Indexed OCR Text

Pages 501-520

الآية : ٣٣
٥٠١
سُورَةُ الإِشْرَاة
وقيل: بأن يَقتُلَ القاتلَ والمشروعُ عليه الدِّية. وأَخرج ابنُ أبي حاتم وغيرُه عن
قتادةَ أنَّه قال في الآية: مَن قَتل بحديدة قُتل بحديدة، ومَن قتل بخشبةٍ قُتل بخشبة،
ومَن قتل بحجرٍ قُتل بحجر، ولا يُقتل غيرُ القاتل(١). وفيه القولُ بأنَّ القتل بالمثقَّل
يوجِب القصاص، وهو خلافُ مذهبنا .
وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((فلا تُسرِفْ))(٢) بالخطاب للوليِّ التفاتاً، وقرأ أبو مسلم
صاحبُ الدولة(٣): ((فلا يُسرِفُ)) بالرَّفع على أنَّه خبرٌ في معنى الأَمر، وفيهٌ
مبالغةٌ ليست في الأمر.
﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴾﴾ تعليلٌ للنهي، والضمير للوليّ أيضاً، على معنى أنَّه
تعالى نصره بأن أَوجب القصاصَ أو الدِّية وأمر الحكّام بمعونته في استيفاء حقٌّه،
فلا يبلغ ما وراءَ حقّه، ولا يخرج من دائرة إِمرة النَّاصر.
وأَخرج ابن جَريرٍ وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتم عن مجاهدٍ أنَّ الضميرَ
للمقتول(٤)، على معنى أنَّ اللهَ تعالى نصره في الدنيا بأخذ القِصاص أو الدِّية، وفي
الأُخرى بالثَّواب، فلا يُسرف وليُّه في شأنه.
وجوِّز أن يعودَ على الذي أَسرف به الوليُّ، أي: إنَّه تعالى نصره بإيجاب
القصاصِ والتعزيرِ والوِزر على مَن أَسرف في شأنه.
وقيل: ضميرُ ((يُسرف)) للقاتل، أي: مريدُ القتل ومباشرُه ابتداءً؛ ونسبه في
(الكشّاف))(٥) إلى مجاهد، والضَّميران في التعليل عائدان على الوليٍّ أو المقتول،
وأُيِّد بقراءة أُبَي: ((فلا تسرفوا)) (٦) لأن القائلَ متعدِّد في النَّظم في قوله تعالى: (وَلَا
نَقْتُلُواْ)، والأصلُ توافقُ القراءتين، ولم تعيِّنْه لأنَّ الوليَّ عامٌّ في الآية، فهو في معنى
(١) الدر المنثور ١٨١/٤، وزاد نسبته لابن جرير وهو في تفسيره ١٤/ ٥٨٧.
(٢) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢.
(٣) هو عبد الرحمن بن مسلم، أبو مسلم الخراساني، هازم جيوش الدولة الأموية والقائم بإنشاء
الدولة العباسية. قتل في شعبان سنة (١٣٧هـ) وعمره (٣٧) سنة. السير ٤٨/٦. وقراءته في
المحتسب ٢٠/٢، والبحر ٣٤/٦.
(٤) الدر المنثور ٤/ ١٨١.
(٥) ٤٤٨/٢.
(٦) الكشاف ٤٤٨/٢، والبحر ٣٤/٦.

سُؤَة الأسرة
٥٠٢
الآية : ٣٤
الأولياءِ، فيجوز جمعُ ضميرِه بهذا الاعتبار، ويكون التفاتاً، وتوافقُ القراءتين ليس
بلازم، والمعنى: فلا يُسرف على نفسه في شأن القتلِ بتعريضها للهلاك العاجلِ
والآجل.
وفي ((الكشف)) أنَّه ردعٌ للقاتل على أسلوبٍ ﴿وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾
[البقرة: ١٧٩] والنهيُ عن الإِسراف لتصوير أنَّ القتلَ بغير حقِّ كيفما قدِّر إسراف،
ومعناه: فلا يقتل بغير حقِّ. وأنت تعلم أنَّ هذا الوجهَ غيرُ وجيه، فلا ينبغي التعويلُ
عليه .
وهذه الآيةُ - كما أَخرج غيرُ واحدٍ عن الضخَّاك - أوَّل آيَةٍ نزلت في شأن القتل،
وقد علمتَ أنَّ الأصحَّ أنه أكبرُ الكبائرِ بعد الشِّرك، وكونُ القتلِ العمدِ العدوانِ من
الكبائر مجمَعٌ عليه، وعدُّ شِبهِ العمدِ منها هو ما صرَّح به الهرويُّ وشريح الرُّوياني،
وأمَّا الخطأ، فالصوابُ أنَّه ليس بمعصية، فضلاً عن كونه ليس بكبيرة، فليُحفَظ.
﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِ﴾ نهي عن قِربانه لِمَا ذُكر سابقاً من المبالغة في النَّهي عن
التعرُّض له، وللتوسُّل إلى الاستثناءِ بقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِلَّى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي: إلَّا
بالخصلة والطريقة التي هي أَحسنُ الخصالِ والطَّرائق، وهي حفظُه واستثماره.
﴿حَ يَبْلُغَ أَخُذَّهُ﴾ غايةٌ لجواز التصرُّف على الوجه الأَحسنِ المدلولِ عليه
بالاستثناء، لا للوجه المذكورِ فقط.
والأَشُدُّ قيل: جمع شدِّ، كالأَضُرِّ جمع ضَرِّ. والشدُّ القوَّة، وهو استحكامُ قوةٍ
الشبابِ والسنِّ، كما أنَّ شدَّ النهار ارتفاعُه، قال عنترة:
عهدي به شدَّ النهار(١) كأنما خُضب البنَانُ ورأسُه بالعِظْلِمِ (٢)
وقيل: هو جمع شِدَّة، مثلُ نِعمة وأَنعُم. وقال بعضُ البصريِّين: هو واحدٌ مثل
الآنُك.
والمرادُ ببلوغه الأشدَّ بلوغُه إلى حيث يُمكنه بسبب عقلِهِ ورُشدِه القيامُ بمصالح
مالِه.
(١) في الديوان ص٢٧: مدَّ النهار.
(٢) العظلم: نبت يختضب به.

الآية : ٣٤
٥٠٣
سُورَةُ الإِسْرَةِ
ثم التصرُّفُ بمال اليتيم بنحو الأكلِ على غير الوجهِ المأذونِ فيه من الكبائر.
وترَّدد ابنُ عبدِ السلام بتقييده بنصاب السَّرقة، فقال في ((القواعد))(١): قد نصَّ
الشرعُ على أنَّ شهادة الزُّور وأكلَ مالِ اليتيم من الكبائر، فإنْ وقعا في مالٍ خطير
فهو ظاهرٌ، وإنْ وقعا في مالٍ حقير، كزبيبةٍ وتمرة، فيجوز أن يُجعلا من الكبائر
فطاماً عن جِنس هذه المفسدة، كالقطرة من الخمر، وإن لم تتحقَّق المفسدةُ،
ويجوز أن يُضَبَطَ ذلك بنصاب السَّرقة. اهـ.
وقد يفرّق بينهما بأنَّ في شهادة الزُّور مع الجراءة على انتهاك حرمةِ المالِ
المعصوم جراءةً على الكذب في الشَّهادة، بخلاف القليلِ من مال اليتيم فلا يُستبعَد
التقييدُ بهَ بخلافها. کذا قيل.
والحقُّ أن الآياتِ والأخبارَ الواردةَ في وعيد أكلِ مال اليتيم مطلقة، فتتناول
القليل والكثير، فلا يجوز تخصيصُها إلَّا بدليل سمعيٍّ، وحيثَ لا دليلَ كذلك،
فالتخصيصُ غيرُ مقبول، فالوجهُ أنَّه لا فرقَ بين أكلِ القليل وأكلِ الكثير في كونه
كبيرةً يستحقُّ فاعلُه الوعيدَ الشَّديد، نَعَم الشيءُ التافه الذي تقتضي العادةُ المسامحةَ
به لا يَبعد كونُ أكلهِ ليس من الكبائر، والله تعالى أعلم. وقد توصَّل القضاةُ اليومَ
إلى أكل مالِ اليتيم في صورة حِفظِهِ، عامَلَهم اللهُ تعالى بعدله، وأَذاقَ خائنهم في
الدَّارين جزاءً فعله.
﴿وَأَوْفُواْ بِلْعَهْدِّ﴾ ما عاهدتم اللهَ تعالى عليه من التزام تكاليفِه، وما عاهدتم عليه
غيرَكم من العباد، ويدخل في ذلك العقودُ. وجوِّز أن يكونَ المرادُ: ما عاهدكم اللهَ
تعالی علیه و کلّفکم به.
والإِيفاءُ بالعهد والوفاءُ به: هو القيامُ بمقتضاه والمحافظةُ عليه وعدمُ نقضهِ،
واشتقاقُ ضدِّه - وهو الغدرُ - يدلُّ على ذلك، وهو التركُ، ولا يكادُ يُستعمَل إلَّا
بالباء، فرقاً بينه وبين الإِيفاءِ الحسيِّ، كإيفاء الكيلِ والوزن.
﴿إِنَّ الْعَهْدَ﴾ أَظهرَ في مقام الإِضمارِ إظهاراً لكمال العنايةِ بشأنه. وقيل: دفعاً
لتوهُّم عودِ الضمير إلى الإِيفاء المفهوم من ((أوفوا)).
(١) ١٩/١-٢٠.

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٥٠٤
الآية : ٣٤
﴿ كَانَ مَسْئُولًا ﴿3﴾ أي: مسؤولاً عنه، على حذف الجارِّ وجعلِ الضميرِ بعد
انقلابهِ مرفوعاً مستكنًّا في اسم المفعول، ويسمَّى الحذفَ والإِيصال، وهو شائع.
وجوِّز أن يكونَ الكلامُ على حذفِ مضاف، أي: إنَّ صاحبَ العهدِ كان
مسؤولاً .
وقيل: لا حذفَ أصلاً، والكلامُ على التخييل، كأنَّه يقال للعهد: لم نُكثت
وهلَّا وُفي بك، تبكيتاً للنَّاكث، كما يقال للموؤدة: ﴿بِأَيِّ ذَنٍْ قُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٩]
وقد يعتبر فيه الاستعارةُ المكنيةُ والتخييلية.
وزعم بعضُهم أنَّه يجوز أن يُجعلَ العهد متمثّلاً على هيئةٍ مَن يتوجَّه عليه
السؤال، كما تُجسَّم الحسناتُ والسيئاتُ لتوزَن.
وجوِّز أن يكونَ ((مسؤولاً)) بمعنى: مطلوباً، من: سألتُ كذا، إذا طلبت،
وإسنادُ المطلوبيةِ إليه مجاز، والمراد: مطلوبٌ عدمُ إضاعته.
ويجوز أن يكونَ في الكلام مضافٌ محذوفٌ ارتفع الضميرُ واستتر بعد حذفِهِ.
والأَصلُ ما أشرنا إليه، وقد سمعتَ آنفاً أنَّ مِثلَ ذلك شائع، وليس في ذلك تعليلُ
الشيء بنفسه، فإنَّ المآلَ إلى أن يقال: أَوفوا بالعهد؛ فإنَّ عدمَ إضاعته لم تزل
مطلوبةً من كلِّ أحد، فتُطلب منكم أيضاً.
ثم إنَّ الإِخلال بالوفاءِ بالعهد على ما تقتضيه الأحاديثُ الصحيحةُ قيل: كبيرةٌ،
وقد جاء عن عليٍّ كرَّم اللهُ تعالى وجهَه أنَّه عدَّ من الكبائر نكثَ الصَّفقة، أي: الغدر
بالمعاهد، بل صرَّح شيخُ الإِسلام العلائيُّ بأنَّه جاء في الحديث عن النبيِّ وَّ أنَّه
سمَّاه كبيرة(١).
وقال بعضُ المحقّقين: إنَّ في إطلاق كونِ الإِخلال المذكورِ كبيرةً نظراً، بناءً
على أنَّ العهدَ هو التكليفاتُ الشرعية، فإنَّ من الإِخلال ما يكون كبيرةً، ومنه
(١) الزواجر ١٦٩/٢، ثم قال: لكن اعترضه الجلال البلقيني بأنه لم يرد في الأحاديث
المنصوص فيها على الكبائر النصُّ على أن ذلك كبيرة، قال: وإنما فيه وعيد شديد
كما تقدم. اهـ. والظاهر أنه أراد بما تقدم حديث أحمد (٨٦٩٢) والبخاري (٢٢٢٧): «ثلاثة
أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر ... )). انتهى كلام ابن حجر الهيتمي.

الآية : ٣٥
٥٠٥
سُورَةُ الإِسْراءِ
ما يكون صغيرةً، ويُنظَر في ذلك إلى حال المكلَّف به. ولعلَّ مَن قال: إنَّ الإِخلال
بالعهد كبيرةٌ، أراد بالعهد مبايعةً الإمام، وبالإِخلال بذلك نقضَ بيعته والخروجَ عليه
الغير موجِبٍ ولا تأويل، ولا شبهةً في أنَّ ذلك كبيرة، فليتأمَّل.
﴿وَأَوْفُوْ اْلْكَيْلَ﴾ أَتمُّوه ولا تُخسروه ﴿إِذَا كِلْتُمْ﴾ أي: وقتَ كيلِكم للمشترين،
وتقييدُ الأمرِ به لِمَا أنَّ التطفيفَ يكون هناك، وأمَّا وقت الاكتيالِ على الناسِ
فلا حاجةَ إلى الأَمر بالتعديل، قال تعالى: ﴿إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ الآية
[المطففين: ٢].
﴿وَزِيُواْ بِالْقِسْطَاسِ﴾ هو القَبَّان على ما رُوي عن الضخَّاك، ويقال له:
القَرَسْطُون، بلغة أهلِ الشَّام كما قال الأَزهريُّ(١). وقال الزجَّاج(٢): هو الميزان،
صغيراً كان أو كبيراً، منَ موازين الدَّراهم وغيرها. وقال الليث: هو أَقومُ
الموازين. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن قتادةَ أنَّه العدل، وعن الحسنِ أنَّه الحديد.
وهو روميٌّ معرَّب كما قال ابنُ دَريد؛ لفقد ماذَّته في العربية. وقيل: إنَّه عربيٍّ،
ورُوي القولُ بتعربيه وأنَّه الميزانُ في اللغة الروميةِ عن ابن جُبَير وجماعة. وقيل: هو
مرَّب من كلمتين: القسط، وهو العدل، وطاس، وهو كِفَّة الميزان، لكنه حُذف
أحدُ الطائين لأنَّ التركيب محلٌّ تخفيف. وهو كما ترى.
وعلى القول بأنَّه روميٌّ معرَّب - وهو الصحيحُ - لا يقدحُ استعمالُه في القرآن في
عربيّته المذكورةِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرُءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] لأنَّه بعد التعريبِ
والسَّماعِ في فصيح الكلام يصير عربيًّا، فلا حاجةَ إلى إنكار تعريبه، أو ادِّعاءِ
التغليب، أو أنَّ المراد عربيّ الأُسلوب.
وقد قرأه الكوفيُّون بكسر القاف، والباقون بضمِّها(٣)، وقد تُبدَل السِّين الأُولى
صاداً، كما أُبدلت الصادُ سيناً في الصِّراط.
﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ أي: العدل السَّويِّ، وهو يُبعد تفسيرَ القسطاسِ بالعدل.
(١) قال في تهذيب اللغة ٣٨٩/٩: وقال الزجاج: قيل للقسطاس: القرسطون، وقيل: هو
القبان.
(٢) في معاني القرآن ٢٣٨/٣.
(٣) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢.

