَّلالة على أنَّ التسبيحَ قاليٍّ كما لا يخفى، وهو مذهبُ الصوفية، وذكروا أنَّ السالكَ عند وصوله إلى بعض (١) الدر المنثور ٤ / ١٨٤. (٢) الدر المنثور ١٨٤/٤، والحلية ٧/ ٢٤٠ وقال: غريب تفرد به القشيري عن مسعر. (٣) في كتاب العظمة (١٢٣١). (٤) الدر المنثور ٤/ ١٨٤ . (٥) برقم (١٢٢٥). (٦) الدر المنثور ٤/ ١٨٣. الآية : ٤٤ ٥٣٣ سُورَةُ الأسرة المقاماتِ يسمع تسبيحَ الأشياءِ بلُغاتٍ شتَّى، وقد رُوي عن بعض السلفِ سماعُه التسبيح بعضٍ الجمادات. واختلف القائلون بهذا التسبيح، فقال بعضُهم بثُبوته للأشياء مطلقاً . وقيل: إنَّ التراب يسبِّح ما لم يبتلَّ، فإذا ابتلَّ ترك التسبيحَ، وإنَّ الخرزةَ تسبِّح ما لم تُرفع من موضعها، فإذا رُفعت تركت، وإنَّ الورقةَ تسبِّح ما دامت على الشَّجرة، فإذا سقطت تركت، وإنَّ الثوبَ يسبِّح ما لم يتَّسخ، فإذا اتَّسخ ترك، وإنَّ الوحشَ والطيرَ تسبِّح إذا صاحت، وإذا سكتت تركت. وعلى هذا ما أَخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن شَؤْذَبٍ قال: جلس الحسنُ مع أصحابِه على مائدة، فقال بعضُهم: هذَه المائدةُ تسبِّح الآن، فقال الحسن: كلًّا، إنَّما ذاك كلُّ شيءٍ على أصله. وأَخرج عن السُّدِّي أنه قال: ما مِن شيءٍ على أصله الأوَّلِ لم يمت إلَّا وهو يسبِّح بحمده تعالى(١). ولعلَّه أراد بالموت خروجَه عن أصله الأوَّل. وأخرج عبدُ الرزاق(٢) وابنُ جَرِير(٣) وابنُ المنذر وغيرُهم عن قتادةَ أنَّه قال في الآية: كلُّ شيءٍ فيه الروحُ يسبِّح، من شجرةٍ وحَيَوان. وكونُ الشجرةِ ذاتَ روحٍ مبنيٌّ على قول الناسِ فيها إذا يبست: ماتت. واستثنى بعضُهم بعضَ الحيوانات من عموم كلِّ شيءٍ؛ لما أخرجه أبو الشَّيخ(٤) عن ابن عباسٍ أنَّه قال: كلُّ شيءٍ يسبِّح إلَّا الحمارَ والكلب. ولا أَرى لاستثناء ما ذكر وجهاً، وفي القلب من صحَّة الرواية عن الحبر شيءٌ، وكذا للتَّقييد بعدَ أنْ لم تكن الجماديةُ مانعةً عن التسبيح، والأخبارُ الظاهرةُ في عدم التقييدِ أكثرُ، ولا أظنُّ أنَّ لِمَا يخالفها امتيازاً عليها في الصحّة. ويُشكل على هذا القولِ ما تقدَّم عن الإمام من إِباء التذييلِ عنه، وعدمٍ وجود (١) الدر المنثور ١٨٤/٤. (٢) في تفسيره ٣٧٩/٢. (٣) في تفسيره ١٤ / ٦٠٦. (٤) في العظمة (١٢٦٢). سُؤَةُ الإِسْرَاةِ ٥٣٤ الآية : ٤٤ العلمِ الذي يستدعيه التسبيحُ القاليُّ في الجمادات. وتَفصَّى بعضُهم (١) عن هذا بالتزام أنَّ لكل شيءٍ حياةً وعلماً لائقَين به، ولا يطّلع على حقيقة ذلك إلَّ الله تعالى اللطيف الخبير، فكلُّ ما في العالَم عند هذا الملتزم حيٍّ عالم، لكنَّه متفاوتُ المراتبِ في العلم والحياة. ونقل الشعرانيُّ عن الخوَّاصَ أَنَّه قال: كلُّ جمادٍ يفهم الخطابَ ويتألَّم كما يتألَّم الحيوان. وقال الشيخُ الأكبرُ قدِّس سرُّه(٢): إنَّ المسمَّى بالجماد والنباتِ له عندنا أرواحٌ بَطَنت عن إدراك غيرِ الكشف إيَّاها في العادة، فالكلُّ عندنا حيٌّ ناطق، غيرَ أنَّ هذا المزاجَ الخاصَّ يسمَّى إنساناً لا غير بالصورة، ووقع التفاضلُ بين الخلائقِ في المزاج، والكلُّ يسبِّح اللهَ تعالى كما نطقت الآيةُ به، ولا يسبِّح إلا حيٍّ عاقل عالم عارفٌ بمسبَّحه، وقد ورد أنَّ المؤذِّن يشهد له مدى صوتهِ مِن رَظْبٍ ويابس(٣). والشرائعُ والنبوَّات مشحونةٌ بما هو من هذا القبيل، ونحن زدنا مع الإِيمان بالأخبار الكشفَ إلى آخر ما قال. واستدلَّ بعضُهم في هذا المقامِ بما رُوي عن النبيِّ وَّ أنه قال في دعائه للحمَّى: (يا أمَّ مِلْدَم، إن كنتِ آمنتِ بالله تعالى، فلا تأكلي اللحمَ، ولا تشربي الدَّمَ، ولا تفوري من الفم، وانتقلي إلى مَن يزعم أنَّ مع اللهِ تعالى آلهةً أخرى، فإنِّي أشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله))(٤). وجاء عن السجّاد(٥) رَُّه في الصَّحيفة في مخاطبة القمرِ ما هو ظاهرٌ في أنَّ له شعوراً. واستفاض عن عمرَ ظُهُ أَنَّه كتب للنِيل كتاباً يخاطبه فيه بما يخاطبه(٦)، وضرب الأرضَ بالدِّرَّة حين تزلزلت وقال لها: إني أَعْدِلُ عليك(٧). (١) التفصِّي: التخلص من المضيق والبلية. مختار الصحاح (فصا). (٢) في الفتوحات المكية ١/ ١٤٧ . (٣) ورد ذلك في أحاديث، منها حديث أبي سعيد الخدري ظُبه عند البخاري (٦٠٩). (٤) أورده بتمامه الديلمي في الفردوس (١٩٦٢) من حديث الحسن بن علي، وأخرجه عبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (١١٣) من حديث عائشة رضينا بنحوه .. (٥) هو علي بن الحسين (٦) أخرج الخبر اللالكائي في كرامات أولياء الله (٦٦). والأثر ضعيف لانقطاعه. (٧) ذكره السبكي في طبقات الشافعية ٣٢٤/١ وعزاه لإمام الحرمين في كتابه الشامل. الآية : ٤٤ ٥٣٥ سُؤَةُ الإشرارة وكم وكم في الأخبار نحوُ ذلك، قيل: ولا داعيَ لتأويلها؛ إذ لا أحدَ يقول: إنَّ شعورَ الجماداتِ كشعور الحيواناتِ الظاهرةِ بحيث يُدركه كلُّ أَحدٍ حتى يكونَ العملُ بظاهر اللفظِ خلافَ حسِّ العقلاء، فيجب ارتكابُ التأويل والتجوُّز. ومَن علم عِظَمَ قدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأنَّه سبحانه لا يُعجزه شيءٌ، وأنَّ المخلوقين على اختلاف مراتبِهم، لاسيَّما المنغمسين في أَوحال العلائقِ والعوائق الدُّنيوية، والمسجونين في سِجِّين الطبيعة الدَّنية، لم يقفوا على عُشِر العُشر ممَّا أُودع في عالم الإِمكان، ونُقش بيد الحِكمة على بُرود الأَعيان = سلَّم ما جاء به الصادقُ عليه الصلاة والسلام، وإنْ خالف ما عنده، نسب القُصورَ إلى نفسه، فربَّ فكرٍ يظنُّه المرءُ حقًّا وهو من الأَوهام، كما لا يخفى على من أَنصف ولم يتعسَّف. وعلى هذا الذي ذكروه لا تحتاج إِعادةُ ضميرٍ ذوي العلم في ((تسبيحهم)) على ما تقدَّم إلى توجيه. وتفصَّى آخَرُ عن الأوّل بأنَّ قوله تعالى: (إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) متعلِّق بقوله سبحانه: (سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ) ولا يخفَى ما في هذا التفصِّي. ولعل الأَوْلى فيه أن يلتزمَ حملُ التسبيحِ على ما هو الأعمُّ من الحاليِّ والقاليّ، ويثبتَ كلا النوعين لكلِّ شيءٍ، والتذييلُ باعتبار القصورِ في فقه الحاليِّ لا باعتبار القصورِ في فقه الآخر. ويُشكل أيضاً أنَّ مِن أفراد مَن نُسب إليه التسبيحُ الجحدُ فضلاً عن السَّاكت، فالحمل على المجاز واجب. وأجيب بأنَّ استثناء أولئك معلوم بقرينة السِّباق واللَّحاق، وزَعَمَ مَن زعم أنَّ الجاحدَ مقدِّس أيضاً، وأَنشدوا للحلَّاج: وعقلي فيك منهوسُ جُحودي لك تقديسٌ فما آدمُ إلَّاك وما في الكون إبليسُ وأنتَ تعلم أنَّ مثل هذا الحَلْجِ والنَّدْف صار سبباً لِمَا لاقى من الحتف، فماذا عسى أَقول سوى: حسبُنَا اللهُ ونِعمَ الوكيل. وقُرئ: ((لايُفقَّهون)) على صيغة المبنيِّ للمفعول من باب التفعيل(١). (١) تفسير أبي السعود ١٧٥/٥. سُؤَدَةُ الأَشْرَاةِ ٥٣٦ الآية : ٤٥ ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ الناطقَ بالتسبيح والتنزيهِ، ودعوتَهم إلى العمل بما فيه ﴿جَعَلْنَا﴾ بقدرتنا ومشيئتنا المبنيَّةِ على الحِكَم الخفية ﴿بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ وهم المشركون المتقدِّمُ ذِکرهم. وأُوثر الموصولُ على الضمير ذمًّا لهم بما في حيِّز الصلة، ويتُّ به مع ما سبق الإشارةُ إلى كفرهم بالمبدأ والمعاد. وفي ((إرشاد العقلِ السليم))(١): إنَّما خصَّ بالذِّكر كفرَهم بالآخرة من بين سائرٍ ما كفروا به من التوحيد ونحوِه؛ دَلالةً على أنَّها معظمُ ما أُمروا بالإيمان به في القرآن، وتمهيداً لِمَا سينقل عنهم من إِنكار البعثِ واستعجالهِ ونحو ذلك. اهـ. وفي كون الآخرةِ معظمَ ما أُمروا بالإِيمان به في القرآن تردّد، وربَّما يدَّعى أنَّ ذلك هو التوحيدُ، فالأَولى الاقتصارُ على أنَّه للتمهيد. ﴿حِجَابًا﴾ يَحجبهم مِن أن يُدركوك على ما أنتَ عليه من النبوّة وجلالةِ القدر؛ ولذلك اجترؤوا على التفوُّه بالعظيمة، وهي قولُهم: ﴿إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْخُورًا﴾ [الآية : ٤٧]. وأصلُ الحجابِ كالحجب: المنعُ من الوصول، فهو مصدرٌ، وقد أُريد به الوصفُ، أي: حاجباً ﴿مَسْتُورًا ﴾ أي: ذا سَتر، فهو للنَّسب كـ : رجلٍ مرطوب، ومكانٍ مَهول، وجاريةٍ مغنوجة، ومنه: ﴿وَعْدُهُ مَأْنِيًّا﴾ [مريم: ٦١] وكذا: سيلٌ مفعَم، بفتح العين، والأكثرُ مجيءُ فاعل لذلك، كـ : لابن وتامر. وجوِّز أن يكونَ الإِسنادُ مجازيًّا كما اشتهر في المثال الأخير. وعن الأخفش(٢) أنَّ مفعول يَرِد بمعنى فاعل، كـ : ميمون ومشؤوم؛ بمعنى يامن وشائم، كما أنَّ فاعل يَرِد بمعنى مفعول، كـ: ﴿مَّآوِ دَافِ﴾ [الطارق ٦]، فمستورٌ بمعنى ساتر، أو مستوراً عن الحسِّ، فهو على ظاهره، ويكون بياناً؛ لأنَّه حجابٌ معنويٌّ لا حسيٍّ، أو مستوراً في نفسه بحجابٍ آخَرَ، فيكون إيذاناً بتعدُّد الحُجُب، أو مستوراً كونُه حجاباً، حيث لا يدرون أنَّهم لا يدرون. (١) ٥/ ١٧٥ . (٢) في معاني القرآن ٢/ ٦١٣ . الآية : ٤٦ ٥٣٧ سُؤَةُ الإِسْراء وقيل: إِنَّه على الحذف والإِيصال، أي: مستوراً به الرسولُ وَله . ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطيةً، جمع: كِنان، والمرادُ - بمعونة المقام - التكثيرُ، أي: أَكِنَّةً كثيرة ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ مفعولٌ له بتقديرٍ مضاف، أي: كراهةً أن يقفوا على كُنھه ويَعرفوا أنَّه من عند الله تعالى. أو مفعولٌ به لفعل مقدَّر مفهوم من الجملة، أو من ((أكنة))، لا أنَّ ((جعلنا)) أو شيئاً ممَّا ذُكر قد ضُمِّنه كما يتوهّم، أي: منعناهم فِقِهَه والوقوفَ علی کُنھه. ﴿َوَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرَأْ﴾ُ صَمَماً وثقلاً عظيماً مانعاً من سماعه اللائقِ به، فإنَّهم كانوا يسمعونه من غير تدبُّر. وهذه - كما قال بعضُ المحقّقين - تمثيلاتٌ مُعرِبة عن كمال جهلهِم بشؤون النبيِّ وَّهِ، وفَرطِ نُبوٌّ قلوبِهم عن فهم القرآنِ الكريم، ومجِّ أسماعِهم له، جِيءَ بها بياناً لعدم فقههم فصيحَ المقال إِثْرَ بيانِ عدم فقهِهم دلالةَ الحال. وفيه إيذانٌ بأنَّ ما تضمَّنه القرآنُ من التسبيح في غاية الظُّهور، بحيث لا يتصوَّر عدمُ فهمه إلَّا لمانع قويٍّ يعتري المشاعرَ فيُبطلها، وتنبيهٌ على أنَّ حالَهم هذه أقبحُ من حالهم السّابقة. وحَمَلَ الآيةَ على ما ذُكر مَن لم يجعل التسبيحَ فيما سبق لفظيًّا، وعلى جَعْله لفظيًّا لا يَحسُن حملُها على ذلك كما لا يخفَى. هذا وقال بعضُهم: المرادُ بالحجاب ما يَحجبهم عن فهم ما يقرؤه عليه الصَّلاة والسلام، فقد أَخرج ابنُ جَرير وابنُ أبي حاتم عن قتادةَ أنَّه قال: الحجابُ المستور: أكثَّة على قلوبهم أنْ يفقهوه وأنْ ينتفعوا به (١). وإلى ذلك ذهب الزجَّاجُ(٢). وتعقِّب بأنَّه لا يلائم ((بينك وبين الذين)) إلخ إلَّا بتقدير مضافَين، أي: جعلنا بين فهم قراءتك، وأيضاً يلزم عليه التكرارُ من غير فائدةٍ جديدة. وأُجيب بأنَّ الظاهرَ أنه لا يقدَّر فيه، وإنَّما يَلزم لو كان حقيقةً، وهذا تمثيلٌ لهم في عدم إِسماع الحقِّ بمَن كان وراءَ جدارٍ وحجاب كما أنَّ الأكِثَّة كذلك، وأمّا حديثُ التَّكرارِ من غير فائدة، فمدفوعٌ بأنَّ قولَه تعالى: (وَجَعَلْنَا) إلخ تصريحٌ (١) الدر المنثور ١٨٦/٤، وتفسير الطبري ٦٠٨/١٤. (٢) في معاني القرآن ٢٤٢/٣. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٣٨ الآية : ٤٦ بما اقتضاه نفيُّ فصيح المقال، بعد نفي فهم دلالة الحال، من كونهم مطبوعين على الضَّلال. ولا يخفى على المنصف أولويةُ مَا تقدَّم. وعن الجبَّائي أنَّ المرادَ بالحجاب ما يَحجبهم عن إِيذاء الرسولِ بَّر، وذلك أنَّهم كانوا يقصدونه إذا قرأ ليؤذوه، فآمنه الله تعالى، وذَكَرَ له عليه الصلاة والسلام أنَّه جلَّ شأنُه جعل بينه وبينهم حجاباً عند القراءةِ فلا يُمكنهم الوصولُ إليه. وهو عندي ممَّا لا بأسَ به وإنْ ذكره في مَعرِض التفصِّي عن استدلال أصحابِنا بالآية على أنَّ الله تعالى يمنع عن الإِيمان مَن شاء كما يَهدي إليه مَن شاء، نعم هو دون الأوَّلِ عند مَن يتأمَّل. وقيل: المرادُ حجابُ منعهم رؤيةَ شخص النبيِّ وَّرِ وذاتهِ الكريمة؛ فقد أخرج أَبو يعلَى(١)، وابنُ أبي حاتم، والحاكمُ وصحَّحه(٢)، وابنُ مردويه، [وأبو نعيم] والبيهقيُّ معاً في ((الدلائل))(٣) عن أسماء بنت أبي