سُؤَةُ الإشرارة
٥٠٦
الآية : ٣٥
ولعلَّ الاكتفاءَ باستقامته عن الأمر بإِيفاء الوزن - كما قال شيخُ الإِسلام(١) - لِمَا
أنَّ عند استقامتهٍ لا يتصوَّر الجَور غالباً، بخلاف الكيل، فإنَّه كثيراً ما يقع التطفيفُ
مع استقامة الآلة، كما أنَّ الاكتفاءَ بإيفاء الكيلِ عن الأمر بتعديله لِمَا أنَّ إيفاءَه
لا يتصوَّر بدون تعديلِ المكيال، وقد أُمر بتقويمه أيضاً في قوله تعالى: ﴿أَوْقُواْ
اَلْمِكْبَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [هود: ٨٥].
﴿ذَلِكَ﴾ أي: إيفاءُ الكيل والوزنِ بالقسطاس المستقيم ﴿خيّرٌ﴾ في الدنيا؛ لأنَّه
سببٌ لرغبة الناسِ في معاملة فاعلهِ وجلبِ الثناءِ الجميلِ عليه ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
أي: عاقبةً؛ لِمَا يترتَّب عليه من الثَّواب في الآخرة. والتأويلُ تفعيلٌ من: آل إذا
رجع، وأصلُه رجوع الشيءٍ إلى الغاية المرادةِ منه عِلماً، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا
يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧] أو فعلاً، كما في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ
تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] وقولِ الشاعر(٢):
وللتَّوى قبل يوم البَيْن تأويل
وقيل: المراد: ذلك خيرٌ في نفسه؛ لأنَّه أمانة، وهي صفةُ كمال، وأحسنُ
عاقبةً في الدنيا؛ لأنه سببٌ لميل القلوبِ والرغبةِ في المعاملة والذِّكر الجميلِ بين
الناس، ويُفضي ذلك إلى الغنى، وفي الآخرة؛ لأنه سببٌ للخلاص من العذاب،
والفوزِ بالثَّواب. وقيل: أحسنُ تأويلاً، أي: أحسنُ معنّى وترجمة.
ثم إنَّ إيفاءَ الكيلِ والوزن واجبٌ إجماعاً، ونقصُ ذلك من الكبائر مطلقاً، على
ما يقتضيه الوعيدُ الشديدُ لفاعله الواردُ في الآيات والأحاديثِ الصَّحيحةِ، ولا فرقَ
بين القليل والكثير، نعم قال بعضُهم: إنَّ التطفيفَ بالشيءِ التافهِ الذي يسامح به
أكثرُ الناسِ ينبغي أن يكونَ صغيرةً، فإن قلتَ: ذكروا في الغصب أنَّ غصبَ ما دون
رُبعِ دينار لا يكونُ كبيرةً، وقضيَّته أن يكونَ التطفيفُ كذلك، قلتُ: قيل: ذلك
مشكلٌ، فلا يقاس عليه، بل حُكي الإِجماعُ على خلافه. وقال الأَذرعيُّ: إنَّه تحديدٌ
لا مستند له. انتھی.
وعلى التنزُّل فقد يفرَّق بأنَّ الغصبَ ليس مما يدعو قليلُه إلى كثيره؛ لأنَّه
(١) في إرشاد العقل السليم ١٧١/٥ .
(٢) شطر بيت لعبدة بن الطبيب كما في المفضليات ص١٣٦، وسلف ٢٦/٤.

الآية : ٣٦
٥٠٧
سُؤَةُ الإسْرَاةِ
إنَّما يكون على سبيل القهرِ والغَلَبة، بخلاف التَّطفيف، فتعيَّن التنفيرُ عنه بأنَّ كلّ من
قليله وكثيرِه كبيرةٌ، أخذاً ممَّا قالوه في شرب القطرةِ من الخمر من أنَّه كبيرةٌ وإنْ لم
يوجَد فيها مفسدةُ الخمر؛ لأنَّ قليلَه يدعو إلى كثيره، ومثلُ التطفيفِ في الكيل
والوزنِ النقصُ في الذَّرع، ولا يكاد يسلمُ كيَّال أو وزَّان أو ذرَّاع في هذه الأَعصارِ
من نقص، إلَّا مَن عصمه الله تعالى.
﴿وَلَا نَقْفُ﴾ ولا تَتَبع. وأصلُ معنى قفا اتَّبع قفاه، ثم استُعمل في مطلق
الاتِّباع، وصار حقيقةً فيه.
وقُرئ: ((ولا تقفو))(١) بإثبات حرفِ العلّة مع الجازم، وهو شاٌّ. وقُرئ أيضاً:
((ولا تَقُفْ)) (١) بضمِّ القافِ وسكونِ الفاء، كتَقُل، على أنَّه أجوفُ مجزومٌ بالسكون،
وماضيه: قافَ، يقال: قاف أَثْرَه يَقوفه، إذا قصَّه واتَّبعه، ومنه القِيافة، وأصلُها
ما يُعلم من الأَقدام وأثرِها. وعن أبي عبيدةَ أنَّ قافَ مقلوبُ قفا، كجَذَبَ وجبذ.
وتُعقِّب بأنَّ الصحيح خلافُه.
﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْهٌّ﴾ أي: لا تتبع ما لا علمَ لك به من قولٍ أو فعل. وحاصلُه
يرجع إلى النَّهي عن الحكم بما لا يكون معلوماً، ويندرج في ذلك أمور، وكلٌّ من
المفسِّرين اقتصرَ على شيءٍ، فقيل: المراد نهيُ المشركين عن القول في الإلهيَّات
والنبوَّاتِ تقليداً للأَسلاف واتِّباعاً للهوى.
وأخرج ابن جَرير وابنُ المنذر عن محمد بن الحنفيةِ أنَّ المرادَ النهيُ عن شهادة
الزُّور(٢).
وقيل: المراد النهيُ عن القذف ورمي المحصَنين والمحصَنات، ومن ذلك قولُ
الگُميت:
ولا أرمي البريءَ بغير ذنبٍ ولا أَقفو الحواصنَ إن رُمينا(٣)
وروى البيهقيُّ في ((شُعَب الإِيمان)) وأبو نُعَيم في ((الحِلية)) من حديث
(١) البحر المحيط ٣٦/٦.
(٢) الدر المنثور ١٨٢/٤، وتفسير الطبري ١٤/ ٥٩٤.
(٣) ديوانه ص٤٦٦. الحواصن جمع حصان: وهي المرأة العفيفة المتزوجة.

سُؤَةُ الإِسْرَائِ
٥٠٨
الآية : ٣٦
معاذٍ بن أنس: ((مَن قفا مؤمناً بما ليس فيه يريد شَينَه به، حَبَسَه الله تعالى على جسر
جهَّمَ حتى يخرجَ مما قال»(١).
وقيل: المراد النهيُ عن الكذب، أَخرج ابن جَرير(٢) وغيرُه عن قتادةَ أنَّه قال
في الآية: لا تقل: سمعتُ، ولم تسمع، و: رأيت، ولم تَرَ.
واختار الإِمامُ العمومَ، قال(٣): إنَّ اللفظ عامّ يتناول الكلَّ، فلا معنى للتقييد.
واحتجَّ بالآية نفاةُ القياس؛ لأنَّه قفوٌ للظنِّ وحكمٌ به.
وأُجيب بأنَّهم أَجمعوا على الحكم بالظنِّ والعملِ به في صورٍ كثيرة، فمن ذلك:
الصلاةُ على الميِّت، ودفنُه في مقابر المسلمين، وتوريثُ المسلم منه بناءً على أنَّه
مسلم، وهو مظنونٌ، والتوجّه إلى القِبلة في الصلاة، وهو مبنيٌّ على الاجتهاد بأماراتٍ
لا تفيد إلَّ الظنَّ، وأكلُ الذبيحةِ بناءً على أنَّها ذبيحةُ مسلم، وهو مظنونٌ، والشهادة،
فإِنَّها ظنية، وقيمُ المتلَفات، وأُروشُ الجنايات، فإنَّها لا سبيلَ إليها إلَّا الظن. ومَن
نظر ولو بمُؤْخِر العين، رأى أنَّ جميع الأعمال المعتبرةِ في الدنيا، من الأَسفار،
وطلبِ الأَرباح، والمعاملاتِ إلى الآجال المخصوصة، والاعتمادِ على صَداقة
الأَصدقاء وعداوة الأعداء، كلَّها مظنونة، وقد قال وَّر: ((نحن نحكم بالظّاهر، واللهُ
تعالى يتولَّى السرائر)) (٤) فالنهيُ عن اتباع ما ليس بعلم قطعيِّ مخصوصٌ بالعقائد.
وبأنَّ الظنَّ قد يسمَّى عِلماً، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآَمَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ
فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَتِنٌّ فَإِنْ عَلْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٍَّ فَلَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُثَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فإنَّ
العلم بإيمانهنَّ إنَّما يكون بإقرارهنَّ، وهو لا يفيد إلَّ الظن.
(١) الشعب ١٠٩/٦، والحلية ١٨٨/٨-١٨٩، وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٨٨٣).
(٢) في تفسيره ١٤/ ٥٩٤.
(٣) في التفسير الكبير ٢٠٨/٢٠.
(٤) قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص١٦٢: لا وجود له في كتب الأحاديث المشهورة،
ولا الأجزاء المنثورة، وجزم العراقي بأنه لا أصل له، وكذا المزي وغيره. نعم في صحيح
البخاري [٢٦٤١] عن عمر: إنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. بل وفي مسلم
[(١٠٦٤): (١٤٤)] من حديث أبي سعيد رفعه: ((إني لم أومر أن أنقُبَ عن قلوب الناس)).
اهـ. وينظر كشف الخفاء ٢٢١/١-٢٢٣.

الآية : ٣٦
٥٠٩
سُورَةُ الاسْراءِ
وبأنَّ الدليل القاطعَ لمَّا دلَّ على وجوب العمل بالقياس، كان ذلك الدليلُ دليلاً
على أنَّه متى حصل ظنُّ أنَّ حكمَ اللهِ تعالى في هذه الصورةِ يساوي حكمَه في محلِّ
النص، فأنتم مكلَّفون بالعمل على وَفق ذلك الظن، فهاهنا الظنُّ واقعٌ في طريق
الحكم، وأمَّا ذلك الحكمُ، فهو معلومٌ متيقَّن.
وأجاب النُّفاةُ عن الأوَّل بأنَّ قوله تعالى: (وَلَا نَقْفُ) الآية، عامٌّ دخله
التخصيصُ فيما يذكرون فيه العملَ بالظن، فيبقى العمومُ فيما وراءه، على أنَّ بين
ما يذكرونه من الصُّور وبين محلِّ النِّزاع فرقاً؛ لأنَّ الأحكام المتعلّقة بالأول
مختصَّة بأشخاصٍ معيَّنين في أوقاتٍ معينة، فالتنصيصُ على ذلك متعذّر، فاكتُفي
بالظنِّ للضَّرورة، بخلاف الثاني، فإنَّ الأَحكام المثبتة بالأَقيسة كلِّية معتبرة في
وقائعَ كلِّية، وهي مضبوطةٌ، والتنصيصُ عليها ممكن، فلم يَجز الاكتفاءُ فيها
بالظنّ.
وعن الثاني بأنَّ المغايرةَ بين العلم والظنِّ ممَّا لا شبهةَ فيه، ويدلُّ عليها قولُه
تعالى: ﴿هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلٍّ فَتُخْرِجُوهُ لَنَاْ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ﴾ [الأنعام: ١٤٨]
والمؤمنُ هو المقرُّ، وذلك الإِقرارُ هو العلمُ، فليس في الآية تسميةُ الظنِّ عِلماً.
وعن الثالث بأنَّه إنما يتمُّ لو ثبت حجيةُ القیاس بدلیلٍ قاطع، وليس فليس.
وأَحسن ما يُمكن أن يقالَ في الجواب - على ما قال الإِمامُ(١) - أنَّ التمسُّك
بالآية تمسُّكٌ بعامٌّ مخصوص، وهو لا يفيد إلَّ الظن، فلو دلَّت على أنَّ التمسُّك
بالظنِّ غيرُ جائز، لدلَّت على أنَّ التمسكَ بها غيرُ جائز، فالقولُ بحجِّيتها يُفضي إلى
نفیه، وهو باطل.
وللمُجيب أن يقولَ: نعلم بالتواتر الظاهرِ مِن دِين النبيِّ وَّ أنَّ التمسكَ بآيات
القرآنِ حَّة في الشَّريعة.
ويمكن أن يجابَ عن هذا بأنَّ كون العامِّ المخصوصِ حجةً غيرُ معلومٍ بالتواتر،
فتأمَّل.
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ﴾ أي: كلُّ هذه الأعضاءِ. وأُشير إليها
(١) في التفسير الكبير ٢٠٨/٢٠.

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
٥١٠
الآية : ٣٦
بـ ((أولئك)) على القول بأنَّها مختصَّة بالعقلاء تنزيلاً لها منزلتهم، لمَّا كانت مسؤولةً
عن أحوالها شاهدةً على أَصحابها .
وقال بعضُهم: إنَّها غالبةٌ في العقلاء، وجاءت لغيرهم من حيث إنَّها اسمُ جمع
لذا، وهو يعمُّ القبيلَين، ومن ذلك قولُ جريرٍ على ما رواه غيرُ واحد:
ذَّ المنازلَ بعد منزلةِ اللِّوى والعيشَ بعد أولئك الأَّيامِ(١)
وعلى هذا لا حاجةً إلى التَّزيل وارتكابِ الاستعارةِ فيما تقدَّم.
كَنَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾﴾ كلُّ الضمائرِ ضمائرُ ((كل)) أي: كان كلٌّ من ذلك
مسؤولاً عن نفسه، فيقال له: هل استعملك صاحبُك فيما خُلقت له أم لا؟ وذلك
بعد جعلِه أهلاً للخطاب والسُّؤال. وجوِّز أن يكونَ ضميرُ ((عنه)) لـ ((كلّ))، وما عداه
للقافي، فهناك التفاتٌ، إذ الظاهرُ: كنتَ عنه مسؤولاً .
وقال الزمخشريُّ(٢): ((عنه)) نائبُ فاعل ((مسؤولاً)) فهو مسنَدٌ إليه، ولا ضميرَ
فيه، نحو : ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ .
وردَّه أبو البقاءِ (٣) وغيرُه بأنَّ القائم مقامَ الفاعلِ حكمه حكمُه في أنَّه لا يجوز
تقدُّمه على عامله كأصله. وذكر أنَّه حكى ابن النخَّاس الإِجماعَ على عدم جوازٍ
تقديم القائم مقامَ الفاعلِ إذا كان جارًّا ومجروراً، فليس ذلك نظيرَ (غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وليس لقائلٍ أن يقولَ: إنَّه على رأي الكوفيِّين في تجويزهم
تقديمَ الفاعل، إلّا أن ينازَعَ في صحَّة الحكاية، ونُقل عن صاحب ((التقريب)) أنَّه
إنما جاز تقديمُ ((عنه)) مع أنَّه فاعلٌ؛ لمحاً لأصالة ظرفيتِهِ، لا لعروض فاعليَّته،
ولأنَّ الفاعل لا يتقدَّم لالتباسه بالمبتدأ، ولا التباسَ هاهنا، ولأنَّه ليس بفاعلٍ
حقيقةً. اهـ. والإِنصافُ أنَّه مع هذا لا يُقال لما ذهب إليه شيخُ العربية: إنَّه
غلط .
وذكر في شرح نحوِ ((المفتاح)) أنَّه مرتفعٌ بمضمَر يفسِّره الظاهر، وجوِّز إخلاءُ
(١) ذيل الديوان ٢/ ٩٩٠. وروايته: أولئك الأقوام.
(٢) في الكشاف ٤٤٩/٢ .
(٣) في الإملاء ٤٨١/٣-٤٨٢.