بكرٍ رًِّا قالت: لمَّا نزلت: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ) أَقبلت العوراءُ أُتُّ جميل ولها وَلولةٌ وفي يدها فِهِرٌ (٤) وهي تقول: مذمَّماً أَبينـ ودينَه قَلَينا وأمرَه عصينا ورسولُ اللهِ نَّهِ جالسٌ وأبو بكرٍ إلى جنبه، فقال أبو بكر: لقد أَقبلَتْ هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال: ((إنَّها لن تراني))، وقرأ قرآناً اعتصم به، كما قال تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا) فجاءت حتى قامت على أبي بكر، فلم تَرَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا أَبا بكر، بلغني أنَّ صاحبَك هجاني، فقال أبو بكر: لا وربِّ هذا البيتِ ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد عَلِمِتْ قريشٌ أني بنتُ سيِّدِها. (١) في مسنده (٥٣). (٢) في المستدرك ٢/ ٣٦١. (٣) ٢/ ١٩٥، والخبر في الدر المنثور ١٨٦/٤ وما بين حاصرتين استدرك منه، ولم نقف عليه عند أبي نعيم في الدلائل. (٤) الفهر: الحجر ملء الكف، أو الحجر مطلقاً. اللسان (فهر). الآية : ٤٦ ٥٣٩ سُورَةُ الإِسْرَائِ وجاءَ في رواية أنَّها حين ولَّت ذاهبةً قال أبو بكر: يا رسولَ الله، إنَّها لم تَرَك، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((حالَ بيني وبينها جبريلُ عليه السلام))(١). وذكر الإِمامُ(٢) أنَّه كان ◌َّهِ إذا أراد تلاوة القرآن تلا قبلَها ثلاث آيات: قولَه تعالى في سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الآية: ٥٧] وقوله سبحانه في ((النحل)): ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الآية: ١٠٨] وقوله جلَّ وعلا في سورة حم الجاثية: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنَهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] فكان اللهُ تعالى يَحجبه ببركات هذه الآياتِ عن عيون المشركين، وهو المرادُ من قوله سبحانه: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَمَلْنَا) إلخ. واحتجَّ أصحابُنا بذلك على أَنَّه يجوز أن تكونَ الحاسَّةُ سليمةً ويكونَ المرئيُّ حاضراً مع أنَّه لا يرى، بسبب أنَّ الله تعالى يخلق في العين مانعاً يمنع من الرُّؤية، قالوا: إنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام كان حاضراً وحواسُّ الكفارِ سليمة وكانوا لا يرونه، وقد أَخبر سبحانه أنَّ ذلك لأجل أنَّه جعل بينه عليه الصلاة والسلام وبينَهم حجاباً مستوراً، ولا معنى للحجاب المستورٍ إلَّ المعنى الذي يَخلقه في عيونهم ويكونُ مانعاً لهم من الرُّؤية. انتهى. وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ حملَ الحجابِ على ما رُوي من حديث أسماء ممَّا لا يقبله الذوقُ السَّليم، ولا يساعده النَّظمُ الكريم. وكأنَّه أراد أنَّ حملَه في الآية على الحجاب المانع من الرُّؤية كذلك، فهو واردٌ على ما نُقل عن الإمام أيضاً، ويُعلَم منه حالُ احتجاجٍ الأصحاب مع ما يَرِد على قولهم فيه: ولا معنى للحجاب ... إلخ، من أنَّه مخالفٌ لِمَا في الرِّواية السابقةِ التي ذُكر فيها حيلولةُ جبريل عليه السلام، والخبرِ الذي أخرجه الدار قطنيُّ وغيرُه عن ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: ((كان بيني وبينها مَلَكٌ يسترني بجناحَيه حتى ذهبت))(٣) فإنَّ كِلَا الخبرَين ظاهرٌ في أنَّ المانع (١) الدر المنثور ١٨٦/٤، وعزاه لابن مردويه من حديث أبي بكر، وأخرجه البزار (٢٢٩٤ - ٢٢٩٥ كشف الأستار)، وأبو يعلى (٢٥)، وابن حبّان (٦٥١١) من حديث ابن عباس. بلفظ: ((لم يزل ملك يسترني منها بجناحه)). (٢) في التفسير الكبير ٢٢١/٢٠. (٣) الدر المنثور ١٨٦/٤، وعزاه لابن أبي شيبة، والدارقطني في الأفراد، وأبي نعيم في الدلائل. وينظر الحديث السالف. سُورَةُ الإِسْرَاءِ ٥٤٠ الآية : ٤٦ لم يكن في عيونهم، بل هو إمَّا جبريلُ عليه السلام، أو مَلَك آخَرُ حال بينه وَّهِ وبينهم فلم يَرَوه. لكن يبقى الكلامُ في أنَّ منع اللطيفِ الرؤيةَ خلافُ العادة أيضاً، وهو بحثٌ آخرَ فليتدبَّر. ثم إنَّ ما رُوي عن أسماءً ليس نصًّا في أنَّ الحجابَ في الآية هو الحجابُ المانعُ عن الرُّؤية، كما لا يخفى على مَن أَمعن النظر. وهذا القولُ إنَّما يُحتاج إليه إن اعتُبر تصحيحُ الحاكم، أو نصَّ على صحّته مَن اعتُبر تصحيحُه من المحدِّثين، أمَّا إذا لم يكن ذلك، فأمرُه سهل. وجَعَلَ الزمخشريُّ(١) ما تقدَّم حكايةً لِمَا قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُونَا إِلَّهِ وَفِّ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيِّنْكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] على معنى: جَعَلنا على زعمهم. ولم يرتضِه شيخُ الإِسلام(٢)؛ لأنَّ قصدهم بذلك إنَّما هو الإِخبارُ بما اعتقدوه في حقِّ القرآنِ والنبيِّ وَّر جهلاً وكفراً، من اتِّصافهما بأوصافٍ مانعةٍ من التصديق والإِيمان، ككون القرآنِ سحراً وشعراً وأَساطير، وقِس عليه حالَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، لا الإِخبارُ بأنَّ هناك أمراً وراءَ ما أدركوه وقد حال بينهم وبين إِدراكه حائلٌ من قِبَلهم. ولا ريبَ في أنَّ ذلك المعنى ممَّا لا يكاد يلائم المقام. انتهى. وقد يقال: حيث كان الكلامُ مسوقاً لتعداد قبائحِهم والإنكار عليهم، فالملاءمةُ مما لا ريبَ فيها. نعم اختيارُ الزمخشريِّ هذا الوجهَ ممَّا لا يخلو عن دسيسةٍ اعتزالية، ولا أظنُّها تخفَى عليك. ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ آلْقُرْءَانِ وَحْدَهُ﴾ أي: غيرَ مقرونٍ بذِكره ذكرُ شيءٍ من آلهتهم التي يزعمونها كما كانوا يقولون: بالله تعالى واللاتِ، مثلاً، ويَصدق هذا بذِكره سبحانَه مع نفي الآلهة. و ((وحده)) عند الزمخشريِّ(٣) مصدرُ الثلاثيّ، يقال: وَحَدَه يَحِده وَحْداً وَحِدةً، كوعده يَعِده وعداً وعِدَةً، وهو سادٌّ مسدَّ الحال بمعنى واحداً. وقيل: هو مصدرُ: أَوحدَ، على حذف الزَّوائد، وأصلُه: إيحاد، ومذهب سيبويه(٤) أنَّه ليس بمصدر، بل (١) في الكشاف٢/ ٤٥٢ . (٢) في إرشاد العقل السليم ١٧٦/٥ . (٣) في الكشاف ٢/ ٤٥٢ . (٤) انظر الكتاب ٣٧٦/١-٣٧٨.