الآية : ٣٦
٥١١
سُؤَةُ الإِسْرَةِ
المفسّر عن الفاعل إذا لم يكن فعلاً معلَّلاً بأصالة الفعلِ في رفع الفاعل، فلا يجوز
خلوُّه عنه، بخلاف اسمَي الفاعلِ والمفعول، تشبيهاً بالجوامد.
وتعقّبه في ((الكشف)) بأنَّ فيه نظراً، نقلاً وقياساً. أما الأوَّل فلتفرُّده به. وأمَّا
الثاني، فلأنَّ الاحتياجَ إليه من حيث إنَّه إذا جرى على شيءٍ لا بدَّ من عائدٍ إليه
ليرتبط به ويكونَ هو الذاتَ القائمَ هو بها إن كان فاعلاً أو ملابساً لتلك الذَّات،
وليس كالجوامد في ارتباطها بالسَّوابق بنفس الحَمل؛ لأنَّها لا تدلُّ على معنّى متعلِّقٍ
بذات، فالوجهُ أن يقال: حُذف الجارُّ واستتر الضميرُ بعده في الصِّفة، وقد سمعتَ
عن قربٍ أنَّ هذا من باب الحذفِ والإِيصال، وأنَّه شائع.
وجوِّز أن يكونَ مرفوعُ ((مسؤولاً)) المصدرَ، وهو السؤالُ، و((عنه)) في محلٌّ
النصب. وسأل ابنُ جِنِّي أبا عليٍّ عن قولهم: فيك يُرغَب، وقال: لا يرتفع بما بعده
فأين المرفوعُ؟ فقال: المصدرُ، أي: فيك يُرغب الرَّغَبُ، بمعنى: تُفعل الرغبةُ،
كما في قولهم: يُعطي ويمنع، أي: يفعل الإِعطاءَ والمنع.
وجوِّز أن يكونَ اسمُ ((كان)) أو فاعلُه ضميرَ ((كل)) محذوفَ المضاف، أي: كان
صاحبُه عنه مسؤولاً، أو: كان عنه مسؤولاً صاحبُه، فيقال له: لم استعملتَ السمعَ
فيما لا يَحلُّ، ولِمَ صرفت البصرَ إلى كذا، والفؤادَ إلى كذا؟
وقرأ الجرَّاحِ العقيليُّ: (والفَوَادَ)) بفتح الفاءِ وإِبدالِ الهمزة واواً(١). وتوجيهُها
أنَّه أُبدلت الهمزةُ واواً لوقوعها مع ضمَّةٍ في المشهور، ثم فُتحت الفاءُ تخفيفاً،
وهي لغةٌ في ذلك، ولا عِبرةً بإِنكار أبي حاتمٍ لها .
واستدلَّ بالآية على أنَّ العبد يؤاخذ بفعل القلب، كالتَّصميم على المعصية
والأَدواءِ القلبِيَّة، كالحقد والحسدِ والعُجب، وغيرِ ذلك. نعم صرَّحوا بأن الهمّ
بالمعصية من غير تصميم لا يؤاخذ به؛ للخبر الصحيحِ في ذلك(٢). ثم إنَّ اتِّباع
الظنِّ يكون كبيرةً ويكون صغيرةً، حَسَب أنواعِه وأصنافِهَ، ومنه ما هو أكبرُ الكبائر
كما لا يخفى، نسأل اللهَ تعالى أن يَعصمَنا عن جميع ذلك.
(١) القراءات الشاذة ص٧٦، والمحتسب ٢١/٢، والبحر ٣٦/٦.
(٢) يقصد قوله وَّيلر: ((قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ... )) أخرجه
البخاري (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٨) من حديث أبي هريرة ـ

سُورَة الاسْرَةِ
٥١٢
الآية : ٣٧
﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَجًّاً﴾ أي: فخراً وكِبْراً. قاله قتادة. وقال الرَّاغب(١):
المرح: شدَّة الفرحِ والتوسُّعُ فيه. والأوَّل أَنسب.
وهو مصدرٌ وقع موقعَ الحال، والكلامُ في مِثله إذا وقع حالاً أو خبراً أو صفةً
شائعٌ. وجوِّز أن يكونَ منصوباً على المصدريَّة لفعلٍ محذوف، أي: تمرحُ مرحاً.
وأن يكونَ مفعولاً له، أي: لأَجْل المرح.
وقُرئ: ((مَرِحاً) بكسر الراءِ (٢) على أنَّه صفة مشبَّهة، ونصبُه على الحاليّة لا غير.
قيل: وهذه القراءةُ باعتبار الحكم أَبلغُ من قراءة المصدرِ المفيد للمبالغة بجعله
عينَ المَرَح، نظيرُ ما قيل في: زيدٌ عدَلٌ؛ لأنَّ الوصف واقعٌ في حيِّز النهي الذي هو
في معنى النَّفي، ونفيُ أصلِ الاتِّصاف أبلغُ من نفي زيادتهِ ومبالغته؛ لأنه ربَّما يُشعر
ببقاء أصلِه في الجملة، وجَعْلُ المبالغةِ راجعةً إلى النفي دون المنفيِّ كما قيل في
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبِّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] بعيدٌ هنا، والقولُ بأنَّ الصفة
المشبَّهة تدلُّ على الثبوت فلا يقتضي نفيُ ذلك نفيَ أصله كما قيل في
المصدر = مغالطةٌ نشأت من عدم معرفةٍ معنى الثبوتِ في الصِّفة، فإنَّ المرادَ به أنَّها
لا تدلُّ على تجدُّدٍ وحدوث، لا أنَّها تدلُّ على الدوام.
والأخفشُ فضَّل القراءةَ بالمصدر لِمَا فيه من التأكيد(٣)، ولم ينظر إلى أنَّ ذلك
في الإِثبات لا في النفي أو ما في حكمه. وأورد على ما قيل أنَّ فيه تفضيلَ القراءةِ
الشاذّة على المتواترة. وهو كما ترى. ولذا فضَّل بعضُهم القراءةَ بالمصدر
كالأخفش، وجعل المبالغةَ المستفادةَ منه راجعةً إلى النَّهي، ومنع كونَ ذلك بعيداً.
وقيل: إذا جُعل التقديرُ في المتواترة: ذا مَرَحِ، تَّحد مع الشاذَّة. وتُعقِّب بأنَّ:
ذا مرحٍ، أبلغُ مِن: مَرِحاً، صفةً؛ لِمَا فيه من الدّلالة على أنَّه صاحبُ مَرَح وملازمٌ
له، كأنَّه مالكٌ إياه، وفيه توقُّف كما لا يخفى.
(١) في المفردات (مرح).
(٢) القراءات الشاذة ص٧٦.
(٣) كذا قال المصنف رحمه الله تعالى، ونقلها عن الشهاب في حاشيته ٣٣/٦، والذي في
معاني القرآن للأخفش ٦١٢/٢: والمكسورة أحسنهما.

الآية : ٣٧
٥١٣
سُؤَدَقُ الاسْرَةِ
والتقييدُ بالأرض لا يصحُّ أن يقالَ: للاحتراز عن المشي في الهواءِ أو على
الماء؛ لأنَّ هذا خارقٌ، ولا يحترز عنه، بل للتَّذكير بالمبدأ والمعاد، وهو أَردعُ عن
المشي مِشيةَ الفاخرِ المتكبِّر، وأدعَى القَبول الموعظة، كأنَّه قيل: لا تمشٍ فيما هو
عنصرُك الغالبُ عليك الذي خُلقت منه وإليه تعود، والذي قد ضمَّ مِن أمثالك كثيراً
مشيةَ الفاخرِ المتكبِّر.
وقيل: للتنصيص على أنَّ النهيّ عن المشي مرحاً في سائر البُقَع والأماكن
لا يختصُّ به أرضٌ دون أرض. والأوَّلُ أَلطف.
﴿إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ تعليلٌ للنهي، وفيه تهكُّم بالمختال، أي: إنَّك لن تقدرَ أن
تجعلَ فيها خَرْقاً بدَوسك وشدَّة وطأتك ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ لْلِبَالَ﴾ التي عليها ﴿طُولًا
بتعاظُمك ومَدِّ قامتِك فأين أنت والتكبُّرُ عليها؟! إذ التكبُّر إنَّما يكون بكثرة القوَّة وعِظَم
الجُثّة، وكلاهما مفقودٌ فيك، أو: إنَّك لن تقدرَ على ذلك، فأنت أضعفُ من كلِّ
واحدٍ من هذين الجمادین، فکیف یلیق بك التکبُّر؟!
وقال بعضُ المحقّقين: مآلُ النَّهي والتعليل: لا تفعلْ ذلك؛ فإنَّه لا جدوَى فيه.
وهو وجهٌ حسن.
ونصب ((طولاً)) على أنَّه تمييز، وجوِّز أن يكونَ مفعولاً له. وقيل: يُشير كلامُ
بعضِهم إلى أنَّه منصوبٌ على نزع الخافض، وهو بمعنى التطاول، أي: لن تبلغَ
الجبالَ بتطاولك. ولا يخفَى بُعدُه.
وإِيثارُ الإِظهارِ على الإِضمار حيث لم يقل: لن تَخرِقَها؛ لزيادة الإِيقاظِ
والتقريع.
ثم إنَّ الاختيالَ في المشي كبيرةٌ كما تدلُّ عليه الأحاديثُ الصحيحة(١)، وهذا
فيما عدا بين الصفَّين، أمَّا بينهما فهو مباٌ لخبرٍ صحَّ فيه(٢). ويكفي ما في الآية من
(١) من ذلك قوله وَله ((بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى
يوم القيامة)). أخرجه البخاري (٣٤٨٥) من حديث ابن عمر رقـ
(٢) يقصد قوله و 98 لأبي دجانة سماك بن خرشة ه: ((إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا
الموضع)). أخرجه الطبراني في الكبير (٦٥٠٨) عن خالد بن سليمان بن عبد الله بن خالد بن
=

سُورَةُ الإِسْرَةِ
٥١٤
الآية : ٣٨
التهكُّم والتقريع زاجراً لمن اعتاده حيث لا يباح، ككثيرٍ من النَّاس اليوم.
وفي ((الانتصاف))(١): قد حفظ اللهُ تعالى عوامَّ زمانِنا من هذه المِشية، وتورَّط
فيها قرَّاؤنا وفقهاؤنا، بينا أحدُهم قد عرف مسألتين، أو أَجلسَ بين يديه طالبين، أو
نال طرفاً من رياسة الدنيا، إذ هو يمشي خُيلاءَ، ولا يرى أنَّه يطاول الجبالَ، ولكن
يرى أنَّه يحكُّ بيافوخه عَنانَ السماءِ، كأنَّهم على هذه الآية لا يمرُّون، أو يمرُّون
عليها وهم عنها مُعرِضون. اهـ.
وإذا كان هذا حالَ قرَّاءِ زمانه وفقهائه، فماذا أقول أنا في قرَّاء زماني وفقهائهم
سوى: لا كثَّر اللهُ تعالى أمثالَهم، ولا ابتلانا بشيءٍ من أفعالهم، وجعلها أَفعَى لهم؟
﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ المذكورِ في تضاعيف الأَوامرِ والنَّواهي السابقةِ من الخصال
المنحلَّة إلى نيِّف وعشرين ﴿كَانَ سَيِّئُهُ﴾ وهو ما نُهي عنه منها من الجَعل مع الله
سبحانه إلهاً آخَرَ، وعبادةٍ غيرِه تعالى، والتأفيف، والنَّهر، والتبذير، وجعلِ اليد
مغلولةً إلى العنق، وبسطِها كلَّ البسط، وقتلِ الأولاد خشيةَ إِملاق، وقتلِ النفس
التي حرَّم اللهُ تعالى إلَّا بالحقِّ، وإسرافِ الوليِّ في القتل، وقفوِ ما ليس بمعلوم،
والمشي في الأرض مَرَحاً. فالإضافةُ لامية من إضافة البعض إلى الكلِّ. ﴿عِندَ رَبِّكَ
مَكْرُوهًا ﴾﴾ أي: مبغَضاً وإنْ كان مراداً له تعالى بالإرادة التكوينيَّة، وإلَّا لَمَا وقع،
كما يدلُّ عليه قولُهُ وَّهِ: ((ما شاء اللهُ تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن))(٢) وغيرُ
ذلك. وليست هذه الإرادةُ مرادفةً أو ملازمة للرِّضا ليلزمَ اجتماعُ الصِّدَّين: الإِرادة
المذكورة، والكراهة، كما يزعمه المعتزلة.
وهذا تتميمٌ لتعليل الأمورِ المنهيّ عنها جميعاً. ووصفُ ذلك بمطلق الكراهةِ مع
أنَّ أكثرَه من الكبائر؛ للإِيذان بأنَّ مجرَّد الكراهةِ عنده تعالى كافيةٌ في وجوب الكفّ
عن ذلك.
وتوجيهُ الإِشارة إلى الكلِّ ثم تعيينُ البعضِ دون توجيهِها إليه ابتداءً؛ لِمَا قيل
= سماك بن خرشة، عن أبيه، عن جده. قال الهيثمي في المجمع ١٠٩/٦: فيه من لم أعرفه.
(١) ٤٤٩/٢ - ٤٥٠.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٧٥)، والنسائي في الكبرى (٩٧٥٦) عن بعض بنات النبي وَّد.

الآية : ٣٨
٥١٥
سُؤَدَّةُ الإِسْرَاةِ
من أنَّ البعضَ المذكورَ ليس بمذكورٍ جملةً، بل على وجه الاختلاطِ لنكتةٍ اقتضته.
وفيه إشعارٌ بكون ما عداه مرضيًّا عنده سبحانه، وإنَّما لم يصرِّح بذلك إِيذاناً بالغنَى
عنه، وقيل: اهتماماً بشأن التنفيرِ عن النَّواهي؛ لِمَا قالوا من أنَّ التخليةَ أَولى من
التحلية، ودرءَ المفاسدِ أهمُّ من جلب المصالح.
وجوِّز أن تكونَ الإضافةُ بيانيةً، و((ذلك)) إمَّا إشارةٌ إلى جميع ما تقدَّم، ويؤخَذ
من المأمورات أضدادُها، وهي منهيٌّ عنها كما في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئً
وَبِأَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الأنعام: ١٥١] بعد قولِه سبحانه: (قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ)، وإمَّا إشارةٌ إلى ما نُهي عنه صريحاً فقط.
وقرأ الحجازيَّان والبصريان: ((سيِّئةً) (١) بفتح الهمزةِ وهاءِ التأنيث، والنصبِ
على أنَّه خبرُ ((كان))، والإِشارةُ إلى ما نُهي عنه صريحاً وضمناً، أو صريحاً فقط،
و((مكروهاً) قيل: بدلٌ من ((سيِّئةً)) والمطابقةُ بين البدلِ والمبدَل منه غيرُ معتبرة.
وضعِّف بأنَّ بدل المشتقِّ قليل.
وقيل: صفةُ ((سيِئةً)) محمولةٌ على المعنى، فإِنَّها بمعنى سيِّئاً، وقد قُرئ به(٢)،
أو أنَّ السيئةَ قد زال عنها معنى الوصفيةِ وأُجريت مُجرى الجوامد، فإنَّها بمعنى
الذَّنْب، أو تجري الصفةُ على موصوف مذكَّر، أي: أمراً مكروهاً.
وقيل: إِنه خبرٌ لـ ((كان)) أيضاً، ويجوز تعدُّد خبرِها على الصحيح.
وقيل: حالٌ من المستكِنَّ في ((كان)) أو في الّرف، بناءً على جعله صفةَ ((سيئة))
لا متعلِّقاً بـ ((مكروهاً)) فيستترَ فيه ضميرُها، والحالُ على هذا مؤكِّدة.
وأنت تعلم أنَّ ضميرَ السيئةِ المستترَ مؤنَّث، فجَعْلُ ((مكروهاً)) حالاً منه كجعله
صفةَ ((سيئة)) في الاحتياج إلى التأويل. وإضمارُه مذكَّراً كما في قوله:
ولا أرضَ أَبقلَ إيقالَها(٣)
لا یخفَی ما فيه.
(١) التيسير ص ١٤٠، والنشر ٣٠٧/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ٧٧ .
(٣) شطر بيت لعامر بن جوين الطائي، وهو في الكتاب ٤٦/٢، وسلف ٢٣٩/٢.

سُورَةُ الإِسْراءِ
٥١٦
الآية : ٣٩
وعن أبي بكرِ الصِّديق ◌َُّهُ أنَّه قرأ: ((شأنُه))(١).
﴿ذَلِكَ﴾ المتقدِّمُ في التكاليف المفصّلة ﴿مِنَّا أَوْحَىّ إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾ أي: بعضُ منه،
أو من جِنسه ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ التي هي علمُ الشَّرائع، أو معرفةُ الحقِّ سبحانه لذاته،
والخيرِ للعمل به، أو الأحكامُ المحكمة التي لا يتطرّق إليها النسخُ والفساد.
وفي ((الكشّاف))(٢) عن ابن عبّاس: هذه الثماني عشرةَ آيَةً، يعني مِن ((لا تجعل))
فيما مرَّ إلى ((ملوماً مدحوراً)) بعدُ، كانت في ألواح موسى عليه السلام، وهي عشرُ
آياتٍ في التوراة.
وفي ((الدُّرّ المنثور)(٣): أَخرج ابن جَريرٍ عن ابن عباسٍ ظُها أنَّ التوراة كلَّها في
خمسَ عشرةَ آيَةً من بني إسرائيل، ثم تلا: (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ لَلَّهِ إِلَهًا ءَآخَرَ) وهذا أَعظمُ
مدحاً للقرآن الكريم ممَّا في ((الكشّاف)).
و((من)) إمَّا متعلقة بـ ((أَوحى))، على أنَّها تبعيضيةٌ أو ابتدائية، وإمَّا بمحذوفٍ وقع
حالاً من الموصول، أو عائدِه المحذوف، أي: من الذي أَوحاه إليك ربُّك كائناً من
الحكمة. وجوِّز أن يكونَ الجارُّ والمجرورُ بدلاً من ((ما)).
﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الخطابُ نظيرُ الخطابِ السَّابق، كرِّر للتَّنبيه على
أنَّ التوحيد مبدأُ الأمرِ ومنتهاه، وأنَّه رأسُ كلِّ حكمةٍ ومِلاكُها، ورتَّب عليه أوَّلاً
ما هو عائدةُ الشِّركِ في الدنيا حيث قال: ((فتقعد مذموماً مخذولاً)) ورتَّب عليه هاهنا
نتيجتَه في العُقبَى فقيل: ﴿فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ من جهة نفسِك ومن جهة غيرِك
﴿مَّدْحُورًا ﴾﴾ مبعداً من رحمة الله تعالى.
وفي ((التفسير الكبير)) (٤): الفرقُ بين المذمومِ والملومِ أنَّ المذمومَ هو الذي
يُذكر أنَّ الفعلَ الذي أَقدم عليه قبيحٌ ومنكر، والملَومَ هو الذي يقال له: لِمَ فعلت
مِثلَ هذا الفعل؟ وما الذي حملك عليه؟ وما استفدت منه إلَّا إلحاقَ الضَّررِ بنفسك؟
(١) الكشاف ٢/ ٤٥٠ .
(٢) ٢ /٤٥٠.
(٣) ٤ / ١٨٢.
(٤) ٢٠ / ٢١٤.

الآية : ٣٩
٥١٧
سُؤَةُ الإِسْرَاة
ومن هذا يُعلم أنَّ الذمَّ يكون أوَّلاً واللومَ آخراً. والفرقُ بين المخذولِ والمدحورِ أنَّ
المخذولَ عبارةٌ عن الضعيفِ يقال: تخاذلت أعضاؤه، أي: ضَعُفت، والمرادُ به مَن
تُركت إعانته وفوِّض إلى نفسه، والمدحورَ المطرودُ، والمرادُ به المهانُ والمستخفُّ
به. انتھی.
وفي إِيراد الإلقاءِ مبنيًّا للمفعول جَرْيٌ على سَنَن الكبرياء، وازدراءٌ بالمشرك،
وجعلٌ له كخشبةٍ يأخذها مَن كان فيُلقيها في التُّّور.
هذا وقد وحِّد الخطابُ في بعض هذه الأَوامرِ والنَّواهي، وجُمع في بعضٍ آخرَ
منها، ولم يظهر لي سِرُّ اختيارٍ كلٌّ من التوحيد والجمع فيما اختير فيه على وجهٍ
يَسلم من القيل والقال، ويَهَشُّ له كُمَّلُ الرِّجال. وقد ذكرَتُ ذلك لبعض أَحبابي من
أجِلَّة المحقّقين ورؤساءِ المدرِّسين، وطلبتُ منه أن يحرِّرَ ما يظهر له، حيث إنِّي
محقِّق كمالَه وفضلَه، فكتب ما نصّه: أقول معترفاً بالقصور، محترزاً عن الغرور،
معتذراً بالقول المأثور: المأمورُ معذور: يخطر على خاطر الفقيرِ: لتغيير أسلوب
الخطاب وجوهٌ تسعةٌ لا تدخل في الحساب:
الأوَّل: الإِشعارُ بانقسام هذه التكاليفِ إلى أقسامٍ ثلاثة:
قسم أهلِ الكلِّ خوطب به الأمَّةُ مرتين: مرةً تصريحاً بخطاب أنفسِهم، ومرةً
تعريضاً بخطاب رسولِهِم ◌َّ، وهذا الأهم هو التوحيد.
وقسم مهمٌّ جدًّا، لكن دون الأوَّل، خوطبوا به واحدةً تصريحاً، وهو أمورٌ
سبعة: الأوَّل: مطلقُ الإِحسان بالوالدين، فإنَّ انتفاءه - بألّا يُحسِنَ إليهما أصلاً - من
أشدِّ مراتبِ العقوق. والثاني: تركُ قتلِ الأولاد. والثالث: الزِّنى. والرابع: تركُ
قتلِ النفس المحرَّمة إلَّا بالحقِّ. والخامس: تركُ التصرُّف في مال اليتيمِ إلَّا بالتي
هي أحسن. والسادس: الإيفاءُ بالعهد. والسابع: الوزنُ بالقسطاس المستقيم.
وقسمٌ ثالثٌ دون الأوَّلَين في المهمية، خوطبوا به واحدةً تعريضاً، وهو أيضاً
أمورٌ أحدَ عشر: الأوَّل: تركُ قولِ أنَّ للوالدين. والثاني: تركُ النَّهْر؛ فإنَّ التأفيفَ
والنهرَ من أَهون مراتبِ العقوق، بخلاف تركِ الإِحسان مطلقاً. والثالث: قولُ القولِ
الكريمِ لهما. والرابع: خفضُ الجَناح من الرَّحمة. والخامس: الدعاءُ برحمة اللهِ

سُؤَدَةُ الإِسْرَاةِ
٥١٨
الآية : ٣٩
تعالى. وهذه الثلاثةُ تَرْكها ليس كترك مطلقِ الإحسان مثلاً. والسادس: تركُ إيتاءٍ
حقِّ ذي القربى والمساكينِ وابنِ السبيل. وظاهرٌ أنَّ عدم القيامِ بإيتاء مجموعٍ
الحقوقِ الثلاثة أهونُ من ترك الأمورِ المذكورةِ في القِسم الثاني. والسابع:
تركُ التبذير. والثامن: قولُ القولِ الميسور. والتاسع: العدلُ في المنع والعطاء.
والعاشر: تركُ القَفو لما ليس به علمٌ، الصادق على القول بموجب الظنِّ مثلاً.
والحادي عشر: تركُ المشي مَرَحاً. وتركُ واحدٍ من هذه الخمسة أيَّها كان لا يبلغ
تركَ واحدٍ من الأمور المكلّف بها المذكورةِ في القِسم الثاني كما لا يخفَى.
والثاني من تلك الوجوه: الإيماءُ باقتران خطابٍ الأمَّة في النَّهي عن كبائرَ
خطيرةٍ مثلاً بخطابه وَ ﴿ عمَّا ليس في خطرها إلى أنَّ الذنوبَ تزداد عِظَماً بعظم
مرتكبِها فرضاً، كما يدلُّ عليه آية: ﴿وَلَوْلَا أَنْ نَبَّْتَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا
VE
قَلِيلًا
إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ اٌلْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ -٧٥] وكريمة:
﴿َنِسَآءَ النَّبِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَحِشَةٍ مُبِيِنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾
[الأحزاب: ٣٠]. وكما اشتهر أنَّ حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقرَّبين، وأنَّ المقرَّبين
على خطرٍ عظيم، لكن لن تُراعَ هذه النكتةُ في النَّهي عن الشِّرك إشارةً إلى أنَّه في
غاية العِظَم، بحيث لا ينبغي أن يتصوَّرَ في عظمه ازديادٌ وتفاوت الأفراد. أو نقول:
لمَّا عارضت هذه النُّكتةَ نكتةٌ أخرى؛ رجّحت لكونها بالرِّعاية أَحَرَى، وهي الإشارةُ
إلى أنَّ الشِّرك كان عند اللهِ سبحانه عظيماً، فكُرِّر الخطابُ بالنهي عنه تخصيصاً
وتعميماً. وهكذا نقول في عدم رعايةٍ نكتةِ الوجوه الآتيةِ في التكليف بالتوحيد،
ولا نُعید.
والثالثُ من تلك الوجوه: التنبيهُ بتعميم الخطابٍ في النَّهي عن بعض المعاصي
والأمرِ ببعض الطاعاتِ على أنَّ فتنةَ فعلٍ تلك المعاصي وتركِ تلك الطاعاتِ
لا تُصيب الذين ظلموا خاصَّة.
والرابعُ منها: الإشارةُ بتعميم الخطاب فيما عمِّم فيه من المنهيَّات والمأموراتِ
إلى أنَّ تلك المنهياتِ كما يجب على كلِّ مكلَّفِ الانكفافُ عنها يجب عليه كفُّ
الغير، بحيث لو تركه لَكان كفاعلها في أنَّه اقترف كبيرةً نُهي عنها نهيَ تلك
المنهيَّات، وإلى أنَّ تلك المأموراتِ كما يجب على الكلِّ أداؤها يجب إجبارُ التاركِ

الآية : ٣٩
٥١٩
سُورَةُ الاسْراة
على أدائها، بحيث لو لم يُجبَر لَكان كتاركها في أنَّه ترك واجباً أُمر به أمرَ تلك
المأمورات، وبتخصيص الخطابٍ فيما خصِّص فيه إلى أنَّه ليس بتلك المثابة، فإنَّه
وإنْ وجب إجبارُ الغيرِ على بعض تكاليفه، لكن عسى ألَّا يكونَ تركُه كبيرة.
والخامس: الرمزُ بتوحيد الخطابِ فيما وحِّد فيه أنَّ تلك الطاعةَ لا تَصدر إلَّا
من الآحاد، لأنَّها لا يوفي حقَّها إلَّ المتورِّعون الصالحون، وقليلٌ ما هم، بخلاف
غيرِها فإنَّه مضبوط.
والسادس: الإشعارُ بأنَّ التكاليفَ التي خوطب بها النبيُّ وَّهِ والمرادُ أمَّتُه
لا يقوم بها حقَّ القيام إلّا هو، أو مَن يقتدي بأنواره، ويقتفي لآثاره، ويسعَى في
اتِّباع سَننه القويم، ويجتهد في التخلَّق بخُلقه الكريم، بخلاف غيرِها ممَّا خوطبوا به
صريحاً، فإنَّها تأتي من أغلبهم.
والسابع: أنه صُرِف الخطابُ عنه وَّه في النهي عن قتل الأولادِ والزِّنى وقتلٍ
النفس المحرَّمة إلَّا بالحقِّ والتصرفِ في مال اليتيمِ إلَّا بالتي هي أحسنُ، إشارةً إلى
أنَّ تلك الشنائعَ لا يأتيها النبيُّ عليه الصلاة والسلام وإنْ لم يُنهَ عنها؛ لأنَّ فِطرته
وفِطنته، وسلامةَ طبعهِ اللطيف، واستقامةَ مزاجِه الشّريف، كانت كافيةً في كفِّه
عنها. وكذا صُرِف عنه الخطابُ في الأمر بالإحسان بالوالدين والإيفاءِ بالعهد
والوزنِ بالقسطاس المستقيم، إشارةً إلى أنَّه ◌ِّهِ يأتي بهذه الأمورِ وإنْ لم يؤمَر بها؛
لأنَّ تركَ مطلقِ الإحسان بالَوَالدَين لو بلغا لديه الكِبَرَ مثلاً، يَلزمه من الفظاظة وغِلظةٍ
القلب وجَفاءِ الطبع ما كان يأباه طبيعتُهُ وَّرَ، وكذا الغدرُ والتطفيفُ، كانا
تأباهما أخلاقُه الكريمة، لكن خوطب بالنَّهي عن الشِّرك؛ لأنَّه ليس للطبع والخُلق
في التوحيد والشّرك دَخْل.
والثامن: أنَّه تعالى إجلالاً لحبيبه وَّ لم يخاطبه بنهيه عن فواحشٍ قتل الولدِ
والزِّنى وقتلِ النَّفْس بغير حقٌّ؛ لئلا يوهِمَ أنه كان - وحاشاه - يأتيها قبل النَّهي، وكذا
لم يخاطبْه بأمره بالإِيفاء بالعهد والوزن بالقسطاس المستقيم؛ لئلا يوهم أنَّه
كان - وحاشاه - يتركها قبلَ هذا، وهذا الإيهامُ أدعَى للاعتناء بدفعه من الإِيهام
فيما خوطب به وحدَه، وخوطب بالنَّهي عن الشِّرك؛ لأنَّ معهوديةَ دعوتِهِ وَل
للخاصِّ والعامِّ، مدى الليالي والأيام، كفته هذا الإِيهامَ.

سُؤَةُ الاسْرارة
٥٢٠
الآية : ٣٩
والتاسع: لعل التكاليفَ التي خوطب وَّه بها، كترك القَفو لِمَا ليس له به علم،
وتركِ المشي في الأرض مرحاً، لم تكن في غير دِينهِ من سائر الأديان، أو لم تكن
مصرَّحاً بها منصوصاً عليها في الكتب السماويةِ ما عدا القرآن، فوجِّه الخطابُ إليه
وحده تلويحاً بأنَّها من خصائص دينهٍ، أو بأنَّ التصريحَ بها والتنصيصَ عليها من
خصائص كتابِهِ. ويؤيِّد هذا الوجهَ قولُه تعالى بعد النَّهي عن القَفو بلا علمٍ والمشي
مرحاً: (ذَلِكَ مِنَّا أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الِحِكْمَةِ).
ثم إنِّي لا أدَّعي في هذا بل وفي سائر الوجوهِ البثَّ والجزم، ولا أَقفو ما ليس
لي به عِلم، بل أقول: هذا خطر ببالي الكَسير، والعلمُ عند اللطيفِ الخبير. اهـ.
ويَرِد على قوله في الأوَّل: فإنَّ انتفاءه - بألّا يُحسِنَ إليهما أصلاً - من أشدِّ
مراتبٍ العقوق، أنَّ العقوق الذي هو كبيرةٌ فِعل ما يتأذَّى به من فعل معه من
الوالدين تأذِّياً ليس بالهيِّن عرفاً كما سمعتَ، وعدمُ الإحسان أصلاً قد لا يكون من
ذلك. قال العلامة ابن حجرٍ(١) في أثناء الكلام على الفرق بين العقوقٍ
وقطع الرَّحم: إنَّه لو فُرض أنَّ قريبه لم يصل إليه إحسَانٌ ولا إساءة قط، لم يفسَّق
بذلكَ؛ لأنَّ الأبوين إذا فُرض ذلك في حقِّهما من غير أن يفعلَ معهما ما يقتضي
التأذِّيَ العظيمَ لغناهما مثلاً، لم يكن كبيرةً، فأولَى بقيةُ الأقارب. اهـ.
وكأنه - أَحسنَ اللهُ تعالى إليه - ظنَّ أنَّه إذا تحقَّق عدمُ الإحسان تحقَّقت الإِساءة،
وهو بمعزلٍ عن الصَّواب.
ويرد أيضاً على قوله: وظاهرٌ أنَّ عدم القيام بإيتاء مجموع الحقوق الثلاثةِ أهونُ
من ترك الأمورِ المذكورةِ في القسم الثاني، أنَّه إن أراد أنَّه أَهونُ من ترك مجموعِ
تلك الأُمور، فلا شكَّ أنَّ بعضَ ما عدَّه في القسم الثالثِ كالوزن بالقسطاس
المستقيم تركُ القيام به أهونُ من ترك مجموع التكليفات، فما معنى هذا التخصيصٍ؟
وإِنْ أرادَ أنَّه أهونُ مَن ترك كلِّ واحدٍ من ترك الأمورِ المذكورة، فهو ممنوعٌ، كيف
لا ويكون في ذلك قطيعةُ رحمٍ وقاطعُها ملعونٌ في كتاب اللهِ تعالى في ثلاثة
مواضع؟ وروى أحمدُ(٢) بإسنادٍ صحيحٍ: ((إنَّ من أَربى الرِّبا الاستطالةُ بغير حقٍّ،
(١) في الزواجر ٧٤/٢.
(٢) برقم (١٦٥١) عن سعيد بن زيد ، وسلف ٢٦٩/٥.